Qur'an&Sunnah

Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb

Section V01/P304–V01/P306

قال : إذا تاب علي ، وقال آخر : أنا من أن أحرم التوبة أخوف مني من أن أحرم المغفرة ، وقال الله تعالى : ( ومن أصدق من الله حديثا ) النساء : 87 فتاب عليكم وعفا عنكم وقال تعالى في مثله : ( وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ) الشورى : 25 وقال بعض العلماء : لا تصح التوبة لعبد حتى ينسى شهواته ويكون ذاكرا للحزن لا يفارقه قلبه ذاهبا عن الذنب لا يخالج سره ، وقال بعض علماء الشام : لا يكون المريد تائبا حتى لا يكتب عليه صاحب الشمال معصية عشرين سنة ، وقال بعض السلف : من علامة صدق التائب في توبته أن يستبدل بحلاوة الهوى حلاوة الطاعة وبفرح ركوب الذنب الحزن عليه والسرور بحسن الإنابة ، وقال بعض العلماء في معناه : لا يكون العبد تائبا حتى يدخل مرارة مخالفة النفس مكان حلاوة موافقتها ، وحدثنا في الإسرائيليات : إن الله عز وجل قال لبعض أنبيائه وقد سأله قبول توبة عبد بعد أن اجتهد سنين في العبادة ولم ير قبول توبته فقال له : وعزتي وجلالي لو شفع فيه أهل السموات والأرض ما قبلت توبته وحلاوة ذلك الذنب الذي تاب منه في قلبه ومن بقيت حلاوة المعصية في قلبه أو نظر إليها إذا ذكرها بفكره خيف عليه العود فيها إلا بشدة مجاهدة وكراهة لها ونفي خاطرها عن سره إذا ذكرها بالخوف والإشفاق منها ، وقال أبو محمد سهل : أول ما يمر به المبتدئ المريد التوبة وهو تحويل الحركات المذمومة إلى حركات محمودة ويلزم نفسه الخلوة والصمت ولا تصح له توبة إلا بأكل الحلال ولا يقدر على الحلال حتى يؤدي حق الله تعالى في الخلق وحق الله تعالى في نفسه ولا يصح له هذا حتى يتبرأ من حركته وسكونه إلا بالله تعالى وحتى لا يأمن الاستدراج بأعمال الصالحات وحقيقة التوبة أن يدع ما له حتى لا يدخل فيما عليه ولا يكون يسوف أبدا إنما يلزم نفسه الحال في الوقت . وحدثونا عن سري السقطي أنه قال : من شرط التوبة أن ينبغي للتائب المنيب أنه يبدأ بمباينة أهل المعاصي ثم بنفسه التي كان يعصى الله تعالى لها ولا ينيلها إلا ما لا بد منه ثم الاعتزام على أن لا يعود في معصية أبدا ويلقى عن الناس مؤونته ويدع كل ما يضطره إلى جريرة ولا يتبع هوى ويتبع من مضى من السلف ، وينبغي لأهل التوبة أن يحاسبوا نفوسهم في كل طرفة ويدعوا كل شهوة ويتركوا الفضول وهي ستة أشياء : ترك فضول الكلام ، وترك فضول النظر ، وترك فضول المشي ، وترك فضول الطعام ، والشراب ، واللباس ، قال : ولا يقوى على ترك الشبهات إلا من ترك الشهوات ، وسئل يحي بن معاذ رحمه الله كيف يصنع التائب ؟ فقال : هو من عمره بين يومين ، يوم مضى ويوم بقي ، فيصلحهما بثلاث : أما ما مضى فبالندم والاستغفار ، وأما ما بقي فبترك التخليط وأهله ولزوم المريدين ومجالسة الذاكرين والثالثة لزوم تصفية الغذاء والدأب على العمل ، ومن علامة صدق التوبة رقة القلب وغزارة الدمع ، وفي الخبر : جالسوا التوابين فإنهم أرق شيء أفئدة ومن التحقق بالتوبة أن يستعظم ذنوبه فإنه يقال إن الذنب كلما استعظمه العبد صغر عند الله تعالى ويقال : إن استصغار الذنب كبيرة ، كما جاء في الخبر : المؤمن الذي يرى ذنبه كالجبل فوقه يخاف أن يقع عليه والمنافق الذي يرى ذنبه كذباب مر على أنفه فأطاره ، وقد روينا في خبر مرسل : ليتق أحدكم أن يؤخذ عند أدنى ذنوبه في نفسه . وقال بعضهم : الذنب الذي لا يغفر قول العبد : ليت كل شيء عملته مثل هذا فهذا كما قال بلال بن سعد : لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر إلى من عصيت .

Section V01/P306–V01/P307

وقد حدثنا عن الله تعالى أنه أوحى إلى بعض أوليائه : لا تنظر إلى قلة الهدية وانظر إلى عظمة مهديها ولا تنظر إلى صغر الخطيئة وانظر إلى كبرياء من واجهته بها فإنما عظمت الذنوب من تعظيم المواجه بها وكبرت في القلوب لمشاهدة ذي الكبرياء ومخالفة أمره إليها فلم يصغر ذنب عند ذلك وكانت الصغائر عند الخائفين كبائر وهذا أحد الوجهين في قوله تعالى : ( ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له ) ( ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ) الحج : 30 - 32 قيل : الحرمات تعظم في قلبه فلا ينتهكها ، ومن هذا قول الصحابة للتابعين : إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من الموبقات ليسوا يعنون أن الكبائر التي كانت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم صارت بعده صغائر ولكن كانوا يستعظمون الصغائر لعظمة الله تعالى في قلوبهم لعظيم نور الإيمان ، ولم يكن ذلك في قلوب من بعدهم ، وأوحى الله تعالى إلى بعض أوليائه : كم من ذنب رأيته منك قد أهلكت بدونه أمة من الأمم . وقد روينا عن أبان بن إسماعيل عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم : إنه أهلك الله تعالى أمة من الأمم كانوا يعبثون بذكورهم فأما نسيانه الذنوب وذكرها فقد اختلف قول العارفين في ذلك فقال بعضهم : حقيقة التوبة أن تنصب ذنبك بين عينيك وقال آخر : حقيقة التوبة أن تنسى ذنبك ، وهذا طريقان لطائفتين وحالان لأهل مقامين فأما ذكر الذنوب فطريق المريدين وحال الخائفين يستخرج منهم بتذكرها الحزن الدائم والخوف اللازم ، وأما نسيان الذنوب شغلا عنها بالأذكار وما يستقبل من مزيد الأعمال فطريق العارفين وحال المحبين ووجهة هؤلاء شهادة التوحيد وهي مقام في التعريف ووجهة الأولين مشاهدة التوقيف والتحديد وهي مقام في التعريف ، ففي أي المقامين أقيم عبد قام بشهادة وجهته وعمل بحكم حالته ومقام شهادة التوحيد أفضل عند العارفين من مقام مشاهدة التعريف وإن كانت هذه أوسع وأكثر إلا أنها في أصحاب اليمين وفي عموم المقربين ، وشهادة التوحيد أضيق وأقل وأهلها أعلى وأفضل وهي في المقربين وخصوص العارفين وقد يعترض المريد بقصة دواد عليه السلام في تذكره ونوحه على خطيئة فإن الأنبياء لا يقاس عليهم لمجاوزتهم حدود من دونهم وقد يقلبون في أحوال المريدين ويسلك بهم سبيل المتعلمين وذلك لأجل الأمة ليكون طريقا للعالمين ، وأعلم أنه لا يؤمن على ضعيف اليقين قوي النفس عند تذكر الذنوب نظر القلب إليها بشهوة أو ميل نفس معها بحلاوة فيكون ذلك سبب فتنته فيفسد من حيث صلح كما لا يؤمن على معتاد خطيئة بالنظر إلى سببها حركة النفس إليها وإن كان الأفضل الإتفاق معها ما لم يكن الإتفاق معصية لمجاهدة النفس بالصبر عنها إلا أن ذلك غرور وفيه خطر فترك الاجتماع وقطع الأسباب حينئذ أسلم وما كان أسلم للمريد فهو أفضل وفي نسيان الذنوب الذكر لما يستقبل والانكماش على ما يفوت من الوقت خوف فوت الثاني .

Section V01/P307–V01/P308

وقد كان بعض أهل المعرفة يكره للمريد أن يكون وسواسه الجنة أو نذكر ما فيها من النعيم واللباس والأزواج وقال : واستحب للمريد أن يكون وسواسه ذكر الله تعالى وخواطره وهممه متعلقة بالله تعالى لا سواه قال : لأن المريد حديث عهد بتوبة غير معتاد لطول الاستقامة والعصمة ، فإذا تذكر نعيم الجنة لم آمن عليه لضعف قلبه أن يشتهي مثله مما يشاهد في الدنيا من اللباس والطيبات والنكاح لأن هذا عاجل وذاك آجل فتطلب نفسه مثل ما تذكرت من نعيم الآخرة معجلا في الدنيا قال : فإذا كان همه الله تعالى كان أبعد له من زينة الدنيا وشهواتها ولم يجتر العدو بتمثيل ذلك له من العاجل إلى أن يقوى يقينه وتنتقل عادته وتدوم عصمته ، وقد اختلف أهل العلم أيضا في عبد ترك ذنبا وعمل في الإستقامة ونفسه تنازعه إليه وهو يجاهدها ، وفي آخر : ترك الذنب وانكمش في الإصلاح فلم تكن نفسه تطالبه فلا تنازعه إلى الذنب ولم يكن على قلبه منه ثقل ولا مجاهدة ، أي هذين أفضل فقال بعض علماء أهل الشام : الذي تنازعه نفسه إلى الذنب وهو يجاهدها أفضل لأن عليه منازعة وله فضل مجاهدة ، ومال إلى هذا القول أحمد بن أبي الحواري وأصحاب أبي سليمان الداراني . وقال علماء البصرة : الذي سكنت نفسه عن المنازعة بشاهد من شواهد اليقين والطمأنينة فلم يبق فيه فضل لعود ولا طلب لمعتاد أفضل ، ومال إلى هذا رباح بن عمرو القيسي وهو من كبار علماء البصريين ، وقال : لو فتر هذا لكان هذا أقرب إلى السلامة ولم يؤمن على الآخر الرجوع وهذا كما قال ، وقد اختلف العلماء أيضا في عبدين سئل أحدهما شيئا : من بذل ماله في سبيل الله فأبت نفسه عليه وثقل عليها ذلك فجاهدها وأخرج ماله ، وسئل آخر ، بذل ماله فبذله مع السؤال طوعا من غير منازعة نفس ولا ثقل عليها ولا مجاهدة منه لها أيهما أفضل ؟ فقال : قوم المجاهد لنفسه أفضل لأنه جتمع له الإكراه والمجاهدة فحصل له عملان ، وذهب إلى هذا القول ابن عطاء وأصحابه ، وقال آخرون : الذي سمحت نفسه بالبذل طوعامن غير إكراه ولا اعتراض أفضل قال : لأن مقام هذا في سخاوة النفس والتحقق بالزهد أفضل من جميع أعمال الأول من الإكراه والمجاهدة ، ومن بذل ماله على ذلك ولأن الأول وإن غلب نفسه في هذه الكرة لأيا من غلبتها له في كرة ثانية أو ثالثة إذ ليس السخاء من مقامها لأنها كانت محمولة عليه وإلى هذا ذهب الجنيد رحمه الله وهو عندي كما قال اللفظ لنا .

Section V01/P308–V01/P309

وسئل أبو محمد سهل عن الرجل يتوب من الشيء ويتركه ثم يخطر ذلك الشيء بقلبه أو يراه أو يسمع به فيجد حلاوة فقال : الحلاوة طبع البشرية ولا بد من الطبع وليس له حيلة إلا أن يرفع قلبه إلى مولاه بالشكوى وينكره بقلبه ويلزم نفسه الإنكار ولا يفارقه ويدعو الله تعالى أن ينسيه ذكر ذلك ويشغله بغيره من ذكره وطاعته ، وقال : فإن هو غفل عن الإنكار طرفة عين أخاف عليه أن لا يسلم وتعمل الحلاوة في قلبه ولكن مع وجدان الحلاوة يلزم قلبه الإنكار والحزن فإنه لا يضره ، وهذا عندي هكذا لأن التوبة لا تصح مع بقاء الشهوة ، ويكون العبد مرادا بالمجاهدة ، وهذا حال المريدين ومحو الشهوات من القلب بدوام التولي وصف العارفين وربما تعلق بالذنب ذنوب كثيرة هي أعظم منه مثل الإصرار عليه والاغتباط به وتسويف التوبة بعده ووجد حلاوة الظفر بمثاله أو وجد الحزن والكراهة على فوته والسرور بعمله أو حمل غيره عليه إن كان ذنبا بين اثنين أو إنفاق مال الله سبحانه وتعالى فيه فهو كفر النعمة به ، وقد قيل : من أنفق درهما في حرام فهو مسرف ومن ذلك أن يستصغر الذنب ويحتقره فيكون أعظم من اجتراحه أو يتهاون بستر الله تعالى عليه ويستخف بحلم الله تعالى عنه ، فيكون ذلك من الإغترار والأمن أو يجهل نعمة الله تعالى عليه في ستره وإظهار ضده كما قال في الدعاء المأثور الذي يمدح الله سبحانه وتعالى به : يا من أظهر الجميل وستر على القبيح ولم يؤاخذ بالجريرة ولم يهتك الستر ويقال كل عاص تحت كنف الرحمن فإذا رفع يديه عنه انهتك ستره ومن ذلك المجاهرة بالذنب والصول به والتظاهر وهذا من الطغيان ، وفي الخبر : كل الناس معافى إلا المجاهرين يبيت أحدهم على الذنب ، قد ستره الله تعالى عليه فيصبح فيكشف ستر الله تعالى ويتحدث بذنبه وربما سن العاصي بالذنب سنة أتبع عليها فتبقى سيئات ذنبه عليه ما دام يعمل به وقد قيل : طوبى لمن إذا مات ماتت ذنوبه معه ولم يؤاخذ بها بعده وطوبى لمن لم يعدد ذنبه غيره ، قال بعضهم : لا تذهب فإن كان لا بد فلا تحمل غيرك على الذنب فتكسب ذنبين ، وقد جعل الله تعالى هذا المعنى وصفا من أوصاف المنافقين في قوله تعالى : ( المنافقون والمنافقات بعضهم منع بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ) التوبة 67 فمن حمل أخاه على ذنب معه فقد أمر بالمنكر ونهى عن المعروف ، وقال بعض السلف : ما انتهك المرء من أخيه حرمة أعظم من أن يساعده على معصيته ثم يهونها عليه وقد يعيش العبد أربعين سنة ثم يموت فتبقى ذنوبه بعده مائة سنة يعاقب عليه في قبره إذا كان قد سنها سنا وأتبع عليها إلى أن تندرس أو يموت من كان يعمل بها ثم تسقط عنه ويستريح منها ، ويقال : أعظم الذنوب من ظلم من لا يعرفه ولم يره من المتقدمين مثل أن يتكلم فيمن سلف من أهل الدين وأئمة المتقين ، فهذه المعاني كلها تدخل على الذنب الواحد وهي أعظم منه ومن ذلك قوله تعالى : ( ونكتب ما قدموا وآثارهم ) يس : 12 قيل : سننهم التي عمل بها بعدهم ، وفي الخبر : من سن سنة سيئة فعمل بها من بعده كان عليه مثل وزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيئا ، وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول : ويل للعالم من الأتباع يزل زلة فيرجع عنها ويحتملها الناس فيذهبون بها في الآفاق ، وقال بعض أهل الأدب : مثل زلة العالم مثل انكسار السفينة تغرق ويغرق الخلق معها ، وفي الخبر الإسرائيلي : إن عالما كان يضل الناس بالبدع ثم أدركته توبة فرجع إلى الله تعالى وعمل في الإصلاح دهرا فأوحى الله تعالى إلى نبيهم : قل له إن ذنبك لو كان فيما بيني وبينك لغفرته لك بالغا ما بلغ ولكن كيف بمن أضللت من عبادي فأدخلتهم النار ، فأما استحلال المعصية أو إحلالها للغير فليس من هذه الأبواب في شيء إنما ذلك خروج عن الملة وتبديل للشريعة وهو الكفر بالله تعالى كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : ما آمن بالقرآن من استحل محارمه وقد سمى الله تعالى عملة السوء جهلة فقال تعالى : ( أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ) الأنعام : 54 ، وقال تعالى : ( بل أنتم قوم تجهلون ) النمل : 55 وقال : ( بل أنتم قوم مسرفون ) الأعراف : 81 ، ويقال : إن العرش يهتز ويغضب الرب تعالى لثلاثة أعمال : لقتل النفس بغير نفس ، وإتيان الذكر الذكر ، وركوب الأنثى الأنثى ، وفي خبر : لو اغتسل اللوطي بالبحار لم يطهره إلا التوبة ولو لم يكن في يسير المعصية من الشؤم إلا حرمان الطاعة وفقد حلاوة الخدمة ومقت المولى لكان هذا من أعظم العقوبات ، كما قال وهيب بن الورد وقد سئل : هل يجد العاصي حلاوة الطاعة قال : لا ولا من هم بمعصية ، ولذلك سمى الله تعالى يحيى سيدا لأنه لم يهم بمعصية فصار علامة السيد بقدر سؤدد من لا يهم بالمعاصي فصار من لا يهم بالمعاصي سيدا ، وفي خبر من لبس ثوب شهرة وفي بعضها : من نظر إلى عطفيه فاختال أعرض الله تعالى عنه وإن كان عنده حبيبا كيف وفي المخالفة وجود البعد والوحشة والانقطاع من المعاملة .

Section V01/P309–V01/P310

وروينا في خبر : إن آدم عليه السلام لما أكل من الشجرة تطايرت الحلل عن جسده وبدت عورته قال : فاستحيا التاج والإكليل من وجهه أن يرتفعا عنه فجاءه جبريل عليه السلام فأخذ التاج عن رأسه وحل ميكائيل الإكليل عن جبينه ونوديا من فوق العرش : اهبطا من جواري فإنه لا يجاورني من عصاني ، فالتفت آدم إلى حواء باكيا وقال : هذا أول شؤم المعصية أخرجنا من جوار الحبيب ، وروينا أن سليمان نبي الله صلى الله عليه وسلم لما عوقب على خطيئته من أجل التمثال الذي عبد في داره أربعين يوما وقيل : إن المرأة سألته أن يكون الحكم لأبيها على خصمه فقال : نعم ولم يفعل وقيل : بل أحب بقلبه أن يكون الحكم لأبيها على خصمه لمكانها فسلب ملكه أربعين يوما فهرب تائها على وجهه وكان يسأل بكفه فلا يطعم فإذا قال : أطعموني فإني سليمان بن داود شج وضرب ، ولقد بلغني أنه استطعم من بيت فطرد وبزقت امرأة في وجهه ، وفي رواية قال : فأخرجت إليه عجوز جرة فيها بول فصبته على رأسه إلى أن خرج له الخاتم من بطن الحوت فلبسه بعد انقضاء الأربعين وهي أيام العقوبة قال : فجاءت الطير فعكفت عليه وجاءت الجن والشياطين والوحوش فاجتمعت حوله ، فلما عرفه الصيادون عقروا بين يديه واعتذروا إليه مما كانوا طردوه وشجوه فقال : لا ألومكم فيما صنعتم قبل ولا أحمدكم فيما تصنعون الآن ، هذا أمر من السماء فلا بد منه ولقد بلغني أنه كان في مسيره والريح تحمله في جنوده إذ نظر إلى قميصه نظرة وكان عليه قميص جديد فكأنه أعجبه فوضعته الريح بالأرض فقال لها لم فعلت ولم آمرك قال : إنما نطيعك إذا أطعت الله تعالى . وقد قال بعض العلماء في معنى هذا : من خاف الله تعالى خافه كل شيء ، ومن خاف غير الله تعالى أخاف الله تعالى من كل شيء ، فكذلك أيضا : من أطاع الله تعالى سخر له كل شيء ومن عصاه سخره لكل شيء أو سلط عليه كل شيء ولو لم يكن في الإصرار على المعصية من الشؤم إلا أن كل ما يصيب العبد يكون له عقوبة إن كان سعة عوقب بذلك ولم يأمن بها الاستدراج وإن كان ضيقا كان عقوبة له ، وفي الخبر أن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ، وقد قيل : الرزق من الحرام من قلة التوفيق للأعمال الصالحة ، وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول : إني لأحسب أن العبد ينسى العلم بالذنب يصيبه ولو لم يكن من بركة التوبة والعلم والاستقامة على الطاعة إلا أن كل ما يصيب العبد فهو خير له إن : كان سعة فهو رفق من الله تعالى به عليه ولطف له منه وإن كان ضيقا فهو اختبار من الله تعالى وخيره للعبد ويجد حلاوة ذلك ولذته لأنه في سبيله وقد أصابه وهو مقيم على طاعته ولو لم يكن من شؤم الناس ووجد النقص لمخالطتهم إلا أن المعصية معهم أشد وهي بهم أعظم لتعلق المظالم في أمر الدنيا وشأن الدين وكل من قلت معارفه قلت معهم خطاياه ، وقال بعض السلف : ليست اللعنة سوادا في الوجه ونقصا في المال إنما اللعنة أن لا يخرج من ذنب إلا وقع في مثله أو شر منه وذلك أن اللعنة هي الطرد والبعد فإذا طرد من الطاعة فلم تيسر له بعد عن القربات فلم يوفق لها فقد لعن .

Section V01/P310–V01/P311

وقد قيل في معنى الخبر الذي رويناه آنفا : إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه قيل : إن يحرم الحلال ولا يوفق له بوقوعه في المعصية وقيل : يحرم مجالسة العلماء ولا ينشرح قلبه لصحبة أهل الخير وقيل : يمقته الصالحون وأهل العلم بالله تعالى فيعرضون عنه وقيل : يحرم العلم الذي لا صلاح للعمل إلا به لأجل إقامته على الجهل ، ولا تنكشف له الشبهات بإقامته على الشهوات بل تلتبس عليه الأمور فيتحير فيها بغير عصمة من الله تعالى ولا يوفق للأصوب والأفضل ، وقد كان الفضيل يقول : ما أنكرت من تغير الزمان وجفاء الإخوان فذنوبك أورثتك ذلك ويقال : نسيان القرآن بعد حفظه من أشد العقوبات والمنع من تلاوته وضيق الصدر بقراءته والاشتغال عنه بضده عقوبة الإصرار ، وقال بعض صوفية أهل الشام : نظرت إلى غلام نصراني حسن الوجه فوقفت أنظر إليه فمر بي ابن الجلاء الدمشقي فأخذ بيدي فأستحييت منه فقلت : يا أبا عبد الله سبحان الله تعجبت من هذه الصورة الحسنة وهذه الصنعة المحكمة كيف خلقت للنار فغمز يدي وقال : لتجدن عقوبته بعد حين قال : فعوقبت بعد ثلاثين سنة ، وقال بعضهم : إني لأعرف عقوبة ذنبي في سوء خلق حماري ، وقال آخر : أعرف العقوبة حتى في نار بيتي . وحدثونا عن منصور الفقيه قال : رأيت أبا عبد الله السكري في النوم فقلت : ما فعل الله بك قال : أوقفني بين يديه في العرق حتى سقط لحم خدي قلت : ولم ذاك قال : نظرت إلى غلام مقبلا ومدبرا والعقوبة موضوعها الشدة والمشقة ، فعقوبة كل عبد من حيث يشتد عليه ، فأهل الدنيا يعاقبون بحرمان رزق الدنيا من تعذر الإكساب وإتلاف الأموال وأهل الآخرة يعاقبون بحرمان رزق الآخرة من قلة التوفيق للأعمال الصالحات وتعذر فتوح العلوم الصادقة ذلك تقدير العزيز العليم ، وكان أبو سليمان الداراني يقول : الاحتلام عقوبة : وقال : لا يفوت أحدا صلاة في جماعة إلا بذنب يحدثه فدقائق العقوبات على قدر ترافع الدرجات ، وقد جاء في الأخبار ما أنكرتم من زمانكم فبما غيرتم من أعمالكم ، وفي الخبر يقول الله عز وجل : إن أدنى ما أصنع بالعبد إذا آثر شهوته على طاعتي أن أحرمه لذيذ مناجاتي فهذه عقوبة أهل المعاملات ولو ظهر تغير القلب عند المعصية على وجه العاصي لا سود وجهه ولكن الله تعالى سلم بحلمه وستره فغطى ذلك في القلب مع تأثيره فيه وحجابه لصاحبه وقسوته عن الذكر وعن طلب الخير والبر والمسارعة إلى الخير وهو من أكير العقوبات ويقال : إن العبد إذا عصى أظلم قلبه ظلمة يثور على القلب منها دخان يشهده الإيمان فهو مكان حزن العبد الذي تسوءه سيئته ويكون ذلك الدخان حجابا له عن العلم والبيان كما تحجب السحابة للشمس فلا ترى ويكون غلفا يجده في نفسه للخلق فإذا تاب العبد وأصلح إنكشف الحجاب فيظهر الإيمان فيأمر بالعلم كما تبرز الشمس من تحت الحجاب .

Section V01/P311–V01/P312

ومن هذا قوله تعالى : ( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) المطففين : 14 قيل : هو الذنب على الذنب حتى يسود القلب ويصير الإيمان تحت الحجاب فلا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا وعندها ينكس أعلاه أسفله إذا استكمل سواده ، فحينئذ مرد على النفاق فأملس فيه واطمأن به وثبت إلى أن ينظر الله تعالى إليه فيعطف بفضله عليه ، وقد كان الحسن رضي الله عنه يقول : إن بين العبد وبين ربه عز وجل حدا من المعاصي معلوما إذا بلغه العبد طبع على قلبه فلم يوفقه بعدها للخير ، وفي حديث ابن عمر : الطابع معلق بقائمة العرش فإذا انتهكت الحرمات واستحلت المحارم أرسل الله تعالى الطابع فطبع على القلوب بما فيها ، وفي حديث مجاهد : القلب مثل الكف المفتوحة فكلما أذنب ذنبا انقبضت أصبع حتى تنقبض الأصابع كلها فتشد على القلب فذلك هو القفل ، ويقال لكل ذنب نبات ينبت على القلب فإذا كثرت الذنوب قام النبات حول القلب مثل الكم للثمرة فانضم على القلب فذلك هو الغلاف ، ويقال : إنه الكنان أحد الأكنة التي ذكر الله تعالى أن القلب لا يسمع معها ولا يفقه ، وقد حدثني بعض هذه الطائفة عن أبي عمرو بن علوان في قصة تطول قال فيها : فكنت قائما أصلي ذات يوم فخامر قلبي هواء طاولته بفكري حتى تولد منه شهوة الرجل قال : فوقعت إلى الأرض واسود جسدي كله فاستترت في البيت ثلاثة أيام فلم أخرج وقد كنت أعالج غسله في الحمام بالصابون والألوان الغاسلة فلا يزداد إلا سوادا قال ثم انكشف عني بعد ثلاث فرجعت إلى لوني البياض قال : فلقيت أبا القاسم الجنيد رحمه الله وكان وجه إلي فأشخصني من الرقة فلما أتيته قال لي : أما أستحيت من الله تعالى كنت قائما بين يديه فسامرت نفسك شهوة حتى استولت عليك برقة فأخرجتك من بين يدي الله تعالى لولا أني دعوت الله عز وجل لك وتبت إليه عنك للقيت الله تعالى بذلك اللون قال فعجبت كيف علم بذلك ، وهو ببغداد وأنا بالرقة ولم يطلع عليه إلا الله عز وجل ، فذكرت هذه الحكايات لبعض العلماء فقال : كان هذا رفقا من الله تعالى به وخيرة له إذ لم يسود قلبه وظهر السواد على جسده ولو بطن في قلبه لأهلك ثم قال : ما من ذنب يرتكبه العبد يصر عليه إلا اسود القلب منه مثل سواد الجسم الذي ذكره لا يجلوه إلا التوبة ولكن ليس كل عبد يصنع له صنع ابن علوان ولا يجد من يلطف له به مثل أبي القاسم الجنيد رحمه الله ولكل ذنب عقوبة إلا أن يعفو الله والعقوبة ليست على قدر الذنب ولا من حيث يعلم العبد لكنها على تقدير المشيئة وعن سابق علم الربوبية فربما كانت في قلب وهي من أمراض القلوب وربما كانت في الجسد وقد تكون في الأموال والأهل وتكون في سقوط الجاه والمنزلة من عيون علماء الإسلام والمؤمنين وقد تكون مؤجله في الآخرة وهذه أعظم العقوبات وهي لأهل الكبائر من الموبقات الذين ماتوا عن غير توبة ولأهل الإصرار والعزة والاستكبار لأنها إذا كانت في الدنيا كانت يسيرة على قدر الدنيا وإذا تأخرت كانت عظيمة على قدر الآخرة .

Section V01/P312–V01/P313

وفي الخبر : إذا أراد الله تعالى بعبد خيرا عجل له عقوبة ذنبه وإذا أراد به شرا أخره حتى يوافي به الآخرة ، وأعلم أن الغم على ما يفوت من الدنيا والهم بالحرص عليها من العقوبات والفرح والسرور بما نال من الدنيا مع ما لا يبالي ما خرج من دينه من العقوبات ، وقد يكون دوام العوافي واتساع الغنى من عقوبات الذنوب إذا كانا سببين إلى المعاصي ، وقد تكون عقوبة الذنب ذنبا مثله أو أعظم منه كما يكون مثوبة الطاعة طاعة مثلها أو أفضل منها ، وفي أحد الوجوه من معنى قوله تعالى : ( وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون ) آل عمران : 152 ، قال : الغنى والعافية كما يكون الفقر والسقم برحمة من الله تعالى إذا كانا سببا للعصمة وهما أمهات المعاصي إذا كانا سببين لها ومطرقين إليها ، واعلم أن الحلم لا يرفع العقوبة ولكن يؤخرها ، ومن شأن الحليم أن لا يعجل بالعقوبة وقد يعاقب بعد حين . وروينا في معنى قوله تعالى : ( فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء ) الأنعام : 44 ، أي الرخص والرغد حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة قيل بعد ستين سنة ، وفي الخبر : من الذنوب ذنوب لا يكفرها إلا الهم بطلب المعيشة ، وفي لفظ آخر : لا يكفرها إلا الهموم والأحزان والإهتمام بالمباحات من حاجات الدنيا للفقراء كفارات وهو على ما يفوت من قربات الآخرة للمؤمنين درجات وهو على محب الدنيا والجمع منها والحرص عقوبات ، وقال بعض السلف : كفى به ذنبا لا يستغفر منه حب الدنيا وقال آخر : لو لم يكن للعبد من الذنوب إلا أنه يقيم بمصائب الدنيا بما لا يقيم بما لا يفوته فيها من نصيب الآخرة والتزود لها . وفي حديث عائشة رضي الله عنها : إذا كثرت ذنوب العبد ولم يكن له من الأعمال ما يكفرها أدخل الله عز وجل عليه الغموم والهموم فتكون كفارة لذنوبه ويقال : إن الهم الذي يعرض للقلب في وقت لا يعرف العبد سبب ذلك فهو كفارات الهم بالخطايا ويقال : هو حزن العقل عند تذكره الوقوف والمحاسبة لأجل جنايات الجسد فيلزم العقل ذلك الهم فيظهر على العبد منه كأنه لا يعرف سبب غمه ، ومن أخبار يعقوب عليه السلام : إن الله تعالى أوحى إليه : لولا ما سبق لك في علمي من عنايتي بك لجعلت نفسي عندك أبخل الباخلين لكثرة تردادك إلي بطول سؤالك لي وتأخيري إجابتك ولكن من عنايتي بك أن جعلت نفسي في قلبك إني أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين ، وقد سبق لك عندي منزلة لم تكن تنالها بشيء من علمك إلا بحزنك على يوسف فأردت أن أبلغك تلك المنزلة ، وكذلك ما روينا أن جبريل عليه السلام لما دخل على يوسف عليه السلام في السجن قال له : كيف تركت الشيخ الكئيب ؟ قال : قد حزن عليك حزن مائة ثكلى ، قال : فماذا له عند الله تعالى ؟

Section V01/P313–V01/P314

قال : أجر مائة شهيد ، وفي خبر رويناه عن السلف : ما من عبد يعصى إلا استأذن مكانه من الأرض أن يخسف به واستأذن سقفه من السماء أن يسقط عليه كسفا فيقول الله عز وجل للأرض والسماء كفا عن عبدي وأمهلاه فإنكما لم تخلقاه ولو خلقتماه لرحمتماه لعله يتوب إلي فأغفر له لعله يستبدل صالحا فأبدله حسنات فذلك معنى قوله تعالى ( إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ) فاطر : 41 أي من معاصي العباد : ( ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما ) فاطر : 41 أي عن معاصيهم غفورا لمساوئهم وقيل في تفسير ذلك : إن الله عز وجل إذا نظر إلى معاصي العباد غضب فترجف الأرض وتضطرب السماء فتنزل ملائكة السماء فتمسك أطراف الأرضين وتصعد ملائكة الأرضين فتمسك على أطراف السموات ، ولا يزالون يقرؤون : ( قل هو الله أحد ) الإخلاص : 1 ، حتى يسكن غضبه سبحانه وتعالى فذلك قوله تعالى : ( إن الله يمسك السموات ) فاطر : 41 الآية . وقال بعض العلماء : إذا ضرب الناقوس في الأرض ودعى بدعوة الجاهلية اشتد غضب الرب سبحانه وتعالى فإذا نظر إلى صبيان المكاتب ورأى عمار المساجد وقيل : إذا نظر إلى المتحابين في الله أو المتزاورين له وسمع أصوات المؤذنين حلم وغفر فذلك قوله تعالى : ( إنه كان حليما غفورا ) فاطر : 41 فإذا أتبع العبد الذنب بالذنب ولم يجعل بين الذنبين توبة خيف عليه الهلكة لأن هذه حال المصر ولأنه قد شرد عن مولاه بترك رجوعه إليه ودوام مقامه مع النفس على هواه وهذا مقام المقت في البعد وأفضل ما يعمله العبد قطع شهوات النفس أحلى ما يكون عنده الهوى إذ ليس لشهواتها آخر ينتظر كما ليس لبدايتها أول يرتسم فإن لم يقطع ذلك لم يكن له نهاية فإن شغل بما يستأنف من مزيد الطاعة ووجد حلاوة العبادة وإلا أخذ نفسه بالصبر والمجاهدة فهذا طريق الصادقين من المريدين . وقيل في قوله تعالى : ( استعينوا بالله واصبروا ) الأعراف : 128 أي استعينوا به على الطاعة واصبروا على المجاهدة في المعصية ، وقال علي كرم الله وجهه : أعمال البر كلها إلى جنب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كتفلة إلى جنب البحر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى جنب الجهاد في سبيل الله تعالى كتفلة في جنب بحر والجهاد في سبيل الله تعالى إلى مجاهدة النفس عن هواها في اجتناب النهي كتفلة في جنب بحر لجي ، وعلى هذا معنى الخبر الوارد رجعتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر مجاهدة النفس ، وكان سهل بن عبد الله يقول : الصبر تصديق الصدق وأفضل منازل الطاعة صبر على معصية ثم الصبر على الطاعة ، وقد روينا في الإسرائيليات : إن رجلا تزوج امرأة في بلدة وأرسل عبده يحملها إليه فراودته نفسه وطالبته بها فجاهدها واستعصم بالله قال : فنبأه الله تعالى فكان نبيا في بني إسرائيل . وفي بعض قصص موسى عليه السلام : إنه قال للخصر عليه السلام : بأي شيء أطلعك الله تعالى على علم الغيب ؟

Section V01/P314–V01/P316

فقال : بترك المعاصي لأجل الله تعالى ، فالجزاء من الله تعالى يجعله غاية العطاء لا على قدر العمل لكن إذا عمل له عبد شيئا لأجله أعطاه أجره بغير حساب ثم إنه لا يتخذ التائب عادة من ذنب فيتعذر بها توبته فإن العادة جند من جنود الله تعالى لولاها لكان الناس كلهم تائبين ولولا الابتلاء لكان التائبون مستقيمين ثم إن يعمل في قطع معتاد إن كان ثم ليصبر على مجاهدة النفس في هوى إن بلي به ، فهذه الخصال من أفضل أعمال المريدين وأزكاها ومعها تلهم النفس المطمئنة رشدها وتقواها وبها تخرج من وصف الأمارة بالسوء إلى وصف المطمئنة إلى أخلاق الإيمان وهذا أحد المعاني في الخبر الذي روى : أفضل الأعمال ما أكرهتم عليه النفوس ، لأن النفس تكره خلاف الهوى ، والهوى هو ضد الحق والله تعالى يحب الحق فصار جبار النفس على خلاف الهوى وعلى وفاق الحق لأن محبة الحق من أفضل الأعمال كما قال تعالى : ( والوزن يومئذ الحق ) الأعراف : 8 الآية ، واستثنى من أهل الخسر الذين تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر وهذا أول اليقين ، وحدثت عن بعض أهل الاعتبار : إنه كان يمشي في الوحل فكان يتقي ويشمر ثيابه عن ساقيه ويمشي في جوانب الطريق إلى أن زلقت رجله في الوحل فأدخل رجليه في وسط الوحل وجعل يمشي في المحجة قال : فبكى فقيل له : ما يبكيك ؟ فقال : هذا مثل العبد لا يزال يتوقى الذنوب ويجانبها حتى يقع في ذنب منها وذنبين فعندها يخوض الذنوب خوضا وعلى العبد أن يتوب من الغفلة التي هي كائنة فإذا عرف هذا لم تنقطع أبدا توبته وقد جعل الله تعالى أهل الغفلة في الدنيا هم أهل الخسران في العقبى ، فقال عز من قائل : ( أولئك هم الغافلون ) الأعراف : 179 ، لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون ولكن غفلة دون غفلة وخسران دون خسران ولا تستحقرن الغفلة فإنها أول المعاصي وهي عند الموقنين أصل الكبائر وقد جعل علي كرم الله وجهه الغفلة إحدى مقامات الكفر وقرنها بالعمى والشك وأمال صاحبها عن الرشد ووصفها بالحسرة فقال في الحديث الذي يروى من طريق أهل البيت : فقام عمار بن ياسر فقال : يا أمير المؤمنين أخبرنا عن الكفر على ما بني ؟ فقال : على أربع دعائم : على الجفاد ، والعمى ، والغفلة ، والشك ، فمن جفا احتقر الحق وجهر بالباطل ومقت العلماء ، ومن عمى نسي الذكر ومن غفل حاد عن الرشد وغرته الأماني فأخذته الحسرة والندامة وبدا له من الله ما لم يكن يحتسب ، ومن شك تاه في الضلالة . وقال بعض العلماء : من صدق في ترك شهوة وجاهد نفسه لله تعالى سبع مرات لم يبتل بها ، وقال آخر : من تاب عن ذنب واستقام سبع سنين لم يرجع إليه أبدا ، وقال بعض العلماء : كفارة الذنب المعتاد أن تقدر عليه عدد ما أتيته ثم لا تقع فيه فيكون كل ترك كفارة لفعل وهذا حال الأقوياء من التوابين وليس هو طريق الضعفاء من المريدين بل حال الضعفاء والهرب والبعد ، ومن حدث نفسه بمعصية في عدمها لم يملك نفسه عند وجودها فليعمل المريد في قطع وساوس النفس بالخطايا وإلا وقع فيها لأن الخواطر تقوى فتكون وسوسة ، فإذا كثرت الوساوس صارت طرقا للعدو بالتزيين والتسويل فأضر شيء على التائب تمكينه خاطر السوء من قلبه بالإصغاء إليه فإنه يدب في هلكته وكل سبب يدعو إلى معصية أو يذكر بمعصية فهو معصية وكل سبب يؤول إلى ذنب ويؤدي إليه فهو ذنب وإن كان مباحا وقطعه طاعة وهذا من دقائق الأعمال وكان يقال : من أتى عليه أربعون وهو العمر وكان مقيما على الذنب لم يكد يتب منه إلا القليل من المتداركين ، وقد روي في الخبر : المؤمن كل مفتن تواب وإن للمؤمن ذنبا قد اعتاده الفيئة بعد الفيئة يعني حينا بعد حين .

Section V01/P316

وفي الحديث : كل بني آدم خطاء وخير الخطائين المستغفرون ، وفي الخبر الآخر : المؤمن واه راقع فخيرهم من مات على رقعه أي واه بالذنوب راقع بالتوبة والاستغفار ، وقد وصف الله تعالى المؤمنين بترك متابعة الذنوب وترادف السيئة بالحسنة في قوله تعالى : ( ويدرؤون بالحسنة السيئة ) الرعد : 22 ، وقد جعل هذا من وصف العاملين الذين صبروا فقال تعالى : ( أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤون بالحسنة السيئة ) القصص : 54 فجعل تعالى لهم صبرين عن الذنب وعلى التوبة فآتاهم به أجرين وقد اشترط الله تعالى على التائبين من المؤمنين ثلاث شرائط وشرط على التائبين من المنافقين أربعة لأنهم اعتلوا بالخلق في الأعمال فأشركوهم بالخالق في الإخلاص فزاد عليهم الشرط تشديد الشدة دخولهم في المقت واعتل غيرهم بوصفه فخفف عنهم شرطين فقال عز وجل : ( إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا ) البقرة : 160 قوله تعالى تابوا أي رجعوا إلى الحق من أهوائهم ، وأصلحوا يعني ما أفسدوا بنفوسهم ، وبينوا فيها وجهان ، أحدهما بينوا ما كانوا كتموا من الحق وأخفوا من حقيقة العلم وهذا لمن عصى بكتم العلم ولبس الحق بالباطل وقيل : بينوا توبتهم حتى تبين ذلك فيهم فظهرت أحكام التوبة عليهم ، وقال في الشرطين الآخرين : ( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا ) النساء : 145 ( إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله ) النساء : 146 ، لأنهم كانوا يعتصمون بالناس وبالأموال وكانوا يراؤون بالأعمال فلذلك اشترط عليهم الاعتصام بالله والإخلاص لله عز وجل فينبغي أن تكون توبة كل عبد عن ضد معاصيه قليلا بقليل أو كثيرا بكثير ويكون التائب على ضد ما كان أفسد ليكون كما قال الله تعالى : ( إنا لا نضيع أجر المصلحين ) الأعراف : 170 ، ولا يكون العبد تائبا حتى يكون مصلحا ولا يكون مصلحا حتى يعمل الصالحات ثم يدخل في الصالحين . وقد قال الله تعالى : ( وهو يتولى الصالحين ) الأعراف : 196 ، وهذا وصف للتواب وهو المتحقق بالتوبة والحبيب لله تعالى كما قال تعالى : ( إن الله يحب التوابين ) البقرة : 222 أي يتولى الراجعين إليه من أهوائهم المتطهرين له من المكاره ، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : التائب حبيب الله ، وسئل أبو محمد سهل : متى يكون العبد التائب حبيب الله تعالى ؟

Section V01/P316–V01/P318

فقال : حتى يكون كما قال الله تعالى : ( التائبون العابدون ) التوبة : 112 الآية ، ثم قال الحبيب : لا يدخل في شيء لا يحبه الحبيب ، وقال : لا تصح التوبة حتى يتوب من الحسنات ، وقد قال غيره من العارفين : العامة يتوبون من سيئاتهم والصوفية يتوبون من حسناتهم يعني من تقصيرهم في أدائها العظيم ما يشهدون من حق الملك العزيز سبحانه وتعالى المقابل بها ومن نظرهم إليها أو نظرهم إلى نفوسهم بها وهي منة الله تعالي إليهم واصلة ، وكان سهل يقول : التوبة من أفضل الأعمال لأن الأعمال لا تصح إلا بها ولا تصح التوبة إلا بترك كثير من الحلال مخافة أن يخرجهم إلى غيره ، والاستغفار قوت التوابين ومفزع الخطائين ، قال الله تعالى وهو أصدق القائلين : ( استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ) هود : 52 ، وقال تعالى : ( أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه ) المائدة : 74 فابتدئ التوبة بالاستغفار وعقب الاستغفار بالتوبة ، فالاستغفار مع الذنب سؤال الستر من الله تعالى ومغفرة الله تعالى لعبده في حال ذنبه ستره عليه وحلمه عنه ويقال : ما من ذنب ستره الله تعالى على عبده في الدنيا إلا غفره له في الآخرة ، إن الله تعالى أكرم من أن يكشف ذنبا كان قد ستره وما من ذنب كشفه الله في الدنيا إلا جعل ذلك عقوبة عبده في الآخرة فالله أكرم من أن يثنى عقوبته على عبده . وروي عن علي وابن عباس رضي الله عنهما نحو ذلك وقد أسنداه من طريق الاستغفار بعد التوبة وهو سؤال العبد مولاه العفو عن المؤاخذة ومغفرة الله تعالى لعبده بعد التوبة تكفيره لسيئاته وتجاوزه عنها بالعفو الكريم وهو تبديل السيئات حسنات كما جاء في الخبر أن تفسير قول العبد : يا كريم العفو قال : هو إن عفا برحمته عن السيئات ثم بدلها بكرمه حسنات وقد أحكم الله تعالى ذلك بقوله : ( فاستقيموا إليه واستغفروه ) فصلت : 6 بعد قوله تعالى : ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا ) فصلت : 30 ، أي وحدوا الله تعالى ثم استقاموا على التوحيد فلم يشركوا وقيل : استقاموا على السنة فلم يحدثوا وقيل : استقاموا على التوبة فلم يروغوا معها أن لا تخافوا عقاب الذنوب فقد كفرها عنكم بالتوحيد ولا تحزنوا على ما فاتكم من الأعمال فقد تداركها الله تعالى لكم بالتوبة وبلغكم منازل المحسنين بالاستقامة ، ثم قال تعالى : ( وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ) فصلت : 30 في السابق ( نحن أولياؤكم ) فصلت : 31 أي نليكم ونقرب منكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة بالتثبيت لكم على الإيمان ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم أي أجسامكم من النعيم المقيم ولكم فيها ما تدعون أي ما تمنون بقلوبكم من النظر إلى الملك الرحيم ، وفي الخبر : التائب من الذنب كمن لا ذنب له والمستغفر من الذنب وهو مصر عليه كالمستهزئ بآيات الله تعالى : وكان بعضهم يقول : أستغفر الله من قولي أستغفر الله باللسان عن غير توبة وندم بالقلب ، وفي بخبر : الاستغفار باللسان من غير توبة وندم بالقلب توبة الكذابين ، وكانت رابعة تقول : استغفارنا هذا يحتاج إلى استغفار فكم من توبة تحتاج إلى توبة في تصحيحها والإخلاص من النظر إليها والسكون والإدلال بها ، فمن عقب السيئات بحسنات وخلط الصالحات بالطالحات طمع له في النجاة ورجا له الاستقامة قبل الوفاة ، قال الله تعالى : ( خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم ) التوبة : 102 أي يعطف عليهم وينظر إليهم وقيل : خلطوا علملا صالحا هو الاعتراف بالذنوب والتوبة المستأنفة وآخر سيئا ما سلف من الغفلة والجهالة ، وقد كان ابن عباس يقول : غفور لمن تاب رحيم حيث رخص في التوبة ، وقد قال الله تعالى ( وإني لغفار لمن تاب ) طه : 82 أي من الشرك وآمن بالتوحيد وعمل صالحا ؛ أدى الفرئض واجتنب المحارم ثم اهتدى كان على السنة وقيل : استقام على التوبة فهذه صفات المؤمنين فلم يرد الله تعالى المخلصين إلى ما رد إليه المنافقين وهو التوبة وكذلك رد إليها المشركين إذ لا طريق للكل إلا منها ولا وصول إلى المحبة والرضا إلا بها .

Section V01/P318–V01/P319

وقال تعالى في وصف المنافقين : ( وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم ) التوبة : 106 أي مع الإصرار وإما يتوب عليهم أي بالاستغفار وأحكم ذلك وفصله بما شرط له ، كما قال في شأن الكافرين : ( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ) التوبة : 5 وقد قرن الله تعالى الاستغفار للعبادة ببقاء الرسول لله في الأمة ورفع العذاب عنهم بوجوده فضلامنه ونعمة ، وقال تعالى : ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) الأنفال : 33 ، وكان بعض السلف يقول : كان لنا أمانان ذهب أحدهما وبقي الآخر ، فإن ذهب الآخر هلكنا يعني الذي ذهب الرسول صلى الله عليه وسلم والذي بقي الاستغفار ، وسئل سهل رحمه الله عن الاستغفار الذي يكفر الذنوب فقال : أول الاستغفار الاستجابة ثم الإنابة ثم التوبة فالاستجابة أعمال الجوارح والإنابة أعمال القلوب والتوبة إقباله على مولاه وترك الخلق ، ثم يستغفر من تقصيره الذي هو فيه ومن الجهل بالنعمة وترك الشكر ، فعند ذلك يغفر له ويكون عنده مأواه ثم ينقل إلى الانفراد ثم الثبات ثم البيان ثم القرب ثم المعرفة ثم المناجاة ثم المصافاة ثم الموالاة ثم محادثة السر وهو الخلة ، ولا يستقر هذا في قلب عبد حتى يكون العلم غذاءه والذكر قوامه والرضا زاده والتفويض مراده والتوكل صاحبه ، ثم ينظر الله تعالى إليه فيرفعه إلى العرش فيكون مقامه مقام حملة العرش وكان يقول العبد لا بد له من مولاه على كل حال ، وأحسن حاله أن يرجع إليه في كل شيء إذا عصي يقول : يا رب استر علي فإذا فرغ من المعصية قال : يا رب تب علي فإذا تاب قال يا رب ارزقني العصمة فإذا عمل قال : يا رب تقبل مني ، ومن أحسن ما يتعقب الذنب من الأعمال بعد التوبة وحل الإصرار مما يرجى به كفارة الخطيئة ثمانية أعمال : أربعة من أعمال الجوارح وأربعة من أعمال القلوب ، فأعمال الجوارح أن يصلي العبد ركعتين ثم يستغفر سبعين مرة . ويقول : سبحان الله العظيم وبحمده مائة مرة ثم يتصدق بصدقة ويصوم يوما ، وأعمال القلوب هي اعتقاد التوبة منه وحب الإقلاع عنه وخوف العقاب عليه ورجاء المغفرة له ، ثم يحتسب على الله تعالى بحسن ظنه وصدق يقينه كفارة ذنبه ، فهذه الأعمال قد وردت بها الآثار ، إنها المكفرة للزلل والعثار ، وقد يشترط في بعضها فيتوضأ ويسبغ الوضوء ويدخل المسجد فيصلي ركعتين وفي بعض الأخبار فيصلي أربع ركعات ، قال : ويقال إذا أذنب العبد أمر صاحب اليمين صاحب الشمال وهو أمير عليه أن يرفع القلم عنه ست ساعات فإن تاب واستغفر لم يكتبها عليه وإن لم يستغفر كتبها ، ويقال صدقة الليل تكفر ذنوب النهار وصدقة السر تكفر ذنوب الليل ، وفي بعض الأخبار إذا علمت سيئة فأتبعها حينة تكفرها السر بالسر والعلانية بالعلانية ، وفي أخبار متفرقة جمعناها : ما من يوم طلع فجره ولا ليلة غاب شفقها إلا وملكان يتجاوبان بأربعة أصوات يقول أحدهما : يا ليت هذا الخلق لم يخلقوا ويقول الآخر : ويا ليتهم إذ خلقوا علموا لماذا خلقوا فيقول الآخر : ياليتهم إذ علموا لماذا خلقوا عملوا بما علموا ، وفي بعضها : تجالسوا فتذاكروا ما علموا فيقول الآخر : ويا ليتهم إذ لم يعملوا بما علموا تابوا مما عملوا ، فأول ما يجب لله عز وجل على عبده أن لا يعصيه بنعمه لئلا تكون معصيته كفرانا لنعمته وجوارح العبد وما له من نعم الله تعالى لأن قوام الإنسان بجوارحه وثبات جوارحه بالحركة ومنافع الحركة بالعافية ، فإذا عصاه بالنعمة فقد بدلها كفرا ، كما قال تعالى : ( بدلوا نعمت الله كفرا ) إبراهيم : 28 قيل : استعانوا بها على معاصيه ثم توعد على التبديل بالعقاب الشديد فقال : ( ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب ) البقرة : 211 ، على تبديل النعمة بالمعصية معجلا في الدنيا ويكون مؤجلا في الآخرة .

Section V01/P319–V01/P321

وقد يكون العقاب في أسباب الدنيا ، وقد يكون في حرمان أسباب الآخرة لأنها مآله ومثواه ، وقد يكون فيهما معا ، وقد تكون نفس المعصية بالنعمة عقوبة والجهل بالنعمة وتضييع الشكر عليها واستصغارها والسكون إليها والتطاول والتفاخر والتكابر بها كل هذه الأسباب عقوبات ثم يفترض على العبد إذا عصاه الرجوع إلى مولاه وهو التوبة عقيب وقوفه مع نفسه وهو موافقة الهوى بالخطيئة فتأخيره بالتوبة وإصراره على الذنب ذنبان مضافان إلى الخطيئة ، فإذا تاب من ذنبه وأحكم التوبة منه اعتقد الاستقامة على الطاعة ودوام الافتقار إلى الله تعالى في العصمة ثم يتوب أبدا من الصغائر إلى الهم والتمني ، ومن الخوف والطمع في المخلوق ، وهي ذنوب الخصوص إلى الطرفة والنفس والسكون إلى شيء والراحة بشيء وهذه ذنوب المقربين حتى لا يبقى على العبد فيما يعلم مخالفة وحتى يشهد له العلم بالوفاء فتبقى حينئذ ذنوبه من مطالعة علم الله تعالى فيه لما أستأثر به عنه من علم غيبه يكاشفه به ومن معنى نفس العبودية وكون الخلقة عن تسليط الربوبية بوصفها وكبرها فيكون هذا الخوف مثوبة له لما فزع من علم نفسه إلى ما لا يمكن ذكره ولا يعرف نشره من ذنوب المقربين التي هي صالحات أصحاب اليمين لفقد مشاهدتها وللجهل بمعرفة مقاماتها عند العموم فيكون حال هذا المقرب الإشفاق من البعد في كل طرفة ونفس إلى وقت اللقاء والخوف من الإعراض والحجب في كل حركة وهم في هذه الدار إلى دار البقاء . وقد روينا في خبر غريب : إن الله عز وجل أوحى إلى يعقوب عليه السلام أتدري لم فرقت بينك وبين يوسف ، قال : لا ، قال : لقولك لإخوته إني أخاف أن يأكله الذئب لم خفت عليه الذئب ولم ترجني له ولم نظرت إلى غفلة إخوته ولم تنظر إلى حفظي له فهذا معنى قول يوسف للساقي : اذكرني عند ربك ، قال الله تعالى : ( فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين ) يوسف : 42 ، فهذا مما يعتب على الخصوص من خفي سكونهم ولمح نظرهم إلى ما سوى الله تعالى وإنما حرم بعض التابعين ذلك المزيد ولم يجدوا حلاوة التوبة لتهاونهم بحال الرعاية وتسامحهم بترك حسن القيام بشاهد المراقبة وذلك يكون من قلة أحكام أمر التوبة ولو قاموا بحكم التوبة من الذنب الواحد وأحكموا حال تواب من الصادقين في التوبة لم يعدموا من الله تعالى المزيد لأنهم محسنون فهم في تجديد ، قال الله تعالى : ( سنزيد المحسنين ) البقرة : 58 فإذا رآك مستقيما على التوبة عاملا بالصالحات ولم تجدك على مزيد من مبرات بوجد حلاوة أو حسن خليقة أو عروض زهد أو خاصية معروفة فارجع إلى باب المرقبة أو موقف الرعاية فتفقدهما وأحكم حالهما فمن قبلهما أتيت ، وقال بعض العلماء : من تاب من تسعة وتسعين ذنبا ولم يتب من ذنب واحد لم يكن عندنا من التائبين ولا تغفلن عن التفقد وتجديد التوبة إدبار الصلوات فإنما دخل الخسران على العمال من حيث لا يعلمون من تركهم التفقد ومحاسبة النفس وبمسامحتها مما يعملون ، واعلم أن حقيقة كل ذنب عشرة أعمال لا يكون العبد توابا يحبه الله تعالى ولا تكون توبته نصوحا التي شرطها الله تعالى وفسرتها النبوة إلا أن يحكم العبد عشر توبات من كل ذنب أولها ترك العود إلى فعل الذنب ثم يتوب من القول به ثم يتوب من الاجتماع مع سبب الذنب ثم التوبة من السعي في مثله ثم التوبة من النظر إليه ثم التوبة من الاستماع إلى القائلين به ثم التوبة من الهمة ثم التوبة من التقصير في حق التوبة ثم التوبة من أن لا يكون أراد وجه الله تعالى خالصا بجميع ما تركه لأجله ثم التوبة من النظر إلى التوبة والسكون إليها والإدلال بها ثم يشهد بعد ذلك تقصيره عن القيام بحق الربوبية لعظيم ما يشهد بالمزيد من الإشراف على التوحيد من كبير جلال الله تعالى وعظم كبريائه فتكون توبته بعد ذلك من تقصيره عن القيام بحقيقة مشاهدته ويكون استغفاره لما ضعف قلبه ونقص همه عن معاينة مشاهدة لعلو مقامه ودوام فريدة وإعلامه ولا نهاية لتوبة العارف ولا لغاية وصفه لما هو عليه عاكف ولا وصف محتمل ذكر دقيق بلائه ولا يكبر عن التوبة نبي فمن دونه ولكل مقام توبة ولكل حال من مقام توبة ولكل مشاهدة ومكاشفة توبة فهذا حال التائب المنيب الذي هو من الله تعالى مقرب وعنده حبيب وهذا مقام مفتن تواب أي مختبر بالأشياء مبتلى بها تواب إلى الله تعالى منها لينظر مولاه أينظر بقلبه إليه أو إليها أو يعتكف بهمته عليه أو عليها أو يطمئن إليه بوجودها أو إليها أو يطلب إياه هربا منها أو إياها فعليه لكل مشاهدة لسواه ذنب وعليه في كل سكون إلى سواه عتب كما له في كل شهادة علم ومن كل إظهار في الكون حكم بذنوبه لا تحصى وتوباته إلى الله تعالى لا تستقصى ، فهذه حقيقة التوبة النصوح وصاحبها مسلم وجهه لله تعالى محسن من نفسه مستريح ودينه عند الله تعالى مستقيم ومقامه وحاله من الله تعالى سليم .

Section V01/P321–V01/P322

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله يحب كل مفتن تواب ، واعلم أن الذنوب على سبعة ضروب بعضها أعظم من بعض ، كل ضرب منها مراتب في كل مرتبة من المذنبين طبقة منها معاص يعتل بها العبد من معاني صفات الربوبية مثل الكبر والفخر والجبرية وحب الحمد والمدح ووصف العز والغنى ، فهذه مهلكات وفيها من العموم طبقات ومعاصي تكون من معاني أخلاق الشياطين مثل : الحسد والبغي والحيلة والخداع والأمر بالفساد ، فهذا موبقة وفيها من أهل الدنيا طبقات ومعاصي تكون من ضد السنة وهو ما خالفها إلى بدعة والأحداث المبتدعة وهي كبائر منها ما يذهب الإيمان وينبت النفاق ، وست من كبائر البدع ، وهي تنقل عن الملة : وهي القدرية والمرجئة الرافضية والإباضية والجهمية والشاطحون من المغالطين وهم الذين لا يقولون بخلق ولا رسم ولا حكم في تعدي الحدود ومجاوزات العلم فهم زنادقة هذه الأمة ومعاص متعلقة بالخلق من طريق المظالم في الدين والإلحاد بهم عن طريق المؤمنين ، وهو ما أضل به عن الهدى وأزاغ به عن السنن وحرفه من الكتاب وتأوله من السنة ثم أظهر ذلك ودعا إليه فقبل منه وأتبع عليه . وقد قال بعض العلماء : لا توبة لهذه المعاصي كما قال بعضهم في القاتل : لا توبة له للأخبار بثبوت الوعيد وحق القول عليه ، والضرب الخامس من المعاصي ما تعلق بمظالم العباد في أمر الدنيا مثل ضرب الإنسان وشتم الأعراض وأخذ الأموال والكذب والبهتان ، فهذه موبقات ولا بد فيها من القصاص للموافقة بين يدي الحاكم العادل والقطع منه بقضاء فاصل إلا أن يقع استحلال أو يستوهبها الله عز وجل من أربابها في المآل بكرمه ويعوض المظلومين عليها من جنابه بجوده ، وقد جاء في الخبر : الدواوين ثلاثة : ديوان يغفر ، وديوان لا يغفر ، وديوان لا يترك ، فأما الديوان الذي يغفر فذنوب العباد بينهم وبين الله تعالى وأما الديوان الذي لا يغفر فالشرك بالله تعالى وأما الديوان الذي لا يترك فمظالم العباد أي لا يترك المطالبة به والمؤاخذه عليه ، والضرب السادس من الذنوب ما كان بين العبد وبين مولاه من نفسه إلى نفسه متعلق بالشهوات والجري في العادات وهذه أخفها وإلى العفو أقربها ، وهذه على ضربين كبائر وصغائر ، فالكبائر ما نص عليه بالوعيد وما وجبت فيه الحدود ، والصغائر دون ذلك إلى نطرة وخطرة والتوبة النصوح تأتي على الجميع ذلك بعموم قوله تعالى : ( فتاب عليكم وعفا عنكم ) وبإخباره عز وجل عن حكمه إذ يقول : ثم تاب عليهم ليتوبوا ، وبظاهر قوله تعالى ( إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا ) البروج : 10 ، ومثله : ( ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ) النحل : 110 إلى قوله : ( إن ربك من بعدها لغفور رحيم ) النحل : 110 هكذا قراءة أهل الشام بنصب الفاء والتاء ولأن البغية من التوبة إذا كانت غفران الذنب والزحزحة عن النار ونحن لا نرى أبدية الوعيد على أهل الكبائر بل نجعلهم في مشيئة الله ونجوز تجاوز الله تعالى عنهم في أصحاب الجنة ، كما جاء في الخبر في تفسير قوله تعالى : ( فجزاؤه جهنم خالدا فيها ) النساء : 93 ، أي إن جازاه ، وكما روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم : من وعده الله تعالى على عمل ثوابا فهو منجزه له ومن وعده على عمل عقابا فهو فيه بالخيار إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه ، وكما قال ابن عباس رضي الله عنه : يغفر لم يشاء الذنب العظيم ويعذب من يشاء على الذنب الصغير ، وقد قال الله تعالى : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) النساء : 48 ، فلم يجد للمغفرة ذنبا غير الشرك وترك المسلمين مع سائر الذنوب في مشيئته فقد يحتج محتج بالخبر المأثور في ترك قبول توبة المبتدع إن الله تعالى احتجر التوبة على كل صاحب بدعة فهذا مخصوص لمن لم يتب ممن حكم عليه بدرك الشقاء ، ألا ترى أنه لم يقل إن الله تعالى احتجر قبول التوبة عمن تاب إنما أخبر عن حكم الله تعالى فيمن لم يتب بأن الله تعالى حجب التوبة عنه ، فهكذا نقول أيضا : إن القاتل إذا كان قد سبق له سوء الخاتمة بأنه يموت على غير توحيد ، وكذلك المبتدع إن جعل اسمه في أصحاب النار ثم كان القتل والبدعة علامة ذلك وسببه أنهما جميعا ممنوعان من التوبة فإنها محتجرة عنهما ، سورة وكذلك القول فيمن حقت عليه كلمة العذاب بسبق سوء الخاتمة فلو أنه تاب سبعين توبة لم تنقذه من النار وليست توبته بأكثر من قوله صلى الله عليه وسلم : إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين سنة حتى يقول الناس : إنه من أهلها ولا يبقى بينه وبينها إلا شبر ثم يدركه الشقاء .

Section V01/P322–V01/P323

وفي لفظ آخر : ثم يسبق عليه الكتاب بعمل أهل النار فيدخلها فقد دخلت التوبات في صالح أعماله الحسنات ثم أحبطها عنه في جملة عمله بسبق الكتاب بالشقاء له ، وأما من لم يسبق له سوء الخاتمة ووهب له التوبة النصوح ولم يدركه الشقاء فإنها لم تحتجر عنه وإن الله تعالى يعفو عنه بما وهب له من التوبة كقوله تعالى في المنافقين : ( إما يعذبهم وإما يتوب عليهم ) التوبة : 106 ، وليس النفاق دون البدعة ولا كل المنافقين تاب عليهم ولا جميعهم ختم لهم به ، ولعموم قوله تعالى : ( فتاب عليكم وعفا عنكم ) البقرة : 187 ، فهذا مجمل فيمن تاب والخبر مخصوص فيمن لم يتب ، ولقوله تعالى : ( ثم تاب عليهم ليتوبوا ) التوبة : 118 ، ولقوله تعالى : ( عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم ) التوبة : 102 ، ثم إن الناس في التوبة على أربعة أقسام ، في كل قسم طائفة ، لكل طائفة مقام ، منهم : تائب من الذنب مستقيم على التوبة والإنابة لا يحدث نفسه بالعود إلى معصية أيام حياته مستبدل بعمل سيئاته صالح حسناته ، فهذا هو السابق بالخيرات وهذه هي التوبة النصوح ونفس هذا المطمئنة المرضية ، والخبر المروي في مثل هذا سيروا سبق المفردون المستهترون بذكر الله وضع الذكر أوزارهم فوريوا القيامة خفافا والذي يلي هذا في القرب عبد عقده التوبة ونيته الإستقامة لا يسعى في ذنب ولا يقصده ولا ينجوه ولا يهتم به وقد يبتلي بدخول الخطايا عليه عن غير قصد منه ويمتحن بالهم واللمم ، فهذا من صفات المؤمنين يرجى له الاستقامة لأنه في طريقها وهو ممن قال الله تعالى : ( يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة ) النجم : 32 وداخل في وصف المتقين الذين قال الله تعالى فيهم : ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ) آل عمران : 135 الآية ، ونفس هذا هي اللوامة التي أقسم الله تعالى بها وهو من المقتصدين وهذه الذنوب تدخل على النفوس من معاني صفاتها وغرائز جبلاتها وأوائل أنسابها من نبات الأرض وتركيب الأطوار في الأرحام خلقا بعد خلق ومن أختلاط الأمشاج بعضها ببعض ولذلك عقبه تعالى بقوله : ( هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم ) النجم : 32 الآية ، فلذلك نهى عن تزكية النفس المنشأة من الأرض والمركبة في الأرحام بالأمشاج للاعوجاج فقال تعالى : ( فلا تزكوا أنفسكم ) النجم : 32 أي فهذا وصفها عن بدء إنشائها وكذلك وصف مشيج خليقته بالابتلاء في قوله : ( إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا ) الإنسان : 2 ، شوح هذا يطول ويخرج إلى علم تركيبات النفوس ومجبول فطرتها .

Section V01/P323–V01/P324

وقد ذكرنا أصوله في بعض الأبواب من هذا الكتاب : وفي مثل هذا العبد معنى الخبر الذي جاء المؤمن مفتن تواب والمؤمن كالسنبلة تفيء أحيانا وتميل أحيانا فإزراء هذا العبد على نفسه ومقته لها عن معرفته بها وترك نظره إليه وسكونه إلى خير إن ظهر عليها يكون من كفارات ذنوبه لأنه من تدبر الخطاب في قوله تعالى : ( فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ) النجم : 32 ، والعبد الثالث هو الذي يقرب من هذا الثاني في الحال عبد يذنب ثم يتوب ثم يعود إلى الذنب ثم يحزن عليه بقصد له وسعي فيه وإيثاره إياه على الطاعة ، إلا أنه يسوف بالتوبة ويحدث نفسه بالاستقامة ويحب منازل التوابين ويرتاح قلبه إلى مقامات الصديقين ولم يأن حينه ولا ظهر مقامه لأن الهوى يحركه والعادة تجذبه والغفلة تغمره إلا أنه يتوب خلال الذنوب ويعاود لتقدم المعتاد فتوبة هذا فوت من وقت إلى وقت ومثله ترجى له الاستقامة لمحاسن عمله وتكفيرها لسالف سيئته وقد يخاف عليه الانقلاب لمداومة خطئه ونفس هذا هي المسولة وهو ممن خلط عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليه فيستقيم فيلحق بالسابقين فهذا بين حالين ، بين أن يغلب عليه وصف النفس فيحق عليه ما سبق من القول وبين أن ينظر إليه مولاه نظرة تجبر له كل كسر ويغنى له كل فقر فيتداركه بمنة سابقة فتلحقه بمنازل المقربين لأنه قد سلك طريقهم بفضله ورحمته ونيته الآخرة ، والعبد الرابع أسوأ العبيد حالا وأعظمهم على نفسه وبالا وأقلهم من الله نوالا عبد يذنب ثم يتبع الذنب مثله أو أعظم منه ويقيم على الإصرار ويحدث نفسه به متى قدر عليه ولا ينوي توبة ولا يعقد استقامة ولا يرجو وعدا بحسن ظنه ولا يخاف وعيدا لتمكن أمنه ، فهذا هو حقيقة الإصرار ومقام بين العتو والاستكبار ، وفي مثل هذا جاء الخبر : هلك المصرون قدما إلى النار ونفس هذا هي الأمارة وروحه أبدا من الخير فرارة ويخاف على مثله سوء الخاتمة لأنه في مقدماتها وسالك طريقتها ولا يبعد منه سوء القضاء ودرك الشقاء ولمثل هذا قيل من سوف الله تعالى بالتوبة أكذبه وأن اللعنة خروج من ذنب إلى أعظم منه ، وهذه الطائفة في عموم المسلمين ، وهم في مشيئة الله من الفاسقين ، كما قال تعالى : ( مرجون لأمر الله ) التوبة : 106 أي مؤخرون لحكمه إما يعذبهم بالإصرار وإما يتوب عليهم بما سبق من حسن الاختيار نعوذ بالله تعالى من عذابه ونسأله نعيما من ثوابه ، وهذا آخر كتاب التوبة .

Section V01/P324

شرح مقام الصبر ووصف الصابرين وهو الثاني من مقامات اليقين

Section V01/P324–V01/P326

قد جعل الله عز وجل الصابرين أئمة المتقين وتمم كلمته الحسنى عليهم في الدين فقال تعالى : ( وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا ) الأنبياء : 73 لما صبروا ، وقال تعالى : ( وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ) الأعراف : 137 ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا ، وقال المسيح عليه السلام : إنكم لا تدركون ما تحبون إلا بصبركم على ما تكرهون ، وقال بعض الصحابة : ماذا جعل الله تعالى من الشقاء والفضل في التقى والصبر ، وقال ابن مسعود : الصبر نصف الإيمان ، وقد جعل علي كرم الله وجهه الصبر ركنا من أركان الإيمان وقرنه بالجهاد والعدل والإيقان فقال : بني الإسلام على أربع دعائم ، على اليقين ، والصبر ، والجهاد ، والعدل ، وقال علي كرم الله وجهه : الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد لا جسد لمن لا رأس له ولا إيمان لمن لا صبر له ، ورفع رسول الله : الصبر في العلو والفضل إلى مقام اليقين وقرنه به ، وكذلك قال تعالى : ( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ) السجدة : 24 ، وأخبر النبي لله : إن من أوتي نصيبه منهما لم يسأل ما فاته ، وأخبر عليه السلام : إن الصبر كمال العمل والأجر ، فقال في حديث يرويه شهر بن حوشب الأشعري عن أبي أمامة الباهلي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر ومن أعطى حظه منهما لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام النهار ولأن تصبروا على مثل ما أنتم عليه أحب إلي من أن يوافيني كل امرئ منكم بمثل عمل جميعكم ، ولكني أخاف أن تفتح عليكم الدنيا بعدي فينكر بعضكم بعضا وينكركم أهل السماء عند ذلك ، فمن صبر واحتسب ظفر بكمال ثوابه ، ، ثم قرأ ما عندكم ينفد وما عند الله باق وليجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون . وفي حديث ابن المنكدر عن جابر قال : سئل رسول الله عن الإيمان فقال الصبر والسماحة ، وقد قال الله تعالى وهو أصدق القائلين : ( أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ) القصص : 54 ، وقال عز وجل : ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) الزمر : 10 فضاعف أجر الصابرين على كل عمل ثم رفع جزاء الصبر فوق كل جزاء فجعله بلا نهاية ولا حد فدل ذلك أنه أفضل المقامات وجمع للصابرين ثلاثا فرقها على جمل أهل العبادات ، الصلاة ، والرحمة ، والهدى بعد البشارة في الآخرة والعقبى ، وكان عمر رضي الله عنه يقول : نعم العدلان ونعمت العلاوة للصابرين ، يعني بالعدلين الصلاة والرحمة وبالعلاوة الهدى ، والعلاوة ما يعلى به فوق الحملين على البعير فيكون كعدل ثالث ، وقد أخبر الله تعالى أنه مع الصابرين ، ومن كان الله تعالى معه غلب ، كما أن من كان معه علا ، فقال تعالى : ( واصبروا إن الله مع الصابرين ) الأنفال : 46 ، كما قال الله عز وجل : ( وأنتم الأعلون والله معكم ) محمد : 35 واشترط الصبر لإمداده بجنده ولنصرة تأييده بقوله تعالى : ( بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتونكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ) آل عمران : 125 ، وكان سهل يقول : الصبر تصديق الصدق وأفضل منازل الطاعة الصبر على المعصية ثم الصبر على الطاعة ، وقال في معنى قوله عز وجل : ( استعنوا بالله واصبروا ) الأعراف : 128 أي استعينوا بالله على أمر الله ، وأصبروا على أدب الله ، وقال : لم يمدح الله تعالى أحدا إلا من صبر للبلاء والشدة فبذلك يثني عليه ، وكان يقول : الصالحون في المؤمنين قليل ، والصادقون في الصالحين قليل ، والصابرون في الصادقين قليل ، فجعل الصبر خاصية الصدق وجعل الصابرين خصوص الصادقين ، وكذلك الله تعالى وهو أصدق القائلين ، قد رفع الصابرين على الصادقين في ترتيب المقامات ، فجعل الصبر مقاما في الصدق إن كانت الأوصاف المنسوقة نعتا واحدا للمسلمين ، وكانت الواو للمدح وإن كانت مقامات فالواو للترتيب ، فقد جعل الله الصابرين فوق الصادقين والقانتين أعني في قوله تعالى : ( إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات ) الأحزاب : : 35 الآية ، وفي حديث عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما : ما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأنصار قال : أمؤمنون أنتم ؟

Section V01/P326–V01/P327

فسكتوا فقال عمر رضي الله عنه : نعم يا رسول الله قال : وما علامة إيمانكم ؟ قال : نشكر في الرخاء ونصبر على البلاء ونرضى القضاء فقال : مؤمنون : ورب الكعبة ، والصبر ينقسم على عملين ، أحدهما لا صلاح للدين إلا به ، والثاني هو أصل فساد الدين ، ثم يتنوع الصبر فيكون صابرا على الذي فيه صلاح الدين فيكمل به إيمانه ويكون صابرا عن الذي فيه فساد الدبن فيحسن به يقينه . روينا في معنى هذا عن علي رضي الله عنه : أنه لما دخل البصرة واستاقم له الأمر دخل جامعها فجعل يخرج القصاص ويقول القصص بدعة ، فانتهى إلى حلقة شاب يتكلم على جماعة فأستمع إليه فأعجبه كلامه فقال : يا فتى أسألك عن شيئين فإن خرجت منهما تركتك تتكلم على الناس وإلا أخرجتك كما أخرجت أصحابك ، فقال : سل يا أمير المؤمنين فقال : أخبرني ما صلاح الدين وما فساده ؟ قال : صلاحه الورع وفساده الطمع قال : صدقت تكلم فمثلك يصلح أن يتكلم على الناس ، يقال : إن هذا الشاب هو إمامنا في هذا العلم وهو إمام الأئمة الحسن بن يسار مولى الأنصار البصري ، وكان ميمون بن مهران يقول : الإيمان والتصديق والمعرفة والصبر واحد ، وقال أبو الدرداء رضي الله عنه : دروة الإيمان الصبر للحكم والرضا بالقدر ، وأعلم أن الورع أول الزهد وهو أول باب من أبواب الآخرة والطمع أول الرغبة ، وهو باب كبير من أبواب الدنيا ، وهو استشعار الطمع من حب الدنيا ، وحب الدنيا رأس كل خطيئة ، ويقال : أول معصية عصى الله تعالى بها الطمع ، وهو أن آدم عليه السلام طمع في الخلود فأكل من الشجرة التي نهى عنها وإبليس طمع في إخراج آدم عليه السلام من الجنة فوسوس إليه فاتفقا في إسم المعصية لربهما تعالى بالطمع ، ثم افترقا في المطموع فيه وفي الحكم ، فتدورك آدم عليه السلام بحسن سابقته من الله تعالى وهلك إبليس بما سبق عليه من الشقوة ولاطمع هو تصديق الظن ، ولذلك وصف الله تعالى به عدوه في قوله تعالى : ( ولقد صدق عليهم إبليس ظنه ) سبأ : 20 ، والظن ضد اليقين ولا يغني من الحق شيئا ، وقال الله تعالى في وصف المشركين : ( إن نظن إلا ظنا وما نحن يمستيقنين ) الجاثية : 32 ، فمن صبر عن الطمع في الخلق أخرجه الصبر إلى الورع ومن صبر عن الورع في الدين أدخله الصبر في الزهد ومن طمع في تصديق الظن الكاذب أدخله الطمع في حب الدنيا ، ومن استشعر حب الدنيا أخرجه حبها من حقيقة الدين . وقد قال بعض العلماء : ما كنا نعد إيمان من لم يؤذ فيحتمل الأذى ويصبر عليه إيمانا وقد فعل الله تعالى ذلك بالمؤمنين اختبارا وأخبر أن ذلك ليس منه عذابا وإنما هو فتنة لمن أراد فتنته وبلاءه من الناس ، فصار ذلك فتنة عليهم وابتلاء لهم وصار رحمة للمؤذي وخيرا في قوله تعالى : ( ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ) العنكبوت : 10 له ، يعني فتنة الناس به كعذاب الله تعالى يعني إياه أي ليس ذلك عذابا مني إنما هو رحمة باطنة فهو كقوله تعالى : ( وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن ) ( كلا ) سورة الفجر : 16 - 17 أي لم أهنك بالفقر كما لم أكرم الآخر بالإكرام والتنعيم وعلى معنى هذا خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر الذي أمره به فقال تعالى : ( اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ) ص : 17 فسلاه به وفضله عليه .

Questions