Qur'an&Sunnah

Gazâlî — İhyâü Ulûmi'd-Dîn

Section V03/P031–V03/P032

فمن أبوابه العظيمة الغضب والشهوة فإن الغضب هو غول العقل وإذا ضعف جند العقل هجم جند الشيطان ومهما غضب الإنسان لعب الشيطان به كما يلعب الصبي بالكرة فقد روي أن موسى عليه السلام لقيه إبليس فقال له يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالته وكلمك تكليما وأنا خلق من خلق الله أذنبت وأريد أن أتوب فاشفع لي إلى ربي أن يتوب علي فقال موسى نعم فلما صعد موسى الجبل وكلم ربه عز وجل وأراد النزول قال له ربه أد الأمانة فقال موسى يا رب عبدك إبليس يريد أن تتوب عليه فأوحى الله تعالى إلى موسى يا موسى قد قضيت حاجتك مرة أن يسجد لقبر آدم حتى يتاب عليه فلقي موسى إبليس فقال له قد قضيت حاجتك أمرت أن تسجد لقبر آدم حتى يتاب عليك فغضب واستكبر وقال لم أسجد له حيا أسجد له ميتا ثم قال له يا موسى إن لك علي حقا بما شفعت لي إلى ربك فاذكرني عند ثلاث لا أهلكك فيهن اذكرني حين تغضب فإن روحي في قلبك وعيني في عينك وأجري منك مجرى الدم اذكرني إذا غضبت فإنه إذا غضب الإنسان نفخت فيه أنفه فما يدري ما يصنع واذكرني حين تلقى الزحف فإني آتي ابن آدم حين يلقى الزحف فأذكره زوجته وولده وأهله حتى يولى وإياك أن تجلس إلى امرأة ليست بذات محرم فإني رسولها إليك ورسولك إليها فلا أزال حتى أفتنك بها وأفتنها بك فقد أشار بهذا إلى الشهوة والغضب والحرص فإن الفرار من الزحف حرص على الدنيا وامتناعه من السجود لآدم ميتا هو الحسد وهو أعظم مداخله وقد ذكر أن بعض الأولياء قال لإبليس أرني كيف تغلب ابن آدم فقال آخذه عند الغضب وعند الهوى فقد حكي أن إبليس ظهر لراهب فقال له الراهب أي أخلاق بني آدم أعون لك قال الحدة فإن العبد إذا كان حديدا قلبناه كما يقلب الصبيان الكرة وقيل إن الشيطان يقول كيف يغلبني ابن آدم وإذا رضي جئت حتى أكون في قلبه وإذا غضب طرت حتى أكون في رأسه ومن أبوابه العظيمة الحسد والحرص فمهما كان العبد حريصا على كل شيء أعماه حرصه وأصمه إذ قال صلى الله عليه وسلم حبك للشيء يعمي ويصم // حديث حبك للشيء يعمي ويصم أخرجه أبو داود من حديث أبي الدرداء بإسناد ضعيف ونور البصيرة هو الذي يعرف مداخل الشيطان فإذا غطاء الحسد والحرص لم يبصر فحينئذ يجد الشيطان فرصة فيحسن عند الحريص كل ما يوصله إلى شهوته وإن كان منكرا وفاحشا فقد روي أن نوحا عليه السلام لما ركب السفينة حمل فيها من كل زوجين اثنين كما أمره الله تعالى فرأى في السفينة شيخا لم يعرفه فقال له نوح ما أدخلك فقال دخلت لأصيب قلوب أصحابك فتكون قلوبهم معي وأبدانهم معك فقال له نوح أخرج منها يا عدو الله فإنك لعين فقال له إبليس خمس أهلك بهن الناس وسأحدثك منهم بثلاث ولا أحدثك باثنتين فأوحى الله تعالى إلى نوح أنه لا حاجة لك بالثلاث فليحدثك بالاثنين فقال له نوح ما الاثنتان فقال هما اللتان لا تكذباني هما اللتان لا تخلفاني بهما أهلك الناس الحرص والحسد فبالحسد لعنت وجعلت شيطانا رجيما وأما الحرص فإنه أبيح لآدم الجنة كلها إلا الشجرة فأصبت حاجتي منه بالحرص

Section V03/P032–V03/P033

ومن أبوابه العظيمة الشبع من الطعام وإن كان حلالا صافيا فإن الشبع يقوي الشهوات والشهوات أسلحة الشيطان فقد روي أن إبليس ظهر ليحيى بن زكريا عليهما السلام فرأى عليه معاليق من كل شيء فقال له يا إبليس ما هذه المعاليق قال هذه الشهوات التي أصبت بها ابن آدم فقال فهل فيها من شيء قال ربما شبعت فثقلناك عن الصلاة وعن الذكر قال فهل غير ذلك قال لا قال لله على أن لا أملأ بطني من الطعام أبدا فقال له إبليس ولله على أن لا أنصح مسلما أبدا ويقال في كثرة الأكل ست خصال مذمومة أولها أن يذهب خوف الله من قلبه الثاني أن يذهب رحمة الخلق من قلبه لأنه يظن أنهم كلهم شباع والثالث أنه يثقل عن الطاعة والرابع أنه إذا سمع كلام الحكمة لا يجد له رقة والخامس أنه إذا تكلم بالموعظة والحكمة لا يقع في قلوب الناس والسادس أن يهيج فيه الأمراض ومن أبوابه حب التزين من الأثاث والثياب والدار فإن الشيطان إذا رأى ذلك غالبا على قلب الإنسان باض فيه وفرخ فلا يزال يدعوه إلى عمارة الدار وتزيين سقوفها وحيطانها وتوسيع أبنيتها ويدعوه إلى التزين بالثياب والدواب ويستسخره فيها طول عمره وإذا أوقعه في ذلك فقد استغنى أن يعود إليه ثانية فإن بعض ذلك يجره إلى البعض فلا يزال يؤديه من شيء إلى شيء إلى أن يساق إليه أجله فيموت وهو في سبيل الشيطان واتباع الهوى ويخشى من ذلك سوء العاقبة بالكفر نعوذ بالله منه ومن أبوابه العظيمة الطمع في الناس لأنه إذا غلب الطمع على القلب لم يزل الشيطان يحبب إليه التصنع والتزين لمن طمع فيه بأنواع الرياء والتلبيس حتى المطموع فيه كأنه معبوده فلا يزال يتفكر في حيلة التودد والتحبب إليه ويدخل كل مدخل للوصول إلى ذلك وأقل أحواله الثناء عليه بما ليس فيه والمداهنة له بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد روى صفوان بن سليم أن إبليس تمثل لعبد الله بن حنظلة فقال له يا ابن حنظلة احفظ عني شيئا أعلمك به فقال لا حاجة لي به قال انظر فإن كان خيرا أخذت وإن كان شرا رددت يا ابن حنظلة لا تسأل أحدا غير الله سؤال رغبة وانظر كيف تكون إذا غضبت فإني أملكك إذا غضبت ومن أبوابه العظيمة العجلة وترك التثبت في الأمور وقال صلى الله عليه وسلم العجلة من الشيطان والتأني من الله تعالى // حديث العجلة من الشيطان والتأني من الله أخرجه الترمذي من حديث سهل بن سعد بلفظ الأناة وقال حسن وقال عز وجل {خلق الإنسان من عجل} وقال تعالى {وكان الإنسان عجولا} وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه} وهذا لأن الأعمال ينبغي أن تكون بعد التبصرة والمعرفة والتبصرة تحتاج إلى تأمل وتمهل والعجلة تمنع من ذلك وعند الاستعجال يروج الشيطان شره على الإنسان من حيث لا يدري فقد روي أنه لما ولد عيسى بن مريم عليه السلام أتت الشياطين إبليس فقالوا أصبحت الأصنام قد نكست رءوسها فقال هذا حادث مكانكم فطار حتى أتي خافقي الأرض فلم يجد شيئا ثم وجد عيسى عليه السلام قد ولد وإذا الملائكة حافين به فرجع إليهم فقال إن نبيا قد ولد البارحة ما حملت أنثى قط ولا وضعت إلا وأنا حاضرها إلا هذا فأيسوا من أن تعبد الأصنام بعد هذه الليلة ولكن ائتوا بني آدم من قبل العجلة والخفة ومن أبوابه العظيمة الدراهم والدنانير وسائر أصناف الأموال من العروض والدواب والعقار فإن كل ما يزيد

Section V03/P033–V03/P034

على قدر القوت والحاجة فهو مستقر الشيطان فإن من معه قوته فهو فارغ القلب فلو وجد مائة دينار مثلا على طريق انبعث من قلبه شهوات تحتاج كل شهوة منها إلى مائة دينار أخرى فلا يكفيه ما وجد بل يحتاج إلى تسعمائة أخرى وقد كان قبل وجود المائة مستغنيا فالآن لما وجد مائة ظن أنه صار بها غنيا وقد صار محتاجا إلى تسعمائة ليشتري دارا يعمرها وليشتري جارية وليشتري أثاث البيت ويشتري الثياب الفاخرة وكل شيء من ذلك يستدعي شيئا آخر يليق به وذلك لا آخر له فيقع في هاوية آخرها عمق جهنم فلا آخر لها سواهقال ثابت البناني لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إبليس لشياطينه لقد حدث أمر فانظروا ما هو فانطلقوا حتى أعيوا ثم جاءوا وقالوا ما ندري قال أنا آتيكم بالخبر فذهب ثم جاء وقال قد بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم قال فجعل يرسل شياطينه إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فينصرفون خائبين ويقولون ما صحبنا قوما قط مثل هؤلاء نصيب منهم ثم يقومون إلى صلاتهم فيمحى ذلك فقال لهم إبليس رويدا بهم عسى الله أن يفتح لهم الدنيا فنصيب منهم حاجتنا حديث أبي أمامة إن إبليس لما نزل إلى الأرض قال يارب أنزلتني إلى الأرض وجعلتني رجيما فاجعل لي بيتا قال الحمام الحديث أخرجه الطبراني في الكبير وإسناده ضعيف جدا ورواه بنحوه من حديث ابن عباس بإسناد ضعيف أيضا ومن أبوابه العظيمة التوصل التعصب للمذاهب والأهواء والحقد على الخصوم والنظر إليهم بعين الازدراء والاستحقار وذلك مما يهلك العباد والفساق جميعا فإن الطعن في الناس والاشتغال بذكر نقصهم صفة مجبولة في الطبع من الصفات السبعية فإذا خيل إليه الشيطان أن ذلك هو الحق وكان موافقا لطبعه غلبت حلاوته على قلبه فاشتغل به بكل همته وهو بذلك فرحان مسرور يظن أنه يسعى في الدين وهو ساع في اتباع الشياطين فترى الواحد منهم يتعصب لأبي بكر الصديق رضي الله عنه وهو آكل الحرام ومطلق اللسان بالفضول والكذب ومتعاط لأنواع الفساد ولو رآه أبو بكر لكان أول عدو له إذ موالي أبي بكر من أخذ سبيله وسار بسيرته وحفظ ما بين لحييه وكان من سيرته رضي الله عنه أن يضع حصاة في فمه ليكف لسانه عن الكلام فيما لا يعنيه فأنى لهذا الفضولي أن يدعي ولاءه وحبه ولا يسير بسيرته وترى فضوليا آخر يتعصب لعلي رضي الله عنه وكان من زهد علي وسيرته أنه لبس في خلافته ثوبا اشتراه بثلاثة دراهم وقطع رأس الكمين إلى الرسغ ونرى الفاسق لابسا الثياب الحرير ومتجملا بأموال اكتسبها من حرام وهو يتعاطى حب علي رضي الله عنه ويدعيه وهو أول خصمائه يوم القيامة وليت شعري من أخذ ولدا عزيزا لإنسان هو قرة عينه وحياة قلبه فأخذ يضربه ويمزقه وينتف شعره ويقطعه بالمقراض وهو مع ذلك يدعي حب أبيه وولاءه فكيف يكون حاله عنده ومعلوم أن الدين والشرع كانا أحب إلا أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة رضي الله عنهم من الأهل والولد بل من أنفسهم والمقتحمون لمعاصي الشرع هم الذين يمزقون الشرع ويقطعونه بمقاريض الشهوات ويتوددون به إلى عدو الله إبليس وعدو أوليائه فترى كيف يكون حالهم يوم القيامة عند الصحابة وعند أولياء الله تعالى لا بل لو كشف الغطاء وعرف هؤلاء ما تحبه الصحابة في أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لاستحيوا أن يجروا على اللسان ذكرهم مع قبح أفعالهم ثم إن الشيطان يخيل إليهم أن من مات محبا لأبي بكر وعمر فالنار لا تحوم حوله ويخيل إلى الآخر أنه إذا مات محبا لعلي لم يكن عليه خوف وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لفاطمة رضي الله عنها وهي بضعة منه اعملي فإني لا أغني عنك من الله شيئا // حديث إني لا أغني عنك من الله شيئا قاله لفاطمة متفق عليه من حديث أبي هريرة وهذا مثال أوردناه من جملة الأهواء وهكذا حكم المتعصبين للشافعي وأبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم من الأئمة فكل من ادعى مذهب إمام وهو ليس يسير بسيرته فذلك الإمام هو خصمه يوم القيامة إذ يقول له كان مذهبي العمل دون الحديث باللسان وكان الحديث باللسان لأجل العمل لا لأجل الهذيان فما بالك خالفتني في العمل والسيرة التي هي مذهبي ومسلكي الذي سلكته وذهبت فيه إلى الله تعالى ثم ادعيت مذهبي كاذبا وهذا مدخل عظيم من مداخل الشيطان قد أهلك به أكثر العالم وقد سلمت المدارس لأقوام قل من الله خوفهم وضعفت في الدين بصيرتهم وقويت في الدنيا رغبتهم واشتد على الاستتباع حرصهم ولم يتمكنوا من الاستتباع وإقامة الجاه إلا بالتعصب فحبسوا ذلك في صدورهم ولم ينبهوهم على مكايد الشيطان فيه بل نابوا عن الشيطان في تنفيذ مكيدته فاستمر الناس عليه ونسوا أمهات دينهم فقد هلكوا وأهلكوا فالله تعالى يتوب علينا وعليهم وقال الحسن بلغنا أن إبليس قال سولت لأمة محمد صلى الله عليه وسلم المعاصي فقصموا ظهري بالاستغفار فسولت لهم ذنوبا لا يستغفرون الله تعالى منها وهي الأهواء وقد صدق الملعون فإنهم لا يعلمون أن ذلك من الأسباب التي تجر إلى المعاصي فكيف يستغفرون منها

Section V03/P034–V03/P036

ومن عظيم حيل الشيطان أن يشغل الإنسان عن نفسه بالاختلافات الواقعة بين الناس في المذاهب والخصومات قال عبد الله بن مسعود جلس قوم يذكرون الله تعالى فأتاهم الشيطان ليقيمهم عن مجلسهم ويفرق بينهم فلم يستطع فأتى رفقة أخرى يتحدثون بحديث الدنيا فأفسد بينهم فقاموا يقتتلون وليس إياهم يريد فقام الذين يذكرون الله تعالى فاشتغلوا بهم يفصلون بينهم فتفرقوا عن مجلسهم وذلك مراد الشيطان منهم ومن أبوابه حمل العوام الذين لم يمارسوا العلم ولم يتبحروا فيه على التفكر في ذات الله تعالى وصفاته وفي أمور لا يبلغها حد عقولهم حتى يشككهم في أصل الدين أو يخيل إليهم في الله تعالى خيالات يتعالى الله عنها يصير أحدهم بها كافرا أو مبتدعا وهو به فرح مسرور مبتهج بما وقع في صدره يظن ذلك هو المعرفة والبصيرة وأنه انكشف له ذلك بذكائه وزيادة عقله فأشد الناس حماقة أقواهم اعتقادا في عقل نفسه وأثبت الناس عقلا أشدهم اتهاما لنفسه وأكثرهم سؤالا من العلماء قالت عائشة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الشيطان يأتي أحدكم فيقول من خلقك فيقول الله تبارك وتعالى فيقول فمن خلق الله فإذا وجد أحدكم ذلك فليقل آمنت بالله ورسوله فإن ذلك يذهب عنه والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بالبحث في علاج هذا الوسواس فإن هذا وسواس يجده عوام الناس دون العلماء وإنما حق العوام أن يؤمنوا ويسلموا ويشتغلوا بعبادتهم ومعايشهم ويتركوا العلم للعلماء فالعامي لو يزني ويسرق كان خيرا له من أن يتكلم في العلم فإنه من تكلم في الله وفي دينه من غير إتقان العلم وقع في الكفر من حيث لا يدري كمن يركب لجة البحر وهو لا يعرف السباحة ومكايد الشيطان فيما يتعلق بالعقائد والمذاهب لا تحصر وإنما أردنا بما أوردناه المثال ومن أبوابه سوء الظن بالمسلمين قال الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم} فمن يحكم بشر على غيره بالظن بعثه الشيطان على أن يطول فيه اللسان بالغيبة فيهلك أو يقصر في القيام بحقوقه أو يتوانى في إكرامه وينظر إليه بعين الاحتقار ويرى نفسه خيرا منه وكل ذلك من المهلكات ولأجل ذلك منع الشرع من التعرض للتهم فقال صلى الله عليه وسلم اتقوا مواضع التهم حديث صفية بنت حيى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معتكفا فأتيته فتحدثت عنده الحديث وفيه أن الشطيان يجري من ابن آدم مجرى الدم متفق عليه فانظر كيف أشفق صلى الله عليه وسلم على دينهما فحرسهما وكيف أشفق على أمته فعلمهم طريق الاحتراز من التهمة حتى لا يتساهل العالم الورع المعروف بالدين في أحواله فيقول مثلي لا يظن به إلا الخير إعجابا منه بنفسه فإن أورع الناس وأتقاهم وأعلمهم لا ينظر الناس كلهم إليه بعين واحدة بل بعين الرضا بعضهم وبعين السخط بعضهم ولذلك قال الشاعر وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا فيجب الاحتراز عن ظن السوء وعن تهمة الأشرار فإن الأشرار لا يظنون بالناس كلهم إلا الشر فمهما رأيت إنسانا يسيء الظن بالناس طالبا للعيوب فاعلم أنه خبيث الباطن وأن ذلك خبثه يترشح منه وإنما رأى غيره من حيث هو فإن المؤمن يطلب المعاذير والمنافق يطلب العيوب والمؤمن سليم الصدر في حق كافة الخلق فهذه بعض مداخل الشيطان إلى القلب ولو أردت استقصاء جميعها لم أقدر عليه وفي هذا القدر ما ينبه على غيره فليس في الآدمي صفة مذمومة إلا وهي سلاح الشيطان ومدخل من مداخله

Section V03/P036–V03/P037

فإن قلت فما العلاج في دفع الشيطان وهل يكفي في ذلك ذكر الله تعالى وقول الإنسان لا حول ولا قوة إلا بالله فاعلم أن علاج القلب في ذلك سد هذه المداخل بتطهير القلب من هذه الصفات المذمومة وذلك مما يطول ذكره وغرضنا في هذا الربع من الكتاب بيان علاج الصفات المهلكات وتحتاج كل صفة إلى كتاب منفرد على ما سيأتي شرحه نعم إذا قطعت من القلب أصول هذه الصفات كان للشيطان بالقلب اجتيازات وخطرات ولم يكن له استقرار ويمنعه من الاجتياز ذكر الله تعالى لأن حقيقة الذكر لا تتمكن من القلب إلا بعد عمارة القلب بالتقوى وتطهيره من الصفات المذمومة وإلا فيكون الذكر حديث نفس لا سلطان له على القلب فلا يدفع سلطان الشيطان ولذلك قال الله تعالى {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} خصص بذلك المتقي فمثل الشيطان كمثل كلب جائع يقرب منك فإن لم يكن بين يديك خبز أو لحم فإنه ينزجر بأن تقول له اخسأ فمجرد الصوت يدفعه فإن كان بين يديك لحم وهو جائع فإنه يهجم على اللحم ولا يندفع بمجرد الكلام فالقلب الخالي عن قوت الشيطان ينزجر عنه بمجرد الذكر فأما الشهوة إذا غلبت على القلب دفعت حقيقة الذكر إلى حواشي القلب فلم يتمكن من سويدائه فيستقر الشيطان في سويداء القلب وأما قلوب المتقين الخالية من الهوى والصفات المذمومة فإنه يطرقها الشيطان لا للشهوات بل لخلوها بالغفلة عن الذكر فإذا عاد إلى الذكر خنس الشيطان ودليل ذلك قوله تعالى {فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} وسائر الأخبار والآيات الواردة في الذكر قال أبو هريرة التقى شيطان المؤمن وشيطان الكافر فإذا شيطان الكافر دهين سمين كاس وشيطان المؤمن مهزول أشعث أغبر عار فقال شيطان الكافر لشيطان المؤمن مالك مهزول قال أنا مع رجل إذا أكل سمى الله فأظل جائعا وإذا شرب سمى الله فأظل عطشانا وإذا لبس سمى الله فأظل عريانا وإذا ادهن سمى الله فأظل شعثا فقال لكني مع رجل لا يفعل شيئا من ذلك فأنا أشاركه في طعامه وشرابه ولباسه وكان محمد بن واسع يقول كل يوم بعد صلاة الصبح اللهم إنك سلطت علينا عدوا بصيرا بعيوبنا يرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم اللهم فآيسه منا كما آيسته من رحمتك وقنطه منا كما قنطته من عفوك وباعد بيننا وبينه كما باعدت بينه وبين رحمتك إنك على كل شيء قدير قال فتمثل له إبليس يوما في طريق المسجد فقال له يا ابن واسع هل تعرفني قال ومن أنت قال أنا إبليس فقال وما تريد قال أريد أن لا تعلم أحد هذه الاستعاذة ولا أتعرض لك قال والله لا أمنعها ممن أراد فاصنع ما شئت وعن عبد الرحمن ابن أبي ليلى قال كان شيطان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم بيده شعلة من نار فيقوم بين يديه وهو يصلي فيقرأ ويتعوذ فلا يذهب فأتاه جبرائيل عليه السلام فقال له قل أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها ومن فتن الليل والنهار ومن طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن فقال ذلك فطفئت شعلته وخر على وجهه وقال الحسن نبئت أن جبرائيل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن عفريتا من الجن يكيدك فإذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي // حديث الحسن نبئت أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن عفريتا من الجن يكيدك الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان هكذا مرسلا وقال صلى الله عليه وسلم أتاني الشيطان فنازعني ثم نازعني فأخذت

Section V03/P037–V03/P038

بحلقه فوالذي بعثني بالحق ما أرسلته حتى وجدت برد ماء لسانه على يدي ولولا دعوة أخي سليمان عليه السلام لأصبح طريحا في المسجد وقال صلى الله عليه وسلم ما سلك عمر فجا إلا سلك الشيطان فجا غير الذي سلكه عمر وهذا لأن القلوب كانت مطهرة عن مرعى الشيطان وقوته وهي الشهوات فمهما طمعت في أن يندفع الشيطان عنك بمجرد الذكر كما اندفع عن عمر رضي الله عنه كان محالا وكنت كمن يطمع أن يشرب دواء قبل الاحتماء والمعدة مشغولة بغليظ الأطعمة ويطمع أن ينفعه كما نفع الذي شربه بعد الاحتماء وتخلية المعدة والذكر الدواء والتقوى احتماء وهي تخلي القلب عن الشهوات فإذا نزل الذكر قلبا فارغا عن غير الذكر اندفع الشيطان كما تندفع العلة بنزول الدواء في المعدة الخالية عن الأطعمة قال الله تعالى {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب} وقال تعالى {كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير} ومن ساعد الشيطان بعمله فهو مواليه وإن ذكر الله بلسانه وإن كنت تقول الحديث قد ورد مطلقا بأن الذكر يطرد الشيطان ولم تفهم أن أكثر عمومات الشرع مخصوصة بشروط نقلها علماء الدين فانظر إلى نفسك فليس الخبر كالعيان وتأمل أن منتهى ذكرك وعبادتك الصلاة فراقب قلبك إذا كنت في صلاتك كيف يجاذبه الشيطان إلى الأسواق وحساب العالمين وجواب المعاندين وكيف يمر بك في أودية الدنيا ومهالكها حتى إنك لا تذكر ما قد نسيته من فضول الدنيا إلا في صلاتك ولا يزدحم الشيطان على قلبك إلا إذا صليت فالصلاة محك القلوب فبها يظهر محاسنها ومساويها فالصلاة لا تقبل من القلوب المشحونة بشهوات الدنيا فلا جرم لا ينطرد عنك الشيطان بل ربما يزيد عليك الوسواس كما أن الدواء قبل الاحتماء ربما يزيد عليك الضرر فإن أردت الخلاص من الشيطان فقدم الاحتماء بالتقوى ثم أردفه بدواء الذكر يفر الشيطان منك كما فر من عمر رضي الله عنه ولذلك قال وهب بن منبه اتق الله ولا تسب الشيطان في العلانية وأنت صديقه في السر أي أنت مطيع له وقال بعضهم يا عجبا لمن يعصى المحسن بعد معرفته بإحسانه ويطيع اللعين بعد معرفته بطغيانه وكما إن الله تعالى قال {ادعوني أستجب لكم} وأنت تدعوه ولا يستجيب لك فكذلك تذكر الله ولا يهرب الشيطان منك لفقد شروط الذكر والدعاء قيل لإبراهيم بن أدهم ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا وقد قال تعالى {ادعوني أستجب لكم} قال لأن قلوبكم ميتة قيل وما الذي أماتها قال ثمان خصال عرفتم حق الله ولم تقوموا بحقه وقرأتم القرآن ولم تعملوا بحدوده وقلتم نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تعملوا بسنته وقلتم نخشى الموت ولم تستعدوا له وقال تعالى إن الشيطان لكم عدوا فاتخذوه عدوا فواطأتموه على المعاصي وقلتم نخاف النار وأرهقتم أبدانكم فيها وقلتم نحب الجنة ولم تعملوا لها وإذا قمتم من فرشكم رميتم عيوبكم وراء ظهوركم وافترشتم عيوب الناس أمامكم فأسخطتم ربكم فكيف يستجيب لكم فإن قلت فالداعي إلى المعاصي المختلفة شيطان واحد أو شياطين مختلفون فاعلم أنه لا حاجة لك إلى معرفة ذلك في المعاملة فاشتغل بدفع العدو ولا تسأل عن صفته كل البقل من حيث يؤتى ولا تسأل عن المبقلة ولكن الذي يتضح بنور الاستبصار في شواهد الأخبار أنهم جنود مجندة وأن لكل نوع من المعاصي شيطانا يخصه ويدعو إليه فأما طريق الاستبصار فذكره يطول ويكفيك القدر الذي ذكرناه وهو أن اختلاف المسببات يدل على اختلاف الأسباب كما ذكرناه في نور النار وسواد الدخان

Section V03/P038–V03/P039

وأما الأخبار فقد قال مجاهد لإبليس خمسة من الأولاد قد جعل كل واحد منهم على شيء من أمره ثبر والأعور ومبسوط وداسم وزلنبور فأما ثبر فهو صاحب المصائب الذي يأمر بالثبور وشق الجيوب ولطم الخدود ودعوى الجاهلية وأما الأعور فإنه صاحب الزنا يأمر به ويزينه وأما مبسوط فهو صاحب الكذب وأما داسم فإنه يدخل مع الرجل إلى أهله يرميهم بالعيب عنده ويغضبه عليهم وأما زلنبور فهو صاحب السوق فبسببه لا يزالون متظلمين وشيطان الصلاة يسمى خنزب وشيطان الوضوء يسمى الولهان حديث أبي أمامة وكل بالمؤمن مائة وستون ملكا يذبون عنه الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان والطبراني في المعجم الكبير بإسناد ضعيف حديث أبي الدرداء خلق الله الجن ثلاثة أصناف صنف حيات وعقارب الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان وابن حبان في الضعفاء في ترجمة يزيد بن سنان وضعفه والحاكم نحوه مختصرا في الجن فقط ثلاثة أصناف من حديث أبي ثعلبة الخشني وقال صحيح الإسناد وقال وهيب بن الورد بلغنا أن إبليس تمثل ليحيى بن زكريا عليهما السلام وقال إني أريد أن أنصحك قال لا حاجة لي في نصحك ولكن أخبرني عن بني آدم قال هم عندنا ثلاثة أصناف أما صنف منهم وهم أشد الأصناف علينا نقبل على أحدهم حتى نفتنه ونتمكن منه فيفزع إلى الاستغفار والتوبة فيفسد علينا كل شيء أدركنا منه ثم نعود إليه فيعود فلا نحن نيأس منه ولا نحن ندرك منه حاجتنا فنحن منه في عناء وأما الصنف الآخر فهم في أيدينا بمنزل الكرة في أيدي صبيانكم نقلبهم كيف شئنا قد كفونا أنفسهم وأما الصنف الثالث فهم مثلك معصومون لا نقدر منهم على شيء فإن قلت فكيف يتمثل الشيطان لبعض الناس دون البعض وإذا رأى صورة فهل هي صورته الحقيقية أو هو مثال يمثل له به فإن كان على صورته الحقيقية فكيف يرى بصور مختلفة وكيف يرى في وقت واحد في مكانين وعلى صورتين حتى يراه شخصان بصورتين مختلفتين فاعلم أن الملك والشيطان لهما صورتان هي حقيقة صورتهما ولا تدرك حقيقة صورتهما بالمشاهدة إلا بأنوار النبوة فما رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبرائيل عليه السلام في صورته إلا مرتين وذلك أنه سأله أن يريه نفسه على صورته فواعده بالبقيع وظهر له بحراء فسد الأفق من المشرق إلى المغرب ورآه مرة أخرى على صورته ليلة المعراج عند سدرة المنتهى وإنما كان يراه في صورة الآدمي غالبا فكان يراه في صورة دحية الكلبي وكان رجلا حسن الوجه والأكثر أنه يكاشف أهل المكاشفة من أرباب القلوب بمثال صورته فيتمثل الشيطان له في اليقظة فيراه بعينه ويسمع كلامه بأذنه فيقوم ذلك مقام حقيقة صورته كما ينكشف في المنام لأكثر الصالحين وإنما المكاشف في اليقظة هو الذي انتهى إلى رتبة لا يمنعه اشتغال الحواس بالدنيا عن المكاشفة التي تكون في المنام فيرى في اليقظة ما يراه غيره في المنام كما روي عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله أن رجلا سأل ربه أن يريه موضع الشيطان من قلب ابن آدم فرأى في النوم جسد رجل شبه البلور يرى داخله من خارجه ورأى الشيطان في صورة ضفدع قاعد على منكبه الأيسر بين منكبه وأذنه له خرطوم طويل دقيق قد أدخله من منكبه الأيسر إلى قلبه يوسوس إليه فإذا ذكر الله تعالى خنس ومثل هذا قد يشاهد بعينه في اليقظة فقد رآه بعض المكاشفين في صورة كلب جاثم على جيفة يدعو الناس إليها وكانت الجيفة مثال الدنيا وهذا يجري مجرى مشاهدة صورته الحقيقية فإن القلب لا بد وأن تظهر فيه حقيقة من الوجه الذي يقابل عالم الملكوت وعند ذلك يشرق أثره على وجهه الذي يقابل عالم الملك والشهادة لأن أحدهما متصل بالآخر وقد بينا أن القلب له وجهان وجه إلى عالم الغيب وهو مدخل الإلهام والوحي ووجه إلى عالم الشهادة فالذي يظهر منه في الوجه الذي يلي جانب عالم الشهادة لا يكون إلا صورة متخيلة لأن عالم الشهادة كله متخيلات إلا أن الخيال تارة يحصل من النظر إلى ظاهر عالم الشهادة بالحس فيجوز أن لا تكون الصورة على وفق المعنى حتى يرى شخصا جميل الصورة وهو خبيث الباطن قبيح السر لأن عالم الشهادة عالم كثير التلبيس

Section V03/P039–V03/P041

أما الصورة التي تحصل في الخيال من إشراق عالم الملكوت على باطن سر القلوب فلا تكون إلا محاكية للصفة وموافقة لها لأن الشيطان في صورة كلب وضفدع للصفة وموافقة لها فلا جرم لا يرى المعنى القبيح إلا بصورة قبيحة فيرى الشيطان في صورة كلب وضفدع وخنزير وغيرها ويرى الملك في صورة جميلة فتكون تلك الصورة عنوان المعاني ومحاكية لها بالصدق ولذلك يدل القرد والخنزير في النوم على إنسان خبيث وتدل الشاة على إنسان سليم الصدر وهكذا جميع أبواب الرؤيا والتعبير وهذه أسرار عجيبة وهي من أسرار عجائب القلب ولا يليق ذكرها بعلم المعاملة وإنما المقصود أن تصدق بأن الشيطان ينكشف لأرباب القلوب وكذلك الملك تارة بطريق التمثيل والمحاكاة كما يكون ذلك في النوم وتارة بطريق الحقيقة والأكثر هو التمثيل بصورة محاكية للمعنى هو مثال المعنى لا عين المعنى إلا أنه يشاهد بالعين مشاهدة محققة وينفرد بمشاهدته المكاشف دون من حوله كالنائم بيان ما يؤاخذ به العبد من وساوس القلوب وهمها وخواطرها وقصودها وما يعفى عنه ولا يؤاخذ به اعلم أن هذا أمر غامض وقد وردت فيه آيات وأخبار متعارضة يلتبس طريق الجمع بينها إلا على سماسرة العلماء بالشرع فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عفى عن أمتي ما حدثت به نفوسها ما لم تتكلم به أو تعمل به وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يقول للحفظة إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها فإن عملها فاكتبوها سيئة وإذا هم بحسنة لم يعملها فاكتبوها حسنة فإن عملها فاكتبوها عشرا وقد خرجه البخاري ومسلم في الصحيحين وهو دليل على العفو عن عمل القلب وهمه بالسيئة وفي لفظ آخر من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ومن هم بحسنة فعملها كتبت له إلى سبعمائة ضعف ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه وإن عملها كتبت وفي لفظ آخر وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها وكل ذلك يدل على العفو فأما ما يدل على المؤاخذة فقوله سبحانه إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وقوله تعالى {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا} فدل على أن عمل الفؤاد كعمل السمع والبصر فلا يعفى عنه وقوله تعالى {ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} وقوله تعالى {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} والحق عندنا في هذه المسألة لا يوقف عليه ما لم تقع الإحاطة بتفصيل أعمال القلوب من مبدأ ظهورها إلى أن يظهر العمل على الجوارح فنقول أول ما يرد على القلب الخاطر كما لو خطر له مثلا صورة امرأة وأنها وراء ظهره في الطريق لو التفت إليها لرآها والثاني هيجان الرغبة إلى النظر وهو حركة الشهوة في الطبع وهذا يتولد من الخاطر الأول ونسميه ميل الطبع ويسمى الأول حديث النفس والثالث حكم القلب بأن هذا ينبغي أن يفعل أي ينبغي أن ينظر إليها فإن الطبع إذا مال لم تنبعث الهمة والنية ما لم تندفع الصوارف فإنه قد يمنعه حياء أو خوف من الالتفات وعدم هذه الصوارف ربما يكون بتأمل وهو على كل حال حكم من جهة العقل ويسمى هذا اعتقادا وهو يتبع الخاطر والميل الرابع تصميم العزم على الالتفات وجزم النية فيه وهذا نسميه هما بالفعل ونية وقصدا وهذا الهم قد يكون له مبدأ ضعيف ولكن إذا أصغى القلب إلى الخاطر الأول حتى طالت مجاذبته للنفس تأكد هذا الهم وصار إرادة مجزومة فإذا انجزمت الإرادة فربما يندم بعد الجزم فيترك العمل وربما يغفل بعارض فلا يعمل به ولا يلتفت إليه وربما يعوقه عائق فيتعذر عليه العمل فههنا أربع أحوال للقلب قبل العمل بالجارحة الخاطر وهو حديث النفس ثم الميل ثم الاعتقاد ثم الهم فنقول أما الخاطر فلا يؤاخذ به لأنه لا يدخل تحت الاختيار وكذلك الميل وهيجان الشهوة لأنهما لا يدخلان

Section V03/P041–V03/P042

أيضا تحت الاختيار وهما المرادان بقوله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم عفى عن أمتي ما حدثت به نفوسها فحديث النفس عبارة عن الخواطر التي تهجس في النفس ولا يتبعها عزم على الفعل فأما الهم والعزم فلا يسمى حديث النفس بل حديث النفس كما روي عن عثمان بن مظعون حيث قال للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله نفسي تحدثني أن أطلق خولة قال مهلا إن من سنتي النكاح قال نفسي تحدثني أن أجب نفسي قال مهلا خصاء أمتي دءوب الصيام قال نفسي تحدثني أن أترهب قال مهلا رهبانية أمتي الجهاد والحج قال نفسي تحدثني أن أترك اللحم قال مهلا فإني أحبه ولو أصبته لأكلته ولو سألت الله لأطعمنيه حديث قالت الملائكة رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر الحديث قال المصنف إنه في الصحيح وهو كما قال في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة حديث إنما يحشر الناس على نياتهم أخرجه ابن ماجة من حديث جابر دون قوله {إنما} وله من حديث أبي هريرة إنما يبعث الناس على نياتهم وإسنادهما حسن ومسلم من حديث عائشة يبعثهم الله على نياتهم وله من حديث أم سلمة يبعثون على نياتهم ونحن نعلم أن من عزم ليلا على أن يصبح ليقتل مسلما أو يزني بامرأة فمات تلك الليلة مات مصرا ويحشر على نيته وقد هم بسيئة ولم يعملها والدليل القاطع فيه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار فقيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال لأنه أراد قتل صاحبه حديث لما نزل قوله تعالى {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} جاء ناس من الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا كلفنا ما لا نطيق الحديث أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة وابن عباس نحوه فأنزل الله الفرج بعد سنة بقوله {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} فظهر به أن كل ما لا يدخل تحت الوسع من أعمال القلب هو الذي لا يؤاخذ به فهذا هو كشف الغطاء عن هذا الالتباس وكل من يظن أن كل ما يجري على القلب يسمى حديث النفس ولم يفرق بين هذه الأقسام الثلاثة فلا بد وأن يغلط وكيف لا يؤاخذ بأعمال القلب من الكبر والعجب والرياء والنفاق والحسد وجملة الخبائث من أعمال القلب بل السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا أي ما يدخل تحت الاختيار فلو وقع البصر بغير اختيار على غير ذي محرم لم يؤاخذ به فإن أتبعها نظرة ثانية كان مؤاخذا به لأنه مختار فكذا خواطر القلب تجري هذا المجرى بل القلب أولى بمؤاخذته لأنه الأصل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم التقوى ههنا وأشار إلى القلب وقال الله تعالى {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم} وقال صلى الله عليه وسلم الإثم حواز القلوب وقال البر ما اطمأن إليه القلب وإن أفتوك وأفتوك حتى إنا نقول إذا حكم القلب المفتى بإيجاب شيء وكان مخطئا فيه صار مثابا عليه بل من قد ظن أنه تطهر فعليه أن يصلي فإن صلى ثم تذكر أنه لم يتوضأ كان له ثواب بفعله فإن تذكر ثم تركه كان معاقبا عليه ومن وجد على فراشه امرأة فظن أنها زوجته لم يعص بوطئها وإن كانت أجنبية فإن ظن أنها أجنبية ثم وطئها عصى بوطئها وإن كانت زوجته وكل ذلك نظر إلى القلب دون الجوارح بيان أن الوسواس هل يتصور أن ينقطع بالكلية عند الذكر أم لا اعلم أن العلماء المراقبين للقلوب الناظرين في صفاتها وعجائبها اختلفوا في هذه المسألة على خمس فرق

Section V03/P042–V03/P044

فقالت فرقة الوسوسة تنقطع بذكر الله عز وجل لأنه صلى الله عليه وسلم قال فإذا ذكر الله خنس // حديث إذا ذكر الله خنس أخرجه ابن أبي الدنيا وابن عدي من حديث أنس في أثناء حديث إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم الحديث وقد تقدم قريبا والخنس هو السكوت فكأنه يسكت وقالت فرقة لا ينعدم أصله ولكن يجري في القلب ولا يكون له أثر لأن القلب إذا صار مستوعبا بالذكر كان محجوبا عن التأثر بالوسوسة كالمشغول بهمه فإنه قد يتكلم ولا يفهم وإن كان الصوت يمر على سمعه وقالت فرقة لا تسقط الوسوسة ولا أثرها أيضا ولكن تسقط غلبتها للقلب فكأنه يوسوس من بعد وعلى ضعف وقالت فرقة ينعدم عند الذكر في لحظة وينعدم الذكر في لحظه ويتعاقبان في أزمنة متقاربة يظن لتقاربها أنها متساوقة وهي كالكرة التي عليها نقط متفرقة فإنك إذا أدرتها بسرعة تواصلها بالحركة واستدل هؤلاء بأن الخنس قد ورد ونحن نشاهد الوسوسة مع الذكر ولا وجه له إلا هذا وقالت فرقة الوسوسة والذكر يتساوقان في الدوام على القلب تساوقا لا ينقطع وكما أن الإنسان قد يرى بعينيه شيئين في حالة واحدة فكذلك القلب قد يكون مجرى لشيئين فقد قال صلى الله عليه وسلم ما من عبد إلا وله أربعة أعين عينان في رأسه يبصر بهما أمر دنياه وعينان في قلبه يبصر بهما أمر دينه // حديث ما من عبد إلا وله أربعة أعين عينان في رأسه يبصر بهما أمر دنياه وعينان في قلبه يبصر بهما أمر دينه أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث معاذ بلفظ الآخرة مكان دينه وفيه الحسين بن أحمد بن محمد الهروي السماخي الحافظ كذبه الحاكم والآفة منه وإلى هذا ذهب المحاسبي والصحيح عندنا أن كل هذه المذاهب صحيحة ولكن كلها قاصرة عن الإحاطة بأصناف الوسواس وإنما نظر كل واحد منهم إلى صنف واحد من الوسواس فأخبر عنه والوسواس أصناف الأول أن يكون من جهة التلبيس بالحق فإن الشطيان قد يلبس بالحق فيقول للإنسان تترك التنعم باللذات فإن العمر طويل والصبر عن الشهوات طول العمر ألمه عظيم فعند هذا إذا ذكر العبد عظيم حق الله تعالى وعظيم ثوابه وعقابه وقال لنفسه الصبر عن الشهوات شديد ولكن الصبر على النار أشد منه ولا بد من أحدهما فإذا ذكر العبد وعد الله تعالى ووعيده وجدد إيمانه ويقينه خنس الشيطان وهرب إذ لا يستطيع أن يقول له النار أيسر من الصبر على المعاصي ولا يمكنه أن يقول المعصية لا تفضي إلى النار فإن إيمانه بكتاب الله عز وجل يدفعه عن ذلك فينقطع وسواسه وكذلك يوسوس إليه بالعجب بعمله فيقول أي عبد يعرف الله كما تعرفه ويعبده كما تعبده فما أعظم مكانك عند الله تعالى فيتذكر العبد حينئذ أن معرفته وقلبه وأعضاءه التي بها عمله وعلمه كل ذلك من خلق الله تعالى فمن أين يعجب به فيخنس الشيطان إذ لا يمكنه أن يقول ليس هذا من الله فإن المعرفة والإيمان يدفعه فهذا نوع من الوسواس ينقطع بالكلية عن العارفين المستبصرين بنور الإيمان والمعرفة الصنف الثاني أن يكون وسواسه بتحريك الشهوة وهيجانها وهذا ينقسم إلى ما يعلم العبد يقينا أنه معصية وإلى ما يظنه بغالب الظن فإن علمه يقينا خنس الشيطان عن تهييج يؤثر في تحريك الشهوة ولم يخنس عن التهييج وإن كان مظنونا فربما يبقى مؤثرا بحيث يحتاج إلى مجاهدة في دفعه فتكون الوسوسة موجودة ولكنها مدفوعة غير غالبة الصنف الثالث أن تكون وسوسة بمجرد الخواطر وتذكر الأحوال الغالبة والتفكر في غير الصلاة مثلا فإذا أقبل على الذكر تصور أن يندفع ساعة ويعود ويندفع ويعود فيتعاقب الذكر والوسوسة ويتصور أن يتساوقا جميعا حتى يكون الفهم مشتملا على فهم معنى القراءة وعلى تلك الخواطر كأنهما في موضعين من القلب وبعيد جدا أن يندفع هذا الخنس بالكلية بحيث لا يخطر ولكنه ليس محالا إذا قال صلى الله عليه وسلم من صلى ركعتين لم يحدث فيهما

Section V03/P044–V03/P045

نفسه بشيء من أمر الدنيا غفر له ما تقدم من ذنبه فلولا أنه متصور لما ذكره إلا أنه لا يتصور ذلك إلا في قلب استولى عليه الحب حتى صار كالمستهتر فإنا قد نرى المستوعب القلب بعدو تأذى به قد يتفكر بمقدار ركعتين وركعات في مجادلة عدوه بحيث لا يخطر بباله غير حديث عدوه وكذلك المستغرق في الحب قد يتفكر في محادثة محبوبه بقلبه ويغوص في فكره بحيث لا يخطر بباله غير حديث محبوبه ولو كلمه غيره لم يسمع ولو اجتاز بين يد أحد لكان كأن لا يراه وإذا تصور هذا في خوف من عدو وعند الحرص على مال وجاه فكيف لا يتصور من خوف النار والحرص على الجنة ولكن ذلك عزيز لضعف الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر وإذا تأملت جملة هذه الأقسام وأصناف الوسواس علمت أن لكل مذهب من المذاهب وجها في محل مخصوص وبالجملة فالخلاص من الشيطان في لحظة أو ساعة غير بعيد ولكن الخلاص منه عمرا طويلا بعيد جدا ومحال في الوجود ولو تخلص أحد من وساوس الشيطان بالخواطر وتهييج الرغبة لتخلص رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روي أنه نظر إلى علم ثوبه في الصلاة فلما سلم رمى بذلك الثوب وقال شغلني عن الصلاة {وقال} اذهبوا به إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانيته وكان في يده خاتم من ذهب فنظر إليه وهو على المنبر ثم رمى به قال نظرة إليه ونظرة إليكم // حديث كان في يده خاتم من ذهب فنظر إليه على المنبر فرماه فقال نظرة إليكم أخرجه النسائي من حديث ابن عباس وتقدم في الصلاة وكان ذلك لوسوسة الشيطان بتحريك لذة النظر إلى خاتم الذهب وعلم الثوب وكان ذلك قبل تحريم الذهب فلذلك لبسه ثم رمى به فلا تنقطع وسوسة عروض الدنيا ونقدها إلا بالرمي والمفارقة فما دام يملك شيئا وراء حاجته ولو دينارا واحدا لا يدعه الشيطان في صلاته من الوسوسة في الفكر في ديناره وأنه كيف يحفظه وفيماذا ينفقه وكيف يخفيه حتى لا يعلم به أحد وكيف يظهره حتى يتباهى به إلى غير ذلك من الوساوس فمن أنشب مخالبه في الدنيا وطمع في أن يتخلص من الشطيان كان كمن انغمس في العسل وظن أن الذباب لا يقع عليه فهو محال فالدنيا باب عظيم لوسوسة الشيطان وليس له باب واحد بل أبواب كثيرة قال حكيم من الحكماء الشيطان يأتي ابن آدم من قبل المعاصي فإن امتنع أتاه من وجه النصيحة حتى يلقيه في بدعة فإن أبى أمره بالتحرج والشدة حتى يحرم ما ليس بحرام فإن أبى شككه في وضوئه وصلاته حتى يخرجه عن العلم فإن أبى خفف عليه أعمال البر حتى يراه الناس صابرا عفيفا فتميل قلوبهم إليه فيعجب نفسه وبه يهلكه وعند ذلك يشتد إلحاحه فإنها آخر درجة ويعلم أنه لو جاوزها أفلت منه إلى الجنة بيان سرعة تقلب القلب وانقسام القلوب في التغير والثبات اعلم أن القلب كما ذكرناه تكتنفه الصفات التي ذكرناها وتنصب إليه الآثار والأحوال من الأبواب التي وصفناها فكأنه هدف يصاب على الدوام من كل جانب فإذا أصابه شيء يتأثر به أصابه من جانب آخر ما يضاده فتتغير صفته فإن نزل به الشيطان فدعاه إلى الهوى نزل به الملك وصرفه عنه وإن جذبه شيطان إلى شر جذبه شيطان آخر إلى غيره وإن جذبه ملك إلى خير جذبه آخر إلى غيره فتارة يكون متنازعا بين ملكين وتارة بين شيطانين وتارة بين ملك وشيطان لا يكون قط مهملا وإليه الإشارة بقوله تعالى ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ولاطلاع رسول الله صلى الله عليه وسلم على عجيب صنع الله تعالى في عجائب القلب وتقلبه كان يحلف به فيقول لا ومقلب القلوب وكان كثيرا ما يقول يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك قالوا أو تخاف يا رسول الله قال وما يؤمنني والقلب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء وفي لفظ آخر إن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه

Section V03/P045–V03/P046

وضرب له صلى الله عليه وسلم ثلاثة أمثلة فقال مثل القلب مثل العصفور يتقلب في كل ساعة وقال صلى الله عليه وسلم مثل القلب في تقلبه كالقدر إذا استجمعت غليانا وقال مثل القلب كمثل ريشة في أرض فلاة تقلبها الرياح ظهرا لبطن وهذه التقلبات وعجائب صنع الله تعالى في تقلبها من حيث لا تهدى إليه المعرفة لا يعرفها إلا المراقبون والمراعون لأحوالهم مع الله تعالى والقلوب في الثبات على الخير والشر والتردد بينهما ثلاثة قلب عمر بالتقوى وزكا بالرياضة وطهر عن خبائث الأخلاق تنقدح فيه خواطر الخير من خزائن الغيب ومداخل الملكوت فينصرف العقل إلى التفكر فيما خطر له ليعرف دقائق الخير فيه ويطلع على أسرار فوائده فينكشف له بنور البصيرة وجهه فيحكم بأنه لا بد من فعله فيستحثه عليه ويدعوه إلى العمل به وينظر الملك إلى القلب فيجده طيبا في جوهره طاهرا بتقواه مستنيرا بضياء العقل معمورا بأنوار المعرفة فيراه صالحا لأن يكون له مستقرا ومهبطا فعند ذلك يمده بجنود لا ترى ويهديه إلى خيرات أخرى حتى ينجر الخير إلى الخير وكذلك على الدوام ولا يتناهى إمداده بالترغيب بالخير وتيسير الأمر عليه وإليه الإشارة بقوله تعالى فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وفي مثل هذا القلب يشرق نور المصباح من مكشاة الربوبية حتى لا يخفي فيه الشرك الخفي الذي هو أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء فلا يخفى على هذا النور خافية ولا يروج عليه شيء من مكايد الشيطان بل يقف الشيطان ويوحي زخرف القول غرورا فلا يلتفت إليه وهذا القلب بعد طهارته من المهلكات يصير على القرب معمورا بالمنجيات التي سنذكرها من الشكر والصبر والخوف والرجاء والفقر والزهد والمحبة والرضا والشوق والتوكل والتفكر والمحاسبة وغير ذلك وهو القلب الذي أقبل الله عز وجل بوجهه عليه وهو القلب المطمئن المراد بقوله تعالى ألا بذكر الله تطمئن القلوب وبقوله عز وجل يا أيتها النفس المطمئنة القلب الثاني القلب المخذول المشحون بالهوى المدنس بالأخلاق المذمومة والخبائث المفتوح فيه أبواب الشياطين المسدود عنه أبواب الملائكة ومبدأ الشر فيه أن ينقدح فيه خاطر من الهوى ويهجس فيه فينظر القلب إلى حاكم العقل ليستفتي منه ويستكشف وجه الصواب فيه فيكون العقل قد ألف خدمة الهوى وأنس به واستمر على استنباط الحيل له وعلى مساعدة الهوى فتستولي النفس وتساعد عليه فينشرح الصدر بالهوى وتنبسط فيه ظلماته لانحباس جند العقل عن مدافعته

Section V03/P046–V03/P047

فيقوى سلطان الشيطان لاتساع مكانه بسبب انتشار الهوى فيقبل عليه بالتزيين والغرور والأماني ويوحي بذلك زخرفا من القول غرورا فيضعف سلطان الإيمان بالوعد والوعيد ويخبو نور اليقين لخوف الآخرة إذ يتصاعد عن الهوى دخان مظلم إلى القلب يملأ جوانبه حتى تنطفيء أنواره فيصير العقل كالعين التي ملأ الدخان أجفانها فلا يقدر على أن ينظر وهكذا تفعل غلبة الشهوة بالقلب حتى لا يبقى للقلب إمكان التوقف والاستبصار ولو بصره واعظ وأسمعه ما هو الحق فيه عمى عن الفهم وصم عن السمع وهاجت الشهوة فيه وسطا الشيطان وتحركت الجوارح على وفق الهوى فظهرت المعصية إلى عالم الشهادة من عالم الغيب بقضاء من الله تعالى وقدره وإلى مثل هذا القلب الإشارة بقوله تعالى أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا وبقوله عز وجل لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون وبقوله سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ورب قلب هذا حاله بالإضافة إلى بعض الشهوات كالذي يتورع عن بعض الأشياء ولكنه إذا رأى وجها حسنا لم يملك عينه وقلبه وطاش عقله وسقط مساك قلبه أو كالذي لا يملك نفسه فيما فيه الجاه والرياسة والكبر ولا يبقى معه مسكة للتثبت عند ظهور أسبابه أو كالذي لا يملك نفسه عند الغضب مهما استحقر وذكر عيب من عيوبه أو كالذي لا يملك نفسه عند القدرة على أخذ درهم أو دينار بل يتهالك عليه تهالك الواله المستهتر فينسى فيه المروءة والتقوى فكل ذلك لتصاعد دخان الهوى إلى القلب حتى يظلم وتنطفيء منه أنواره فينطفيء نور الحياء والمروءة والإيمان ويسعى في تحصيل مراد الشيطان القلب الثالث قلب تبدو فيه خواطر الهوى فتدعوه إلى الشر فيلحقه خاطر الإيمان فيدعوه إلى الخير فتنبعث النفس بشهوتها إلى نصرة خاطر الشر فتقوى الشهوة وتحسن التمتع والتنعم فينبعث العقل إلى خاطر الخير ويدفع في وجه الشهوة ويقبح فعلها وينسبها إلى الجهل ويشبهها بالبهيمة والسبع في تهجمها على الشر وقلة اكتراثها بالعواقب فتميل النفس إلى نصح العقل فيحمل الشيطان حملة على العقل فيقوي داعي الهوى ويقول ما هذا التحرج البارد ولم تمتنع عن هواك فتؤذي نفسك وهل ترى أحدا من أهل عصرك يخالف هواه أو يترك غرضه أفتترك لهم ملاذ الدنيا يتمتعون بها وتحجر على نفسك حتى تبقى محروما شقيا متعوبا يضحك عليك أهل الزمان أفتريد أن يزيد منصبك على فلان وفلان وقد فعلوا مثل ما اشتهيت ولم يمتنعوا أما ترى العالم الفلاني ليس يحترز من مثل ذلك ولو كان ذلك شرا لامتنع منه فتميل النفس إلى الشيطان وتنقلب إليه فيحمل الملك حملة على الشيطان ويقول هل لك إلا من اتبع لذة الحال ونسى العاقبة أفتقنع بلذة يسيرة وتترك لذة الجنة ونعيمها أبد الآباد أم تستثقل ألم الصبر عن شهوتك ولا تستثقل ألم النار أتغتر بغفلة الناس عن أنفسهم واتباعهم هواهم ومساعدتهم الشيطان مع أن عذاب النار لا يخففه عنك معصية غيرك أرأيت لو كنت في يوم صائف شديد الحر ووقف الناس كلهم في الشمس وكان لك بيت بارد أكنت تساعد الناس أو تطلب لنفسك الخلاص فكيف تخالف الناس خوفا من حر الشمس ولا تخالفهم خوفا من حر النار فعند ذلك تمتثل النفس إلى قول الملك فلا يزال يتردد بين الجندين متجاذبا بين الحزبين إلى أن يغلب على القلب ما هو أولى به فإن كانت الصفات التي في القلب الغالب عليها الصفات الشيطانية التي ذكرناها غلب الشيطان ومال القلب إلى جنسه من أحزاب الشيطان معرضا عن حزب الله تعالى وأوليائه ومساعدا لحزب الشيطان وأعدائه وجرى على جوارحه بسابق القدر ما هو سبب بعده عن الله تعالى وإن كان الأغلب على القلب الصفات الملكية لم يصغ القلب إلى إغواء الشيطان

Section V03/P047–V03/P048

وتحريضه إياه على العاجلة وتهوينه أمر الآخرة بل مال إلى حزب الله تعالى وظهرت الطاعة بموجب ما سبق من القضاء على جوارحه فقلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن أي بين تجاذب هذين الجندين وهو الغالب أعني التقليب والانتقال من حزب إلى حزب أما الثبات على الدوام مع حزب الملائكة أو مع حزب الشيطان فنادر من الجانبين وهذه الطاعات والمعاصي تظهر من خزائن الغيب إلى عالم الشهادة بواسطة خزانة القلب فإنه من خزائن الملكوت وهي أيضا إذا ظهرت كانت علامات تعرف أرباب القلوب سابق القضاء فمن خلق للجنة يسرت له أسباب الطاعات ومن خلق للنار يسرت له أسباب المعاصي وسلط عليه أقران السوء وألقي في قلبه حكم الشيطان فإنه بأنواع الحكم يغر الحمقى بقوله إن الله رحيم فلا تبال وإن الناس كلهم ما يخافون الله فلا تخالفهم وإن العمر طويل فاصبر حتى تتوب غدا يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا يعدهم التوبة ويمنيهم المغفرة فيهلكهم بإذن الله تعالى بهذه الحيل وما يجري مجراها فيوسع قلبه لقبول الغرور ويضيقه عن قبول الحق وكل ذلك بقضاء من الله وقدر فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده فهو الهادي والمضل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه خلق الجنة وخلق لها أهلا فاستعملهم بالطاعة وخلق النار وخلق لها أهلا فاستعمله بالمعاصي وعرف الخلق علامة أهل الجنة وأهل النار فقال إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم ثم قال تعالى فيما روى عن نبيه صلى الله عليه وسلم هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي فتعالى الله الملك الحق لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ولنقتصر على هذا القدر اليسير من ذكر عجائب القلب فإن استقصاءه لا يليق بعلم المعاملة وإنما ذكرنا منه ما يحتاج إليه لمعرفة أغوار علوم المعاملة وأسرارها لينتفع بها من لا يقنع بالظواهر ولا يجتزئ بالقشر عن اللباب بل يتشوق إلى معرفة دقائق حقائق الأسباب وفيما ذكرناه كفاية له ومقنع إن شاء الله تعالى والله ولي التوفيق تم كتاب عجائب القلب ولله الحمد والمنة ويتلوه كتاب رياضة النفس وتهذيب الأخلاق والحمد لله وحده وصلى الله على كل عبد مصطفى كتاب رياضة النفس وتهذيب الأخلاق ومعالجة أمراض القلب وهو الكتاب الثاني من ربع المهلكات بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي صرف الأمور بتدبيره وعدل تركيب الخلق فأحسن في تصويره وزين صورة الإنسان بحسن تقويمه وتقديره وحرسه من الزيادة والنقصان في شكله ومقاديره وفوض تحسين الأخلاق إلى اجتهاد العبد وتشميره واستحثه على تهذيبها بتخويفه وتحذيره وسهل على خواص عباده تهذيب الأخلاق بتوفيقه وتيسيره وامتن عليهم بتسهيل صعبه وعسيرة والصلاة والسلام على محمد عبد الله ونبيه وحبيبه وصفيه وبشيره ونذيره الذي كان يلوح أنوار النبوة من بين أساريره ويستشرف حقيقة الحق من مخايله وتباشيره وعلى آله وأصحابه الذين طهروا وجه الإسلام من ظلمة الكفر ودياجيره وحسموا مادة الباطل فلم يتدنسوا بقليله ولا بكثيره

Section V03/P048–V03/P049

أما بعد فالخلق الحسن صفة سيد المرسلين وأفضل أعمال الصديقين وهو على التحقيق شطر الدين وثمرة مجاهدة المتقين ورياضة المتعبدين والأخلاق السيئة هي السموم القاتلة والمهلكات الدامغة والمخازي الفاضحة والرذائل الواضحة والخبائث المبعدة عن جوار رب العالمين المنخرطة بصاحبها في سلك الشياطين وهي الأبواب المفتوحة إلى نار الله تعالى الموقدة التي تطلع على الأفئدة كما أن الأخلاق الجميلة هي الأبواب المفتوحة من القلب إلى نعيم الجنان وجوار الرحمن والأخلاق الخبيثة أمراض القلوب وأسقام النفوس إلا أنه مرض يفوت حياة الأبد وأين منه المرض الذي لا يفوت إلا حياة الجسد ومهما اشتدت عناية الأطباء بضبط قوانين العلاج للأبدان وليس في مرضها إلا فوت الحياة الفانية فالعناية بضبط قوانين العلاج لأمراض القلوب وفي مرضها فوت حياة باقية أولى وهذا النوع من الطب واجب تعلمه على كل ذي لب إذ لا يخلو قلب من القلوب عن أسقام لو أهملت تراكمت وترادفت العلل وتظاهرت فيحتاج العبد إلى تأنق في معرفة علمها وأسبابها ثم إلى تشمير في علاجها وإصلاحها فمعالجتها هو المراد بقوله تعالى قد أفلح من زكاها وإهمالها هو المراد بقوله وقد خاب من دساها ونحن نشير في هذا الكتاب إلى جمل من أمراض القلوب وكيفية القول في معالجتها على الجملة من غير تفصيل لعلاج خصوص الأمراض فإن ذلك يأتي في بقية الكتب من هذا الربع وغرضنا الآن النظر الكلي في تهذيب الأخلاق وتمهيد منهاجها ونحن نذكر ذلك ونجعل علاج البدن مثالا له ليقرب من الأفهام دركه ويتضح ذلك ببيان فضيلة حسن الخلق ثم بيان حقيقة حسن الخلق ثم بيان قبول الأخلاق للتغير بالرياضة ثم بيان السبب الذي به ينال حسن الخلق ثم بيان الطرق التي بها يعرف تفصيل الطرق إلى تهذيب الأخلاق ورياضة النفوس ثم بيان العلامات التي بها يعرف مرض القلب ثم بيان الطرق التي بها يعرف الإنسان عيوب نفسه ثم بيان شواهد النقل على أن طريق المعالجة للقلوب بترك الشهوات لا غير ثم بيان علامات حسن الخلق ثم بيان الطريق في رياضة الصبيان في أول النشو ثم بيان شروط الإرادة ومقدمات المجاهدة فهي أحد عشر فصلا يجمع مقاصدها هذا الكتاب إن شاء الله تعالى بيان فضيلة حسن الخلق ومذمة سوء الخلق قال الله تعالى لنبيه وحبيبه مثنيا عليه ومظهرا نعمته لديه وإنك لعلى خلق عظيم وقالت عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خلقه القرآن وسأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حسن الخلق فتلا قوله تعالى {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} ثم قال صلى الله عليه وسلم هو أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك حديث بعثت لأتمم مكارم الأخلاق أخرجه أحمد والحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة وتقدم في آداب الصحبة وقال صلى الله عليه وسلم أثقل ما يوضع في الميزان يوم القيامة تقوى الله وحسن الخلق // حديث أثقل ما يوضع في الميزان خلق حسن أخرجه أبو داود والترمذي وصححه من حديث أبي الدرداء وجاء رجل إلى رسول الله

Section V03/P049–V03/P050

صلى الله عليه وسلم من بين يديه فقال يا رسول الله ما الدين قال حسن الخلق فأتاه من قبل يمينه فقال يا رسول الله ما الدين قال حسن الخلق ثم أتاه من قبل شماله فقال ما الدين فقال حسن الخلق ثم أتاه من ورائه فقال يا رسول الله ما الدين فالتفت إليه وقال أما تفقه هو أن لا تغضب وقيل يا رسول الله ما الشؤم قال سوء الخلق وقال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أوصني فقال اتق الله حيثما كنت قال زدني قال أتبع السيئة الحسنة تمحها قال زدني قال خالق الناس بخلق حسن حديث ما حسن الله خلق امرئ وخلقه فتطعمه النار تقدم في آداب الصحبة حديث أبي الدرداء أول ما يوضع في الميزان حسن الخلق الحديث لم أقف له على أصل هكذا ولأبي داود والترمذي من حديث أبي الدرداء ما من شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق وقال غريب وقال في بعض طرقه حسن صحيح وقال صلى الله عليه وسلم إن الله استخلص هذا الدين لنفسه ولا يصلح لدينكم إلا السخاء وحسن الخلق ألا فزينوا دينكم بهما حديث حسن الخلق خلق الله الأعظم أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث عمار ابن ياسر بسند ضعيف وقيل يا رسول الله أي المؤمنين أفضل إيمانا قال أحسنهم خلقا حديث إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم ببسط الوجه وحسن الخلق أخرجه البزار وأبو يعلى والطبراني في مكارم الأخلاق من حديث أبي هريرة وبعض طرق البزار رجاله ثقات حديث سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل أخرجه ابن حبان في الضعفاء من حديث أبي هريرة والبيهقي في الشعب من حديث ابن عباس وأبي هريرة أيضا وضعفهما ابن جرير حديث إنك امرؤ قد حسن الله خلقك فأحسن خلقك أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق وأبو العباس الدغولي في كتاب الآداب وفيه ضعف وعن البراء بن عازب قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجها وأحسنهم خلقا وعن أبي مسعود البدري قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه اللهم حسنت خلقي فحسن خلقي وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الدعاء فيقول اللهم إني أسألك الصحة والعافية وحسن الخلق حديث أبي هريرة كرم المرء دينه ومروءته عقله وحسن خلقه أخرجه ابن حبان والحاكم وصححه على شرط مسلم والبيهقي قلت فيه مسلم بن خالد الزنجي وقد تكلم فيه قال البيهقي وروى من وجهين آخرين ضعيفين ثم رواه موقوفا على عمر وقال إسناد صحيح حديث أسامة بن شريك شهدت الأعاريب يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خير ما أعطى العبد قال خلق الحسن أخرجه ابن ماجه وتقدم في آداب الصحبة حديث إن أحبكم إلى الله وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا أخرجه الطبراني في الصغير والأوسط من حديث أبي هريرة إن أحبكم إلى الله أحاسنكم أخلاقا وللطبراني في مكارم الأخلاق من حديث جابر إن أقربكم مني مجلسا أحاسنكم أخلاقا وقد تقدم الحديثان في آداب الصحبة حديث ابن عباس ثلاث من لم يكن فيه أو واحدة منهم فلا يعتد بشيء من عمله الحديث أخرجه الخرايطي في مكارم الأخلاق بإسناد ضعيف ورواه الطبراني في الكبير وفي مكارم الأخلاق من حديث أم سلمة وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم في افتتاح الصلاة اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت حديث أنس إن حسن الخلق ليذيب الخطيئة كما تذيب الشمس الجليد أخرجه الخرايطي في مكارم الأخلاق بسند ضعيف ورواه الطبراني والطيالسي والبيهقي في الشعب من حديث ابن عباس وضعفه وكذا رواه من حديث أبي هريرة وضعفه أيضا

Section V03/P050–V03/P051

وقال صلى الله عليه وسلم من سعادة المرء حسن الخلق حديث اليمن حسن الخلق أخرجه الخرايطي في مكارم الأخلاق من حديث علي بإسناد ضعيف وقال صلى الله عليه وسلم لأبي ذر يا أبا ذر لا عقل كالتدبير ولا حسب كحسن الخلق وعن أنس قال قالت أم حبيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت المرأة يكون لها زوجان في الدنيا فتموت ويموتان ويدخلون الجنة لأيهما هي تكون قال لأحسنهما خلقا كان عندها في الدنيا يا أم حبيبة ذهب حسن الخلق بخيري الدنيا والآخرة وقال صلى الله عليه وسلم إن المسلم المسدد ليدرك درجة الصائم القائم بحسن خلقه وكرم مرتبته حديث عبد الرحمن بن سمرة إني رأيت البارحة عجبا الحديث أخرجه الخرايطي في مكارم الأخلاق بسند ضعيف حديث إن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة الحديث أخرجه الطبراني والخرايطي في مكارم الأخلاق وأبو الشيخ في كتاب مكارم الأخلاق وأبو الشيخ في كتاب طبقات الأصبهانيين من حديث أنس بإسناد جيد // وروى أن عمر رضي الله عنه استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده نساء من نساء قريش يكلمنه ويستكثرنه عالية أصواتهن على صوته فلما استأذن عمر رضي الله عنه تبادرن الحجاب فدخل عمر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك فقال عمر رضي الله عنه مم تضحك بأبي أنت وأمي يا رسول الله فقال عجبت لهؤلاء اللاتي كن عندي لما سمعن صوتك تبادرن الحجاب فقال عمر أنت كنت أحق أن يهبنك يا رسول الله ثم أقبل عليهن عمر فقال يا عدوات أنفسهن أتهبنني ولا تهبن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلن نعم أنت أغلظ وأفظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم إيها يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك وقال صلى الله عليه وسلم سوء الخلق ذنب لا يغفر وسوء الظن خطيئة تفوح وقال صلى الله عليه وسلم إن العبد ليبلغ من سوء خلقه أسفل درك جهنم الآثار قال ابن لقمان الحكيم لأبيه يا أبت أي الخصال من الإنسان خير قال الدين قال فإذا كانت اثنتين قال الدين والمال قال فإذا كانت ثلاثا قال الدين والمال والحياء قال فإذا كانت أربعا قال الدين والمال والحياء وحسن الخلق قال فإذا كانت خمسا قال الدين والمال والحياء وحسن الخلق والسخاء قال فإذا كانت ستا قال يا بني إذا اجتمعت فيه الخمس خصال فهو نقي تقي والله ولي ومن الشيطان يري وقال الحسن من ساء خلقه عذب نفسه وقال أنس بن مالك إن العبد ليبلغ بحسن خلقه أعلى درجة في الجنة وهو غير عابد ويبلغ بسوء خلقه أسفل درك في جهنم وهو عابد وقال يحيى بن معاذ في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق وقال وهب ابن منبه مثل السيء الخلق كمثل الفخارة المكسورة لا ترقع ولا تعاد طينا وقال الفضيل لأن يصحبني فاجر حسن الخلق أحب إلي من أن يصحبني عابد سيي الخلق وصحب ابن المبارك رجلا سيي الخلق في سفر فكان يحتمل منه ويداريه فلما فارقه بكى فقيل له في ذلك فقال بكيته رحمة له فارقته وخلقه معه لم يفارقه وقال الجنيد أربع ترفع العبد إلى أعلى الدرجات وإن قل عمله وعلمه الحلم والتواضع والسخاء وحسن الخلق وهو كمال الإيمان وقال الكناني التصوف خلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف وقال عمر رضي الله عنه خالطوا الناس بالأخلاق وزايلوهم بالأعمال وقال يحيى بن معاذ سوء الخلق سيئة لا تنفع معها كثرة الحسنات وحسن الخلق حسنة لا تضر معها كثرة السيئات وسئل ابن عباس ما الكرم فقال هو ما بين الله في كتابه العزيز إن أكرمكم عند الله أتقاكم قيل فما الحسب قال أحسنكم خلقا أفضلكم حسبا وقال لكل بنيان أساس وأساس الإسلام حسن الخلق وقال عطاء ما ارتفع من ارتفع إلا بالخلق الحسن ولم ينل أحد كماله إلا المصطفى صلى الله عليه وسلم فأقرب الخلق إلى الله عز وجل السالكون آثاره بحسن الخلق

Section V03/P051–V03/P052

بيان حقيقة حسن الخلق وسوء الخلق اعلم أن الناس قد تكلموا في حقيقة حسن الخلق وأنه ما هو وما تعرضوا لحقيقته وإنما تعرضوا لثمرته ثم لم يستوعبوا جميع ثمراته بل ذكر كل واحد من ثمراته ما خطر له وما كان حاضرا في ذهنه ولم يصرفوا العناية إلى ذكر حده وحقيقته المحيطة بجميع ثمراته على التفصيل والاستيعاب وذلك كقول الحسن حسن الخلق بسط الوجه وبذل الندى وكف الأذى وقال الواسطي هو أن لا يخاصم ولا يخاصم من شدة معرفته بالله تعالى وقال شاه الكرماني هو كف الأذى واحتمال المؤن وقال بعضهم هو أن يكون من الناس قريبا وفيما بينهم غريبا وقال الواسطي مرة هو إرضاء الخلق في السراء والضراء وقال أبو عثمان هو الرضا عن الله تعالى وسئل سهل التستري عن حسن الخلق فقال أدناه الاحتمال وترك المكافأة والرحمة للظالم والاستغفار له والشفقة عليه وقال مرة أن لا يتهم الحق في الرزق ويثق به ويسكن إلى الوفاء بما ضمن فيطيعه ولا يعصيه في جميع الأمور فيما بينه وبينه وفيما بينه وبين الناس وقال علي رضي الله عنه حسن الخلق في ثلاث خصال اجتناب المحارم وطلب الحلال والتوسعة على العيال وقال الحسين بن منصور هو أن لا يؤثر فيك جفاء الخلق بعد مطالعتك للحق وقال أبو سعيد الخراز هو أن لا يكون لك هم غير الله تعالى فهذا وأمثاله كثير وهو تعرض لثمرات حسن الخلق لا لنفسه ثم ليس هو محيطا بجميع الثمرات أيضاوكشف الغطاء عن الحقيقة أولى من نقل الأقاويل المختلفة فنقول الخلق والخلق عبارتان مستعملتان معا يقال فلان حسن الخلق والخلق أي حسن الباطن والظاهر فيراد بالخلق الصورة الظاهرة ويراد بالخلق الصورة الباطنة وذلك لأن الإنسان مركب من جسد مدرك بالبصر ومن روح ونفس مدرك بالبصيرة ولكل واحد منهما هيئة وصورة إما قبيحة وإما جميلة فالنفس المدركة بالبصيرة أعظم قدرا من الجسد المدرك بالبصر ولذلك عظم الله أمره بإضافته إليه إذ قال تعالى إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فنبه على أن الجسد منسوب إلى الطين والروح إلى رب العالمين والمراد بالروح والنفس في هذا المقام واحد فالخلق عبارة عن هيئة في النفس راسخة عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلا وشرعا سميت تلك الهيئة خلقا حسنا وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي المصدر خلقا سيئا وإنما قلنا إنها هيئة راسخة لأن من يصدر منه بذل المال على الندور لحاجة عارضة لا يقال خلقه السخاء ما لم يثبت ذلك في نفسه ثبوت رسوخ وإنما اشترطنا أن تصدر منه الأفعال بسهولة من غير روية لأن من تكلف بذل المال أو السكوت عند الغضب بجهد وروية لا يقال خلقه السخاء والحلم فههنا أربعة أمور أحدها فعل الجميل والقبيح والثاني القدرة عليهما والثالث المعرفة بهما والرابع هيئة للنفس بها تميل إلى أحد الجانبين ويتيسر عليها أحد الأمرين إما الحسن وإما القبيح

Section V03/P052–V03/P053

وليس الخلق عبارة عن الفعل فرب شخص خلقه السخاء ولا يبذل إما لفقد المال أو لمانع وربما يكون خلقه البخل وهو يبذل إما لباعث أو لرياء وليس هو عبارة عن القوة لأن نسبة القوة إلى الإمساك والإعطاء بل إلى الضدين واحد وكل إنسان خلق بالفطرة قادر على الإعطاء والإمساك وذلك لا يوجب خلق البخل ولا خلق السخاء وليس هو عبارة عن المعرفة فإن المعرفة تتعلق بالجميل والقبيح جميعا على وجه واحد بل هو عبارة عن المعنى الرابع وهو الهيئة التي بها تستعد النفس لأن يصدر منها الإمساك أو البذل فالخلق إذا عبارة عن هيئة النفس وصورتها الباطنة وكما أن حسن الصورة الظاهرة مطلقا لا يتم بحسن العينين دون الأنف والفم والخد بل لا بد من حسن الجميع ليتم حسن الظاهر فكذلك في الباطن أربعة أركان لا بد من الحسن في جميعها حتى يتم حسن الخلق فإذا استوت الأركان الأربعة واعتدلت وتناسبت حصل حسن الخلق وهو قوة العلم وقوة الغضب وقوة الشهوة وقوة العدل بين هذه القوى الثلاث أما قوة العلم فحسنها وصلاحها في أن تصير بحيث يسهل بها درك الفرق بين الصدق والكذب في الأقوال وبين الحق والباطل في الاعتقادات وبين الجميل والقبيح في الأفعال فإذا صلحت هذه القوة حصل منها ثمرة الحكمة والحكمة رأس الأخلاق الحسنة وهي التي قال الله فيها ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا وأما قوة الغضب فحسنها في أن يصير انقباضها وانبساطها على حد ما تقتضيه الحكمة وكذلك الشهوة حسنها وصلاحها في أن تكون تحت إشارة الحكمة أعني إشارة العقل والشرع وأما قوة العدل فهو ضبط الشهوة والغضب تحت إشارة العقل والشرع فالعقل مثاله مثال الناصح المشير وقوة العدل هي القدرة ومثالها مثال المنفذ الممضي لإشارة العقل والغضب هو الذي تنفد فيه الإشارة ومثاله مثال كلب الصيد فإنه يحتاج إلى أن يؤدب حتى يكون استرساله وتوقفه بحسب الإشارة لا بحسب هيجان شهوة النفس والشهوة مثالها مثال الفرس الذي يركب في طلب الصيد فإنه تارة يكون مروضا مؤدبا وتارة يكون جموحا فمن استوت فيه هذه الخصال واعتدلت فهو حسن الخلق مطلقا ومن اعتدل فيه بعضها دون البعض فهو حسن الخلق بالإضافة إلى ذلك المعنى خاصة كالذي يحسن بعض أجزاء وجهه دون بعض وحسن القوة الغضبية واعتدالها يعبر عنه بالشجاعة وحسن قوة الشهوة واعتدالها يعبر عنه بالعفة فإن مالت قوة الغضب عن الاعتدال إلى طرف الزيادة تسمى تهورا وإن مالت إلى الضعف والنقضان تسمى جبنا وخورا وإن مالت قوة الشهوة إلى طرف الزيادة تسمى شرها وإن مالت إلى النقصان تسمى جمودا والمحمود هو الوسط وهو الفضيلة والطرفان رذيلتان مذمومتان والعدل إذا فات فليس له طرفا زيادة ونقصان بل له ضد واحد ومقابل وهو الجور وأما الحكمة فيسمى إفراطها عند الاستعمال في الأغراض الفاسدة خبثا وجربزة ويسمى تفريطها بلها والوسط هو الذي يختص باسم الحكمة فإذن أمهات الأخلاق وأصولها أربعة الحكمة والشجاعة والعفة والعدل ونعني بالحكمة حالة للنفس بها يدرك الصواب من الخطأ في جميع الأفعال الاختيارية ونعني بالعدل حالة للنفس وقوة بها تسوس الغضب والشهوة وتحملهما على مقتضى الحكمة وتضبطهما في الاسترسال والانقباض على حسب مقتضاها ونعني بالشجاعة كون قوة الغضب منقادة للعقل في إقدامها وإحجامها ونعني بالعفة تأدب قوة الشهوة بتأديب العقل والشرع فمن اعتدال هذه الأصول الأربعة تصدر الأخلاق الجميلة كلها إذ من اعتدال قوة العقل يحصل حسن التدبير وجودة الذهن وثقابة الرأي وإصابة الظن والتفطن لدقائق الأعمال وخفايا آفات النفوس ومن إفراطها تصدر الجربزة والمكر والخداع والدهاء ومن تفريطها يصدر البله والغمارة والحمق والجنون وأعني بالغمارة قلة التجربة في الأمور مع سلامة التخيل فقد يكون الإنسان غمرا في شيء دون شيء والفرق بين الحمق الجنون أن الأحمق مقصوده صحيح ولكن سلوكه الطريق فاسد فلا تكون له روية صحيحة في سلوك الطريق الموصل إلى الغرض وأما المجنون فإنه يحتار ما لا ينبغي أن يختار فيكون أصل اختياره وإيثاره فاسدا

Section V03/P053–V03/P055

وأما خلق الشجاعة فيصدر منه الكرم والنجدة والشهامة وكسر النفس والاحتمال والحلم والثبات وكظم الغيظ والوقار والتودد وأمثالها وهي أخلاق محمودة وأما إفراطها وهو التهور فيصدر منه الصلف والبذخ والاستشاطة والتكبر والعجب وأما تفريطها فيصدر منه المهانة والذلة والجزع والخساسة وصغر النفس والانقباض عن تناول الحق الواجب وأما خلق العفة فيصدر منه السخاء والحياء والصبر والمسامحة والقناعة والورع واللطافة والمساعدة والظرف وقلة الطمع وأما ميلها إلى الإفراط أو التفريط فيحصل منه الحرص والشره والوقاحة والخبث والتبذير والتقتير والرياء والهتكة والمجانة والعبث والملق والحسد والشماتة والتذلل للأغنياء واستحقار الفقراء وغير ذلك فأمهات محاسن الأخلاق هذه الفضائل الأربعة وهي الحكمة والشجاعة والعفة والعدل والباقي فروعها ولم يبلغ كمال الاعتدال في هذه الأربع إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس بعده متفاوتون في القرب والبعد منه فكل من قرب منه في هذه الأخلاق فهو قريب من الله تعالى بقدر قربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل من جمع كمال هذه الأخلاق استحق أن يكون بين الخلق ملكا مطاعا يرجع الخلق كلهم إليه ويقتدون به في جميع الأفعال ومن انفك عن هذه الأخلاق كلها واتصف بأضدادها استحق أن يخرج من بين البلاد والعباد فإنه قد قرب من الشيطان اللعين المبعد فينبغي أن يبعد كما أن الأول قريب من الملك المقرب فينبغي أن يقتدى به ويتقرب إليه فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبعث إلا ليتمم مكارم الأخلاق كما قال وقد أشار القرآن إلى هذه الأخلاق في أوصاف المؤمنين فقال تعالى إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون فالإيمان بالله وبرسوله من غير ارتياب هو قوة اليقين وهو ثمرة العقل ومنتهى الحكمة والمجاهدة بالمال هو السخاء الذي يرجع إلى ضبط قوة الشهوة والمجاهدة بالنفس هي الشجاعة التي ترجع إلى استعمال قوة الغضب على شرط العقل وحد الاعتدال فقد وصف الله تعالى الصحابة فقال أشداء على الكفار رحماء بينهم إشارة إلى أن للشدة موضعا وللرحمة موضعا فليس الكمال في الشدة بكل حال ولا في الرحمة بكل حال فهذا بيان معنى الخلق وحسنه وقبحه وبيان أركانه وثمراته وفروعه بيان قبول الأخلاق للتغيير بطريق الرياضة اعلم أن بعض من غلبت البطالة عليه استثقل المجاهدة والرياضة والاشتغال بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق فلم تسمح نفسه بأن يكون ذلك لقصوره ونقصه وخبث دخلته فزعم أن الأخلاق لا يتصور تغييرها فإن الطباع لا تتغير واستدل فيه بأمرين أحدهما أن الخلق هو صورة الباطن كما أن الخلق هو صورة الظاهر فالخلقة الظاهرة لا يقدر على تغييرها فالقصير لا يقدر أن يجعل نفسه طويلا ولا الطويل يقدر أن يجعل نفسه قصيرا ولا القبيح يقدر على تحسين صورته فكذلك القبح الباطن يجري هذا المجرى والثاني أنهم قالوا حسن الخلق يقمع الشهوة والغضب وقد جربنا ذلك بطول المجاهدة وعرفنا أن ذلك من مقتضى المزاج والطبع فإنه قط لا ينقطع عن الآدمي فاشتغاله به تضييع زمان بغير فائدة فإن المطلوب هو قطع التفات القلب إلى الحظوظ العاجلة وذلك محال وجوده فنقول لو كانت الأخلاق لا تقبل التغيير لبطلت الوصايا والمواعظ والتأديبات ولما قال رسول الله

Questions