Teftâzânî — Şerhu'l-Makâsıd (Mâtürîdî/Eş'arî kelam)
( 1 ) وهو للمتكلمين أن كل عرض غير متخير بالذات ضرورة أنه من خواص الجوهر ولا شيء من غير المتحيز بالذات بمنتقل ضرورة أن الانتقال عبارة عن الحركة الأينية أي الحصول في حيز بعد الحصول في آخر بمعنى الحدوث لا بمعنى الثبات فيه لأنه سكون ورد بأن كون الانتقال عبارة عن الحصول في الحيز بعد الحصول في آخر إنما هو انتقال الجوهر وإما انتقال العرض فعبارة عن الحصول في موضوع بعد الحصول في موضوع آخر ولا نسلم أنه من خواص المتحيز ( 2 ) وهو للحكماء أن تشخص العرض لا يجوز أن يكون لماهيته والألزم انحصار الماهية في شخص ضرورة امتناع تخلف المعلول عن علته الموجبة ولا لما هو حال في العرض والألزم الدور لأن الحال في الشيء محتاج إليه متأخر عنه في الوجود فلو كان علة لتشخصه لكان متقدما عليه ولا لأمر منفصل عنه لأن نسبته إلى الكل على السواء فإفادته هذا التشخص دون ذاك ترجح بلا مرجح ولا لهويته على ما أورده صاحب المواقف سندا لمنع الحصر لأن الهوية تطلق على التشخص وعلى الوجود الخارجي وعلى الماهية من حيث كونها مشخصة وشيء من هذه المعاني ليس بمتقدم على التشخص ليكون علة له فتعين أن يكون تشخص العرض بمحله فإن قيل يجوز أن يكون لأمر حال في محله قلنا ينقل الكلام إلى علة تشخص ذلك الأمر ويرجع آخر الأمر إلى المحل دفعا للدور والتسلسل وإذا كان تشخصه بمحله امتنع بقاؤه بالشخص عند انتقاله عن ذلك المحل ورد بأنا لا نسلم أن نسبة المنفصل إلى الكل على السواء لجواز أن يكون له نسبة خاصة إلى هذا التعين سيما إذا كان مختارا وهو ظاهر ( 3 ) أن العرض محتاج إلى المحل ضرورة فمحله المحتاج إليه إما أن يكون غير معين وهو ليس بموجود ضرورة أن كل موجود معين فيلزم أن يكون غير الموجود محلا للموجود وهو محال وإما أن يكون معينا فيمتنع مفارقته عنه وهو المطلوب ورد بأنه المعين بتعين ما سواء كان هذا أو ذاك كالجسم يحتاج إلى حيز ما كذلك ولا يمتنع انتقاله عنه وهذا هو المعنى بقولهم أن المحتاج إليه محل معين لا بعينه ولا يرد عليه أن ما يكون لا بعينه كان مبهما غير موجود والمرجع بقولهم أنه محل غير معين بمعنى أنه لا يشترط التعين وهو أعم من الذي يشترط اللاتعين فلا يلزم عدمه ( 4 ) أنه لو جاز انتقال العرض فهو حالة الانتقال إما أن يكون في المحل المنتقل عنه أو المنتقل إليه وهو باطل لأن هذا استقرار وثبات قبل الانتقال أو بعده لا انتقال أو في محل آخر ضرورة امتناع كون العرض لا في محل فينقل الكلام إلى انتقاله إلى هذا المحل ويعود المحذور ورد أولا بالنقض بانتقال الجسم من حيز إلى حيز فإنه حالة الانتقال إما أن يكون في الحيز المنتقل عنه أو المنتقل إليه أو غيرهما والكل باطل لما ذكرتم فما هو جوابكم فهو جوابنا وثانيا بأنا نختار أنه في حيز ثالث هو بعض من المنتقل عنه وبعض من المنتقل إليه وهكذا حالة الانتقال إلى هذا المحل وإلى ما بينهما إلى مالا يتناهى أو ينتهي إلى جزء لا يتجزأ غاية الأمر أنه يمتنع انتقال العرض الذي يكون في الجوهر الفرد ( قال المبحث الرابع ) جمهور المتكلمين على أنه يمتنع قيام العرض بالعرض تمسكا بوجهين الأول أن معنى قيام العرض بالمحل أنه تابع له في التحيز فما يقوم به العرض يجب أن يكون متحيزا بالذات ليصح كون الشيء تبعا له في التحيز والمتحيز بالذات ليس إلا الجوهر
الثاني أنه لوقام عرض بعرض فلا بد بالآخرة من جوهر تنتهي إليه سلسلة الأعراض ضرورة امتناع قيام العرض بنفسه وحينئذ فقيام بعض الأعراض بالبعض ليس أولى من قيام الكل بذلك الجوهر بل هذا أولى لأن القائم بنفسه أحق بأن يكون محلا مقوما للحال ولأن الكل في حيز ذلك الجوهر تبعا له وهو معنى القيام واعترض على الوجهين بأنا لا نسلم أن معنى قيام الشيء بالشيء التبعية في التحيز بل معناه اختصاص الشيء بالشيء بحيث يصير نعتا له وهو منعوتا به كاختصاص البياض بالجسم لا الجسم بالمكان والقيام بهذا المعنى لا يختص بالمتحيز كما في صفات الله تعالى عند المتكلمين وصفات الجواهر المجردة عند الفلاسفة فضلا عن أن يختص بالمتحيز لا بالتبعية ثم انتهاء قيام العرض إلى الجوهر مما لا نزاع فيه إلا أنه لا يوجب قيام الكل به لجواز أن يكون الاختصاص الناعت فيما بين بعض الأعراض بأن يكون عرض نعتا لعرض لا للجوهر الذي إليه الانتهاء كالسرعة للحركة والملاسة للسطح والاستقامة للخط فإن المنعوت حقيقة بهذه الأعراض هي تلك لا الجسم فلهذا جوزت الفلاسفة قيام العرض بالعرض وزعموا أن النقطة عرض قائم بالخط والخط بالسطح بمعنى أن ذا النقطة هو الخط وذا الخط هو السطح لا الجسم ومن القائلين بجواز قيام العرض بالعرض من بالغ في ذلك وتمادى في الباطل حتى زعم أن كلا من الوحدة والوجود عرض قائم بمحله فوحدة العرض ووجوده يكون من قيام العرض بالعرض وأجاب المتكلمون بأن مثل النقطة والخط عدمي ولو سلم فمن الجواهر لا الأعراض على ما سيجيء ومثل الملاسة والاستقامة على تقدير كونه وجوديا إنما يقوم بالجسم وبأن السرعة أو البطء ليس عرضا زائدا على الحركة قائما بها بل الحركة أمر ممتد يتخلله سكنات أقل أو أكثر باعتبارها تسمى سريعة أو بطيئة ولو سلم أن البطء ليس لتخلل السكنات فطبقات الحركات أنواع مختلفة والسرعة والبطء عائدا إلى الذاتيات دون العرضيات أو هما من الاعتبارات اللاحقة للحركة بحسب الإضافة إلى حركة أخرى تقطع المسافة المعينة في زمان أقل أو أكثر ولهذا يختلف باختلاف الإضافة فتكون السريعة بطيئة بالنسبة إلى الأسرع وبالجملة فليس هناك عرض هو الحركة وآخر هو السرعة أو البطء وأما الوحدة والوجود فقد سبق أن الوحدة اعتبار عقلي بل عدمي وأن الوجود في الخارج نفس الماهية أو هو من الاعتبارات العقلية أو واسطة بين الموجود والمعدوم وبالجملة فجعله من قبيل الأعراض خطأ فاحش لا ينبغي أن يقول به المحصل فإن من شأن العرض أن يفتقر في التقوم إلى المحل ويستغني عنه المحل قال المبحث الخامس ذهب كثير من المتكلمين إلى أن شيئا من الأعراض لا يبقى زمانين بل كلها على التقضي والتجدد كالحركة والزمان عند الفلاسفة وبقاؤها عبارة عن تجدد الأمثال بإرادة الله تعالى وبقاء الجوهر مشروط بالعرض فمن ههنا يحتاجان في بقائهما إلى المؤثر مع أن علة الاحتياج هو الحدوث لا الإمكان احتج أهل الظاهر منهم بوجهين ( 1 ) أن العرض اسم لما يمتنع بقاؤه بدلالة مأخذ الاشتقاق يقال عرض لفلان أمر أي معنى لا قرار له وهذا أمر عارض وهذه الحالة ليست بأصلية بل عارضية ولهذا يسمى السحاب عارضا وليس اسما لما يقوم بذاته بل يفتقر إلى محل يقوم به إذ ليس في معناه اللغوي ما ينبئ عن هذا المعنى ( 2 ) أنه لو بقي فإما ببقاء محله فيلزم أن يدوم بدوامه لأن الدوام هو البقاء وأن يتصف بسائر صفاته من التحيز والتقوم بالذات وغير ذلك لكونها من توابع البقاء وإما ببقاء آخر فيلزم أن يمكن بقاؤه مع فناء المحل ضرورة أنه لا تعلق لبقائه ببقائه وكلا الوجهين في غاية الضعف لأن العروض في اللغة إنما ينبئ عن عدم الدوام لا عن عدم البقاء زمانين وأكثر ولو سلم فلا يلزم في المعنى المصطلح عليه اعتبار هذا المعنى بالكلية ولأن بقاءه ببقاء آخر لا يستلزم إمكان بقائه مع فناء المحل لجواز أن يكون بقاؤه مشروطا ببقاء المحل لوجوده بوجود مو احتج أهل التحقيق بوجهين
( 1 ) أنه لو كان باقيا لكان بقاؤه عرضا قائما به ضرورة كونه وصفا له واللازم باطل لاستحالة قيام العرض بالعرض ورد بمنع الملازمة فإن البقاء عبارة عن استمرار الوجود وانتسابه إلى الزمان الثاني والثالث وليس عرضا قائما بالباقي ومنع انتفاء اللازم إذ لا يتم البرهان على امتناع قيام العرض بالعرض ( 2 ) أنه لو بقي لامتنع زواله واللازم ظاهر البطلان وجه اللزوم أنه لو أمكن زواله بعد البقاء لكان زواله حادثا مفتقرا إلى سبب فسببه إما نفس ذاته فيمتنع وجوده ضرورة أن ما يكون عدمه مقتضى ذاته لم يوجد أصلا وإما زوال شرط من شرائط الوجود فينقل الكلام إلى زوال ذلك الشرط ويتسلسل ضرورة أنه يكون لزوال شرط له وهلم جرا وإما طريان ضد وهو باطل لوجهين أحدهما لزوم الدور فإن طريان أحد الضدين على المحل مشروط بزوال الآخر وهو موقوف عليه فلو توقف زوال الآخر على طريانه كان دورا وثانيهما أن التضاد والتنافي إنما هو من الجانبين فدفع الطاري للباقي ليس أولى من دفع الباقي إياه بل الدفع أهون من الرفع لأن فيما يرفع قوة استقرار وسابقة ثبات لا تكون فيما يدفع وأما فاعل مختار أو موجب مع شرط حادث فيلزم أن يكون له أثر ليصح أنه مؤثر إذ حيث لا أثر لا تأثير والعدم نفي محض لا يصلح أثرا ورد بالنقض والقلب والحل إما النقض فتقريره أنه لو صح هذا الدليل لزم أن لا تكون الأجسام باقية وإلا لما جاز عدمها بعين ما ذكر ودفعه بالمناقشة في بقائها كما نسب إلى النظام أو في جواز زوالها كما نسب إلى الكرامية وبعض الفلاسفة يندفع بأن الأول ضروري والثاني مبين في بابه نعم يدفع عند المعتزلة بأن زوال الجسم يكون بأن يخلق الله تعالى فيه عرضا منافيا للبقاء هو الفناء وعندنا بأن ذات الجوهر وإن كان شرطا للعرض إلا أن بقاءه مشروط بالعرض فيجوز أن ينعدم بأن ينقطع تجدد ما لزمه من العرض بأن لا يخلقه الله تعالى ولا يصح هذا في العرض لأنه لا يصلح محلا للعرض حتى يقوم به عرض الفناء أو الذي هو شرط البقاء فإن قيل قيام العرض بالعرض ليس بأبعد من قيام العرض بالمعدوم قلنا مبني على أصلهم في ثبوت المعدوم فإن كان جوهرا يصلح محلا للعرض وإن كان عرضا فلا كما في حال الوجود وأما القلب فلأن العرض لو لم يبق ففناؤه أي عدمه عقيب الوجود إما بنفسه أو بغيره من زوال شرط أو طريان ضد أو وجود مؤثر والكل باطل بعين ما ذكر وأما الحل فيمنع بعض مقدمات بيان إبطال أجزاء المنفصلة وذلك من وجوه الأول لا نسلم أنه لو كان زواله بنفسه لكان ممتنع الوجود وإنما يلزم لو اقتضى ذاته العدم مطلقا وأما إذا اقتضاه في بعض الأحوال كحال ما بعد البقاء فلا وذلك كالحركة تقتضي العدم عقيب الوجود غاية الأمر أن ترجح بعض الأوقات للزوال يفتقر إلى شرط لئلا يلزم تخلف المعلول عن تمام العلة الثاني لانم أنه لو كان زواله بزوال شرط لزم الدور أو التس لجواز أن يكون وجود العرض مشروطا بوجود أعراض تتجدد في محالها على سبيل التبادل بأن يصير لاحق بدلا عن سابق في الشرطية إلى أن تنتهي بلاحقهما إلى عرض لا يوجد الفاعل له بدلا فح يزول العرض المشروط بهذا الشرط لزوال شرطه
الثالث لانم أنه لو زال بطريان الضد لزم الدور المحال أو الترجح بلا مرجح أما الأول فلأنه إن أريد بتوقف طريان الضد على زوال الآخر واشتراطه به أن تحققه محتاج إلى تحقق الزوال ولزوال متقدم عليه ولو بالذات ليكون تقدم الطريان عليه بالعلية دورا فاللزوم ممنوع وإن أريد أنه لا يفارقه ويمتنع أن يتحقق بدونه فالاستحالة ممنوعة وذلك كدخول كل جزء من أجزاء الحلقة في حيز الآخر وخروج الآخر عنه فإنه لا يتحقق أحدهما بدون الآخر من غير استحالة نعم يكون للطريان سبق علية وهو لا ينافي المعية الزمانية على أنه يجوز أن تكون العلة طريان الضد على المجاور ويكون طريانه على المحل وزوال الباقي عنه معا بحسب الذات لا تقدم لأحدهما على الآخر أصلا وأما الثاني فلجواز أن يكون الطاري أقوى بحسب السبب فيرفع الباقي ولا يندفع به وإن تساويا في التضاد الرابع لانم أن العدم لا يصلح أثرا للفاعل كيف وهو حادث يفتقر إلى محدث والفاعل معدم يلزم أن يكون أثره العدم ولو سلم فنختار أنه بفاعل بمعنى أن لا يفعل العرض أي يترك فعله لا بمعنى أن يفعل عدمه قال والحق يريد أن امتناع بقاء الأعراض على الإطلاق وإن كان مذهبا للاشاعرة وعليه يبتني كثير من مطالبهم إلا أن الحق أن العلم ببقاء بعض الأعراض من الألوان والأشكال سيما الأعراض القائمة بالنفس كالعلوم والإدراكات وكثير من الملكات بمنزلة العلم ببقاء بعض الأجسام من غير تفرقة فإن كان هذا ضروريا فكذا ذاك وإن كان ذاك باطلا فكذا هذا وليس التعويل في بقاء الأعراض على مجرد المشاهدة أو على قيامها على الأجسام حتى يرد الاعتراض بأن الأمثال المتجددة على الاستمرار قد تشاهد أمرا مستمرا باقيا كالماء المصبوب من الأنبوب وبأن القياس على الجسم تمثيل بلا جامع ولا على أنه لما جاز وجود العرض في الزمان الثاني بطريق الإعادة مع تخلل العدم فبدونه أولى لأنه ممنوع بمقدمتيه أعني الملازمة ووضع الملزوم كما أن التعويل في بقاء الأجسام ليس على المشاهدة أو الاستدلال بأنه لولاه لبطل الموت والحياة بناء على أن الحياة عبارة عن استمرار وجود الحيوان والموت عن زوالها لجواز أن تكون الحياة تجدد الأمثال على الاستمرار والموت انقطاعه قال الفصل الثاني في الكم وفيه مباحث ثلاثة لأحكامه الكلية وللزمان وللمكان فمن الأحكام الكلية بيان خواصها وهي ثلاث الأولى قبول القسمة لذاته حتى أن غيره من الأجسام والأعراض إنما يقبل القسمة بواسطته والقسمة تطلق على الوهمية وذلك بأن يفرض فيه شيء غير شيء وعلى الفعلية بأن ينفصل وينقطع بالفعل أي يحدث له هويتان بعد أن كانت هوية واحدة والجمهور عرفوا الكم بقبول القسمة فقالوا هو عرض يقبل القسمة لذاته والمراد الوهمية لما سيجيء الثانية قبول المساواة واللامساواة بمعنى أنه إذا نسب إلى كم آخر فإما أن يكون مساويا له أو أزيد أو أنقص وهذه الخاصة فرع الأولى لأنه لما اشتمل على أجزاء وهمية أو فعلية لزم عند نسبته إلى كم آخر أن يكون عدد أجزائهما على التساوي أو على التفاوت وقال الإمام أن قبول الانقسام إنما يلزم الكم بسبب الخاصة الأولى لأنه لما كانت الأجسام يتقدر بعضها بالبعض من غير لزوم المساواة وجب أن يكون فيها ما يقبل المساواة واللامساواة لذاته وهو المقدار ولا يتصور اللامساواة إلا بأن يشتمل أحدهما على مثل الآخر مع الزيادة فلزم أن يقبل القسمة أي فرض شيء غير شيء
الثالثة اشتماله على أمر يعده أي يغنيه بالإسقاط عنه مرارا عاما بالفعل كما في الكم المنفصل فإن الأربعة تعد بالواحد أربع مرات وإما بالقوة كما في المتصل فإن السنة تعد بالشهور والشهور بالأيام واليوم بالساعات وكذلك الذراع يعد بالقبضات والقبضة بالأصابع والأصبع بالشعيرات والشعيرة بالشعرات وذكر الإمام أن هذه الخاصة هي التي تصلح لتعريف الكم بها لا الأولى لأن المساواة لا تعرف إلا بالاتفاق في الكمية فيكون تعريف الكم بها دورا إلا أن يقال المساواة واللامساواة مما يدرك بالحس لكن مع المحل لا مفردا فإنه لا ينال إلا بالعقل فقصد تعريف ذلك المعقول بهذا المحسوس ولا الثانية لأن قبول القسمة من عوارض الكم المتصل لا المنفصل فلا يشمله التعريف فلا ينعكس وأرى أنه بني ذلك على أن قبول الشيء عبارة عن إمكان حصوله من غير حصول بالفعل ولا شك أن الانقسام في الكم المنفصل حاصل بالفعل وأما إذا أريد بالقبول أعم من ذلك أعني إمكان فرض شيء غير شيء فلا خفاء في شموله المتصل والمنفصل ولذا قال الإمام أن قبول القسمة من عوارض المتصل دون المنفصل إلا إذا أخذ القبول باشتراك الاسم وأما ما وقع في المواقف من أنه كأنه أخذ القسمة الانفكاكية فسهو ظاهر لأن الإمام قد صرح في هذا الموضع بأن القسمة الانفكاكية يستحيل عروضها للمقدار إذ عندها يبطل المقدار ويحدث مقداران آخران نعم المقدار يهيء المادة لقبول الانقسام لكن لا يلزم حصول ذلك الاستعداد في نفس المقدار ولإبقاء المقدار عند حصول الانقسام كالحركة تهيء الجسم للسكون الطبيعي ولا تبقى معه ( قال والمتصل ) من أحكام الكم انقسامه إلى المتصل والمنفصل ثم المتصل إلى أقسامه فالكم إما أن يكون لأجزائه المفروضة حد مشترك أو لا الثاني المنفصل وهو العدد لا غير لأن حقيقته ما يجتمع من الوحدات بالذات ولا معنى للعدد سوى ذلك وغيره إنما يتصف بذلك لكونه معروضا للعدد لكون أجزائه معروضا للوحدة كالقول الذي توهم أنه كم منفصل على ما سيحقق في بحث الحروف والأول المتصل وهو إما أن يكون قار الذات أي مجتمع الأجزاء في الوجودد أو لا الثاني الزمان والأول المقدار وهو أن قبل القسمة في جهة واحدة فقط فخط وإن قبلها في جهتين فقط فسطح وإن قبلها في جهات فجسم تعليمي فالخط امتداد واحد لا يحتمل إلا تجزية في جهة والسطح امتداد يحتمل التجزية في جهة وأمكن أن يعارضها تجزية أخرى قائمة عليها حتى يمكن فيها فرض بعدين على قوائم ولا يمكن غير ذلك والجسم يحتمل التجزية في ثلاث جهات وحقيقته كمية ممتدة في الجهات متناهية بالسطح الواحد المحيط أو بالسطوح لها باعتبار كل جهة امتداد لازم كما في الفلك أو غير لازم بل متغير كما في الشمعة مثلا بين السطوح الستة للمربع جوهر متحيز هو الجسم الطبيعي وكمية قائمة به سارية فيه هو الجسم التعليمي ويسمى باعتبار كونه حشوما بين السطوح أو جوانب السطح الواحد المحيط تختا وباعتبار كونه نازلا من فوق عمقا وباعتبار كونه صاعدا من تحت سمكا والثلاثة كم متصل لأن الأجزاء المفروضة للخط تتلاقى على نقطة مشتركة وللسطح على خط مشترك وللجسم على سطح مشترك وكذا الزمان إذا اعتبر انقسامه يتوهم فيه شيء هو الآن يكون نهاية للمضي وبداية للمستقبل بخلاف الخمسة فإنها إذا قسمت إلى اثنين وثلاثة لم يكن هناك حد مشترك وإن عين واحد من الخمسة للاشتراك كان الباقي أربعة لا خمسة وإن أخذ واحد خارج صارت الخمسة ستة ( قال ويختص ) يعني أن الجسم التعليمي يمكن أن يتخيل بشرط أن لا يكون معه غيره حتى أن أصحاب الخلاف جوزوا وجود ذلك في الخارج أيضا وأما السطح والخط فلا يمكن أخذهما كذلك وإلا لأمكن تخيل السطح بشرط عدم الجسم والخط بشرط عدم السطح وحينئذ يلزم أن يكون للسطح حد من جهة العمق كما له حدان من جهة الطول والعرض وأن يكون للخط حدان من جهة العرض والعمق كما له حد من جهة الطول فيكون المتخيل جسما لا سطحا أو خطا هذا محال ويشترك الثلاثة في إمكان أخذها لا بشرط شيء كما إذا تخيلنا مجموع الأبعاد الثلاثة من غير التفات إلى شيء آخر من المادة وعوارضها كان ذلك المتخيل جسما تعليميا وينتهي بالسطح فإذا تخيلناه من غير التفات إلى غيره كان سطحا تعليميا وينتهي بالخط وإذا تخيلناه من غير التفات إلى شيء من السطوح وغيرها كان خطا تعليميا قال والكم منه قد يقال الكم لما يقبل القسمة فينقسم إلى الذاتي والعرضي لأن قبوله القسمة إن كان لذاته فذاتي كالعدد والزمان والمقدار وإلا فعرضي بأن يكون محلا للذاتي كالمعدود والحركة والجسم أو حالا فيه كالشكل أو في محله كبياض الجسم أو متعلقا بمحله كالقوى التي تتصف بتناهي الآثار ولاتناهيها والكم بالذات لا يقبل الشدة والضعف إذ لا يعقل عدد أو مقدار أشد في العددية أو المقدارية وإنما يقبل الزيادة والنقصان والكثرة والقلة والفرق بينهما أن تعقل كل من الزيادة والنقصان لا يكون إلا بالقياس إلى تعقل الآخر بخلاف الكثرة والقلة والفرق بينهما وبين الاشتداد أن العدد إذا كثر والخط إذا ازداد أمكن أن يشار فيه إلى مثل ما كان مع الزيادة بأن يقال هذا هو الأصل وهذا هو الزائد بخلاف ما إذا اشتد السواد وأيضا الكم بالذات لا يقبل التضاد أما العدد فلأن بعضه داخل في البعض ولا يتصور بين عددين غاية الخلاف ولا اتحاد الموضوع وأما المقدار فلأنه لا يعقل بين مقدارين غاية الخلاف ولا اتحاد الموضوع ولأن كلا منهما قابل للآخر أو مقبول له قال ولا تنافي يعني أن الشيء الواحد قد يكون كما بالذات وكما بالعرض كالزمان فإنه بالذات كم متصل غير قار وبالعرض كم منفصل قار لانطباقه على الحركة المنطبقة على المسافة التي هي مقدار وأيضا قد يكون الشيء الواحد كما بالعرض على وجهين أو أكثر من وجوه العرضية كالحركة فإنها كم بالعرض من جهة كونها حالة في محل الكم أعني الجسم المتحرك ولهذا يقبل التجزي فإن الحركة القائمة بنصف المتحرك نصف الحركة القائمة بالكل ومن جهة كونها منطبقة على الكم المتصل الذي هو المسافة ولهذا تتفاوت قلة وكثرة فإن الحركة إلى نصف المسافة أقل من الحركة إلى منتهاها ومن جهة كونها منطبقة على الزمان الذي هو كم متصل غير قار ولهذا تتفاوت بالسرعة والبطء فإن قطع المسافة المعينة في زمان أسرع منه في زمانين وقد يعرض الكم المنفصل للكم المتصل الغير القار أو القار كما يقال هذا اليوم عشر ساعات وهذا الذراع ست قبضات قال والمقدار قد يؤخذ يعني أنه قد يراد بالطول والعرض والعمق نفس الامتداد على ما مر فتكون كميات محضة وقد يراد بالطول البعد المفروض أو لا أو أطول الامتدادين أو البعد المأخوذ من رأس الإنسان إلى قدمه أو الحيوان إلى ذنبه أو من مركز الكرة إلى محيطها وبالعرض البعد المفروض ثانيا أو أقصر البعدين أو البعد الآخذ من يمين الحيوان إلى شماله وبالعمق البعد المفروض ثالثا أو الثخن المعتبر من أعلى الشيء إلى أسفله أو فيما بين ظهر الحيوان وبطنه وحينئذ لا يكون كميات محضة بل مأخوذة مع إضافات ولهذا يصح سلبها عن الامتداد كما يقال هذا الخط طويل وذاك ليس بطويل وهذا السطح عريض وذاك ليس بعريض ( قال وأنكر المتكلمون ) قد اشتهر خلاف من المتكلمين في وجود الكميات على الإطلاق أما العدد فلما مر في باب الوحدة والكثرة وكأنه مبني على نفي الوجود الذهني وإلا فالفلاسفة لا يجعلونه من الموجودات العينية بل من الاعتبارات الذهنية وأما الزمان فلما سيأتي وأما المقادير فبناء على أن الجسم متألف من أجزاء لا تتجزأ مجتمعة على وجه التماس دون الاتصال الرافع للمفاصل والمقاطع والمجتمع من ترتبها على سمت واحد هو الخط وباعتباره يتصف بالطول وعلى سمتين هو السطح وباعتباره يتصف بالعرض والتفاوت راجع إلى قلة الأجزاء وكثرتها ولو سلم أن المقادير ليست جواهر فهي أمور عدمية إذ السطح نهاية وانقطاع للجسم والخط للسطح كالنقطة للخط ولا يثبت للجسم التعليمي ولو ثبت فالمتألف من العدمي عدمي واحتج الحكماء على كون المقادير أعراضا لا جواهر هي أجزاء الجسم إما إجمالا فبأنها تتبدل مع بقاء الجسم بعينه كالشمعة المعينة تجعل تارة مدورا له سطح واحد ولا خط فيه وتارة مكعبا لها سطوح وفيها خطوط والمكعب يجعل تارة مستطيلا يزداد طوله وينتقص عرضه وتارة بالعكس وإما تفصيلا فبأن ثبوت السطح للجسم يتوقف على تناهيه ضرورة أن غير المتناهي لا يحيط به سطح وثبوت التناهي يفتقر إلى برهان يدل عليه كما سيجيء في بيان تناهي الأبعاد فلو كان السطح من أجزاء الجسم لما كان كذلك وثبوت الخط للكرة يتوقف على حركتها الوضعية المستديرة لتحدث نقطتان لا يتحركان هما قطباها وبينهما خط هو المحور وعلى محيطها منطقة هي أعظم الدوائر أو يتوقف على قطعها ليحدث سطح مستدير هو دائرة يحيط بها خط مستدير وما يتوقف ثبوته للشيء على الغير لا يكون نفسه ولا جزأ منه واحتجوا على كون المقادير وجودية بأنها ذوات أوضاع يشار إليها إشارة حسية بأنها هنا ولا إشارة إلى العدم غاية ما في الباب أن عروض السطح للجسم التعليمي وعروض الخط للسطح وعروض النقطة للخط إنما يكون باعتبار التناهي وهو عدم الامتداد الآخذ في جهة ما بمعنى نفاذ ذلك الامتداد وانقطاعه وهذا القدر لا يقتضي عدمية هذه الأمور لجواز أن يكون الوجودي مشروطا بالعدمي ومتصفا به وأجيب بأن الذي يتغير ويتبدل مع بقاء الجسم هو وضع الجواهر الفردة بعضها مع بعض فقد يجتمع وقد يفترق ولكل من الاجتماع والافتراق هيئات مخصوصة فإن أريد بثبوت المقادير هذا فلا نزاع وإن اريد إعراض قائمة بالجسم غير أجزائه وهيئات ترتبها فممنوع ولا دلالة لما ذكرتم عليه وإنما يتم لوثبت نفي الجزء الذي لا يتجزأ وما ذكر من توقف السطح والخط على أمر خارج عن الجسم وعما يتوقف عليه الجسم ليلزم كونهما عرضين فراجع إلى ما ذكرنا إذ حقيقتهما عندنا الجواهر الفردة لكن على وضع وترتيب مخصوص بأن يترتب على الطول من غير عرض أو على الطول والعرض من غير عمق والمتوقف على الغير هو تلك الحالة والترتيب المخصوص وما ذكر من كونها ذوات أوضاع فعندنا الإشارة إنما هي إلى نفس الجواهر الفردة المترتبة ترتبا مخصوصا والنهايات أعدام وانقطاعات بمعنى أنه ليست بعد تلك الجواهر جواهر أخر ( قال المبحث الثاني في الزمان ) احتج المتكلمون على نفيه بوجوه
الأول أنه لو وجد لكان بعض أجزائه متقدما على البعض للقطع بأنه ليس أمرا قار الذات مجتمع الأجزاء بحيث يكون الحادث الآن حادثا يوم الطوفان بل لو وجد لم يكن إلا أمرا منقضيا متصرما يحدث جزء منه بعد جزء بعدية زمانية ضرورة امتناع اجتماع المتأخر مع المتقدم ههنا وإمكانه في سائر أقسام التقدم فيكون للزمان زمان وينقل إليه فيتسلسل وأجيب بأن تقدم بعض أجزاء الزمان على البعض نظرا إلى ذاته من غير أن يجتمعا في الوجود معلوم بالضرورة ككون الأمس قبل اليوم نظرا إلى مجرد مفهوميهما من غير احتياج إلى عارض فإن سمي مثله تقدما زمانيا فلا إشكال وإن اشترط كون كل من المتقدم والمتأخر في زمان فلا حصر لأقسام التقدم في الخمسة بل التقدم فيما بين أجزاء الزمان قسم سادس يناسب أن يسمى التقدم بالذات الثاني أن الزمان إما ماض أو مستقبل أو حاضر ولا وجود للأولين وهو ظاهر وكذا الثالث لأنه لو وجد فإما أن يكون منقسما وهو محال ضرورة امتناع اجتماع أجزاء الزمان في الوجود أو غير منقسم وينقل الكلام إلى الجزء الثاني الذي يصير حاضرا وهلم جرا فيلزم تركب الزمان من آيات متتالية وهو منطبق على الحركة المنطبقة على المسافة التي هي نفس الجسم ومنطبقة عليه فيلزم تركب الجسم من أجزاء لا تتجزأ وهو باطل إلزاما أو استدلالا بأدلة الثقاة فإن قيل لو صح هذا الدليل لزم أن لا تكون الحركة موجودة لجريانه فيها إذ لا وجود للماضي منها والمستقبل ووجود الحاضر لعدم انقسامه يستلزم الجزء الذي لا يتجزأ مع أن وجودها معلوم بالضرورة قلنا هذا النقض لا يتم إلزاما أن المتكلمين يلتزمون وجود الجزء الذي لا يتجزأ ولا استدلالا لأن الموجود من الحركة هو الحصول في الوسط على استمرار من أول المسافة إلى آخرها وهو ليس بمتجزي إلى الماضي والمستقبل والحاضر ليتأتى الترديد المذكور بخلاف الزمان فإنه كم منقسم لذاته وليس بحاصل من المبدأ إلى المنتهى للقطع بأن الحادث يوم الطوفان ليس حادثا الآن وسيجيء لهذا زيادة تحقيق في بحث الحركة وأجيب عن أصل الاستدلال بأنا لا نسلم أنه لا وجود للماضي ولا للمستقبل من الزمان كيف ولا معنى للماضي إلا ما فات بعد الكون ولا للمستقبل إلا ما هو بصدد الكون بل غاية الأمر أنه لا وجود لهما في الحال فإن قيل الماضي لا وجود له في الحال ولا في المستقبل وهو ظاهر ولا في الماضي لأنه إما أن يكون منقسما فيلزم اجتماع أجزاء الزمان أو غير منقسم فيلزم الجزء الذي لا يتجزأ وكذا الكلام في المستقبل أجيب بأن الموجود في أحد الأزمنة أخص من مطلق الموجود وكذب الأخص لا يستلزم كذب الأعم فإن قيل الموجود عام ينحصر أقسامه فيما يكون موجودا في الماضي أو في المستقبل أو في الحال والعام إذ انحصر في أقسام معدودة كل منها معدوم كان معدوما ضرورة أنه لا يوجد إلا في ضمن الخاص أجيب بمنع انحصار الموجود في الأقسام الثلاثة لجواز أن يكون من الموجودات مالا يتعلق وجوده بالزمان فيوجد ولا يصدق أنه موجود في شيء من الأزمنة كالزمان بخلاف الحركة فإنها لا تكون إلا في زمان فلذا قال ابن سينا أن عدم تناهي الحركات الماضية لا يوجب التسلسل لأنها ليست أمورا موجودة متصفة باللانهاية إذ لو كانت موجودة فوجودها إما في الماضي وإما في الحال وإما في المستقبل والكل محال نعم يتم انحصار الزمان في الماضي والمستقبل والحال بل في الأولين لأن الحال ليس قسما برأسه بل حدا مشتركا بين الماضي والمستقبل ويجوز أن يكون كل منهما موجودا في الجملة وإن لم يوجد في شيء من الأزمنة لا بد لامتناع ذلك من دليل فإن قيل الموجود في الجملة إما منقسم فتجتمع أجزاء الزمان أو غير منقسم فيلزم الجزء قلنا منقسم ولا اجتماع لأن معناه المقارنة والمعية أي عدم مسبوقية البعض بالبعض أو غير منقسم ولا جزء لجواز الانقسام بالوهم وإن لم ينقسم بالفعل وقد يجعل هذا جوابا عن أصل الاستلال قال الثالث
الوجه الثالث أنه لو وجد الزمان لامتنع عدمه بعد الوجود لأن هذه البعدية لا تكون إلا زمانية لأن المتأخر لا يجامع المتقدم فيلزم أن يكون للزمان زمان لأن هذا ليس من قبيل التقدم والتأخر فيما بين أجزاء الزمان للقطع بأنه ليس بذاتي وإذا امتنع عدمه كان واجب الوجود وهو محال لأنه متركب يقبل الانقسام ومتقض يحدث وتتقضى أجزاؤه شيئا فشيئا والواجب ليس كذلك وأجيب بأن كون العدم بعد الوجود لا يقتضي أن يكون في زمان بل يجوز أن يكون في الآن الذي هو طرف للزمان الذي مضى وانقضى أعني الطرف الذي به انقطع الزمان ولو سلم فامتناع العدم بعد الوجود لا يقتضي الوجود نظرا إلى ذاته غايته أنه يكون دائما بتجدد الأجزاء على سبيل الاستمرار ولا استحالة فيه قال وأثبته تمسكت الفلاسفة في وجود الزمان بوجوه الأول أنا نقرض حركة في مسافة معينة بقدر من السرعة وحركة أخرى في تلك المسافة مثل الأولى في السرعة فإن توافقنا مع ذلك في الأخذ والترك بأن ابتدأنا معا ووقفتا معا فبالضرورة تقطعان المسافة معا وإن توافقتا في الترك دون الأخذ بأن كان ابتداء الثانية متأخرا عن ابتداء الأولى فبالضرورة تقطع الثانية أقل مما قطعته الأولى وكذا إن توافقتا في الأخذ والترك وكانت الثانية أبطأ فإنها تقطع أقل فبين أخذ السريعة الأولى وتركها إمكان قطع مسافة معينة بسرعة معينة وإمكان قطع مسافة أقل منها ببطء معين وبين أخذ السريعة الثانية وتركها إمكان أقل من الإمكان بتلك السرعة المعينة فهناك أمر مقداري أي قابل للزيادة والنقصان بالذات تقع فيه الحركة وتتفاوت بتفاوته ضرورة أن قبول التفاوت ينتهي إلى ما يكون بالذات وهو الذي عبرنا عنه بالإمكان وسميناه بالزمان فيكون موجودا وليس هو نفس السرعة ولا امتداد المسافة ولا امتداد المتحرك لأنه قد يختلفان كالحركة في تمام المسافة تساوي نصف تلك الحركة في السرعة مع الاختلاف في المقدار وكالحركتين المتساويتين في مقدار المسافة على اختلاف مقدار هذا الإمكان لاختلافهما بالسرعة والبطء أو على العكس بأن تقطع السريعة في ساعة فرسخا والبطيئة نصف فرسخ وكحركة الجسم الصغير والكبير مسافة معينة في ساعة أو حركة الجسمين المتساويين في المقدار بقطع المسافة إحداهما في ساعة والأخرى في نصف ساعة فإن قيل قد بينتم إثبات وجود الزمان على مقدمات يبتنى الحكم فيها على وجود الزمان كالحكم بأن هذه الحركة مع تلك أو متأخرة عنها أي بالزمان وأسرع منها أي تقطع المسافة في زمان أقل أو تقطع في زمان مساو لزمانها مسافة أطول فيكون دورا قلنا لا نسلم توقف صحة هذه الأحكام على كون الزمان موجودا في الخارج فإن المنكرين يعترفون بكون الشيء مع الشيء أو بعده وكون بعض الحركات أسرع من البعض وأجاب الإمام بأن المقصود من هذا البرهان تحقيق ماهية الزمان وكونه مقدارا للحركة لا إثبات أصل وجوده فإنه بديهي
الوجه الثاني أن كون الأب قبل الابن ضروري لا يشك فيه عاقل وليست هذه القبلية نفس وجود الأب وحده لأنها إضافية بخلافه ولأنه قد يوجد مع الابن بخلافها ولا مع عدم الابن أو هو وحده لأنه قد يكون عدما لاحقا لا يتصور كونه قبل الوجود مع اتحاد العدمين في كونهما عدم الابن وهذا معنى قولهم العدم قبل كالعدم بعد وليس قبل كبعد فتعين أن يكون قبلية الأب وبعدية الابن لأمر آخر ولا بد من أن ينتهي إلى ما يلحقه القبلية والبعدية لذاته قطعا للتسلسل وهو المراد بالزمان فإنه الذي يكون جزء منه قبل وجزء منه بعد بحيث لا يصير قبله بعد ولا بعده قبل وسائر الأشياء تكون قبلا لمطابقته الجزء القبل وبعد المطابقة الجزء البعد حتى لو وجد الأب في الجزء البعد والابن في الجزء القبل لكان الأب بعد الابن وأجيب عن الوجهين بأن ما ذكرتم من الإمكانات القابلة للتفاوت ومن القبلية المتصف بها وجود الأب من الاعتبارات العقلية دون الموجودات العينية بدليل أنها يتصف بها الأعدام فإن من اليوم إلى رأس الشهر أقل من اليوم إلى رأس السنة وإن عدم الحادث قبل وجوده فزعمت الفلاسفة أن المقصود التنبيه على وجود الزمان لا الاستدلال لأنه ضروري يعترف به العامة ومن لا سبيل لهم إلى الاكتساب ولهذا يقسمونه إلى السنين والشهور والأيام والساعات ويجري إنكاره مجرى إنكار الأوليات وإنما الخفاء في حقيقته قال فزعموا القوم وإن ادعى بعضهم ظهورانية الزمان فقد اتفقوا على خفاء ماهيته فقال كثير من المتكلمين هو متجدد معلوم يقدر به متجدد غير معلوم كما يقال أتيك عند طلوع الشمس وربما يتعاكس بحسب علم المخاطب حتى لو علم وقت قعود عمرو فقال متى قام زيد يقال في جوابه حين قعد عمرو ولو علم وقت قيام زيد وقال متى قعد عمرو يقال في جوابه حين قام زيد ولذلك يختلف تقدير المتجددات باختلاف ما يعتقد المقدر لظهوره عند المخاطب كما تقول العامة للعامة اجلس يوما والقاري اجلس قدر ما تقرأ الفاتحة والكاتب قدر ما تكتب صفحة والتركي قدر ما يطبخ مرجل لحما ولا يخفى أن ليس في هذا التفسير إفادة تصور ماهية الزمان وأما الفلاسفة فذهب أرسطو وأشياعه إلى أنه مقدار حركة الفلك الأعظم واحتجوا على ذلك بأنه مقدار أي كم متصل أما الكمية فلقبوا له المساواة واللامساواة فإن زمان دورة من الفلك مساو لزمان دورة أخرى منه وأقل من زمان دورتين وأكثر من زمان نصف دورة وأما الاتصال فلأنه لو كان منفصلا لانتهى إلى مالا ينقسم أصلا كوحدات العدد لأن هذا حقيقة الانفصال فيكون تألفه من الآنات المتتالية ويلزم منه الجزء الذي لا يتجزأ لانطباقه على الحركة المنطبقة على المسافة ثم أنه مقدار لأمر غير قار الذات وهو الحركة وإلا لكان هو أيضا قار الذات أي مجتمع الأجزاء في الوجود فيكون الحادث في اليوم حادثا يوم الطوفان وهو محال ولا يجوز أن يكون مقدار الحركة مستقيمة لأنها لازمة الانقطاع لما سيجيء من تناهي الأبعاد ومن امتناع اتصال الحركات المستقيمة على مسافة متناهية والزمان لا ينقطع كما مر فتعين أن يكون مقدارا بحركة مستديرة ويلزم أن يكون أسرع الحركات ليكون مقدارها أقصر فيصلح لتقدير جميع الحركات فإن الأقل يقدر به الأكثر من غير عكس كتقدير الفرسخ بالذراع وتقدير المائة بالعشرة وأسرع الحركات الحركة اليومية المنسوبة إلى الفلك الأعظم فيكون الزمان مقدارا لها فإن قيل هذا تعريف للزمان وتفصيل لذاتياته فكيف يطلب بالحجة قلنا الشيء إذا لم يتصور بحقيقته بل بوجه مالم يمتنع إثبات أجزائها بالبرهان كجوهرية النفس وتركب الجسم من الهيولي والصورة وههنا لم يتصور من الزمان إلا أنه شيء باعتباره تتصف الأشياء بالقبلية والبعدية وليست المقدارية من ذاتيات هذا المفهوم بل من ذاتيات حقيقته واعترض على هذا الدليل بأنه مبني على أصول فاسدة مثل بطلان الجزء الذي لا يتجزأ ومثل امتناع اتصال الحركات ولزوم السكون بين كل حركتين مستقيمتين ومثل امتناع فناء الزمان ولزوم أن يكون عدمه بعد الوجود مقتضيا لزمان آخر وبعد ثبوت هذه الأصول بالدليل أو التزام الخصم إياها بأن يجعل هذا احتجاجا على باقي الفلاسفة فلا نسلم أن القابل للتفاوت يلزم أن يكون كما مقتضيا لموضوع وإنما يلزم أن لو كان ذلك بحسب الذات وهو ممنوع ودعوى الضرورة غير مسموعة قال ثم عورض أي الدليل المذكور بوجوه أحدها أن الزمان لو كان مقدارا للحركة لامتنع انتساب الأمور الثابتة إليه أما الملازمة فلأنه حينئذ يكون متغيرا غير قار لأن مقدار المتغير أولى بأن يكون متغيرا والمتغير لا ينطبق على الثابت لأن معنى الانطباق أن يكون جزأ من هذا مطابقا لجزء من ذلك على الترتيب في التقدم والتأخر وأما بطلان اللازم فلأنا كما نقطع بأن الحركة موجودة أمس واليوم وغدا كذلك نقطع بأن السكون بل السماء وغيرها من الموجودات الثابتة حتى الواجب وجميع المجردات موجودة أمس واليوم وغدا وإن جاز إنكار هذا جاز إنكار ذاك وبهذا الوجه أبطلوا قول أبي البركات أن الباقي لا يتصور بقاؤه إلا في زمان مستمر ومالا يكون في الزمان ويكون باقيا لا بد أن يكون لبقائه مقدار من الزمان فالزمان مقدار الوجود وذلك لأن المقدار في نفسه إن كان متغيرا استحال انطباقه على الثابت وإن كان ثابتا استحال انطباقه على المتغير وثانيها أن الحركة كما سيجيء تطلق على كون المتحرك متوسطا بين المبدأ والمنتهى وهو أمر ثابت مستمر الوجود وعلى الأمر الممتد في المسافة من المبدأ إلى المنتهى وهو وهمي محض لا تحقق له في الخارج لعدم تقرر أجزائه فالحركة التي جعل الزمان مقدارا لها إن أخذت بالمعنى الأول لزم كون الزمان قارا غير سيال وهو محال وإن أخذت بالمعنى الثاني لم يكن الزمان موجودا ضرورة امتناع قيام الموجود بالمعدوم وثالثها لو كان الزمان مقدار حركة الفلك لكان تصور وجوده بدونها تصور محال واللازم باطل لأنا قاطعون بوجود أمر سيال به القبلية والبعدية والمضي والاستقبال وإن لم يوجد حركة ولا فلك حتى لو تصورنا مدة كان الفلك معدوما فيها فوجد أو ساكنا فتحرك أو يعدم فيها الفلك أو حركته لم يكن ذلك بمنزلة تصورنا عدم حركة الفلك حال وجودها وإن أمكن إنكار هذا الأمر بدون الحركة أمكن إنكاره معها من غير فرق وبالجملة فارتفاع الزمان بارتفاع حركة الفلك ليس بديهيا كارتفاع مقدار الشيء بارتفاعه ولهذا لم يذهب أحد من العقلاء إلى بداهة أزلية الأفلاك وأبديتها وبهذا يظهر أن ليس الزمان نفس الفلك الأعظم أو حركته على ما هو رأي البعض وقد يجاب أما عن الأول فبأن النسبة إلى الزمان بالحصول فيه لا يكون إلا للمتغير حقيقة بأن يكون فيه تقدم وتأخر وماض ومستقبل وابتداء وانتهاء كالحركة والمتحرك أو تقديرا كالسكون فإن معنى كونه في ساعة أنه لو فرض بدله حركة لكانت في ساعة وذكر ابن سينا أن معنى قولنا الجسم في الزمان أنه في الحركة والحركة في الزمان وأما غير المتغير أعني ما يكون قار الذات فإنما ينسب إلى الزمان بالحصول معه لا بالحصول فيه إذ ليس له جزء يطابق المتقدم من الزمان وجزء يطابق المتأخر منه وهذا كما أن نسبة استمرار غير المتغير وثباته إلى استمرار غير المتغير كالسماء إلى الأرض تكون بالحصول معه من غير تصور الحصول فيه ولا خفاء في الفرق بين حصول الحركة مع الزمان وحصول السماء مع الزمان وحصول السماء مع الأرض وأنها معان متحصلة لا استنكار في أن يعبر عن كل منها بعبارة يرى أنها مناسبة لها على ما قالوا أن نسبة المتغير إلى المتغير هو الزمان ونسبة الثابت إلى المتغير هو الدهر ونسبة الثابت إلى الثابت هو السرمد ويعمهما الدوام المطلق والذي في الماضي أزل والذي في المستقبل هو الأبد قال الإمام وهذا تهويل خال عن التحصيل لأن ما يفهم من كان ويكون إذا كان موجودا في الأعيان فإما أن يكون متغيرا فلا ينطبق على الثابت أو ثابتا فلا ينطبق على المتغير وهذا التقسيم لا يندفع بالعبارة واعترض بأنه لا استحالة في الانطباق بين المتغير والثابت فإنا نقول عاش فلان ألف سنة فانطبق مدة بقائه على ألف دورة من الشمس والمتكلمون يقولون القديم موجود في أزمنة مقدرة لا نهاية لأولها والجواب أنه لا يصح حينئذ ما ذكر أن الزمان لما كان غير قار استحال أن يكون مقدار الهيئة قارة على أن انطباق مدة البقاء على ألف دورة إنما هو من انطباق المتغير على المتغير لأن المدة زمان والدورة حركة ثم لا يخفى أن ليس الزمان نفس النسبة بل المتغير الذي ينسب إليه المتغير وليس المراد مطلق النسبة بل نسبة المعية على ما صرح به البعض إلا أنه اقتصر من بيان هذه المعية على أنها ليست معية شيئين يقعان في زمان واحد ثم قال وغير الحركة إذ المتحرك إنما ينسب إلى الزمان بالحصول معه لا فيه وهذه المعية إن كانت بقياس ثابت إلى غير ثابت فهو الدهر وإن كانت بقياس ثابت إلى ثابت فهو السرمد وهذا الكون أعني كون الثابت مع غير الثابت والثابت مع الثابت بإزاء كون الزمانيات في الزمان فتلك المعية كأنها متى للأمور الثابتة ولا يتوهم في الدهر ولا في السرمد امتداد وإلا لكان مقدارا بالحركة ثم الزمان كمعلول للدهر والدهر كمعلول للسرمد فإنه لولا دوام نسبة علل الأجسام إلى مباديها ما وجدت الأجسام فضلا عن حركاتها ولولا دوام نسبة الزمان إلى مبدأ الزمان لم يتحقق الزمان وقال ابن سينا أن اعتبار أحوال المتغيرات مع المتغيرات هو الزمان واعتبار أحوال الأشياء الثابتة مع الأشياء المتغيرة هو الدهر ومع الأشياء الثابتة هو السرمد والدهر في ذاته من السرمد وهو بالقياس إلى الزمان دهر يعني أن الدهر في نفسه شيء ثابت إلا أنه إذا نسب إلى الزمان الذي هو متغير في ذاته سمي دهرا هذا ما وقع إلينا من شرح هذا الكلام والظاهر أنه ليس له معنى محصل على ما قال الإمام وأما عن الثاني فبأنا نختار أن الزمان مقدار للحركة بمعنى القطع وهي أمر غير قار يوجد منها جزء فجزء من غير أن يحصل جزآن دفعة وهذا معنى وجودها في الخارج وإنما الوهمي هو المجموع الممتد من المبدأ إلى المنتهى فكذا مقدارها الذي هو الزمان يكون بحسب المجموع وهميا لا يوجد منه جزآن دفعة بل لا يزال يتجدد ويتصرم ويوجد منه شيء فشيء وهذا ما يقال أن هناك أمرا غير منقسم بفعل بسيلانه الزمان كما أن في الحركة معنى هو الكون في الوسط يفعل بسيلانه الحركة بمعنى القطع وأعترض بأن هذا قول بتتالي الآنات لأن ذلك الأمر الغير المنقسم ليس غير الآن وأجيب بأنه لا أجزاء هناك بالفعل لأن الزمان كمية متصلة يعرض لها التجزي والانقسام بحسب الفرض والوهم دون الخارج فورد الإشكال بأنه لا وجود للزمان حينئذ لأن نفس الامتداد موهوم والجزء معدوم فماذا يوجد منه وهذا بخلاف المسافة فإن أجزاءها وإن لم تكن بالفعل إلا أن المجموع المتصل الذي يتجزأ في الوهم موجود في الخارج وبخلاف الحركة فإنه يوجد منها أمر مستمر هو الكون في الوسط من غير لزوم محال وأجيب بأن المراد أن في العقل امتدادا لا وجود له في الخارج لكنه بحيث لو فرض وجوده وتجزيه عرضت لأجزائه المفروضة قبليات وبعديات متجددة متصرفة ولا يكون الامتداد في العقل كذلك إلا إذا كان في الخارج شيء غير قار يحصل في العقل بحسب استمراره وعدم استقراره ذلك الامتداد الذي إذا فرض تجزيه كان لحوق التقدم والتأخر لأجزائه المفروضة لذاتها من غير اقتضاء زمان آخر وكذا معيته للحركة وإذ لا وجود للجزئين معا إلا في العقل لزم كون القبلية والبعدية العارضتين لهما كذلك ولهذا يعرضان للعدد كيف ولو وجدتا في الخارج وهما متضايفان لزم وجود معروضيهما معافى الخارج ويلزم كون الزمان قار الذات وما يقال من أن الموجود في الخارج من الزمان معروض للقبلية والبعدية فمجاز والمراد أنه متعلق بهما بمعنى أنهما بسببه يعرضان للأجزاء المفروضة للزمان المعقول هذا غاية تحقيقهم في هذا المقام دفعا للإشكالات الموردة من قبل الإمام مثل أن قبلية عدم الحادث على وجوده لو اقتضت زمانا لكانت قبلية الأمس على الغدو معية الحركة للزمان كذلك وأن القبلية والبعدية لو وجدنا لامتنع اتصاف العدم بهما ولكان وجودهما بالزمان وتسلسل وللزم وجود معروضيهما معا ضرورة كونهما متضايفين فيكون الزمان قار الذات لاجتماع أجزائه المفروضة للقبلية والبعدية ولو كانتا من الاعتبارات العقلية التي لا وجود لها في الأعيان لم يلزم وجود معروضيهما في الخارج فلم تدل على وجود الزمان وأن أجزاء الزمان إما أن تكون متماثلة فيمتنع اختلافها بالقبلية والبعدية الذاتيتين أو متخالفة فلا يكون الزمان متصلا وأنت خبير بأن قولهم لا بد في الخارج من أمر غير قار يحصل منه في العقل ذلك الامتداد مجرد ادعاء لجواز أن يحصل لا عن موجود أو عن موجود قار بحسب ما له من النسب والإضافات إلى المتغيرات على ما سيجيء وأما عن الثالث فبأن القطع بوجود امتداد به التقدم والتأخر ومنه الماضي والمستقبل على تقدير أن لا يكون فلك ولا حركة أصلا أو يكون له عدم سابق أو لاحق إنما هو من الأحكام الكاذبة للوهم كحكمه بأن خارج الفلك فضاء لا يتناهي وأعترض بأنا نجد القطع بهذا الامتداد في حالتي وجود الحركة وعدمها على السواء إن حقا فحق وإن وهما فوهم والتفرقة تحتاج إلى البرهان قال وذهب القدماء أي من الفلاسفة إلى أن الزمان جوهر مستقل أي قائم بنفسه غير مفتقر إلى محل يقومه أو حركة تفعله فمنهم من زعم أنه واجب الوجود إذ لا يمكن عدمه لا قبل الوجود ولا بعده لأن التقدم والتأخر بين الوجود والعدم لا يتصور إلا بزمان فإن كان عين الأول لزم وجود الشيء حال عدمه وإن كان غيره لزم تعدد الزمان بل تسلسله ورد بعد تسليم المقدمات بأن امتناع العدم قبل الوجود أو بعده لا ينافي الإمكان الذاتي بمعنى جواز العدم في الجملة ومنهم من اعترف بإمكانه وإليه ذهب أفلاطون واتباعه وعمدتهم التعويل على الضرورة بمعنى أنا قاطعون بوجود أمر به التقدم والتأخر ومنه الماضي والمستقبل سواء وجد جسم وحركة أو لا حتى لو فرضنا أن الفلك كان معدوما فوجد ثم فني كنا قاطعين بوجود ذلك الأمر وبتقدم عدم الفلك على وجوده بمعنى كونه في زمان سابق ماض والوجود في زمان لاحق حاضر والفناء في زمان آخر مستقبل فلا يكون فلكا ولا حركة ولا شيئا من عوارضها بل جوهرا أزليا يتبدل ويتغير ويتجدد ويتصرم بحسب النسب والإضافات إلى المتغيرات لا بحسب الحقيقة والذات ثم أنها باعتبار نسبة ذاته إلى الأمور الثابتة يسمى سرمدا وإلى ما قبل المتغيرات دهرا وإلى مقارنتها زمانا ولما لم يثبت امتناع عدمه في نفسه لم يحكم بوجوبه وأنت خبير بحال دعوى الضرورة في مثل هذا المتنازع الهائل الذي لا يرجى فيه تقرر الآراء على شيء قال المبحث الثالث في المكان لا خفاء في آنية شيء ينتقل الجسم عنه ويسكن فيه أو لا يسع معه غيره وهو المسمى بالمكان والمعتبر من المذاهب أن ماهيته السطح الباطن من الجسم الحاوي المماس للسطح الظاهر من المحوي وإليه ذهب أرسطو وأشياعه من المشائيين أو البعد الذي ينفذ فيه بعد الجسم ويتحد به وإليه ذهب كثير من الفلاسفة والمتكلمون فزعموا أن من البعد ما هو مادي يحل في الجسم ويقوم به ويمتنع اجتماعه مع بعد آخر مماثل له قائم بذلك الجسم وهو المسمى بالجسم التعليمي ومنه ما هو مفارق لا يقوم بمحل بل يحل فيه الجسم ويلاقيه بجملته ويجامعه بعد الجسم منطبقا عليه متحدا به إلا أنه عند المتكلمين عدم محض ونفي صرف يمكن أن لا يشغله شاغل وهو المعنى بالفراغ المتوهم الذي لو لم يشغله شاغل لكان فارغا وعند بعض الفلاسفة امتداد موجود قد يكون ذراعا وقد يكون أقل أو أكثر وقد يسع هذا الجسم وقد يسع ما هو أصغر منه أو أكبر وتوضيحه أنا إذا توهمنا حلوا لإناء عن الماء والهواء وغيرهما ففيما بين أطرافه امتداد قد يشغله الماء وقد يشغله الهواء فكذا عند الامتلاء ويسمونه البعد المفطور بمعنى أنه مشهور مفطور عليه البديهة فإن كل أحد يحكم بأن الماء فيما بين أطراف الإناء وقيل بمعنى أنه ينشف فيدخل فيه الجسم بما له من البعد ويعبر عنه أفلاطون تارة بالهيولي لتوارد الأجسام عليه توارد الصور على المادة وتارة بالصورة لكونه عبارة عن الأبعاد الممتدة في الجهات بمنزلة الصورة الاتصالية الجسمية التي بها يقبل الجسم الأبعاد ويتميز عن المجردات وعلى هذا لا يرد ما يقال أن امتناع كون حيز الجسم جزأ منه في غاية الظهور فكيف يذهب إليه العاقل ثم إن هذا البعد عند أفلاطون وأتباعه ممتنع الخلو عن شاغل وعند البعض ممكن الخلو عنه فأصحاب الخلاء هم المتكلمون وبعض الفلاسفة ففي هذا المبحث مقامان
أحدهما في أن المكان هو السطح أو البعد
وثانيهما في أن الخلاء ممكن أو ممتنع قال المقام الأول احتج القائلون بكون المكان هو السطح بأنه لا يعقل منه إلا البعد أو السطح والأول باطل لوجوه الأول أنه لو كان هو البعد فإما أن يكون متوهما مفروضا على ما هو رأي المتكلمين وهو باطل لأن المكان موجود ضرورة أواستدلالا بأنه يقبل التساوي والتفاوت حيث يقال مكان هذا مساو لمكان ذاك أو زائد عليه أو ناقص عنه نصف له أو ثلث أو ربع أو غير ذلك وبأنه يقبل الإشارة الحسية وانتقال الجسم منه وإليه حيث يقال انتقل الجسم من هذا المكان إلى ذاك والاتصاف بالصغر والكبر والطول والقصر والقرب والبعد والاتصال والانفصال إلى غير ذلك ولا شيء من العدم المحض والنفي الصرف كذلك وإما أن يكون متحققا موجودا على ما هو رأي أفلاطون ومن تبعه وهو أيضا باطل لأنه إن كان قابلا للحركة الأينية التي هي الانتقال من مكان إلى مكان لكان له مكان وينقل الكلام إليه ليلزم ترتب الأمكنة لا إلى نهاية وهو محال لما مر في إبطال التس ولأن جميع الأمكنة الغير المتناهية لكونها من جنس البعد على ما هو المفروض يكون قابلا للحركة مفتقرا إلى المكان فيلزم أن يكون ذلك المكان داخلا في جملة الأمكنة لكونه واحدا منها وأن يكون خارجا عنها لكونه طرفا لها وذلك محال وإن لم يكن ذلك البعد الذي هو المكان قابلا للحركة لزم أن لا يكون الجسم قابلا للحركة لأنه ملزوم للبعد المنافي لقبول الحركة وملزوم في الشيء مناف لذلك الشيء الثاني أن المكان لو كان هو البعد وهو موجود ضرورة أو استدلالا لزم من تمكن الجسم في المكان تداخل البعدين أي نفوذ البعد القائم به في البعد الذي هو مكانه لأن هذا معنى التمكن عندهم واللازم باطل للقطع بأنه ليس في الإناء المملوء من الماء إلا بعد واحد ولأنه يستلزم اجتماع المثلين أعني البعدين في محل واحد هو التمكن ولأنه يستلزم ارتفاع الإمكان عن البديهيات ككون هذا البعد ذراعا واحدا مثلا لجواز أن يكون ذراعين أو أكثر تداخلا وككون المتمكن مساويا بمكانه في المقدار لجواز أن يكون بعد أحدهما أزيد من الآخر حصل من تداخلهما هذا المقدار المشاهد وكل ذلك منتف بالاتفاق الثالث أن البعد في نفسه إما أن يفتقر إلى المحل فيمتنع تجرده عن المادة على ما تدعونه في البعد الذي هو المكان وإما أن يستغنى عنه فلا يحل في المادة على ما هو شأن البعد القائم بالجسم لأن معنى حلول العرض في المحل اختصاصه به بحيث يفتقر إليه في التقوم فلا يرد ما قيل أنه يجوز أن لا يفتقر في نفسه إلى المحل ويعرض له الحلول فيه وأجيب عن الكل بأنه يجوز أن يكون البعد القائم بالجسم مخالفا بالماهية للبعد المفارق وإن اشتركا في ذاتي أو عرضي هو مطلق البعد فلا يمتنع اختصاصه بقبول الحركة واقتضاء المحل واختصاص البعد المفارق بإمكان النفوذ فيه ولا يكون اجتماعهما من اجتماع المثلين على أن ما ذكر من تعدد البعدين في المتمكن واجتماع المثلين ليس بمستقيم لأن أحدهما في المتمكن والآخر فيه المتمكن قال حجة البعد احتج القائلون بكون المكان هو البعد بأنه لو كان هو السطح لزم انتفاء أمور يحكم بديهة العقل بثبوتها منها مساواة المكان للمتمكن فإن الشمعة المدورة إذا جعلناها صفحة رقيقة كان السطح المحيط بها أضعاف المحيط بالمدورة وإذا جعلنا الصفحة مدورة كان السطح المحيط بها أقل من المحيط بالصفحة مع أن الجسم في الحالين واحد وكما إذا جعلنا في المكعب نقرة عميقة يزيد السطح المحيط به مع انتقاص الجسم ومنها كون كل جسم في مكان مع أن الجسم المحيط بالكل لا يحويه جسم ليكون سطحه الباطن مكانا له ومنها سكون الطير الواقف في الهواء عند هبوب الرياح فإنه يتبدل عليه السطوح المحيطة به مع أن تبدل الأمكنة إما نفس الحركة الأينية أو ملزوم لها ومنها حركة القمر الدائر لأن السطح المحيط به من فلكه واحد لا يتبدل وعدم تبدل المكان ملزوم السكون لأن تبدله لازم الحركة أو نفسها ومنها بقاء المكان الذي خرج منه زيد مع أنه قد ملأه الهواء فلم يبق ما كان فيه من السطح المحيط بزيد ومنها كون كل جزء من أجزاء الجسم في حيز مع أن الأجزاء الباطنة من الماء مثلا لا تكون في سطح من الهواء إلا بطريق التبعية والتجوز كما يقال الماء في الفلك ومنها عدم توقف الحكم بكون الجسم ههنا أو هنالك على أنه هل يحيط به جسم أو لا ومنها أنا نتصور جسما لا يماسه شيء بل يوجد وحده مع امتناع أن نتصور جسما لا يكون في حيز ومنها أنا نقطع بأن كلا من القطب الجنوبي والشمالي في حيز آخر وأن كل نقطة على سطح الفلك المحيط تتحرك بحركته من موضع إلى موضع وبالجملة فهذه وأمثالها أمارات تفيد قوة الظن بأن المكان هو البعد لا السطح وإن كان للمناقشة مجال في استحالة بعض اللوازم أو في لزومها على مالا يخفى قال المقام الثاني المتنازع هو الخلاء بمعنى فراغ لا يشغله شاغل سواء سمي بعدا أو لم يسم وسواء جعل متحققا موجودا أو موهوما فإن قيل فما معنى القول بإمكانه عند من يجعله نفيا محضا وعدما صرفا لا يتحقق أصلا قلنا معناه أنه يمكن أن يكون الجسمان بحيث لا يتماسان ولا يكون بينهما ما يماسهما احتج القائلون بإمكان الخلاء بوجوه
الأول لو فرضنا صفحة ملساء فوق أخرى مثلها بحيث يتماس سطحاهما المستويان ولا يكون بينهما جسم أصلا ورفعنا إحداهما عن الأخرى دفعة ففي أول زمان الارتفاع يلزم خلو الوسط ضرورة أنه إنما يمتلئ بالهواء الواصل إليه من الخارج بعد المرور بالأطراف والمقدمات أعني إمكان الصفحة الملساء أي الجسم الذي له سطح مستو ليس فيه ارتفاع وانخفاض ولا انضمام أجزاء من غير اتصال واتحاد وكون التماس بين السطحين لا بين أجزاء لا تتجزأ من الجانبين وإمكان رفع العليا من السفلى دفعة بحيث لا يكون ارتفاع أحد الجانبين قبل ارتفاع الآخر ليلزم التفكك وعدم حصول الهواء في الوسط عند الارتفاع بخلق الله تعالى أو بالوصول إليه من المنافذ والمسام بين أجزاء لا تتجزأ مسلمة عندهم مبنية على أصولهم وأجيب بمنع إمكان ارتفاع العليا من السفلى حينئذ بل هو عندنا محال جاز أن يستلزم محالا ولو سلم إمكان الارتفاع في الجملة فإن أريد بكونه دفعة كونه في آن لا ينقسم أصلا فلانم إمكانه كيف والارتفاع حركة تقتضي زمانا وإن أريد كون حركة جميع الأجزاء معا لئلا يلزم التفكك فلانم استلزامه للخلاء فإنه حركة لها زمان يجوز أن يمر الهواء من الأطراف إلى الوسط في ذلك الزمان ففي الجملة الخصم بين منع اللزوم ومنع إمكان الملزوم ولا يتم المطلوب إلا بثبوتهما نعم لو جعل الملزوم هو اللاوصول أعني لا مماسة السطحين الحاصلة عند الارتفاع إلزاما لمن يقول بكون اللاوصول آنيا بتعين منع إمكان الملزوم
الثاني لو لم يكن الخلاء بل لو لم يوجد لامتنع حركة الجسم من مكان إلى مكان لأنه إذا انتقل إلى مكان فالجسم الشاغل لذلك المكان إما أن ينعدم ويحدث جسم آخر يشغل المكان المنتقل عنه وهذا باطل باعترافكم بل بشهادة العقل في كثير من المواضع كحركة عصامير الدولاب كل إلى حيز آخر وإما أن لا ينعدم وحينئذ إما أن يستقر في مكانه أو ينتقل عنه فإن استقر فإما أن يبقى على مقداره فيلزم تداخل البعدين الماديين واجتماع الجسمين في حيز واحد وهذا باطل اتفاقا وضرورة وإما أن لا يبقى بل يتكاثف أي يصغر مقداره بحيث يحصل للجسم المتحرك حيز يسعه وذلك إما بكون الجسم ذا مادة يقبل المقادير المتفاوتة في الصغر والكبر وذلك قول بالهيولي ويستقيم الدلالة على بطلانها أو بكونه ذا أجزاء بينها فرج خلاء قد تقاربت تلك الأجزاء بحيث حصل خلاء يسع الجسم للتحرك فيلزم الخلف لتحقق الخلاء على تقدير عدمه هذا إن استقر الجسم الشاغل للمكان الثاني في مكانه وإن انتقل عنه فإما إلى المكان الأول فيلزم الدور لتوقف انتقال كل إلى مكان الآخر على انتقال الآخر عن مكانه لامتناع الاجتماع وتوقف انتقاله عنه على انتقال الأول إليه لئلا يلزم خلوه وإما إلى مكان آخر فيلزم تصادم الأجسام بأسرها وتعاقب الحركات لا إلى نهاية فيؤول إلى الدور ضرورة تناهي الأجسام وبعض هذه الترديدات تجري في المكان الذي ينتقل عنه الجسم فإنه إما أن يبقى خاليا أو يصير مملوا بانتقال جسم آخر إليه أو يتخلخل ما حوله من الأجسام بطريق ثبوت الهيولي أو فرج الخلاء فتعين أن يكون إمكان الذي ينتقل إليه الجسم إما خلاء محضا وإما مملوا بجسم فيه فرج خلاء يقل ويتقارب الأجزاء فيحصل للجسم المنتقل إليه مكان وتكون حركة السمكة في البحر من هذا القبيل فلا يرد نقضا على ما ذكرنا من الدليل وأجيب بأن دليل إبطال الهيولي لا يتم لما سيأتي بل غاية الأمر القدح في مقدمات إثباتها وهو لا يفيد في معرض الاستدلال ولو سلم فإن أريد بتوقف انتقال كل من الجسمين إلى مكان الآخر على انتقال الآخر إلى مكانه امتناع كل منهما بدون الآخر كما في المتضايفين فلانم استحالته لجواز أن لا يكون بصفة التقدم بل المعية كما في عصامير الدولاب فإن انتقال كل منها إلى حيز السابق يتوقف على انتقال اللاحق إلى حيز لئلا يلزم الخلاء بل التفكك وانتقال اللاحق إلى حيزه يتوقف على انتقاله إلى حيز السابق لئلا يلزم اجتماع جسمين في حيز وهذا هو المعنى بدور المعية وإن أريد التوقف بمعنى احتياج كل إلى الآخر احتياج المسبوق إلى السابق حتى يكون دور تقدم فلانم لزومه وما ذكرتم لا يفيد ذلك وربما يمنع ابتناء التخلخل والتكاثف على تحقق الهيولي أو فرج الخلاء الثالث أنه لو لم يوجد الخلاء لكان كل سطح ملاقيا لسطح آخر لا إلى نهاية لأن معنى تحقق الخلاء كون الجسم بحيث لا يماسه جسم آخر واللازم باطل لما سيجيء من تناهي الأجسام وأجيب بمنع اللزوم بل تنتهي الأجسام إلى سطح لا يكون فوقه شيء والعدم الصرف ليس فراغا يمكن أن يشغله شاغل على ما هو المراد بالخلاء المتنازع فيه الرابع أنا نشاهد أمورا تدل على تحقق الخلاء قطعا منها أن القارورة إذا مصت جدا بحيث خرج ما فيها من الهواء ثم كبت على الماء تصاعد إليها الماء ولو لم تصر خالية بل كان فيها ملاء لما دخلها الماء كما قبل المص ومنها أن الزق إذا ألصق أحد جانبيه بالآخر بحيث لا يبقى بينهما هواء وشد رأسه وجميع مسامه بالقار بحيث لا يدخله الهواء من خارج فإذا رفعنا أحد جانبيه عن الآخر حصل فيه الخلاء ومنها أن لزق إذا بولغ في تمديده وتسديد مسامه ثم نفخ فيه بقدر الإمكان فإذا فرز فيه مسلة بل مسلات فإنها تدخله بسهولة ولو لم يكن فيه خلاء لما دخلته لامتناع التداخل ومنها أن ملاء الدن من الشراب إذا جعل في زق ثم جعلا في ذلك الدن فإنه يسعهما ولو لم يكن في الشراب فرج خلاء بقدر الزق لما أمكن ذلك وأجيب بأن شيئا مما ذكر لا يستلزم تحقق الخلاء لجواز أن يتخلخل قليل هواء يبقى في القارورة ثم يعود إلى مقداره الطبيعي عند ترك المص فيتصاعد الماء ضرورة امتناع الخلاء وكذا يجوز أن يبقى بين جانبي الزق قليل هواء يتخلخل عند الارتفاع أو أن ينفذ الهواء في المسام وإن بولغ في تسديدها وكذا الزق المنفوخ تدخله المسلة بتكاثف ما فيه من الهواء أو لخروج بعضه من المسام وأما شراب الدن فيجوز أن يتكاثف أو يتبخر ويتخلخل منه بالإعصار شيء يسير على مقدار الزق ( قال حجة الامتناع ) احتج القائلون بامتناع الخلاء أي كون الجسمين بحيث لا يتماسان ولا يكون بينهما جسم يماسهما بل فراغ يمكن أن يشغله شاغل موجودا كان أو معدوما لوجوه
الأول أنه لو تحقق الخلاء لزم أن يكون زمان الحركة مع المعاوق مساويا لزمان تلك الحركة بدون المعاوق واللازم ظاهر البطلان بيان اللزوم أنا نفرض حركة جسم في فرسخ من الخلاء ولا محالة تكون في زمان ولنفرضه ساعة ثم نفرض حركة ذلك الجسم بتلك القوة بعينها في فرسخ من الملاء ولا محالة تكون في زمان أكثر لوجود المعاوق ولنفرضه ساعتين ثم نفرض حركته بتلك القوة في ملاء أرق قواما من الملاء الأول على نسبة زمان حركة الخلاء إلى زمان حركة الملاء الأول أي يكون قوامه نصف قوام الأول فيلزم أن يكون زمان الحركة في الملاء الأرق ساعة ضرورة أنه إذا اتحدت المسافة والمتحرك والقوة المحركة لم تكن السرعة والبطاء أعني قلة الزمان وكثرته إلا بحسب قلة المعاوق وكثرته فيلزم تساوي زمان حركة ذي المعاوق أعني التي في الملاء الأرق وزمان حركة عديم المعاوق أعني التي في الخلاء وأعترض أولا بمنع إمكان قوام تكون على نسبة زمان الخلاء إلى زمان الملاء وإنما يتم لو لم ينته القوام إلى مالا قوام أرق منه وهو ممنوع وثانيا بمنع انقسام المعاوقة بانقسام القوام بحيث يكون جزء المعاوق معلوقا وإنما يتم لو ثبت أن المعاوقة قوة سارية في الجسم منقسمة بانقسامه غير متوقفة على قدر من القوام بحيث لا يوجد بدونه وثالثا بمنع امتناع أن ينتهي المعاوق من الضعف إلى حيث يساوي وجوده عدمه ورابعا وهو المنع المعول عليه إذ ربما يمكن إثبات المقدمات سيما على أصول الفلاسفة أنه لا يلزم من كون المعاوقتين على نسبة الزمانين أن يكون زمان قليل المعاوق مساويا لزمان عديمه وإنما يلزم لو لم يكن الزمان إلا بإزاء المعاوقة وأما إذا كانت الحركة بنفسها تستدعي شيئا من الزمان كالساعة المفروضة في الخلاء فلا إذ في المعاوق القليل تكون ساعة بإزاء نفس الحركة كما في الخلاء ونصف ساعة بإزاء المعاوقة التي هي نصف المعاوقة الكثيرة التي يقع ساعة بإزائها وهذا اعتراض لأبي البركات ومعناه على ما يشعر به كلامه في المعتبر أن كل ما يقع من الحركة فهو من جهة القوة المحركة والجسم المتحرك يستدعي زمانا محدودا بجزم العقل بذلك وإن لم يتصور معاوقة المخروق ثم يزداد الزمان إن تحققت المعاوقة فيكون البعض منه بإزاء المعاوقة والبعض بإزاء الحركة وهو زمان الخلاء ويتفاوت بحسب قوة المحرك وخاصية المتحرك والمراد بنفس الحركة حركة ذلك الجسم بتلك القوة من غير اعتبار معاوقة المخروق لا ماهية الحركة من حيث هي هي ليدفع الاعتراض بأنها لو اقتضت قدرا من الزمان لزم ثبوت ذلك القدر لكل من جزئيات الحركة لامتناع تخلف مقتضى الماهية واللازم باطل كما في الحركة المفروضة في جزء من ذلك القدر من الزمان ولا الحركة المجردة من السرعة والبطء ليدفع بما ذكره بعض المحققين من أن الحركة تمتنع أن توجد إلا على حد من السرعة والبطء لأنها لا محالة تكون في مسافة وزمان ينقسم كل منهما لا إلى نهاية فإذا فرضنا وقوع أخرى نقطع تلك المسافة في نصف ذلك الزمان فالأولى أبطأ منها أو في ضعفه فأسرع فالحركة المجردة لا توجد وما لا يوجد لا يستدعي شيئا ويرد على الوجهين أن زمان الحركة قد يكون بحيث لا ينقسم إلا وهما فتكون الحركة في جزء منه محالا والمحال جاز أن يستلزم المحال فلا يكفي في إثبات بطء الأولى ونفي كونها أسرع الحركات فرض وقوع الأخرى مالم يبين إمكانها فإن قيل سلمنا انتفاء البطء لكن لا خفاء في ثبوت السرعة لإمكان وقوع أخرى في زمان أكثر فلا تثبت المجردة من السرعة والبطء قلنا دفع الاعتراض إنما يبتني على ثبوت البطء ليتفرع عليه كون الزمان بحسب المعاوقة وذكر السرعة إنما هو بحكم المقابلة ولهذا عبر في المواقف عن هذا الدفع بأن الحركة لو اقتضت زمانا لذاتها لكانت الحركة الواقعة فيه أسرع الحركات على ما مر وقد يقال في تقرير كلام المحقق أن الحركة لا توجد إلا مع وصف السرعة والبطء وهما بحسب المعاوقة فلا حركة إلا مع المعاوقة فإذا كان الزمان بإزاء الحركة كان بإزاء المعاوقة وإن لم يكن لها دخل في اقتضائه وحينئذ لا يرد الاعتراض بأن امتناع وجود الحركة بدون السرعة والبطء لا ينافي استدعاءها بنفسها شيئا من الزمان ولا النقض باللوازم التي تقتضيها الماهية مع امتناع أن توجد إلا مع شيء من العوارض لكنه لا يدفع اعتراض أبي البركات ولا يثبت دعوى المحقق أن الحركة بنفسها لا تستدعي شيئا من الزمان ( قال الثاني )
الوجه الثاني أنه لو وجد الخلاء لامتنع حصول الجسم فيه لأن اختصاصه بحيز منه دون حيز ترجح بلا مرجح لكونه نفيا صرفا أو بعدا متشابها ليس فيه اختلاف أصلا لكون اختلاف الأمثال بالمواد وأجيب بعد تسليم التشابه بأنه لا رجحان بالنسبة إلى جميع العالم على تقدير تناهي الخلاء لأنه في جميع الأجزاء وأما على تقدير لا تناهية أو بالنسبة إلى جسم جسم فيجوز أن يكون الرجحان بأسباب خارجة كإرادة المختار وكون طبيعة بعض الأجسام مقتضية للإحاطة بالكل وبعضها للقرب من المحيط أو البعد عنه الوجه الثالث أنه لو وجد الخلاء بين الأرض والسماء لزم في الحجر المرمي إلى فوق أن يصل إلى السماء لأن الرامي قد أحدث فيه قوة صاعدة لا تقاومها الطبيعة إلا بمعونة مصادمات من الملاء وأجيب بأنه مع ابتنائه على نفي الفاعل المختار إنما ينفي كون ما بين الأرض والسماء خلاء صرفا ولا ينفي وجود خلاء خارج عما بينهما أو مختلط بالأجزاء الهوائية الوجه
الرابع أنه لو وجد الخلاء لزم انتفاء أمور نشاهدها ونحكم بوجودها قطعا كارتفاع اللحم في المحجمة عند المص فإنه لما انجذب الهواء بالمص تبعه اللحم لئلا يلزم الخلاء وكارتفاع الماء في الأنبوبة إذا غمس أحد طرفيها في الماء ومص الطرف الآخر وكبقاء الماء في الكوز الذي في اسفله ثقبة ضيقة من غير أن ينزل من الثقبة عند شد رأس الكوز لئلا يبقى حيز الماء خاليا ونزوله على ما هو مقتضى طبعه عند فتح الرأس لدخول الهواء وكانكسار القارورة التي جعلت في رأسها خشبة وشدت بحيث لا يدخل فيها ولا يخرج عنها هواء ثم أخرجت الخشبة فإن القارورة تنكسر إلى الداخل لئلا يبقى حيز الخشبة خاليا وإن أدخلت تنكسر القارورة إلى الخارج لما أن فيها ملاء لا يجامع الخشبة وأجيب بأنه يجوز أن يكون ذلك لأسباب أخر فإن غاية هذه الأمور لزومها لانتفاء الخلاء واللازم قد يكون أعم فلا يصح الاستدلال بوجوده على وجود الملزوم نعم ربما يفيد يقينا حدسيا للناظر لكن لا يقوم حجة على المناظر ( قال الفصل الثالث في الكيف ) لا طريق إلى تعريف الأجناس العالية سوى الرسوم الناقصة إذ لا يتصور لها جنس وهو ظاهر ولا فصل لأن التركب من الأمرين المتساويين ليكون كل منهما فصلا مجرد احتمال عقلي لا يعرف تحققه بل ربما تقام الدلالة على انتفائه ولم يظفر للكيف بخاصة لازمة شاملة سوى التركب من العرضية والمغايرة للكم وللأعراض النسبية إلا أن التعريف بها كان تعريفا للشيء بما يساويه في المعرفة والجهالة لأن الأجناس العالية ليس بعضها أجلى من البعض فعدلوا عن ذكر كل من الكم والأعراض النسبية إلى ذكر خاصته التي هي أجلى فقالوا هو عرض لا يقتضي لذاته قسمة ولا يتوقف تصوره على تصور غيره فخرج الجوهر والكم والأعراض النسبية ومن جعل النقطة والوحدة من الأعراض زاد قيد عدم اقتضاء اللاقسمة احترازا عنهما وقيدوا عدم اقتضاء القسمة واللاقسمة بالذات والأولية لئلا يخرج عن التعريف العلم بالمركب وبالبسيط حيث يقتضي القسمة واللاقسمة نظرا إلى المتعلق فإن قيل من الكيفيات ما يتوقف تعلقه على تعقل شيء آخر كالعلم والقدرة والاستقامة والانحناء ونحو ذلك قلنا ليس هذا بتوقف وإنما هو استلزام واستعقاب بمعنى أن تصوره يستلزم تصور متعلق له بخلاف النسبيات فإنها لا تتصور إلا بعد تصور المنسوب والمنسوب إليه وبالجملة فالمعنى بالكيفية ما ذكر فلو كان شيء مما بعد في الكيفيات على خلاف ذلك لم يكن كيفية والمشهور في تعريف الكيفية أنها هيئة قارة لا يوجب تصورها تصور شيء خارج عنها وعن حاملها ولا تقتضي قسمة ولا نسبة في أجزاء حاملها واحترز بالقيد الأخير عن الوضع وبالأول أعني القارة عند الزمان وأن يفعل وأن ينفعل واعترض بأن الاحتراز عن أن يفعل وأن ينفعل حاصل بالقيد الثاني وعن الزمان بالقيد الثالث أعني عدم اقتضاء القسمة على أن من الكيفيات ما ليست بقارة كالصوت ومنها ما يوجب تصورها تصور أمر خارج كالعلم والقدرة على ما مر قال وتنحصر بالاستقراء في أربعة اقسام أقسام الكيف في أربعة الكيفيات المحسوسة الكيفيات النفسانية الكيفيات المختصة بالكميات الاستعدادات والتعويل في الحصر على الاستقراء وقد يبين بصورة الترديد بين النفي والإثبات ويحصل بحسب اختلاف التعبير عن كل قسم بما له من الخواص طرق متعددة حاصلها أن الكيف إن كان هو القسم الأول فالأول أو الثاني فالثاني أو الثالث فالثالث وإلا فالرابع والمنع عليه ظاهر فلا يصلح إلا وجه ضبط لما علم بالاستقراء على أن بعض الخواص مما فيه نوع خفاء كتعبير الإمام عن الكيفيات النفسانية بالكمال وتعبير ابن سينا عنها بما لا يتعلق بالأجسام وعن الاستعدادات بما يخص الجسم من حيث الطبيعة وعن المحسوسات بما يكون ثبوتها أنها فعل وبعضها ليس شاملا للأفراد كتعبيره عن المحسوسات بما يكون فعله بطريق التشبيه أي جعل الغير شبيها به كالحرارة تجعل المجاور حارا أو السواد يلقي شبحه أي مثاله على العين لا كالثقل فإن فعله في الجسم التحريك لا الثقل قال الإمام وهذا تصريح منه فإخراج الثقل والخفة عن المحسوسات مع تصريحه في موضع آخر من الشفاء بأنهما منها وذكر في موضع آخر منه أنه لم يثبت بالبرهان أن الرطب يجعل غيره رطبا واليابس يجعل غيره يابسا وكتعبيره عن الكيفيات المختصة بالكميات بما يتعلق بالجسم من حيث الكمية قال الإمام وهذا تضييع للكيفية المختصة بالعدد يعني من جهة أنها قد تتعلق بالمجردات وبهذا اعترض على قولهم أن البحث عن أحوال ما يستغني عن المادة في الذهن دون الخارج هي الرياضيات بأن من جملتها البحث عن أحوال العدد وهو يستغني عن المادة في الخارج أيضا وأجيب بأن البحث فيه قد يقع لا من حيث الافتقار إلى المادة وهو بحث الوحدة والكثرة من الإلهي وقد يقع من حيث الافتقار كالجمع والتفريق والضرب ونحو ذلك مما في الحساب وهو من الرياضي وفيه نظر لا يقال المراد ما يتعلق بالجسم في الجملة وإن لم يختص به وكيفيات العدد كذلك لأنا نقول فحينئذ يكون معنى الكيفيات النفسانية مالا يتعلق بالجسم أنها لا تتعلق به أصلا وفساده بين بل المعنى أنها لا تتعلق به خاصة بحيث تستغني عن النفس قال القسم الأول الكيفيات المحسوسة وهي إن كانت راسخة كصفرة الذهب وحلاوة العسل سميت انفعاليات لانفعال الحواس عنها أو لا ولكونها بخصوصها أو عمومها تابعة للمزاج الحاصل من انفعال العناصر بموادها فالخصوص كما في المركبات مثل حلاوة العسل والعموم كما في البسايط مثل حرارة النار فإن الحرارة من حيث هي قد تكون تابعة للمزاج ولانفعال المواد وهذا معنى قولهم تشخصها أو نوعها وإلا فالحرارة ليست نوعا لحرارة النار وغيرها لا حقيقيا ولا إضافيا وكذا البياض لبياض الثلج والعاج على ما سيجيء وإن كانت غير راسخة سميت انفعالات لأنها لسرعة زوالها شديدة الشبه بأن تنفعل فخصت بهذا الاسم تمييزا بين القسمين قال المبحث الأول أصول الكيفيات الملموسة أي التي لا يخلو عنها شيء من الأجسام العنصرية ويقع الإحساس بها أو لا وهي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ولا خفاء في وجودها فما يقال أن البرودة عدم الحرارة ليس بشيء ولا في ماهيتها فما يذكر في معرض التعريف لها تنبيه على بعض ما لها من الخواص لا إفادة لتصوراتها والمشهور من خواص الحرارة أنها التي تفرق المختلفات وتجمع المتشاكلات إلا أنها تابعة لخاصة أخرى هي التحريك إلى فوق على ما قال في الحدود الحرارة كيفية فعلية محركة لما تكون فيه إلى فوق لإحداثها الخفة فيعرض أن تجمع المتجانسات وتفرق المختلفات وتحدث بتحليلها الكثيف تخلخلا من باب الكيف أي رقة قوام ويقابله التكاثف بمعنى غلظ القوام وبتصعيدها اللطيف تكاثفا من باب الوضع أي اجتماعا للأجزاء الوجدانية الطبع بخروج الجسم الغريب عما بينها ويقابله التخلخل بمعنى انتفاش الأجزاء بحيث يخالطها جرم غريب ومعنى الفعلية ما سبق من جعل الغير شبيها لا مجرد إفادة أثر ما أعم من الحركة وغيرها ليكون قولنا فعلية محركة بمنزلة قولنا جسم حيوان على ما زعم الإمام وبالجملة فالخاصة الأولية للحرارة هي إحداث الخفة والميل المصعد ثم يترتب على ذلك بحسب اختلاف القوابل آثار مختلفة من الجمع والتفريق والتنجيز وغير ذلك وتحقيقه أن ما يتأثر عن الحرارة إن كان بسيطا استحال أولا في الكيف ثم أفضى به ذلك إلى انقلاب الجوهر فيصير الماء هواء والهواء نارا وربما يلزمه تفريق المتشاكلات بأن تتميز الأجزاء الهوائية من الماء ويتبعها ما يخالطها من الأجزاء الصغار المائية وإن كان مركبا فإن لم يشتد التحام بسائطه ولا خفاء في أن الألطف أقبل للصعود لزم تفريق الأجزاء المختلفة وتبعه انضمام كل إلى ما يشاكله بمقتضى الطبيعة وهو معنى جمع المتشاكلات وإن اشتد التحام البسائط فإن كان اللطيف والكثيف قريبين من الاعتدال حدثت من الحرارة القوية حركة دورية لأنه كلما مال اللطيف إلى التصعد جذبه الكثيف إلى الانحدار وإلا فإن كان الغالب هو اللطيف يصعد بالكلية كالنوشادر وإن كان هو الكثيف فإن لم يكن غالبا جدا حدث تسييل كما في الرصاص أو تليين كما في الحديد وإن كان غالبا جدا كما في الطلق حدث مجرد سخونة واحتيج في تليينه إلى الاستعانة بأعمال أخر وعدم حصول التصعد أو التفرق بناء على المانع لا ينافي كون خاصتها التصعيد وتفريق المختلفات وجمع المتشاكلات قال وقد يقال الحار إطلاق الحرارة على حرارة النار وعلى الحرارة الفايضة عن الأجرام السماوية النيرة وعلى الحرارة الغريزية وعلى الحرارة الحادثة بالحركة ليست بحسب اشتراك اللفظ على ما يتوهم لأنه لمفهوم واحد هو الكيفية المحسوسة المخصوصة وإن كانت الحرارات متخالفة بالحقيقة واختلاف المفهوم إنما هو في إطلاق الحار على مثل النار وعلى الأجرام السماوية التي تفيض منها الحرارة وعلى الدواء والغذاء اللذين يظهر منهما حرارة في بدن الحيوان وهل في كل من الكواكب والدواء والغذاء صفة مسماة بالحرارة كالكيفية المحسوسة في النار أم ذلك توسع وإطلاق للحار على ما منه الحرارة وإن لم يقم به معنى مسمى بالحرارة فيه تردد واختلفوا في الحرارة الغريزية التي بها قوام حياة الحيوان فاختار الإمام الرازي أنها هي النارية فإن النار إذا خالطت سائر العناصر أفادت حرارتها المركب طبخا واعتدالا وقواما لتوسطها بانكسار سورتها عند تفاعل العناصر بين الكثرة المقتضية إلى إبطال القوام والعلة القاصرة عن الطبخ الموجب للاعتدال فتلك الحرارة هي المسماة بالحرارة الغريزية وحكي عن أرسطو أنها من جنس الحرارة التي تفيض من الأجرام السماوية فإن المزاج المعتدل بوجه ما مناسب لجوهر السماء لأنه ينبعث عنه يعني أنه إذا امتزجت العناصر وانكسرت سورة كيفياتها حصل للمركب نوع وحدة وبساطة بها يناسب البساطة السماوية ففاض عليه مزاج معتدل به حفظ التركيب وحرارة غريزية بها قوام الحياة وقبول علاقة النفس وبعضهم على أنها مخالفة بالماهية للحرارة النارية والحرارة السماوية لاختصاصها بمقاومة الحرارة الغريزية ودفعها عن الاستيلاء على الرطوبات الغريزية وإبطال الاعتدال حتى أن السموم الحارة لا تدفعها إلا الحرارة الغريزية فإنها آلة للطبيعة تدفع ضرر الحار الوارد بتحريك الروح إلى دفعه وضرر البارد الوارد بالمضادة وأجاب الإمام بأن تلك المقاومة إنما هي من جهة أن الحرارة الغريزية تحاول التفريق والغريزية أفادت من النضج والطبخ ما يعسر عنده على الحرارة الغريزية تفريق تلك الأجزاء وبالجملة يجوز أن تكون هي الحرارة السماوية أو النارية ويستند آثاره المختصة بها إلى خصوصية حصولها في البدن المعتدل وصيرورتها جزأ من المزاج الخاص ( قال وأورد ) المذكور في كلام بعض المتقدمين أن الجسم إنما كان رطبا إذا كان بحيث يلتصق بما يلامسه وفهم منه أن الرطوبة كيفية تقتضي التصاق الجسم ورده ابن سينا بأن الالتصاق لو كان للرطوبة لكان الأشد رطوبة أشد التصاقا فيكون العسل أرطب من الماء بل المعتبر في الرطوبة سهولة قبول الشكل وتركه فهي كيفية بها يكون الجسم سهل التشكل وسهل الترك للشكل وأجاب الإمام بأن المعتبر فيها سهولة الالتصاق ويلزمها سهولة الانفصال فهي كيفية بها يستعد الجسم لسهولة الالتصاق بالغير وسهولة الانفصال عنه ولا نسلم أن العسل أسهل التصاقا من الماء بل أدوم وأكثر ملازمة ولا عبرة بذلك في الرطوبة كيف وظاهر أنه ليس أسهل انفصالا فيلزم أن لا يكون أسهل التصاقا وكان مراد الإمام تأويل كلامهم بما ذكر وإلا فاعتراض ابن سينا إنما هو على ما نقله من كلامهم لا على تفسير الرطوبة بسهولة الالتصاق والانفصال على ما يشعر به كلام للواقف ومبناه على أنه لا تعرض في كلامهم للانفصال أصلا ولا للسهولة في جانب الالتصاق على ما ذكر من استلزام سهولة الالتصاق وسهولة الانفصال ممنوع وقد يعترض على اعتبار سهولة الالتصاق بأنه يوجب أن يكون اليابس المدقوق جدا كالطعام المحرقة رطبا لكونه كذلك ويجاب بأنه يجوز أن يكون ذلك لمخالطة الأجزاء الهوائية وهذا ما يتم على رأي من يقول برطوبة الهواء وسهولة التصاقه لولا مانع فرط اللطافة لا على رأي الإمام واعترض على اعتبار سهولة قبول الأشكال بوجوه منها أن النار أرق العناصر وألطفها وأسهلها قبولا للأشكال فيلزم أن يكون أرطبها وبطلانه ظاهر وأجيب بأنا لا نسلم سهولة قبول الأشكال الغريبة في النار الصرفة وإنما ذلك فيما يشاهد من النار المخالطة للهواء فإن قيل إذا أوقد التنور شهرا أو شهرين انقلب ما فيه من الهوا نارا صرفه أو غالبه مع أن سهولة قبول الأشكال بحالها بل أزيد قلنا لو أوقد ألف سنة فداخلة الهوا ومخالطة الأجزاء بحالها ومنها أنه يوجب كون الهوا رطبا ويبطله اتفاقهم على أن خلط الرطب باليابس يفيده استمساكا عن التفتت وخلط الهوا بالتراب ليس كذلك والجواب أن ذلك إنما هو في الرطب بمعنى ذي البلة فإن إطلاق الرطوبة على البلة شايع بل كلام الإمام صريح في أن الرطوبة التي هي من المحسوسات إنما هي البلة لا ما اعتبر فيه سهولة قبول الأشكال لأن الهوا رطب بهذا المعنى ولا تحس منه برطوبة ومنها أنه يوجب أن يكون المعتبر في اليبوسة صعوبة قبول الأشكال فلم يبق فرق بينها وبين الصلابة ويلزم كون النار صلبة لكونها يابسة والجواب أن اللين كيفية تقتضي قبول الغمز إلى الباطن ويكون للشيء بها قوام غير سيال فينتقل عن وصفه ولا يمتد كثيرا بسهولة والصلابة كيفية تقتضي ممانعة من قبول الغمز ويكون للشيء بها بقاء شكل وسدة مقاومة نحو اللاانفعال فيتغايران الرطوبة واليبوسة بهذا الاعتبار إلا أنه يشبه أن يكون مرجع قبول الغمز ولا قبوله إلى الرطوبة واليبوسة فعلى ما ذكرنا اللين والصلابة كيفيتان متضادتان وهل هما من الملموسات أو الاستعدادات فيه تردد وبعضهم على أن اللين عبارة عن عدم الصلابة عما من شأنه فبينهما تقابل الملكة والعدم قال وأما مثل البلة قد يعد من الملموسات البلة وهي الرطوبة الغريبة الجارية على ظاهر الجسم فإن كانت نافذة إلى باطنها فهي الانقطاع والأظهر أن الجفاف عدم ملكة البلة واللزوجة وهي كيفية تقتضي سهولة التشكل مع عسر التفرق واتصال الامتداد وتحدث من شدة امتزاج الرطب الكثير باليابس القليل ويقابلها الهشاشة وهي ما يقتضي صعوبة التشكل وسهولة التفرق واللطافة وقد تقال لرقة القوام كما في الماء والهواء ولسهولة قبول الانقسام إلى أجزاء صغيرة جدا كما في القند ولسرعة التأثر من الملاقي كما في الورد وللشفافية كما في الفلك والكثافة تقابلها بمعانيها والتخدير وهو تبريد للعضو بحيث يصير جوهر الروح الحامل قوة الحس والحركة إليه باردا في مزاجه غليظا في جوهره فلا يستعملها القوى النفسانية ويجعل مزاج العضو كذلك فلا يفيد تأثير القوى النفسانية واللدع وهي كيفية نفاذة جدا لطيفة تحدث في الاتصاف تفرقا كثير العدد متقارب الوضع صغير المقدار فلا يحس كل واحد بانفراده ويحس بالجملة كالوجع الواحد وإما الملاسة والخشونة فالجمهور على أنهما من الكيفيات الملموسة وقال الإمام بل من الوضع لأن الملاسة عبارة عن استواء أجزاء الجسم في الوضع بحيث لا يكون بعضها أرفع وبعضها أخفض والخشونة عن اختلافها ورد بأنه يجوز أن يكون ذلك مبدأهما لأنفسهما ( قال المبحث الثاني ) قد يراد بالاعتماد المدافعة المحسوسة للجسم لما يمنعه من الحركة إلى جهة فيكون من الكيفيات الملموسة ولا يقع اشتباه في تحققه ومغايرته للحركة وللطبيعة لكونه محسوسا يوجد حيث لا حركة كما في الحجر المسكن في الجو والزق المنفوخ المسكن تحت الماء وينعدم مع بقاء الطبيعة كما في الجسم الساكن في حيزه الطبيعي وقد يراد به مبدأ المدافعة فيفسر بكيفية يكون بها الجسم مدافعا لما يمنعه عن الحركة إلى جهة ما وسيجيء بيان تحققه ومغايرته للطبيعة ويبقى الاشتباه في أنه من أي قسم من أقسام الكيف ( قال وقد يجعل أنواعه ) أي أنواع الاعتماد ستة بحسب الحركات في الجهات الست وقد يدعى تضادها مطلقا إن لم يشترط بين المتضادين غاية الخلاف وإن اشترط انحصر التضاد فيما بين المتقابلين كالاعتماد الصاعد والهابط مثلا وفي جعل أنواع الاعتماد ستا ضعيف من وجهين
أحدهما أن الاعتماد الطبيعي الذي يتصور فيه الاختلاف بالحقيقة إنما هو الصاعد والهابط أعني الميل إلى العلو والسفل اللذين هما الجهتان الحقيقيتان اللتان لا تتبدلان أصلا حتى لو انتكس الإنسان لم يصر فوقه تحت وتحته فوق بل صار رجله إلى فوق ورأسه إلى تحت بخلاف سائر الجهات فإنها إضافية تتبدل كالمواجه للمشرق إذا واجه المغرب صار قدامه خلفا ويمينه شمالا وبالعكس فيتبدل الاعتمادات أي يصير اعتماده إلى قدام اعتمادا إلى خلف وبالعكس وكذا إلى اليمين والشمال فلا يكون أنواعا مختلفة
وثانيهما إن حصر الجهات في الست أمر عرفي اعتبره العوام من حال الإنسان في أزله رأسا وقدما وظهرا وبطنا ويدين يمينا وشمالا والخواص من حال الجسم في أن له أبعادا ثلاثة متقاطعة على زوايا قوائم ولكل بعد طرفين وأما بحسب الحقيقة فالجهات متكثرة جدا غير محصورة بحسب ما للجسم من الأجزاء عند من يقول بالجوهر الفرد أو غير متناهية أصلا بحسب ما يفرض فيه من الانقسامات عند من لا يقول به وبالجملة فالحقيقي من أنواع الاعتماد الذي لا يلحقه التبدل أصلا اثنان هما الثقل والخفة أعني الميل الهابط والصاعد وكل منهما مطلق ومضاف فالثقل المطلق كيفية تقتضي حركة الجسم إلى حيث ينطبق مركز ثقله أعني النقطة التي يتعادل ما على جوانبها على مركز العالم كما في الأرض والمضاف كيفية تقتضي حركة الجسم في أكثر المسافة الممتدة بين المركز والمحيط حركة إلى المركز لكنه لا يبلغ كما للماء فإنه ثقيل بالإضافة إلى النار والهواء دون الأرض والخفة المطلقة كيفية تقتضي حركة الجسم إلى حيث ينطبق سطحه على سطح القعر فلك القمر كما للنار والمضافة كيفية تقتضي حركة الجسم في أكثر المسافة الممتدة بين المركز والمحيط حركة إلى المحيط لكنه لا تبلغ المحيط كما للهواء قال وليسا راجعين ما ذكر من كون الثقل والخفة كيفيتين زائدتين على الجسم غير متعلقتين بالرطوبة واليبوسة حيث كان الهواء خفيفا مع رطوبة والأرض ثقيلة مع يبوستها هو رأي الجمهور وذهب الجبائي إلى أن سبب الثقل الرطوبة وسبب الخفة اليبوسة لما يظهر بالنار من رطوبة الثقيل كالذهب وترمد الخفيف كالخشب ورد بأن غايته ظهور الرطوبة واليبوسة في بعض ما هو ثقيل وخفيف من غير دلالة على تحققهما قبل ذلك وسببيتهما وعموم الحكم وذهب الأستاذ أبو إسحق إلى أن الجواهر الفردة متجانسة لا تتفاوت في الثقل والخفة وإنما تفاوت الأجسام في ذلك عائد إلى كثرة الجواهر الفردة في الثقيل وقلتها في الخفيف ورد بعد تسليم التجانس بأنه يجوز أن يحدث في المركب من الأجزاء القليلة صفة الثقل والكثرة صفة الخفة لمحض إرادة المختار أو لغيرها من الأسباب كسائر الأعراض من الألوان والطعوم وغيرهما وقد يستدل على بطلان الرأيين بأن الزق الواحد يسع من الزئبق أضعاف ما يسع من الماء فالزئبق أثقل من الماء الكثير مع زيادة الماء في الرطوبة بالاتفاق وتساويهما في الأجزاء في الصورة المفروضة وهي أن يملأ الزق ماء ثم يفرغ فيملأ زئبقا إذ لو كان أجزاء الزئبق أكثر لزم أن يكون فيما بين أجزاء الماء فرج خلاء بقدر زيادة وزن الزئبق على وزن الماء وإن يحس في زق الماء بالأحياز الفارغة أضعاف ما يحس به من المملوة هذا بعد تسليم وجود الخلاء وعدم انحدار الماء بالطبع إلى الحيز الخالي بناء على إرادة القادر أو أن في الخلاء قوة دافعة ويمكن أن يقال لا يحس بها لغاية الصغر مع فرط الامتزاج بالأجزاء المائية ( قال ومنع القاضي ) اختلف أصحابنا القائلون بالاعتماد فذهب القاضي إلى أن الاعتماد في كل جسم أمر واحد وربما يتعدد أسماؤها بحسب الاعتبار حتى يسمى بالنسبة إلى العلو خفة وإلى السفل ثقلا وليس له بالنسبة إلى الجهات الأخر اسم خاص فما نقل عنه من جواز اجتماع الاعتمادات فمعناه جواز أن يعرض لذلك الأمر الاعتبارات المختلفة والإضافة إلى الجهات الست وذهب بعضهم إلى أنها متعددة غير متضادة لا يقوم بجسم اعتمادا بالنسبة إلى جهتين وبعضهم إلى أنها متعددة غير متضادة لأن من جذب حجرا ثقيلا إلى جهة العلو فإنه يحس منه اعتمادا إلى جهة السفل ولو جذبه غيره إلى جهة السفل يحس منه اعتمادا إلى جهة العلو ولأن كلا من المتجاذبين حبلا على التقاوم والتساوي في القوة يحس من الحبل اعتمادا إلى خلاف جهته والحق أن الاعتمادين الطبيعيين أعني الثقل والخفة متضادان لا يتصور اجتماعهما في شيء واحدا باعتبار واحد وأنه لا تضاد بين الاعتماد الطبيعي وغير الطبيعي كما في الحجر الذي يرفع إلى فوق فإن الرافع يحس مدافعة هابطة والدافع مدافعة صاعدة وأما غير الطبيعي من الاعتماد فقيل المختلفان منه متضادان كالاعتماد يمنة ويسرة لأنه مبدأ قريب للحركة فلو جاز الاعتماد إن معا لجاز الحركتان بالذات معا لاستلزام وجود المؤثر وجود الأثر ويلزم منه جواز كون الجسم في آن واحد في حيزين وإنما قيد بالذات لأنه لا يمتنع حركتان إلى جهتين إذا كانت إحديهما بالذات والأخرى بالعرض كراكب السفينة يتحرك إلى خلاف الجهة التي تتحرك إليها السفينة وهذا معنى ما قال الجبائي أن الحركتين إلى جهتين متضادتان فكذا الاعتمادات الموجبان لهما وحينئذ لا يرد ما قال الآمدي أن هذا تمثيل بلا جامع كيف والحركة أثر الاعتماد وتضاد الآثار لا يوجب اختلاف المؤثرات فضلا عن تضاده كالطبيعة توجب الحركة بشرط الخروج من الحيز الطبيعي والسكون بشرط الحصول فيه على أن الفرق قائم فإن اجتماع الحركتين إلى جهتين إنما امتنع لاستلزامه حصول الجسم في حالة واحدة في حيزين ولا كذلك الاعتمادان والجواب أنه إن أريد بالمبدأ القريب تمام العلة فلانم أن الاعتماد كذلك بل لا بد من انتفاء المانع وإن أريد الأعم فلانم أنه يوجب وجود الأثر على أنه لو تم هذا الدليل لزم تضاد الطبيعي وغير الطبيعي لجريانه فيه سلمنا لكنه معارض بأنهما لو كانا متضادين لما جاز اجتماعهما واللازم باطل لأن الحبل المتجاذب بقوتين متساويتين إلى جهتين متقابلتين يجد فيه كل من الجاذبين مدافعة إلى خلاف جهته وقد يقال لا بل هو كالساكن الذي يمتنع عن التحرك لا مدافعة فيه أصلا قال والمعتزلة يسمون الطبيعي من الاعتماد لازما كاعتماد الثقيل إلى السفل والخفيف إلى العلو وغير الطبيعي مجتلبا كاعتماد الثقيل إلى العلو والخفيف إلى السفل قسرا وكاعتمادهما إلى باقي الجهات ولهم اختلافات في باب الاعتماد منها ما قال الجبائي أن في الهواء اعتمادا صاعدا لازما لما يشاهد في الزق المنفوخ المقسور تحت الماء أنه إذا شق خرج الهواء صاعدا ويشق الماء بل لو زال القاسر صعد الهواء بالزق وما تعلق به من الثقيل لا يقال يجوز أن لا يكون ذلك لصعوده اللازم بل لضغط الماء إياه وإخراجه من حيزه بثقل وطأته لأنا نقول لو لم يكن في طبعه الصعود والطفو على الماء لما زاده ثقل وطأة الماء إلا استقرارا وثباتا كسائر الأثقال سيما إذا بقي الزق مسدودا وقال أبو هاشم ليس للهواء اعتماد لازم ولو كان في طبعه صعودا لانفصل عن أجزاء الخشبة التي في الماء وصعد دون الخشبة إذ لا سبب عند الجبائي لصعودها وطفوها سوى تخلخل أجزائها وتثبيت الهواء بها لا يقال يجوز أن يفيده التركيب حالة موجبة للتلازم وعدم الانفصال سيما وهو هواء لم يبق على كيفيته المقتضية للانفصال لانكسار سورتها بالامتزاج لأنا نقول الكلام في الأجزاء الهوائية المجاورة للأجزاء الخشبية لا التي صارت جزء الممتزج كما في سائر المركبات على ما يراه الفلاسفة فالأقرب أن يقال أن احتباسها فيما بين الأجزاء الخشبية منعها الانفصال وأوجب الاستتباع ومنها ما قال الجبائي أن الاعتماد غير باق لازما كان أو مجتلبا وقال أبو هاشم بل اللازم باق بحكم المشاهدة كما في الألوان والطعوم تمسك الجبائي بأن الإنسان إذا تحامل على حجر هابط واعتماده المجتلب غير باق فكذا اللازم لاشتراكهما في أخص أوصاف النفس أعني كونه اعتمادا هابطا وبأن مالا يبقى من الأعراض كالأصوات وغيرها لا فرق فيها بين المقدور وغير المقدور فكذا في الاعتمادات التي مجتلبها مقدور ولازمها غير مقدور ورد
الأول بمنع كون أخص الأوصاف الاعتماد الهابط بل الاعتماد اللازم
والثاني بأنه تمثيل بلا جامع ومنها ما قال الجبائي أن الاعتماد لا يولد حركة ولا سكونا وإنما يولدهما الحركة فإن من فتح بابا أو رمى حجرا فما لم تتحرك يده لم يتحرك المفتاح ولا الحجر ثم حركة المفتاح أو الحجر يولد سكونه في المقصد وقال أبو هاشم بل المولد لهما الاعتماد لأنه إذا نصب عمود قائم وأدعم بدعامة فاعتمد عليه إنسان إلى جهة الدعامة ثم أزيلت الدعامة فإن العمود يتحرك إلى جهتها ويسقط وإن لم يتحرك المعتمد وكلاهما ضعيف إذ لا دلالة على الانحصار فيجوز أن يكون المولد هو الحركة تارة والاعتماد أخرى وكذا ما قيل أن حركة الرامي متأخرة عن حركة الحجر لأنه مالم يندفع عن حيزه امتنع انتقال يد الرامي إليه لاستحالة تداخل الجسمين في حيز لأنه إن أريد التأخر بالزمان فاستحالة التداخل لا يوجبه لجواز أن يكون اندفاع هذا وانتقال ذاك في زمان واحد كما في أجزاء الحلقة التي تدور على نفسها بل الأمر كذلك والألزم الانفصال وإن أريد بالذات فالأمر بالعكس إذ مالم تتحرك اليد لم يتحرك الحجر ولهذا يصح أن يقال تحركت اليد فتحرك الحجر دون العكس فالأقرب أن المولد للحركة والسكون قد يكون هو الحركة وقد يكون الاعتماد فإنه يولد أشياء مختلفة من الحركات وغيرها بعضها لذاته من غير شرط كتوليده الحركة على ما سبق من أنه السبب القريب للحركة وبعضها لذاته بشرط كتوليده الأوضاع المختلفة للجسم بشرط حركاته وكتوليده عود الجسم إلى حيزه الطبيعي بشرط خروجه عنه وكتوليده الأصوات بشرط المصاكة وبعضها لا لذاته كتوليده المجاورة المولدة للتأليف وكتوليده تفرق الاتصال المولد للألم ( قال والفلاسفة يسمونه ) أي الاعتماد ميلا ويقسمونه إلى الطبيعي والقسري والنفساني لأن مبدأه وما ينبعث هو عنه إن كان أمرا خارجا عن محله فقسري كميل السهم المرمي إلى فوق وإلا فإن كان مع قصد وشعور فنفساني كاعتماد الإنسان على غيره وإلا فطبيعي سواء اقتضته القوة على وتيرة واحدة أبدا كميل الحجر المسكن في الجو أو اقتضته على وتائر مختلفة كميل النبات إلى التبرز والتربد ومنهم من سمى المقرون بالقصد والشعور إراديا وجعل النفساني أعم منه ومن أحد قسمي الطبيعي أعني مالا يكون على وتيرة واحدة لاختصاصه بذوات الأنفس فربما يختلف على حسب اقتضاء النفس فبهذا الاعتبار يسمى ميل النبات نفسانيا ومنهم من جعله خارجا عن الأقسام لكونه مركبا على ما سيأتي في بحث الحركة مع زيادة كلام في هذا الباب ثم أنهم قد ذكروا أحكاما تدل على ترددهم في أن الميل نفس المدافعة المحسوسة أو مبدأها القريب الذي يوجد عند كون الحجر صاعدا في الهواء أو ساكنا على الأرض فمنها أن الميل الطبيعي لا يوجد في الجسم عند كونه في حيزه الطبيعي وإلا فإما أن يميل إليه فيلزم طلب حصول الحاصل أو عنه فيلزم أن يكون المطلوب بالطبع متروكا بالطبع ولا يتأتى هذا في مبدأ الميل إذ ربما يتخلف الأثر عنه لفقد شرط أو وجود مانع ومنها أن الميل الطبيعي لا يجامع الميل القسري إلى جهتين لأن امتناع المدافعة إلى جهة مع المدافعة عنها ضروري فالحجر المرمي إلى فوق لا يكون فيه مدافعة هابطة بالفعل بل بالقوة بمعنى أن من شأنه أن يوجد فيه ذلك عند زوال غلبة القوة القسرية وأما إلى جهة واحدة فقد يجتمعان كما في الحجر المدفوع إلى أسفل فإن فيه مدافعة هابطة يقتضيها الحجر إذا خلي وطبعه وأخرى أحدثها فيه القاسر على حسب قوته وقصده ولهذا يكون حركته حينئذ أسرع مما إذا سقط بنفسه فهبط وتتفاوت تلك السرعة بتفاوت قوة القاسر ومنها ما ذكروا في بيان سبب أن الحجر الذي يتحرك صاعدا بالقسر ثم يرجع هابطا بالطبع أن حركته القسرية تشتد ابتداء وتضعف عند القرب من النهاية والطبيعية بالعكس لأن ميله القسري يزداد ضعفا بمصاكات تتصل عليه من مقاومة الهواء المخروق فيزداد الميل الطبيعي أعني مبدأ المدافعة قوة إلى أن يتعادلا ثم يأخذ القسري في الانتقاص والطبيعي في الغلبة فيأخذ حركته في الاشتداد ومنها استدلالهم على وجود الميل الطبيعي بأن الحجرين المرميين بقوة واحدة إذا اختلفا في الصغر والكبر اختلفت حركتاهما في السرعة والبطء وليس ذاك إلا لكون المقاوم الذي هو الميل الطبيعي أعني مبدأ المدافعة في الكبير أكثر منه في الصغير لأن التقدير عدم التفاوت في الفاعل والقابل إلا بذلك وأجاب الإمام بأن الطبيعة قوة سارية في الجسم منقسمة بانقسامه فيكون في الكبير أكثر وبزيادة المقاومة أجدر والفلاسفة يزعمون أنها أمر ثابت ليس مما يشتد ويضعف أو ما يقل ويكثر في الجسم الواحد حتى أن طبيعة كل الماء وبعضه واحد ولا يتبين الحق من ذلك إلا بمعرفة حقيقة ما هو المراد بالطبيعة ههنا وهم لم يزيدوا على أن الطبيعة قد يقال لما يصدر عنه الحركة والسكون أو لا وبالذات دون شعور وإرادة وقد يقال لما يصدر عنه أمر لا يتخلف عنه ولا يفتقر الصدور إلى علة خارجة عنه كنزول الحجر إلى السفل وقد يخص بما يصدر عنه الحركات على نهج واحد دون شعور وقد تسمى كل قوة جسمانية طبيعة وشيء من ذلك لا يفيد معرفة حقيقية وأما إطلاقها على المزاج أو على الكيفية الغالبة من الكيفيات المتضادة أو على الحرارة الغريزية أو على النفس النباتية أو نحو ذلك على ما يذكره الأطباء فمختص بالمركبات ( قال النوع الثاني المبصرات ) ذهبت الفلاسفة إلى أن المبصر أولا وبالذات هو الضوء واللون وإن كان الثاني مشروطا بالأول وقد يبصر بتوسطهما مالا يعد في الكيفيات المحسوسة من الكيفيات المختصة بالكميات من المقادير والأوضاع وغير ذلك كالاستقامة والانحناء والتحدب والتقعر وسائر الأشكال وكالطول والقصر والصغر والكبر والقرب والبعد والتفرق والاتصال والحركة والسكون والضحك والبكاء والحسن والقبح وغير ذلك وأما ما يتوهم من أبصار مثل الرطوبة واليبوسة والملاسة والخشونة فمبني على أنه يبصر ملزوماتها كالسيلان والتماسك الراجعين إلى الحركة والسكون وكاستواء الأجزاء في الوضع واختلافها فيه ( قال المبحث الأول ) حقايق الألوان بل جميع المحسوسات ظاهرة غنية عن البيان ولا خفاء في تضاد السواد والبياض لما بينهما من غاية الخلاف لكونهما طرفي الألوان وأما ما بينهما من الحمرة والصفرة وغير ذلك فعند المحققين أنواع متباينة يختص كل منها بآثار مختلفة وليست بمتضادة إن اشترط بين المتضادين غاية الخلاف وإلا فمتضادة قال والتحقيق الظاهر من كلام القوم أن أنواع اللون هي السواد والبياض والحمرة والصفرة وغير ذلك وأنواع الكيفيات الملموسة هي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ونحو ذلك إلا أن التحقيق هو أن أنواع اللون هي البياضات المخصوصة التي لا تتفاوت بأفرادها كبياض الثلج مثلا وكذا في السواد وغيره بل في كل ما يقال بالتشكيك حتى أن النوع من الملموسات ليس مطلق الحرارة بل الحرارة المخصوصة التي تكون في أفرادها على السوية كحرارة النار الصرفة مثلا والنوع من المبصرات ليس مطلق الضوء بل الضوء الخاص الذي لا يتفاوت فيه أفراده كضوء الشمس مثلا وإنما يقع الاشتباه من جهة أن الأنواع قد يكون لجملة جملة منها عارض خاص واسم خاص كالبياضات المشتركة في تفريق البصر وفي اسم البياض والسوادات المشتركة في قبض البصر وفي اسم السواد وكالحرارات والبرودات ونحو ذلك فيتوهم أن تلك الجملة نوع واحد بخلاف الأضواء فإنه لا ينفرد جملة جملة منها بعارض واسم فلا يتوهم ذلك فيه بل ربما يتوهم كون المجموع نوعا واحدا واللون والضوء قد وقعا في مرتبة واحدة من البصرات إلا أن اللون جنس الألوان بخلاف الضوء لما فيه من التفاوت والضوء يوهم نوعيته لتقارب أنواعه بخلاف اللون وإنما توهم ذلك في جملة جملة من أنواعه كالبياض مثلا لتقارب أنواع البياض وكالسواد لتقارب أنواع السواد وعلى هذا القياس فصار الضوء بمنزلة البياض مثلا في أنه ليس نوعا لما تحته ولا جنسا بل عارضا ومبنى ذلك على ما تقرر عندهم من أن القول بالتشكيك لا يكون إلا عارضا لامتناع التفاوت في الماهية وذاتياتها لأن الأمر الذي به يتحقق التفاوت حيث يوجد في الأشد دون الأضعف إن لم يكن داخلا في الماهية لم يتحقق التفاوت فيها بل كانت في الكل على السواء وإن كان داخلا فيها لم يتحقق اشتراك الأضعف فيها لانتفاء بعض الأجزاء مثلا الخصوصية التي توجد في نور الشمس دون القمر إن كانت من ذاتيات الضوء لم يكن ما في القمر ضوأ وإلا لم يكن تفاوت النورين في نفس الماهية فإن قيل لو صح هذا الدليل لزم أن لا يكون العارض أيضا مقولا بالتشكيك قابلا للشدة والضعف لأن القدر الزائد إما داخل في مفهوم العارض وماهيته فلا اشتراك للأضعف فيه وإما غير داخل فلا تفاوت لأن ما هو مفهوم العارض فيهما على السواء مثلا الخصوصية التي توجد في بياض الثلج دون العاج إن كانت مأخوذة في مفهوم البياض لم يكن ما في العاج من معروضاته وإلا لكان مفهوم البياض فيهما على السواء أجيب بأنه داخل في ماهية المعروض الأشد وإن لم يدخل في ماهية العارض ولا في ماهية المعروض الأضعف ولا يلزم من عدم دخوله في مفهوم العارض تساويه في جميع المعروضات ولقائل أن يقول فيتوجه مثله على الدليل المذكور على امتناع تفاوت الماهية وذلك أنه كما جاز التفاوت في التعارض باعتبار أمر خارج عنه داخل في ماهية بعض المعروضات فلم لا يجوز في الماهية باعتبار أمر خارج عنها داخل في هوية بعض الأفراد مثلا يكون النور تمام ماهية الأنوار أو جنسا لها وتكون الخصوصية التي في نور الشمس أمرا خارجا عن حقيقة النور داخلا في هوية نور الشمس وعلى هذا القياس وتوجيه المنع أنا لانم أن القدر الزائد إذا كان خارجا عن الماهية كانت الماهية في الكل على السواء وإنما يلزم لو لم يكن ذلك زيادة من جنس الماهية وإذا تحققت فلا عبرة بكونه داخلا في ماهية المعروض حتى لو فرضنا الخصوصية التي في نور الشمس من عوارضه كان التفاوت بحاله وإنما العبرة بكونه من جنس العارض وزيادة فيه فإن الخصوصية التي في نور الشمس وبياض الثلج وحرارة النار ليست إلا زيادة نور وبياض وحرارة ولا يمتنع مثل ذلك في الماهية وذاتياتها والحاصل أن عدم دخول القدر الزائد الذي به التفاوت في المعنى المشترك الذي فيه التفاوت إن كان مانعا من التفاوت لزم عدم تفاوت شيء من المفهومات في أفراده سواء كان عارضا لها أو ذاتيا وهو معنى النقض وإن لم يكن مانعا لم يتم الدليل على امتناع تفاوت الماهية وذاتياتها ومن ههنا ذهب بعضهم إلى أن نفي التشكيك مطلقا تمسكا بالدليل المذكور وجوز بعضهم التشكيك والتفاوت في الماهية وذاتياتها نظرا إلى عدم دليل الامتناع بل ادعوا أن تفاوت الخط الأطول والأقصر تفاوت في الماهية الخطية وأنها في الأطول أكمل وفي الأقصر أنقص لأن الزيادة التي في الأطول من جنس الخط وإن لم يكن داخلا في ماهيته وإن ادعى التفرقة بين ما إذا كان ذلك القدر الخارج عن المعنى المشترك داخلا في ماهية الأشد وبين ما إذا كان داخلا في مجرد هويته لم يكن بد من البيان مع أن الدليل المذكور لا يتم حينئذ في أجزاء الماهية لجواز أن يكون ما به يتفاوت الجنس خارجا عنه داخلا في ماهية بعض أنواعه قال المبحث الثاني زعم بعضهم أنه لا حقيقة للون أصلا والبياض إنما يتخيل من مخالطة الهواء للأجسام الشفافة المتصغرة جدا كما في الثلج فإنه لا سبب هناك سوى مخالطة الهواء ونفوذ الضوء في أجزاء صغار جمدية شفافة وكذا في زبد الماء والمسحوق من البلور والزجاج الصافي والسواد يتخيل من عدم غور الضوء في الجسم لكثافته واندماج أجزائه وباقي الألوان تتخيل بحسب اختلاف الشفيف وتفاوت مخالطة الهواء وقد يستند السواد إلى الماء نظرا إلى أنه يخرج الهواء فلا يكمل نفوذ الضوء إلى السطوح ولهذا يميل الثوب المبلول إلى السواد والمحققون على أنها كيفيات متحققة لا متخيلة وظهورها في الصور المذكورة بالأسباب المذكورة لا ينافي تحققها ولا حدوثها بأسباب أخر على ما قال ابن سينا أنه لا شك في أن اختلاط الهواء بالمنشف سبب لظهور اللون الأبيض ولكنا ندعي أن البياض قد يحدث من غير هذا الوجه كما في البيض المسلوق فإنه يصير أشد بياضا مع أن النار لم تحدث فيه تخلخلا وهوائية بل أخرجت الهوائية عنه ولهذا صار أثقل وكما في الدواء المسمى بلبن العذراء فإنه يكون من خل طبخ فيه المرداسنج حتى انحل فيه ثم يصفى حتى يبقى الخل في غاية الإشفاف ثم يطبخ المرداسنج في ماء طبخ فيه القلي ويبالغ في تصفيته ثم يخلط الماآن فينعقد فيه المنحل الشفاف من المرداسنج ويصير في غاية البياض ثم يجف وما ذاك بحدوث تفرق في شفاف ونفوذ هواء فيه فإنه كان متفرقا منحلا في الخل ولا لتقارب أجزاء متفرقة وانعكاس ضوء البعض إلى البعض لأن حدة ماء القلي بالتفريق أولى بل ذلك على سبيل الاستحالة وكما في الجص فإنه يبيض بالطبخ بالنار ولا يبيض بالسحق والتصويل مع أن تفرق الأجزاء ومداخلة الهواء فيه أظهر فظهر أن ابن سينا لم ينكر حصول البياض في الثلج وزبد الماء ومسحوق البلور والزجاج ونحو ذلك مما لا سبب فيه سوى مخالطة الهواء بالمشف بل ادعى حصوله بأسباب أخر بعدما كان لا يعلم حصوله إلا بهذا السبب على ما قال في موضع من الشفاء لا أعلم هل يحصل البياض بسبب آخر أم لا وكان صاحب المواقف فهم وحاشاه عن سوء الفهم من بعض عبارات الشفاء حيث يقول وفي بيان سبب البياض في الصور المذكورة أن اختلاط الهواء بالمشف على الوجه المخصوص سبب لظهور لون أبيض ولرؤية لون هو البياض أنه ينكر وجود البياض فيها بالحقيقة فنسبه إلى السفسطة ومما استدل به في الشفاء على حصول البياض من غير اختلاط الهواء بالمشف أمران أحدهما اختلاف طرف الاتجاه من البياض إلى السواد حيث يكون من البياض تارة إلى الغبرة ثم العودية ثم السواد وتارة إلى الحمرة ثم القتمة ثم السواد وتارة إلى الخضرة ثم النبلية ثم السواد فإنه يدل على اختلاف ما يتركب عنه الألوان إذ لو لم يكن إلا السواد والبياض ولم يكن البياض إلا بمخالطة الهواء للأجزاء الشفافة لم يكن في تركيب السواد والبياض إلا الأخذ في طريق واحد وإن وقع فيه اختلاف فبالشدة والضعف وثانيهما انعكاس الحمرة والخضرة ونحو ذلك من الألوان فإنه لو كان اختلاف الألوان لاختلاط الشفاف بغيره لوجب أن لا ينعكس من الأحمر والأخضر إلا البياض لأن السواد لا ينعكس بحكم التجربة ودلالة هذين الوجهين على أن سبب اختلاف الألوان لا يجب أن يكون هو التركب من السواد والبياض أظهر من دلالته على أن سبب البياض لا يجب أن يكون هو مخالطة الهواء للأجزاء الشفافة مع أن في الملازمتين نظرا لجواز أن يقع تركب السواد والبياض على أنحاء مختلفة وأن ينعكس السواد عند الاختلاط والامتزاج وإن لم ينعكس عند الانفراد وقد اقتصر بعضهم على نفي البياض وأثبت السواد تمسكا بأن البياض ينسلخ ويقبل محله الألوان بخلاف السواد ورد بعد ثبوت الأمرين بأنه يجوز أن يكون الحقيقي مفارقا والتخيلي لازما لزوال سبب الأول ولزوم سبب التخيلي لا يقال البياض يقبل محله جميع الألوان وكل ما يقبل الشيء فهو عار عنه ضرورة تنافي القبول والفعل لأنا نجيب بمنع الصغرى فإنه إنما يقبل ما سوى البياض الذي فيه فلا يلزم إلا عراؤه عنها وإن أريد بالقبول معنى الإمكان بحيث يجامع الفعل منعنا الكبرى وهو ظاهر وقد يقال لو كان القابل للشيء واجب العراء عنه لكان ممتنع الاتصاف به وهو باطل وليس بشيء لأن القضية مشروطة فلا يلزم إلا امتناع الاتصاف ما دام قابلا وهو حق قال وقيل القائلون يكون السواد والبياض كيفيتين حيقيتين منهم من زعم أنهما أصل الألوان والبواقي بالتركيب لما نشاهد من أن البياض والسواد وإن اختلطا وحدهما حصلت الغبرة وإن خالط السواد ضوأ كما في الغمامة التي تشرق عليها الشمس والدخان الذي يخالطه النار فإن كان السواد غالبا حصلت الحمرة وإن اشتدت الغلبة حصلت القتمة وإن غلب الضوء حصلت الصفرة ثم إن الصفرة إذا خالطها سواد مشرق حصلت الخضرة ثم إن الخضرة إذا انضم إليها سواد آخر حصلت الكراثية وإذا انضم إليها بياض حصلت الزنجارية ثم الكراثية إن خالطها سواد وقليل حمرة حصلت النبلية ثم النبلية إن خالطها حمرة حصلت الأرجوانية وعلى هذا القياس ومنهم من زعم أن الأصل هو السواد والبياض والحمرة والصفرة والخضرة والبواقي بالتركيب بحكم المشاهدة ولا يخفى أنهما إنما يفيدان التركيب المخصوص بقيد اللون المخصوص وأما أن ذلك اللون لا يحصل إلا من هذا التركيب ولا يكون حقيقة مفردة فلا قال المبحث الثالث الضوء غني عن التعريف كسائر المحسوسات وتعريفه بأنه كيفية هي كمال أول للشفاف من حيث هو شفاف أو بأنه كيفية لا يتوقف الإبصار بها على الإبصار بشيء آخر تعريف بالأخفى وكان المراد التنبيه على بعض الخواص والضوء إن كان من ذات المحل بأن لا يكون فائضا عليه من مقابلة جسم آخر مضى فذاتي كما للشمس ويسمى ضياء وإلا فعرضى كما للقمر ويسمى نورا أخذا من قوله تعالى هو الذي جعل الشمس ضياء أي ذات ضياء والقمر نورا أي ذا نور والعرضى إن كان حصوله من مقابلة المضي لذاته كضوء جرم القمر وضوء وجه الأرض المقابل للشمس فهو الضوء الأول وإن كان من مقابلة المضيء لغيره كضوء وجه الأرض قبل طلوع الشمس من مقابلة الهواء المقابل للشمس وكضوء داخل البيت الذي في الدار من مقابلة هواء الدار المضيء من مقابلة الهواء المقابل للشمس أو لهواء آخر يقابلها فهو الضوء الثاني والثالث وهلم جرا على اختلاف الوسائط بينه وبين المضيء بالذات إلى أن ينتهي الضوء بالكلية وينعدم وهو الظلمة أعني عدم الضوء عما من شأنه فهو عدم ملكة للضوء لا كيفية وجودية على ما ذهب إليه البعض وإلا لكان مانعا للجالس في الغار من إبصار من هو في هواء مضيء خارج الغار كما أنه مانع له من إبصار من هو في الغار وذلك للقطع بعدم الفرق في الحائل المانع من الإبصار بين أن يكون محيطا بالرأي وبالمرئي أو متوسطا بينهما وربما يمنع ذلك بأنه ليس بمانع بل أحاطة الضوء بالمرئي شرط للرؤية وهو منتف في الغار لكنه لا يتأتى على قولهم الظلمة كيفية مانعة من الإبصار تمسك القائلون بكونها وجودية بقوله تعالى وجعل الظلمات والنور فإن المجعول لا يكون إلا موجودا وأجيب بالمنع فإن الجاعل كما يجعل الوجود بجعل العدم الخاص كالعمى فإنما المنافي للمجعولية هو العدم الصرف ( قال ولهم تردد ) لا خلاف بين المحققين من الحكماء في إضاءة الهواء وإنما الخلاف في أن محل الضوء هو نفس الهواء الصرف أو ما يخالطه من الأجزاء البخارية أو الدخانية أو نحو ذلك احتج الأولون بما يشاهد من الهواء المضيء في أفق المشرق وقت الصباح وبأنه لو لم يكن مضيئا لوجب أن يرى بالنهار الكواكب التي في الجهة المخالفة للشمس إذ لا مانع سوى انفعال الحس عن ضوء أقوى وضعفهما ظاهر لأن الكلام في الهواء الصرف والأقرب ما ذكره الإمام وهو أن أضاءة الهواء لو كان بسبب مخالطة الأجزاء لكان الهواء كلما كان أصفى كان أقل ضوءا وكلما كان أكدر وأغلظ فأكثر والأمر بالعكس وفيه أيضا ضعف لجواز أن يكون الموجب مخالطة الأجزاء إلى حد مخصوص إذا تجاوزه أخذ الضوء في النقصان وحاصله أنه يجوز أن يضره الإفراط كما يضره التفريط تمسك الآخرون بأنه لو تكيف بالضوء لوجب أن يحس به مضيئا كالجدار واللازم باطل لأن الهواء غير مرئي ورد يمنع الملازمة إذ من شرائط الرؤية اللون ولا لون للهواء الصرف قال وأما الظل فهو ما يحصل أي الضوء الحاصل من الهواء المضيء بالمضيء بالذات كالشمس والنار أو بالغير كالقمر وقد يفسر بالضوء المستفاد والمضيء بالغير ولا خفاء في صدقه على الضوء الحاصل من مقابلة جرم القمر مع أنه ليس بظل وفاقا وما ذكر في المواقف من أن مراتب الظل تختلف قوة وضعفا بحسب اختلاف الأسباب والمعدات كما يشاهد في اختلاف ضوء البيت بحسب كبر الكوة وصغرها حتى أنه ينقسم إلى مالا نهاية له انقسام الكوة فمبني على ما يراه الحكماء من عدم تناهي انقسامات الأجسام والمقادير وما يتبعها وإن كانت محصورة بين حاصرين حتى أن الذراع الواحد يقبل الإنقسام إلى ما لا نهاية له ولو بالفرض والوهم وما تقرر من أن المحصور بين حاصرين لا يكون إلا متناهيا فمعناه بحسب الكمية الاتصالية أو الانفصالية لا بحسب قبول الانقسام قال وإذا كان قد يشاهد للضوء ترقرق وتلألؤ على الجسم حتى كأنه شيء يفيض منه ويضطرب مجيئا وذهابا بحيث يكاد يستره فإن كان ذاتيا كما للشمس سمي شعاعا وإن كان عرضيا كما للمرآة سمي بريقا قال المبحث الرابع زعم بعض الحكماء أن الضوء أجسام صغار تنفصل من المضيء وتتصل بالمستضيء تمسكا بأنه متحرك بالذات وكل متحرك بالذات جسم إما الكبرى فظاهرة وإنما قيدنا بالذات لأن الأعراض تتحرك بتبعية المحل وأما الصغرى فلان الضوء ينحدرمن الشمس إلى الأرض ويتبع المضيء في الانتقال من مكان إلى مكان كما نشاهد في السراج المنقول من موضع إلى موضع وينعكس مما يلقاه إلى غيره وكل ذلك حركة والجواب المنع بل كل ذلك حدوث للضوء في المقابل للمضيء والحركة وهم ويدل على بطلان هذا الرأي وجوه
الأول أنه لو كان جسما متحركا لامتنعت حركته إلى جهات مختلفة ضرورة إنها ليست بالقسر والإرادة بل بالطبع والحركة بالطبع إنما تكون إلى العلو أو السفل الثاني إنه لو كان جسما لامتنعت حركته في لحظة من فلك الشمس إلى الأرض مع خرق الأفلاك التي تحته