Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb
قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) المائدة : 1 ، وقال سبحانه وتعالى : ( ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ) المائدة : 89 ، وقال تعالى : ( وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم ) الأحزاب : 5 ، وقال جل ثناؤه : ( ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ) البقرة : 225 ، فعمد القلوب وكسبها هو عقودها وأعمالها ، وعقود القلب التي هي السنة المجتمع عليها نقلها الخلف عن السلف ، ولم يختلف فيه اثنان من المؤمنين ، فيها ست عشرة خصلة ؛ ثمان واجبات في الدنيا ، وثمان واقعات في الآخرة ، فأما اللاتي هن في الدنيا أن يعتقد العبد أن الإيمان قول وعمل ، يزيد بالطاعة ، وينقص بالمعصية ، ويقوى بالعلم ، ويضعف بالجهل ، وأن القرآن كلام الله عز وجل غير مخلوق ، وعلمه القديم صفة من صفاته ، وهو متكلم به بذاته ، وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما تقرب العبد إلى الله عز وجل بأفضل من شيء خرج منه وهو كلامه ، وروينا عن ابن عباس : أن عليا رضي الله تعالى عنهما دعا عند قتال صفين يا كهيعص أعوذ بك من الذنوب التي توجب النقمة ، وأعوذ بك من الذنوب التي تغير النعم ، وأعوذ بك من الذنوب التي تهتك الحرم ، وأعوذ بك من الذنوب التي تحبس غيث السماء ، وأعوذ بك من الذنوب التي تديل الأعداء ، انصرنا على من ظلمنا ، قال الضحاك بن مزاحم : فكان علي رضي الله عنه يقدم هذه بين يدي كل شديدة ، وفيما روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله : أعوذ بكلمات الله وأسمائه كلها ، كما قال أعوذ بعزة الله وقدرته ، دليل أن الكلام والأسماء صفات ، وعن علي رضي الله تعالى عنه حين حكم الحكمين فنقم عليه الخوارج ذلك فقالوا : حكم في دين الله من المخلوقين ، فقال : والله ما حكمت مخلوقا ، ما حكمت إلا القرآن ، وقال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه حين سمع قرآن مسيلمة الكذاب الذي افتعله وتخرصه يضاهي به كلام الله تعالى ، والله ما خرج هذا من آل ولا من تقي ، قال أبو عبيدة : يعني ما خرج من الله تعالى ، قال : وفيه دليل أن القرآن غير مخلوق ، وأنه خرج من الله تعالى تكلم به ، قال ومن هذا قوله تعالى : ( لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ) التوبة : 10 معناه الله عز وجل لا يرقبونه .
وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعنى ذلك في قوله : فضل كلام الله عز وجل على سائر الكلام كفضل الله تعالى على خلقه ، وذلك أنه خرج منه ، وقرأت في مصحف ابن مسعود قال : يا موسى قد فضلتك برسالاتي وبكلامي على الناس ، وهذا لا يجوز فيه إلا التكلم بالذات مع قوله سبحانه وتعالى : ( وكلم الله موسى تكليما ) النساء : 164 ، قال أهل اللغة : المصدر إذا أدخل في الفعل فهو للمواجهة والوصف لا للأمر بالفعل ، ولا على المجاز ، ثم تسليم أخيار الصفات فيما ثبتت به الروايات وصح النقل ، ولا يتأول ذلك ولايشبه بالقياس والعقل ، ولكن يعتقد إثبات الأسماء والصفات بمعانيها وحقائقها لله تعالى ، وينفي التشبيه والتكييف عنها إذ لا كفؤ للموصوف فيشبه ، ولا مثل له فيجنس منه ، ولا نشبه ونصف ، ولا نمثل ونعرف ، ولا نكيف ، وفي رد أخبار الصفات بطلان شرائع الإسلام من قبل أن الناقلين إلينا ذلك هم ناقلو شرائع الدين وأحكام الإيمان ، فإن كانوا عدولا فيما نقلوه من الشريعة فالعدل مقبول القول في كل ما نقله ، وإن كانوا كذبوا فيما نقلوا من أخبار الصفات فالكذاب مردود القول في كل ما جاء به ، والكذب على الله كفر ، فكيف تقبل شهادة كافر ؟ وإذ جاز أن يجترئوا على الله عز وجل بأن يزيدوا في صفاته ما لم يسمعوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم إلى أن يكذبوا على الرسول فيما من الأحكام أولى ، ففي ذلك إبطال الشريعة ، وتكفير النقلة من الصحابة والتابعين بإحسان ، فلذلك كفر أصحاب الحديث من نفي أخبار الصفات ، ويعتقد تفضيل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته رضي الله عنهم ورضوا عنه كافة ، ويسكت عما شجر بينهم ، وينشر محاسنهم وفضائلهم لتأتلف القلوب بذلك ، ونسلم لكل واحد منهم ما فعله ، لأنهم أوفر وأعلى عقولا منا ، فقد علم كل واحد بعلمه ومنتهى عقله فيما أدى إليه اجتهاده ، وإن كان بعضهم أعلم من بعض ، كما أن بعضهم أفضل من بعض ، إلا أن علومنا وعقولنا تضعف وتنقص عن علم أدناهم علما ، كما فضلوا علينا بالسوابق سبقا وتقدم من قدم الله ورسوله وأجمع المسلمون الذين تولى الله إجماعهم على الهداية ، وضمن لرسوله صلى الله عليه وسلم تفضيلا لهم وتشريفا لهم أن لا يجتمعوا على ضلالة ، وقد قال علي لما قيل له : ألا تستخلف علينا ؟ فقال : لا أستخلف عليكم بل أكلكم إلى الله عز وجل ، فإن يرد بكم خيرا جمعكم بعد نبيكم على خيركم .
قال إبراهيم النخعي : فلما سلم الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما الأمر إلى معاوية سميت سنة الجماعة ، وقال له رجل من الشيعة : يا مذل المؤمنين ، فقال : بل أنا معز المؤمنين ، سمعت أبي عليه السلام يقول : لا تكرهوا إمارة معاوية فإنه سيلي هذا الأمر بعدي ، وإن فقدتموه رأيتم السيوف تبدر عن كواهلها كأنها الحنظل ، فليعتقد بقلبه من رضي الصحابة بإمامته ، وأجمعوا على خلافته واتفق الأئمة من أهل الشورى على تقدمته على حديث ابن عمر في التفضيل ، قال : كنا نقول على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم : أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ، فيبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ينكر وعلى حديث سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا ، فهؤلاء الأربعة خلفاء النبوة ؛ وهم أئمة الأئمة من العشرة ، وعيون أهل الهجرة والنصرة ، وخيار الخيار من الأصحاب ، كما روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل اختار أصحابي على العالمين ، واختار من أصحابي أربعة فجعلهم خير أصحابي ، وفي كل أصحابي خير ، واختار أمتي على الأمم ، واختار من أمتي أربعة قرن ، فكل قرن سبعون سنة فإنا نحن قوم متبعون نقفو الأثر غير مبتدعين بالرأي والمعقول نرد به الخبر ، إذ لا مدخل للقياس والرأي في التفضيل ، كما لا مدخل لهما في الصفات وأصول العبادات ، وإنما يؤخذ التفضيل توقيفا وتسليما ومن طريق الاجماع والإتباع خشية الشذوذ والابتداع لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي عضوا عليها بالنواجذ ، ومن شذ ففي النار ، وقال تعالى في تصديق ذلك : ( ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم ) النساء : 115 ، وإنما جاء الترتيب في التفضيل والخلافة مخالفا للقياس ، والمعقول توكيدا للنبوة وتأكيدا للرسالة ، لئلا تلتبس النبوة بالملك ولا ينحو النبي صلى الله عليه وسلم في الخلافة نحو الأكاسرة والأقاصرة في المملكة كما ، كانت النبوة مخالفة للملك جاءت الخلافة على غير سيرة الملوك من استخلاف أبنائهم وأهل بيتهم ، ولو كان للمعقول والقياس مدخل في التفضيل لكان أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن ابنه ، لأن فيه النبوة والعباس عمه إذ فيه الأبوة ، وقد أجمعوا على خلاف ذلك وبمعنى هذا من إخراج الخلق من المألوف ورفع سكونهم عن المعهود ، أن أبا قحافة وأبا سفيان ماتا مؤمنين ، وأن أبا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمه ماتا كافرين ، أجمع أهل النقل والتواريخ على ذلك ، وقال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لما أسلم أبوه بين يدي رسول الله عام فتح مكة : والله يا رسول الله لإسلام أبي طالب كان أحب إلي لو أسلم من إسلام أبي ليقر الله به عينك ، فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيضا ، فلما سبق في علم الله تعالى أن يجعل هؤلاء الأربعة خلفاء النبوة بما قدر الله من أعمارهم ، فلم يكن يتم ذلك إلا بترتيبهم على ما رتبوا في الخلافة ، فكان آخرهم استخلافا هو آخرهم موتا ، فدبر خلافتهم على ما علم من آجالهم ، ووفى لهم بما وعدهم من استخلافهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم من خلائف أنبيائه السوالف ، ومكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ، وبدلهم أمناء بعد خوفهم ، كما قال الصادق فيما عهد ، ومن أوفى بعهده من الله ، فذلك تأويل قوله عز وجل : ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ) النور : 55 الآية ، وأن يعتقد أن الإمامة في قريش خاصة دون سائر العرب كافة إلى يوم القيامة ، وأن لا يخرج على الأئمة بالسيف ، ويصبر على جورهم إن كان منهم ، ويشكر على المعروف والعدل ، ويطيع إذا أمر بالتقوى والبر حتى تأتيه يد خاطئة أو منية قاضية ، كذلك السنة ، قال عالمنا أبو محمد سهل رحمه الله تعالى : هذه الأمة ثلاث وسبعون فرقة : اثنتان وسبعون هالكة ، كلهم يبغض السلطان ، والناجية هذه الواحدة التي مع السلطان ، وسئل أي الناس خير ؟
فقال : السلطان ، قيل : كنا نرى أن شر الناس السلطان ، فقال : مهلا إن لله تعالى في كل يوم نظرتين ، نظرة إلى سلامة أموال المسلمين ودمائهم ، ونظرة إلى سلامة أفكارهم ، فيطلع في صحيفته فيغفر له ذنوبه ، وقال أبو محمد الخليفة إذا كان غير صالح فهو من الأبدال ، وإذا كان صالحا فهو القطب الذي تدور عليه الدنيا ، قوله من الأبدال يعني أبدال الملك ، كما حدثنا عن جعفر بن محمد الصادق أنه قال : أبدال الدنيا سبعة ، على مقاديرهم يكون الناس في كل زمان من العباد ، والعلماء ، والتجار ، والخليفة ، وزير ، وأمير الجيش ، وصاحب الشرطة ، والقاضي وشهوده ، روينا في الخبر : عدل ساعة من إمام عادل خير من عبادة ستين سنة ، ويقال : إن الإمام العادل يوضع في ميزانه جميع أعمال رعيته ، وكان عمرو بن العاص يقول : إمام غشوم خير من فتنة تدوم ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : يكون عليكم أمراء يفسدون وما يصلح الله تعالى بهم أكثر ، فإن أحسنوا فلهم الأجر وعليكم الشكر ، وإن أساؤوا فعليهم الوزر وعليكم الصبر ، وفي الخبر الآخر ، يليكم أمراء يقولون ما لا يعرفوه ويفعلون ما ينكرون ، وفي لفظ يفعلون ما لم يؤمروا ، قلنا : أفلا نقاتلهم ؟ قال : لا ما صلوا . لى سلامة أفكارهم ، فيطلع في صحيفته فيغفر له ذنوبه ، وقال أبو محمد الخليفة إذا كان غير صالح فهو من الأبدال ، وإذا كان صالحا فهو القطب الذي تدور عليه الدنيا ، قوله من الأبدال يعني أبدال الملك ، كما حدثنا عن جعفر بن محمد الصادق أنه قال : أبدال الدنيا سبعة ، على مقاديرهم يكون الناس في كل زمان من العباد ، والعلماء ، والتجار ، والخليفة ، وزير ، وأمير الجيش ، وصاحب الشرطة ، والقاضي وشهوده ، روينا في الخبر : عدل ساعة من إمام عادل خير من عبادة ستين سنة ، ويقال : إن الإمام العادل يوضع في ميزانه جميع أعمال رعيته ، وكان عمرو بن العاص يقول : إمام غشوم خير من فتنة تدوم ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : يكون عليكم أمراء يفسدون وما يصلح الله تعالى بهم أكثر ، فإن أحسنوا فلهم الأجر وعليكم الشكر ، وإن أساؤوا فعليهم الوزر وعليكم الصبر ، وفي الخبر الآخر ، يليكم أمراء يقولون ما لا يعرفوه ويفعلون ما ينكرون ، وفي لفظ يفعلون ما لم يؤمروا ، قلنا : أفلا نقاتلهم ؟ قال : لا ما صلوا .
وفي الحديث الآخر : ما أقاموا الصلاة ، وكان سهل رحمه الله تعالى يقول : من أنكر إمامة لسطان فهو زنديق ، ومن دعاه السلطان فلم يجب فهو مبتدع ، ومن أتاه من غير دعوة فهو جاهل ، وكان يقول : الخشيبات السود المعلقة على أبوابهم أنفع للمسلمين من سبعين قاضيا يقضون في المسجد ، وقد كان أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى يقول : إذا كان السلطان صالحا فهو خير من صالحي الأمة ، وإذا كان فاسقا فصالحو الأمة خير منه ؛ وهذا قول عدل ، ولا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب وإن عظم ، ولا ينزله جنة ولا نارا بل يرجو له ويخاف عليه ، وإن من مات مصرا على الكبائر عن غير توبة منها في مشيئة الله تعالى ، إن أثبت وعيده عليه كان عدلا ، وإن عفا عنه وسمح له بحقه كان ذلك منه فضلا ، ولا نحكم ولا نقطع على الله تعالى بشيء ، ولا نوجب لنا عليه شيئا إنما نحن بين عدله وفضله وبمشيئته واختياره ، إن حقق علينا وعيده فنحن أهل ذلك ، وإن غفر لنا فهو أهل التقوى وأهل المغفرة ، كيف وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : من وعده الله تعالى على عمل ثوابا فهو ينجزه له ، ومن أوعده على عمل عقابا فهو فيه بالخيار ، والحديث الآخر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله تعالى : ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ) النساء : 93 فقال : جزاؤه جهنم إن جازاه ، ففي كل قضاء الله تعالى حكمة بالغة وعدل ، وحكم صادق وحق ، وإن يصدق بجميع أقدار الله تعالى خيرها وشرها أنها من الله تعالى سابقة في علمه جارية في خلقه بحكمه ، وأنهم لا حول لهم عن معصيته إلا بعصمته ، ولا قوة لهم على طاعته إلا برحمته ، وأنهم لا يطيقون ما حملهم إلا به ، ولا يستطيعون لأنفسهم نفعا ولا ضرا إلا بمشيئته ، ونؤمن بقدرة الله وآياته في ملكه وغيب ملكوته مما ذكر في الأخبار من كرامته لأوليائه ، وإجاباته لأحبائه ، وإظهار القدرة للصديقين والصالحين ، مزيدا لإيمانهم وتثبيتا ليقينهم وتكرمة وتشريفا لهم ، وأنه ليس في ذلك إبطال لنبوة الأنبياء ولا إدحاض حججهم من قبل أن هؤلاء غير مثبتين ولا مخالفين للأنبياء ، ولا ادعوا ما ظهر لهم بحولهم وقوتهم ، ولا أظهروا دعوة إلى أنفسهم ، ولا تظاهرا به ، ولا اجتلابا للدنيا ، ولا طلبا للرياسة على أهلها ، وإنما هو شيء كشفه الله تعالى لهم من سر ملكوته كيف شاء ، وأظهرهم عليه من غيب قدرته أين شاء كما شاء ، تخصيصا لهم وتعريفا ، وهم للأنبياء متبعون ، وعلى آثارهم مقتفون ، ولسنتهم مقتدون ، فآتاهم الله تعالى ذلك ببركة الأنبياء وبحسن اتباعهم لهم ، ولأنهم إخوانهم أبدالا لا أشكالا وعنهم أمثالا ، وقد تواترت الأخبار من الصحابة والتابعين الأخيار بما ذكرنا فغنينا بالتواتر عن التناظر .
وأما الثماني الواقعات في الآخرة فأن يعتقد العبد مساءلة منكر ونكير يقعدان العبد في قبره سويا ذا روح وجسد ، فيسألانه عن التوحيد وعن الرسالة ؛ وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن ، وهما فتانا القبر ، كذلك روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو معنى قول الله عز وجل : ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) إبراهيم : 27 ، قيل : عند مساءلة منكر ونكير ، ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ، وعذاب القبر حق وحكمة وعدل على الجسم والروح و النفس ، يشتركون في ذلك حسب اشتراكهم في المعصية ، وإن كان نعيما كان ذلك على الجسم والروح والنفس ، يشتركون في النعيم كما اشتركوا في الطاعة ؛ وهذا من أحكام الآخرة ، يكون بمجاري القدرة ليس على ترتيب المعقول ولا عرف العقول ، يوصل الله العذاب والنعيم إلى الأرواح والأجسام وهي متفرقة فيتصل ذلك بهما كأنهما متفقان ، وليس في القدرة مسافة ولا ترتيب ولا بعد ولا توقيت ، ويؤمن بالميزان ذي الكفتين واللسان أنه حق وعدل وحكمة وفضل ، كما جاء وصفه في العظم ، من أن طبقات السماوات والأرض توزن فيه الأعمال بقدرة الله تعالى ، والصنج يومئذ مثاقيل الذر والخردل بحقيقة العدل ، وقد خاب من حمل ظلما فتكون الحسنات في صورة حسنة تطرح في كفة النور فيثقل بها الميزان برحمة الله تعالى ، وتكون السيئات في صورة سيئة تطرح في كفة الظلمة فيخف بها الميزان بعدل الله تعالى ، ويعتقد أن الصراط حق على ما جاء وصفه في الآثار كدقة الشعرة وحد السيف ؛ وهو طريق الفريقين إلى الجنة أو النار ، دحض مزلة يثبت عليه أقدام المؤمنين بقدرة الله عز وجل ، فيحملهم إلى الجنة بفضل الله تعالى ، وتزل عنه أقدام المنافقين فتهوي بهم في النار بحكم الله عز وجل ، وهو على متن جهنم بإذن الله تعالى ، من قطعه نجا منها برحمة الله ، ومن زل عنه وقع فيها بحكمة الله تعالى ، ويؤمن بوقوع الحساب وتفاوت الخلق فيه ، فمنهم من يحاسب حسابا يسيرا ، ومنهم من يدخل النار بغير حساب ؛ وهم الكافرون ، وكان إمامنا أبو محمد رحمه الله تعالى يقول : يسأل الأنبياء عن تبليغ الرسالة ، ويسأل الكفار عن تكذيب المرسلين ، ويسأل المبتدعة عن السنة ، ويسأل المسلمون عن الأعمال ، فقولنا لقوله تبع ، ويؤمن بالنظر إلى الله جل جلاله عيانا بالأبصار كفاحا مواجهة تكشف الحجب والأستار بقدرة الله ومشيئته ونوره ورحمته كيف شاء ؛ وهو معنى قول الله تعالى : ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) يونس : 26 ، فالحسنى الجنة ، والزيادة النظر إلى الله تبارك وتعالى ، وكذلك فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويعتقد إخراج الموحدين من النار بعد الانتقام حتى لا يبقى في جهنم موحد بفضل الله بشفاعة الشافعين من النبيين والصديقين ، وأن لكل مؤمن شفاعة بإذن الله ، فيشفع النبيون والصديقون والعلماء والشهداء وسائر المؤمنين كل واحد وسع جاهه وقدر منزلته ، أجمعت الرواة بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في إثبات الشفاعة وفي إخراج الموحدين من النار ؛ وهم الجهنميون من أهل الطبقة العليا من النار ؛ وهو معنى قول الله تعالى : ( ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ) الحجر : 2 ، قال أهل التفسير ذلك عند إخراج الموحدين من النار ، ويبقى الباقي لرحمة أرحم الراحمين ، فيخرج من النار بمشيئته ، وسعة رحمته ، وفضل فضله ، من لم يشفع لهم الشافعون ولم يقدم في الشفاعة لهم المرسلون ، هكذا روينا معناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فهذه عقود السنة الهادية وطريقة الأمة الراضية ، وقد أجمع السلف من المؤمنين على ما ذكرناه من قبل أنه لم ينقل عن أحد منهم خلافه ، ولا روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضده ، بل قد روي في كل ما ذكرناه أخبار توجب إيجابه ومعان تشهد لإثباته وتولى الله تعالى إجماعهم على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تولى إظهار دينه على الدين كله .
وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم : أن الله عز وجل ضمن لي ، وفي لفظ آخر : أعطاني أن لا تجتمع أمتي على ضلالة ، فإذا رأيتم خلافا فكونوا مع السواد الأعظم ؛ والسواد الأعظم يعبر به عن الكثرة ، فالمختلفون متفقون على أن السواد الأعظم ما عليه العامة من المسلمين والكافة من العموم ، وأن المبتدعة والمخالفة لما ذكرناه إنما هم فرق وشراذم قليلون وشيع وأحزاب متفرقون ، لأن كل مبتدعة منهم فرقة ، وكل شرذمة منهم مختلفة ، وليس السواد الأعظم والجم الغفير الدهماء إلا أهل السنة والجماعة ؛ وهم السواد والعامة ، ولذلك كان عمر ابن عبد العزيز وغيره من الصالحين يقولون : ديننا دين العجائز وصبيان المكاتب ودين الأعراب أي هو القوي السليم العام ، فسر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر فقال : من كان على ما أنتم عليه اليوم ، فأجمعت الأمة على أن ما أحدثت الفرق المختلفة لم تكن عليه الصحابة ولا تكلموا فيه ولا نقل عنهم ، وأنهم كانوا على ما ذكرناه آنفا ، لأنه لم يرو عن أحد منهم خلافه ، بل قد نقل عنهم وفاقه في القرن الأول والثاني ، ثم حدث ما ذكرناه من الخلاف في بعض القرن الثالث ، وفي القرن الرابع ، وقد كان عمرو بن دينار وأيوب وحماد بن زيد إذا ذكر أحدهم الأرجاء ومذهب جهم يقول : لعن الله دينا أنا أكبر منه ؛ يعني أنه سبق حدوث هذه المذاهب التي تدين بها المبتدعون فلله الحمد ؛ رب السموات ورب الأرض ؛ العالمين على حسن توفيقه وجميل هدايته ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، فنعمة الله تعالى علينا بالسنة كنعمتة علينا بالإسلام إذ نعمته علينا برسول الله صلى الله عليه وسلم كنعمته علينا بمعرفته لاقتران طاعته بطاعته ولحاجة الكتاب العزيز إلى تفسير سنته . وقد روينا في حديث عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : الشيطان مع الواحد وهو من اثنين أبعد ، ذئب أحدكم كذئب الشاة ، يتبع الشاذة والقاصية ، فمن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة ، ومن شذ ففي النار ، وروينا عن أبي غالب عن أبي أمامة : أنه نظر إلى رؤوس الحرورية جيء بها من البصرة فنصبت على الخشب بدمشق ، قال : شر قتلى تحت ظل السماء وخير قتلى من قتلوه ، ثم قال : كلاب النار ، ثم قرأ : ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ) آل عمران : 7 ، ثم قرأ : ( يوم تبيض وجوه وتسود ) آل عمران : 160 ، فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم ، ويشير بإصبعه إليهم ، ثم بكى ، فقلت : يا أبا أمامة تقول فيهم ما تقول ؟ ثم بكى ، فقال : قاتل الله إبليس ما صنع بهؤلاء الناس يا أبا غالب ، إنهم كانوا على ديننا فأبكي مما هم لاقون ، هؤلاء بأرضك كثير فأعيذك بالله منهم ثلاث مرات ، فقلت : آمين يا أبا أمامة أشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو شيء تقوله من قبل رأيك ؟
قال : إني إذا لجريء ثلاث مرات ، لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث ولا أربع يقول : تفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة ، تزيد أمتي عليها فرقة ، كلها في النار إلا السواد الأعظم فقال رجل كان معنا : يا أبا أمامة إن في السواد الأعظم بني فلان قال : وإن فعلوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم ، والجماعة خير من الفرقة ، والطاعة خير من المعصية ، ثم نظر إلى الرؤوس فقال : أيغضبون لنا ويقتلوننا هذه رؤوس الخوارج وهم الحرورية الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه بالنهروان ؛ وهم أول قرن نبغ من المبتدعة وأول بدعة ابتدعت في الإسلام ، وكانوا قراء المصاحف في أعناقهم والسجادات كركب المعزى في جباههم ، فأنكروا عليه تحكيم الحكمين وسألوه أن ينقض حكمه فيرجع عنه وقالوا : لا حكم إلا لله ، وأنكروا أمر السلطان ورأوا الخروج على الإمام ، وكفروا عثمان وصوبوا قتل غوغاء المصريين له ، وطالبوا عليا عليه السلام أن يوافقهم على رأيهم ويتابعهم على أهوائهم على أن قاتلوا معه المسلمين إن رجع عن تحكيم الحكمين ، وكفروا أهل الكبائر بالمعاصي ، فرأى على ما أراه الله تعالى وبما عهد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قتل المارقين فقتلهم فهؤلاء في النار ، وقاتلوهم علي وأصحابه خير أهل الأرض علي يبغضه ويسبه قبل أن يظهر منه ما ظهر ، فخرج عليه عبد الله بن الكوافي ستة آلاف ، فأرسل علي عليه السلام عبد الله بن عباس إليهم يناظرهم ويحاجهم ، فسبوه وبطشوا به ، وجرأهم عليه ابن الكوافي هذا فقام خطيبا فيهم فقال : أتعرفوني بهذا أنا أعرفكموه : هذا من القوم الذين قال الله فيهم : ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون ، [ الزخرف : 58 ] ثم تراجع بعضهم إلى ابن عباس فسأله فكشف له عن الحق واستتاب منهم ألفين ، وقاتل علي كرم الله وجهه أربعة آلاف ؛ فهذه أول فرقة مرقت من الدين واتبعت غير سبيل المؤمنين ، ثم افترقت الفرقة الثانية بالمدائن فرأوا دين الأرجاء ، وأن الإيمان قول وعمل ، وأنه لا يزيد ولا ينقص ، وكتب بذلك إلى أمير الشام فهم بقتالهم ، ثم شغل عنهم بقتال الروم ثم افترقت الفرقة الثالثة بالبصرة وهم القدرية إمامهم معبد الجهني ، وتابعه عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء الغزال وأصحابهم ، ثم خرجت الفرقة الرابعة من الكوفة سموا بذلك لما رفضوا زيد ابن علي بن الحسين حين خرج يقاتل هشاما فقالوا له : أتبرأ من أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما ؟ قال : هما جداي إماما عدل لا أتبرأ منهما فرفضوه ، ثم افترقت كل فرقة ثمان عشر فرقة ، فتمت اثنتان وسبعون فرقة ، وكلها نبع بأرض العراق ، ومنه طلع قرن الشيطان ، وظهرت الفتن نعوذ بالله منها ، ما ظهر منها وما بطن ، وقد روينا عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم : أن لله عز وجل ثلاث أملاك ؛ ملك على ظهر بيت الله تعالى ، وملك على مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وملك على ظهر بيت المقدس ، ينادون في كل يوم ، يقول الملك الذي على ظهر بيت الله تعالى : من ضيع فرائض الله خرج من أمان الله ، ويقول الملك الذي على ظهر مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم : من خالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تنله شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويقول الملك الذي على ظهر بيت المقدس : من أكل حراما لم يقبل منه صرف ولا عدل .
لى الله عليه وسلم لم تنله شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويقول الملك الذي على ظهر بيت المقدس : من أكل حراما لم يقبل منه صرف ولا عدل .
شرح معاملة القلب من العلم الظاهر ذكر مباني الإسلام وأركان الإيمان قال الله تعالى : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا ) الأعراف : 172 ، وقال عز وجل : ( واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا ) المائدة : 7 ، وقال تعالى : ( وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين ) الحديد : 8 ، فمباني الإسلام خمسة : أولها شهادة أن لا إله إلا الله وحده وأن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله ؛ وهما كواحدة لاتصال إحداهما بالأخرى في الوجوب والحكم ، وإقام الصلوات الخمس وهن كواحدة منها لتعلق كل واحدة بصاحبتها ، وإيتاء الزكاة وهي كالصلاة ، لاقترانها بها والإشتراط بها ، وصوم رمضان ، وحج البيت ؛ وهما كشيء واحد من الفرض ، فهذه الخمس كواحدة منهن في إيجاب العقد واعتقاد الوجوب ، وإن اختلف الحكم في سقوط فعل بعضها بشرط ، روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم شهر رمضان ، وحج البيت ، وأركان الإيمان سبعة : الإيمان بأسماء الله وصفاته ، والإيمان بكتب الله تعالى وأنبيائه ، والإيمان بالملائكة والشياطين ، والإيمان بالجنة والنار ، وأنهما قد خلقتا قبل آدم صلى الله عليه وسلم ، والإيمان بالبعث بعد الموت ، والإيمان بجميع أقدار الله خيرها وشرها ، حلوها ومرها أنها من الله تعالى قضاء وقدرا أو مشيئة وحكما ، وأن ذلك عدل منه ، وحكمة بالغة ، استأثر بعلم غيبها ومعنى حقائقها ، لا يسأل عما يفعل ، ولا تضرب له الأمثال بملزمات العقول وتميثلات المعقول ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا ، وقد شهد الله سبحانه وتعالى بالضلالة على من ضرب لعبده الأمثال فقال تعالى جده : ( أنظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا ) الإسراء : 48 ، فكيف بمن ضرب المثل للسيد الأجل بعد نهيه عن ذلك وإخباره بعلم غيب ذلك ، إذ يقول : فلا تضربوا لله الأمثال ، إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون ، والإيمان بما صح من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقبول جميعه ، وافتراض طاعته وأمره على العباد ، والتزام ذلك ، إذ قد جعل الله تعالى طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم من شرط الإيمان وقرنها بطاعته ، فقال تعالى : ( وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ) الأنفال : 1 ، واشترط للرحمة طاعة الرسول كما اشترط لها تقواه فقال : ( وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون ) النور : 56 ، وحذر من مخالفة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإستجابة له مقامه ، وجعله في المبالغة في الوصف والمدح بدلا عنه ، فقال تعالى : ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) النور : 63 ، كما قال سبحانه وتعالى : ( ويحذركم الله نفسه ) آل عمران : 28 ، وقال تعالى : ( استجيبوا الله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) الأنفال : 42 ، لأنه قال : ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ) الفتح : 1 ، ، وهذه أمدح آية في كتاب الله تعالى وأبلغ فضيلة فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأنه جعله في اللفظ بدلا عنه ، وفي الحكم مقامه ، ولم يدخل بينه وبينه كاف التشبيه كإنما ولا لام الملك فيقول لله تعالى وليس هذا المقام من الربوبية لخلق غير رسول الله صلى الله عليه وسلم . الفصل الخامس والثلاثون فيه ذكر اتصال الإيمان بالإسلام في المعنى والحكم وافتراقهما في التفصيل والاسم
وأن كل مؤمن مسلم ، وتحقيق القول بالعمل ، وإبطال مذهب الجهمية والكرامية والحرورية ، وبيان مذهب أهل السنة والجماعة ، وفقنا الله تعالى لذلك ، قال قائلون : الإيمان هو الإسلام وهذا قد أذهب التفاوت والمقامات ، وهذا يقرب من مذهب المرجئة وقال آخرون : إن الإسلام غير الإيمان ، وهؤلاء قد أدخلوا التضاد والتغاير وهذا قريب من قول الإباضية ، فهذه مسألة مشكلة تحتاج إلى شرح وتفصيل ، فمثل الإسلام من الإيمان كمثل الشهادتين إحداهما من الأخرى في المعنى والحكم ، فشهادة الرسول غير شهادة التوحيد ؛ فهما شيئان في الأعيان وإحداهما مرتبطة بالأخرى ؛ فهما كشيء واحد ، لا إيمان لمن لا إسلام له ، ولا إسلام لمن لا إيمان له ، إذ لا يخلو المسلم من إيمان به يصح إسلامه ، ولا بد للمسلم من إيمان به يحق إيمانه ، من حيث اشترط الله سبحانه وتعالى للأعمال الصالحة الإيمان ، واشترط للإيمان الأعمال الصالحة ، فقال في تحقيق ذلك : ( فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه ) الأنبياء : 94 ، وقال في تحقيق الإيمان بالعمل : ( ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى ) طه : 75 ، ومن كان ظاهره أعمال الإسلام لا يرجع إلى عقود الإيمان بالغيب ، فهو منافق نفاقا ينقل عن الملة ، ومن كان عقده الإيمان بالغيب لا يعمل بأحكام الإيمان وشرائع الإسلام ؛ فهو كافر كفرا لا يثبت معه توحيد ، ومن كان مؤمنا بالغيب مما أخبر به الرسول عن الله سبحانه عاملا بما أمر به فهو مؤمن مسلم ، ولولا أنه كذلك لكان المؤمن يجوز أن لا يسمى مسلما ، ولجاز أن لا يسمى كل مسلم مؤمنا بالله تعالى ورسله وكتبه ، ومثل الإيمان من الأعمال كمثل القلب من الجسم ، لا ينفك أحدهما من الآخر ، لا يكون ذو جسم حي لا قلب له ، ولا ذو قلب لا جسم له ؛ فهما سببان منفردان ، وفي المعنى والحكم متصلان ، ومثلهما أيضا مثل حبة لها ظاهر وباطن وهي واحدة لا يقال حبتان لتقارب وصفيهما ، فكذلك أعمال الإسلام من الإيمان ، الإسلام هو ظاهر الإيمان وهو أعمال الجوارح ، والإيمان باطن الإسلام وهو أعمال القلوب . روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : الإسلام علانية والإيمان سر ، وفي لفظ آخر : والإيمان في القلب ، فالإسلام أعمال الإيمان والإيمان ، عقود الإسلام ، فلا إيمان إلا بعمل ولا عمل إلا بعقد ، ومثل ذلك مثل العلم الظاهر والباطن ؛ أحدهما مرتبط بصاحبه من أعمال القلوب وأعمال الجوارح ، ومثله قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما الأعمال بالنية ؛ أي لا عمل إلا بعقد وقصد ، لأن قوله صلى الله عليه وسلم : إنما تحقيق للشيء ونفي لما سواه ، فأثبت بذلك عمل الجوارح من المعاملات ، وأعمال القلوب من النيات ، فمثل العلم من الإيمان كمثل الشفتين من اللسان ، لا يصح الكلام إلا بهما ، لأن الشفتين تجمع الحروف ، واللسان يظهر الكلام ، وفي سقوط أحدهما بطلان الكلام ، كذلك في سقوط العمل ذهاب الإيمان ، ولذلك عدد الله تعالى في نعمته على الإنسان بالكلام ذكر الشفتين مع اللسان في قوله تعالى : ( ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين ) البلد : 8 - 9 ، المعنى : ألم نجعله ناظرا متكلما ؟
فعبر عن الكلام باللسان والشفتين لأنهما مكان له ، وذكره الشفتين لأن الكلام الذي جرت النعمة به لا يتم إلا بهما ، ومثل الإيمان والإسلام أيضا كفسطاط قائم في الأرض له ظاهر متجاف وأطناب ، وله عمود في باطنه ، فالفسطاط مثل الإسلام له أركان من أعمال العلانية والجوارح ، وهي الأطناب التي تمسك أرجاء الفسطاط ، والعمود الذي في باطن الفسطاط مثله كالإيمان لا قوام للفسطاط إلا به ، فقد احتاج الفسطاط إليهما ، إذ لا استقامة له ولا قوة إلا بهما ، كذلك الإسلام من أعمال الجوارح ، ولا قوام له إلا بالإيمان ، والإيمان من أعمال القلوب لا نفع له إلا بالإسلام ؛ وهو صالح الأعمال ، وقد عبر الله تعالى عن الإيمان بالإسلام ، فلولا أنهما كشيء واحد ما عبر عن أحدهما بالآخر ، فقال سبحانه : ( فأخرجنا من كان فها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ) الذاريات : 35 - 36 ، ولم يكونا بيتين إنما هم أهل بيت واحد لوط وبناته ، وقال عز وجل في مثله : ( إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين ) يونس : 84 فعطف بقوله : إن كنتم مسلمين على قوله : إن كنتم آمنتم ، فدل على أنهما اسمان بمعنى واحد ؛ وهذا كقوله تعالى فيما عبر عن الأيام بالليالي ، لأن اليوم مرتبط بالليلة وأنت تعلم أنهما شيئان ، فقال في قصة واحدة : ( قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا ) آل عمران : 41 وقال أيضا سبحانه : ( آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا ) مريم : 1 ، ، وأيضا فإن الله تعالى قد جعل ضد الإسلام والإيمان واحد ، فلولا أنهما كشيء واحد في الحكم والمعنى ما كان ضدهما واحد ، فقال سبحانه : ( كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم ) آل عمران : 86 ، وقال : ( يأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ) آل عمران : 8 ، ، فجعل ضدهما الكفر ، وعلى مثل هذا خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام بوصف واحد ، فقال في حديث ابن عمر : بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، صوم رمضان ، وحج البيت ، وفي حديث ابن عباس عن وفد عبد القيس أنهم سألوه عن الإيمان فذكر هذه الأوصاف فدل بذلك أنه لا إيمان باطن إلا بإسلام ظاهر ، ولا إسلام على نية إلا بالإيمان سرا ، وأن الإيمان والعمل قرينان لا ينفع أحدهما بغير صاحبه ، ولا يصح أحدهما إلا بالآخر ، كما لا يصحان ولا يوجدان معا إلا بنفي ضدهما وهو الكفر ، كما روي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : لا يكفر أحد إلا بجحود ما أقر به ، وأظهر من حديث ابن عباس آنفا أن في نفس حديث ابن عمر ذكر الإيمان أيضا بدلا من لفظ الإسلام . ورواه جرير عن سالم بن أبي الجعد عن عطية مولى بني عامر عن يزيد بن بشر قال : أتيت ابن عمر فجاءه رجل فقال : يا أبا عبد الله بن عمر ما لك تحج وتعتمر وقد تركت الغزو ؟
قال : ويلك إن الإيمان بني على خمس تعبد الله تعالى ، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ، وتحج البيت ، وتصوم رمضان ، كذلك حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد اشترط الله تعالى للإيمان العمل الصالح ، ونفى النفع بالإيمان إلا بوجود العمل ، كما شرط للإيمان الإسلام فقال تعالى : ( إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ) الفرقان : 7 ، ، إجماع من أهل التفسير ؛ إلا من تاب من الشرك كقوله تعالى : ( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ) التوبة : 5 ، بعد قوله وخذوهم واحصروهم ، وقال سبحانه وتعالى : ( وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا ) سبأ : 37 ، وقال تعالى : ( الذين آمنوا وكانوا يتقون ) يونس : 63 ، كما قال تعالى : ( الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين ) الزخرف : 69 ، فاشترط للإيمان الأعمال والتقوى ، كما اشترط للأعمال الصالحة الإيمان ، فكما لو عمل العبد بالصالحات كلها لم تنفعه إلا بالإيمان ، كذلك لو آمن من الإيمان كله لم ينفعه إلا بالأعمال ، وفي وصية لقمان لابنه : يا بني كما لا يصلح الزرع إلا بالماء والتراب فكذلك لا يصلح الإيمان إلا بالعمل والعلم ، فأما تفرقة النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل عليه السلام لما سأله ما الإيمان ؟ فقال : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله بالبعث بعد الموت وبالحساب وبالقدر خيره وشره ، ثم قال : ما الإسلام ؟ فذكر الخصال الخمس ؛ فإن ذلك تفصيل أعمال القلوب وعقودها على ما توجب هذه المعاني التي وصفناها ، أن تكون عقودا من تفصيل أعمال الجوارح ، فيما توجب الأفعال الظاهرة التي وصفها أن تكون علانية ، إلا أن ذلك يفرق بين الإسلام والإيمان في المعنى باختلاف وتضاد ، وليس فيه دليل أنهما مختلفان في الحكم ، إذ قد يجتمعان في عبد واحد مسلم مؤمن ، فيكون ما ذكره من عقود القلب وصف قلبه ، وما ذكره من العلانية وصف ظاهر جسمه ، والدليل على ذلك أنه جعل وصف الاسمين معنى واحدا في حديث ابن عمرو في حديث وفد عبد القيس الذي ذكرناه قبل عن ابن عباس ، وقد روى ذلك مفصلا في حديث علي رضي الله تعالى عنه : الإيمان قول باللسان ، وعقد بالقلب ، وعمل بالأركان ، فأدخل أعمال الجوارح في عقود الإيمان ، وأيضا فإن الأمة مجمعة أن العبد لو آمن بجميع ما ذكرناه من عقود القلب في حديث جبريل عليه السلام من وصف الإيمان ، ولم يعمل بما ذكرناه من وصف الإسلام بأعمال الجوارح لا يسمى مؤمنا ، وأنه إن عمل بجميع ما وصف به الإسلام ثم لم يعتقد ما وصفه من الإيمان أنه لا يكون مسلما . وقد أخبر صلى الله عليه وسلم : أن الأمة لا تجتمع على ضلالة ، وليس فيه دليل على أن الإسلام غير الإيمان ، أو أن المسلمين سوي المؤمنين ، أو أن الإيمان ضد الإسلام ، والوجه الثاني من تأويل الخبر أن معنى قوله أو مسلم يعني به أو مستسلم ، فإذا جمع بين عقود القلب وبين أعمال الجوارح كان مسلما مؤمنا ، ومن لم يقل بهذا الذي ذكرناه فقد كفر أبا بكر رضي الله تعالى عنه وجهله في قتال أهل الردة وادعى عليه أنه قتل المؤمنين ، لأن القوم جاؤوا بعقود الإيمان ولم يجحدوا التوحيد ولا أكثر الأعمال وإنما أنكروا الزكاة فاستحل قتلهم ، وواطأه الصحابة على ذلك حتى استتاب من رجع منهم . وأما الحديث الآخر الذي جاء ظاهره أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين المؤمن والمسلم في أنه أعطى رجلا ولم يعط الآخر ، فقال له سعد : يا رسول الله تركت فلانا لم تعطه وهو مؤمن فقال : أو مسلم ؟
فأعاد عليه ، فأعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم : أو مسلم ؟ فإنما في هذا دليل على تفرقة الإيمان والإسلام في التفاضل والمقامات ؛ أي ليس هو من خصوص المؤمنين ولا أفاضلهم ، فكشف مقامه الذي خفي على سعد كما كشف مقام حارثة عن حقيقة إيمانه ، إذ كان خاملا لا يؤبه له فقال : كيف أصبحت ؟ فنطق بوجده عن مشاهدته ، فقال : عرفت فالزم ؛ فهذا دليل لنا في تفضيل مقام الإيمان على مقام الإسلام ، وأن المؤمنين يتفاضلون في الإيمان ، وإن تساووا في أعمال الجوارح من الإسلام ، وأن الإيمان لا حد له وإن كانت صحته بمحدود الإسلام ، فآثر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي آمن طوعا على المكره ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يعطي من المؤلفة الرؤساء ، ومن لا يؤمن عاديته ، وجمعه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحريضه المشركين كما أكرم الرجل بعد أن تكلم فيه فقيل له في ذلك ، فقال : هذا أحمق مطاع ، أو من يكثر عشيرته وأتباعه فيكون ظهيرا على المؤمنين ، أو من فيه غنى للمسليمن ومنفعة وعزة للمسلمين ، فأما الأتباع والسفلة من المؤلفة فلم يكن يؤثرهم بالعطاء ، بل كان يؤثر المؤمنين ، يقدمهم على أراذل المؤلفة وضعفائهم ، كما فعل بالقسم الذي قسمه بين المؤمنين فأعطاهم ، إلا رجلا من الغزاة له سجادة محلوق الرأس فإنه لم يعطه وقال : إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله تعالى ، والله ما عدل فقال صلى الله عليه وسلم إن لم أعدل فمن يعدل ؟ وكان ذلك أول قرن نبغ من الخوارج ، أفلا تراه لم يعط هذا شيئا ولم يستمله لأنه لم يكن من خصوص المؤمنين ، ولا ممن يتقي بأسه أو يظهر في الإسلام غناه فيتألف بالعطاء ؛ وهذا مثل قول فرعون حين ألجمه الله الغرق فاضطره إلى الإسلام بقوله : آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ، وأنا من المسلمين ، أجمع أهل التفسير أن معناه من المستسلمين فإن قيل ، فقد روي في آخر هذا الخبر في بعض الروايات ما يدل على ضد هذا التأويل ، وأن الرجل كان فاضلا لا أنه كان مستسلما ، وهو أن في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إني لأعطي قوما وأمنع آخرين أكلهم إلى ما جعل الله تعالى في قلوبهم من الإيمان : منهم فلان ، قيل : إن هذا كلام مستأنف من رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاده القائل لأنه بعث بجوامع الكلم ، وكان يسأل عن الشيء فيخبر به ويزيد عليه للبيان والهداية الذي أعطي فكأنه أراد أن يخبر بتنويع عطائه وبضروب المعطين من الناس ؛ هذا للحاجة ، وهذا للفضل ، وهذا للتآلف ؛ لأن الذي منعه كان أفضل من الذي أعطاه ، إذ لو كان الأمر كما قال هذا القائل لكان الإسلام أفضل من الإيمان ، ولكان المسلمون أفضل من المؤمنين ، ولم يقل بهذا أحد من العلماء ، إلا أن الإيمان خاص فيه التفاوت والمقامات ؛ فهو يشتمل على الإسلام ، والإسلام داخل فيه ، والمؤمنين هم خصوص المسلمين ، منهم المقربون والصديقون والشهداء ، والإسلام عام محدود يوصف به عموم المؤمنين ، ويدخل فيه أهل الكبائر والإجرام ، ولا يخرج منه من فارق الكفر ووقع عليه اسم الإيمان ، كما قال تعالى : ( فمن افترى على الله الكذب ) آل عمران : 94 وأخبر عنه بالفسوق ، ( ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام و الله لا يهدي القوم الظالمين ) الصف : 7 ، فعلى إجماعهم أن الإيمان أعلى اسقاط وهم من توهم أن الرجل كان أفضل ، كيف وقد روينا تخصيص الإيمان عن النبي صلى الله عليه وسلم نصا أنه سئل : أي الأعمال أفضل ؟
قال : الإسلام ، قيل : فأي الإسلام أفضل ؟ قال : الإيمان ، فجعل الإيمان مقاما في الإسلام ، ففي هذا الحديث أيضا تخصيص للإيمان على الإسلام لا تفرقة بينهما ، بمعنى قوله في وصف الرجل أو مسلم ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في وصف الرجل : أو مسلم ، فدل على بطلان ما ناوله القائل لأن هذه اللفظة بألف الإستفهام لا تستعمل في عرف الكلام إلا في الوصف الأنقص والحال الأدنى فافهم . وأما قوله تعالى : ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ) الحجرات : 14 ، فإن هذا أيضا من هذا النوع معناه : قولوا : استسلمنا حذر القتل ؛ وهؤلاء ضعفاء المؤلفة وأراذلهم كانوا ينقمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم إيثاره وتقديمه المؤمنين بالعطاء عليهم ، وإرجاءه إياهم فقالوا : لم لا يعطينا كما يعطي المؤمنين ؟ فإنا مؤمنون كهم ، فأخبر الله تعالى بذلك عنهم وأكذبهم في دعواهم وهم الذين قص الله تعالى أخبارهم في قوله تعالى : ( ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ) التوبة : 58 ، ففي هذه الآية دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعطي هذا الضرب من المؤلفة ، وليس في الآية تفرقة بين الإيمان والإسلام بدليل قوله تعالى في الآية التي بعدها : ( يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان ) الجرات : 17 ، فسمى إسلامهم إيمانا لأنه عطف ببعض الكلام على بعض ، ورد أوله إلى آخره ، وإنما أسقط المنة به على رسوله ، وأثبت المن عليهم بنفسه ، وعطف بآخر الإسم على أوله ، وغاير بين اللفظين ، فلم يرد أحدهما على الآخر ، فيقول : أن هداكم للإسلام لاتساع لسان العرب وليفيدنا فضل بيان ، وإن الإسلام والإيمان اسمان بمعنى واحد ، كما قال تعالى : ( هل من خالق غير الله يرزقكم ) فاطر : 3 ، ولم يقل : يخلقكم ، ليبين أن الرازق هو الخالق وليفيد وصفا ثانيا وصف به نفسه تعالى فهو كقوله تعالى : ( فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين ففما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ) الذاريات : 35 - 36 ، وهكذا قراءتها في مصحف ابن مسعود قال : سبحانك تبت إليك ، وأنا أول المسلمين ، فلولا أنهما بمعنى لم يجز أن يقرأا بخلاف المعنى ، فأما ما روي عن أبي جعفر بن علي : الإيمان مقصور في الإسلام ؛ فمعناه هو باطنه ، قال : وأدار دائرة كبيرة فقال : هذا الإسلام ، ثم ، أدار في وسطها دارة صغيرة فقال : وهذا الإيمان في الإسلام ، فإذا فعل وفعل خرج من الإيمان وصار في الإسلام ، يريد أنه خرج من حقيقة الإيمان وكماله ولم يكن من الموصوفين الممدوحين بالخوف والورع من المؤمنين ، لأنه خرج من الإسم والمعنى حتى لا يكون مؤمنا بالله مصدقا برسله وكتبه ، ألا ترى إلى الدارة الصغيرة غير خارجة من الدارة الكبيرة التي أدارها حولها فجعلها فيها وضرب المثل بها ، لكنها خالصها وليها ومخصومة فيها ، ولو أراد أنه يخرج من الإيمان لجعلها دائرتين منفردتين ولم يجعل إحداهما جوف الأخرى ، وكذلك جاء الخبر : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يشرب الخر وهو مؤمن ، معناه كامل الإيمان أو مؤمن حقا ، لأن حقيقة الإيمان وكماله بالخوف والورع ، إذ الأمة مجمعة أن أهل الكبائر ليسوا بكافرين ، وإذا فسق بالزنا وشرب الخمر خرج من حقيقة الإيمان ، هو الخوف والورع ، ولم يخرج من اسمه ومعناه ؛ وهو التصديق والتزام الشريعة ، وفيه معنى لطيف كأنه يرتفع عنه إيمان الحياء ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الحياء من الإيمان ، والمستحي لا يكشف عورته على حرام ، ويبقى إيمان الإسلام والتوحيد وإيجاب الأحكام ، وقد روينا عن الحسن بيان ذلك أنه قال : الإيمان حقيقة الإسلام ، وقيل لحذيفة : من المنافق ؟
فقال : الذي يتكلم بالإسلام ولا يعمل به فسمي علم الإيمان إسلاما وقرن القول ، بالعمل وقال الثوري رحمه الله : الناس عندنا مؤمنون مسلمون في حدودهم ، وفرائضهم ، وفي النكاح ، وفي المواريث ، وفي الصلاة خلفهم ، والصلاة عليهم ، لا يحاسب الأحياء ولا يقضي على الأموات ، ونكل ما لم نعلم من سرائرهم إلى الله تعالى ، ونسمع بالتشديد فنخافه ونسمع اللين فنرجوه لأهل القبلة ، ونتهم رأينا لرأي السلف قبلنا ، وما ذكرناه من أن الإسلام والإيمان قرينان لا يفترقان ؛ هذا مذهب فقهاء أصحاب الحديث وطريقة أئمة السلف رضي الله عنهم أجمعين .
باب ذكر تفضيل بيان ما نقل عن المحدثين من التفرقة بينهما وما جاء في معناه
فأما ما حكي عن بعض أصحاب الحديث ، أنه فرق بين الإيمان والإسلام فقال الزهري : الإسلام الكلمة ، والإيمان العمل ، وقال عبد الرحمن بن مهدي وقد سئل عن الإيمان والإسلام فقال : هما شيئان ، وقال حماد بن زيد : الإسلام عام ، والإيمان خاص ، فإن قول هؤلاء على جملة قولنا ، وهو دليل له وشاهد عليه ، وأنهم لم يفرقوا بين الإيمان والإسلام تفرقة اختلاف ولا تضاد ، ولم يريدوا أن أحدهما يوجد ويصح بعدم الآخر ليواطئوا مذهب المرجئة ، لأنهم أبعد شيء منهم ، إذ هم أصحاب أثر وتوقيف ، وإنما فرقوا بينهما تفريق تفاوت وتخصيص ؛ أي أن الإيمان أخص وأعلى ، لأن الزيادة والنقصان فيه ، والفضائل والمقامات عنه ، والإستثناء واجب فيه ، وأن الاسلام عام لا يخرج منه إلا الكافرون ، إذ ليس وراءه شيء ، وعند جماعة من العلماء أن الإستثناء غير واجب في الإسلام ، لأنه محدود معلوم ، فهذا كان قصد من فرق بين الإسلام والإيمان ، وهي طريقة بعض السلف ، وعبارة القدماء ؛ وهو على نحو ما فصلناه وبمعنى ما بيناه ، وإن كنا نحن أظهر تفصيلا وأبين ترتيبا ، وهذا مثل الخبر الذي روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل : أي الإيمان أفضل ؟ قال : الإسلام قيل : فأي الإسلام خير ؟ قال الإيمان ، فلم يفرق بينهما ، ولكنه خصص فجعل الإيمان حقيقة الإسلام وخالصه لأنه أخبر أنه منه فهذا من قوله : من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ، أي من تحققه بالإسلام ومن أعلى إسلامه ؛ هذا الوصف ، وهذا هو نعت المؤمن الموقن الزاهد وهذا يشبه ما مثله أبو جعفر محمد بن علي في أنه أدار دائرة كبيرة وأدار فيها دارة صغيرة تخصيصا ، وجميع ما شرحناه وذكرناه عن السلف يبطل قول المرجئة والكرامية الإباضية ويدحض دعواهم ، في أن الإيمان قول أو معرفة وعقد بلا عمل ، وهو أيضا رد على المعتزلة القائلين بالمنزلة بين المنزلتين ، الذين يقولون : مؤمن ، وفاسق ، وكافر ؛ فلا يجعلون الفاسق مؤمنا وهو رد على الحشبية والجرمية والقطعية والحرورية ، أصناف من الخوارج يقولون : من أتى كبيرة خرج من الإيمان ، وأن أهل الكبائر كفار يحل قتلهم ، ويقولون إن أهل البغي من الأئمة كفرة يجب على الرعية قتالهم ، ومنهم من يقول : إن من بغى على الإمام فقد كفر بخلاف قول الله تعالى : ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ) الحجرات : 9 ، فأمر بقتال أهل البغي بتسميته إياهم مؤمنين ولم يجعل لهم منزلة ثالثة ، وقد ابتلينا بطائقتين مبتدعتين متضادتين في المقالة المرجئة والمعتزلة ، قال المرجئة : إن الموحدين لا يدخلون النار ، وإن عملوا بالكبائر والفسوق كله لأن ذلك لا ينقص إيمانهم ، وقالت المعتزلة : إن ليس الفاسق بمؤمن وإن مات على صغيرة من الصغائر من غير توبة دخل النار لا محالة ولم يخرج منها خالدا من الكفار ، والصواب من ذلك أن الفاسق مؤمن لا يخرجه فسقه من اسم الاسمان وحكمه ، ولكن لا يدخله في المؤمنين حقا من الصديقين والشهداء ، وأن أهل الكبائر قد استوجبوا الوعيد ودخول النار ، وجائز أن يعفو الله تعالى عنهم بكرمه ويسمح لهم بجوده ، كما روينا عن علي أنه قال : عليكم بالنمط الأوسط الذي يرجع إليه الغالي ويرتفع عنه القالي .
وقد قال صلى الله عليه وسلم في وصف علماء السنة ومدحهم : يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ؛ فالغالون هم المجاوزون للسنن والآثار ، والمبطلون هم المدعون بالرأي والقياس ، والجاهلون هم الشاطحون من المتصوفة الضلال ، وعدول كل خلق من اتبع سنة صالح من سلف ، ولم يبتدع في الدين ، ولا اتخد وليجة دون طريق المؤمنين ؛ وهم رواة الأخبار وجملة الآثار من المحدثين وفقهاء المسلمين ، ويوضح قولنا ويصححه قول الله تعالى : ( اليوم أكملت لكم دينكم ) المائدة : 3 ، إجماعا من المسلمين ، وأنها نزلت بعد نزول الفرائض وإتمام الشرائع وفي حجة الوداع ؛ وهي آخر حجة حجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول فرض الحج ، لأن سورة المائدة مدنية بإجماع من القراء ، وهي من آخر ما نزل من القرآن باتفاق من الفقهاء ، ولم يلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية إلا ثلاثة أشهر وثلاثة أيام اتفق عليه أهل التاريخ ، لأنها نزلت يوم التاسع من ذي الحجة من آخر يوم عرفة وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم لاثنتي عشرة خلون من ربيع الأول ، فقال الله تعالى بعد نزول الأحكام وأحكام الحلال والحرام : ( اليوم أكملت لكم دينكم ) المائدة : 3 ، والإكمال هو إتمام الشيء الذي بعضه متعلق ببعض ، فلا يقال أكمل لما كان بعضه قبل بعض ، فإذا وجد جميعه قيل : قد أكمل وتمم ؛ هذا هو حقيقة هذه الكلمة ، فلما كان الإيمان قد تقدم بمكة ، وأنزل الله تعالى الفرائض والدين شيئا بعد شيء ، وكان الإكمال من الدين دل أن بعضه متعلق ببعض إلى أكمله ، فصارت الأعمال متعلقة بالإيمان ؛ وهما الدين المكمل . وقال بعض السلف : من لم يقل من المرجئة أن إبليس مؤمن لأنه قد أقر بالإيمان وقال به انكسر عليه مذهبه ، ولعمري أن إبليس لعنه الله موحد لله تعالى عارف به إلا أنه لم يعمل بالتوحيد ولم يطع من عرفه وآمن به فكفر ، فأما تعلقهم بقول الله تعال : ( فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار ) المائدة : 85 ، فإنه شرط القول للجنات أو علق الجنات بالقول فإنما ذلك إثبات منه تعالى لتحقيق القول ، وأنه قول إيمان ويقين ، وأنهم غير متعوذين بالقول ، ولا متخذوه جنة كالمنافقين ، إذ المنافقون قد قالوا كقولهم إلا أنه أخبر عن سرائرهم بضده فقال : ( هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ) آل عمران : 761 ، فأراد سبحانه بأن قول هؤلاء قول المؤمنين ، وأن قولهم إيمان من أعمالهم لأنهم منفردون بالقول دون العمل وفيه أيضا دليل أن القول بالحق من الإيمان ، وأنه يستحق عليه ثوابا ، لأنه من أعمال البر بمنزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فأما أن يكون فيه دليل أن القول حسب هو الإيمان كله وأن الإيمان يكون قولا لا يحتاج إلى عمل ، فهذا باطل بالأدلة التي قدمنا ذكرها من الآي التي شرط الله تعالى فيها الأعمال ، ومن قوله في الكفار : ( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا بالزكاة فخلوا سبيلهم ) التوبة : 5 وأيضا فإن في نفس هذه الآية بطلان دعوى المرجئة لأن الله تعالى لم يقل فلم يثبهم الله إلا بما قالوا جنات وإنما قال عز وجل : ( فأثابهم الله بما قالوا جنات ) المائة : 85 ، فأخبر أنه أجرهم على قولهم بالحق ، كما قال فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا ، ثم أحكام ذلك وقيده بقوله تعالى : ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ) البينة : 5 ، ولكن هؤلاء كما قال الله تعالى : ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ) آل عمران : 7 ، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه من القرآن فهم الذين عنى الله تعالى فاحذروهم ؛ وذلك أن الله تعالى قرن الأعمال بالإيمان في كل المواضع ، فلم تقف المرجئة مع شيء من هذا البيان والأحكام ، فلما أجمل القول في موضع واحد لما ذكرناه من السبب تعلقوا به ووقفوا معه ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صنفان لا نصيب لهما في الإسلام ، وفي لفظ آخر : لا تنالهم شفاعتي : القدرية والمرجئة ، وفي الحديث الغربي : طائفتان لا يدخلون الجنة : من قال أن الإيمان كلام ، ورواه حذيفة فقال : إني لأعلم أهل دينين في النار قوم شرار بلا علم ، وقوم في آخر الزمان يقولون كانوا ألوفا ضلالا ، نسأل الله تعالى أن لا يصرفنا عن فهم آياته ولا يبلونا بالكبر ، وإن يرينا سبيل الرشد ويوفقنا لاتخاذه سبيلا ، وإن يرينا سبيل الغي ويعصمنا من اتخاذه سبيلا ، كما أخبر بذلك عمن بلاه به فقال تعالى : ( سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ) الأعراف : 146 الآية .
ذكر الاستثناء في الإيمان والإشفاق من النفاق وطريقة السلف في ذلك