Teftâzânî — Şerhu'l-Makâsıd (Mâtürîdî/Eş'arî kelam)
الثالث إنه لو كان جسما ولا خفاء في أنه محسوس بالبصر لكان ساترا للجسم الذي يحيط به الضوء فكان الأكثر ضوءا أشد استنارا والواقع خلافه ولو سلم عدم لزوم الاستنار فلا خفاء في أنه مرئي حائل في الجملة فيلزم أن يكون الأكثر ضوءا أقل ظهورا وأصعب رؤية لا أن يكون اعون على إدراك الباصرة السليمة نعم ربما يستعان بالحائل على إبصار الخطوط الدقيقة عند ضعف في الباصرة بحيث يحتاج إلى ما يجمع القوة وقد يجاب بأن ذلك إنما هو شأن الأجسام الكثيفة لا الشفافة وإما هذا النوع من الأجسام فإحاطته بالمرئي شرط للرؤية قال المبحث الخامس الحق أن الضوء كيفية مغايرة للون وليس عبارة عن ظهور اللون على ما يراه بعض الحكماء وأنه شرط لرؤية اللون لا لوجوده على ما يراه ابن سينا ولا تمسك لهما يعتد به فيما ادعيا كيف وأنه قريب من إنكار الضروريات وما ذكره الإمام الرازي من أن قبول الجسم للضوء مشروط بوجود اللون فلو كان وجود اللون مشروطا بوجود الضوء لزم الدور ضعيف لأنه إن أراد بالمشروحة توقف السبق فممنوع أو المعية فغير محال على أنه قد صرح بوجود الضوء بدون اللون كما في البلور المرئي بالليل قال النوع الثالث من الكيفيات المحسوسة المسموعات وهي الأصوات والحروف والصوت عندنا يحدث بمحض خلق الله تعالى من غير تأثير لتموج الهواء والقرع والقلع كسائر الحوادث وكثيرا ما تورد الآراء الباطلة للفلاسفة من غير تعرض لبيان البطلان إلا فيما يحتاج إلى زيادة بيان والصوت عندهم كيفية تحدث في الهواء بسبب تموجه المعلول للقرع الذي هو إمساس عنيف والقلع الذي هو تفريق عنيف بشرط مقاومة المقروع للقارع والمقلوع للقالع كما في قرع الماء وقلع الكرباس بخلاف القطن لعدم المقاومة والمراد بالتموج حالة مشبهة بتموج الماء تحدث بصدم بعد صدم مع سكون بعد سكون وليس الصوت نفس التموج أو نفس القرع والقلع على ما توهمه بعضهم بناء على اشتباه الشيء بسببه القريب أو البعيد لأن التموج والقرع والقلع ليست من المسموعات قطعا بل ربما يدرك الأول باللمس والآخران بالبصر وقد يتوهم أنه لا وجود للصوت في الخارج وإنما يحدث في الحس عند وصول الهواء المتموج إلى الصماخ واستدل على بطلان ذلك بأنه لو لم يوجد إلا في الحس لما أدرك عند سماعه جهته وحده من القرب والبعد لأن التقدير إنه لا وجود له في مكان وجهة خارج الحس واللازم باطل قطعا لأنا إذا سمعنا الصوت نعرف أنه وصل إلينا من جهة اليمين أو اليسار ومن مكان قريب أو بعيد لا يقال يجوز أن يكون إدراك الجهة لأجل أن الهواء المتموج يجيء منها ويميز القريب والبعيد لأجل أن أثر القارع القريب أقوى من البعيد وإن لم يكن الصوت موجودا في الجهة والمسافة لأنا نقول لو صح الأول لما أدركت الجهة التي على خلاف الأذن السامعة وليس كذلك لأن السامع قد يسد أذنه اليمنى ويجيء الصوت من يمينه فيسمعه بأذنه اليسرى ويعرف أنه جاء من يمينه مع القطع بأن الهواء المتموج لا يصل إلى اليسرى الا بعد الانعطاف عن اليمين ولو صح الثاني لزم أن يشتبه القوة والضعف بالقرب والبعد فلم يميز بين البعيد القوي والقريب الضعيف وظن في الصورتين المتساويتين في القرب والبعد المختلفتين بالقوة والضعف أنهما مختلفان في القرب والبعد وليس كذلك ولهم تردد في مقام آخر وهو أنه إذا وصل الهواء المتموج إلى الصماخ فالمسموع هو الصوت القائم بالهواء الواصل فقط أو بالهواء الخارج أيضا والحق هو الأخير بدليل إدراك جهة الصوت وحده من القرب والبعد فإنه لو لم يقع الإحساس به إلا من حيث أنه في الهواء الواصل إلى الصماخ دون الخارج الذي هو مبدأ حدوث الصوت أو وسطه لم يكن عند الحس فرق بين هذا وبين ما إذا لم يوجد خارج الصماخ إصلا فلم يعرف جهته ولا قربه أو بعده كما أن اللمس لما لم يدرك الملموس إلا من حيث انتهى إليه لا من حيث أنه في أول المسافة لم يميز بين وروده من اليمين أو اليسار ومن القريب أو البعيد فظهر أن في معرفة جهة الصوت وحده من القرب والبعد دلالة على مطلوبين من جهة أنها تدل على أن القائم بالهواء الخارج من الصماخ أيضا مسموع وذلك يدل على أنه هناك موجود وهذا ما قال الإمام أن التمييز بين الجهات والقريب والبعيد من الأصوات لما كان حاصلا علمنا أنا ندرك الأصوات الخارجية حيث هي ولا يمكننا أن ندركها حيث هي إلا وهي موجودة خارج الصماخ وما أورد من الأشكال وهو أن المدرك بالسمع لما لم يكن إلا الصوت دون الجهة لم يكن كون الصوت حاصلا في تلك الجهة مدركا له بل مدركة الصوت الذي في تلك الجهة لا من حيث هو في تلك الجهة بل من حيث أنه صوت فقط وهذا لا يختلف باختلاف الجهات فكيف يوجب إدراك الجهة ليس بشيء لأنهم لا يجعلون كون الصوت في تلك الجهة مدركا بالسمع إلا بمعنى إنا نعرف بسماع الصوت في تلك الجهة أنه هناك كما نعرف بذوق الحلاوة أو شم الرائحة من هذا الجسم أنها منه وإن لم يكن الجسم من المذوقات أو المشمومات وأما السبب في ذلك فحاصل ما ذكروا فيه أنا بعدما أدركنا الصوت عند الصماخ نتبعه بتأملنا فيتأدى إدراكنا من الذي يصل إلينا إلى ما قبله فما قبله من جهته ومبدأ وروده فإن كان بقي منه شيء متأديا أدركناه إلى حيث ينقطع ويفنى وح بدرك لوارد وموروده وما بقي منه موجود أو جهته وبعد مورده وقربه وما بقي من قوة أمواجه وضعفها ولذلك يدرك البعيد ضعيفا لأنه يضعف تموجه حتى لو لم يبق في المسافة أثر ينتهي بنا إلى المبدأ لم يعلم من قدر البعد إلا بقدر ما بقي قال ويدل على كون إدراكه بوصول الهواء
رأى الفلاسفة أنه إذا وجد سبب الصوت في موضع تكيف هواء ذلك الموضع بذلك الصوت ثم المجاور فالمجاور في جميع الجهات إلى حد ما بحسب شدة الصوت وضعفه ولا يسمعه إلا المسامع التي تقع في تلك المسافة ويصل إليها ذلك الهواء وتمسكوا بوجوه الأول أن الصوت يميل مع هبوب الريح ولا يسمعه من كان الهبوب من جهته لعدم وصول الهواء إلى صماخه فلو لم يكن الهواء حاملا له ولم يتوقف السماع على وصول ذلك الهواء لما كان كذلك . الثاني أن من وضع طرف أنبوبة في فمه وطرفها الآخر في صماخ إنسان وتكلم منها بصوت عال سمعه ذلك الإنسان دون غيره من الحاضرين وما ذلك إلا بمنع الأنبوبة وصول الهواء الحامل للصوت إلى أصمختهم الثالث إنا نرى سبب الصوت كضرب الفأس على الخشبة مثلا ويتأخر سماع الصوت عنه زمانا يتفاوت بحسب تفاوت المسافة قربا وبعدا فلولا أن السماع يتوقف على وصول الهواء لما كان كذلك وأجيب عن الكل بأن غايتها الدوران وهو لا يفيد القطع بالسببية فيجوز أن يكون ميل الصوت مع الرياح واختصاص صاحب الأنبوبة بالسماع وتأخر السماع عن ضرب الفأس بسبب آخر فلا يدل توقف السماع على وصول هواء حامل للصوت والحق أن هذه إمارات ربما تفيد اليقين الحدسي للناظر وإن لم تقم حجة على المناظر واستدل على بطلان توقف السماع على وصول الهواء الحامل بوجوه الأول أنه لو كان كذلك لما أدركنا جهة الصوت وحده من القرب والبعد لأن الواصل لا يكون إلا ما في الصماخ والجواب ما سبق من أن المدرك الموقوف إدراكه على وصول الهواء ليس هو القائم بالهواء الواصل فقط كما في اللمس بل البعيد أيضا كما في الإبصار . الثاني أنا ندرك صوت المؤذن عند هبوب الرياح يميل عن جهتنا إلى خلافها والجواب أن ذلك إنما يكون عند إمكان الوصول في الجملة وإن لم يكن على وجهه ولذا لا يخلو عن تشويش السماع
الثالث إنا نسمع صوت من يحول بيننا وبينه جدار صلب مع القطع بامتناع نفوذالهواء في المنافذ من غير أن يزول عنه ذلك الشكل الذي هو أضعف وأسرع زوالا من الرقم على الماء وقد صار مثلا في عدم البقاء وأجيب بأنه إذا لم يكن للحائل منافذ أصلا ولا يكون هناك طريق آخر للهواء فلا نسلم السماع إلا يرى أنه كلما كانت المنافذ أقل كان السماع أضعف وإما بقاء الشكل فإن أريد به حقيقة التشكل الذي يعرض للهواء فيصير سببا لحدوث الكيفية المخصوصة فلا حاجة لنا إلى بقائه لأنه من المعدات وإن أريد به تلك الكيفية المسببة عنه المسماة بالصوت والحرف فلا استحالة بل لا استبعاد في بقائه مع النفوذ في المضايق والحق أن قيام تلك الكيفية المخصوصة الغير القارة لكل جزء من أجزاء الهواء بدليل أن كل من في تلك المسافة يسمعها وبقاء أجزاء الهواء مع فرط لطافتها على تلك الهيئة والكيفية مع هبوب الرياح ومع النفوذ في منافذ الأجسام الصلبة مستبعد جدا وأبعد منه حديث الصدى وهو أن الهواء إذا تموج وقاومه جسم أملس كجبل أو جدار بحيث يرد ذلك المتموج إلى خلف على هيئته كما في الكرة المرمية إلى الحائط المقاوم لها حدث من ذلك صوت هو الصدى وترددوا في أن حدوثه من تموج الهواء الأول الراجع على هيئته أو من تموج هواء آخر بيننا وبين المقاوم متكيف بكيفية الهواء الراجع وهذا هو الأشبه وكيف ما كان فبقاء الهواء على كيفيته التي لا استقرار لها مع مصادمة الجسم الصلب ثم رجوعه على هيئته وإحداثه كيفية فيما يجاوره وزواله بمجرد الوصول إلى الصماخ من المستبعدات التي تكاد تلحق بالمحالات قال المبحث الثاني قد تعرض للصوت كيفية بها يتميز عن صوت آخر يماثله في الحدة والثقل تميزا في المسموع والحرف هي تلك الكيفية العارضة في عبارة ابن سينا وذلك الصوت المعروض في عبارة جمع من المحققين ومجموع العارض والمعروض في عبارة البعض وكأنه أشبه بالحق وقيد المماثلة بالحدة والثقل أي الزبرية والنمية احترازا عنهما فإن كلا منهما يفيد تميز صوت عن صوت آخر تميزا في المسموع لكن في صوتين يكونان مختلفين بالحدة والثقل ضرورة وقيد التمييز بالمسموع احترازا عن مثل الطول والقصر والطيب وغيره فإن التميز بها لا يكون تميزا في المسموع لأنها ليست بمسموعة إلا أن في كونها من الكيفيات نظرا فالأولى أنه اختراز عن مثل الغنة والنحوحة بقي النظر في دلالة قولنا تميزا في المسموع على أن يكون ما به التميز مسموعا وفي أن الحدة والثقل من المسموعات بخلاف الغنة والنحوحة والحق أن معنى التميز في المسموع ليس أن يكون ما به التميز مسموعا بل أن يحصل به التميز في نفس المسموع بأن يختلف باختلافه ويتحد باتحاده كالحرف بخلاف مثل الغنة والنحوحة وغيرها فإنها قد تختلف مع اتحاد المسموع وبالعكس وما وقع في الطوالع من أن الحروف كيفيات تعرض للأصوات فيتميز بعضها عن البعض في الثقل والخفة كلام لا يعقل له معنى وكأنه جعل قوله في الثقل متعلقا بمحذوف أي عن البعض المماثل له في الثقل وأراد بالخفة الحدة وترك قيد التميز في المسموع لشهرته وكفى بهذا اختلالا والحق أن تعريف الحرف بما ذكر تعريف بالأخفى وكان المقصود مزيد تفصيل للماهية الواضحة عند العقل وتنبيه على خصوصياتها قال وينقسم إلى صامت ومصوت الحركات الثلاث تعد عندهم في الحروف وتسمى المصوته المقصورة والألف والواو والياء إذا كانت ساكنة متولدة من حركات تجانسها أعني الألف من الفتحة والواو من الصمة والياء من الكسرة تسمى المصوتة الممدودة وهي المسماة في العربية بحروف المد لأنها كأنها مدات للحركات وما سوى المصوتة تسمى صامتة ويندرج فيها الواو والياء المتحركتان أو الساكنتان إذا لم يكن قبل الواو ضمة وقبل الياء كسرة وأما الألف فلا يكون إلا مصوتا وإطلاقها على الهمزة باشتراك الاسم وليس المراد بالحركة والسكون ههنا ما هو من خواص الأجسام بل الحركة عبارة عن كيفية حاصلة في الحروف الصامة من إمالة مخرجه إلى مخرج إحدى المدات فإلى الألف فتحة وإلى الواو ضمة وإلى الياء كسرة ولا خلاف في امتناع الابتداء بالصوت وإنما الخلاف في أن ذلك بسكونه حتى يمتنع الابتداء بالساكن الصامت أيضا أو لذاته لكونه عبارة عن مدة متولدة من أشباع حركة تجانسها فلا يتصور إلا حيث يكون قبلها صامت متحرك وهذا هو الحق لأن كل سليم الحس يجد من نفسه إمكان الابتداء بالساكن وإن كان مرفوضا في لغة العرب كالوقف على المتحرك والجمع بين الساكنين من الصوامت إلا في الوقف مثل زيد وعمرو وإذا كان الصامت الأول حرف لين والثاني مدغما نحو حويصة فإنه جائز كما إذا كان الأول مصوتا نحو دابة وعدم قدرة البعض على الابتداء بالساكن لا يدل على امتناعه كالتلفظ ببعض الحروف فإن ذلك لقصور في الآلة والاستدلال على الإمكان بأن المصوت أينما كان مشروط بالصامت فلو كان الصامت مشروطا به في بعض المواضع كالابتداء لزم الدور ليس بشيء لأن المصوت مشروط بأن يسبقه صامت والصامت في الابتداء مشروط بأن يلحقه مصوت مقصور فيكونان معا ولا استحالة فيه قوله وينقسم أي الحرف باعتبار آخر إلى آني وزماني لأنه إن أمكن تمديده كالفاء فزماني وإن لم يمكن كالطاء فآني وهو إنما يوجد في أول زمان إرسال النفس كما في طلع أو في آخر زمان حبسه كما في غلظ وما يقع في وسط الكلمة مثل بطل يحتمل الأمرين وعروض الآني للصوت يكون بمعنى أنه طرف له كالنقطة للخط ومن الآني ما يشبه الزمان كالحاء والخاء ونحوهما مما لا يمكن تمديده لكن تجتمع عند التلفظ بواحد منها أفراد متماثلة ولا يشعر الحس بامتياز زمان بعضها عن بعض فيظن حرفا واحدا ( قال وإلى متماثل ) يريد أن الحروف التسعة والعشرين الواقعة في لغة العرب وما سواها مما يقع في بعض اللغات أنواع مختلفة بالماهية وقد يختلف أفراد كل منها بعوارض مشخصة كالياء الساكنة التي يتلفظ بها زيد الآن أو في وقت آخر أو يتلفظ بها عمرو أو غير مشخصة كالياء الساكنة أو المتحركة بالفتحة أو الضمة أو الكسرة فمع قطع النظر عن اللافظ تكون أفراد النوع الواحد أما متحددة في السكون والحركة كاليائين الساكنتين أو المتحركتين بالفتحة أو الضمة أو الكسرة وإما مختلفة كالياء الساكنة والمتحركة أو المفتوحة والمضمومة وهذا هو المعنى بالتماثل والاختلاف بحسب العارض وبهذا يندفع ما يقال أنه إن أريد بالتماثل الاتحاد بالحقيقة على ما هو المصطلح لم يكن المختلف بالعارض مقابلا للمتماثل وإن أريد الاتحاد في العارض أيضا كانت الياآن الساكنتان من قبيل المختلفة ضرورة أنه لا يتصور التعدد بدون اختلاف ولو بعارض ( قال والصامت مع المصوت ) قد اشتبه على بعض المتأخرين معنى القطع مع اشتهاره فيما بين القوم فأوردنا في ذلك ماصرح به الفارابي وابن سينا والإمام وغيرهم وهو أن الحرف الصامت مع المصوت المقصور يسمى مقطعا مقصورا مثل ل بالفتح أو الضمة أو الكسر ومع المصوت الممدود يسمى مقطعا ممدودا مثل لا ولو ولى وقد يقال المقطع الممدود لقطع مقصور مع صامت ساكن بعده مثل هل وقل وبع لمماثلته المقطع الممدود في الوزن فإن قيل لا حاجة إلى هذا التفصيل فإن المقطع الممدود ليس إلا مقطعا مقصورا مع ساكن بعده سواء كان مصوتا مثل لا أو صامتا مثل هل ولهذا يقال أن المقطع حرف مع حركة أو حرف متحرك مع ساكن بعده والأول المقصور والثاني الممدود قلنا المقطع الممدود بالاعتبار الثاني صامتان هما الهاء واللام في هل بينهما مصوت مقصور هو فتحة الهاء وبالاعتبار الأول مجرد صامت ومصوت ممدود ليس بينهما مصوت مقصور على ما يراه أهل العربية من أن لا لام وألف بينهما فتحة وذلك لأن المصوت الممدود ليس إلا إشباعا للمصوت المقصور فيكون المقصور مندرجا في الممدود جزأ منه وهذا ما يقال أن الحركات أبعاض حروف المد فلا يكون لا إلا صامتا مع مصوت ممدود ( قال ويتألف من الحروف الكلام ) ويفسر بالمنتظم من الحروف المسموعة المتميزة ويحترز بالمسموعة عن المكتوبة والمتخيلة وبالمتميزة عن أصوات الطيور والكلام ينقسم إلى المهمل والموضوع والموضوع إلى المفرد والمركب والمفرد إلى الاسم والفعل والحرف والمركب إلى التام الذي يصح السكوت عليه وإلى غير التام واللفظ أعم من الحروف والكلام وقد يخص الكلام باللفظ المفيد بمعنى دلالته على نسبة يصح السكوت عليها سواء كانت إنشائية مثل قم وهل زيد قائم ولعل زيدا قائم ونحو ذلك أو إخبارية مثل زيد قائم وسواء كان اللفظ مقطعا مقصورا مثل ق أو ممدودا مثل قي وقو أو مركبا من المقاطع كما ذكر وقد يخص اللفظ بما يتألف من المقاطع فيقابله الحرف والمقطع ولذا يقال أجزاء المركب ألفاظ أو حروف أو مقاطع فزيد قائم من لفظين ويادا من مقطعين ويا زيد من مقطع ولفظ ورى في أمر المخاطبة من مقطع وحرف وأرضى واخشوا من لفظ وحرف ويشكل بمثل قي وقو فإن كلا منهما مقطع ممدود فقط إلا أن يقال أنه من حرفين صامت ومصوت وإما مثل ق فمن مقطع مقصور ولفظ هو الضمير المستتر أعني أنت وهذا بخلاف قي وقو فإن كلا من الياء والواو اسم ولا مستتر هناك ( قال وزعم الفارابي ) إن القول من مقولة الكم وأن الكم المنفصل أيضا ينقسم إلى قار هو العدد وإلى غير قار هو القول واحتج بأنه ذو جزء يتقدر بجزئه وكل ما هو كذلك فهو كم وفاقا بيان الصغرى أن أجزاء الأقاويل مقاطع مقصورة أو ممدودة يقع فيها التركيب بأن يردف مقصور بممدود مثل على أو بالعكس مثل كان ثم تركب هذه المقاطع مرة أخرى فيحدث أشياء أعظم مما تقدم فأصغر ما تتقدر به الألفاظ هي المقاطع البسطية المقصورة ثم الممدودة ثم بعدها المركبة وأكملها ما ذكر فيه المقصور أو لا ثم أردف بالممدود والقول ربما يتقدر بواحد منها وربما يحتاج إلى أن يقدر باثنين أو أكثر كسائر المقادير فإن منها ما يقدره ذراع فستعرفه ومنها ما يحتاج إلى ذراعين وأكثر وأجيب بمنع الكبرى وإنما ذلك إذا كان التقدر لذاته وههنا إنما عرض للقول خاصية الكم من جهة الكثرة التي فيه كما أن الجسم يتقدر بالذراع ونحوه لما فيه من الكم المتصل ( قال النوع الرابع المذوقات ) المشهور أن أصول الطعوم أي بسائطها تسعة حاصلة من ضرب أحوال ثلاثة للفاعل هي الحرارة والبرودة والاعتدال بينهما في أحوال ثلاث للقابل هي اللطافة والكثافة والاعتدال بينهما وبيان آنية ما ذكر من التأثيرات ولميتها مذكورة في المطولات ثم يتركب من التسعة طعوم لا تحصى مختلفة باختلاف التركيبات واختلاف مراتب البسائط قوة وضعفا وامتزاج شيء من الكيفيات اللمسية بها بحيث لا تتميز في الحس وهذه المركبات قد يكون لها أسماء كالبشاعة للمركب من المرارة والقبض كما في الحضض بضم الضاد الأولى وفتحها نوع من الدواء هو عصارة شجرة تسمى فيلزهدج وكالزعوقة للمركب من المرارة والملوحة كما في الشيحة وقد لا يكون كالحلاوة والحرافة في العسل المطبوخ والمرارة والتفاهة في الهندبا والمرارة والحرافة والقبض في الباذنجان والفرق بين القبض والعفوصة أن القابض يقبض ظاهر اللسان والعفص ظاهره وباطنه والتفاهة المعدودة في الطعوم هي مثل ما في اللحم والخبز وقد يقال التفه لما لا طعم له أصلا كالبسائط ولما لا يحس بطعمه لأنه لا يتحلل منه شيء بخلط الرطوبة اللعابية إلا بالحيلة كالحديد وما قيل أن هذا هو الذي يعد في الطعوم يبطله ما قالوا أن طعم الهندبا مركب من المرارة والتفاهة لا مرارة محضة ( قال النوع الخامس المشمومات ) وليس فيها محل بحث واعلم أنهم وإن أجروا هذه الأوصاف أعني المبصرات والمسموعات والملموسات والمذوقات والمشمومات على الأنواع الخمسة من الكيفيات بل جعلوها بمنزلة الأسماء لها فهي بحسب اللغة متفاوتة في الوقوع على الكيفية أو على المحل أو عليهما جميعا وفي كون مصادرها موضوعة لذلك النوع من الإدراك كالإبصار والسماع أو لما يفضي إليه كالبواقي ومن ههنا يقال أبصرت الورد وحمرته وسمعت الصوت لا مصوته ولمست الحرير لا لينه وذقت الطعام وحلاوته وشممت العنبر ورائحته ( قال القسم الثاني ) أي من الأقسام الأربعة للكيف الكيفيات المختصة بذوات الأنفس الحيوانية بمعنى أنها إنما تكون من بين الأجسام للحيوان دون النبات والجماد فلا يمتنع ثبوت بعضها لبعض المجردات من الواجب تعالى وغيره على أن القائلين بثبوت صفة الحياة والعلم والقدرة ونحوها للواجب لا يجعلونها من جنس الكيفيات والأعراض ثم الكيفية النفسانية إن كانت راسخة سميت ملكة وإلا فحالا فالتمايز بينهما قد لا يكون إلا بعارض بأن تكون الصفة حالا ثم تصير بعينها ملكة كما أن الشخص من الإنسان يكون صبيا ثم يصير شيخا ومثل ذلك وإن كان سبق إلى الوهم ويقع في بعض العبارات أنه هو ذلك الشخص بعينه فليس كذلك بحسب الحقيقة للقطع بتغاير العوارض المشخصة ( قال فمنها الحياة ) سيجيء معنى الحياة في حق الله تعالى وأما حياة الحي من الأجسام فقد اختلفت العبارات في تفسيرها لا من جهة اختلاف في حقيقتها بل من جهة عسر الاطلاع عليها والتعبير عنها إلا باعتبار اللوازم والآثار فقيل هي صفة تقتضي الحس والحركة مشروطة باعتدال المزاج والقيد الأخير للتحقيق على ما هو رأي البعض لا للاحتراز وقيل قوة هي مبدأ لقوة الحس والحركة وكان هذا هو المراد بالأول ليتميز عن قوة الحس والحركة وقيل قوة تتبع اعتدال النوع ويفيض عنها سائر القوى الحيوانية أي المدركة والمحركة على ما سيجيء تفصيلها ومعنى اعتدال النوع هو أن لكل نوع من المركبات العنصرية مزاجا خاصا هو أصلح الأمزجة بالنسبة إليه بحيث إذا خرج عن ذلك المزاج لم يكن ذلك النوع ثم لكل صنف من ذلك النوع ولكل شخص من ذلك الصنف مزاج يخصه هو أصلح بالنسبة إليه ويسمى الأول اعتدالا نوعيا والثاني صنفيا والثالث شخصيا ولهذا زيادة تفصيل وتحقيق يذكر في بحث المزاج فإذا حصل في المركب اعتدال يليق بنوع من أنواع الحيوان فاض عليه قوة الحياة فانبعثت عنها بإذن الله تعالى الحواس الظاهرة والباطنة والقوى المحركة نحو جلب المنافع ودفع المضار فتكون الحياة مشروطة باعتدال المزاج ومبدأ القوة الحس والحركة فتغايرهما بالضرورة وكذا تغاير القوة الغاذية لوجودها في النبات بخلاف الحياة لكن هذا إنما يتم لو ثبت أن الحياة مبدأ لقوة الحس والحركة لا نفسها وأن الغاذية في النبات والحيوان حقية واحدة ليلزم من مغايرة تلك الحياة مغايرة هذه لها فاسدلوا على مغايرة الحياة لقوة الحس والحركة ولقوة التغذية الحيوانية بأن الحياة موجودة في العضو المفلوج للحيوان من غير حس وحركة وفي العضو الذابل من غير اغتذاء واعترض الإمام بأن عدم الإحساس والحركة وعدم الاغتذاء لا يدلان على عدم قوة الحس والحركة وعدم قوة التغذية لجواز أن توجد القوة ولا يصدر عنها الأثر لمانع من جهة القائل وأجيب بأن القوة ما يصدر عنه الأثر بالفعل بمعنى أنى نريد أن القوة التي تصدر عنها بالفعل آثار الحياة كحفظ العضو عن التعفن مثلا باقية والقوة التي يصدر عنها بالفعل الحس والحركة والتغذية غير باقية فلا تكون هي هي بهذا يشعر كلام تلخيص المحصل وليس معناه أن القوة اسم لما يصدر عنه الأثر بالفعل فإنه ظاهر البطلان كيف وهو قد صرح بأن في العضو المفلوج قوة الحس والحركة باقية لكنها عاجزة عن الإحساس والحركة نعم يتوجه أن يقال لم لا يجوز أن يكون مبدأ جميع تلك الآثار قوة واحدة هي الحياة وقد يعجز عن البعض دون البعض لخصوصية المانع لكن الحق أن مغايرة المعنى المسمى بالحياة للقوة الباصرة والسامعة وغيرهما من القوى الحيوانية والطبيعية مما لا يحتاج إلى البيان ( قال وعندنا لا يشترط ) ذهب جمهور المتكلمين إلى أن تحقق المعنى المسمى بالحياة ليس مشروطا باعتدال المزاج والبنية والروح الحيواني للقطع بإمكان أن يخلقها الله تعالى في البسائط بل في الجزء الذي لا يتجزأ والمراد بالبنية البدن المؤلف من العناصر الأربعة وبالروح الحيواني جسم لطيف بخاري يتكون من لطافة الأخلاط تنبعث من التجويف الأيسر من القلب ويسرى إلى اليد في عروق نابتة من القلب تسمى بالشرايين وذهب الفلاسفة وكثير من المعتزلة إلى أن هذا الاشتراط بناء على ما يشاهد من زوال الحياة بانتقاض البنية وتفرق الأجزاء وبانحراف المزاج عن الاعتدال النوعي وبعدم سريان الروح في العضو لشدة أو شدة ربط يمنع نفوذه ورد بأن غايته الدوران وهو لا يقتضي الاشتراط بحيث يمنع بدون تلك الأمور واستدل بعض المتكلمين على امتناع كون الحياة مشروطة بالبنية بأنها لو اشترطت فإما أن تقوم بالجزئين من البنية حياة واحدة فيلزم قيام العرض بأكثر من محل واحد وقد مر بطلانه وإما أن يقوم بكل جزء حياة وحينئذ إما أن يكون القيام بكل جزء مشروطا بالقيام بالآخر فيلزم الدور أولا فيلزم الرجحان بلا مرجح لتماثل الأجزاء واتحاد حقيقة الحياة لا يقال لم لا يجوز أن يقوم بالبعض فقط لأسباب مرجحة من الخارج لأنا نقول فيكون الحي هو ذلك البعض لا البنية المؤلفة وأجيب بأنها تقوم بالمجموع الذي هو البنية المؤلفة وليس هذا من قيام العرض بمحلين على ما سبق أو يقوم بكل جزء حياة ويكون اشتراط كل بالآخر بطريق المعية دون التقدم فلا يلزم الدور المحال أو يكون قيامها ببعض الأجزاء مشروطا بقيام حياة بالآخر من غير عكس لمرجح يوجد في الخارج وإن لم يطلع عليه لا يقال فحينئذ تكون الحياة غير مشروطة بالبنية حيث تحققت في الجزء الآخر من غير شرط لأنا نقول عدم اشتراط قيام الحياة به بقيام حياة بالجزء الأول لا يستلزم عدم اشتراطه بوجود الجزء الأول الذي به يتحقق البنية ( قال وأما الموت ) فزوال الحياة ومعنى زوال الصفة عدمها عما يتصف بها بالفعل وهذا معنى ما قيل أنه عدم الحياة عما من شأنه أي عما يكون من أمره وصفته الحياة بالفعل فيكون عدم ملكة للحياة كما في العمى الطاري بعد البصر لا كمطلق العمى ولا يلزم كون عدم الحياة عن الجنين عند استعداده للحياة موتا فعلى هذا يكون الموت عدميا وقيل هو كيفية تضاد الحياة فيكون وجوديا وعلى هذا ينبغي أن يحمل ما ذكره المعتزلة من أن الموت فعل من الله تعالى أو من الملك يقتضي زوال حياة الجسم من غير حرج واحترز بالقيد الأخير عن القتل وحمل الفعل على الكيفية المضادة مبني على أن المراد به الأثر الصادر عن الفاعل إذ لو أريد به التأثير على ما هو الظاهر لكان ذلك تفسيرا للإماتة لا للموت وقد يستدل على كون الموت وجوديا بقوله تعالى خلق الموت والحياة فإن العدم لا يوصف بكونه مخلوقا ويجاب بأن المراد بالخلق في الآية التقدير وهو يتعلق بالوجودي والعدمي جميعا ولو سلم فالمراد بخلق الموت إحداث أسبابه على حذف المضاف وهو كثير في الكلام ومثل هذا وإن كان خلاف الظاهر كاف في دفع الاحتجاج ( قال ومنها ) أي من الكيفيات النفسانية الإدراك وقد سبق نبذ من الكلام فيه والذي استقر عليه رأي المحققين من الفلاسفة أن حقيقة إدراك الشيء حضوره عند العقل إما بنفسه وإما بصورته المنتزعة أو الحاصلة ابتداء المرتسمة في العقل الذي هو المدرك أو آلته التي بها الإدراك وهذا معنى ما قال في الإشارات إدراك الشيء هو أن تكون حقيقته متمثلة عند المدرك يشاهدها ما به يدرك على أن المراد بتمثل الحقيقة حضورها بنفسها أو بمثالها سواء كان المثال منتزعا من أمر خارج أو متحصلا ابتداء وسواء كان منطبعا في ذات المدرك أو في آلته والمراد بالمشاهدة مطلق الحضور وفي قوله يشاهدها ما به يدرك تنبيه على انقسام الإدراك إلى ما يكون بغير آلة فيكون ارتسام الصورة في ذات المدرك وإلى ما يكون بآلة فيكون في محل الحس كما في الإبصار بحصول الصورة في الرطوبة الجليدية أو في المجاور كإدراك الحس المشترك بحصول الصورة الخيالية في محل متصل به والمراد بالمشاهدة مجرد الحضور على ما هو معناها اللغوي لا الإبصار وإدراك عين الشيء الخارجي على ما هو المتعارف ليلزم فساد التفسير نعم تضمنت العبارة في جانب الإدراك العقلي تكرارا بحسب اللفظ كأنه قيل هو حضور عند المدرك حال الحضور عنده لأن ما به الإدراك العقلي هو ذات المدرك وفي جانب الإدراك الحسي تكرارا بحسب المعنى حتى كان هناك حضوران أحدهما عند المدرك والآخر عند الآلة وليس كذلك بل الحضور عند النفس هو الحضور عند الحس وتحقيق المقام أنا إذا أدركنا شيئا فلا خفاء في أنه يحصل لنا حال لم تكن وتكاد تشهد الفطرة بأنها بحصول أمر لم يكن لا بزوال أمر كان وما ذاك إلا تميزا وظهورا لذلك الشيء عند العقل وليس ذلك بوجوده في الخارج إذ كثيرا ما ندرك ما لا وجود له في الخارج من المعدومات بل الممتنعات وكثيرا ما يوجد الشيء في الخارج ولا يدركه العقل مع تشوقه إليه بل بوجوده في العقل بمعنى أن يحصل فيه أثر يناسب ذلك الشيء بحيث لو وجد في الخارج لكان إياه وهذا هو المعنى بحصول الصورة وحضورها وتمثلها وارتسامها ووصول النفس إليها ونحو ذلك ولا يفهم من إدراك الشيء سواه والاعتراض بأن الإدراك صفة المدرك والحصول ونحوه صفة الصورة مما لا يلتفت إليه عند المحققين سواء جعلنا الإدراك مصدرا بمعنى الفاعل أو المفعول وأما الاعتراض بأن ذكر المدرك وما به يدرك في تعريف الإدراك دور فجوابه أن المراد به الشيء الذي يقال له المدرك وما به الإدراك وإن لم تعرف حقيقة هذا الوصف وقد يجاب بأن هذا ليس تعريفا للإدراك بل تعيينا وتلخيصا للمعنى المسمى بالإدراك الواضح عند العقل ( قال إما بحقيقته ) إشارة إلى ما ذكروا من أن الشيء المدرك إما أن لا يكون خارجا عن ذات المدرك كالنفس وصفاتها وإما أن يكون خارجا وحينئذ فإما أن يكون ماديا أو غير مادي فالأول تكون حقيقته المتمثلة عند المدرك نفس حقيقته الموجودة في الخارج فيكون إدراكه دائما والثاني تكون صورة منتزعة عنه والثالث تكون صورة متحصلة في العقل غير مفتقرة إلى الانتزاع من حقيقة خارجية لكونها صورة لما هو مجرد في نفسه كإدراك المفارقات أو لما تحقق له ولا حقيقة أصلا كإدراك المعدومات واعترض على الأول بوجوه
أحدها أنه يقتضي أن يكون إدراك النفس لذاتها وصفاتها دائما لدوام الحضور واللازم باطل لأن كثيرا من الصفات مما لا نطلع على آنيتها وماهيتها إلا بعد النظر والتأمل وإنما الكلام في ماهية النفس ولا يجوز أن يكون هذا ذهولا عن العلم بالعلم لأنه أيضا مما يلزم دوامه سيما وهم يقولون أن علمنا بذاتنا نفس ذاتنا وثانيها أن حصول الشيء للشيء وحضوره عنده يقتضي تغاير الشيئين ضرورة فيمتنع علم الشيء بنفسه
وثالثها أن النفس إذا كانت عالمة بذاتها وصفاتها كانت عالمة بعلمها بذلك وهلم جرا لا إلى نهاية فيلزم علوم غير متناهية بالفعل وأجيب عن الأول بمنع مقدمات بطلان اللازم وهو مكابرة وعن الأخيرين بأن التغاير الاعتباري كاف والاعتبارات العقلية تنقطع بانقطاع الاعتبار وحاصله أن ليس هناك إلا شيء واحد هو ذلك المجرد المدرك وهو ليس بغائب عن نفسه فمن حيث يعتبر شاهدا يكون عالما ومن حيث يعتبر مشهودا يكون معلوما ومن حيث يعتبر شهودا يكون علما ومرجعه إلى أن وجود الشيء أعني حصوله وحضوره لا يزيد عليه بحسب الخارج ( قال ولما بين صورة الشيء ) إشارة إلى دفع اعتراضات للإمام وغيره منها أن العلم لو كان بحصول الصورة المساوية التي ربما تسمى ماهية الشيء لزم من تصور الحرارة والاستدارة كون القوة المدركة حارة مستديرة وكذا جميع الكيفيات وهو مع ظهور فساده يستلزم اجتماع الضدين كالحرارة والبرودة عند تصورهما وجوابه أن الحار ما قام به هوية الحرارة لا صورته وماهيته وكذا جميع الصفات وفرق ما بينهما ظاهر فإن الهوية جزئية مكفوفة بالعوارض فاعلة للصفات الخارجية والصورة كلية مجردة لا تلحقها الأحكام ولا يترتب عليها الآثار وهذا لا ينافي مساواتها للهوية بمعنى أنها بحيث إذا وجدت في الخارج كانت إياها ثم الماهية والحقيقة كما نطلق على الصورة المعقولة فكذا على الموجود العيني وبهذا الاعتبار يقال تارة من أن المعقول من السماء مساو لماهيتها وتارة أنه نفس ماهيتها فضلا عن المساواة وجواب آخر وهو أن حصول الشيء للشيء يقال لمعان متعددة كحصول المال لصاحبه وبالعكس وحصول السواد للجسم وبالعكس وحصول السرعة للحركة وحصول الصورة للمادة وبالعكس وحصول كل منهما للجسم وبالعكس وحصول الحاضر لما حضر عنده وبالعكس ولزوم الاتصاف إنما هو في حصول العرض بمحله ولا كذلك حصول الحاضر لما حضر عنده وبالعكس ولزوم الاتصاف زائد وهو معلوم لنا بالوجدان ومتحقق كونه حصولا لنا وإن لم نقدر على التعبير عن خصوصيته بغير كونه إدراكا أو علما أو شعورا أو إحاطة بكنه الشيء أو ما يجري مجرى هذه العبارات ولهذا أعني لكون الحصول الإدراكي مغاير الحصول العرضي للمحل المستلزم للاتصاف لا يلزم من إدراك المعاني التي تكون من صفات النفس كالإيمان والكفر والجود والبخل ونحو ذلك اتصاف النفس بها لانتفاء الحصول الاتصافي فكيف يلزم ذلك فيما ليس من شأن النفس الاتصاف بها كالحرارة والاستدارة ونحو ذلك وإنما الكلام في أن الحصول الاتصافي هل يستلزم الحصول الإدراكي حتى يلزم دوام تعقل النفس لصفاتها على ما زعموا ثم أنهم لم يبينوا أن ذلك مبني على أن مجرد الحصول الاتصافي كاف في الادراك النفسي صفاتها أو على أنه مستلزم للحصول الإدراكي والحق أن الكل بوجود غير متأصل هو الصورة وما ذكروا من أنه لو كان كذلك لزم في إدراك النفس لذاتها عدم التمايز بين الصورة وذي الصورة ولصفاتها اجتماع المثلين مدفوع بما مر من التغاير بين الصورة والهوية وبأن التماثل المانع من الاجتماع إنما هو بين الهويتين ولو سلم فبطريق الحصول الاتصافي وبالجملة إذا كان الحصول الإدراكي غير الحصول الاتصافي ولم يتحقق كون الحصول الاتصافي لما من شأنه الإدراك مستلزما للإدراك كان عدم استلزامه فيما ليس من شأنه الإدراك كحصول السواد للحجر أولى فلا يرد ما ذكر الإمام من أن الإدراك إذا كان نفس الحصول كان المدرك هو الذي له الحصول وكان الجسم الحار مدركا للحرارة ومنها أنا نعلم قطعا أن المدرك بالحس أو العقل هو الموجود العيني كهذا السواد وهذا الصوت والإنسان فالقول بأنه مثال وشبح من ذلك الموجود لا نفسه يكون سفسطة والجواب أنه لا نزاع في أن المدرك هو ذلك الموجود لكن إدراكه عبارة عن حصول صورة منه ومثال عند المدرك بحصولها فيه أو في آلته ومنها أنكم تجعلون المدرك للمحسوسات هو النفس أو الحس المشترك مع أن حصول الصورة ليس فيهما بل في الخيال أو غيره من الآلات كالرطوبة الجليدية للمبصرات فلو كان الإدراك هو الحصول لكان المدرك ما فيه الحصول والجواب أنا لا نجعل إدراك المحسوسات هو الحصول في الآلة بل الحصول عند المدرك للحصول في الآلة فلا يلزم ما ذكر وبهذا يندفع اعتراض آخر وهو أنه لو كان مجردا لحضور عند الحس على ما هو المراد بالمشاهدة كافيا في الإدراك لكان الحاضر الذي لا تلتفت إليه النفس مدركا وليس كذلك ومنها أن الصورة العلمية عرض قائم بالنفس وقد جعلتموها مطابقة للموجود العيني الذي ربما يكون جوهرا بل نفس ماهيته وامتناع كون العرض مطابقا للجوهر ونفس ماهيته معلوم بالضرورة وأيضا جعلتموها كلية مع أن كون العرض القائم بالنفس الجزئية جزئيا ضروري وأيضا تجعلون العلم تارة حصول الصورة وتارة نفس الصورة مع ظهور الفرق بينهما والجواب أن الممتنع هو كون الشيء الواحد باعتبار واحد جوهرا وعرضا أو كليا وجزئيا وما عند اختلاف الاعتبار فلا فإن كون الصورة العقلية عرضا من حيث كونها في الحال قائمة بالموضوع الذي هو النفس لا ينافي كونها جوهرا من حيث أنها ماهية إذا وجدت في الخارج كانت لا في موضوع وإنما المستحيل كون الشيء جوهرا وعرضا في الخارج بمعنى كونها ماهية إذا وجدت في الخارج كانت في موضوع ولا في موضوع وكذا كونها جزئية من حيث قيامها بالنفس الجزئية لا ينافي كليتها من حيث مطابقتها للأفراد الكثيرة بمعنى أن الحاصل في العقل من كل منها عند التجرد عن العوارض يكون تلك الصورة بعينها ثم نسبة الحصول إلى الصورة في العقل نسبة الوجود إلى الماهية في الخارج فكما أنه ليس للماهية تحقق في الخارج ولعارضها المسمى بالوجود تحقق آخر حتى يجتمعا اجتماع القابل والمقبول كذلك ليس للصورة تحقق في العقل ولعارضها المسمى بالحصول تحقق آخر وإنما الزيادة بمعنى أن المفهوم من هذا غير المفهوم من ذاك فبهذا الاعتبار يصح جعل العلم تارة نفس الصورة وتارة حصولها فإن قيل لا ارتياب في أن العلم عرض موجود في الخارج لمعنى حصوله في النفس حصولا متأصلا موجبا للاتصاف كسائر صفات النفس والصورة ليست كذلك إذ لا حصول لها إلا في النفس وحصولها فيها ليس حصولا اتصافيا مثل حصول العرض في المحل على ما سبق قلنا لا كلام في قوة هذا الإشكال بل أكثر الإشكالات الموردة على كون الإدراك صورة وغايتها يمكن أن يقال أن الصورة قد تؤخذ من حيث أن الحصول نفسها فتكون عرضا قائما بالنفس حاصلا لها حصولا متأصلا اتصافيا فيكون موجودا عينيا كسائر صفاتها وقد تؤخذ من حيث أن الحصول غيرها فيكون صورة وماهية للموجود العيني الذي ربما يكون من الجواهر فلا تتصف النفس بها ولا هي تحصل للنفس حصولا متأصلا وهي بهذا الاعتبار مفهوم لا تحقق له إلا في الذهن وإطلاق المعلوم عليها تجوز لأن المعلوم ما له صورة في العقل لا نفس الصورة نعم قد يستأنف لها تعقل وتلحقها أحكام وعوارض لا يحاذى بها أمر في الخارج هي المسماة بالمعقولات الثانية وبهذا الاعتبار يصح جعل الكلية من عوارض المعلوم كما يجعل من عوارض المفهوم وأما المعلوم الذي هو ما له الصورة أعني الموجود العيني فلا يتصف بالكلية إلا بمعنى أن الحاصل منه في العقل كلي ذكر في المواقف عن الحكماء أن الموجود في الذهن هو العلم والمعلوم وأن معنى كون الإنسان كليا هو أن الصورة الحاصلة منه في العقل المجردة عن المشخصات كلية أو أن المعلوم بها كلي ثم قال وهذا إنما يصح على رأي من يجعل العلم والمعلوم هي الصورة الذهنية أو يجعل للأمور المتصورة ارتساما في غير العقل وإلا لكان للمعلوم حصول في الخارج فيكون جزئيا لا كليا وأنت خبير بأنه إذا أريد بالمعلوم الصورة الذهنية لم يكن بين الوجهين فرق ولا لقوله بها معنى ( قال والمتكلمون ) يعني أن من لم يقل بالوجود الذهني وحصول الصورة جعل العلم إما مجرد إضافة وتعلق بين العالم والمعلوم وإما صفة لها تلك الإضافة فالصفة العلم والإضافة العالمية وأثبت القاضي وراء العلم والعالمية إضافة إما لأحدهما فيكون هناك ثلاثة أمور ولكل منهما فتكون أربعة وعلى هذا قياس سائر الإدراكات فإن أورد عليهم علم الشيء بنفس ذاته فإن التعلق لا يتصور إلا بين شيئين أجيب بأن التغاير الاعتباري كاف على ما مر في حصول الشيء للشيء نعم يرد عليهم العلم بالمعدومات من الممكنات ككثير من الأشكال الهندسية والممتنعات كالمفروضات التي يبين بها الخلف فإنه لا تحقق لها في الخارج وإذا لم تتحقق في الذهن أيضا لم تتصور الإضافة بينهما وبين العالم وما يقال من إمكان تحققها قائمة بأنفسها على ما هو رأي أفلاطون أو بغيرها من الأجرام الغائبة عنا فضروري البطلان في الممتنعات لا يقال غاية ما في الباب إثبات الصورة الذهنية في العلم بالمعدومات قلنا الإدراك معنى واحد لا يختلف إلا بالإضافة إلى المدرك والمدرك فإن علم أنه غير نفس الإضافة في موضع علم كونه كذلك مطلقا فإن قيل العلم بالمعدومات وارد على القول بالصورة أيضا لأن الصورة إنما تكون لذي الصورة لا للعدم المحض فإما أن تكون في الخارج فلا تكون معدوما والكلام فيه أو في الذهن فيكون فيه من المعدوم أمر هو الصورة وأمر آخر له الصورة وهو باطل لم يقل به أحد قلنا ليس في الذهن إلا أمر واحد هو الصورة ومعنى كونها صورة للمعدوم أنها بحيث لو أمكن في الخارج تحققها وتحقق ذلك المعدوم لكانت إياه ثم أنها من حيث قيامها بالذهن وحصولها فيه علم تتصف به النفس ومن حيث ذاتها وماهيتها العقلية أعني مع قطع النظر عن قيامها بالذهن معلوم له وجود غير متأصل وهذا بخلاف الموجود فإن العلم ما في الذهن والمعلوم ما في الخارج كما مر وبهذا يندفع إشكال آخر وهو أنهم صرحوا بأن الصورة إنما تكون علما إذا كانت مطابقة للخارج وذلك لأن هذا إنما هو في صور الأعيان الخارجية وأما المعدومات من الاعتباريات وغيرها فمعنى مطابقتها ما ذكرنا هذا وفي بعض المواضع من كلام ابن سينا اعتراف بأن العلم بالممتنعات ليس حصول الصورة لأنه ذكر في الشفاء أن المستحيل لا يحصل له صورة في العقل ولا يمكن أن يتصور شيء هو اجتماع النقيضين بل تصور المستحيل إنما يكون على سبيل التشبيه بأن يعقل بين السواد والحلاوة أمر هو الاجتماع ثم يقال مثل هذا الأمر لا يمكن بين السواد والبياض أو على سبيل النفي بأن يحكم العقل بأنه لا يمكن أن يوجد مفهوم هو اجتماع السواد والبياض وعلى هذا حمل صاحب المواقف كلام أبي هاشم حيث جعل العلم بالمستحيل علما لا معلوم له بناء على أن المعلوم شيء والمستحيل ليس بشيء وحينئذ لا يرد اعتراض الإمام بأنه تناقض إذ لا معنى للمعلوم سوى ما تعلق به العلم ولا يحتاج إلى ما ذكره الآمدي من أن له أن يصطلح على أن المعلوم ما تعلق به العلم بالأشياء ( قال المبحث الثاني ) الإحساس إدراك للشيء الموجود في المادة الحاضرة عند المدرك على هيئات مخصوصة به محسوسة من الابن والوضع ونحو ذلك والتخيل إدراك لذلك الشيء مع الهيئات المذكورة ولكن في حالتي حضوره وغيبته والتوهم إدراك لمعان غير محسوسة من الكيفيات والإضافات مخصوصة بالشيء الجزئي الموجود في المادة والتعقل إدراك للشيء من حيث هو هو فقط لا من حيث شيء آخر سواء أخذ وحده أو مع غيره من الصفات المدركة هذا النوع من الإدراك فالإحساس مشروط بثلاثة أشياء حضور المادة واكتناف الهيئات وكون المدرك جزئيا والتخيل مجرد عن الشرط الأول والتوهم مجرد عن الأولين والتعقل مجرد عن الجميع بمعنى أن الصورة تكون مجردة عن العوارض المادية الخارجية وإن لم يكن بد من الاكتناف بالعوارض الذهنية مثل تشخصها من حيث حلولها في النفس الجزئية ومثل عرضيتها وحلولها في تلك النفس ومقارنتها لصفات تلك النفس وفي كون هذه من العوارض الذهنية كلام عرفته في بحث الماهية ( قال وعند الشيخ أبي الحسن الأشعري الإحساس بالشيء علم به ) فالإبصار علم بالمبصرات والسماع علم بالمسموعات وهكذا البواقي ورده الجمهور بأنا نجد فرقا ضروريا بين العلم التام بهذا اللون وبين إبصاره وهكذا بين العلم بهذا الصوت وسماعه وبين العلم بهذه الرايحة وشمها إلى غير ذلك وأجيب بأنا لا نسلم أن ما يتعلق به الإحساس يمكن تعلق العلم به بطريق آخر ولو سلم فيجوز أن يكونا علمين متخالفين بالماهية أو الهوية وفيه ضعف أما أولا فلأن إمكان تعلق علم آخر به ضروري كيف وأنا نحكم عليه عند عدم الإحساس أيضا وأما ثانيا فلأن مقصود الجمهور نفي أن تكون حقيقة إدراك الشيء بالحس هي حقيقة إدراكه المسمى بالعلم بحيث لا يتفاوت إلا في طريق الحصول كما في العلم بالشيء بطريق الاستدلال أو الإلهام أو الحدس وأما بعد تسليم كونهما نوعين مختلفين من الإدراك فيصير البحث لفظيا مبنيا على أن العلم اسم لمطلق الإدراك أو لنوع منه والحق أن إطلاقه على الإحساس مخالف للعرف واللغة فإنه اسم لغيره من الإدراكات وقد يخص بإدراك الكلي أو إدراك المركب فيسمى إدراك الجزئي أو إدراك البسيط معرفة وقد يخص العلم بأحد أقسام التصديق أعني اليقين منه وهو ما يقارن الجزم والمطابقة والثبات فيسمى غير الجازم ظنا وغير المطابق جهلا مركبا وغير الثابت اعتقاد المقلد وقد لا يعتبر في الإعتقاد المطابقة فينقسم إلى الصحيح والفاسد وقد يطلق على مطلق التصديق فيعم العلم وغيره وقد يراد بالظن ما ليس بيقين فيعم الظن الصرف والجهل المركب واعتقاد المقلد ثم ظاهر عبارة البعض أن اليقين يقارن الحكم بامتناع النقيض والظن الصرف يقارن الحكم بإمكان النقيض وإن كان مرجوحا لكن التحقيق هو أن المعتبر في اليقين أن يكون بحيث لو أخطر النقيض بالبال لحكم بامتناعه وفي الظن أنه لو أخطر لحكم بإمكانه حتى أن كلا منهما اعتقاد بسيط لا يتركب عن حكمين وأعترض على اعتبار الثبات في اليقين بأنه إن أريد به عسر الزوال فربما يكون اعتقاد المقلد كذلك وإن أريد امتناع الزوال فاليقين من النظريات قد يذهل الذهن عن بعض مباديه فيشك فيه بل ربما يحكم بخلافه والجواب أنه إن أريد بالذهول مجرد عدم الحضور بالفعل عند العقل فإمكان طريان الشك حينئذ ممنوع وإن أريد الزوال بحيث يفتقر إلى تحصيل واكتساب فلا يقين حينئذ بالحكم النظري ونحن إنما نحكم بامتناع الشك في اليقين ما دام يقينا فالتصديق على ما ذكرنا ينحصر في العلم والجهل المركب والاعتقاد الصحيح والظن لأن غير الجازم لا بد أن يكون راجحا لأنه أقل مراتب الحكم أعني قبول النفس وإذعانها لوقوع النسبة أو لا وقوعها وما ذكر الإمام وجمع من المتأخرين أن غير الجازم إما أن يكون راجحا فظن أو مساويا فشك أو مرجوحا فوهم محل نظر لأن الشك تردد في الوقوع واللاوقوع والوهم ملاحظة للطرف المرجوح وكلاهما تصور لا حكم معه أصلا فإن قيل المراد بالشك الحكم بتساوي الطرفين عند العقل قلنا هذا تصديق بكون أحد الأقسام الأربعة بمنزلة قولك أنا شاك في كذا ( قال والذهول ) يشير إلى الفرق بين السهو والنسيان وقد لا يفرق بينهما ونسبتهما إلى العلم نسبة الموت إلى الحياة بمعنى أنهما عدم ملكة للعلم مع خصوصية قيد الطريان والشك عدم ملكة للعلم التصديقي فيكون جهلا بسيطا بالنظر إليه وإن كان علما من حيث التصور وأما الجهل المركب أعني الإعتقاد الجازم الغير المطابق ويسمى مركبا لأنه جهل بما في الواقع مع الجهل بأنه جاهل به فمضاد للعلم لصدق حد الضدين عليهما لكونهما معنيين يستحيل اجتماعهما لذاتهما ولكونهما متقابلين وجوديين ليس تعقل أحدهما بالقياس إلى تعقل الآخر وقالت المعتزلة هما متماثلان لأن الحقيقة واحدة والاختلاف إنما هو بالعارض أما أولا فلأنهما لا يختلفان إلا بمطابقة الواقع ولا مطابقته وذلك خارج لأن النسبة لا تدخل في حقيقة المنتسبين والاختلاف بالخارج لا يوجب الاختلاف بالذات وأما ثانيا فلأن من اعتقد أن زيدا في الدار طول النهار وقد كان فيها إلى الظهر ثم خرج كان له اعتقاد واحد مستمر لا اختلاف في ذاته مع أنه كان علما ثم صار جهلا والجواب أن المطابقة واللامطابقة أخص صفات النفس للعلم والجهل فالاختلاف فيه يستلزم الاختلاف في الذات وظاهره معارضة ويمكن تنزيله على المنع أي لا نسلم أن الاختلاف بالعارض لا يوجب الاختلاف بالذات وإنما يكون كذلك لو لم يكن لازما ولا نسلم أن الذات واحدة بل الاعتقادات على التجدد فما دام زيد في الدار فالمتجدد علم وحين خرج فجهل ( قال المبحث الثالث العلم ) إما قديم لا يسبقه العدم وهو علم الله تعالى وإما حادث يسبقه العدم فهو علم المخلوق ومراتب الحادث ثلاث
الأولى ما يكون بالقوة المحضة وهو الاستعداد للعلم وحصوله للضروريات يكون بالحواس الظاهرة والباطنة كما يستفاد من حس اللمس أن هذه النار حارة فتستعد النفس للعلم بأن كل نار حارة وعلى هذا القياس وللنظريات يكون بالضروريات بأن يرتب فيكتسب النظري والثانية العلم الإجمالي كمن علم مسألة فغفل عنها ثم سئل فإنه يحضر الجواب في ذهنه دفعة من غير تفصيل وحقيقته حالة بسيطة إجمالية هي مبدأ تفاصيل المركب
والثالثة العلم التفصيلي وهو حضور صورة المركب بحيث تعرف أجزاؤه متميزا بعضها عن بعض ملاحظا كل منها على الانفراد وذلك كما إذا نظرنا إلى الصحيفة دفعة فلا شك أنا نجد حالة إجمالية من الإبصار ثم إذا حدقنا النظر وأبصرنا كل حرف حرف على الانفراد حصلت لنا حالة أخرى مع أن الإبصار حاصل في الحالين فالأولى بمنزلة العلم الإجمالي والثانية بمنزلة العلم التفصيلي وبهذا يتبين معنى كلامهم أن العلم بالماهية يستلزم العلم بأجزائها لكن إجمالا لا تفصيلا واعترض الإمام بأن الحاصل في العلم الإجمالي إما أن يكون صورة واحدة فيلزم أن يكون للحقايق المختلفة صورة واحدة مطابقة لكل منها على أنها متساوية لها بل نفس ماهيتها وإما أن يكون صورا متعددة لتلك المختلفات فيكون العلم التفصيلي بها حاصلا وغاية التفرقة أن يقال أن حصول الصور إن كان دفعة واحدة فعلم إجمالي وإن كان على ترتيب زماني بأن يحضر واحد بعد واحد فتفصيلي لكن على هذا لا يكون الإجمالي مرتبة متوسطة بين القوة المحضة والفعل المحض التفصيلي على ما زعموا ويمكن الجواب بأن الحاصل في الإجمالي صورة واحدة تطابق الكل من غير ملاحظة لتفاصيل الأجزاء وفي التفصيلي صور متعددة يطابق كل منها واحدا من الأجزاء على الانفراد وفهم بعضهم من العلم الإجمالي مجرد تميز الشيء عند العقل ومن التفصيلي ذلك مع العلم بتميزه وقد سبق الكلام في أن العلم بالشيء هل يستلزم العلم بالعلم به وفي أنه على تقدير الاستلزام هل يلزم من العلم بشيء واحد علوم غير متناهية بناء على تغاير العلم بالامتياز وبامتياز الامتياز وهكذا إلى غير النهاية ( قال المبحث الرابع ) قال الإمام لا يجوز انقلاب العلم البديهي كسبيا وبالعكس لأن كون تصور الموضوع والمحمول كافيا في جزم الذهن بالنسبة بينهما أو مفتقرا إلى النظر أمر ذاتي له والذاتي لا يزول وهذا مع ظهور المنع على مقدمته الأولى مختص بالأوليات وذكر الآمدي وغيره أن انقلاب النظري ضروريا جائز اتفاقا بأن يخلق الله تعالى في العبد علما ضروريا متعلقا بما يتعلق به علمه النظري والمعتزلة عولوا في الجواز على تجانس العلوم ومنعوا الوقوع فيما يكون مكلفا به كالعلم بالله وصفاته المقدسة لئلا يلزم التكليف بغير المقدور وأنه قبيح يمتنع وقوعه من الله تعالى فإن قيل فاللازم نفي الجواز دون مجرد الوقوع قلنا ليس معنى كلامهم أن في العلم بالله الانقلاب جائز وليس بواقع بل أنه جائز نظرا إلى كونه علما وإنما امتنع وقوعه لعارض من خارج هو كونه مكلفا به وأما انقلاب الضروري نظريا فجوزه القاضي وبعض المتكلمين لأن العلوم متجانسة أي متماثلة متفقة الماهية بناء على كون التعلق بالمعلومات والتشخص الحاصل بواسطة الخصوصيات من العوارض التي ليست مقتضى الذات وإذا كانت متماثلة وحكم الأمثال واحد جاز على كل منها ما جاز على الآخر كما جاز على الإنسانية التي في زيد ما جاز على التي في عمرو بالنظر إلى نفس الإنسانية فإن قيل قد سبق أن التصور والتصديق مختلفان بالحقيقة قلنا لعله أراد بالعلم ما هو أحد أقسام التصديق على ما اشتهر فيما بين المتكلمين أو ادعى أن حقيقة الكل هي الصفة الموجبة للتميز على ما سبق أو أراد أن التصورات متماثلة وكذا التصديقات فيجوز على الضروري من كل منهما أن ينقلب إلى النظري منه والجواب بعد تسليم التجانس أنه إن إريد بالجواز عدم الامتناع أصلا فمجرد التجانس لا يقتضيه لجواز أن يمتنع بواسطة العوارض والخصوصيات على البعض ما يجوز للبعض الآخر وإن أريد عدم الامتناع نظرا إلى ماهية العلم فغير متنازع وما ذكر الآمدي من أنه لو سلم التجانس فلا شك في الاختلاف بالنوع والشخص فلعل التنوع أو التشخص يمنع ذلك مبني على أنه فهم من التجانس الاشتراك في الجنس على ما هو مصطلح الفلاسفة ولا أدري كيف ذهب عليه مصطلح المتكلمين وأن مثل القاضي لا يجعل الاشتراك في الجنس دليلا على أن يجوز على كل من المتشاركين ما يجوز على الآخر والجمهور على أن الضروري لا يجوز أن ينقلب نظريا وإلا لزم جواز خلو نفس المخلوق عنه مع التوجه والالتفات وسائر شرائط حصول الضروريات لأن ذلك من لوازم النظريات وعلى هذا لا يرد الاعتراض بأن الضروري قد لا يحصل لفقد شرط أو استعدادا لا أنهم إنما عولوا في استحالة الخلو عن الضروري على الوجدان وفيه ضعف لأن غايته الدلالة على عدم الخلو دن استحالته سلمنا لكن لا خفاء في أن الخلو عن الضروري إنما يمتنع ما دام ضروريا وبعد الانقلاب لا يبقى هذا الوصف وذهب إمام الحرمين وهو أحد قولي القاضي إلى أنه لا يجوز في ضروري هو شرط لكمال العقل الذي به يستأصل لاكتساب النظريات لأنه لو انقلب نظريا لزم كونه شرطا لنفسه وهو دور فإن قيل هذا التفصيل مشعر بأن القول الآخر للقاضي هو الجواز مطلقا أي في كل ضروري وفساده ظاهر لظهور استحالة النظري بدون ضروري ما قلنا هذا إنما يمنع جواز اجتماع الكل على الانقلاب بحيث لا يبقى شيء من الضروريات لا جواز انقلاب كل على الانفراد ( قال والخلاف ) قد اختلفوا في أن العلم الضروري هل يستند إلى النظري أم لا تمسك المانع بأنه لو استند أي ابتنى وتوقف على النظري المتوقف على النظر لزم توقفه على النظر فيكون نظريا لا ضروريا هف وتمسك المجوز بأن العلم بامتناع اجتماع الضدين ضروري ويتوقف على العلم بوجودهما لأن الاجتماع واللااجتماع فرع الوجود والجواب بمنع تعلق العلم بامتناع اجتماع الضدين ضعيف لأنه إن أريد أنا لا نتصور اجتماعهما ولا تجزم بامتناعه فمكابرة بل مناقضة لأن الحكم بعدم تصوره وعدم الجزم بامتناعه حكم يستدعي تصوره وإن أريد أنا لا نتصور شيئا هو اجتماع الضدين وإنما ذلك على سبيل التشبيه كما سبق نقلا عن الشفاء فلا يضر بالمقصود لأن حكمنا بأن الاجتماع الواقع فيما بين السواد والحلاوة لا يمكن مثله فيما بين السواد والبياض يتوقف على العلم بوجودهما بل الجواب منع ذلك فإن كون الاجتماع واللااجتماع فرع الوجود على تقدير حقيته لا يستدعي توقف العلم بامتناع الاجتماع على العلم بالوجود بل على تصور الضدين بوجه وهو لا يلزم أن يكون بالنظر نعم ربما يكون التصديق المستغني عن النظر فيه مفتقرا إلى النظر في تصور الطرفين فإن سمى مثله ضروريا كان مستندا إلى النظري فمن ههنا قيل أن هذا نزاع لفظي يرجع إلى تفسير التصديق الضروري أنه الذي لا يفتقر إلى النظر أصلا أو لا يفتقر إلى النظر في نفس الحكم وإن كان طرفاه بالنظر والحق أن مراد المتكلمين بالعلم ما هو من أقسام التصديق وبالضروري منه مالا يكون حصوله بطريق الاستدلال عليه والمتنازع هو أنه هل يجوز أن يبتنى على علم حاصل بالاستدلال ( قال المبحث الخامس ) اتفق القائلون بأن العلم القديم على أنه واحد يتعلق بمعلومات متعددة واختلفوا في الحادث فذهب الشيخ وكثير من المعتزلة إلى أن الواحد منه يمتنع أن يتعلق بمعلومين وهذا هو المعنى بقولنا يتعدد العلم بتعدد المعلوم وذهب بعض الأصحاب إلى أنه يجوز وجعل الإمام الرازي الخلاف مبنيا على الخلاف في تفسير العلم أنه إضافة فيكون التعلق بهذا غير التعلق بذاك أو صفة ذات إضافة فيجوز أن يكون للواحد تعلقات بأمور متعددة كالعلم القديم ومحل الخلاف هو التعلق بالمتعدد على التفصيل ومن حيث أنه كثير فلا يكون التعلق بالمجموع المشتمل على الأجزاء من هذا القبيل مالم يلاحظ الأجزاء على التفصيل ويرد على الإمام أن الجواز الذهني أعني عدم الامتناع عند العقل بالنظر إلى كون العلم صفة ذات إضافة لا يستلزم الجواز الخارجي أعني عدم الامتناع في نفس الأمر على ما هو المتنازع لجواز أن يمتنع بدليل من خارج كما قيل وإن كان ضعيفا أنه ليس عدد أولي من عدد فلو تعلق بما فوق الواحد لزم تعلقه بما لا نهاية له وكما قال أبو الحسن الباهلي أنه يمتنع في المعلومين النظريين وإلا يلزم اجتماع النظرين في علم واحد ضرورة أن النظر المؤدي إلى وجود الصانع غير المؤدي إلى وحدته وأجيب بمنع اللزوم لجواز أن يكون المعلومان بعلم واحد حاصلين بنظر واحد إذ لا امتناع في أن يحصل بنظر واحد أمور متعددة كالنتيجة ونفي المعارض وكون الحاصل علما لا جهلا وكما قال القاضي وإمام الحرمين أنه يمتنع إن كان المعلومان بحيث يجوز انفكاك العلم بأحدهما عن العلم بالآخر وإلا يلزم جواز انفكاك الشيء عن نفسه ضرورة أن العلم بهذا نفس العلم بذاك والتقدير جواز انفكاكهما وأجيب بأنه يكفي في جواز الانفكاك كونهما معلومين بعلمين في الجملة وهذا لا ينافي معلوميتهما بعلم واحد في بعض الأعيان وحينئذ لا انفكاك فإن قيل الإمكان للممكن دائم فيجوز الانفكاك دائما وفيه المطلوب قلنا نعم إلا إنه لا ينافي الامتناع بالغير وهو المعلومية بعلم واحد فإن عند تعلق العلم الواحد بهما جواز الانفكاك بحاله بأن يتعلق بها علمان فإن قيل نفرض الكلام في المعلومين بجواز انفكاكهما في التعقل كيف ما علمنا قلنا إمكان معلومين بهذه الحيثية نفس المتنازع وقد يستدل بأنه لو جاز كون الصفة الواحدة مبدأ للأحكام المختلفة كالعالمية بالسواد والعالمية بالبياض لجاز كونهما مبدأ للعالمية والقادرية ويلزم استغناء الأشياء عن تعدد الصفات باستناد آثارها إلى صفة واحدة ويجاب بأنه تمثيل بلا جامع كيف والأحكام ههنا متجانسة بخلاف مثل العالمية والقادرية وأما فيما لا يجوز الانفكاك كالمجاورة والمماثلة والمضادة وغير ذلك فيجوز أن يتعلق علم واحد بمعلومين بل ربما يجب كما في العلم بالشيء مع العلم بالعلم به فإن هناك معلومات غير متناهية لأن العلم بالشيء مستلزم للعلم بالعلم به ضرورة وهو العلم بالعلم به وهكذا لا إلى نهاية فلو لم يكن عدة من هذه المعلومات حال عدم الحادث بالنسبة إلى وجوده لأنا نقول إنما جاز ذلك من جهة أن الأمس اسم للزمان المأخوذ مع التقدم المخصوص وأما في نفس أجزاء الزمان فلا بل غايته لزوم التقدم والتأخر فيما بينها لكونها عبارة عن اتصال غير قار ولو سلم فالحادث من حيث الحدوث أيضا كذلك إذ لا معنى له سوى ما يكون وجوده مسبوقا بالعدم ولو سلم فالمقصود منع انحصار السبق في الأقسام الخمسة مستندا إلى السبق فيما بين أجزاء الزمان فإنه ليس زمانيا بمعنى أن يوجد المتقدم في زمان لا يوجد فيه المتأخر ولا يضرنا تسميته زمانيا بمعنى آخر وقد سبق تحقيق ذلك في موضعه
( قال هذا والتحقيق 2 ) يريد أن الزمان عندنا أمر وهمي يقدر به المحدات وبحسبه يكون العالم مسبوقا بالعدم وليس أمرا موجودا من جملة العالم يتصف بالقدم أو الحدوث فإن أثبت الفلاسفة وجود الزمان بمعنى مقدار الحركة لم يمتنع سبق العدم عليه باعتبار هذا الأمر الوهمي كما في سائر الحوادث وبهذا يظهر الجواب عن استدلالهم على قدم العالم بأن وجود الباري إما أن يكون متقدما على وجود العالم بقدر غير متناه أو لا فعلى الأول يلزم منه قدم الزمان لأن معنى لا تناهي القدر وجود قبليات وبعديات متصرمة لا أول لها وهو معنى قدم الزمان ويلزم منه قدم الحركة والجسم لكونه مقدارا لها وعلى الثاني يلزم حدوث الباري أو قدم العالم لأن عدم تقدمه على العالم بقدر غير متناه أما بأن لا يتقدم عليه أصلا وذلك بأن يحصل معه في وقت حدوثه فيكون حادثا أو يحصل العالم معه في الأزل فيكون قديما وأما بأن يتقدم عليه بقدر متناه وذلك بأن لا يوجد قبل ذلك القدر فيكون حادثا وهو محال ( قال الفصل الثاني فيما يتعلق بالأجسام على التفصيل 4 ) مثل البحث عن خصوص أحوال البسايط الفلكية أو العنصرية أو المركبات المزاجية أو غير المزاجية أو حال ما هو من أقسام بعض هذه الأربعة ( قال جزؤه المقداري ) احتراز عن الجزء العقلي كالجنس والفصل أو العيني كالهيولي والصورة فإنه لا يكون مثل الكل في الاسم والحد لا في البسيط ولا في المركب ( قال والمأخوذ في كل 3 )
قد ذكر لكل من الجسم البسيط والجسم المركب تفسيرين أحدهما وجودي والآخر عدم له فالآن يشير إلى أن ما جعل مأخذ التفسيرين أعني التألف من الأجسام المختلفة الطبايع وتساوي الجزء والكل في الاسم والحد قد يعتبر من حيث الحقيقة وقد يعتبر من حيث الحس فيحصل لكل من البسيط والمركب أربع تفسيرات مختلفة بالعموم والخصوص متعاكسة في الوجودية والعدمية فللبسيط ما لا يتألف من المختلفات حقيقة ما لا يتألف منها جساما يساوي جزؤه الكل حقيقة ما يساويه حسا وللمركب ما يتألف حقيقة ما يتألف حسا ما لا يساوي حقيقة ما لا يساوي حسا فالمأخوذ من المأخذ الأول للمركب وجوذي وللبسيط عدمي ومن معلومة بعلم واحد لزم أن يكون لكل من علم شيئا ما علوم غير متناهية وهو ظاهر البطلان وجوابه منع الاستلزام المذكور لجواز أن يعلم الشيء ولا يلتفت الذهن إلى العلم به ولو سلم فلا تغاير بين العلم بالشيء والعلم بالعلم به إلا بحسب الاعتبار فينقطع بانقطاع الاعتبار ( قال ثم عن التعدد ) لا خفاء في جواز تعلق العلمين بمعلوم واحد وهل هما مثلان فيه خلاف وتفصيل ذلك أن للعلم محلا هو العالم ومتعلقا هو المعلوم فإذا تعدد المحل كعلم زيد وعمرو بأن الصانع قديم فالعلمان مختلفان إن جعلنا اختصاص كل منهما بمحله لذاته وإلا فمثلان وإذا تعدد متعلقهما فالعلمان مختلفان سواء كان المعلومان متماثلين كالعلم ببياضين أو مختلفين كالعلم بالسواد والبياض إذ لو كانا مثلين لم يجتمعا في محل فإذا اتحد متعلقهما فالجمهور على أنهما مثلان سواء اتحد وقت المعلوم أو اختلف أما عند الاتحاد فظاهر وأما عند الاختلاف فلأن اختلاف الوقت لا يؤثر في اختلاف العلمين كما لا يؤثر اختلاف الوقت وتقدمه وتأخره في اختلاف الجوهرين واعترض الآمدي بأن الفرق ظاهر فإن الوقت ههنا داخل في متعلق العلم كالعلم بقيام زيد الآن وقيامه غدا ولا خفاء في اختلاف الكل باختلاف الجزء بخلاف كون الجوهر في زمانين فإنه خارج عنه وإنما نظير ذلك العلم بالشيء في وقتين لا العلم بمعلوم مقيد بوقتين هذا والحق أن المعلوم إذا اختلف وقته كان متعددا لا متحدا وأن اتحاده مع تعدد العلم إنما يتصور عند اختلاف وقت العلم والظاهر أنهما حينئذ مثلان أو عند اختلاف محله وقد سبق الكلام في أنهما حينئذ مثلان أو مختلفان ( قال المبحث السادس ) قد دلت الأدلة السمعية من الكتاب والسنة على أن محل العلم الحادث هو القلب وإن لم يتعين هو لذلك عقلا بل يجوز أن يخلقه الله تعالى في أي جوهر شاء لكن الظاهر من كلام كثير من المحققين أن ليس المراد بالقلب ذلك العضو المخصوص الموجود لجميع الحيوانات بل الروح الذي به امتياز الإنسان وظاهر كلام الفلاسفة أن محل العلم بالكليات هو النفس الناطقة المجردة وبالجزئيات هو المشاعر الظاهرة أو الباطنة إلا أن المحققين منهم على أن محل الكل هو النفس إلا أنه في الكليات يكون بالذات وفي الجزئيات بتوسط الآلات أعني المشاعر وسيجيء بيان ذلك في بحث النفس ( قال المبحث السابع ) لا خلاف في أن مناط التكاليف الشرعية هو العقل حتى لا يتوجه على فاقديه من الصبيان والمجانين والبهائم وسيجيء أن لفظ العقل مشترك بين معان كثيرة فذهب الشيخ إلى أن المراد به ههنا العلم ببعض الضروريات أي الكليات البديهية بحيث يتمكن من اكتساب النظريات إذ لو كان غير العلم لصح انفكاكهما بأن يوجد عالم لا يعقل وعاقل لا يعلم وهو باطل ولو كان العلم بالنظريات وهو مشروط بالعقل لزم تأخر الشيء عن نفسه ولو كان العلم بجميع الضروريات لما صدق على من يفقد بعضها لفقد شرطها من التفات أو تجربة أو تواتر أو نحو ذلك مع أنه عاقل اتفاقا واعترض بمنع الملازمة فإن المتغايرين قد يتلازمان مقاطع لخط آخر غير متناه وأن تتحرك تلك الكرة على نفسها فبالضرورة يصير الخط الخارج من مركزها بعد المقاطعة مسامتا ثم موازيا لكن ذلك محال لتوقفه على تخلص أحد الخطين عن الآخر وهو لا بتصور إلا بنقطة هي طرف من أحد الخطين وقد فرضناهما غير متناهيين هف ويرد عليه منع إمكان حركة الخط الغير المتناهي سيما بحيث ينتهي من المقاطعة إلى المسامتة إلى الموازاة وأورد أبو بالبركات هذا المنع على برهان المسامتة وتبعه صاحب الإشراق في المطارحات ولا يظهر له وجه لأن المفروض هناك حركة قطر الكرة وهو متناه وثانيهما برهان الموازاة وهو أن نفرض قطر الكرة مسامتا للخط الغير المتناهي ثم موازيا له بحركة الكرة فلانتهاء المسامتة يلزم في الخط الغير المتناهي نقطة هي آخر نقطة المسامتة وهو محال لأن كل نقطة تغرض كذلك فالمسامتة بما فوقها بعد المسامتة بها وأما على برهان التطبيق فمثل أن نفرض البعد الغير المتناهي أذرعا ثم نعتبر التطبيق بين عدة الألوف منها وعدة الآحاد على ما مر في التسلسل أو يقال ما بين المبدأ المحقق أو المفروض وبين كل ذراع متناه لكونه محصورا بين حاصرين فيتناهى الكل ولأنه لا يزيد على ذلك إلا بواحد أو يقال الأذرع مترتبة في الوضع فنطبق بين قبلياتها وبعدياتها فإن لم يتساويا بطل التضايف وإن تساويا لزم وجود زراع له بعدية لا قبلية لأن للمبدأ قبلية لا بعدية وأيضا إذا طبقنا وقعت قبلية الأول بإزاء بعدية الثاني وقبلية الثاني بإزاء بعدية الثالث وهكذا إلى غير النهاية فتبقى قبلية بلا بعدية فيبطل التضايف وأيضا للأول قبلية بلا بعدية فلو كان لكل ما عداه قبلية وبعدية معا لزم قبلية بلا بعدية
( قال احتج المخالف بوجوه 7 ) فإن قيل الأولان لا يفيدان سوى أن وراء العالم أمرا له تحقق ما من غير دلالة على أنه جسم أو بعد ولو سلم فلا دلالة على أنه غير متناه قلنا يفيدان بطلان رأي من زعم أنه عدم محض ثم يدلان على تمام المطلوب بمعونة مقدمات معلومة مثل أن ما يلاقي طرف العالم لا يكون إلا خلاء وهو بعد أو جسما وهو ذو بعد بل إذا بين استحالة الخلاء تعين أنه جسم ولا يكون متناهيا وإلا لكان له طرف فيعود الكلام ويثبت أن ما ورائه ليس عدما محضا ( قال خاتمة 8 )
جعل بحث الجهة خاتمة بحث تناهي الأبعاد لكونها عبارة عن نهاية الامتداد وذلك أن طرف الامتداد بالنسبة إليه طرف ونهاية وبالنسبة إلى الحركة والإشارة جهة ثم أنها موجودة ومن ذوات الأوضاع لأنها مقصد المتحرك بالحصول فيه ومنتهى الإشارة الحسية والمعدوم أو المجرد يمتنع الحصول فيه أو الإشارة إليه وهذا بخلاف الحركة في الكيف كحركة الجسم من البياض إلى السواد فإن السواد مقصد المتحرك بالتحصيل فلا يجب بل يمتنع أن يكون موجود الامتناع تحصيل الحاصل ثم لا يخفى أن معنى الحصول في الجهة الحصول عنها وصولا وقربا كما أن معنى التحرك في جهة كذا التحرك في سمت يتأتى إليها وذلك لأن كلا من المتحرك والحركة منقسم فلا يقع حقيقة إلا في منقسم والجهة لا تقبل الانقسام أعني في مأخذ الحركة والإشارة إذ لو انقسمت كالجوهر مع العرض والعلة مع المعلول وقد يمنع بطلان اللازم فإن العاقل قد يكون بدون العلم كما في النوم وهو ضعيف والأقرب أن العقل قوة حاصلة عند العلم بالضروريات بحيث يتمكن بها من اكتساب النظريات وهذا معنى ما قال الإمام أنها غريزة يتبعها العلم بالضروريات عند سلامة الآلات وما قال بعضهم أنها قوة بها يميز بين الأمور الحسنة والقبيحة وما قال بعض علماء الأصول أنها نور يضيء به طريق يبتدأ به من حيث ينتهي إليه درك الحواس أي قوة حاصلة للنفس عند إدراك الجزئيات بها يتمكن من سلوك طريق اكتساب النظريات وهو الذي يسميه الحكماء العقل بالملكة ( قال ومنها ) أي ومن الكيفيات النفسانية الإرادة ويشبه أن يكون معناها واضحا عند العقل غير ملتبس بغيرها إلا أنه تعسر معرفتها بكنه الحقيقة والتعبير عنها بما يفيد تصورها وهي تغاير الشهوة كما أن مقابلها وهي الكراهية تغاير النفرة ولهذا قد يريد الإنسان مالا يشتهيه كشرب دواء كريه ينفعه وقد يشتهي مالا يريده كأكل طعام لذيذ يضره وذهب كثير من المعتزلة إلى أن الإرادة اعتقاد النفع أو ظنه فإن نسبة القدرة إلى طرفي الفعل والترك على السوية فإذا حصل في القلب اعتقاد النفع في أحد طرفيه أو ظنه ترجح بسببه ذلك الطرف وصار مؤثرا عنده وذهب بعضهم إلى أنها ميل يعقب اعتقاد النفع أو ظنه لأن القادر كثيرا ما يعتقد النفع أو يظنه ولا يريده مالم يحدث هذا الميل وأجيب بأنا لا نجعله مجرد اعتقاد النفع أو ظنه بل اعتقاد نفع له أو لغيره ممن يؤثر خبره بحيث يمكن وصول ذلك النفع إليه أو إلى غيره من غير مانع من تعب أو معارضة وما ذكر من الميل إنما يحصل لمن لا يقدر على تحصيل ذلك الشيء قدرة تامة كالشوق إلى المحبوب لمن لا يصل إليه أما في القادر التام القدرة فيكفي الإعتقاد المذكور وذهب أصحابنا إلى أن الإرادة قد توجد بدون اعتقاد النفع أو ميل يتبعه فلا يكون شيء منهما لازما لها فضلا عن أن يكون نفسها وذلك كما في الأمثلة التي يرجح فيها المختار أحد الأمرين المتساويين من جميع الوجوه بمجرد إرادته من غير توقف في طلب المرجح واعتقاد نفع في ذلك الطرف والمعتزلة ينكرون ذلك ويدعون الضرورة بأنه لا بد من مرجح حتى لو تساويا في نفس الأمر لم يستبعد منع اختيار أحد الأمرين وسلوك أحد الطريقين وإنما يستبعد عند فرض التساوي وهو لا يستلزم الوقوع والأصحاب يدعون الضرورة بأن ذلك الترجيح ليس إلا لمحض الإرادة من غير رجحان واعتقاد نفع في ذلك المعين فالإرادة عندهم صفة بها يرجح الفاعل أحد مقدوريه من الفعل والترك وهذا معنى الصفة المخصصة لأحد طرفي المقدور بالوقوع وهذا التفسير كما لا يقتضي كونها من جنس الإعتقاد أو الميل كذلك لا ينفيه وكذا لا يقتضي كون متعلقها مقدورا لجواز أن يكون صفة تتعلق بالمقدور وغيره ويكون من شأنها الترجيح والتخصيص لأحد طرفي المقدور ولهذا جاز إرادة الحياة والموت فبطل ما قيل أن متعلق الإرادة على هذا التفسير لا يكون إلا مقدورا فيمتنع تعلقها بالإرادة والكراهة وبالعكس إلا إذا جعلناهما من مقدورات العبد بأقدار الله تعالى وصح ما قيل في الفرق بين الإرادة والشهوة بأن الإرادة قد تتعلق بالإرادة وبالكراهة بأن يريد الإنسان إرادته لشيء أو كراهته له وكذا الكراهة ولا يلزم منه كون الشيء الواحد مرادا ومكروها معا لأن إرادة الكراهة وكراهة الإرادة لا يوجب إرادة المكروه وكراهة المراد وهذا بخلاف الشهوة فإنه لا معنى لاشتهاء الإنسان شهوته لشيء إلا بمعنى الإرادة كما قيل لمريض أي شيء تشتهي فقال أشتهي أن أشتهي وكذا النفرة لا تتعلق بالنفرة ( قال والفلاسفة ) يعني أنهم لما ذهبوا إلى أن الله تعالى موجب بالذات لا فاعل بالاختيار والإرادة وعلموا أن في نفي الإرادة عنه تعالى شناعة وإلحاقا لأفعاله تعالى بأفعال الجمادات حاولوا إثبات كونه مريدا على وجه لا ينافي كونه تعالى موجبا فزعموا أن الإرادة عبارة عن العلم بما هو عند العالم كمال وخير من حيث هو كذلك أو عن العلم بكون الفاعل عالما بما يفعله إذا كان ذلك العلم سببا لصدور ذلك الفعل عنه حال كونه غير مغلوب في ذلك ولا مستكره والله تعالى عالم بذلك فيكون مريدا واعترض بأن الإرادة والكراهة لو كانتا نوعين من العلم لاختصتا بذوي العلم واللازم باطل لأن الحركة بالإرادة مأخوذة في تعريف مطلق الحيوان فأجابوا بأن المراد من الإرادة المشتركة بين الحيوانات حالة ميلانية إلى الفعل أو الترك وهي منفية عن الواجب ( قال المبحث الثاني ) ذهب الشيخ الأشعري وأتباعه إلى أن إرادة الشيء نفس كراهة ضده إذ لو كانت غيرها لكان إما مماثلا لها أو مضادا أو مخالفا والكل باطل أما الملازمة فلأن المتغايرين إن استويا في صفات النفس أعني مالا يحتاج الوصف به إلى تعقل أمر زائد كالإنسانية للإنسان والحقيقة والوجود والشيئية له بخلاف الحدوث والتحيز ونحوه فمثلان كالبياضين وإلا فإن تنافيا بأنفسهما فضدان كالسواد والبياض وإلا فمتخالفان كالسواد والحلاوة وإما بطلان اللازم فلأنهما لو كانتا ضدين أو مثلين لامتنع اجتماعهما وهذا ظاهر لزوما وفسادا ولو كانتا خلافين لجاز اجتماع كل منهما مع ضد الآخر ومع خلافه لأن هذا شأن المتخالفين كالسواد المخالف للحلاوة يجتمع مع ضدها الذي هو الحموضة ومع خلافها الذي هو الرايحة فيلزم جواز اجتماع إرادة الشيء مع إرادة ضده لأن ضد كراهة الضد إرادة الضد وأجيب بأن عدم الاتحاد لا يستلزم التغاير ليلزم أحد الأمور الثلاثة سلمناه لكن لانم جواز اجتماع كل من المتخالفين مع ضد الآخر لجواز أن يكونا متلازمين وامتناع اجتماع الملزوم مع ضد اللازم ظاهر أو ضدين لأمر واحد كالشك للعلم والظن فاجتماع كل مع ضد الآخر يستلزم اجتماع الضدين وعورض بأن شرط إرادة الشيء وكراهته الشعور به ضرورة وقد يراد الشيء أو يكره من غير شعور بضده فإرادة الشيء لا تستلزم كراهة ضده فضلا أن تكون نفسها إلا أن يقال المراد أنها نفسها على تقدير الشعور بالضد بمعنى أنها نفس كراهة الضد المشعور به وإلا فلا معنى لاشتراط كون الشيء نفس الشيء بشرط واختلف القائلون بالتغاير في الاستلزام فذهب القاضي والغزالي إلى أن إرادة الشيء تستلزم كراهة ضده المشعور به إذ لو لم يكن مشعورا مكروها بل مرادا لزم إرادة الضدين وهو مح لأن الإرادتين المتعلقتين بالضدين متضادتان وأجيب بمنع المقدمتين لجواز أن لا يتعلق بالضد كراهة ولا إرادة ككثير من الأمور المشعور بها ولجواز أن يكون كل من الضدين مرادا من جهة إرادة على السوية أو مع ترجح أحدهما بحسب ما فيه من نفع راجح وأيضا لو صح ما ذكر لكان كراهة الشيء مستلزمة لإرادة ضده المشعور به فيلزم من إرادة الشيء الذي له ضدان أن يكون كل منهما مكروها لكونه ضد المراد ومرادا لكونه ضد المكروه ولا محيص إلا بتغاير الجهتين أو تخصيص الدعوى بما له ضد واحد وإذا جاز ذلك فتجويز إرادة كل من الضدين بجهة لا يصلح في معرض إبطال حكم القاضي بالاستلزام المذكور لجوز أن يكون كل منهما مكروها أيضا بجهة وإنما يصلح في معرض الجواب كما ذكرنا حتى لو دفع بأنكم تجعلون متعلق الإرادة مقارنا لها فيلزم من إرادة الضدين اجتماعهما كان كلاما على السند مع أنه ضعيف لأن القول بأن متعلق الإرادة الحادثة لا يكون إلا مقدورا للمريد مقارنا لإرادته حتى لا يتعلق بفعل الغير وبالمستقبل ويكون كل ذلك من قبيل التمني دون الإرادة مخالف للغة والعرف والتحقيق ( قال ومنها القدرة ) لفظ القوة يقال للصفة التي بها يتمكن الحيوان من مزاولة أفعال شاقة ويقابلها الضعف وقد يقال لصفة المؤثرية فيفسر بصفة هي مبدأ التغير من شيء في آخر من حيث هو آخر فقوله في آخر إشعار بوجوب التغاير بين المؤثر والمتأثر وقيد الحيثية إشعار بأنه يكفي التغاير بحسب الاعتبار كالطبيب يعالج نفسه فيؤثر من حيث أنه عالم بالصناعة ويتأثر من حيث أنه جسم ينفعل عما يلاقيه من الدواء وهذا بالنظر إلى ظاهر الإطلاق وإلا فعند التحقيق التأثير للنفس والتأثر للبدن ولو مثل بالمعالج نفسه في تهذيب الأخلاق وتبديل الملكات لكان أقرب ثم القوة التي هي وصف المؤثرية إما أن تكون مع قصد وشعور بأثرها أو لا وعلى التقديرين فإما أن تكون آثارها مختلفة أو لا
فالأولى وهي الصفة المؤثرة مع القصد والشعور واختلاف الآثار والأفعال هي القوة الحيوانية المسماة بالقدرة والثانية وهي القوة المؤثرية على سبيل القصد والشعور لكن على نهج واحد من غير اختلاف في آثارها وهي القوة الفلكية
والثالثة وهي المبدأ لآثار وأفعال مختلفة لا على سبيل القصد والشعور وهي القوة النباتية والرابعة وهي مبدأ الأثر على نهج واحد بدون القصد والشعور هي القوة العنصرية وهذه كلها من أقسام العرض على ما يشعر به لفظ الصفة وهي المبادي القريبة للأفعال وإما أن لكل منها أو لبعضها مبادىء من قبيل الجواهر تسمى بالصور النوعية والنفوس فذلك بحث آخر وقد ينازع في إثبات القوى الفلكية والنباتية إذا أريد بها غير النفوس والصور إذا تقرر هذا فنقول اعتبر بعضهم في كون القوة قدرة مقارنتها للقصد والشعور ففسر القدرة بصفة تؤثر وفق الإرادة فخرج من الصفات ما لا يؤثر كالعلم وما يؤثر لا على وفق الإرادة كالقوى النباتية والعنصرية وأما النفوس والصور النوعية التي هي من قبيل الجواهر فلا تشملها الصفة واعتبر بعضهم اختلاف الآثار ففسر القدرة بصفة تكون مبدأ لأفعال مختلفة فالقوة الحيوانية تكون قدرة بالتفسيرين لمقارنتها القصد والاختلاف والقوة العنصرية لا تكون قدرة بشيء من التفسيرين لخلوها عن الأمرين والقوة الفلكية قدرة بالتفسير الأول دون الثاني والنباتية بالعكس وهذا ظاهر فبين التفسيرين عموم من وجه فإن قيل القدرة الحادثة غير مؤثرة عند الشيخ فلا تدخل في شيء من التعريفين قلنا ليس المراد التأثير بالفعل بل بالقوة بمعنى أنها صفة شأنها التأثير والإيجاد على ما صرح به الآمدي حيث قال القدرة صفة وجودية من شأنها تأتي الإيجاد والأحداث بها على وجه يتصور ممن قامت به الفعل بدلا عن الترك والترك بدلا عن الفعل والقدرة الحادثة كذلك لكن لم تؤثر لوقوع متعلقها بقدرة الله تعالى على ما سيجيء إن شاء الله تعالى وبهذا يندفع ما يقال لا بد من القول بكون فعل العبد بقدرته على ما هو مذهب المعتزلة أو بنفي قدرة العبد أصلا على ما ذهب إليه جهم بن صفوان مع الفرق الضروري بين حركتي الرعشة والبطش وحركتي الصعود والنزول والحاصل أنا قاطعون بوجود صفة شأنها الترجيح والتخصيص والتأثير ولا امتناع في أن لا يؤثر بالفعل لمانع والنزاع في أنها بدون التأثير بالفعل هل تسمى قدرة لفظي والقول بقدم قدرة الله تعالى مع حدوث المقدورات على ما هو رأينا وبثبوت القدرة الحادثة قبل الفعل على ما هو رأي المعتزلة يؤيد ما ذكرنا ( قال والوجدان يشهد ) تنبيه على أن طريق معرفة القدرة هو الوجدان على ما هو رأي الأشاعرة فإن العاقل يجد من نفسه أن له صفة بها يتمكن من حركة البطش وتركها دون الرعشة لا العلم بتأتي الفعل من بعض الموجودين وتعذره على الغير على ما ذهب إليه بعض المعتزلة لأن الممنوع قادر عندهم مع تعذر الفعل إلا أن يقال الفعل يتأتى منه على تقدير ارتفاع المنع لا يقال ويتأتى من العاجز على تقدير ارتفاع العجز لأنا نقول الفعل يتأتى من الممنوع وهو بحاله في ذاته وصفاته وإنما التغير في أمر من خارج بخلاف العاجز فإنه يتغير من صفة إلى صفة ولا العلم بصحة الشخص وانتفاء الآفات منه على ما ذهب إليه الجبائي لأن النائم كذلك وليس بقادر إلا أن يقال اليوم آفة ثم الوجدان كما يدل عليها يدل على أنها صفة زائدة على المزاج الذي هو وآثارها من الكيفيات المحسوسة وليست بطريق القصد والاختيار وعلى سلامة البنية وليست من قبيل الأجرام على ما نسب إلى ضرار وهشام من أن القدرة على البطش هي اليد السليمة وعلى المشي هي الرجل السليمة وهذا ما قالا القدرة بعض القادر وإن فسر بأنها صفة في القادر فهو مذهب الجمهور وما قيل أنها بعض المقدور فإنما يصح في القدرة بمعنى المقدورية أي كون الفعل بحيث يتمكن الفاعل منه ومن تركه وذهب بشر بن المعتمر إلى أنها عبارة عن سلامة البنية من الآفات وإليه مال الإمام الرازي واعترض على ما ذكره القوم من أنا نميز بالضرورة بين حركتي البطش والرعشة وما ذاك إلا بوجود صفة غير سلامة البنية توجد لبعض الأفراد دون البعض كالقدرة على الكتابة لزيد دون عمرو وعلى بعض الأفعال دون البعض كقدرة زيد على القراءة دون الكتابة بأن الاختيار قبل الفعل باطل عندكم ومعه ممنوع لامتناع العدم حال الوجود وأيضا حصول الحركة حال ما خلقها الله تعالى ضروري وقبله محال فأين الاختيار وأيضا حصول الفعل عند استواء الدواعي محال وعند عدم الاستواء يجب الراجح ويمتنع المرجوح فلا تثبت المكنة والجواب أن الضروري هو التفرقة بمعنى التمكن من الفعل والترك بالنظر إلى نفس حركة البطش مع قطع النظر عن الأمور الخارجية بخلاف حركة المرتعش وحاصله أن الوجوب أو الامتناع بحسب أخذ الفعل مع وصف الوجود أو العدم أو بحسب أن الله تعالى خلقه أو لم يخلقه أو بحسب ترجح دواعي الفعل أو الترك لا ينافي تساوي الطرفين بالنظر إلى نفس القدرة ( قال المبحث الثاني ) اختلفوا في أن الاستطاعة أي القدرة الحادثة على الفعل تكون قبله أو معه فذهبت الأشاعرة وغيرهم من أهل السنة إلى أنها مع الفعل لا قبله وأكثر المعتزلة إلى أنها قبل الفعل ثم اختلفوا في أنه هل يجب بقاؤها إلى حال وجود المقدور لنا وجوه
الأول أن القدرة عرض والعرض لا يبقى زمانين فلو كانت قبل الفعل لانعدمت حال الفعل فيلزم وجود المقدور بدون القدرة والمعلول بدون العلة وهو محال ولا يرد النقض بالقدرة القديمة لأنها ليست من قبيل الأعراض وأجيب بعد تسليم امتناع بقاء العرض بأن المحال هو وجود المعلول بدون أن يكون له علة أصلا واللازم هو وجوده بدون مقارنة العلة بل مع سبقها واستحالة ذلك نفس المتنازع ولو سلم فيجوز أن تنعدم القدرة ويحدث مثلها فيكون لها بقاء بتجدد الأمثال على الاستمرار في حال الفعل كما هو شأن العلم والميل والتمني ونحو ذلك مما لا نزاع في جواز سبقها على متعلقاتها وفيه نظر لأن وجود المقدور حينئذ إما بالقدرة الزائلة فيعود المحذور أو الحاصلة وهو المطلوب ثم لا يخفى أن الكلام إلزامي على من يقول بتأثير القدرة الحادثة الثاني أن الفعل حال عدمه ممتنع لا استحالة اجتماع الوجود والعدم ولا شيء من الممتنع بمقدور وفاقا الثالث لو كانت القدرة قبل الفعل لكان الفعل قبل وقوعه ممكنا لكنه محال لأنه يلزم من فرض وقوعه كون القدرة معه لا قبله هف والوجهان متقاربان وجوابهما بعد النقض بالقدرة القديمة أنه إن إريد بامتناع الفعل حال العدم وقبل الحدوث امتناعه مع وصف كونه معدوما وغير واقع فممنوع لكنه لا ينافي المقدورية فإمكان الحصول من القادر وإن أريد امتناعه في زمان عدمه وكونه غير واقع فممنوع بل هو ممكن بأن يحصل بدل عدمه الوجود كما هو شأن سائر الممكنات وهذا كقيام زيد فإنه ممتنع مع القعود وبشرطه لكنه ممكن حال القعود وفي زمانه بأن يزول القعود ويحصل القيام واحتجت المعتزلة بوجوه الأول أن القدرة لو لم تتعلق بالفعل إلا حال وجوده وحدوثه لزم محالات ( 1 ) إيجاد الموجود وتحصيل الحاصل لأن هذا معنى تعلق القدرة ( 2 ) بطلان التكليف لأن التكليف بالفعل إنما يكون قبل حصوله ضرورة أنه لا معنى لطلب حصول الحاصل فإذا كان الفعل قبل الوقوع غير مقدور كان جميع التكاليف الواقعة تكليف مالا يطاق وهو باطل بالاتفاق لأن القائل بجوازه لم يقل بوقوعه فضلا عن عمومه ( 3 ) كون جميع الممكنات الواقعة بقدرة الله تعالى قديمة لأن المقارن للأزلي أزلي بالضرورة فإن قيل المعتزلة لا يقولون بالقدرة القديمة قلنا لا بل إنما ينازعون في كونها صفة زائدة على الذات ولو سلم فيكون إلزاميا والجواب عن الأول بعد تسليم أن معنى تعلق القدرة الحادثة بالفعل إيجاده هو أن المستحيل إيجاد الموجود بوجود حاصل بغير هذا الإيجاد وأما بهذا الإيجاد فلا وعن الثاني أن من يقول بكون القدرة مع الفعل لا يشترط في المكلف به أن يكون مقدورا بالفعل حال التكليف بل أن يكون جائز الصدور عن المكلف مقدورا له في الجملة كإيمان الكافر بخلاف خلق الأجسام ونحوه مما لا يصح تعلق قدرة العبد به أصلا وقريب من هذا ما يقال أن معنى كون المكلف به مشروطا بالقدرة أن يكون هو أو ضده متعلق القدرة وههنا قد تعلقت القدرة بترك الإيمان بخلاف خلق الأجسام ونحوه مما لا يصح تعلق قدرة العبد به أصلا
وعن الثالث بمنع الملازمة وإنما يتم لو كانت القدرة القديمة والحادثة متماثلتين ليلزم من كون الثانية مع الفعل لا قبله كون الأولى كذلك وقد إيجاب بأن الكلام إنما هو في تعلق القدرة والأزلي إنا هو نفس القدرة وكونها قديمة سابقة لا ينافي كون تعلقها مقارنا حادثا فلا يلزم من كون تعلق القدرة القديمة مع الفعل قدم الحادث أو حدوث القديم ولو حمل ما قال الآمدي أن القدرة القديمة وإن كانت متقدمة على جميع المقدورات فهي إنما تتعلق بالأفعال الممكنة والفعل في الأزل غير ممكن فلا تتعلق به في الأزل بل فيما لا يزال على هذا المعنى لم يرد عليه اعتراض المواقف بأن فيه التزام ما التزمه المعلل مع بيان سبب له في القدرة القديمة فليجز في الحادثة أيضا بسبب آخر وبأن الفعل في الأزل وإن امتنع لكنه أمكن فيما لا يزال في زمان سابق على الزمان الذي وجد فيه فجاز تعلق القدرة به فلو لزمت المقارنة لزم كون الفعل في الزمان السابق دون اللاحق نعم يرد أن الكلام في تعلق القدرة بالمعنى الذي يصحح قولنا فلان قادر على كذا متمكن من فعله وتركه وهو لا يتأخر عن نفس القدرة لا بالمعنى الذي إذا نسب إلى المقدور كان صدوره عن القادر وإذا نسب إلى القدرة كان إيجابها للمقدور وإذا نسب إلى القادر كان خلقه وإيجاده له فإن هذا مقارن بلا نزاع حادث في حق القديم أيضا ( قال ويتفرع على كون القدرة مع الفعل أن الممنوع ) أي الذي منع من فعل يصح صدوره عنه في الجملة لا يكون قادرا عليه حال المنع كالزمن الذي هو عاجز عن الفعل وأن القدرة الواحدة لا تتعلق بمقدورين سواء كانا ضدين أو مثلين أو مختلفين فإن ما نجده في نفوسنا عند صدور أحد المقدورين غير ما نجده عند صدور الآخر واعترض بأنه إن أريد المغايرة والاختلاف بحسب التعلق على ما قال الإمام أن مفهوم التمكن من هذا غير مفهوم التمكن من ذاك فغير قادح وإن أريد تغاير الحالتين بالذات والمفهوم أو كون القدرة اسما بمجموع التمكن المشترك مع ما به الاختلاف كان لفظ القدرة مقولا بالاشتراك ولم يقل به أحد وذهبت المعتزلة إلى أن الممنوع قادر والمنع لا ينافي القدرة وإنما ينافي المقدور سواء كان المنع بل ما به المنع عدميا كانتفاء الشرط وقوع المقدور أو وجوديا ضدا له كالسكون للحركة أو مولدا للضد كالثقل المولد للحركة السفلية المضادة للحركة العلوية واستدلوا بأنا نفرق بالضرورة بين المقيد الممنوع من المشي والزمن العاجز عنه وما ذاك إلا بوجود القدرة في المقيد دون العاجز وبأن المقيد لم يلحقه تغير في ذاته ولا صفاته ولم يطرأ عليه ضد من أضداد القدرة وقد كان قادرا حال المشي فكذا مع القيد لأن القدرة من صفات النفس وأجيب عن الأول بأن الفرق عندنا عائد إلى جري العادة بخلق القدرة في المقيد بارتفاع القيد بخلاف الزمن العاجز فإنه وإن كان ارتفاع العجز ممكنا لكن لم تجر العادة بذلك وعن الثاني بمنع عدم التغير في الصفة واتفقت المعتزلة على أن القدرة الواحدة تتعلق بالمتماثلات لكن على مرور الأوقات إذ يمتنع وقوع مثلين في محل واحد بقدرة واحدة في وقت واحد واختلفوا في تعلقها بالضدين فجوز أكثرهم تعلقها بهما على سبيل البدل إذ لو لم يكن القادر على الشيء قادرا على ضده لكان مضطرا إلى ذلك المقدور حيث لم يتمكن من تركه هف وتردد أبو هاشم فزعم تارة أن كلا من القدرة القائمة بالقلب والقدرة القائمة بالجوارح يتعلق بجميع أفعال محلها دون محل الأخرى بمعنى أن القائمة بالقلب تتعلق بالإرادات والاعتقادات مثلا دون الحركات والاعتمادات والقائمة بالجوارح على العكس وتارة أن كلا منهما يتعلق بالجميع إلا أنها لا تؤثر لا في أفعال محله مثلا القائمة بالقلب تتعلق بأفعال القلوب والجوارح لكن يمتنع اتحاد أفعال الجوارح بها لفقد الشرائط والقائمة بالجوارح بالعكس وتارة أن القائمة بالقلب تتعلق بجميع أفعال القلب والقائمة بالجوارح لا تتعلق بجميع أفعال الجوارح وتارة أن القائمة بالقلب تتعلق بأفعال القلوب والجوارح جميعا وإن لم تؤثر في أفعال الجوارح والقائمة بالجوارح لا تتعلق بأفعال القلب وإلى القولين الأخيرين أشار في المتن بقوله وتارة خص الحكمين بالقلبية وأراد بالحكمين التعلق بجميع أفعال محله خاصة والتعلق بجميع أفعال محله ومحل الأخرى وأورد الإمام الرازي كلاما حاصله أنه إن أريد بالقدرة القوة التي هي مبدأ الأفعال المختلفة سواء كملت جهات تأثيرها أو لم تكمل فلا شك في كونها قبل الفعل ومعه وبعده وفي جواز تعلقها بالضدين وإن أريد القوة التي كملت جهات تأثيرها فلا خفاء في كونها مع الفعل بالزمان لا قبله وفي امتناع تعلقها بالضدين بل بالمقدورين مطلقا ضرورة أن الشرائط المخصصة لهذا غير الشرائط المخصصة لذاك إلا أن الشيخ لما لم يقل بتأثير القدرة الحادثة بمعنى الإيجاد فسرنا التأثير والمبدائية بما يعم الكسب الذي هو شأن القوة الحادثة وذلك بحصول جميع الشرائط التي جرت العادة بحصول الفعل عندها فصار الحاصل أن القوة مع جميع جهات حصول الفعل بها لزوما أو معها عادة مقارنة وبدون ذلك سابقة ( قال المبحث الثالث ) الجمهور على أن العجز عرض ثابت مضاد للقدرة للقطع بأن في الزمن معنى لا يوجد في الممنوع مع اشتراكهما في عدم التمكن من الفعل وعند أبي هاشم هو عدم ملكة للقدرة وليس في الزمن صفة متحققة تضاد القدرة بل الفرق أن الزمن ليس بقادر والممنوع قادر بالفعل أو من شأنه القدرة بطريق جري العادة على ما سبق ويتفرع على كون العجز ضد القدرة ما ذهب إليه الشيخ الأشعري من أنه إنما يتعلق بالموجود كالقدرة لأن تعلق الصفة الموجودة بالمعدوم خيال محض فعجز الزمن يكون عن القعود الموجود لا عن القيام المعدوم ولا خفاء في أن هذا مكابرة وأن العجز على تقدير أن يكون وجوديا وإن لم يقم عليه دليل فلا امتناع في تعلقه بالمعدوم كالعلم والإرادة ولهذا أطبق العقلاء على أن عجز المتحدين لمعارضة القرآن إنما هو عن الإتيان بمثله لا عن السكوت وترك المعارضة والقول باشتراك لفظ العجز بين عدم القدرة فيكون عدميا يتعلق بالمعدوم دون الموجود وبين صفة تستعقب الفعل لا عن قدرة فيكون وجوديا يتعلق بالموجود دون المعدوم خلاف العرف واللغة ولو سلم فالكلام فيما هو المتعارف الشائع الاستعمال ( قال وفي تضاد النوم للقدرة تردد ) لا خفاء في جواز بعض الأفعال عن النائم وامتناع الأكثر واختلفوا فيما يصدر فذهب المعتزلة وبعض أصحابنا إلى أنه مقدور له وأن النوم لا يضاد القدرة ونفاه الأستاذ أبو إسحق ذهابا إلى التضاد كالعلم والإدراك وتوقف القاضي وبعض الأصحاب وللمعتزلة في القدرة تفريعات وتفاصيل لا نطول الكتاب بذكرها ( قال ويضادها الخلق ) يريد أن من الكيفيات النفسانية الخلق وفسر بملكة تصدر بها عن النفس أفعال بسهولة من غير تقدم فكر وروية فغير الراسخ من صفات النفس لا يكون خلقا كغضب الحليم وكذا الراسخ الذي يكون مبدأ لأفعال الجوارح بسهولة كملكة الكتابة أو يكون نسبته إلى الفعل والترك على السواء كالقدرة أو يفتقر في صدور الفعل عنه إلى فكر وروية كالبخيل إذا حاول الكرم وكالكريم إذا قصد بالعطاء الشهرة ولما كانت القدرة تصدر عنها الفعل لا بسهولة واستغناء عن روية وكانت نسبتها إلى طرفي الفعل والترك على السوية حكم بأنها تضاد الخلق مضادة مشهورة وهذا ما قال في التجريد أن القدرة تضاد الخلق لتضاد أحكامهما ( قال ومنها ) أي من الكيفيات النفسانية اللذة والألم وتصورهما بديهي كسائر الوجدانيات وقد يفسران قصدا إلى تعيين المسمى وتلخيصه فيقال اللذة إدراك الملائم من حيث هو ملائم والألم إدراك المنافي من حيث هو مناف والملائم للشيء كماله الخاص أعني الأمر اللائق كالتكيف بالحلاوة للذائقة وتعقل الأشياء على ما هي عليه للعاقلة وقيد بالحيثية لأن الشيء قد يكون ملائما من وجه دون وجه فإدراكه لا من جهة الملائمة لا يكون لذة كالصفراوي لا يلتذ بالحلوى والمراد بالإدراك الوصول إلى ذات الملائم لا إلى مجرد صورته فإن تخيل اللذيذ غير اللذة ولذا كان الأقرب ما قال ابن سينا أن اللذة إدراك ونيل الوصول ما هو عند المدرك كمال وخير من حيث هو كذلك والألم إدراك ونيل لوصول ما هو عند المدرك آفة وشر من حيث هو كذلك فذكر مع الإدراك النيل أعني الإصابة والوجدان لأن إدراك الشيء قد يكون بحصول صورة تساويه ونيله لا يكون إلا بحصول ذاته واللذة لا تتم بحصول ما يساوي اللذيذ بل إنما يتم بحصول ذاته وذكر الوصول لأن اللذة ليست هي إدراك اللذيذ فقط بل هي إدراك حصول اللذيذ للملتذ ووصوله إليه والفرق بين الكمال والخير هو أن حصول ما يناسب الشيء ويليق به من حيث اقتضائه براءة ما لذلك الشيء من القوة إلى الفعل كمال له ومن حيث كونه مؤثرا خير ثم المعتبر كماليته وخيريته بالقياس إلى المدرك لا في نفس الأمر لأنه قد يعتقد الكمالية والخيرية في شيء فيلتذ به وإن لم يكونا فيه وقد لا يعتقدهما فيما تحققتا فيه فلا يلتذ به ولهذا يحصل من شيء معين لذة أو ألم لزيد دون عمرو وبالعكس فكل من اللذة والألم نوع من الإدراك اعتبر فيه إضافة إلى ملائم أو مناف يختلف بالقياس إلى المدرك وإصابة ووجدان لذات الملائم أو المنافي من حيث هو كذلك لا للصورة الحاصلة منه وبقيد الحيثية يندفع ما يقال أن المريض قد يلتذ بالحلاوة مع أنها لا تلائمه بل يضره ويتنفر عن الأدوية وهي تلائمه وتنفعه وذكر الإمام بعد الاعتراف بأن اللذة والألم حقيقتان غنيتان عن التعريف أنا نجد من أنفسنا حالة نسميها باللذة ونعرف أن هناك إدراكا للملائم لكن لم يثبت لنا أن اللذة نفس إدراك الملائم أم غيره وبتقدير المغايرة هل هي معلولة له أم لا وبتقدير المعلولية هل يمكن حصولها بطريق آخر ثم قال والأقرب أن الألم ليس هو نفس إدراك المنافي ولا هو كاف في حصوله لأن التجارب الطبية قد شهدت بأن سوء المزاج الرطب غير مؤلم مع أن هناك إدراك أمر غير طبيعي وسنتكلم على ذلك وزعم محمد بن زكريا أن اللذة عبارة عن التبدل والخروج عن حالة غير طبيعية إلى حالة طبيعية وبه صرح جالينوس في مواضع من كلامه وهو معنى الخلاص عن الألم وذلك كالأكل للجوع والجماع لدغدغة المني وأوعيته وأبطله ابن سينا وغيره بأنه قد يحصل اللذة من غير سابقة ألم وحالة غير طبيعية كما في مصادفة مال ومطالعة جمال من غير طلب وشوق لا على التفصيل ولا على الإجمال بأن لم يخطر ذلك بباله قط لا جزئيا ولا كليا وكذا في إدراك الذايقة الحلاوة أول مرة وقد يحصل ذلك التبدل من غير لذة كا في حصول الصحة على التدريج وفي ورود المستلذات من الطعوم والروائح والأصوات وغيرها على من له غاية الشوق إلى ذلك وقد عرض له شاغل عن الشعور والإدراك قالوا وسبب السهو أخذ ما بالعرض مكان ما بالذات فإن الألم واللذة لا يتمان إلا بإدراك والإدراك الحسي خصوصا اللمسي لا يحصل إلا بالانفعال عن الصند ولذلك متى استقرت الكيفية الموجبة لذلك لم يحصل الانفعال فلم يحصل الإدراك فلم تحصل لذة ولا ألم وبالجملة فلما لم تحصل اللذة إلا عند تبدل الحالة الغير الطبيعية ظنوا أنها نفسه ولا خفاء في إمكان معارضة هذا الكلام بالمثل ودفعها بما سبق من الوجهين ( قال ثم كل من اللذة والألم ينقسم إلى الحسي والعقلي حسب الإدراك ) فإنه ينقسم إليهما فينحصر فيهما عند أرباب البحث أما الحسي فظاهر كتكيف العضو الذايق بالحلاوة والقوة الغضبية بتصور غلبة ما والوهم بصورة شيء يرجوه إلى غير ذلك وأما العقلي فلأن للجوهر العاقل أيضا كمالا وهو أن يتمثل فيه ما يتعلقه من الواجب تعالى بقدر الاستطاعة ثم ما يتعلقه من صور معلولاته المترتبة أعني الوجود كله تمثلا مطابقا خاليا عن شوائب الظنون والأوهام بحيث يصير عقلا مستفادا على الإطلاق ولا شك أن هذا الكمال خير بالقياس إليه وأنه مدرك لهذا الكمال ولحصول هذا الكمال له فإذن هو ملتذ بذلك وهذه هي اللذة العقلية وأما الألم فهو أن يحصل له ضد هذا الكمال ويدرك حصوله من حيث هو ضد ثم إذا قايسنا بين اللذتين فالعقلية أكثر كمية وأقوى كيفية أما الأول فلأن عدد تفاصيل المعقولات أكثر بل يكاد لا يتناهى وأما الثاني فلأن العقل يصل إلى كنه المعقول والحس لا يدرك إلا ما يتعلق بظواهر الأجسام فتكون الكمالات العقلية أكثر وإدراكاتها أتم فكذا اللذات التابعة لهما وبحسب هذا يعرف حال الآلام عند التنبه لفقد الكمالات وأما أن العالم قد لا يلتذ بالإدراكات ولا يتألم بالجهالات فلعله لانتفاء بعض الشروط والقيود المعتبرة في كون الإدراك لذة و ألما فإن قيل الحسي من اللذة والألم ينبغي أن يعد في الكيفيات المحسوسة دون الكيفيات النفسانية قلنا المدرك بالحس هو الكيفية التي يلتذ بها أو يتألم كالحلاوة والمرارة مثلا وأما نفس اللذة والألم التي هي من جنس الإدراك والنيل فلا سبيل للحواس الظاهرة إلى إدراكها ( قال والحسي من الألم سيما اللمسي يسمى وجعا ) لا شك أن لفظ اللذة أو الألم بحسب اللغة إنما هو للحسي دون العقلي وأما بحسب العرف فالظاهر أنه بحسب الاشتراك المعنوي حيث يوجد الإدراك أعم من الأحساس والتعقل ولا يرد الاعتراض بأن المدقوق قد يتعقل أن فيه حرارة غير طبيعية ولا يتألم بذلك لأن الحاصل بهذا التعقل صورة الحرارة المطابقة فهو إدراك ملائم لا مناف وإنما المنافي هوية الحرارة الغريبة وليست بمدركة وإن كانت حاصلة لأنها صارت بمنزلة الطبيعة فلم يكن هناك انفعال وشعور فلم يكن ألم وقيل الاشتراك لفظي والتفسير إنما هو للحسي خاصة وأما الوجع فمختص بالحسي في العرف أيضا بل الأظهر اختصاصه باللمسي عل ما صرح به البعض وإن كان ظاهر كلام أئمة اللغة أنه يرادف الألم فلذا قلنا الحسي من الألم سيما اللمسي يسمى وجعا واتفقت كلمة الأطباء على أن كلا من تفرق الاتصال وسوء المزاج المختلف يقع سببا للوجع في الجملة وأن لا سبب له سواهما إما بحكم الاستقراء وإما بالاستدلال وإن كان ضعيفا وهو أن كمال العضو صحته وهي بالمزاج المعتدل والهيئة التي بها يتأتى الأفعال على ما يجب فالمنافي لهذا الكمال يكون مبطلا لاعتدل المزاج وهو سوء المزاج أو للهيئة وهو تفرق الاتصال وإنما اختلفوا في أن كلا منهما يصلح سببا بالذات كما يكون بالعرض وهو مذهب ابن سينا أو السبب بالذات هو تفرق الاتصال فقط وسوء المزاج إنما يكون سببا بواسطة ما يلزمه من تفرق الاتصال وهذا هو المشهور من مذهب جالينوس وكثير من الأطباء أو بالعكس أي السبب بالذات هو سوء المزاج فقط والتفرق إنما يكون سببا بواسطته وإلى هذا مال الإمام الرازي وجمع من المتأخرين وعلى كل من المذاهب احتجاجات واعتراضات أعرضنا عنها مخافة التطويل وتفاصيلها في شرح القانون واشترط ابن سينا في سوء المزاج المولم أن يكون حارا أو باردا لا رطبا أو يابسا وأن يكون مختلفا لا متفقا أما الأول فلأن الرطوبة واليبوسة من الكيفيات الانفعالية دون الفعلية وفيه بحث لأنه إن أريد أنهما ليستا فاعليتين والمولم بالذات فاعل فيشكل بجعل اليبوسة سببا لتفرق الاتصال وكليهما لكثير من الأمراض فليكونا سببين للوجع بذلك المعنى من غير توسط تفرق الاتصال فلا ينحصر السبب فيه وفي سوء المزاج الحار أو البارد وأما السبب بالذات بمعنى المؤثر بالطبع فلا دليل على كون الحار والبارد وتفرق الاتصال كذلك وإن أريد أن الوجع إحساس ما والإحساس انفعال والانفعال لا يكون إلا عن فاعل وهما ليسا من الكيفيات الفاعلة فيشكل بتصريح ابن سينا في مواضع من كتبه بل إطباق القوم على أنهما من الكيفيات المحسوسة بل أوائل الملموسات فعند خروجهما عن الاعتدال يكونان متنافيين فإدراكهما من حيث هما كذلك يكون ألما ثم ذكر ابن سينا أن سوء المزاج اليابس قد يكون مولما بالعرض لأنه قد يتبعه لشدة التقبيض تفرق الاتصال المؤلم بالذات واعترض بأن الرطب ايضا قد يستتبعه بواسطة التمديد اللازم لكثرة الرطوبة المحوجة إلى مكان أوسع وأجيب بأن ذلك إنما يكون في الرطوبة التي مع المادة فيكون الموجب هو المادة لا الرطوبة نفسها وأما الثاني فلأن سوء المزاج المتفق غير مولم ولذلك يسمى بالمتفق والمستوي حيث شابه المزاج الأصلي في عدم الإيلام وذلك لأنه عبارة عن الذي استقر في جوهر العضو وأبطل المقاومة وصار في حكم المزاج الأصلي فلا انفعال فيه للحاسة فلا إحساس فلا ألم وأيضا المنافاة إنما تتحقق بين شيئين فلا بد من بقاء المزاج الأصلي عند ورود الغريب ليتحقق إدراك كيفية منافية لكيفية العضو فيتحقق الألم وأيضا الدق أشد حرارة من الغب لأن الجسم الصلب لا يتسخن إلا عن حرارة قوية ولأنها تستعمل فيها من ذات أقوى مما يستعمل في الغب ولأنها تؤدي إلى ذوبان مفرط من الأعضاء حتى الصلبة منها وصاحب الدق لا يجد من الالتهاب ما يجده صاحب الغب وما ذاك إلا لكون سوء المزاج المتفق لا يحس به وأيضا المسحم في الشتاء يشمئز بدنه عن الماء الفاتر ويتأذى به ثم أنه بعد ذلك يستلذه ويستطيبه ثم إذا استعمل ماء حارا تأذى به ثم بعد ذلك يستلذه ثم إذا استعمل الماء الأول استبرده وتألم به وذلك لما ذكرنا واعلم أن سوء المزاج المختلف قد لا يوجع بل لا يدرك بالكلية وذلك إذا كان حدوثه بالتدريج فإن الحادث منه أولا يكون قليلا جدا فلا يشعر به وبمنافاته ثم في الزمان الثاني تكون الزيادة على تلك الحالة غير مشعور بها وكذا في كل زمان وهذا بخلاف ما يحدث دفعة فإنه لكثرته يكون مدركا ثم يستمر إدراكه ما دام مختلفا ( قال واعتراض الإمام ) إشارة إلى دفع الشبه التي أوردها الإمام على كون تفرق الاتصال سببا للوجع فمنها أن التفرق يرادف الانفصال وهو عدمي فلا يصلح علة للوجع لأنه وجودي وجوابه أن الانفصال المرادف للتفرق ليس هو عدم الاتصال بل حركة بعض الأجزاء عن البعض فلا يكون عدميا ولو سلم فلا محالة يلزمه كون هيئة العضو فاقدة كماله اللائق به وأمكن إدراكه من هذه الجهة فيكون موجعا بذاته بمعنى أنه ليس يتوسط سوء المزاج وإن كان يتوسط ما يلزمه من خروج الهيئة العضوية عن كمالها ولو سلم فالعدمي لا يلزم أن يكون معدوما ليمتنع كونه علة للوجود ولو سلم فالمراد بالسبب ههنا المعد إلى الفاعل لإعداد العضو لقبول الوجع لا المؤثر الموجد ولا امتناع في أن يكون التفرق العدمي بحيث متى حصل اقتضى الوجع كسوء المزاج ومنها أنه لو كان سببا للوجع لكان الإنسان دائما في الوجع لأنه دائما في تفرق الاتصال بواسطة الاغتذاء والتحلل لأن الاغتذاء والنمو إنما يكون بنفوذ الغذاء في الأعضاء والتحلل إنما يكون بالانفصال عن الأعضاء لا يقال هذا التفرق لكونه في غاية الصغر لا يؤلم أو لا يحس تألمه سيما وقد صار مألوفا بدوامه لأنا نقول كل تفرق وإن كان صغيرا لكن جملتها كثيرة جدا ولو كان التفرق حين ما كان مألوفا غير مؤلم لكان كل تفرق كذلك لأن حكم الأمثال واحد ومنها أن التفرق لو كان سببا بالذات لما تأخر عنه الأثر بحسب الزمان واللازم باطل لأن قطع العضو بآلة في غاية الحدة قطعا في غاية السرعة لا يحس منه بالألم إلا بعد لحظة ربما يحصل سوء المزاج وجوابهما أنا لا نعني بكون تفرق الاتصال سببا للوجع بالذات أنه نفسه تمام العلة بحيث لا يتخلف الوجع عنه أصلا بل نعني أن القدر المحسوس من التفرق فإذا كان في عضو خاص من التفات النفس إليه والشعور به من غير أن يصير مستمرا مألوفا وبشرط أن يدرك من جهة كونه منافيا لكيفية العضو فهو مؤلم بالذات بمعنى عدم التوقف على سوء المزاج وإن كان إيلامه بواسطة ما يلزمه من فقدان هيئة العضو كماله اللائق به وحينئذ يجوز أن لا يكون التفرق في الاغتذاء والتحلل قدر ما يدركه الحس أو يكون مألوفا لا يضر ولا يؤلم أو يكون إدراكه لا من جهة كونه منافيا وتفرقا بل من جهة كونه ملائما ونافعا للبدن ببقاء الصحة والقوة وبقاء البدن من الفضول وما ذكر من لزوم استواء التفرقات في الأحكام ظاهر الفساد كيف والتفرق الغذائي طبيعي دائم في أجزاء صغيرة مألوف يترتب عليه للبدن مصالح كثيرة وقطع العضو ليس كذلك وأما قطع العضو سريعا بآلة في غاية الحدة فإن كان مع التفات النفس والشعور فلا نسلم تأخر الألم وإن كان بدونه فلا إشكال ألا يرى أن من انصرف فكرته إلى أمر أهم شريف كالتأمل في مسألة علمية أو خسيس كاللعب بالنرد والشطرنج أو متوسط كالابتلاء بوجع أقوى أو الوقوع في معركة أو الاهتمام بمهم دنيوي ربما لا يدرك ألم الجوع والعطش وكثير من المؤذيات وكذا المستلذات ومنها أنه لو كان سببا لكانت الجراحة العظيمة أقوى إيلاما من لسعة العقرب لكون التفرق في الجراحة أكثر وجوابه أن ذلك إنما يلزم لو كان ألم لسعة العقرب أيضا لتفرق الاتصال وهو ليس بلازم لجواز أن يكون لما يحصل بواسطة السمية من سوء مزاج مختلف أقوى تأثيرا من الجراحة العظيمة ( قال ومنها ) أي من الكيفيات النفسانية الصحة والمرض أما الصحة فقد عرفها ابن سينا في أول القانون بأنها ملكة أو حالة يصدر عنها الأفعال من الموضوع لها سليمة وليست كلمة أو للترديد المنافي للتحديد بل للتنبيه على أن جنس الصحة هو الكيفية النفسانية سواء كانت راسخة أو غير راسخة ولا يختص بالراسخة كما زعم البعض على ما قال في الشفاء أنها ملكة في الجسم الحيواني يصدر عنه لأجلها أفعاله الطبيعية وغيرها على المجرى الطبيعي غير مألوفة فأورد ما هو صحة بالاتفاق وهذا ما قيل أن جنسها هو المسمى بالحال أو الملكة وليس هناك شك في ذاتي للصحة ولا في عرضي على ما قال الإمام أنه لا يلزم من الشك في اندراج الصحة تحت الحال أو الملكة شك في شيء من مقومات الصحة بل في بعض عوارضها لأن المخالفة بين الحال والملكية إنما هي بعارض الرسوخ وعدمه وإنما قدم الملكة على الحال في الذكر مع أنها متأخرة عنه في الوجود حيث تكون الكيفية أولا حالا ثم تصير ملكة لأن الملكة لرسوخها أشرف من الحال ولأنها أغلب في الصحة وقال الإمام لأنها لم يقع اختلاف في كونها صحة بخلاف الحال ولأنها غاية الحال والغاية متقدمة في العلية وهذا التعريف يتناول صحة الإنسان وغيره من الحيوانات وما ذكر الإمام من أنه يتناول صحة النبات أيضا وهو ما إذا كان أفعاله من الجذب والهضم سليمة ليست بمستقيم لأن الحال والملكة إنما تكونان من الكيفيات النفسانية أي المختصة بذوات الأنفس الحيوانية على ما صرحوا به وعلى هذا يكون في تعريف الشفاء تكرارا اللهم إلا أن يراد بالملكة والحال الراسخ وغير الراسخ من مطلق الكيفية أو يراد بالأنفس أعم من الحيوانية والنباتية وكلاهما خلاف الاصطلاح وأما ما ذكره في موضع آخر من القانون أن الصحة هيئة يكون بها بدن الإنسان في مزاجه وتركيبه بحيث تصدر عنه الأفعال كلها صحيحة سليمة فمبني على أن الصحة المبحوث عنها في الطب هي صحة الإنسان والمراد بصحة الأفعال وسلامتها خلوصها عن الآفة وكونها على المجرى الطبيعي على ما يناسب المعنى اللغوي فلا يكون تعريف صحة البدن والعضو بها تعريف الشيء بنفسه وهذا ما قال الإمام أن الصحة في الأفعال أمر محسوس وفي البدن غير محسوس وتعريف غير المحسوس بالمحسوس جائز وأما الاعتراض بأن قوله تصدر عنها الأفعال مشعر بأن المبدأ هي تلك الملكة أو الحال وقوله من الموضوع مشعر بأنه الموضوع أعني البدن أو العضو فأجيب عنه بوجهين
أحدهما أن الصحة مبدأ فاعلي والموضوع قابل والمعنى كيفية تصدر عنها الأفعال الكائنة من الموضوع الحاصلة فيه
وثانيهما أن الموضوع فاعل والصحة واسطة بمنزلة العلة الفاعلية والمعنى تصدر لأجلها وبواسطتها الأفعال من الموضوع وتحقيقه أن القوى الجسمانية لا تصدر عنها أفعالها إلا بشركة من موضوعاتها فالمسخن هو النار والنارية علة لكون النار مسخنة فالمراد أن الصحة علة لصيرورة البدن مصدرا للفعل السليم وهذا المعنى واضح في عبارة القانون في التعريف الثاني وأوضح منه في عبارة الشفاء لأن اللام أوضح في التعليل من الباء وهي من عن فاندفاع الاعتراض عنهما في غاية الظهور والإمام إنما أورده على العبارة الأولى فما ذكر في المواقف أن الصحة ملكة أو حالة تصدر بها الأفعال عن الموضوع لها سليمة وأن الإمام أورد عليه هذا الاعتراض ليس على ما ينبغي وأما المرض فقد عرفه ابن سينا بأنه هيئة مضادة للصحة أي ملكة أو حالة تصدر عنها الأفعال عن الموضوع لها غير سليمة وذكر في موضع من الشفاء أن المرض من حيث هو مرض بالحقيقة فهو عدم لست أعني من حيث هو سوء مزاج أو ألم وهذا مشعر بأن بينهما تقابل الملكة والعدم ووجه التوفيق بين كلاميه على ما أشار إليه الإمام هو أن الصحة عنده هيئة هي مبدأ لسلامة الأفعال وعند المرض تزول تلك الهيئة وتحدث هيئة هي مبدأ للآفة في الأفعال فإن جعل المرض عبارة عن عدم الهيئة الأولى وزوالها فبينهما تقابل العدم والملكة وإن جعل عبارة عن نفس الهيئة الثانية فتقابل التضاد وكأنه يريد أن لفظ المرض مشترك بين الأمرين أو حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر وإلا فالإشكال بحاله وقيل المراد أن بينهما تقابل العدم والملكة بحسب التحقيق وهو العرف الخاص على ما مر أو تقابل التضاد بحسب الشهرة وهو العرف العامي لأن المشهور أن الضدين أمران ينسبان إلى موضوع واحد ولا يمكن أن يجتمعا كالزوجية والفردية لا بحسب التحقيق ليلزم كونهما موجودين في غاية التخالف تحت جنس قريب وقد صرح بذلك ابن سينا حيث قال أن أحد الضدين في التضاد المشهوري قد يكون عدما للآخر كالسكون للحركة والمرض للصحة لكن قوله هيئة مضادة ربما يشعر بأن المرض أيضا وجودي كالصحة ولا خفاء في أن بينهما غاية الخلاف فجاز أن يجعلا ضدين بحسب التحقيق مندرجين تحت جنس هو الكيفية النفسانية واعترض الإمام بأنهم اتفقوا على أن أجناس الأمراض المفردة ثلاثة سوء المزاج وسوء التركيب وتفرق الاتصال ولا شيء منها بداخل تحت الكيفية النفسانية المسماة بالحال أو الملكة أما سوء المزاج فلأنه إما نفس الكيفية الغريبة التي بها خرج المزاج عن الاعتدال على ما يصرح به حيث يقال الحمى حرارة كذا وكذا وهي من الكيفيات المحسوسة وأما اتصاف البدن بها وهو من مقولة ان ينفعل وأما سوء التركيب فلأنه عبارة عن مقدار أو عدد أو وضع أو شكل أو انسداد مجرى مخل بالأفعال وليس شيء منها داخلا تحت الحال والملكة وكذا اتصاف البدن بها وذلك لأن المقدار والعدد من الكميات والوضع مقولة برأسها والشكل من الكيفيات المختصة بالكميات والاتصاف من أن ينفعل ولم يتعرض للانسداد وكأنه يجعله من الوضع أو أن ينفعل وإما تفرق الاتصال فلأنه عدمي لا يدخل تحت مقولة أصلا وإذا لم يدخل المرض تحت الحال والملكة لم يدخل الصحة تحتها لكونه ضدا لها هذا حاصل تقرير الإمام لا ما ذكر في المواقف من أن سوء المزاج وسوء التركيب وتفرق الاتصال إما من المحسوسة أو الوضع أو عدم التركيب فإنه اختصار مخل أو العذر بأنه لم يعتد بباقي المحتملات لظهور بطلانها ظاهر البطلان لأن قولنا سوء التركيب إما مقدار يخل بالأفعال أو عدد أو وضع أو انسداد مجرى كذلك ليس بيانا للمحتملات بل للأقسام فليفهم وتقرير الجواب بعد تسليم كون التضاد حقيقيا أن تقسيم المرض إلى سوء المزاج وسوء التركيب وتفرق الاتصال تسامح والمقصود أنه كيفية نفسانية تحصل عند هذه الأمور وتنقسم باعتبارها وهذا ما قيل أنها منوعات أطلق عليها اسم الأنواع وذلك كما يطلق الصحة على اعتدال المزاج أو المزاج المعتدل مع أنه من المحسوسات ( قال ثم المعتبر ) قد اختلفوا في ثبوت الواسطة بين الصحة والمرض وليس الخلاف في ثبوت حالة وصفة لا يصدق عليها الصحة ولا المرض كالعلم والقدرة والحياة إلى غير ذلك مما لا يحصى بل في ثبوت حالة لا يصدق معها على البدن أنه صحيح أو مريض بل يصدق عليه أنه ليس بصحيح ولا مريض فأثبتها جالينوس كما للناقهين والمشايخ والأطفال ومن ببعض أعضائه آفة دون البعض ورد عليه ابن سينا بأنه أهمل الشرائط التي يجب أن تراعى في حال ما له وسط وما ليس له وسط وهي أن يفرض الموضوع واحدا بعينه في زمان واحد بعينه وأن يكون الجزء واحدا بعينه والجهة والاعتبار واحدة بعينها فإن فرض إنسان واحد واعتبر منه عضو واحد أو أعضاء معينة في زمان واحد وجاز أن لا يكون معتدل المزاج سوى التركيب بحيث يصدر عنه جميع الأفعال التي يتم بذلك العضو أو الأعضاء سليمة وأن لا يكون ليس كذلك فهناك واسطة وإن كان لا بد من أن يكون معتدل المزاج سوى التركيب أو لا يكون معتدل المزاج سوى التركيب إما لثبوت أحدهما دون الآخر أو لانتفائهما جميعا فليس بينهما واسطة هذا كلامه وقد اعتبر في المرض أن لا يكون جميع أفعال العضو سليمة إما لكونه عبارة عن عدم الصحة التي هي مبدأ سلامة جميع الأفعال أو عن هيئة بها يكون شيء من الأفعال مألوفا ولا خفاء في انتفاء الواسطة ح وأما إذا اعتبر في المرض أن يكون جميع الأفعال غير سليمة بأن يجعل عبارة عن هيئة بها يكون جميع أفعال العضو أعني الطبيعية والحيوانية والنفسانية مألوفة فلا خفاء في ثبوت الواسطة بأن يكون بعض أفعال العضو سليما دون البعض وإن اعتبر آفة أفعال جميع الأعضاء فثبوت الواسطة أظهر وعلى هذا يكون الاختلاف مبنيا على الاختلاف في تفسير المرض وكلام الإمام مشعر بابتنائه على الاختلاف في تفسيرهما حيث قال يشبه أن يكون النزاع لفظيا فمن نفى الواسطة أراد بالصحة كون العضو الواحد أو الأعضاء الكثيرة في الوقت الواحد أو في الأوقات الكثيرة بحيث يصدر عنه الأفعال سليمة وبالمرض أن لا يكون كذلك ومن اثبتها أراد بالصحة كون كل الأعضاء بحيث تكون أفعالها سليمة وبالمرض كون كل الأعضاء بحيث تكون أفعالها مألوفة وفي كلام ابن سينا ما يشعر بابتنائه على الاختلاف في تفسير الصحة حيث ذكر في أول القانون أنه لا تثبت الحالة الثالثة إلا أن يجدوا الصحة كما يشتهون ويشترطون شروطا ما بهم إليها حاجة وذلك مثل اشتراط سلامة جميع الأفعال لتخرج صحة من يصدر عنه بعض الأفعال سليما دون البعض ومن كل عضو لتخرج صحة من بعض أعضائه صحيح دون البعض وفي كل وقت لتخرج صحة من يصح شتاء ويمرض صيفا ومن غير استعداد قريب لزوالها لتخرج صحة المشايخ والأطفال والناقهين ( قال ومنها الفرح ) قد تعرض للنفس كيفيات تابعة لانفعالات تحدث فيها لما يرتسم في بعض قواها من النافع والضار كالفرح وهو كيفية نفسانية تتبعها حركة الروح إلى خارج البدن طلبا للوصول إلى الملذ والغم وهو ما يتبعها حركة الروح إلى الداخل خوفا من موذ واقع والغضب وهو ما يتبعها حركة الروح إلى الخارج طلبا للانتقام والفزع وهو ما يتبعها حركة الروح إلى الداخل هربا من المؤذي واقعا كان أو متخيلا والحزن وهو ما يتبعها حركة الروح إلى الداخل قليلا قليلا والهم وهو ما يتبعها حركة الروح إلى الداخل والخارج لحدوث أمر يتصور منه خير يقع أو شر ينتظر فهو مركب من رجاء وخوف فأيهما غلب على الفكر تحركت النفس إلى جهته فللخير المتوقع إلى الخارج وللشر المنتظر إلى الداخل فلذلك قيل أنه جهاد فكري والخجل وهو ما يتبعها حركة الروح إلى الداخل والخارج لأنه كالمركب من فزع وفرح حيث ينقبض الروح أولا إلى الباطن ثم يخطر بباله أنه ليس فيه كثير مضرة فينبسط ثانيا وهذه كلها إشارة إلى ما لكل من الخواص واللوازم وإلا فمعانيها واضحة عند العقل وكثيرا ما يتسامح فيفسر بنفس الانفعالات كما يقال الفرح انبساط القلب والغم انقباضه والغضب غليان الدم إلى غير ذلك ( قال القسم الثالث الكيفيات المختصة بالكميات ) هي التي لا يكون عروضها بالذات إلا للكم المتصل كالاستقامة والانحناء للحط والتقعير والتقبيب للسطح وكذا الزاوية على ما سيأتي أو للكم المنفصل كالزوجية والفردية للعدد حتى أن اتصاف الجسم بهذه العوارض لا يكون إلا باعتبار ما فيه من هذه الكميات وقد يعد من الكيفيات المختصة بالكميات الخلقة التي هي عبارة عن مجموع الشكل واللون واستشكل من وجوه الأول أن أحد جزئيه أعني الشكل وإن كان من الكيفيات المختصة بالكم بناء على كونه عبارة عن هيئة إحاطة حداي نهاية بالجسم كما في الكرة المحيط بها سطح واحد أو حدود أي نهايات كما في نصف الدائرة والمثلث والمربع وغيرهما من الأشكال الحاصلة من إحاطة خطين أو أكثر لكن لإخفاء في أن جزءه الآخر أعني اللون من الكيفيات المحسوسة المقابلة للكيفيات المختصة بالكميات والجواب أن مبنى ذلك على ما قيل أن اللون من خواص السطح ومعنى كون الجسم ملونا أن سطحه ملون ولا تنافي بين كون الكيفية محسوسة وكونها مخصوصة بالكم على ما سبقت الإشارة إليه هذا ولكن الأظهر أن اللون قد ينفذ في عمق الجسم الثاني أن الكلام في الكيفية المفردة إذ لو اعتبر تركيب الكيفيات المختصة بالكميات بعضها مع البعض لكان هناك أقسام لا تتناهى مع انهم لم يعتدوا بها ولم يعدوها من أنواعها والجواب أنهم لما وجدوا الاجتماع اللون والشكل خصوصية باعتبارها يتصف الجسم بالحسن والقبح عدوا المركب منهما نوعا واحدا بخلاف مثل اللون أو الضوء مع الاستقامة أو الانحناء أو الزوجية أو الفردية إلى غير ذلك الثالث أن عروض الخلقة لا يتصور إلا حيث يكون هناك جسم طبيعي بخلاف الكيفيات المختصة بالكم فإنها إنما تفتقر إلى المادة في الوجود دون التصور على ما تقرر في تقسيم الحكمة إلى الطبيعي والرياضي والإلهي والجواب أن الأمور العارضة للكمية منها ما هي عارضة لها بسبب أنها كمية كالاستقامة والانحناء والزوجية والفردية وهي المبحوث عنها في قسم الرياضيات ومنها ما هي عارضة لها بسبب انها كمية شيء مخصوص كالخلقة وهذا لا ينافي الاختصاص بالكم واعلم أن كلامهم متردد في أن الخلقة مجموع الشكل واللون أو الشكل المنضم إلى اللون أو كيفية حاصلة من اجتماعهما وهذا أقرب إلى جعلها نوعا على حدة ( قال وبعضهم ) الجمهور على أن الشكل من الكيفيات بناء على أنه الهيئة الحاصلة من إحاطة الحد أو الحدود بالجسم لا نفس السطح المخصوص ليكون من الكم على ما يتوهم من تقسيمه إلى الدائرة والمثلث والمربع وغيرها ثم تفسير الدائرة بأنه سطح محيط به خط في وسطه نقطة يكون جميع الخطوط الخارجة منها إلى ذلك الخط متساوية وتفسير المثلث بأنه سطح محيط به ثلاثة خطوط وهكذا وذلك لأن الشكل ههنا بمعنى المشكل وأما حقيقته فإنما تنقسم إلى الاستدارة والتثليث والتربيع وهي الكيفيات الحاصلة للسطوح المذكورة وليس أيضا عبارة عن الهيئة الحاصلة بسبب نسبة أجزاء الجسم بعضها إلى بعض أو إلى الأمور الخارجة ليكون من قبيل الوضع على ما زعم ثابت بن قرة ومال إليه الإمام وذلك لأن الحدود ليست أجزاء للجسم ولا للسطح فإن قيل النسبة مأخوذة في مفهومه ولا شيء من الكيف كذلك أجيب بمنع الصغرى وإنما يتم لو كان المذكور في تعريفه حدا حقيقيا له واعترض على تعريفه بأنه إنما يتناول الأشكال الجسمية دون السطحية وأجيب بأن المراد بالجسم ههنا هو التعليمي لأنه بالذات معروض الحدود السطحية كما أن السطح معروض الحدود الخطية وإنما خص التعليمي بالذكر دون الخط والسطح لأنه الذي يمكن تخيله بشرط لا شيء بخلافهما كما مر فالتحقيق أن الشكل هيئة إحاطة الحد والحدود بالسطح أو الجسم والحدود على الأول خطوط وعلى الثاني سطوح والكمية المعروضة بالذات للشكل هو الحدود المحيطة أم السطح أم الجسم المحاط فيه تردد ( قال والزاوية من الكم ) يعني ذهب بعضهم إلى أن الزاوية من الكميات لكونها قابلة للقسمة بالذات ففسروها بسطح يحيط به خطان يلتقيان على نقطة واحدة من غير أن يتحد الخطان وهذا مراد من قال أنها سطح ينتهي إلى نقطة ولا خفاء في أن هذا صادق على غير موضع تماس الخطين أيضا من الشكل وليس بزاوية فمرادهم أنها ما يلي تلك النقطة من السطح على ما صرح به من قال أنها المتحدب إلى موضع الانحداب من السطح الذي يحيطه به خطان يلتقيان على نقطة وأجيب بأنا لانم أن قبولها القسمة بالذات بل بواسطة معروضها الذي هو السطح ولو سلم فعندنا ما ينفي كونها من الكم وهو إنها تبطل بالتضعيف ولا شيء من الكم كذلك أما الكبرى فلأن التضعيف زيادة في الكم لا ابطال له وأما الصغرى فلأن الحادة تنتهي بالتضعيف مرة أو مرارا إلى قائمة أو منفرجة وكل منهما يبطل بالتضعيف مرة إما القائمة فلالتقاء الخطين على استقامة بحيث يصيران خطا واحدا وأما المنفرجة فلتأديها إلى ذلك لأن تضعيف الكم عبارة عن زيادة مثله عليه ولا يتصور ذلك إلا بزيادة كل ما هو أقل منه فلا بد في تضعيف المنفرجة من زيادة القدر الذي يكون اتصال الخطين عنده على استقامة فتبطل المنفرجة بالضرورة وحدوث الحادة في الجانب الآخر لا ينافي ذلك وأيضا لا شك أن الزاوية جنس قريب للثلاثة فإذا لم تكن القائمة من الكم لم يكن الأخريان منه والمحققون على إنها من الكيفيات المختصة بالكميات فلذا فسروها بالهيئة الحاصلة عند ملتقى الخطين المحيطين بالسطح الملتقيين على نقطة وما يقع في عبارات المهندسين من كونها سطحا وقابلا للتجزي والمساواة والمقاومة بالذات فمبني على أنهم يريدون بالزاوية ذي الزاوية كما يريدون بالشكل المشكل فيقولون المثلث شكل تحيط به ثلاثة أضلاع وما ذكر إقليدس من أن الزاوية تماس الخطين فمعناه الهيئة الحاصلة عند تماسهما هذا هو الزاوية المسطحة وأما المجسمة فهي جسم يحيط به سطحان يلتقيان بخط أو الهيئة الحاصلة عند ذلك ( قال القسم الرابع الكيفيات الاستعدادية ) أي التي من جنس الاستعداد لأنها مفسرة باستعداد شديد على أن ينفعل أي تهيؤ لقبول أثر ما بسهولة أو سرعة وهو وهن طبيعي كالممراضية واللين ويسمى اللاقوة أو على أن لا تقاوم ولا تنفعل أي تهيؤ للمقاومة وبطؤ اللاانفعال كالمصحاحية والصلابة وذلك هو الهيئة التي بها صار الجسم لا يقبل المرض ويتأبى عن الانغماز ويسمى القوة فإذا حاولنا ذكر أمر يشمل القسمين ويخصهما قلنا كيفية بها يترجح القابل في أحد جانبي قبوله ومبني ذلك على أن القوة على الفعل كالقوة على المصارعة غير داخلة في هذا النوع من الكيفيات والجمهور على أنها داخلة فيه فالأمر المشترك بين الأقسام الثلاثة هو أنها استعداد جسماني كامل نحو أمر من خارج أو مبدأ جسماني به يتم حدوث أمر حادث على أن حدوثه مترجح به واستدل على كون القوة الشديدة على الفعل غير داخلة في هذا النوع بوجهين
الأول أن المصارعة مثلا يتعلق بالعلم بتلك الصناعة والقوة القوية على تلك الأفعال وهما من الكيفيات النفسانية وبصلابة الأعضاء وكونها في خلقتها الطبيعية بحيث يعسر عطفها ونقلها وذلك عائد إلى القوة على المقاومة واللاانفعال فلا يتحقق قسم ثالث
الثاني أن الحرارة لها قوة شديدة على الإحراق فلو كانت داخلة في هذا الجنس مع دخولها في الجنس المسمى بالانفعاليات أعني الراسخ من الكيفيات المحسوسة لزم تقومها بجنسين ودخولها تحت قسمين متقابلين وكلا الوجهين مبني على أن الكيفيات المحسوسة المسماة بالانفعاليات أو الانفعالات والكيفيات النفسانية المسماة بالملكة أو الحال والكيفيات المختصة بالكميات والكيفيات الاستعدادية أقسام من الكيف متباينة بالذات يمتنع صدق البعض منها على شيء مما صدق عليه الآخر وإلا فلا يمتنع أن تكون القدرة من حيث اختصاصها بذوات الأنفس من الكيفيات النفسانية والحررة من حيث كونها مدركة بالحس من المحسوسات وكل منهما من حيث كونها قوة شديدة فاعلة بالسهولة من الكيفيات الاستعدادية كما ذكروا أن اللون والاستقامة والانحناء ونحو ذلك من المختصة بالكميات مع كونها من المحسوسات ( قال الفصل الرابع في الأين ) وهو النسبة إلى المكان أعني كون الشيء في الحيز وللقوم في تحقيق مباحثه طريقان أحدهما للمتكلمين والآخر للفلاسفة وللقدماء من المتكلمين في طريقهم شعب وتفاريع قليلة الجدوى لا نطول الكتاب بذكرها بل نقتصر على ما يهمنا فنقول المتكلمون يعبرون عن الاين أعني حصول الجوهر في الحيز بالكون ويعترفون بوجوده وإن أنكروا وجود سائر الأعراض النسبية وقد حصروه في أربعة أنواع هي الاجتماع والافتراق والحركة والسكون لأن حصول الجوهر في الحيز أما أن يعتبر بالنسبة إلى جوهر آخر أولا وعلى الأول أما أن يكون بحيث يمكن أن يتوسطهما ثالث فهو الافتراق وإلا فالاجتماع واعتبر إمكان تخلل الثالث دون تحققه ليشمل افتراق الجوهرين بتخلل الخلاء فإنه لا ثالث بينهما بالفعل بل بالإمكان وعلى الثاني أن كان مسبوقا بحصوله في حيز آخر فهو الحركة وإن كان مسبوقا بحصوله في ذلك الحيز فالسكون فيكون السكون حصولا ثانيا في حيز أول والحركة حصولا أول في حيز ثان وأولية الحيز في السكون قد لا يكون تحقيقا بل تقديرا كما في الساكن الذي لا يتحرك قطعا فلا يحصل في حيز ثان وكذا أولية الحصول في الحركة لجواز أن ينعدم المتحرك في آن انقطاع الحركة فلا يتحقق له حصول ثان فإن قيل إذا اعتبر في الحركة المسبوقية بالحصول في حيز آخر لم يكن الخروج من الحيز الأول حركة مع أنه حركة وفاقا قلنا إنما يلزم ذلك لو لم يكن الخروج من الحيز الأول نفس الحصول الأول في الحيز الثاني على ما صرح به الآمدي وتحقيقه أن الحصول الأول في الحيز الثاني من حيث الإضافة إليه دخول وحركة إليه ومن حيث الإضافة إلى الحيز الأول خروج وحركة منه ثم الاجتماع لا يتصور إلا على وجه واحد والافتراق يتصور على وجوه متفاوته في القرب والبعد حتى ينتهي غاية القرب إلى المجاوة التي هي الاجتماع ومن أسمائها المماسة أيضا على ما يراه الأستاذ أبو إسحق وهو أقرب إلى الصواب مما ذكره الشيخ والمعتزلة من أن المماسة غير المجاورة بل هي أمر يتبعها ويحدث عقيبها وظاهر عبارة المواقف يشعر بأن المجاورة افتراق حيث قال الافتراق مختلف فيه قرب وبعد متفاوت ومجاورة ( قال وقيامه بواحد ) قد يتوهم أن اجتماع الجوهرين عرض قائم بهما فيلزم قيام العرض الواحد بمحلين فنفى ذلك بأن لكل من الجوهرين اجتماعا يقوم به مغايرا بالشخص للاجتماع القائم بالآخر ( قال وأما الحصول ) لإخفاء في أن قولهم حصول الجوهر في الحيز إذا لم يعتبر بالنسبة إلى جوهر آخر فإما أن يكون مسبوقا بحصوله في ذلك الحيز أو في حيز آخر ليس بحاصر لجواز أن لا يكون مسبوقا بحصول أصلا فلذا ذهب بعض المتكلمين إلى أن الأكوان لا تنحصر في الأربعة كما فرضنا إن الله تعالى خلق جوهرا فردا ولم يخلق معه جوهرا آخر فكونه في أول زمان الحدوث ليس بحركة ولا سكون ولا اجتماع ولا افتراق وأجاب القاضي وأبو هاشم بأنه سكون لكونه مماثلا للحصول الثاني في ذلك الحيز وهو سكون بالاتفاق واللبث أمر زائد على السكون غير مشروط فيه وإلى هذا يؤول ما قال الأستاذ أنه سكون في حكم الحركة حيث لم يكن مسبوقا بحصول آخر في ذلك الحيز وعلى هذا لا يتم ما ذكر في طريق الحصر بل طريقه أن يقال أنه إن كان مسبوقا بحصوله في حيز آخر فحركة وإلا فسكون ويرد عليه السكون بعد الحركة حيث يصدق عليه أنه حصول مسبوق بالحصول في حيز آخر وإن كان مسبوقا بالحصول في ذلك الحيز أيضا فالأولى أن يقال أنه إن اتصل بحصول سابق في حيز آخر فحركة وإلا فسكون أو يقال أنه إن كان حصولا أول في حيز ثان فحركة وإلا فسكون فيدخل في السكون الكون في أول زمان الحدوث وتخرج الأكوان المتلاحقة في الأحيان الملاصقة أعني الأكوان التي هي أجزاء الحركة فلا تكون الحركة مجموع سكنات وذلك لأنه لا يلزم من عدم اعتبار اللبث في السكون أن يكون عبارة عن مجرد الحصول في الحيز من غير اعتبار قيد يميزه عن أجزاء الحركة اللهم إلا أن يبنى ذلك على أن الكون الأول في الحيز الثاني يماثل الكون الثاني فيه وهو سكون وفاقا فكذا الأول ويكون هذا إلزاما لمن يقول بتماثل الحصول الأول والثاني في الحيز الأول فكذا في الحيز الثاني فالتزم القاضي ذلك وذهب إلى أن الكون الأول في الحيز الثاني وهو الدخول فيه سكون وبنى على ذلك أن كل حركة سكون من حيث أنها دخول في حيز وليس كل سكون حركة كالكون الثاني فإن قيل الحركة ضد السكون فكيف تكون نفسه أو مركبة منه أجيب بأن التضاد ليس بين الحركة والسكون مطلقا بل بين الحركة من الحيز والسكون فيه وإما بين الحركة إلى الحيز والسكون فيه فلا تغاير فضلا عن التضاد لأنها عبارة عن الكون الأول فيه وهو يماثل الكون الثاني الذي هو سكون بالاتفاق واعترض الآمدي بمنع تماثل الحصولين واشتراكهما في كون كل منهما موجبا للاختصاص بذلك الحيز لا يوجب التماثل لأنا لانم أنه أخص صفاتهما النفسية كيف والحصول الأول في الحيز الثاني حركة وفاقا لكونه خروجا من الحيز الأول فلو كان مماثلا للحصول الثاني فيه لزم أن يكون هو أيضا حركة ولا قائل به فإن أجيب بأن عدم المسبوقية بالحصول في ذلك الحيز معتبر في الحركة فيصدق على الحصول الأول دون الثاني قلنا فكذا عدم الاتصال بالحصول في حيز آخر معتبر في السكون فيصدق على الحصول الثاني دون الأول وحاصله أن الكلام إلزامي لمن يقول بتماثل الحصولين وبأن كون الثاني سكونا يستلزم كون الأول كذلك وذكر في المواقف أنه إذا اعتبر في الحركة عدم المسبوقية بالحصول في ذلك الحيز لا المسبوقية بالحصول في حيز آخر بطل قولهم أن الحركة مجموع سكنات فإن أراد أن السكون الذي هو الحصول الثاني لا يكون حينئذ جزءا للحركة فلا يكون عبارة عن مجموع السكنات بل عن بعضها فغلط من باب إيهام العكس لأن معنى قولهم هي مجموع سكنات إن كل جزء لها سكون وهو لا يستلزم أن يكون كل سكون جزءا لها وإن أراد أن مجرد الحصول الأول في الحيز الأول يكون حينئذ حركة مع أنه ليس مجموع سكنات فله وجه فإن قيل هذا وارد على التقدير الآخر أيضا وهو أن يعتبر في الحركة المسبوقية بالحصول في حيز آخر لأن الحصول في هذا الحيز سواء قيد بالمسبوقية بالحصول في حيز آخر أو بعدم المسبوقية بالحصول في ذلك الحيز أو لم يقيد بشيء أصلا فهو واحد لا مجموع قلنا مرادهم أن الحركة مجموع الحصولين في الحيزين على ما يفصح عنه قولهم أنها مجموع سكنات لا مجرد الحصول في الحيز الثاني المقيد بالحصول في حيز سابق على ما يفهم من ظاهر العبارة وهذا لا يتأتى إلا على تقدير أن يشترط في الحركة الحصول في حيز سابق وتوجيه اعتراض الآمدي حينئذ أنه لو تماثل الحصول الأول والثاني في حيز واحد لكان الحصول الثاني في الحيز الثاني جزءا من الحركة كالأول ( قال والتحقيق ) سيجيء في طريق الفلاسفة أنه قد يراد بالحركة كون المتحرك متوسطا بين المبدأ والمنتهى بحيث يكون حاله في كل آن على خلاف ما قبله وما بعده قد يراد بها الأمر الموهوم الممتد من المبدأ إلى المنتهي والمتكلمون بالنظر إلى الأول قالوا أنها الحصول في الحيز بعد الحصول في حيز آخر وبالنظر إلى الثاني أنها حصولات متعاقبة في إحياز متلاصقة ويسمى بالإضافة إلى الحيز السابق خروجا وإلى اللاحق دخولا ثم منهم من سمى مثل هذا الحصول سكونا من غير أن يعتبر في مسماه اللبث والحصول بعد الحصول في حيز واحد وكانت الحركة بالمعنى الأول سكونا وبالمعنى الثاني مجموع سكنات وكان الحصول في أول زمان الحدوث سكونا ومنهم من اعتبر ذلك وفسر السكون بالحصول في حيز بعد الحصول فيه فلم تكن الحركة ولا أجزاؤها ولا الحصول في آن الحدوث سكونا ثم ظاهر العبارة أن السكون هو الحصول الثاني من الحصولين في حيز واحد لكن الأقرب أن المراد أنه مجموع الحصولين كما قد يحمل قولهم الحركة حصول في الحيز بعد الحصول في حيز آخر على أنها مجموع الحصولين قال ثم الحق يعني أن إطلاق الأنواع على الأكوان الأربعة مجاز لأن حقيقة الكون أعني الحصول في الحيز واحدة والأمور المميزة حيثيات وعوارض تختلف باختلاف الإضافات والاعتبارات لا فصول منوعة بل ربما لا يوجب تعدد الأشخاص فإن الكون المشخص قد يكون اجتماعا بالنسبة إلى جوهر وافتراقا بالنسبة إلى آخر وحركة أو سكونا من جهة كونه مسبوقا بحصول في حيز آخر أو في ذلك الحيز بل حركة وسكونا إذا لم يشترط في السكون اللبث فإن قيل كيف يصح ذلك والمحققون من المتكلمين كالقاضي وأشياعه قد أطلقوا القول بتضاد الأكوان الأربعة قلنا مرادهم الأكوان المتمايزة في الوجود ومعنى التضاد مجرد امتناع الاجتماع ولو من جهة التماثل لأنهم احتجوا على ذلك بأن الكونين إن أوجبا تخصيص الجوهر بحيز واحد فهما متماثلان فلا يجتمعان كالحصول الأول والثاني في حيز واحد لأن كلا منهما يسد مسد الآخر في تخصيص الجوهر بذلك الحيز وإن أوجب كل منهما تخصيصه بحيز آخر فمتضادان ضرورة امتناع اجتماع حصول الجوهرين في آن واحد في حيزين فإن قيل أليس الجوهر الفرد المحفوف بستة جواهر على جهاته الست قد اجتمع فيه أكوان ستة هي مماساته لها فإن من منع ذلك ولم يجوز مماسة جوهر لآكثر من جوهر تفاديا عن لزوم التجزي فقد كابر مقتضى العقل بل الحس فإن تأليف الجسم من الجواهر عند من يقول بها لا يتصور بدون ذلك قلنا القائلون بتضاد الأكوان لا يجعلون المماسة منها بل أمرا اعتباريا ( قال المبحث الثاني ) يشير إلى أمرين اختلفوا في كل منهما أنها حركة أو سكون الأول حال الأجزاء الباطنة من الجسم المتحرك الثاني حال الجسم المستقر المتبدل محاذياته بواسطة حركة بعض ما يحيط به من الأجسام كالحجر المستقر على الأرض في الماء الجاري وكالطير الواقف في الجو عند هبوب الرياح والحق أن الأول حركة والثاني سكون بشهادة العقل والعرف وقد يستدل على الأول بأنه لو كان ساكنا مع حركة باقي الأجزاء لزم الانفكاك أي انفصال بعض الأجزاء عن البعض وبأن الأجزاء الباطنة في الأجزاء الظاهرة وهي في الحيز فتكون الباطنة أيضا فيه وقد انتقل منه إلى آخر وعلى الثاني بأنه لو كان متحركا لزم التحرك في حالة واحدة إلى جهتين مختلفتين عند اختلاف جهات حركات الأجسام المحيطة به عليه بأن يتحرك البعض عليه آخذا من يمنته إلى يسرته والبعض بالعكس والكل ضعيف احتج المخالف في الأول بأن الجزء الباطن لم يفارق حيزه الذي هو الأجزاء المحيطة به ولا حركة بدون مفارقة الحيز وأجيب بأن حيز الكل حيزه وقد فارقه وفي الثاني بأنه حصل في حيز هو ما يحيط به من الجواهر بعد الحصول في حيز آخر ولا معنى للحركة سوى هذا وبأنه قد تبدلت عليه محاذياته وهو نفس الحركة أو ملزومها وأجيب بأن حيزه البعد المفطور وهو بعد حاصل فيه ولوسلم فالحصول في الحيز الثاني إنما يكون حركة إذا كان بزواله عن الأول دون العكس وبأن تبدل المحاذيات إنما يستلزم الحركة إذا كان من جهة المتحيز بأن يزول من محاذاة إلى محاذاة فظهر أن الخلاف في الأول عائد إلى الخلاف في حيز الجزء الباطن أنه حيز الكل أعني البعد المشغول به أو الجواهر المحيطة به أم ماله خاصة من البعد أو الأجزاء المحيطة به وفي الثاني إلى الخلاف في أن الحيز هو البعد المفطور الذي لا يفارقه المستقر بتحرك الجواهر المحيطة وتبدل المحاذيات بذلك أم الجواهر المحيطة به على ما يناسب قول الفلاسفة من أنه السطح الباطن من الحاوي وعلى هذا التقدير هل يتوقف حصول الحركة على أن يكون مفارقة الحيز وتبدل المحاذيات من جهة المتحيز البتة أم يحصل بأن يزول الحيز عنه وعن محاذاته وعلى الأول تمتنع حركة الجسم في حالة واحدة إلى جهتين مختلفتين وعلى الثاني لا يمتنع كما إذا تحرك بعض الجواهر المحيطة يمنة والبعض يسرة على ما يلتزمه الأستاذ أبو إسحق وأن شدد غيره النكير عليه حقا فإن العقل جازم بأن ذلك ليس بحركة وإن حركة الجسم في حالة واحدة لا تكون إلى جهتين وما ذكر في المواقف من أن هذا نزاع في التسمية ليس على ما ينبغي لأن ما ذكره الأستاذ وغيره في بيان الحيز أو الحركة إنه هذا أو ذاك ليس اصطلاحا منهم على أنا نجعله اسما لذلك وإلا لما كان لجعله من المسائل العلمية والاستدلال عليه بالأدلة العقلية معنى بل تحقيقا للماهية التي وضع لفظ الحيز أو الحركة وما يرادفه من جميع اللغات بإزائها وإثبات ذاتياتها بعد تصورها لا بالحقيقة حتى يحكم بأن هذا في حيز وذاك في حيز آخر وإن هذا متحرك وذاك ساكن ( قال الطريق الثاني للفلاسفة ) والمبحث الأول منه غني عن الشرح وأما الثاني فبيانه أن بعض الفلاسفة فسر الحركة بالخروج من القوة إلى الفعل على التدريج أو يسيرا يسيرا أولا دفعة وبنى ذلك على أن معنى هذه الألفاظ واضح عند العقل من غير احتياج إلى تصور الزمان المفتقر إلى تصور الحركة ونظر بعضهم إلى أن معنى التدريج أن لا يكون دفعة ومعنى الحصول دفعة أن يكون في آن وهو ظرف الزمان وهو مقدار الحركة فيكون التعريف دوريا ففسرها بأنها كمال أول لما هو بالقوة من حيث هو بالقوة والمراد بالكمال ههنا حصول مالم يكن حاصلا ولا خفاء في أن الحركة أمر ممكن الحصول للجسم فيكون حصولها كمالا واحترز بقيد الأولية عن الوصول فإن الجسم إذا كان في مكان وهو ممكن الحصول في مكان آخر كان له إمكانان إمكان الحصول في ذلك المكان وإمكان التوجه إليه وهما كمالان فالتوجه مقدم على الأصول فهو كمال أول والوصول كمال ثان ثم إن الحركة تفارق سائر الكمالات من حيث أنها لا حقيقة لها إلا التأدي إلى الغير والسلوك إليه فلا بد من مطلوب ممكن الحصول ليكون التوجه توجها إليه ومن أن يبقى من ذلك التوجه ما دام موجودا شيء بالقوة إذ لا توجه بعد الوصول فحقيقة الحركة متعلقة بأن يبقى منها شيء بالقوة وبأن لا يكون المتأدى إليه حاصلا بالفعل فتكون الحركة بالفعل كمالا للجسم المتحرك الذي هو بالقوة من جهة التأدي إلى المقصود الذي هو الحصول في المكان المطلوب فيكون كمالا أول لما بالقوة لكن من جهة أنه بالقوة لا من جهة أنه بالفعل ولا من جهة أخرى فإن الحركة لا تكون كمالا للجسم في جسميته أو في شكله أو نحو ذلك بل من الجهة التي هو باعتبارها كان بالقوة أعني الحصول في المكان الآخر واحترز بهذا عن كمالاته التي ليست كذلك كالصورة النوعية فإنها كمال أول للمتحرك الذي لم يصل إلى المقصد لكن لا من حيث هو بالقوة بل من حيث هو بالفعل واعترض
أولا بأن ماهية الحركة وإن لم تكن بديهية واضحة عند العقل لكن لا خفاء في أن ما ذكر في هذا التعريف ليس بأوضح منها بل أخفى وثانيا بأنه لا يصدق على الحركة المستديرة إذ لا منتهى لها بالفعل فلا يتحقق كمال أول وثان وأجيب بأن هذا ليس تعريفا للحركة يقصد بها تمييزها عما عداها أو تحصيل صورتها عند العقل بل هو تلخيص وتبيين للمعنى المسمى بالحركة أينية كانت أو غير أينية فلا يضره كون تصوره أخفى من تصور ماهية الحركة ولا كون الكمال الأول والثاني في بعض أقسام الحركة أعني المستديرة بمجرد الفرض والاعتبار دون الفعل والحقيقة وذلك لأن كل نقطة تفرض فحال الجسم المتحرك على الاستدارة بالنسبة إليها من حيث طلبها بوجه فيكون كمالا أول ومن حيث الحصول عندها وصول فيكون كمالا ثانيا ( قال وحاصل هذا المعنى ) يشير إلى أن ما ذكر بيان للمعنى المحقق الموجود من الحركة فإن لفظ الحركة يطلق على معنيين أحدهما كيفية بها يكون للجسم توسط بين المبدأ والمنتهي بحيث لا يكون قبله ولا بعده وهي حالة مستمرة غير مستقرة أي يوجد للمتحرك ما دام متحركا ولا يجتمع متقدمه مع متأخره وبها يحصل الجسم في حيز بعدما كان في حيز آخر وحقيقته كون في الوسط ينقسم إلى أكوان بحسب الفرض والتوهم وهو في نفسه واحد متصل على قياس المسافة والزمان فيما يفرض من حدود المسافة لئلا يلزم تركب الحركة من أجزاء لا تتجزأ وثانيهما الأمر المتصل المعقول للمتحرك من المبدأ إلى المنتهى والحركة بهذا المعنى لا وجود لها في الأعيان لأن المتحرك ما دام لم يصل إلى المنتهى لم توجد الحركة بتمامها فإذا انتهى فقد انقطعت الحركة وبطلت بل في الأذهان لأن للمتحرك نسبة إلى المكان الذي تركه وإلى المكان الذي أدركه فإذا ارتسمت في الخيال صورة كونه في المكان الأول ثم ارتسمت قبل زوالها عن الخيال صورة كونه في المكان الثاني فقد اجتمعت الصورتان في الخيال وحينئذ يشعر الذهن بالصورتين معا على أنهما شيء واحد وأما بالمعنى الأول فوجودها ضروري يشهد به الحس فإن قيل الحكم بالوجود في الخارج إما أن يكون على الماضي من الحركة أو على الآتي أو علي الحاضر والكل باطل إما الماضي والآني فظاهر وإما الحاضر فلأنه إن لم يكن منقسما لزم الجزء الذي لا يتجزأ لانطباق الحركة على المسافة وإن كان منقسما عاد الكلام وأجيب بأنا لا نسلم أنه لا وجود للماضي والآني غاية الأمر أنه لا وجود لهما في الحال وهو لا يستلزم العدم مطلقا وكيف لا يكون لهما وجود ومعنى الماضي ما فات بعد الوجود والآتي ما يحصل له الوجود ( قال المبحث الثالث ) الحركة تفتقر إلى ستة أمور ( 1 ) ما منه الحركة وهو المبدأ ( 2 ) ما إليه الحركة وهو المنتهى ( 3 ) ما فيه الحركة وهو المقولة أي الجنس العالي الذي ينتقل المتحرك من نوع منه إلى نوع آخر أو من صنف من نوع إلى صنف آخر ( 4 ) ما به الحركة أي سببها الفاعلي وهو المحرك ( 5 ) ماله الحركة أي سببها المادي وهو المتحرك ( 6 ) الزمان الذي يقع فيه الحركة وهذا التعلق بالزمان غير تعلق الحركة التي منها الزمان لأن الحركة هناك بمنزلة المتبوع لكونها معروضا للزمان وههنا بمنزلة التابع لكونها واقعة فيه مقدرة به