Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb
كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : إذا سألتم الله تعالى فأعظموا الرغبة ، وسلوه الفردوس الأعلى ، فإن الله عز وجل لا يتعاظمه شيء . وفي حديث آخر فأكثروا وسلوا الدرجات العلى ، فإنما تسألون جوادا كريما ، وفي الآثار أن رجلين كانا من العابدين متساويين في العبادة ، فإذا دخلا الجنة رفع أحدهما في الدرجات العلى على صاحبه ، فيقول الآخر : يارب ما كان هذا في الدنيا بأكثر عبادة لك مني فرفعته علي في عليين ، فيقول الله سبحانه وتعالى : إنه كان يسألني في الدنيا الدرجات العلى وكنت أنت تسألني النجاة من النار ، فأعطيت كل عبد سؤله . وروينا في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن رجلا يخرج من النار فيوقف بين يدي الله تعالى ، فيقول له : كيف وجدت مكانك ؟ فيقول : يارب شر مكان ، فيقول : ردوه إلى مكانه ، قال : فيمشي ويلتفت إلى ورائه ، فيقول الله عز وجل : إلى أي معنى تلفت ؟ فيقول له : يارب قد رجوت أن لا تعيدني إليها بعد إذ أخرجتني منها ، فيقول تعالى : اذهبوا به إلى الجنة فقد صار الرجاء طريقه إلى الجنة ، كما كان الخوف طريق صاحبه في الدنيا إليها . كما روينا : إن الآخر سعى مبادرا إلى النار لما قال : ردوه فقيل له في ذلك ، فقال : لقد ذقت من وبال معصيتك في الدنيا ماخفت من عذابه في الآخرة فقيل : اصرفوه إلى الجنة ، وقال الله سبحانه في وصف قوم : ( أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه ) الإسراء : 57 فطرق لأوليائه من القرب والوسيلة الرجاء ، كما طرق الخوف منه إليها ، وهذا أحد الوجهين في الآية لمن لم يجعله وصفا للأصنام لأنها قرئت بالتاء تدعون قرأها طلحة بن مصرف ، فكذلك ندب المؤمنين إلى طلب القرب منه قي قوله عز وجل : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ) المائدة : 35 فهذه جملة أحكام الرجاء وأوصاف الراجين ، فمن تحقق بجميعها فقد استحق درجات أهل الرجاء ، وهو عند الله تعالى من المقربين ، ومن كان فيه وصف من هذه الأوصاف فله مقام من الرجاء . واعلم أن مقام اليقين لا يزيل بعضها بعضا ولكن يندرج بعضها في بعض ، فمن غلب عليه حال مشاهدته وصف بما غلب عليه واستمر بما سوى ذلك من المقامات فيه ، ومن عمل بشرط مقام منها وقام بحكم الله تعالى فيه نقل إلى ما سواه ، وكان المقام الأول له علما والثاني الذي أقيم فيه له وجدا ، فكتم الوجد لأنه سره وعبر عن العلم لأنه قد جاوزه فصار له علانية ، ومقام الرجاء هو جند من جنود الله عز وجل يستخرج من بعض العباد ما لا يستخرج غيره لأن بعض القلوب تلين وتستجيب عن مشاهدة الكرم والإحسان وتقبل وتطمئن بمعاملة النعم والإحسان ما لا يوجد ذلك منها عند التخويف والترهيب بل قد يقطعها ذلك ويوحشها إذ قد جعل الرجاء طريقها فوجدت فيه قلوبها . ومثل الرجاء في الأحوال مثل العوافي والغنى في الإنسان من يقبل قلبه ويجتمع همه عندهما ويوجد نشاطه وتحسن معاملته بهما .
كما روينا عن الله سبحانه وتعالى : إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك ومن عبادي من لا يصلحه إلا الصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك ، إني أدبر عبادي بعلمي ، إني بهم خبير ، فكذلك من عبادي من لا يصلحه إلا الرجاء ولا يستقيم قلبه إلا عليه ولا تحسن معاملته إلا بوجود حسن الظن فهو طريقه إليه ومقامه منه ومنه علمه به وعنده يجد قلبه معه ، إلا أنه وإن كان طريقا يخرج إلى الله عز وجل فإن الخوف أقرب منه ، وما كان أقرب فهو أعلى ، كما أن الغنى والعوافي طرقان إلى الله تعالى إلا أن الفقر والبلاء عندي أقرب منهما وأعلى والله غالب على أمره . وقد روينا عن معمر عن الحسن : أنه قال : إنما عمل الناس على قدر ظنونهم بربهم فأما المؤمن فأحسن بالله الظن وأحسن العمل ، وأما الكافر والمنافق فأساء بالله الظن ولكن أكثر الناس لا يعلمون .
شرح مقام الخوف ووصف الخائفين وهو الخامس من مقامات اليقين
قال الله عز وجل : ( وما يعقلها إلا العالمون ) العنكبوت : 43 فرفع العلم على العقل وجعله مقاما فيه وقد قال سبحانه وتعالى : ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) فاطر : 28 فجعل الخشية مقاما في العلم حققه بها ، والخشية حال من مقام الخوف ، والخوف اسم لحقيقة التقوى ، والتقوى معنى جامع للعبادة وهي رحمة الله تعالى للأولين والآخرين ، ينظم هذين المعنيين قوله تعالى : ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون ) البقرة : 21 وقوله تعالى : ( ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله ) النساء : 131 ، وهذه الآية قطب القرآن مداره عليها والتقوى سبب أضافه تعالى إليه تشريفا له ، ومعنى وصله به وأكرم عباده عليه تعظيما له فقال : ( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ) الحج : 37 وقال : ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) الحجرات : 13 وفي الخبر : إذا جمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم ناداهم بصوت يسمع أقصاهم كما يسمع أدناهم يقول : يا أيها الناس إني قد أنصت لكم منذ خلقتكم إلى يومكم هذا ، فأنصتوا إلي اليوم ، فإنما هي أعمالكم ترد عليكم ، أيها الناس إني جعلت نسبا وجعلتم نسبا ، فوضعتم نسبي ورفعتم نسبكم ، قلت : ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) الحجرات : 13 وأبيتم إلا فلان بن فلان أغنى من فلان ، فاليوم أضع نسبكم وأرفع نسبي ، أين المتقون ؟ قال : فينصب للقوم لواء فيتبع القوم لواءهم إلى منازلهم فيدخلهم الجنة بغير حساب . والخوف حال من مقام العلم ، وقد جمع الله تعالى للخائفين ما فرقه على المؤمنين ، وهو الهدى والرحمة والعلم والرضوان ، وهذه جمل مقامات أهل الجنان ، فقال تعالى : ( هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون ) الأعراف : 154 وقال : ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) فاطر : 28 وقال جل ذكره : ( رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه ) البينة : 8 وفي خبر موسى عليه السلام : وأما الخائفون فلهم الرفيق الأعلى ، لا يشاركون فيه ، فأفردهم من غير مشاركة بالرفيق الأعلى ، كا حققهم اليوم بشهادة التصديق ، وهذا مقام من النبوة ، فهم مع الأنيباء في المزية من قبل أنهم ورثة الأنبياء ، لأنهم هم العلماء ، قال تعالى : ( فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ) النساء : 69 ، ثم قال تعالى في وصف منازلهم : ( وحسن أولئك رفيقا ) النساء : 69 بمعنى رفقا ، عبر عن جماعتهم بالواحد ، لأنهم كانوا كأنهم واحد ، وقد يكون رفيقا مقاما في الجنة من أعلى عليين ، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم عند الموت وقد خير بين البقاء في الدنيا وبين القدوم على الله تعالى فقال : أسألك الرفيق الأعلى . وفي خبر موسى عليه السلام : فأولئك لهم الرفيق الأعلى ، فدل أنهم مع الأنبياء بتفسير النبي صلى الله عليه وسلم لذلك ، وشرف مقامهم فوق كل مقام ، لطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك . فالخوف اسم جامع لحقيقة الإيمان ، وهو علم الوجود والإيقان ، وهو سبب اجتناب كل نهي ومفتاح كل أمر ، وليس شيء يحرق شهوات النفوس فيزيل آثار آفاتها إلا مقام الخوف . وقال أبو محمد سهل رحمه الله تعالى : كمال الإيمان العلم ، وكمال العلم الخوف ، وقال مرة : العلم كسب الإيمان ، والخوف كسب المعرفة .
وقال أبو الفيض المصري : لايسقى المحب كأس المحبة إلا من بعد أن ينضج الخوف قلبه وقال : خوف النار عند خوف الفراق بمنزلة قطرة قطرت في بحر لجي ، وكل مؤمن بالله تعالى خائف منه ، ولكن خوفه على قدر قربه ، فخوف الإسلام : اعتقاد العزة والجبرية لله تعالى ، وتسليم القدرة والسطوة له ، والتصديق لما أخبر به من عذابه وما تهدد به من عقابه . وقال الفضيل بن عياض : إذا قيل لك تخاف الله فاسكت ، لأنك إن قلت لا كفرت ، وإن قلت نعم فليس وصفك وصف من يخاف . وشكا واعظ إلى بعض الحكماء فقال : ألا ترى إلى هؤلاء أعظهم وأذكرهم فلا يرقون ؟ فقال : وكيف تنفع الموعظة من لم يكن في قلبه لله تعالى مخافة ، وقد قال الله تعالى في تصديق ذلك : ( سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى ) الأعلى : 10 - 11 أي يتجنب التذكرة الشقي ، فجعل من عدم الخوف شقيا وحرمه التذكرة فخوف عموم المؤمنين بظاهر القلب عن باطن العلم بالعقد ، وخوف خصوصهم وهم الموقنون بباطن القلب عن باطن العلم بالوجد : فأما خوف اليقين فهو للصديقين من شهداء العارفين عن مشاهدة ما آمن به من الصفات المخوفة . وقد جاء في خبر إذا دخل العبد في قبره لم يبق شيء كان يخافه دون الله عز وجل إلا مثل له يفزعه ويرعبه إلى يوم القيامة فأول خوف اليقين الموصوف الذي هو نعت الموصوفين من المؤمنين ، المحاسبة للنفس في كل وقت ، والمراقبة للرب في كل حين ، والورع عن الإقدام على الشبهات من كل شيء من العلوم بغير يقين بها ومن الأعمال بغير فقه فيها . وفي خبر موسى عليه السلام : وأما الورعون فإنه لايبقى أحد إلا ناقشته بالحساب وفتشته عما في يديه إلا الورعين ، فإني أستحييهم وأجلهم أن أوقفهم للحساب ، فالورع حال من الخوف ، ثم كف الجوارح عن الشبهات وفضول الحلال من كل شيء ، بخشوع قلب ، ووجود إخبات . وقال علي كرم الله وجهه : ومن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات ، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات ، ثم سجن اللسان وخزن الكلام ، لئلا يدخل في دين الله عز وجل ولا في العلم ما لم يشرعه الله في كتابه أو لم يذكره رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته ، أو لم ينطق به الأئمة من السلف في سيرهم مما لم يكن أصله موجودا في الكتاب والسنة ، وتسميته واضحة في العلم ، فيجتنب ذلك كله ، ( ولاتقف ما ليس لك به علم ) الإسراء : 36 خوفا من المساءلة ، ولا يدخل فيه لدقيق هوى يدخل عليه ولا لعظيم حظ دنيا يدخل فيه وأن ينصح نفسه لله تعالى لأنها أولى الخلق ، ثم ينصح الخلق في الله تعالى فيبتدئ بالنصح في أمور الدين والآخرة ، ثم يعقبه في أسباب الدنيا لأن أمور الآخرة أهم ، والغش في الدين أعظم ، والتزود للمنقلب آثر . روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : من غش أمتي فعليه لعنة الله ، قيل وما غش أمتك يا رسول الله ؟ قال : أن يبتدع لهم بدعة فيتبع عليها ، فإذا فعل ذلك فقد غشهم . وثمرة الخوف العلم بالله عز وجل والحياء من الله عز وجل وهو أعلى سريرات أهل المزيد يستبين أحكام ذلك في معنيين ؛ هما جملة العبد إن يحفظ رأسه وما حواه من السمع والبصر واللسان وأن يحفظ بطنه وما وعاه وهو القلب والفرج واليد والرجل : وهذا خوف العموم ، وهو أول الحياء .
فأما خوف الخصوص فهو أن لا يجمع ما لا يأكل ولا يبني ما لا يسكن ، ولا يكاثر فيما عنه ينتقل ولا يغفل ولا يفرط عما إليه يرتحل ، وهذا هو الزهد وهو حياء مزيد أهل الحياء من تقوى أصحاب اليمين ، وقد روينا معنى ما ذكرناه في حديثين ، أحدهما عام والآخر خاص ، وكل من لم يستعمل قلبه في بدايته ، ويجعل الخوف حشو إرادته لم ينجب في خاتمته ، ولم يكن إماما للمتقين عند علو معرفته . وأعلى الخوف أن يكون قلبه معلقا بخوف الخاتمة ، لا يسكن إلى علم ولا عمل ، ولا يقطع على النجاة بشيء من العلوم وإن علت ، ولا لسبب من أعماله وإن جلت ، لعدم علمه تحقيق الخواتم ، فقد قيل : إنما يوزن من الأعمال خواتمها . وعن النبي صلى الله عليه وسلم : إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة خمسين سنة حتى يقال إنه من أهل الجنة ، وفي خبر : حتى ما يبقى بينه وبين الجنة إلا شبر ، ثم يسبق عليه الكتاب فيختم له بعمل أهل النار ولا يتأتى في هذا المقدار من الوقت شيء من عمل الجسم بالجوارح ، إنما هو من أعمال القلوب بمشاهدة العقول ، وهو شرك التوحيد الذي لم يكن متحققا به ، وشك في اليقين الذي لم يكن في الحياة الدنيا مشاهدا له ، فظهر له بيان ذلك عند كشف الغطاء ، فغلب عليه وصفه وبدت فيه حاله كما يظهر له أعماله السيئة فيستحليها قلبه أو ينطق بها لسانه أو يخامرها وجده ، فتكون هي خاتمته التي تخرج عليها روحه ، وذلك في سابقته التي سبقت له من الكتاب كما قال تعالى : ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) الأعراف : 37 تكون عند مفارقة الروح من الجسد ( وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص ) هود : 109 وقد جاء في خبر حتى لايبقى بينه وبين الجنة إلا فواق ناقة ، فيختم له بعمل أهل النار ، وهذا يكون عند بلوغ الروح التراقي ، وتكون النفس قد خرجت من جميع الجسد ، واجتمعت في القلب إلى الحلقوم فهذا هو شبر ، وفواق ناقة : هو ما بين الحلبتين ، وقيل : هو شوط من عدوها بين سيرين ؛ وهذا من تقلبات القلوب عند حقيقة وجهة التوحيد إلى وجهة الضلال والشرك عندما يبدو له من زوال عقل الدنيا ، وذهاب علم المعقول فيبدو له من الله ما لم يكن يحتسب . وأكثر ما يقع سوء الخاتمة لثلاث طوائف من الناس : أهل البدع والزيغ في الدين ، لأن إيمانهم مرتبط بالمعقول ، فأول آية تظهر لهم من قدرة الله تعالى أن يطيح عقله عند شهودها فيذهب إيمانه ولا يثبت لمعاينتها ، كما تحترق الفتيلة فيسقط المصباح . والطبقة الثانية أهل الكبر والإنكار لآيات الله عز وجل وكراماته لأوليائه في الحياة الدنيا ، لأنهم لم يكن لهم يقين يحمل القدرة ويمده الإيمان ؛ فيعتورهم الشك ويقوى عليهم لفقد اليقين .
والطبقة الثالثة ثلاثة أصناف : متفرقون متفاوتون في سوء الخاتمة ، وجميعهم دون تينك الطائفتين في سوء الخاتمة ، لأن سوء الختم على مقامات أيضا كمقامات اليقين والشرك في عمر الحياة ، منهم المدعي المتظاهر الذي لم يزل إلى نفسه وعمله ناظرا ، والفاسق المعلن ، والمصر المدمن ، يتصل بهم المعاصي إلى آخر العمر ، ويدوم تقلبهم فيها إلى كشف الغطاء ، فإذا رأوا الآيات تابوا إلى الله تعالى بقلوبهم ، وقد انقطعت أعمال الجوارح فليس يتأتى منهم ، فلا تقبل توبتهم ، ولا تقال عثرتهم ، ولاترحم عبرتهم ، وهم من أهل هذه الآية ، ( وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال : إني تبت الآن ) النساء : 18 فهم مقصودون بقوله عز وجل : ( وحيل بينهم وبين ما يشتهون ) سبأ : 54 وهم معنيون بمعنى قوله تعالى : ( فلما رأوا بأسنا قالوا : آمنا بالله وحده ) غافر : 84 ، فنصوص الآية للكفار ومعناها ومقام منها لأهل الكبائر وذوي الإصرارمن الفاسقين الزائغين ، من حيث اشتركوا في سوء الخاتمة ثم تفاوتوا في مقامات منها ، تظهر لهم شهوات معاصيهم ، ويعاد عليهم تذكرها ، لخلو قلبهم من الذكر والخوف حتى يختم لهم بشهادتها ؛ فهذه الأسباب تجلب الخوف وتقطع قلوب ذوي الألباب . وقد كان أبو محمد سهل رحمه الله يقول : المريد يخاف أن يبتلي بالمعاصي ، والعارف يخاف أن يبتلي بالكفر . وكذلك قال أبو يزيد رحمه الله تعالى قبله : إذا توجهت إلى المسجد كان في وسطي زنار أخاف أن يذهب بي إلى البيعة وبيت النار حتى أدخل المسجد فيقطع عني الزنار ، فهذا لي في كل يوم خمس مرات ، هذا لعلمهم بسرعة تقلب القلوب في قدرة علام الغيوب . وقد روينا معنى ذلك عن عيسى عليه السلام أنه قال : يا معشر الحواريين أنتم تخافون المعاصي ونحن معشر الأنبياء نخاف الكفر . وروينا في أخبار الأنبياء : أن نبيا شكا إلى الله تعالى الجوع والقمل والعري سنين فأوحى الله تعالى إليه : أما رضيت أن عصمت قلبك أن تكفر بي حتى تسألني الدنيا ، فأخذ التراب فوضعه على رأسه وقال : بلى قد رضيت يارب فاعصمني من الكفر فلم يذكر له نعمته عليه بنبوته وعرضه للكفر ، وجوز دخوله عليه بعد النبوة ، فاعترف النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، ورضي به واستعصم . وقد كان عبد الواحد بن زيد إمام الزاهدين قبلهما يقول : ماصدق خائف قط ظن أنه لا يدخل النار وما ظن أن يدخل النار إلا خاف أن لا يخرج منها أبدا . وقد قال الحسن البصري رحمه الله تعالى إمام العلماء قبلهم : يخرج من النار رجل بعد ألف عام وياليتني ذلك الرجل ، هذا لشدة خوفه من الخلود في الأبدية ، قال فبعد أن أخرج منها بوقت لا أبالي .
والعدو يدخل على العارفين من طريق الإلحاد في التوحيد والتشبيه في اليقين والوسوسة في صفات الذات ، ويدخل على المريدين من طريق الآفات والشهوات ، فلذلك كان خوف العارفين أعظم ، ومن قبل أن العدو يدخل على كل عبد من معنى همه فيشككه في اليقين كما يزين له الشهوات ، فأرواحهم معلقة بالسابقة ماذا سبق لهم من الكلمة ، هناك مشاهدتهم ، ومن ثم فزعهم ، لايدرون أسبق لهم قدم صدق عند ربهم فيختم لهم بمقعد صدق ، فيكونون ممن قال تعالى : ( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ) الأنبياء : 101 ويخافون أن يكونوا قد حقت عليهم الكلمة ، فيكونون ممن قال فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم : يقول الله سبحانه وتعالى هؤلاء في النار ولا أبالي فلا ينفعهم شفاعة شافع ، ولاينقذهم من النار دافع ، كما قال مولاهم الحق : ( أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار ) الزمر : 19 وكقوله تعالى : ( ولكن حق القول مني لأملأن جهنم ) السجدة : 13 فهذه الآية ومعناها تخويف لأولي الأبصار . وقال عالمنا رحمه الله في قوله تعالى ( وإياي فاتقون ) البقرة : 41 عموم أي فيما نهيت عنه : وقوله تعالى ( وإياي فارهبون ) البقرة : 40 أي في السابقة وهذا خصوص . وقد نوع بعض العارفين خوف المؤمنين على مقامين فقال : قلوب الأبرار معلقة ، بالخاتمة يقولون : ليت شعري ماذا يختم لنا به ؟ وقلوب المقربين معلقة بالسابقة يقولون : ليت شعري ماذا سبق لنا به ؟ وهذان المقامان عن مشاهدتين : إحداهما أعلى وأنفذ من الأخرى لحالين : أحدهما أتم وأكمل ، فهذا كما قيل ذنوب المقربين حسنات الأبرار : أي ما يرغب فيه الأبرار فهو عندهم فضائل ، قد زهد فيه المقربون ، فهو عندهم حجاب ، ومن حقت عليه كلمة العذاب ، وسبق له من مولاه الختم بسوء الاكتساب ، لم ينفعه شيء ، فهو يعمل في بطالة لا أجر له ولا عاقبة قد نظر إليه نظرة بعذ ؛ فهو يزداد بأعماله بعدا من قبل أن سوء الخاتمة قد تكون في وسط العمر ، فلا ينتظر بها آخره يوافق معصية تكون سببها كعند الخاتمة ، إذ هما في سبق العلم سواء ، فالخاتمة حينئذ فاتحة ، والوقتان واحد . فإذا انقطعت الآجال وانتهت الأعمال تناهي في الإبعاد فحل في دار البعد ، وقد روينا في الخبر والله لا يقبل الله تعالى من مبتدع عملا إنه رد على الله تعالى سننه فرد عليه عمله كلما ازداد اجتهادا ازداد من الله تعالى بعدا ، كما قال الحكيم : من غص داوى بشرب الماء غصته . . . فكيف يصنع من قد غص بالماء بل كيف يصنع من أقصاه مالكه . . . فليس ينفعه طب الأطباء وعن مشاهدة هذا المعنى كان خوف الحسن البصري رحمه الله تعالى وحزنه ، لعلمه بأنه عز وجل لايبالي ما فعل ، فخاف أن يقع بوصف الجبرية في ترك المبالاة ، وأن يجعله نكالا لأصحابه ، وموعظة لأهل طبقته . ويقال إنه ما ضحك أربعين سنة وكنت إذا رأيته قاعدا كأنه أسير قدم ليضرب عنقه ، وإذا تكلم كأنه يعاين الآخرة فيخبر عن مشاهدتها ، وإذا سكت كأن النار تسعر بين عينيه ، وعوتب في شدة حزنه فقال : ما يؤمنني أن يكون قد اطلع علي في بعض ما يكره فمقتني ، فقال اذهب فلا غفرت لك ، فأنا أعمل في غير معمل ، فنحن أحق بهذا من الحسن رحمه الله ، ولكن ليس الخوف يكون لكثرة الذنوب ، فلو كان كذلك لكنا أكثر خوفا منه ، إنما يكون لصفاء القلب وشدة التعظيم لله تعالى .
وقد بشر العلاء بن زياد العدوي بالجنة وكان من العباد فغلق عليه بابه سبعا ولم يذق طعاما ، وجعل يبكي ويقول : أنا في قصة طويلة ، حتى دخل عليه الحسن فجعل يعذله في شدة خوفه وكثرة بكائه ، فقال يأخي من أهل الجنة إن شاء الله تعالى ، أقاتل نفسك ؟ فما ظنك برجل يعذله الحسن في الخوف ، وقد كان من فوقهم من عليه الصحابة يتمنون أنهم لم يخلقوا بشرا وقد بشروا بالجنة يقينا في غير خبر . من ذلك قول أبي بكر رضي الله عنه : ليتني مثلك ياطير وأني لم أخلق بشرا ، وقول عمر رضي الله عنه : وددت أني كنت كبشا ذبحني أهلي لضيفهم ، وأبوذر رضي الله عنه يقول : وددت أني شجرة تعضد ، وطلحة والزبير رضي الله عنهما يقولان : وددنا أنا لم نخلق ، وعثمان رضي الله عنه يقول : وددت أني إذا مت لا أبعث ، وعائشة رضي الله عنها تقول : وددت أني كنت نسيا منسيا ، وابن مسعود رضي الله عنه يقول : ليتني أني أكون رمادا ، وفي رواية عنه : ليتني كنت بعرة ، ليتني لم أك شيئا في طبقة يكثر عدهم ونحن في ارتكاب الكبائر ونحدث نفوسنا بالدرجات العلى والقرب من سدرة المنتهى ، ونسينا أن أبانا آدم صلوات الله عليه أخرج من الجنة بعد أن دخلها بذنب واحد ونحن لم نرها بعد فإنما نضرب في حديد بارد . وروينا في خبر أن رجلا من أهل الصفة استشهد فقالت أمه هنيئا فقالت أمه هنيئا لك عصفور من عصافير الجنة هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتلت في سبيل الله تعالى فقال النبي صلى الله عليه وسلم : وما يدريك فلعله كان يتكلم فيما لا يعنيه ويمنع ما لا يضره ، وفي حديث آخر بمثل هذه القصة أنه دخل على بعض أصحابه وهو عليل ، فسمع أمه تقول هنيئا لك الجنة ، فقال : من هذه المتألية على الله عز وجل فقال الرجل : هي أمي يا رسول الله فقال : وما يدرك لعل فلانا كان يتكلم بما لا يعنيه ويبخل بما لا يغنيه . وروينا بمثل معنى هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على طفل منفوس ، ففي راوية : إنه سمع يقول في دعائه : اللهم قه عذاب القبر وعذاب جهنم وفي رواية ثانية : إنه سمع قائلة تقول : هنيئا لك عصفور من عصافير الجنة ، فغضب وقال : ما يدريك ؟
إنه كذلك والله ، إني رسول الله وما أدري ما يصنع بي ، إن الله عز وجل خلق الجنة وخلق لها أهلا وخلق النار وخلق لها أهلا لا يزاد فيهم ولاينقص منهم ، وقد قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة عثمان بن مظعون ، وكان من المهاجرين الأول واستشهد لما قالت أم سلمة رضي الله عنها ذلك ، وكانت تقول : والله لا أزكي أحدا بعد عثمان رضي الله عنه ، وأعجب من ذلك أنا روينا عن محمد بن الحنفية رضي الله عنه أنه قال : والله لا أزكي أحدا غير رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبي الذي ولدني قال : فتكلمت الشيعة ، فأخذ يذكر من فضائل علي كرم الله وجهه ومناقبه ؛ فهذه المعاني أحرقت قلوب الخائفين ولعل ذكر البعد في الأبعاد الذي شيب الحبيب القريب في قوله صلى الله عليه وسلم : شيبتني هود وأخواتها وسورة الواقعة وإذا الشمس كورت وعم يتساءلون لأن في سورة هود ألا بعدا لثمود ( ألا بعدا لعاد قوم هود ) هود : 60 ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود ، وفي سورة الواقعة : ( ليس لوقعتها كاذبة ) الواقعة : 2 يعني وقعت السابقة لمن سبقت له وحقت الحاقة بمن حقت عليه خافضة رافعة خفضت قوما في الآخرة كانوا مرفوعين في الدنيا حين ظهرت الحقائق وكشفت عواقب الخلائق ، وأما سورة التكوير ففيها خواتم المصير وهي صفة القيامة لمن أيقن وفيها تجلي معاني الغضب لمن عاين آخر ذلك ، وإذا الجحيم سعرت وإذا الجنة أزلفت علمت نفس ما أحضرت هذا فصل الخطاب أي عند تسعير النيران واقتراب الجنان ، حينئذ يبتين للنفس ما أحضرت من شر يصلح له الجحيم أوخير يصلح له النعيم وتعلم إذ ذاك من أي أهل الدارين تكون وفي أي منزلين تحل ، فكم من قلوب قد تقطعت حسرات على الأبعاد من الجنان بعد اقترابها وكم من نفوس تصاعدت زفرات عن يقينها بمعاينة لنيران أنها تصيبها ، وكم من أبصار ذليلة خاشعة لمشاهدة الأهوال ، وكم من عقول طائشة لمعاينة الزلزال . وحدثنا عن أبي سهل رحمه الله تعالى قال : رأيت كأني أدخلت الجنة فلقيت فيها ثلاثمائة نبي ، فسألتهم ما أخوف ما كنتم تخافون في الدنيا ؟ فقالوا لي : سوء الخاتمة ، فالخاتمة هي من مكر الله تعالى الذي لا يوصف ، ولا يفطن له ولا عليه يوقف ، ولا نهاية لمكره ، لأن مشيئته وأحكامه لا غاية لها . ومن ذلك الخبر المشهور أن النبي صلى الله عليه وسلم وجبريل بكيا خوفا من الله تعالى ، فأوحى الله إليهما لم تبكيان وقد أمنتكما ؟ فقالا : ومن يأمن مكرك ؟ فلولا أنهما علما أن مكره لانهاية له ، لأن حكمه لاغاية له ، لم يقولا ومن يأمن مكرك مع قوله : قد أمنتكما ولكان قد انتهى مكره بقوله ، ولكانا قد وقفا على آخر مكره ، ولكن خافا من بقية المكر الذي هو غيب عنهما ، وعلما أنهما لا يقفان على غيب الله تعالى ، إذ هو علام الغيوب ، فلا نهاية للعلام في علم ، ولا غاية للغيوب بوصف ، فلم يحكم عليهما القول لعنايته بهما وفضل نظره إليهما ، ولأنهما على مزيد من معرفة الصفات ، إذ المكر عن الوصف وإظهار القول لايقضي على باطن الوصف ، فكأنهما خافا أن يكون قوله تعالى : قد أمنتكما مكري مكرا منه أيضا بالقول على وصف مخصوص عن حكمة قد استأثر بعلمها يختبر بذلك حالهما ، وينطر كيف يعملان تعبدا منه لهما به ، إذ الابتلاء وصفه من قبل أن المبتلي اسمه فلا يترك مقتضى وصفه لتحقق اسمه ، ولا تبدل سنته التي قد خلت في عباده ، كما اختبر خليله عليه السلام لما هوى به المنجنيق في الهواء ، فقال حسبي الله ربي فعارضه جبريل عليه السلام فقال ألك حاجة ؟
قال لا ، وفاء بقوله حسبي الله فصدق القول بالعمل فقال الله تعالى : ( وإبراهيم الذي وفى ) النجم : 37 بقوله حسبي اللهولأن الله تعالى لا يدخل تحت الأحكام ؛ ولا يلزمه ما حكم به على الأنام ، ولا يختبر صدقه سبحانه وتعالى ، ولا يجوز أن يوصف بضد الصدق وأن بدل الكلم هو بتبديل منه ، لأن كلامه قائم به ، فله أن يبدل به ماشاء ، وهو الصادقين في الكلامين ، العادل في الحكمين ، الحاكم في الحالين ، لأنه حاكم عليه ولا حكم يلزمه فيه ، لأنه قد جاز العلوم والعقول التي هي أماكن للحدود من الأمر والنهي ، وفات الرسوم والمعقول التي هي أواسط الأحكام والأقدار . وفي مشاهدة ما ذكرناه علم دقيق من علوم التوحيد ، ومقام رفيع من أحوال التوحيد وبمثل هذا المعنى وصف صفيه موسى في قوله تعالى ( فأوجس في نفسه خيفة موسى ) طه : 66 بعد قوله تعالى ( لا تخافا إنني معكما ) طه : 46 الآية ، فلم يأمن موسى أن يكون قد أسر عنه في غيبه ، واستثنى في نفسه سبحانه ما لم يظهره له في القول ، لمعرفة موسى عليه السلام بخفي المكر وباطن الوصف ، ولعلمه أنه لم يعطه الحكم إذ هو محكوم عليه مقهور ، فخاف خوفا ثانيا حتى أمنه أمنا ثانيا بحكم ثان ، فقال : ( لا تخف إنك أنت الأعلى ) طه : 68 فاطمأن إلى القائل ولم يسكن إلى الإظهار الأول ، لعلمه بسعة علمه أنه هو علام الغيوب التي لا نهاية لها ، ولأن القول أحكام والحاكم لا تحكم عليه الأحكام كما لا تعود عليه الأحكام ، وإنما تفصل الأحكام من الحاكم العلام ، ثم تعود على المحكومات أبدا ، ولأنه جلت قدرته لا يلزمه مالزم الخلق الذي هم تحت الحكم ، ولايدخل تحت معيار العقل والعلم ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، عند من عرفه فأجله وعظمه عن معارف من جهله . ومن هذا قول عيسى عليه السلام من قوله تعالى : ( إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ) المائدة : 116 لما قال له : ( أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ) المائدة : 116 ومثل هذا قوله في يوم القيامة ( إن تعذبهم فإنهم عبادك ) المائدة : 118 فجعلهم في مشيئة لعزته وكحمته ولا يصلح أن نكشف حقيقة ما فصلناه في كتاب ، ولا ينبغي أن نرسم ما رمزناه من الخطاب خشية الإنكار ، وكراهة تفاوت علم أهل المعقول والمعيار إلا أن يسأل عنه من أقيم فيه وأريد به من ذوي القوة والإبصار ، فينقل من قلب إلى قلب ، فحينئذ يتلوه شاهد منه ، أويكشفه علام الغيوب في سرائر القلوب بوحي الإلهام ، ويقذفه بنور الهدى للإعلام ، والله الموفق لمن شاء من العباد ، لما شاء من الحيطة بالعلم وهو الفتاح العليم إذا فتح القلب علمه وإذا نوره بالقين ألهمه . ومن خوف العارفين علمهم بأن الله تعالى يخوف عباده بمن شاء من عباده الأعلين ، يجعلهم نكالا لأدنين ويخوف العموم من خلقه بالتنكيل ببعض الخصوص من عباده حكمة له وحكما منه . فعند الخائفين في علمهم أن الله تعالى قد أخرج طائفة من الصالحين نكالا خوف بهم المؤمنين ؛ ونكل طائفة من الشهداء خوف بهم الصالحين ، وأخرج جماعة من الصديقين خوف بهم الشهداء ؛ والله تعالى أعلم بما وراء ذلك .
وقد أخرج جماعة من الملائكة وعظ بهم النبيين ، وخوف بهم الملائكة المقربين ، فصار من أهل كل مقام عبرة لمن دونهم وموعظة لمن فوقهم ، وتخويف وتهديد لأولي الأبصار ، وهذا داخل في بعض تفسير قوله عز وجل : ( آتيناه آياتنا فانسلخ منها ) الأعراف : 175 قال بعض أهل التفسير في أخبار بلعم بن باعوراء : إنه أوتي النبوة ، والمشهور أنه أوتي الاسم الأكبر ، فكان سبب هلاكه ، وهو مقتضى وصف من أوصافه ، وهو ترك المبالاة بما أظهر من العلوم والأعمال ، فلم يسكن عند ذلك أحد من أهل المقامات في مقام ، ولا نظر أحد من أهل الأحوال إلى حال ، ولا أمن مكر الله تعالى عالم به في كل حال ، كيف وقد سمعوه تبارك وتعالى يقول : ( إن عذاب ربهم غير مأمون ) المعارج : 28 فأجهل الناس من أمن غير مأمون ، وأعلمهم من خاف في الأمن حتى يخرج من دار الخوف إلى مقام أمين . وهذا خوف لايقوم له شيء ؛ وكرب لا يوازيه مقام ولا عمل ، لولا أن الله تعالى عدله بالرجاء لأخرج إلى القنوط ، ولولا أنه روحه بروح الأنس بحسن الظن لأدخل في الإياس ، ولكن إذا كان هو المعدل وهو المروح كيف لا يعتدل الخوف والرجاء ، ولا يمتزج الكرب بالروح والرضا ، حكمة بالغة ، وحكم نافذ ، لعلم سابق ، وقدر جار ، ماشاء الله تعالى لا قوة إلا بالله . وفي شهود ما ذكرناه علم عن مشاهدة توحيد لمن أشهده ، فأقل ما يفيد علم هذا الخائفين ترك النظر إلى أعمالهم ورفع السكون إلى علومهم وصدق الافتقار في كل حال ودوام الانقطاع بكل هم والإزراد على النفس في كل وصف ؛ وهذه مقامات لقوم ، فيكون هذا الخوف سبب نجاتهم من هذه الوقائع إذ قد جعل الله تعالى التخويف أمنة من الأخذ بالمفاجأة وسببا للرأفة والرحمة لمن ألبسه إياه ، وهو أحد الوجهين وفي قوله تعالى : ( أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض ) النحل : 45 الآية ، ثم قال تعالى : ( أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرؤوف رحيم ) النحل : 47 وليس يصلح أيضا أن نكشف سر المخاوف من الخاتمة والسابقة لأن ذلك يكون عن حقائق معاني الصفات التي ظهرت عن حقيقة الذات فأظهرت بدائع الأفعال وغرائب المآل وأعادت الأحكام على من أظهر بها وجعل لها ممن حقت عليه الكلمات وجعل نصيبه من معاني هذه السريرة من الصفات فيؤدي ذلك منا إلى كشف باطن الأوصاف ؛ وهذا غير مأمور به ولا مأذون فيه ، لأنه لا يجب فلم يؤمر به ، ولأنه لم يبح فلم يؤذن فيه ، وهو من سر القدر وقد نهي عن إفشائه في غير خبر ولو لم يطلع الأولياء عليه لما قيل : فلا تفشوه ، فإن أقام الله تعالى عبدا مقام هذه المشاهدة أغناه بالمعاينة عن الخبر ، وآنسه بالمحادثة عن الأثر ، وذلك هو العلم النافع الذي يكون العلام معلمه ، وذلك هو الأثر اللازم الذي يكون الجاعل مؤثره ، ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) الطلاق : 3 فالكتب الذي لا يمحي ما كان من نوره والعين التي لا تخفى لأنها بحضوره والنور الذي لا يطفأ لأنه من روحه والروح الذي لا كرب فيه لأنه من ريحانه والمدد الذي لا ينقطع فمن روحه ، وقد كتب وأيد وكل كتاب بيد مخلوق فغيرمحفوظ وقد يضيع وكل أيد بغير روحه فمقطوع وما كتبه الصانع بصنعه في قلب حفيظ فمثبت عتيد .
وقد روينا عن زيد بن أسلم في قوله تعالى : ( في لوح محفوظ ) البروج : 22 ، قال : قلب المؤمن وقال آخر في قوله : ( والبيت المعمور ) الطور : 4 قلب العارف ، وقال بعض أهل المعرفة : ( في بيوت أذن الله أن ترفع ) النور : 36 قلوب المقربين رفعت إلى وصف الخالق عن ذكر المخلوقين ويذكر فيها اسمه بالتوحيد على تجريد الوحدانية عن شهادة الأحدية . وقد كان أبو محمد سهل رحمه الله تعالى يقول : الصدر هو الكرسي والقلب هو العرش والله تبارك وتعالى واضع عليه عظمته وجلاله ، وهو مشهود بلطفه وقربه ، فصدرالمومن أوله صمدية وآخره روحانية وأوسطه ربوبية ، فهو صمدي روحاني رباني وقلبه أوله قدرة وآخره بر ، وأوسطه لطف ، فإذا كان كذلك فهو مشكاة فيها مصباح يرى به الزجاج كأنها كوكب دري تشهد به الآلاء ، فهو مرآة جسدي يرى فيرى به الوجه ويجده عنده كما يراه به من وراء مرآة مشاهدة من قلب موقن بعين يقين ، يشهد الصدر الكرسي والقلب العرش والله تعالى عليه . ولا يحل للعلماء أيضا كشف علامات سوء الخاتمة فيمن رأوها فيه من العمال لأن لها علامات جلية عند المكاشفين بها وأدلة خفية عند العارفين المشرف بهم عليها ، ولكنها من سر المعبود في العبد خبيئة وخبأة في خزائن النفوس لم يطلع عليها إلا الأفراد وقد ستر ذلك وعطاه بسعة رحمته وحلمه وكثيف ستره وفضله وسيخرج ذلك الخباء يوم تبلى السرائر عند غضبه وعظيم سطوته ، فما له من قوة ، من عمل ، ولا ناصر من علم لا قوة له فينتصر بها ، لأن النصرة عزة وهو ذليل ، ولا ناصر ، لأن الناصر هو الخاذل والمقوى هو المضعف ، فما أسوأ حال من لا ينصر نفسه ، وليست له من مولاه صحبة ، ولو صحبه لنصره ، ولو نصره لأعزه ولو وليه لهرب منه عدوه . قال تعالى : ( لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون ) الأنبياء : 43 وقال تعالى : ( قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض ) الفرقان : 6 الآية . فمن حكمته غفره ومن رحمته ستره ، وقال تعالى : ( يخرج الخبء في السموات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون ) النمل : 25 ؛ فهذه العلوم التي ذكرناها توجب حقائق المخاوف ، وهي من سر الملك وخباء الملكوت . على أن للعبد عند الموت علامات ليس يخفى على العارف بسوء الخاتمة بها لمشاهدته لها وللأحياء علامات عند المكاشفين على الاطلاع يعرفون بها سوء الخاتمة منهم ، وهذا علم مخصوص به : من أقيم مقام مقامات المكاشفات عن مشاهدة حقيقة من ذات ، وهوسر علام الغيوب عند من أطلعه عليه من أهل القلوب ، لأن الكشف يتنوع أنواعا من المعاني ، فمنه كشف معاني الآخرة ، ومنه كشف بواطن الدنيا ، ومنه الاطلاع على حقائق الأشياء المستورة لظواهر الأحكام ، فهذا من سر الملكوت ، ومن معاني كشوف الجبروت .
وقد جاء في خبر القدر سر الله فلا تفشوه فهذا خطاب لمن كوشف به ، وفي خبر آخر ستر الله فلا تكشفوه فهذا خطاب لمن لم يكاشف به ، وهذا نهي عن السؤال عنه ، وهو داخل في قوله تعالى ( ولاتقف ما ليس لك به علم ) الإسراء : 36 أي لا تتبع نفسك علم ما لم تكلف ، ولا تسأل عما لم يجعل من علمك ولم يوكل إليك ، ولأنه إذا علمه لم ينفعه علمه شيئا ، وإنما ينفعه علم الأحكام والأسباب ، لأنها طرقات ، وبمثل مخاطبة المؤمنين خاطب أنبياءه عليهم السلام في هذا المعنى في قوله تعالى لنوح عليه السلام حين قال : ( إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق ) هود : 45 لأنه قدكان وعده نجاة أهله فقال سبحانه وتعالى : ( إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم ) هود : 46 أي دعاءك ومسألتك لي ما لم أجعله من علمك ولم أكله إليك عمل غير صالح ، فعندها استغفر ربه واسترحمه . وإن العبد عند موته في آخر ساعة من عمره يكشف له عند كشف الغطاء عن بصره وجوه كثيرة قد اتخذت آلهة من دون الله أو أشرك بها مع الله تعالى وكلها تزيين وغرور فإن وقف القلب مع أحدها ، أو زين له بعضها أوتقلب قلبه في شيئ منها عند آخر أنفاسه ختم له بذلك ، فخرجت روحه على الشك أو الشرك ، وهذا هو سوء الخاتمة ، وهو نصيب العبد من الكتاب في السابقة عند خلق الأرواح ، معدومة لها في الأشباح في الآباد والآزال قبل إظهار الأكوار والأدوار ، فشهدتها الأرواح هناك غرورا ، ووقفت معها وقد زادت لها زورا رسوم في القلب في التخطيط قبل خلق الأجسام لها ، وقبل حجبها بكشف الهياكل عند ظهورها في الوجود ، وقبل إقامتها بشاهد العقل ، لكن بشاهد الأولية بدت ، وبمعنى القيومية وجدت ، وبوصف الجامع جمعت ثم فرقت ههنا ، فظهرت الآن عند الفراق ، لما كانت شهدت في التلاق ، واعترفت في الآخر بما كانت نطقت في الأول وخرجت الروح على ما شهدت ، وهذا كان خبر السابقة التي أدركت الأرواح المرافقة لها في الأجسام عند الخاتمة . ومن ذلك جاء في الأثر : يأخذ ملك الأرحام النطفة في يده فيقول : يارب أذكر أم أنثى ؟ أسوى أم معوج ، ما رزقه ، وما عمله ؟ ما أثره ماخلقه ؟ قال : ثم يخلق الله تعالى على يده كما قال : فإذا صورة قال : يارب أنفخ فيه بالسعادة أو بالشقاوة فلذلك خرجت الروح بما دخلت به ( فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم وأما إن كان من أصحاب اليمين ، فسلام لك من أصحاب اليمين ، وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم ، وتصلية جحيم ) الواقعة : 88 - 94 ( كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة ) الأعراف : 29 ( كما بدأنا أول خلق نعيده ) الأنبياء : 104 ( ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني ) السجدة : 13 وقال سبحانه وتعالى : ( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ) الأنبياء : 101 ( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك ) يونس : 96 ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ) الأعراف : 179 ( ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون ) المؤمنون : 63 ( وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ) الزمر : 47 ( إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين ) الأنبياء : 106 فهذه الآي ونظائرها وردت في السوابق الأول والخواتم الآخر ، وفيها سرائر الغيوب وغرائب الفهوم ، وهي من آي المطلع لأهل الإشراف على شرفات العرش والأعراف .
وقال بعض العارفين : لو علمت أحدا على التوحيد خمسين سنة ثم حالت بيني وبينه أسطوانة فمات لم أقطع له بالتوحيد ، لأني لا أدري ما ظهر من التقليب . وقد كان أبو محمد سهل رحمه الله يقول : خوف الصديقين من سوء الخاتمة عند كل حركة ، وكل خطرة وهمة ، يخافون البعد من الله تعالى ، وهم الذين مدح الله تبارك وتعالى ( وقلوبهم وجلة ) وقال لا يصح خوفه حتى يخاف من الحسنات كما يخاف من السيئات . وقال أيضا : أعلى الخوف أن يخاف سابق علم الله تعالى فيه ، ويحذر أن يكون منه حدث خلاف السنة يجره إلى الكفر ، وقال : خوف التعظيم ميزان خوف السابقة . وكان بعض العارفين يقول : لو كانت الشهادة على باب الدار والموت على الإسلام عند باب الحجرة لاخترت الموت على الشهادة ، قيل ولم ؟ قال : لأني لا أدري ما يعرض بقلبي من المشاهدة فيما بين باب الحجرة وباب الدار فيغير التوحيد . وروينا عن زهير بن نعيم الباني قال : ما أكبر همي ذنوبي ، إنما أخاف ما هو أعظم علي من الذنوب وهو أن أسلب التوحيد ، وأموت على غيره ، وروي ابن المبارك عن أبي لهيعة عن بكر بن سوادة قال : كان رجل يعتزل الناس أينما كان يكون وحده فجاء أبو الدرداء فقال : أنشدك الله تعالى ما يحملك على أن تعتزل الناس ؟ قال : إني أخشى أن أسلب ديني وأنا لا أشعر ، قال : أترى في الحي مائة يخافون ما تخاف ؟ فلم يزل ينقص حتى بلغ عشرة قال : فحدثت بذلك رجلا من أهل الشام فقال ذلك شرحبيل بن سمط يعني من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقد كان أبوالدرداء يحلف بالله تعالى ويقول : ما أحد أمن على إيمانه أن يسلبه عند الموت إلا سلبه ، وقد كان بعض علمائنا يقول : من أعطى التوحيد أعطيه بكماله ، ومن منعه منعه بكماله إذا كان التوحيد في نفسه لا يتبعض . ولما احتضر سفيان الثوري رضي الله عنه جعل يبكي ويجزع فقيل له : يا أبا عبد الله عليك بالرجاء فإن عفو الله أعظم من ذنوبك فقال : أو على ذنوبي أبكي ؟ لو علمت أني أموت على التوحيد لم أبال أن ألقى الله تعالى بأمثال الجبال من الخطايا ، وقال مرة : ذنوبي أهون من هذه ورفع حبة من الأرض إنما أخاف أن أسلب التوحيد في آخر الوقت ، وقد كان رحمه الله أحد الخائفين ، كان يبول الدم من شدة الخوف ، وكان يمرض المرضة من المخافة ، وعرض بوله على بعض الكتابيين فقال : هذا بول راهب من الرهبان وكان يلتفت إلى حماد بن سلمة فيقول : يا أبا سلمة ترجو لمثلي العفو أو يغفر لمثلي ؟ فيقول له حماد : نعم أرجو له . وقد كان بعض العلماء يقول : لو أني أيقنت أن يختم لي بالسعادة كان أحب إلي مما طلعت عليه الشمس في حياتي أجعله في سبيل الله تعالى . وحدثني بعض إخواني الصادقين وكان خائفا أنه أوصى بعض إخوانه فقال : إذا حضرتني الوفاة فاقعد عند رأسي فإذا عاينت فانظر إلي فإن رأيتني مت على التوحيد فاعمد إلى جميع ما أملكه فاشتر به لوزا وسكرا وانثره على صبيان أهل المدينة وقل : هذا عرس المنفلت ، وإن رأيتني مت على غير التوحيد فأعلم الناس أني قد مت على غير التوحيد حتى لا يغتروا بشهود جنازتي ليحضر جنازتي من أحب على بصيرة لئلا يلحقني الرياء فأكون قد خدعت المسلمين فقلت : ومن أين أعلم أنك قد مت على التوحيد ؟
فذكر له علامة تظهر من بعض الأموات لم نحب ذكرها ، قال : فكنت عند رأسه أنظر إليه كما أمر ، حتى أعاين فرأيت علامة حسن الخاتمة وأمارة الموت على التوحيد قد ظهرت وفاضت روحه ، قال : فنفذت وصيته كما أمر ولم أحدث بذلك إلا خصوص إخواني من العلماء ؛ وذلك أن العبد مهما عمل في حياته من سوء أعيد ذكره عليه عند فراق الحياة ووقعت مشاهدته فيه عند آخرساعة من عمره ، فإن استحلى ذلك بقلبه أو استهواه بنفسه وقف معه فإذا وقف معه حسب عليه عملا له وإن قل وكان ذلك خاتمته وكذلك ما عمل من خير أعيد ذكره ومشاهدته عليه فإن عقد عليه بقلبه أو أحب وقف معه فحسب عملا له وكان ذلك حسن خاتمته . وقال بعض هذه الطائفة في قول الله تعالى : ( خلق الموت والحياة ليبلوكم ) الملك : 2 قال : يبلوكم بتقليب القلوب في حال الحياة بخواطر الذنوب وفي حال الموت بإلحاد عن التوحيد ، فمن خرجت روحه على التوحيد وجاوزت البلاوي كلها إلى المبلى فهو المؤمن وذلك هوالبلاء الحسن ، كما قال الله تعالى : ( ولىبلي المؤمنين منه بلاء حسنا ) الأنفال : 17 فهذه المعاني من العلوم أوجبت خوف الخائفين من علم الله تعالى فيهم فلم ينظروا معها إلى محاسن أعمالهم لحقيقة معرفتهم بربهم ؛ وهذا الخوف هو الثواب لعلمهم بما يعلمون ، فلما سلموا من مطالبة بما يعملون وصحوا على العلم ظهر لهم خوف علم الله تعالى فيهم نعمة من الله تعالى عليهم ، فكان ذلك مقاما لهم ، كما قال الله تعالى : ( قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ) المائدة : 23 قيل بالخوف . والمقام الآخر لأصحاب اليمين دون هولاء ؛ خوف الجنايات والاكتساب ، وخوف الوعيد وسر العقاب ، وخوف التقصير في الأمر وخوف مجاوزة الحد وخوف سلب المزيد ، وخوف حجاب اليقظة بالغفلة ، وخوف حدوث الفترة بعد الاجتهاد عن المعاملة ، وخوف وهن العزم بعد القوة وخوف نكث العهد بنقض التوبة ، وخوف الوقوع في الإبتلاء بالسبب الذي وقعت منه التوبة ، وخوف عود الاعوجاج عن الاستقامة ، وخوف العادة بالشهوة وخوف الحور بعد الكور ؛ وهو الرجوع عن الحجة إلى طريق الهوى وحرث الدنيا وخوف اطلاع الله تعالى عليهم عندما سلف من ذنوبهم ونظره إلىهم على قبيح فعلهم فيعرض عنهم ويمقتهم وهذه كلها مخاوف وطرقات لأهل المعارف وبعضها أعلى من بعض وبعضهم أشد خوفا من بعض ، ويقال : إن العرش جوهرة يتلألأ ملء الكون فلا يكون للعبد وجد في حال من الأحوال إلا طبع مثاله في العرض على الصورة التي يكون عليها العبد فإذا كان يوم القيامة ووقف للمحاسبة أظهرت له صورته من العرش فرأى نفسه على هيئته التي كان في الدنيا فذكر فعله بمشاهدته نفسه فيأخذه من الحياء والرعب ما يجل وصفه . ويقال : إن الله سبحانه إذا أعطى عبدا معرفة ثم لم يعامله بها لم يسلبه إياها ، بل أبقاها عليه ليحاسبه على مقدارها ، ولكن يرفع عنه البركة ويقطع عنه المزيد . وقد ذم الله تعالى عبدا أوجد له نعمة استعمله بها صالحا بعد أن كان قد ابتلاه بهواه ففخر الآن بعمله ونسي ما قدمت يداه ، ولم يخف أن يعيده فيما قد كان جناه في قوله تبارك وتعالى : ( ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور ) هود : 10 ومن المخاوف خوف النفاق ، وقد كان السلف لصالح من الصحابة رضي الله عنهم وخيار التابعين يخافون ذلك . كان حذيفة رضي الله عنه يقول : إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصير بها منافقا حتى يلقى الله تعالى ، إني لأسمعها من أحدكم في اليوم عشر مرات .
وكان يقول : تأتي على القلب ساعة يمتلئ بالإيمان حتى لا يكون للنفاق فيه مغرز إبرة ، ويأتي عليه ساعة يمتلئ بالنفاق حتى لايكون للإيمان فيه مغرز إبرة . وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون : إنكم لتعلمون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكبائر وفي لفظ آخر : من الموبقات . وقد كان الحسن رحمه الله يقول : لوأني أعلم أني بريء من النفاق كان أحب إلي مما طلعت عليه الشمس . وقيل : لايعرى من النفاق إلاثلاث طبقات من المؤمنين : الصديقون والشهداء والصالحون ، وهؤلاء الذين مدحهم الله تعالى بكمال النعمة عليهم ، وألحقهم بمقامات أنبيائه لكمال الإيمان وحقيقة اليقين فيهم ، وقيل من أمن من النفاق فهو منافق . وكان بعضهم يقول : علامة النفاق أن يكره من الناس ما يأتي مثله ، وأن يحب على شيء من الجور ، وأن يبغض على شيء من الحق ، ومن النفاق من إذامدح بما ليس فيه أعجبه ذلك . وعلامات النفاق أكثر من أن تحصى ، يقال هي سبعون علامة ، والحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أربع هن أصولها تتشعب منها الفروع فقال عليه الصلاة والسلام أربع من كن فيه فهو منافق خالص وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم ، وإن كانت فيه خصلة منهن ففيه شعبة من نفاق حتى يدعها : من إذا حدث كذب ؛ وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان ، وإذا خاصم فجر وفي لفظ آخر إذا عاهد غدر فصارت خمسا . وقال رجل لابن عمر رضي الله عنهما : إنا ندخل على هؤلاء الأمراء ونصدقهم بما يقولون فإذا خرجنا تكلمنا فيهم ، فقال : كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . وروينا عنه من طريق آخر أنه سمع رجلا يذم الحجاج ويقع فيه فقال له : أرأيت لو كان الحجاج حاضرا أكنت تتكلم بما تكلمت به ؟ قال لا ، قال : كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأشد من ذلك أن نفرا قعدوا على باب حذيفة رضي الله عنه ينتظرونه ، فكانوا يتكلمون في شيء من شأنه ، فلما خرج عليهم سكتوا حياء منه ، فقال : تكلموا فيما كنتم تقولون فسكتوا ، فقال : كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأعظم من هذا ما كان الحسن رحمه الله يذهب إليه ، كان يقول : إن من النفاق اختلاف السر والعلانية ، واختلاف اللسان والقلب ، والمدخل والمخرج . فدقائق النفاق وخفايا الشرك عن نقصان التوحيد وضعف اليقين أوجبت المخاوف على المؤمنين خشية مقت الله تعالى ، وخوف حبوط الأعمال . من ذلك كان ابن مسعود رضي الله عنه يقول : إن الرجل ليخرج من منزله ومعه دينه فيرجع إلى منزله وليس معه من دينه شيء ، يلقى الرجل فيقول : إنك لذيت وذيت ويلقى الآخر فيقول لأنت وأنت ، ولعله لا يخلى منه بشيء ، وقد سخط الله تعالى عليه ، يعني به التزكية لما لا يعلم ، والمدح لمن يستحق الذم ، واختلاف قلبه ولسانه ، ففي هذا مقت من الله تعالى . وفوق هذه المخاوف سلب الإيمان الذي هو عندك في خزانة المؤمن ، يظهره كيف شاء ، ويأخذه متى شاء ، لا يدري أهبة وهبه لك فيبقيه عليك لكرمه ؟ أو وديعة وعارية أودعك إياه وأعارك هو ؟ فيأخذه إذا لا محالة لعدله وحكمته ، وقد أخفى عنك حقيقة ذلك ، واستأثر بعاقبته .
وقال بعض العارفين : إنما قطع بالقوم عند الوصول مع الخاتمة : وقال آخر : واخطراه كما قال أبو الدرداء وحلف : ما أحد أمن من أن يسلب إيمانه إلا سلبه ، أفرأيت الوقت الذي قال حذيفة : يأتي على القلب ساعة فيمتلئ نفاقا حتى لا يكون فيه للإيمان مغرز إبرة ، إن صادف الموت ذلك الوقت وكان هو آخر وقت ، أليس تخرج روحه على النفاق ، وكذلك تقليبات القلوب في معاني الشرك وتلويحات الشك إن وافق وقت الوفاة كان خاتمته عند لقاء مولاه ، وإنما سميت الخاتمة لأنها آخر عمله وآخر ساعة من العمر ، وخاتم الشيء آخره ومن ذلك قوله تعالى : ( وخاتم النبيين ) الأحزاب : 40 أي آخرهم ، ومثله : ( ختامه مسك ) المطففين : 26 وخاتمه مسك أي آخر الكأس ، بدلا من الثفل يكون مسكا . ومن المخاوف خوف قطع المزيد من علم الإيمان مع بقية المعرفة المبتدأة ليكون مستدرجا بها كما قال بعض العلماء : إن الله تبارك وتعالى إذا أعطى عبدا معرفة فلم يعامله بها لم يسلبه تلك المعرفة ولكن بقاؤها فيه حجة عليه ليحاسبه على قدرها وإنما يقطع عنه المزيد وقد يقسى قلبه وتجري عينه وذلك من النقصان الذي لا يعرفه إلا أهل التمام لأنه يمنعه منه ما ينفعه عنده ويعطيه ما يغتر به ويفتتن عند الخلق لأن عين الوجه من الملك للدنيا وعين القلب من الملكوت للآخرة وقال مالك ابن دينار : قرأت في التوراة : إذا استكمل العبد النفاق ملك عينيه فيبكي متى شاء وقد كانوا يستعيذون بالله عز وجل من بكاء النفاق وهو أن يفتح للعبد ألوان البكاء ويغلق عنه باب الذل والخشوع . وقد قال الله عز وجل : ( وجاءوا أباهم عشاء يبكون ) يوسف : 16 وكان السلف أيضا يقولون : استعيذوا بالله من خشوع النفاق قيل : وما هو ؟ قال : أن تبكي العين والقلب قاس فلأن يعطي الإنسان رقة القلب في جمود عين خير من أن يعطي دموع عين في قسوة قلب ، ورقة القلب عند أهل القلوب هو خشوعه وخوفه وذله وانكساره وإخباته ، فمن أعطاه هذا في قلبه لم يضره ما منعه من بكاء عينه فإن رحج له بفيض العين فهو فضل ، ومن أعطاه بكاء العين وحرمه خشوع القلب وذله وخضوعه وإخباته فهو مكر به ؛ وهذا هو حقيقة المنع وعدم النفع وجملة بكاء العين إنما هو في علم العقل ، فأما علم التوحيد بمشاهدة اليقين فلا بكاء فيه لأنه يظهر لشاهد الوحدانية فيحمله على علم القدرة فتفيض الدموع بانتشاق القوة ، وقد وصف الله تعالى الباكين : إن البكاء يزيدهم خشوعا في قوله تعالى : ( يبكون ويزيدهم خشوعا ) الإسراء : 109 فإذا زادنا البكاء كبرا وفخرا علمنا بذلك عدم الخشوع في القلب فكان تصنعا وعجبا لخفايا آفات النفوس ، فأعلى المخاوف خوف السوابق والخواتم كما كان بعض العارفين يقول : ما بكائي وغمي من ذنوبي وشهواتي لأنها أخلاقي وصفاتي لا يليق بي غيرها إنما حزني وحسرتي كيف كان قسمي منه ونصيبي حين قسم الأقسام وفرق العطاء بين العباد فكيف كان قسمي منه البعد ، فهذا الذي ذكرناه هو جمل خوف العلماء الذين هم ورثة الأنبياء وهم أبدال النبيين وأئمة المتقين ، أولو القوة والتمكين ، وسئل أبو محمد رحمه الله : هل يعطي الله أحدا من الخوف مثقالا فقال : من المؤمنين من يعطي من الخوف وزن الجبل قيل : فكيف يكون حالهم يأكلون وينامون وينكحون ؟
قال : نعم يفعلون ذلك والمشاهدة لا تفارقهم والمأوى يظلهم قيل : فأين الخوف قال : يحمله حجاب القدرة بلطيف الحكمة ويستر القلب تحت الحجاب في التصريف بصفات البشرية فيكون مثل هذا العبد مثل المرسلين ، وهذا كما قال لأن مشاهدة التوحيد بالتصريف والحكمة تقيمه بالقيام بالأحكام ، وذلك أن نور الإيمان في القلب عظيم لو ظهر للقلب لأحرق الجسم وما اتصل به من الملك إلا أنه مستور بالفضل مغطى بالعلم لإيقاع الأحكام ، وإيجاب التصريف فيها والقيام يجري مجرى الغايات من معاني القدر والصفات لأن الأنوار محجوبة بالأسماء والأسماء محجوبة بالأفعال والأفعال محجوبة بالحركات فتظهر الحركة بالقدرة وهي غيب من ورائها ، كذلك يظهر التصريف بالحكمة من نور الإيمان وأنوار الإيمان مستورة من ورائه . وقال بعض العارفين : لو كشف وجه المؤمن للخلق عند الله تعالى لعبدوه من دون الله تعالى ولو ظهر نور قلبه للدنيا لم يثبت له شيء على وجه الأرض ، فسبحان من ستر القدرة ومعانيها بالحكمة وأسبابها حلما منه ورحمة وتطريقا للخلق إليه للمنفعة ، وفي قراءة أبي بن كعب مثل نور المؤمن ، فولا أن نوره من نوره ما استجاز إبدال حرف بغير معناه ، وقد كان سهل رحمه الله تعالى يقول : الخوف مباينة للنهي والخشية الورع والإشفاق الزهد ، وكان يقول : دخول الخوف على الجاهل يدعوه إلى العلم ، ودخوله على العالم يدعوه إلى الزهد ، ودخوله على العامل يدعوه إلى الإخلاص ، وقال أيضا الإخلاص فريضة لا تنال إلا بالخوف ولا ينال الخوف إلا بالزهد فقد صار الخوف يصلح للكافة إذ دخوله على العامة يخرجهم عن الحرام ، ودخوله على الخاصة يدخلهم في الورع والزهد ، لأن من خاف ترك ، وقال أيضا : من أحب أن يرى خوف الله تعالى في قلبه فلا يأكل إلا حلالا ولا يصلح علم الرجاء إلا للخائف ، وقال : الخوف ذكر والمحبة أنثى ، ألا ترى أن أكثر النساء يدعون المحبة يريد بهذا أن فضل الخوف على الرجاء كفضل الذكر على الأنثى ؛ وهذا كما قال لأن الخوف حال العلماء ، والرجاء حال العمال ، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على الكواكب . وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل من علم أحب إلي من فضل من عمل ، وخير دينكم الورع واعلم أن الخوف عند العلماء على غير ما يتصور في أوهام العامة وخلاف ما يعدونه من القلق والاحتراق أو الوله والانزعاج لأن هذه خطرات وأحوال ومواجيد للوالهين وليست من حقيقة العلم في شيء ، بمنزلة مواجيد بعض الصوفية من العارفين في أحوال المحبة ، من احتراقهم وولههم . والخوف عند العلماء إنما هو اسم لصحيح العلم وصدق المشاهدة ، فإذا أعطى عبد حقيقة العلم وصدق اليقين سمي هذا خائفا ، فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم من أخوف الخلق ، لأنه كان على حقيقة العلم ومن أشدهم حبا لله تعالى ، لأنه كان في نهاية القرب ، وقد كان حالة السكينة والوقار في المقامين معا ، والتمكين والتثبيت في الأحوال كلها ، ولم يكن وصفه القلق والانزعاج ، ولا الوله والاستهتار ، وقد أعطي أضعاف عقول الخليقة وعلومهم ، ووسع قلبه لهم ، وشرح صدره للصبر عليهم .
فكان صلى الله عليه وسلم مع الأعرابي كأنه أعرابي ، ومع الصبي بمعناه ، ومع المرأة في نحوها ، يقاربهم في علومهم ، ويخاطبهم بعقولهم ، ويظهر منه مثل وجدهم ، ليعطيهم نصيبهم من الأنس به ، ويوفيهم حقوقهم من الدرك منه ، ولئلا تعظم هيبته في صدورهم ، فينقطعون عن السؤال له والأنس به حكمة منه ، لا يفطنون لها ورحمة منه قد جبل عليها ، قد ألبس مواجيدهم لبسة ، وأدخل ذلك عليه صبغة ، بغير تكلف ولا تصنع ، تعلم ذلك من الحكيم العليم ، فلذلك وصفه عز وجل بخلقه ، وتعجب من وصفه فقال تعالى : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) القلم : 4 قيل على أخلاق الربوبية ، وقرئت بالإضافة ليكون عظم اسم الله سبحانه لا يظهر من حاله ونصيبه شيئا لقوة التمكين وفضل العقلاء ولا يبخس من نصيبهم منه شيئا لحقيقة العدل ، ولا يتظاهر بشيء لحقيقة الزهد ونهاية الخشوع والتواضع ، ولا يظهر عليه شيء لمكانة القوة ورسوخ العلم والحكمة ، وعلى منهاجه وسنته وصف العارفين من أهل البلاء الذين هم الأمثل فالأمثل بالأنبياء . وقال بعض أهل المعرفة : من طالب الخلق بعلمه وخاطبهم بعقله ، فقد بخسهم حقوقهم منه ، ولم يقم بحق الله تعالى فيهم . وقال بعض العلماء : لا يكون إماما من حدث الناس بكل ما علمه وأظهر لهم نصيبه وكان يحيى بن معاذ يقول : لا تخرج أحدا من طريقه ولا تخاطبه بغير علمه فتتعب ، ولكن أغرف له من نهره ، واسقه بكأسه . وسئل بعض العلماء عن العارف ، هل يستوحش من الخلق ؟ قال : لا يستوحش ، ولكن قد يكون نفورا ، قيل : فهل يستوحش منه ؟ فقال العارف لا يستوحش منه ، ولكن قد يهاب . ومما يدلك أن الخوف اسم لحقيقة العلم أن في قراءة أبي بن كعب في قوله تعالى : ( فخشينا أن يرهقهما ) الكهف : 80 فخاف ربك أن يرهقهما . وقال يحيى بن زياد النحوي : ومعناه فعلم ربك ، وقال : الخوف من أسماء العلم والله أعلم .