Qur'an&Sunnah

Gazâlî — İhyâü Ulûmi'd-Dîn

Section V03/P194–V03/P195

الإسكاف بل البزاز ثم مزاحمة البزاز المجاور له أكثر من مزاحمة البعيد عنه إلى طرف السوق فلا جرم يكون حسده للجار أكثر وكذلك الشجاع يحسد الشجاع ولا يحسد العالم لأن مقصده أن يذكر بالشجاعة ويشتهر بها وينفرد بهذه الخصلة ولا يزاحمه العالم على هذا الغرض وكذلك يحسد العالم العالم ولا يحسد الشجاع ثم حسد الواعظ للواعظ أكثر من حسده للفقيه والطبيب لأن التزاحم بينهما على مقصود واحد أخص فأصل هذه المحاسدات العداوة وأصل العداوة التزاحم بينهما على غرض واحد والغرض الواحد لا يجمع متباعدين بل متناسبين فلذلك يكثر الحسد بينهما نعم من اشتد حرصه على الجاه وأحب الصيت في جميع أطراف العالم بما هو فيه فإنه يحسد كل من هو في العالم وإن بعد ممن يساهمه في الخصلة التي يتفاخر بها ومنشأ جميع ذلك حب الدنيا فإن الدنيا هي التي تضيق على المتزاحمين أما الآخرة فلا ضيق فيها وإنما مثال الآخرة نعمة العلم فلا جرم من يحب معرفة الله تعالى ومعرفة صفاته وملائكته وأنبيائه وملكوت سمواته وأرضه لم يحسد غيره إذا عرف ذلك أيضا لأن المعرفة لا تضيق على العارفين بل المعلوم الواحد يعلمه ألف ألف عالم ويفرح بمعرفته ويلتذ به ولا تنقص لذة واحد بسبب غيره بل يحصل بكثرة العارفين زيادة الأنس وثمرة الاستفادة والإفادة فلذلك لا يكون بين علماء الدين محاسدة لأن مقصدهم معرفة الله تعالى وهو بحر واسع لا ضيق فيه وغرضهم المنزلة عند الله ولا ضيق أيضا فيما عند الله تعالى لأن أجل ما عند الله سبحانه من النعيم لذة لقائه وليس فيها ممانعة ومزاحمة ولا يضيق بعض الناظرين على بعض بل يزيد الأنس بكثرتهم نعم إذا قصد العلماء بالعلم المال والجاه تحاسدوا لأن المال أعيان وأجسام إذا وقعت في يد واحد خلت عنها يد الآخر ومعنى الجاه ملك القلوب ومهما امتلأ قلب شخص بتعظيم عالم انصرف عن تعظيم الآخر أو نقص عنه لا محالة فيكون ذلك سببا للمحاسدة وإذا امتلأ قلب بالفرح بمعرفة الله تعالى لم يمنع ذلك أن يمتليء قلب غيره بها وأن يفرح بذلك والفرق بين العلم والمال أن المال لا يحل في يد ما لم يرتحل عن اليد الأخرى والعلم في قلب العالم مستقر ويحل في قلب غيره بتعليمه من غير أن يرتحل من قلبه والمال أجسام وأعيان ولها نهاية فلو ملك الإنسان جميع ما في الأرض لم يبق بعده مال يتملكه غيره والعلم لا نهاية له ولا يتصور استيعابه فمن عود نفسه الفكر في جلال الله وعظمته وملكوت أرضه وسمائه صار ذلك ألذ عنده من كل نعيم ولم يكن ممنوعا منه ولا مزاحما فيه فلا يكون في قلبه حسد لأحد من الخلق لأن غيره أيضا لو عرف مثل معرفته لم ينقص من لذته بل زادت لذته بمؤانسته فتكون لذة هؤلاء في مطالعة عجائب الملكوت على الدوام أعظم من لذة من ينظر إلى أشجار الجنة وبساتينها بالعين الظاهرة فإن نعيم العارف وجنته معرفته التي هي صفة ذاته يأمن زوالها وهو أبدا يجني ثمارها فهو بروحه وقلبه مغتذ بفاكهة علمه وهي فاكهة غير مقطوعة ولا ممنوعة بل قطوفها دانية فهو وإن غمض العين الظاهرة فروحه أبدا ترتع في جنة عالية ورياض زاهرة فإن فرض كثرة في العارفين لم يكونوا متحاسدين بل كانوا كما قال فيهم رب العالمين ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين فهذا حالهم وهم بعد في الدنيا فماذا يظن بهم عند انكشاف الغطاء ومشاهدة المحبوب في العقبى فإذن لا يتصور أن يكون في الجنة محاسدة ولا أن يكون بين أهل الدنيا في الجنة محاسدة لأن الجنة لا مضايقة فيها ولا مزاحمة ولا تنال إلا بمعرفة الله تعالى التي لا مزاحمة فيها في الدنيا أيضا فأهل الجنة بالضرورة برءاء من الحسد في الدنيا والآخرة جميعا بل الحسد من صفات المبعدين عن سعة عليين إلى مضيق سجين ولذلك وسم به الشيطان اللعين وذكر من صفاته أنه حسد آدم عليه السلام على ما خص به من الاجتباء ولما دعى إلى السجود استكبر وأبى وتمرد وعصى فقد عرفت أنه لا حسد إلا للتوارد على مقصود

Section V03/P195–V03/P196

يضيق عن الوفاء بالكل ولهذا لا ترى الناس يتحاسدون على النظر إلى زينة السماء ويتحاسدون على رؤية البساتين التي هي جزء يسير من جملة الأرض وكل الأرض لا وزن لها بالإضافة إلى السماء ولكن السماء لسعة الأقطار وافيه بجميع الأبصار فلم يكن فيها تزاحم ولا تحاسد أصلا فعليك إن كنت بصيرا وعلى نفسك مشفقا أن تطلب نعمة لا زحمة فيها ولذة لا كدر لها ولا يوجد ذلك في الدنيا إلا في معرفة الله عز وجل ومعرفة صفاته وأفعاله وعجائب ملكوت السموات والأرض ولا ينال ذلك في الآخرة إلا بهذه المعرفة أيضا فإن كنت لا تشتاق إلى معرفة الله تعالى ولم تجد لذتها وفتر عنها رأيك وضعفت فيها رغبتك فأنت في ذلك معذور إذ العنين لا يشتاق إلى لذة الوقاع والصبي لا يشتاق إلى لذة الملك فإن هذه لذات يختص بإدراكها الرجال دون الصبيان والمخنثين فكذلك لذة المعرفة يختص بإدراكها الرجال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ولا يشتاق إلى هذه اللذة غيرهم لأن الشوق بعد الذوق ومن لم يذق لم يعرف ومن لم يعرف لم يشتق ومن لم يشتق لم يطلب ومن لم يطلب لم يدرك ومن لم يدرك بقي مع المحرومين في أسفل السافلين ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين بيان الدواء الذي ينفي مرض الحسد عن القلب اعلم أن الحسد من الأمراض العظيمة للقلوب ولا تداوى أمراض القلوب إلا بالعلم والعمل والعلم النافع لمرض الحسد هو أن تعرف تحقيقا أن الحسد ضرر عليك في الدنيا والدين وأنه لا ضرر فيه على المحسود في الدنيا والدين بل ينتفع به فيهما ومهما عرفت هذا عن بصيرة ولم تكن عدو نفسك وصديق عدوك فارقت الحسد لا محالة أما كونه ضررا عليك في الدين فهو أنك بالحسد سخطت قضاء الله تعالى وكرهت نعمته التي قسمها بين عباده وعدله الذي أقامه في ملكه بخفي حكمته فاستنكرت ذلك واستبشعته وهذه جناية على حدقة التوحيد وقذى في عين الإيمان وناهيك بهما جناية على الدين وقد انضاف إلى ذلك أنك غششت رجلا من المؤمنين وتركت نصيحته وفارقت أولياء الله وأنبياءه في حبهم الخير لعباده تعالى وشاركت إبليس وسائر الكفار في محبتهم للمؤمنين البلايا وزوال النعم وهذه خبائث في القلب تأكل حسنات القلب كما تأكل النار الحطب وتمحوها كما يمحو الليل والنهار وأما كونه ضررا عليك في الدنيا فهو أنك تتألم بحسدك في الدنيا أو تتعذب به ولا تزال في كمد وغم إذ أعداؤك لا يخليهم الله تعالى عن نعم يفيضها عليهم فلا تزال تتعذب بكل نعمة تراها وتتألم بكل بلية تنصرف عنهم فتبقى مغموما محروما متشعب القلب ضيق الصدر قد نزل بك ما يشتهيه الأعداء لك وتشتهيه لأعدائك فقد كنت تريد المحنة لعدوك فتنجزت في الحال محنتك وغمك نقدا ومع هذا فلا تزول النعمة عن المحسود بحسدك ولو لم تكن تؤمن بالبعث والحساب لكان مقتضى الفطنة إن كنت عاقلا أن تحذر من الحسد لما فيه من ألم القلب ومساءته مع عدم النفع فكيف وأنت عالم بما في الحسد من العذاب الشديد في الآخرة فما أعجب من العاقل كيف يتعرض لسخط الله تعالى من غير نفع يناله بل مع ضرر يحتمله وألم يقاسيه فيهلك دينه ودنياه من غير جدوى ولا فائدة وأما أنه ضرر على المحسود في دينه ودنياه فواضح لأن النعمة لا تزول عنه بحسدك بل ما قدره الله تعالى من إقبال ونعمة فلا بد أن يدوم إلى أجل غير معلوم قدره الله سبحانه فلا حيلة في دفعه بل كل شيء عنده بمقدار ولكل أجل كتاب ولذلك شكا نبي من الأنبياء من امرأة ظالمة مستولية على الخلق فأوحى الله إليه فر من قدامها حتى تنقضي أيامها أي ما قدرناه في الأزل لا سبيل إلى تغييره فاصبر حتى تنقضي المدة التي سبق القضاء بدوام إقبالها فيها ومهما

Section V03/P196–V03/P197

لم تزل النعمة بالحسد لم يكن على المحسود ضرر في الدنيا ولا يكون عليه إثم في الآخرة ولعلك تقول ليت النعمة كانت تزول عن المحسود بحسدي وهذا غاية الجهل فإنه بلاء تشتهيه أولا لنفسك فإنك أيضا لا تخلو عن عدو يحسدك فلو كانت النعمة تزول بالحسد لم يبق لله تعالى عليك نعمة ولا على أحد من الخلق ولا نعمة الإيمان أيضا لأن الكفار يحسدون المؤمنين على الإيمان قال الله تعالى ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم إذ ما يريد الحسود لا يكون نعم هو يضل بإرادته الضلال لغيره فإن أراد الكفر كفر فمن اشتهى أن تزول النعمة عن المحسود بالحسد فكأنما يريد أن يسلب نعمة الإيمان بحسد الكفار وكذا سائر النعم وإن اشتهيت أن تزول النعمة عن الخلق بحسدك ولا تزول عنك بحسد غيرك فهذا غاية الجهل والغباوة فإن كل واحد من حمقى الحساد أيضا يشتهي أن يخص بهذه الخاصية ولست بأولى من غيرك فنعمة الله تعالى عليك في إن لم تزل النعمة بالحسد مما يجب عليك شكرها وأنت بجهلك تكرهها وأما أن المحسود ينتفع به في الدين والدنيا فواضح أما منفعته في الدين فهو أنه مظلوم من جهتك لا سيما إذا أخرجك الحسد إلى القول والفعل بالغيبة والقدح فيه وهتك ستره وذكر مساويه فهذه هدايا تهديها إليه أعني أنك بذلك تهدي إليه حسناتك حتى تلقاه يوم القيامة مفلسا محروما عن النعمة كما حرمت في الدنيا عن النعمة فكأنك أردت زوال النعمة عنه فلم تزل نعم كان لله عليه نعمة إذ وفقك للحسنات فنقلتها إليه فأضفت إليه نعمة إلى نعمة وأضفت إلى نفسك شقاوة إلى شقاوة وأما منفعته في الدنيا فهو أن أهم أغراض الخلق مساءة الأعداء وغمهم وشقاوتهم وكونهم معذبين مغمومين ولا عذاب أشد مما أنت فيه من ألم الحسد وغاية أماني أعدائك أن يكونوا في نعمة وأن تكون في غم وحسرة بسببهم وقد فعلت بنفسك ما هو مرادهم ولذلك لا يشتهي عدوك موتك بل يشتهي أن تطول حياتك ولكن في عذاب الحسد لتنظر إلى نعمة الله عليه فيتقطع قلبك حسدا ولذلك قيل لا مات أعداؤك بل خلدوا ... حتى يروا فيك الذي يكمد لا زلت محسودا على نعمة ... فإنما الكامل من يحسد ففرح عدوك بغمك وحسدك أعظم من فرحه بنعمته ولو علم خلاصك من ألم الحسد وعذابه لكان ذلك أعظم مصيبة وبليه عنده فما أنت فيما تلازمه من غم الحسد إلا كما يشتهيه عدوك فإذا تأملت هذا عرفت أنك عدو نفسك وصديق عدوك إذ تعاطيت ما تضررت به في الدنيا والآخرة وانتفع به عدوك في الدنيا والآخرة وصرت مذموما عند الخالق والخلائق شقيا في الحال والمآل ونعمة المحسود دائمة شئت أم أبيت باقية ثم لم تقتصر على تحصيل مراد عدوك حتى وصلت إلى إدخال أعظم سرور على إبليس الذي هو أعدى أعدائك لأنه لما رآك محروما من نعمة العلم والورع والجاه والمال الذي اختص به عدوك عنك خاف أن تحب ذلك له فتشاركه في الثواب بسبب المحبة لأن من أحب الخير للمسلمين كان شريكا في الخير ومن فاته اللحاق بدرجة الأكابر في الدنيا لم يفته ثواب الحب لهم مهما أحب ذلك فخاف إبليس أن تحب ما أنعم الله به على عبده من صلاح دينه ودنياه فتفوز بثواب الحب فبغضه إليك حتى لا تلحقه بحبك كما لم تلحقه بعملك وقد قال أعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم المرء مع من أحب وقام أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فقال يا رسول الله متى الساعة فقال ما أعددت لها قال ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صيام إلا أني أحب الله ورسوله فقال صلى الله عليه وسلم أنت مع من أحببت

Section V03/P197–V03/P198

قال أنس فما فرح المسلمون بعد إسلامهم كفرحهم يومئذ إشارة إلى أن أكبر بغيتهم كانت حب الله ورسوله قال أنس فنحن نحب رسول الله وأبا بكر وعمر ولا نعمل مثل عملهم ونرجو أن نكون معهم وقال أبو موسى قلت يا رسول الله الرجل يحب المصلين ولا يصلي ويحب الصوام ولا يصوم حتى عد أشياء فقال النبي صلى الله عليه وسلم هو مع من أحب وقال رجل لعمر بن عبد العزيز إنه كان يقال إن استطعت أن تكون عالما فكن عالما فإن لم تستطع أن تكون عالما فكن متعلما فإن لم تستطع أن تكون متعلما فأحبهم فإن لم تستطع فلا تبغضهم فقال سبحان الله الذي جعل الله لنا مخرجا فانظر الآن كيف حسدك إبليس ففوت عليك ثواب الحب ثم لم يقنع به حتى بغض إليك أخاك وحملك على الكراهة حتى أثمت وكيف لا وعساك تحاسد رجلا من أهل العلم وتحب أن يخطيء في دين الله تعالى وينكشف خطؤه ليفتضح وتحب أن يخرس لسانه حتى لا يتكلم أو يمرض حتى لا يعلم ولا يتعلم وأي إثم يزيد على ذلك فليتك إذ فاتك اللحاق به ثم اغتممت بسببه سلمت من الإثم وعذاب الآخرة وقد جاء في الحديث أهل الجنة ثلاثة المحسن والمحب له والكاف عنه أي من يكف عن الأذى والحسد والبغض والكراهة فانظر كيف أبعدك إبليس عن جميع المداخل الثلاثة حتى لا تكون من أهل واحد منها البتة فقد نفذ فيك حسد إبليس وما نفذ حسدك في عدوك بل على نفسك بل لو كوشفت بحالك في يقظة أو منام لرأيت نفسك أيها الحاسد في صورة من يرمي سهما إلى عدوه ليصيب مقتله فلا يصيبه بل يرجع إلى حدقته اليمني فيقلعها فيزيد غضبه فيعود ثانية فيرمي أشد من الأولى فيرجع إلى عينه الأخرى فيعميها فيزداد غيظه فيعود على رأسه فيشجه وعدوه سالم في كل حال وهو إليه راجع مرة بعد أخرى وأعداؤه حوله يفرحون به ويضحكون عليه وهذا حال الحسود وسخرية الشيطان منه بل حالك في الحسد أقبح من هذا لأن الرمية العائدة لم تفوت إلا العينين ولو بقيتا لفاتتا بالموت لا محالة والحسد يعود بالإثم والإثم لا يفوت بالموت ولعله يسوقه إلى غضب الله وإلى النار فلأن تذهب عينه في الدنيا خير له من أن تبقى له عين يدخل بها النار فيقلعها لهيب النار فانظر كيف انتقم الله من الحاسد إذا أراد زوال النعمة عن المحسود فلم يزلها عنه ثم أزالها عن الحاسد إذ السلامة من الإثم نعمة والسلامة من الغم والكمد نعمة قد زالتا عنه تصديقا لقوله تعالى ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله وربما يبتلي بعين ما يشتهيه لعدوه وقلما يشمت شامت بمساءة إلا ويبتلى بمثلها حتى قالت عائشة رضي الله عنها ما تمنيت لعثمان شيئا إلا نزل بي حتى لو تمنيت له القتل لقتلت فهذا إثم الحسد نفسه فكيف ما يجر إليه الحسد من الاختلاف وجحود الحق وإطلاق اللسان واليد بالفواحش في التشفي من الأعداء وهو الداء الذي فيه هلك الأمم السالفة فهذه هي الأدوية العلمية فمهما تفكر الإنسان فيها بذهن صاف وقلب حاضر انطفأت نار الحسد من قلبه وعلم أنه مهلك نفسه ومفرح عدوه ومسخط ربه ومنغص عيشه

Section V03/P198–V03/P199

وأما العمل النافع فيه فهو أن يحكم الحسد فكل ما يتقاضاه الحسد من قول وفعل فينبغي أن يكلف نفسه نقيضه فإن حمله الحسد على القدح في محسوده كلف لسانه المدح له والثناء عليه وإن حمله على التكبر عليه ألزم نفسه التواضع له والاعتذار إليه وإن بعثه على كف الإنعام عليه ألزم نفسه الزيادة في الإنعام عليه فمهما فعل ذلك عن تكلف وعرفه المحسود طاب قلبه وأحبه ومهما ظهر حبه عاد الحاسد فأحبه وتولد من ذلك الموافقة التي تقطع مادة الحسد لأن التواضع والثناء والمدح وإظهار السرور بالنعمة يستجلب قلب المنعم عليه ويسترقه ويستعطفه ويحمله على مقابلة ذلك بالإحسان ثم ذلك الإحسان يعود إلى الأول فيطيب قلبه ويصير ما تكلفه أولا طبعا آخرا ولا يصدنه عن ذلك قول الشيطان له لو تواضعت وأثنيت عليه حملك العدو على العجز أو على النفاق أو الخوف وأن ذلك مذلة ومهانة وذلك من خداع الشيطان ومكايده بل المجاملة تكلفا كانت أو طبعا تكسر سورة العداوة من الجانبين وتقل مرغوبها وتعود القلوب التآلف والتحاب وبذلك تستريح القلوب من ألم الحسد وغم التباغض فهذه هي أدوية الحسد وهي نافعة جدا إلا أنها مرة على القلوب جدا ولكن النفع في الدواء المر فمن لم يصبر على مرارة الدواء لم ينل حلاوة الشفاء وإنما تهون مرارة هذا الدواء أعني التواضع للأعداء والتقرب إليهم بالمدح والثناء بقوة العلم بالمعاني التي ذكرناها وقوة الرغبة في ثواب الرضا بقضاء الله تعالى وحب ما أحبه وعزة النفس وترفعها عن أن يكون في العالم شيء على خلاف مرادها جهل وعند ذلك يريد ما لا يكون إذ لا مطمع في أن يكون ما يريد وفوات المراد ذل وخسة ولا طريق إلى الخلاص من هذا الذل إلا بأحد أمرين إما بأن يكون ما تريد أو بأن تريد ما يكون والأول ليس إليك ولا مدخل للتكلف والمجاهدة فيه وأما الثاني فللمجاهدة فيه مدخل وتحصيله بالرياضة ممكن فيجب تحصيله على كل عاقل هذا هو الدواء الكلي فأما الدواء المفصل فهو تتبع أسباب الحسد من الكبر وغيره وعزة النفس وشدة الحرص على ما لا يغني وسيأتي تفصيل مداواة هذه الأسباب في مواضعها إن شاء الله تعالى فإنها مواد هذا المرض ولا ينقمع المرض إلا بقمع المادة فإن لم تقمع المادة لم يحصل بما ذكرناه إلا تسكين وتطفئة ولا يزال يعود مرة بعد أخرى ويطول الجهد في تسكينه مع بقاء مواده فإنه ما دام محبا للجاه فلا بد وأن يحسد من استأثر بالجاه والمنزلة في قلوب الناس دونه ويغمه ذلك لا محالة وإنما غايته أن يهون الغم على نفسه ولا يظهر بلسانه ويده فأما الخلو عنه رأسا فلا يمكنه والله الموفق بيان القدر الواجب في نفي الحسد عن القلب اعلم أن المؤذي ممقوت بالطبع ومن آذاك فلا يمكنك أن لا تبغضه غالبا فإذا تيسرت له نعمة فلا يمكنك أن لا تكرهها له حتى يستوي عندك حسن حال عدوك وسوء حاله بل لا تزال تدرك في النفس بينهما تفرقة ولا يزال الشيطان ينازعك إلى الحسد له ولكن إن قوي ذلك فيك حتى بعثك على إظهار الحسد بقول أو فعل بحيث يعرف ذلك من ظاهرك بأفعالك الاختيارية فأنت حسود عاص بحسدك وإن كففت ظاهرك بالكلية إلا أنك بباطنك تحب زوال النعمة وليس في نفسك كراهة لهذه الحالة فأنت أيضا حسود عاص لأن الحسد صفة القلب لا صفة الفعل قال الله تعالى ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا وقال عز وجل ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء {وقال} إن تمسسكم حسنة تسؤهم أما الفعل فهو غيبة وكذب وهو عمل صادر عن

Section V03/P199–V03/P200

الحسد وليس هو عين الحسد بل محل الحسد القلب دون الجوارح نعم هذا الحسد ليس مظلمة يجب الاستحلال منها بل هو معصية بينك وبين الله تعالى وإنما يجب الاستحلال من الأسباب الظاهرة على الجوارح فأما إذا كففت ظاهرك وألزمت مع ذلك قلبك كراهة ما يترشح منه بالطبع من حب زوال النعمة حتى كأنك تمقت نفسك على ما في طبعها فتكون تلك الكراهة من جهة العقل في مقابلة الميل من جهة الطبع فقد أديت الواجب عليك ولا يدخل تحت اختيارك في أغلب الأحوال أكثر من هذا فأما تغيير الطبع ليستوي عنده المؤذي والمحسن ويكون فرحه أو غمه بما تيسر لهما من نعمة أو تنصب عليهما من بلية سواء فهذا مما لا يطاوع الطبع عليه ما دام ملتفتا إلى حظوظ الدنيا إلا أن يصير مستغرقا بحب الله تعالى مثل السكران الواله فقد ينتهي أمره إلى أن لا يلتفت قلبه إلى تفاصيل أحوال العباد بل ينظر إلى الكل بعين واحدة وهي عين الرحمة ويرى الكل عباد الله وأفعالهم أفعالا لله ويراهم مسخرين وذلك إن كان فهو كالبرق الخاطف لا يدوم ثم يرجع القلب بعد ذلك إلى طبعه ويعود العدو إلى منازعته أعني الشيطان فإنه ينازع بالوسوسة فمهما قابل ذلك بكراهته وألزم قلبه هذه الحالة فقد أدى ما كلفه وقد ذهب ذاهبون إلى أنه لا يأثم إذا لم يظهر الحسد على جوارحه لما روي عن الحسن أنه سئل عن الحسد فقال غمه فإنه لا يضرك ما لم تبده وروي عنه موقوفا ومرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ثلاثة لا يخلو منهن المؤمن وله منهن مخرج فمخرجه من الحسد أن لا يبغي والأولى أن يحمل هذا على ما ذكرناه من أن يكون فيه كراهة من جهة الدين والعقل في مقابلة حب الطبع لزوال نعمة العدو وتلك الكراهة تمنعه من البغي والإيذاء فإن جميع ما ورد من الأحبار في ذم الحسد يدل ظاهره على أن كل حاسد آثم ثم الحسد عبارة عن صفة القلب لا عن الأفعال فكل من يحب إساءة مسلم فهو حاسد فإذن كونه آثما بمجرد حسد القلب من غير فعل هو في محل الاجتهاد والأظهر ما ذكرناه من حيث ظواهر الآيات والأخبار ومن حيث المعنى إذ يبعد أن يعفى عن العبد في إرادته إساءة مسلم واشتماله بالقلب على ذلك من غير كراهة وقد عرفت من هذا أن لك في أعدائك ثلاثة أحوال أحدها أن تحب مساءتهم بطبعك وتكره حبك لذلك وميل قلبك إليه بعقلك وتمقت نفسك عليه وتود لو كانت لك حيلة في إزالة ذلك الميل منك وهذا معفو عنه قطعا لأنه لا يدخل تحت الاختيار أكثر منه الثاني أن تحب ذلك وتظهر الفرح بمساءته إما بلسانك أو بجوارحك فهذا هو الحسد المحظور قطعا الثالث وهو بين الطرفين أن تحسد بالقلب من غير مقت لنفسك على حسدك ومن غير إنكار منك على قلبك ولكن تحفظ جوارحك عن طاعة الحسد في مقتضاه وهذا في محل الخلاف والظاهر أنه لا يخلو عن إثم بقدر قوة ذلك الحب وضعفه والله تعالى أعلم والحمد لله رب العالمين وحسبنا الله ونعم الوكيل كتاب ذم الدنيا وهو الكتاب السادس من ربع المهلكات من كتاب إحياء العلوم الدين بسم الله الرحمن الرحيم

Section V03/P200–V03/P201

الحمد لله الذي عرف أولياءه غوائل الدنيا وآفاتها وكشف لهم عن عيوبها وعوراتها حتى نظروا في شواهدها وآياتها ووزنوا بحسناتها سيئاتها فعلموا أنه يزيد منكرها على معروفها ولا يفي مرجوها بمخوفها ولا يسلم طلوعها من كسوفها ولكنها في صورة امرأة مليحة تستميل الناس بجمالها ولها أسرار سوء قبائح تهلك الراغبين في وصالها ثم هي فرارة عن طلابها شحيحة بإقبالها وإذا أقبلت لم يؤمن شرها ووبالها إن أحسنت ساعة أساءت سنة وإن أساءت مرة جعلتها سنة فدوائر إقبالها على التقارب دائرة وتجارة بنيها خاسرة بائرة وآفاتها على التوالي لصدور طلابها راشقة ومجاري أحوالها بذل طالبيها ناطقة فكل مغرور بها إلى الذل مصيره وكل متكبر بها إلى التحسر مسيره شأنها الهرب من طالبها والطلب لهاربها ومن خدمها فاتته ومن أعرض عنها واتته لا يخلو صفوها عن شوائب الكدورات ولا ينفك سرورها عن المنغصات سلامتها تعقب السقم وشبابها يسوق إلى الهرم ونعيمها لا يثمر إلا الحسرة والندم فهي خداعة مكارة طيارة فرارة لا تزال تتزين لطلابها حتى إذا صاروا من أحبابها كشرت لهم عن أنيابها وشوشت عليهم مناظم أسبابها وكشفت لهم عن مكنون عجائبها فأذاقتهم قواتل سمامها ورشقتهم بصوائب سهامها بينما أصحابها منها في سرور وإنعام إذ ولت عنها كأنها أضغاث أحلام ثم عكرت عليهم بدواهيها فطحنتهم طحن الحصيد ووارتهم في أكفانهم تحت الصعيد إن ملكت واحدا منهم جميع ما طلعت عليه الشمس جعلته حصيدا كأن لم يغن بالأمس تمنى أصحابها سرورا وتعدهم غرورا حتى يأملون كثيرا ويبنون قصورا فتصبح قصورهم قبورا وجمعهم بورا وسعيهم هباء منثورا ودعاؤهم ثبورا هذه صفتها وكان أمر الله قدرا مقدورا والصلاة والسلام على محمد عبده ورسوله المرسل إلى العالمين بشيرا ونذيرا وسراجا منيرا وعلى من كان من أهله وأصحابه له في الدين ظهيرا وعلى الظالمين نصيرا وسلم تسليما كثيرا أما بعد فإن الدنيا عدوة لله وعدوة لأولياء الله وعدوة لأعداء الله أما عداوتها لله فإنها قطعت الطريق على عباد الله ولذلك لم ينظر الله إليها منذ خلقها وأما عداوتها لأولياء الله عز وجل فإنه تزينت لهم بزينتها وعمتهم بزهرتها ونضارتها حتى تجرعوا مرارة الصبر في مقاطعتها وأما عداوتها لأعداء الله فإنها استدرجتهم بمكرها وكيدها فاقتنصتهم بشبكتها حتى وثقوا بها وعولوا عليها فخذلتهم أحوج ما كانوا إليها فاجتنوا منها حسرة تتقطع دونها الأكباد ثم حرمتهم السعادة أبد الآباد فهم على فراقها يتحسرون ومن مكايدها يستغيثون ولا يغاثون بل يقال لهم اخسئوا فيها ولا تكلمون أولئك الذي اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون وإذا عظمت غوائل الدنيا وشرورها فلا بد أولا من معرفة حقيقة الدنيا وما هي وما الحكمة في خلقها مع عداوتها وما مدخل غرورها وشرورها فإن من لا يعرف الشر لا يتقيه ويوشك أن يقع فيه ونحن نذكر ذم الدنيا وأمثلتها وحقيقتها وتفصيل معانيها وأصناف الأشغال المتعلقة بها ووجه الحاجة إلى أصولها وسبب انصراف الخلق عن الله بسبب التشاغل بفضولها إن شاء الله تعالى وهو المعين على ما يرتضيه بيان ذم الدنيا الآيات الواردة في ذم الدنيا وأمثلتها كثيرة وأكثر القرآن مشتمل على ذم الدنيا وصرف الخلق عنها ودعوتهم إلى الآخرة بل هو مقصود الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولم يبعثوا إلا لذلك فلا حاجة إلى الاستشهاد بآيات القرآن لظهورها وإنما نورد بعض الأخبار الواردة فيها فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على شاة ميتة فقال أترون هذه الشاة هينة على أهلها قالوا من هوانها ألقوها قال والذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه الشاة على أهلها ولو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء وقال صلى الله عليه وسلم الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان منها وقال أبو موسى الأشعري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحب دنياه أضر بآخرته ومن أحب آخرته أضر بدنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى

Section V03/P201–V03/P203

وقال صلى الله عليه وسلم حب الدنيا رأس كل خطيئة وقال زيد بن أرقم كنا مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه فدعا بشراب فأتي بماء وعسل فلما أدناه من فيه بكى حتى أبكى أصحابه وسكتوا وما سكت ثم عاد وبكى حتى ظنوا أنهم لا يقدرون على مسألته قال ثم مسح عينيه فقالوا يا خليفة رسول الله ما أبكاك قال كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته يدفع عن نفسه شيئا ولم أر معه أحدا فقلت يا رسول الله ما الذي تدفع عن نفسك قال هذه الدنيا مثلت لي فقلت لها إليك عني ثم رجعت فقالت إنك إن أفلت مني لم يفلت مني من بعدك وقال صلى الله عليه وسلم يا عجبا كل العجب للمصدق بدار الخلود وهو يسعى لدار الغرور وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على مزبلة فقال هلموا إلى الدنيا وأخذ خرقا قد بليت على تلك المزبلة وعظاما قد نخرت فقال هذه الدنيا وهذه إشارة إلى أن زينة الدنيا ستخلق مثل تلك الخرق وأن الأجسام التي ترى بها ستصير عظاما بالية وقال صلى الله عليه وسلم إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون إن بني إسرائيل لما بسطت لهم الدنيا ومهدت تاهوا في الحلية والنساء والطيب والثياب وقال عيسى عليه السلام لا تتخذوا الدنيا ربا فتتخذكم عبيدا اكنزوا كنزكم عند من لا يضيعه فإن صاحب كنز الدنيا يخاف عليه الآفة وصاحب كنز الله لا يخاف عليه الآفة وقال عليه أفضل الصلاة والسلام يا معشر الحواريين إني قد كببت لكم الدنيا على وجهها فلا تنعشوها بعدي فإن من خبث الدنيا أن عصي الله فيها وإن من خبث الدنيا أن الآخرة لا تدرك إلا بتركها ألا فاعبروا الدنيا ولا تعمروها واعلموا أن أصل كل خطيئة حب الدنيا ورب شهوة ساعة أورثت أهلها حزنا طويلا وقال أيضا بطحت لكم الدنيا وجلستم على ظهرها فلا ينازعنكم فيها الملوك والنساء فأما الملوك فلا تنازعوهم الدنيا فإنهم لن يعرضوا لكم ما تركتموهم ودنياهم وأما النساء فاتقوهن بالصوم والصلاة وقال أيضا الدنيا طالبة ومطلوبة فطالب الآخرة تطلبه الدنيا حتى يستكمل فيها رزقه وطالب الدنيا تطلبه الآخرة حتى يجيء الموت فيأخذ بعنقه وقال موسى ابن يسار قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل لم يخلق خلقا أبغض إليه من الدنيا وأنه منذ خلقها لم ينظر إليها وروي أن سليمان بن داود عليهما السلام مر في موكبه والطير تظله والجن والإنس عن يمينه وشماله قال فمر بعابد من بني إسرائيل فقال والله يا ابن داود لقد آتاك الله ملكا عظيما قال فسمع سليمان وقال لتسبيحة في صحيفة مؤمن خير مما أعطى ابن داود فإن ما أعطى ابن داود يذهب والتسبيحة تبقى وقال صلى الله عليه وسلم ألهاكم التكاثر يقول ابن آدم مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأبقيت حديث الدنيا دار من لا دار له الحديث أخرجه أحمد من حديث عائشة مقتصرا على هذا وعلى قوله ولها يجمع من لا عقل له دون بقيته وزاد ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب من طريقه ومال من لا مال له وإسناده جيد حديث من أصبح والدنيا أكبر همه فليس من الله في شيء وألزم الله قلبه أربع خصال الحديث أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث أبي ذر دون قوله وألزم الله قلبه وكذلك رواه ابن أبي الدنيا من حديث أنس بإسناد ضعيف والحاكم من حديث حذيفة وروي هذه الزيادة منفردة صاحب الفردوس من حديث ابن عمر وكلاهما ضعيف حديث أبي هريرة ألا أريك الدنيا جميعها بما فيها قلت بلى يا رسول الله فأخذ بيدي وأتى بي واديا من أودية المدينة فإذا مزبلة الحديث لم أجد له أصلا // ويروى إن الله عز وجل لما أهبط آدم إلى الأرض قال له ابن للخراب ولد للفناء

Section V03/P203–V03/P204

وقال داود بن هلال مكتوب في صحف إبراهيم عليه السلام يا دنيا ما أهونك على الأبرار الذين تصنعت وتزينت لهم إني قذفت في قلوبهم بغضك والصدود عنك وما خلقت خلقا أهون علي منك كل شأنك صغير وإلى الفناء يصير قضيت عليك يوم خلقتك أن لا تدومي لأحد ولا يدوم لك أحد وإن بخل بك صاحبك وشح عليك طوبى للأبرار الذين أطلعوني من قلوبهم على الرضا ومن ضميرهم على الصدق والاستقامة طوبى لهم ما لهم عندي من الجزاء إذا وفدوا إلي من قبورهم إلا النور يسعى أمامهم والملائكة حافون بهم حتى أبلغهم ما يرجون من رحمتي وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الدنيا موقوفة بين السماء والأرض منذ خلقها الله تعالى لم ينظر إليها وتقول يوم القيامة يا رب اجعلني لأدنى أوليائك اليوم نصيبا فيقول اسكتي يا لا شيء إني لم أرضك لهم في الدنيا أرضاك لهم اليوم وروي في أخبار آدم عليه السلام أنه لما أكل من الشجرة تحركت معدته لخروج الثقل ولم يكن ذلك مجعولا في شيء من أطعمة الجنة إلا في هذه الشجرة فلذلك نهيا عن أكلها قال فجعل يدور في الجنة فأمر الله تعالى ملكا يخاطبه فقال له قل له أي شيء تريد قال آدم أريد أن أضع ما في بطني من الأذى فقيل للملك قل له في أي مكان تريد أن تضعه أعلى الفرش أم على السرر أم على الأنهار أم تحت ظلال الأشجار هل ترى ههنا مكانا يصلح لذلك اهبط إلى الدنيا وقال صلى الله عليه وسلم ليجيئن أقوام يوم القيامة وأعمالهم كجبال تهامة فيؤمر بهم إلى النار قالوا يا رسول الله مصلين قال نعم كانوا يصلون ويصومون ويأخذون هنة من الليل فإذا عرض لهم شيء من الدنيا وثبوا عليه وقال صلى الله عليه وسلم في بعض خطبه المؤمن بين مخافتين بين أجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه فليتزود العبد من نفسه لنفسه ومن دنياه لآخرته ومن حياته لموته ومن شبابه لهرمه فإن الدنيا خلقت لكم وأنتم خلقتم للآخرة والذي نفسي بيده ما بعد الموت من مستعتب ولا بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار وقال عيسى عليه السلام لا يستقيم حب الدنيا والآخرة في مؤمن كما لا يستقيم الماء والنار في إناء واحد وروي أن جبريل عليه السلام قال لنوح عليه السلام يا أطول الأنبياء عمرا كيف وجدت الدنيا قال كدار لها بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر قيل لعيسى عليه السلام لو اتخذت بيتا يكنك قال يكفينا خلقان من كان قبلنا وقال نبينا صلى الله عليه وسلم احذروا الدنيا فإنها أسحر من هاروت وماروت وعن الحسن قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم على أصحابه فقال هل منكم من يريد أن يذهب الله عنه العمى ويجعله بصيرا ألا إنه من رغب في الدنيا وطال أمله فيها أعمى الله قلبه على قدر ذلك ومن زهد في الدنيا وقصر فيها أمله أعطاه الله علما بغير تعلم وهدى بغير هداية ألا أنه سيكون بعدكم قوم لا يستقيم لهم الملك إلا بالقتل والتجبر ولا الغنى إلا بالفخر والبخل ولا المحبة إلا باتباع الهوى إلا فمن أدرك ذلك الزمان منكم فصبر على الفقر وهو يقدر على الغنى وصبر على البغضاء وهو يقدر على المحبة وصبر على الذل وهو يقدر على العز لا يريد بذلك إلا وجه الله تعالى أعطاه الله ثواب خمسين صديقا // حديث الحسن هل منكم من يريد أن يذهب الله عنه العمى الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب من طريقه هكذا مرسلا وفيه إبراهيم بن الأشعث تكلم فيه أبو حاتم وروي أن عيسى عليه السلام اشتد عليه المطر والرعد

Section V03/P204–V03/P205

والبرق يوما فجعل يطلب شيئا يلجأ إليه فوقعت عينه على خيمة من بعيد فأتاها فإذا فيها امرأة فحاد عنها فإذا هو بكهف في جبل فأتاه فإذا فيه أسد فوضع يده عليه وقال إلهي جعلت لكل شيء مأوى ولم تجعل لي مأوى فأوحى الله تعالى إليه مأواك في مستقر رحمتي لأزوجنك يوم القيامة مائة حوراء خلقتها بيدي ولأطعمن في عرسك أربعة آلاف عام يوم منها كعمر الدنيا ولآمرن مناديا ينادي أين الزهاد في الدنيا زوروا عرس الزاهد في الدنيا عيسى ابن مريم وقال عيسى ابن مريم عليه السلام ويل لصاحب الدنيا كيف يموت ويتركها وما فيها وتغره ويأمنها ويثق بها وتخذله وويل للمغترين كيف أرتهم ما يكرهون وفارقهم ما يحبون وجاءهم ما يوعدون وويل لمن الدنيا همه والخطايا عمله كيف يفتضح غدا بذنبه وقيل أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام يا موسى مالك ولدار الظالمين إنها ليست لك بدار أخرج منها همك وفارقها بعقلك فبئست الدار هي إلا لعامل يعمل فيها فنعمت الدار هي يا موسى إني مرصد للظالم حتى آخذ منه للمظلوم وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح فجاء بمال من البحرين فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف فتعرضوا له فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآهم ثم قال أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء قالوا أجل يا رسول الله قال فأبشروا وأملوا ما يسركم فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم وقال أبو سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض فقيل ما بركات الأرض قال زهرة الدنيا وقال صلى الله عليه وسلم لا تشغلوا قلوبكم بذكر الدنيا فنهى عن ذكرها فضلا عن إصابة عينها وقال عمار بن سعيد مر عيسى عليه السلام بقرية فإذا أهلها موتى في الأفنية والطرق فقال يا معشر الحواريين إن هؤلاء ماتوا عن سخطة ولو ماتوا عن غير ذلك لتدافنوا فقالوا يا روح الله وددنا أن لو علمنا خبرهم فسأل الله تعالى فأوحى إليه إذا كان الليل فنادهم يجيبوك فلما كان الليل أشرف على نشز ثم نادى يا أهل القرية فأجابه مجيب لبيك يا روح الله فقال ما حالكم وما قصتكم قال بتنا في عافية وأصبحنا في الهاوية قال وكيف ذاك قال بحبنا الدنيا وطاعتنا أهل المعاصي قال وكيف كان حبكم للدنيا قال حب الصبي لأمه إذا أقبلت فرحنا بها وإذا أدبرت حزنا وبكينا عليها قال فما بال أصحابك لم يجيبوني قال لأنهم ملجمون بلجم من نار بأيدي ملائكة غلاظ شداد قال فكيف أجبتني أنت من بينهم قال لأني كنت فيهم ولم أكن منهم فلما نزل بهم العذاب أصابني معهم فأنا معلق على شفير جهنم لا أدري أأنجوا منها أم أكبكب فيها فقال المسيح للحواريين لأكل خبز الشعير بالملح الجريش ولبس المسوح والنوم على المزابل كثير مع عافية الدنيا والآخرة وقال أنس كانت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء لا تسبق فجاء أعرابي بناقة له فسبقها فشق ذلك على المسلمين فقال صلى الله عليه وسلم إنه حق على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه وقال عيسى عليه السلام من الذي يبني على موج البحر دارا تلكم الدنيا فلا

Section V03/P205–V03/P206

تتخذوها قرارا وقيل لعيسى عليه السلام علمنا علما واحدا يحبنا الله عليه قال ابغضوا الدنيا يحبكم الله تعالى وقال أبو الدرداء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولهانت عليكم الدنيا ولآثرتم الآخرة ثم قال أبو الدرداء من قبل نفسه لو تعلمون ما أعلم لخرجتم إلى الصعدات تجأرون وتبكون على أنفسكم ولتركتم أموالكم لا حارس لها ولا راجع إليها إلا ما لابد لكم منه ولكن يغيب عن قلوبكم ذكر الآخرة وحضرها الأمل فصارت الدنيا أملك بأعمالكم وصرتم كالذين لا يعلمون فبعضكم شر من البهائم التي لا تدع هواها مخافة مما في عاقبته ما لكم لا تحابون ولا تناصحون وأنتم إخوان على دين الله ما فرق بين أهوائكم إلا خبث سرائركم ولو اجتمعتم على البر لتحاببتم ما لكم تناصحون في أمر الدنيا ولا تناصحون في أمر الآخرة ولا يملك أحدكم النصيحة لمن يحبه ويعينه على أمر آخرته ما هذا إلا من قلة الإيمان في قلوبكم لو كنتم توقنون بخير الآخرة وشرها كما توقنون بالدنيا لآثرتم طلب الآخرة لأنها أملك لأموركم فإن قلتم حب العاجلة غالب فإنا نراكم تدعون العاجلة من الدنيا للآجل منها تكدون أنفسكم بالمشقة والاحتراف في طلب أمر لعلكم لا تدركونه فبئس القوم أنتم ما حققتم إيمانكم بما يعرف به الإيمان البالغ فيكم فإن كنتم في شك مما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فائتونا لنبين لكم ولنريكم من النور ما تطمئن إليه قلوبكم والله ما أنتم بالمنقوصة عقولكم فنعذركم إنكم تستبينون صواب الرأي في دنياكم وتأخذون بالحزم في أموركم ما لكم تفرحون باليسير من الدنيا تصيبونه وتحزنون على اليسير منها يفوتكم حتى يتبين ذلك في وجوهكم ويظهر على ألسنتكم وتسمونها المصائب وتقيمون فيها المآتم وعامتكم قد تركوا كثيرا من دينهم ثم لا يتبين ذلك في وجوهكم ولا يتغير حالكم إني لأرى الله قد تبرأ منكم يلقى بعضكم بعضا بالسرور وكلكم يكره أن يستقبل صاحبه بما يكره مخافة أن يستقبله صاحبه بمثله فاصطحبتم على الغل ونبتت مراعيكم على الدمن وتصافيتم على رفض الأجل ولوددت أن الله تعالى أراحني منكم وألحقني بمن أحب رؤيته ولو كان حيا لم يصابركم فإن كان فيكم خير فقد أسمعتكم وإن تطلبوا ما عند الله تجدوه يسيرا وبالله أستعين على نفسي وعليكم وقال عيسى عليه السلام يا معشر الحواريين ارضوا بدنيء الدنيا مع سلامة الدين كما رضى أهل الدنيا بدنيء الدين مع سلامة الدنيا وفي معناه قيل أرى رجالا بأدنى الدين قد قنعوا ... وما أراهم رضوا في العيش بالدون فاستغن بالدين عن دنيا الملوك كما استغنى ... الملوك بدنياهم عن الدين وقال عيسى عليه السلام يا طالب الدنيا لتبر تركك الدنيا أبر وقال نبينا صلى الله عليه وسلم لتأتينكم بعدي دنيا تأكل إيمانكم كما تأكل النار الحطب وأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام يا موسى لا تركنن إلى حب الدنيا فلن تأتيني بكبيرة هي أشذ منها ومر موسى عليه السلام برجل وهو يبكي ورجع وهو يبكي فقال موسى يا رب عبدك يبكي من مخافتك فقال يا ابن عمران لو سال دماغه مع دموع عينيه ورفع يديه حتى يسقطا لم أغفر له وهو يحب الدنيا الآثار قال علي رضي الله عنه من جمع فيه ست خصال لم يدع للجنة مطلبا ولا عن النار مهربا أولها من عرف الله وأطاعه وعرف الشيطان فعصاه وعرف الحق فاتبعه وعرف الباطل فاتقاه وعرف الدنيا فرفضها وعرف الآخرة فطلبها

Section V03/P206–V03/P207

وقال الحسن رحم الله أقواما كانت الدنيا عندهم وديعة فأدوها إلى من ائتمنهم عليها ثم راحوا خفافا وقال أيضا رحمه الله من نافسك في دينك فنافسه ومن نافسك في دنياك فألقها في نحره وقال لقمان عليه السلام لابنه يا بني إن الدنيا بحر عميق وقد غرق فيه ناس كثير فلتكن سفينتك فيه تقوى الله عز وجل وحشوها الإيمان بالله تعالى وشراعها التوكل على الله عز وجل لعلك تنجو وما أراك ناجيا وقال الفضيل طالت فكرتي في هذه الآية {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا} وقال بعض الحكماء إنك لن تصبح في شيء من الدنيا إلا وقد كان له أهل قبلك وسيكون له أهل بعدك وليس لك من الدنيا إلا عشاء ليلة وغداء يوم فلا تهلك في أكله وصم عن الدنيا وأفطر على الآخرة وإن رأس مال الدنيا الهوى وربحها النار وقيل لبعض الرهبان كيف ترى الدهر قال يخلق الأبدان ويجدد الآمال ويقرب المنية ويبعد الأمنية قيل فما حال أهله قال من ظفر به تعب ومن فاته نصب وفي ذلك قيل ومن يحمد الدنيا لعيش يسره ... فسوف لعمري عن قليل يلومها إذا أدبرت كانت على المرء حسرة ... وإن أقبلت كانت كثيرا همومها وقال بعض الحكماء كانت الدنيا ولم أكن فيها وتذهب الدنيا ولا أكون فيها فلا أسكن إليها فإن عيشها نكد وصفوها كدر وأهلها منها على وجل إما بنعمة زائلة أو بلية نازلة أو منية قاضية وقال بعضهم من عيب الدنيا أنها لا تعطي أحدا ما يستحق لكنها إما أن تزيد وإما أن تنقص وقال سفيان أما ترى النعم كأنها مغضوب عليها قد وضعت في غير أهلها وقال أبو سليمان الداراني من طلب الدنيا على المحبة لها لم يعط منها شيئا إلا أراد أكثر ومن طلب الآخرة على المحبة لها لم يعط منها شيئا إلا أراد أكثر وليس لهذا غاية وقال رجل لأبي حازم أشكو إليك حب الدنيا وليست لي بدار فقال انظر ما آتاكه الله عز وجل منها فلا تأخذه إلا من حلة ولا تضعه إلا في حقه ولا يضرك حب الدنيا وإنما قال هذا لأنه لو آخذ نفسه بذلك لألعبه حتى يتبرم بالدنيا ويطلب الخروج منها وقال يحيى بن معاذ الدنيا حانوت الشيطان فلا تسرق من حانوته شيئا فيجيء في طلبه فيأخذك وقال الفضيل لو كانت الدنيا من ذهب يفنى والآخرة من خزف يبقى لكان ينبغي لنا أن نختار خزفا يبقى على ذهب يفنى فكيف وقد اخترنا خزفا يفني على ذهب يبقى وقال أبو حازم إياكم والدنيا فإنه بلغني أنه يوقف العبد يوم القيامة إذا كان معظما الدنيا فيقال هذا عظم ما حقره الله وقال ابن مسعود ما أصبح أحد من الناس إلا وهو ضيف وماله عارية فالضيف مرتحل والعارية مردودة وفي ذلك قيل وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولا بد يوما أن ترد الودائع وزار رابعة أصحابها فذكروا الدنيا فأقبلوا على ذمها فقالت اسكتوا عن ذكرها فلولا موقعها من قلوبكم ما أكثرتم من ذكرها ألا من أحب شيئا أكثر من ذكره وقيل لإبراهيم بن أدهم كيف أنت فقال نرقع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع فطوبى لعبد آثر الله ربه ... وجاد بدنياه لما يتوقع وقيل أيضا في ذلك أرى طالب الدنيا وإن طال عمره ... ونال من الدنيا سرورا وأنعما كبان بنى بنيانه فأقامه ... فلما استوى ما قد بناه تهدما وقيل أيضا في ذلك هب الدنيا تساق إليك عفوا ... أليس مصير ذاك إلى انتقال وما دنياك إلا مثل فيء ... أظلك ثم آذن بالزوال

Section V03/P207–V03/P208

وقال لقمان لابنه يا بني بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا ولا تبع آخرتك بدنياك تخسرهما جميعا وقال مطرف ابن الشخير لا تنظر إلى خفض عيش الملوك ولين رياشهم ولكن انظر إلى سرعة ظعنهم وسوء منقلبهم وقال ابن عباس إن الله تعالى جعل الدنيا ثلاثة أجزاء جزء للمؤمن وجزء للمنافق وجزء للكافر فالمؤمن يتزود والمنافق يتزين والكافر يتمتع وقال بعضهم الدنيا جيفة فمن أراد منها شيئا فليصبر على معاشرة الكلاب وفي ذلك قيل يا خاطب الدنيا إلى نفسها ... تنح عن خطبتها تسلم إن التي تخطب غدارة ... قريبة العرس من المأتم وقال أبو الدرداء من هوان الدنيا على الله أنه لا يعصى إلا فيها ولا ينال ما عنده إلا بتركها وفي ذلك قيل إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق وقيل أيضا يا راقد الليل مسرورا بأوله ... إن الحوادث قد يطرقن أسحارا أفنى القرون التي كانت منعمة ... كر الجديدين إقبالا وإدبارا كم قد أبادت صروف الدهر من ملك ... قد كان في الدهر نفاعا وضرارا يا من يعانق دنيا لا بقاء لها ... يمسي ويصبح في دنياه سفارا هلا تركت من الدنيا معانقة ... حتى تعانق في الفردوس أبكارا إن كنت تبغي جنان الخلد تسكنها ... فينبغي لك أن لا تأمن النارا وقال أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه لما بعث محمد صلى الله عليه وسلم أتت إبليس جنوده فقالوا قد بعث نبي وأخرجت أمة قال يحبون الدنيا قالوا نعم قال لئن كانوا يحبون الدنيا ما أبالي أن لا يعبدوا الأوثان وإنما أغدو عليهم وأروح بثلاث أخذ المال من غير حقه وإنفاقه في غير حقه وإمساكه عن حقه والشر كان من هذا نبع وقال رجل لعلي كرم الله وجهه يا أمير المؤمنين صف لنا الدنيا قال وما أصف لك من دار صح فيها سقم ومن أمن فيها ندم ومن افتقر فيها حزن ومن استغنى فيها افتتن في حلالها الحساب وفي حرامها العقاب ومتشابهها العتاب وقيل له ذلك مرة أخرى فقال أطول أم أقصر فقيل قصر فقال حلالها حساب وحرامها عذاب وقال مالك بن دينار اتقوا السحارة فإنها تسحر قلوب العلماء يعني الدنيا وقال أبو سليمان الداراني إذا كانت الآخرة في القلب جاءت الدنيا تزاحمها فإذا كانت الدنيا في القلب لم تزاحمها الآخرة لأن الآخرة كريمة والدنيا لئيمة وهذا تشديد عظيم ونرجو أن يكون ما ذكره سيار بن الحكم أصح إذ قال الدنيا والآخرة يجتمعان في القلب فأيهما غلب كان الآخر تبعا له وقال مالك بن دينار بقدر ما تحزن للدنيا يخرج هم الآخرة من قلبك وبقدر ما تحزن للآخرة يخرج هم الدنيا من قلبك وهذا اقتباس مما قاله علي كرم الله وجهه حيث قال الدنيا والآخرة ضرتان فبقدر ما ترضى إحداهما تسخط الأخرى وقال الحسن والله لقد أدركت أقواما كانت الدنيا أهون عليهم من التراب الذي تمشون عليه ما يبالون أشرقت الدنيا أم غربت ذهبت إلى ذا أو ذهبت إلى ذا وقال رجل للحسن ما تقول في رجل آتاه الله مالا فهو يتصدق منه ويصل منه أيحسن له أن يتعيش فيه يعني يتنعم فقال لا لو كانت له الدنيا كلها ما كان له منها إلا الكفاف ويقدم ذلك ليوم فقره وقال الفضيل لو أن الدنيا بحذافيرها عرضت على حلالا لا أحاسب عليها في الآخرة لكنت أتقذرها كما يتقذر أحدكم الجيفة إذا مر بها أن تصيب ثوبه وقيل لما قدم عمر رضي الله عنه الشام فاستقبله أبو عبيدة بن الجراح على الناقة مخطومة بحبل فسلم وسأله ثم أتى منزله فلم ير فيه إلا سيفه وترسه ورحله فقال له عمر رضي الله عنه لو اتخذت متاعا فقال يا أمير المؤمنين إن هذا يبلغنا المقيل وقال سفيان خذ من الدنيا لبدنك وخذ من الآخرة لقلبك وقال الحسن والله لقد عبدت بنو إسرائيل الأصنام بعد عبادتهم الرحمن بحبهم الدنيا

Section V03/P208–V03/P209

وقال وهب قرأت في بعض الكتب الدنيا غنيمة الأكياس وغفلة الجهال لم يعرفوها حتى خرجوا منها فسألوا الرجعة فلم يرجعوا وقال لقمان لابنه يا بني إنك استدبرت الدنيا من يوم نزلتها واستقبلت الآخرة فأنت إلى دار تقرب منها أقرب من دار تباعد عنها وقال سعيد بن مسعود إذا رأيت العبد تزداد دنياه وتنقص آخرته وهو به راض فذلك المغون الذي يلعب بوجهه وهو لا يشعر وقال عمرو بن العاص على المنبر والله ما رأيت قوما قط أرغب فيما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزهد فيه منكم والله ما مر برسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث إلا والذي عليه أكثر من الذي له وقال الحسن بعد أن تلا قوله تعالى {فلا تغرنكم الحياة الدنيا} من قال ذا قاله من خلقها ومن هو أعلم بها إياكم وما شغل من الدنيا فإن الدنيا كثيرة الأشغال لا يفتح رجل على نفسه باب شغل إلا أوشك ذلك الباب أن يفتح عليه عشرة أبواب وقال أيضا مسكين ابن أدم رضي بدار حلالها حساب وحرامها عذاب إن أخذه من حله حوسب به وإن أخذه من حرام عذب به ابن آدم يستقل ماله ولا يستقل عمله يفرح بمصيبته في دينه ويجزع من مصيبته في دنياه وكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز سلام عليك أما بعد فكأنك بآخر من كتب عليه الموت قد مات فأجابه عمر سلام عليك كأنك بالدنيا ولم تكن وكأنك بالآخرة لم تزل وقال الفضيل بن عياض الدخول في الدنيا هين ولكن الخروج منها شديد وقال بعضهم عجبا لمن يعرف أن الموت حق كيف يفرح وعجبا لمن يعرف أن النار حق كيف يضحك وعجبا لمن رأى تقلب الدنيا بأهلها كيف يطمئن إليها وعجبا لمن يعلم أن القدر حق كيف ينصب وقدم على معاوية رضي الله عنه رجل من نجران عمره مائتا سنة فسأله عن الدنيا كيف وجدها فقال سنيات بلاء وسنيات رخاء يوم فيوم وليلة فليلة يولد ولد ويهلك هالك فلولا المولود لباد الخلق ولولا الهالك ضاقت الدنيا بمن فيها فقال له سل ما شئت قال عمر مضى فترده أو أجل حضر فتدفعه قال لا أملك ذلك قال لا حاجة لي إليك وقال داود الطائي رحمه الله يا ابن آدم فرحت ببلوغ أملك وإنما بلغته بانقضاه أجلك ثم سوفت بعملك كان منفعته لغيرك وقال بشر من سأل الله الدنيا فإنما يسأله طول الوقوف بين يديه وقال أبو حازم ما في الدنيا شيء يسرك إلا وقد ألصق الله إليه شيئا يسوءك وقال الحسن لا تخرج نفس ابن آدم من الدنيا إلا بحسرات ثلاث أنه لم يشبع مما جمع ولم يدرك ما أمل ولم يحسن الزاد لما يقدم عليه وقيل لبعض العباد قد نلت الغنى فقال إنما نال الغنى من عتق من رق الدنيا وقال أبو سليمان لا يصبر عن شهوات الدنيا إلا من كان في قلبه ما يشغله بالآخرة وقال مالك بن دينار اصطلحنا على حب الدنيا فلا يأمر بعضنا بعضا ولا ينهى بعضنا بعضا ولا يدعنا الله على هذا فليت شعري أي عذاب الله ينزل علينا وقال أبو حازم يسير الدنيا يشغل عن كثير الآخرة وقال الحسن أهينوا الدنيا فو الله ما هي لأحد بأهنأ منها لمن أهانها

Section V03/P209–V03/P210

وقال أيضا إذا أراد الله بعبد خيرا أعطاه من الدنيا عطية ثم يمسك فإذا نفذ أعاد عليه وإذا هان عليه عبد بسط له الدنيا بسطا وكان بعضهم يقول في دعائه يا ممسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنك أمسك الدنيا عني وقال محمد بن المنكدر أرأيت لو أن رجلا صام الدهر لا يفطر وقام الليل لا ينام وتصدق بماله وجاهد في سبيل الله واجتنب محارم الله غير أنه يؤتى به يوم القيامة فيقال إن هذا عظم في عينه ما صغره الله وصغر في عينه ما عظمه الله كيف ترى يكون حاله فمن منا ليس هكذا الدنيا عظيمة عنده مع ما اقترفنا من الذنوب والخطايا وقال أبو حازم اشتدت مؤنة الدنيا والآخرة فأما مؤنة الآخرة فإنك لا تجد عليها أعوانا وأما مؤنة الدنيا فإنك لا تضرب بيدك إلى شيء منها إلا وجدت فاجرا قد سبقك إليه وقال أبو هريرة الدنيا موقوفة بين السماء والأرض كالشن البالي تنادي ربها منذ خلقها إلى يوم يفنيها يا رب يا رب لم تبغضني فيقول لها اسكتي يا لا شيء وقال عبد الله بن المبارك حب الدنيا والذنوب في القلب قد احتوشته فمتى يصل الخير إليه وقال وهب بن منبه من فرح قلبه بشيء من الدنيا فقد أخطأ الحكمة ومن جعل شهوته تحت قدميه فرق الشيطان من ظله ومن غلب علمه هواه فهو الغالب وقيل لبشر مات فلان فقال جمع الدنيا وذهب إلى الآخرة ضيع نفسه قيل له إنه كان يفعل ويفعل وذكروا أبوابا من البر فقال وما ينفع هذا وهو يجمع الدنيا وقال بعضهم الدنيا تبغض إلينا نفسها ونحن نحبها فكيف لو تحببت إلينا وقيل لحكيم الدنيا لمن هي قال لمن تركها فقيل الآخرة لمن هي قال لمن طلبها وقال حكيم الدنيا دار خراب وأخرب منها قلب من يعمرها والجنة دار عمران وأعمر منها قلب من يطلبها وقال الجنيد كان الشافعي رحمه الله من المريدين الناطقين بلسان الحق في الدنيا وعظ أخا له في الله وخوفه بالله فقال يا أخي إن الدنيا دحض مزلة ودار مذلة عمرانها إلى الخراب صائر وساكنها إلى القبور زائر شملها على الفرقة موقوف وغناها إلى الفقر مصروف الإكثار فيها إعسار والإعسار فيها يسار فافزع إلى الله وارض برزق الله لا تتسلف من دار بقائك إلى دار فنائك فإن عيشتك فيء زائل وجدار مائل أكثر من عملك وأقصر من أملك وقال إبراهيم بن أدهم لرجل أدرهم في المنام أحب إليك أم دينار في اليقظة فقال دينار في اليقظة فقال كذبت لأن الذي تحبه في الدنيا كأنك تحبه في المنام والذي لا تحبه في الآخرة كأنك لا تحبه في اليقظة وعن إسماعيل بن عياش قال كان أصحابنا يسمون الدنيا خنزيرة فيقولون إليك عنا يا خنزيرة فلو وجدوا لها أسماء أقبح من هذا لسموها به وقال كعب لتحببن إليكم الدنيا حتى تعبدوها وأهلها وقال يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله العقلاء ثلاثة من ترك الدنيا قبل أن تتركه وبنى قبره قبل أن يدخله وأرضى خالقه قبل أن يلقاه وقال أيضا الدنيا بلغ شؤمها أن تمنيك لما يلهيك عن طاعة الله فكيف الوقوع فيها وقال بكر بن عبد الله من أراد أن يستغني عن الدنيا بالدنيا كان كمطفيء النار بالتبن وقال بندار إذا رأيت أبناء الدنيا يتكلمون في الزهد فاعلم أنهم في سخرة الشيطان وقال أيضا من أقبل على الدنيا أحرقته نيرانها يعني الحرص حتى يصير رمادا ومن أقبل على الآخرة صفته بنيرانها فصار سبيكة ذهب ينتفع به ومن أقبل على الله عز وجل أحرقته نيران التوحيد فصار جوهرا لا حد لقيمته وقال علي كرم الله وجهه إنما الدنيا ستة أشياء مطعوم ومشروب وملبوس ومركوب

Section V03/P210–V03/P211

ومنكوح ومشموم فأشرف المطعومات العسل وهو مذقة ذباب وأشرف المشروبات الماء ويستوي فيه البر والفاجر وأشرف الملبوسات الحرير وهو نسج دودة وأشرف المركوبات الفرس وعليه يقتل الرجال وأشرف المنكوحات المرأة وهي مبال في مبال وإن المرأة لتزين أحسن شيء منها ويراد أقبح شيء منها وأشرف المشمومات المسك وهو دم بيان المواعظ في ذم الدنيا وصفتها قال بعضهم يا أيها الناس اعملوا على مهل وكونوا من الله على وجل ولا تغتروا بالأمل ونسيان الأجل ولا تركنوا إلى الدنيا فإنها غدارة خداعة قد تزخرف لكم بغرورها وفتنتكم بأمانيها وتزينت لخطابها فأصبحت كالعروس المجلية العيون إليها ناظرة والقلوب عليها عاكفة والنفوس لها عاشقة فكم من عاشق لها قتلت ومطمئن إليها خذلت فانظروا إليها بعين الحقيقة فإنها دار كثير بوائقها وذمها خالقها جديدها يبلى وملكها يفنى وعزيزها يذل وكثيرها يقل ودها يموت وخيرها يفوت فاستيقظوا رحمكم الله من غفلتكم وانتبهوا من رقدتكم قبل أن يقال فلان عليل أو مدنف ثقيل فهو على الدواء من دليل وهل إلى الطبيب من سبيل فتدعى له الأطباء ولا يرجى له الشفاء ثم يقال فلان أوصى ولماله أحصى ثم يقال قد ثقل لسانه فما يكلم إخوانه ولا يعرف جيرانه وعرق عند ذلك جبينك وتتابع أنينك وثبت يقينك وطمحت جفونك وصدقت ظنونك وتلجلج لسانك وبكى إخوانك وقيل لك هذا ابنك فلان وهذا أخوك فلان ومنعت من الكلام فلا تنطق وختم على لسانك فلا ينطلق ثم حل بك القضاء وانتزعت نفسك من الأعضاء ثم عرج بها إلى السماء فاجتمع عند ذلك إخوانك وأحضرت أكفانك فغسلوك وكفنوك فانقطع عوادك واستراح حسادك وانصرف أهلك إلى مالك وبقيت مرتهنا بأعمالك وقال بعضهم لبعض الملوك إن أحق الناس بذم الدنيا وقلاها من بسط له فيها وأعطى حاجته منها لأنه يتوقع آفة تعدو على ماله فتجتاحه أو على جمعه فتفرقه أو تأتي سلطانه فتهدمه من القواعد أو تدب إلى جسمه فتسقمه أو تفجعه بشيء هو ضنين به بين أحبابه فالدنيا أحق بالذم هي الآخذة ما تعطي الراجعة فيما تهب بينا هي تضحك صاحبها إذا أضحكت منه غيره وبينا تبكي له إذ أبكت عليه وبينا هي تبسط كفها بالإعطاء إذ بسطتها بالاسترداد فتعقد التاج على رأس صاحبها اليوم وتعفره بالتراب غدا سواء عليها ذهاب ما ذهب وبقاء ما بقي تجد في الباقي من الذاهب خلفا وترضى بكل من كل بدلا وكتب الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز أما بعد فإن الدنيا دار ظعن ليست بدار إقامة وإنما أنزل آدم عليه السلام من الجنة إلى عقوبة فاحذرها يا أمير المؤمنين فإن الزاد منها تركها والغني منها فقرها لها في كل حين قتيل تذل من أعزها وتفقر من جمعها هي كالسم يأكله من لا يعرفه وفيه حتفه فكن فيها كالمداوي جراحه يحتمي قليلا مخافة ما يكره طويلا ويصبر على شدة الدواء مخافة طول الداء فاحذر هذه الدار الغدارة الختالة الخداعة التي قد تزينت بخدعها وفتنت بغرورها حلت بآمالها وسوفت بخطابها فأصبحت كالعروس المجلية العيون إليها ناظرة والقلوب عليها والهة والنفوس لها عاشقة وهي لأزواجها كلهم قالية فلا الباقي بالماضي معتبر ولا الآخر بالأول مزدجر ولا العارف بالله عز وجل حين أخبره عنها مدكر فعاشق لها قد ظفر منها بحاجته فاغتر وطغى ونسي المعاد فشغل فيها لبه حتى زلت به قدمه فعظمت ندامته وكثرت حسرته واجتمعت عليه سكرات الموت وتألمه وحسرات الفوت بغصته وراغب فيها لم يدرك منها ما طلب ولم يروح نفسه من التعب فخرج بغير زاد وقدم

Section V03/P211–V03/P212

على غير مهاد فاحذرها يا أمير المؤمنين وكن أسر ما تكون فيها أحذر ما تكون لها فإن صاحب الدنيا كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصته إلى مكروه السار في أهلها غار والنافع فيها غدار ضار وقد وصل الرخاء منها بالبلاء وجعل البقاء فيها إلى فناء فسروها مشوب بالأحزان لا يرجع منها ما ولى وأدبر ولا يدري ما هو آت فينتظر أمانيها كاذبة وآمالها باطلة وصفوها كدر وعيشها نكد وابن آدم فيها على خطر إن عقل ونظر فهو من النعماء على خطر ومن البلاء على الحذر فلو كان الخالق لم يخبر عنها خبرا ولم يضرب لها مثلا لكانت الدنيا قد أيقظت النائم ونبهت الغافل فكيف وقد جاء من الله عز وجل عنها زاجرا وفيها واعظ فما لها عند الله جل ثناؤه قدر وما نظر إليها منذ خلقها ولقد عرضت على نبيك صلى الله عليه وسلم بمفاتيحها وخزائنها لا ينقصه ذلك عند الله جناح بعوضة فأبى أن يقبلها إذ كره أن يخالف على الله أمره أو يحب ما أبغضه خالقه أو يرفع ما وضع مليكه فزواها عن الصالحين اختبارا وبسطها لأعدائه اغترارا فيظن المغرور بها المقتدر عليها أنه أكرم بها ونسي ما صنع الله عز وجل بمحمد صلى الله عليه وسلم حين شد الحجر على بطنه ولقد جاءت الرواية عنه عن ربه عز وجل أنه قال لموسى عليه السلام إذا رأيت الغني مقبلا فقل ذنب عجلت عقوبته وإذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين وإن شئت اقتديت بصاحب الروح والكلمة عيسى ابن مريم عليه السلام فإنه كان يقول إدامي الجوع وشعاري الخوف ولباسي الصوف وصلائي في الشتاء في مشارق الشمس وسراجي القمر ودابتي رجلاي وطعامي وفاكهتي ما أنبتت الأرض أبيت وليس لي شيء وأصبح وليس لي شيء وليس على الأرض أحد أغنى مني وقال وهب بن منبه لما بعث الله عز وجل موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون قال لا يرو عنكما لباسه الذي لبس من الدنيا فإن ناصيته بيدي ليس ينطق ولا يطرف ولا يتنفس إلا بإذني ولا يعجبنكما ما تمتع به منها فإنما هي زهرة الحياة الدنيا وزينة المترفين فلو شئت أن أزينكما بزينة من الدنيا يعرف فرعون حين يراها أن قدرته تعجز عما أوتيتما لفعلت ولكني أرغب بكما عن ذلك فأزوي ذلك عنكما وكذلك أفعل بأوليائي إني لأذودهم عن نعيمها كما يذود الراعي الشفيق غنمه عن مراتع الهلكة وإني لأجنبهم ملاذها كما يجنب الراعي الشفيق إبله عن منازل الغرة وما ذاك لهوانهم علي ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالما موفرا إنما يتزين لي أوليائي بالذل والخوف والخضوع والتقوى تنبت في قلوبهم وتظهر على أجسادهم فهي ثيابهم التي يلبسون ودثارهم الذي يظهرون وضميرهم الذي يستشعرون ونجاتهم التي بها يفوزون ورجاؤهم الذي إياه يأملون ومجدهم الذي به يفخرون وسيماهم التي بها يعرفون فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك وذلل لهم قلبك ولسانك واعلم أنه من أخاف لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ثم أنا الثائر له يوم القيامة وخطب علي كرم الله وجهه يوما خطبة فقال فيها اعلموا أنكم ميتون ومبعوثون من بعد الموت وموقوفون على أعمالكم ومجزيون بها فلا تغرنكم الحياة الدنيا فإنها بالبلاء محفوفة وبالفناء معروفة وبالغدر موصوفة وكل ما فيها إلى زوال وهي بين أهلها دول وسجال لا تدوم أحوالها ولا يسلم من شرها نزالها بينا أهلها منها في رخاء

Section V03/P212–V03/P213

وسرور إذا هم منها في بلاء وغرور أحوال مختلفة وتارات منصرفة العيش فيها مذموم والرخاء فيها لا يدوم وإنما أهلها فيها أغراض مستهدفة ترميهم بسهامها وتقصيهم بحمامها وكل حتفه فيها مقدور وحظه فيها موفور واعلموا عباد الله أنكم وما أنتم فيه من هذه الدنيا على سبيل من قد مضى ممن كان أطول منكم أعمارا وأشد منكم بطشا وأعمر ديارا وأبعد آثارا فأصبحت أصواتهم هامدة خامدة من بعد طول تقلبها وأجسادهم بالية وديارهم على عروشها خاوية وآثارهم عافية واستبدلوا بالقصور المشيدة والسرر والنمارق الممهدة الصخور والأحجار المسندة في القبور اللاطئة الملحدة فمحلها مقترب وساكنها مغترب بين أهل عمارة موحشين وأهل محلة متشاغلين لا يستأنسون بالعمران ولا يتواصلون تواصل الجيران والإخوان على ما بينهم من قرب المكان والجوار ودنو الدار وكيف يكون بينهم تواصل وقد طحنهم بكلكله البلا وأكلتهم الجنادل والثرى وأصبحوا بعد الحياة أمواتا وبعد نضارة العيش رفاتا فجع بهم الأحباب وسكنوا تحت التراب ظعنوا فليس لهم إياب هيهات هيهات {كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون} فكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه من البلاء والوحدة في دار المثوى وارتهنتم في ذلك المضجع وضمكم ذلك المستودع فكيف بكم لو عاينتم الأمور وبعثرت القبور وحصل ما في الصدور وأوقفتم للتحصيل بين يدي الملك الجليل فطارت القلوب لإشفاقها من سالف الذنوب وهتكت عنكم الحجب والأستار وظهرت منكم العيوب والأسرار هنالك تجزى كل نفس بما كسبت إن الله عز وجل يقول ليجزى الذي أساءوا بما عملوا ويجزى الذي أحسنوا بالحسنى وقال تعالى {ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه} الآية جعلنا الله وإياكم عاملين بكتابة متبعين لأوليائه حتى يحلنا وإياكم دار المقامة من فضله إنه حميد مجيد وقال بعض الحكماء الأيام سهام والناس أغراض والدهر يرميك كل يوم بسهامه ويخترمك بلياليه وأيامه حتى يستغرق جميع أجزائك فكيف بقاء سلامتك مع وقوع الأيام بك وسرعة الليالي في بدنك لو كشف لك عما أحدثت الأيام فيك من النقص لاستوحشت من كل يوم يأتي عليك واستثقلت ممر الساعة بك ولكن تدبير الله فوق تدبير الاعتبار وبالسلو عن غوائل الدنيا وجد طعم لذاتها وإنها لأمر من العلقم إذا عجنها الحكيم وقد أعيت الواصف لعيوبها بظاهر أفعالها وما تأتي به من العجائب أكثر مما يحيط به الواعظ اللهم أرشدنا إلى الصواب وقال بعض الحكماء وقد استوصف الدنيا وقدر بقائها فقال الدنيا وقتك الذي يرجع إليك فيه طرفك لأن ما مضى عنك فقد فاتك إدراكه وما لم يأت فلا علم لك به والدهر يوم مقبل تنعاه ليلته وتطويه ساعاته وأحداثه تتوالى على الإنسان بالتغيير والنقصان والدهر موكل بتشتيت الجماعات وانخرام الشمل وتنقل الدول والأمل طويل والعمر قصير وإلى الله تصير الأمور وخطب عمر بن عبد العزيز رحمه الله عليه فقال يا أيها الناس إنكم خلقتم لأمر إن كنتم تصدقون به فإنكم حمقى وإن كنتم تكذبون به فإنكم هلكى إنما خلقتم للأبد ولكنكم من دار إلى دار تنقلون عباد الله إنكم في دار لكم فيها من طعامكم غصص ومن شرابكم شرق لا تصفو لكم نعمة تسرون بها إلا بفراق أخرى تكرهون فراقها فاعملوا لما أنتم صائرون إليه وخالدون فيه ثم غلبه البكاء ونزل قال علي كرم الله وجهه في خطبته أوصيكم بتقوى الله والترك للدنيا التاركة لكم وإن كنتم لا تحبون تركها المبلية أجسامكم وأنتم تريدون تجديدها فإنما مثلكم ومثلها كمثل قوم في سفر سلكوا طريقا وكأنهم قطعوه وأفضوا إلى علم فكأنهم بلغوه وكم عسى أن يجري المجرى حتى ينتهي إلى الغاية وكم عسى أن يبقى من له يوم في الدنيا وطالب حثيث يطلبه حتى يفارقها فلا تجزعوا لبؤسها وضرائها فإنه إلى انقطاع ولا تفرحوا بمتاعها ونعمائها فإنه إلى زوال عجبت لطالب الدنيا والموت يطلبه وغافل وليس بمغفول عنه

Section V03/P213–V03/P214

وقال محمد بن الحسين لما علم أهل الفضل والعلم والمعرفة والأدب إن الله عز وجل قد أهان الدنيا وأنه لم يرضها لأوليائه وأنها عنده حقيرة قليلة وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم زهد فيها وحذر أصحابه من فتنتها أكلوا منها قصدا وقدموا فضلا وأخذوا منها ما يكفي وتركوا ما يلهي لبسوا من الثياب ما ستر العورة وأكلوا من الطعام أدناه مما سد الجوعة ونظروا إلى الدنيا بعين أنها فانية وإلى الآخرة أنها باقية فتزودوا من الدنيا كزاد الراكب فخربوا الدنيا وعمروا بها الآخرة ونظروا إلى الآخرة بقلوبهم فعلموا أنهم سينظرون إليها بأعينهم فارتحلوا إليها بقلوبهم لما علموا أنهم سيرتحلون إليها بأبدانهم تعبوا قليلا وتنعموا طويلا كل ذلك بتوفيق مولاهم الكريم أحب ما أحب لهم وكرهوا ما كره لهم بيان صفة الدنيا بالأمثلة اعلم أن الدنيا سريعة الفناء قريبة الانقضاء تعد بالبقاء ثم تخلف في الوفاء تنظر إليها فتراها ساكنة مستقرة وهي سائرة سيرا عنيفا ومرتحلة ارتحالا سريعا ولكن الناظر إليها قد لا يحس بحركتها فيطمئن إليها وإنما يحس عند انقضائها ومثالها الظل فإنه متحرك ساكن متحرك في الحقيقة ساكن الظاهر لا تدرك حركته بالبصر الظاهر بل بالبصيرة الباطنة ولما ذكرت الدنيا عند الحسن البصري رحمه الله أنشد وقال أحلام نوم أو كظل زائل ... إن اللبيب بمثلها لا يخدع وكان الحسن بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يتمثل كثيرا ويقول يا أهل لذات دنيا لا بقاء لها ... إن اغترارا بظل زائل حمق وقيل إن هذا من قوله ويقال إن أعرابيا نزل بقوم فقدموا إليه طعاما فأكل ثم قام إلى ظل خيمة لهم فنام هناك فاقتلعوا الخيمة فأصابته الشمس فانتبه فقام وهو يقول ألا إنما الدنيا كظل ثنية ... ولا بد يوما أن ظلك زائل وكذلك قيل وإن امرأ دنياه أكبر همه ... لمستمسك منها بحبل غرور مثال آخر للدنيا من حيث التغرير بخيالاتها ثم الإفلاس منها بعد إفلاتها تشبه خيالات المنام وأضغاث الأحلام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الدنيا حلم وأهلها عليها مجازون ومعاقبون وقال يونس بن عبيد ما شبهت نفسي في الدنيا إلا كرجل نام فرأى في منامه ما يكره وما يحب فبينما هو كذلك إذ انتبه فكذلك الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا فإذا ليس بأيديهم شيء مما ركنوا إليه وفرحوا به وقيل لبعض الحكماء أي شيء أشبه بالدنيا قال أحلام النائم مثال آخر للدنيا في عداوتها لأهلها وإهلاكها لبنيها اعلم أن طبع الدنيا التلطف في الاستدراج أولا والتوصل إلى الإهلاك آخرا وهي كامرأة تتزين للخطاب حتى إذا نكحتهم ذبحتهم وقد روي أن عيسى عليه السلام كوشف بالدنيا فرآها في صورة عجوز هتماء عليها من كل زينة فقال لها كم تزوجت قالت لا أحصيهم قال فكلهم مات عنك أم كلهم طلقك قالت بل كلهم قتلت فقال عيسى عليه السلام بؤسا لأزواجك الباقين كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين كيف تهلكينهم واحدا بعد واحد ولا يكونون منك على حذر مثال آخر للدنيا في مخالفة ظاهرها لباطنها اعلم أن الدنيا مزينة الظواهر قبيحة السرائر وهي شبه عجوز متزينة تخدع الناس بظاهرها فإذا وقفوا على باطنها وكشفوا القناع عن وجهها تمثل لهم قبائحها فندموا على اتباعها وخجلوا من ضعف عقولهم في الاغترار بظاهرها

Section V03/P214–V03/P215

وقال العلاء بن زياد رأيت في المنام عجوزا كبيرة متعصبة الجلد عليها من كل زينة الدنيا والناس عكوف عليها معجبون ينظرون إليها فجئت ونظرت وتعجبت من نظرهم إليها وإقبالهم عليها فقلت لها ويلك من أنت قالت أو ما تعرفني قلت لا أدري من أنت قالت أنا الدنيا قلت أعوذ بالله من شرك قالت إن أحببت أن تعاذ من شري فابغض الدرهم قال أبو بكر بن عياش رأيت الدنيا في النوم عجوزا مشوهة شمطاء تصفق بيديها وخلفها خلق يتبعونها ويصفقون ويرقصون فلما كانت بحذائي أقبلت علي فقالت لو ظفرت بك لصنعت بك مثل ما صنعت بهؤلاء ثم بكى أبو بكر وقال رأيت هذا قبل أن أقدم إلى بغداد وقال الفضيل بن عياض قال ابن عباس يؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة عجوز شمطاء زرقاء أنيابها بادية ومشوه خلقها فتشرف على الخلائق فيقال لهم أتعرفون هذه فيقولون نعوذ بالله من معرفة هذه فيقال هذه الدنيا التي تناحرتم عليها بها تقاطعتم الأرحام وبها تحاسدتم وتباغضتم واغتررتم ثم يقذف بها في جهنم فتنادي أي رب أين أتباعي وأشياعي فيقول الله عز وجل ألحقوا بها أتباعها وأشياعها وقال الفضيل بلغني أن رجلا عرج بروحه فإذا امرأة على قارعة الطريق عليها من كل زينة من الحلي والثياب وإذا لا يمر بها أحد إلا جرحته فإذا هي أدبرت كانت أحسن شيء رآه الناس وإذا هي أقبلت كانت أقبح شيء رآه الناس عجوز شمطاء زرقاء عمشاء قال فقلت أعوذ بالله منك قالت لا والله لا يعيذك الله مني حتى تبغض الدرهم قال فقلت من أنت قالت أنا الدنيا مثال آخر للدنيا وعبور الإنسان بها اعلم أن الأحوال ثلاثة حالة لم تكن فيها شيئا وهي ما قبل وجودك إلى الأزل وحالة لا تكون فيها مشاهدا للدنيا وهي ما بعد موتك إلى الأبد وحالة متوسطة بين الأبد والأزل وهي أيام حياتك في الدنيا فانظر إلى مقدار طولها وانسبه إلى طرفي الأزل والأبد حتى تعلم أنه أقل من منزل قصير في سفر بعيد ولذلك قال صلى الله عليه وسلم مالي وللدنيا وإنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب سار في يوم صائف فرفعت شجرة فقال تحت ظلها ساعة ثم راح وتركها ومن رأى الدنيا بهذه العين لم يركن إليها ولم يبال كيف انقضت أيامه في ضر وضيق أو في سعة ورفاهية بل لا يبني لبنة على لبنة توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما وضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة ورأى بعض الصحابة يبني بيتا من جص فقال أرى الأمر أعجل من هذا وأنكر ذلك وإلى هذا أشار عيسى عليه السلام حيث قال الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها وهو مثال واضح فإن الحياة الدنيا معبر إلى الآخرة والمهد هو الميل الأول على رأس القنطرة واللحد هو الميل الآخر وبينهما مسافة محدودة فمن الناس من قطع نصف القنطرة ومنهم من قطع ثلثها ومنهم من قطع ثلثيها ومنهم من لم يبق له إلا خطوة واحدة وهو غافل عنها وكيفما كان فلا بد له من العبور والبناء على القنطرة وتزيينها بأصناف الزينة وأنت عابر عليها غاية الجهل والخذلان مثال آخر للدنيا في لين موردها وخشونة مصدرها اعلم أن أوائل الدنيا تبدو هينة لينة يظن الخائض فيها أن حلاوة خفضها كحلاوة الخوض فيها وهيهات فإن الخوض في الدنيا سهل والخروج منها مع السلامة شديد وقد كتب علي رضي الله عنه إلى سلمان الفارسي بمثالها فقال مثل الدنيا مثل الحية لين مسها ويقتل سمها فأعرض عما يعجبك منها لقلة ما يصحبك منها وضع عنك همومها بما أيقنت من فراقها وكن أسر ما تكون فيها أحذر ما تكون لها فإن صاحبها كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصه عنه مكروه والسلام مثال آخر للدنيا في تعذر الخلاص من تبعتها بعد الخوض فيها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما مثل صاحب الدنيا كالماشي في الماء هل يستطيع الذي يمشي في الماء أن لا تبتل قدماه

Questions