Qur'an&Sunnah

Gazâlî — İhyâü Ulûmi'd-Dîn

Section V04/P323–V04/P324

وأما شواهد الأخبار والآثار فأكثر من أن تحصى فمما اشتهر من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول اللهم إني أسألك الرضا بعد القضاء وبرد العيش بعد الموت ولذة النظر إلى وجهك الكريم والشوق إلى لقائك وقال أبو الدرداء لكعب أخبرني عن أخص آية يعني في التوراة فقال يقول الله تعالى طال شوق الأبرار إلى لقائي وإني إلى لقائهم لأشد شوقا قال ومكتوت إلى جانبها من طلبني وجدني ومن طلب غيري لم يجدني فقال أبو الدرداء أشهد إني لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا وفي أخبار داود عليه السلام إن الله تعالى قال يا داود أبلغ أهل أرضي أني حبيب لمن أحبني وجليس لمن جالسني ومؤنس لمن أنس بذكري وصاحب لمن صاحبني ومختار لمن اختارني ومطيع لمن أطاعني ما أحبني عبد أعلم ذلك يقينا من قلبه إلا قبلته لنفسي وأحببته حبا لا يتقدمه أحد من خلقي من طلبني بالحق وجدني ومن طلب غيري لم يجدني فارفضوا يا أهل الأرض ما أنتم عليه من غرورها وهلموا إلى كرامتى ومصاحبتي ومجالستي وائنسوا بي أؤانسكم وأسارع إلى محبتكم فإني خلقت طينة أحبائي من طينة إبراهيم خليلي وموسى نجي ومحمد صفي وخلقت قلوب المشتاقين من نوري ونعمتها بجلالي وروي عن بعض السلف أن الله تعالى أوحى إلى بعض الصديقين إن لي عبادا من عبادي يحبوني وأحبهم ويشتاقون إلي وأشتاق إليهم ويذكروني وأذكرهم وينظرون إلي وأنظر إليهم فإن حذوت طريقهم أحببتك وإن عدلت عنهم مقتك قال يارب وما علامتهم قال يراعون الظلال بالنهار كما يراعي الراعي الشفيق غنمه ويحنون إلى غروب الشمس كما يحن الطائر إلى وكره عند الغروب فإذا جنهم الليل واختلط الظلام وفرشت الفرش ونصبت الأسرة وخلا كل حبيب بحبيبه نصبوا إلى أقدامهم وافترشوا إلى وجوههم وناجوني بكلامي وتملقوا إلي بإنعامي فبين صارخ وباك وبين متأوه وشاك وبين قائم وقاعد وبين راكع وساجد بعيني ما يتحملون من أجلي وبسمعي ما يشتكون من حبي أول ما أعطيهم ثلاث أقذف من نوري في قلوبهم فيخبرون عني كما أخبر عنهم والثانية لو كانت السموات والأرض وما فيها في موازينهم لاستقللنها لهم والثالثة أقبل بوجهي عليهم فترى من أقبلت عليه يعلم أحد ما أريد أن أعطيه وفي أخبار داود عليه السلام أن الله تعالى أوحى إليه يا داود إلى كم تذكر الجنة ولا تسألنى الشوق إلى قال يا رب من المشتاقون إليك قال إن المشتاقين إلى الذين صفيتهم من كل كدر ونبهتهم بالحذر وخرقت من قلوبهم إلي خرقا ينظرون إلي وإنى لأحمل قلوبهم بيدى فأضعها على سمائي ثم أدعو نجباء ملائكتي فإذا اجتمعوا سجدوا لي فأقول إني لم أدعكم لتسجدوا لي ولكني دعوتكم لأعرض عليكم قلوب المشتاقين إلي وأباهي بكم أهل الشوق إلي فإن قلوبهم لتضيء في سمائي لملائكتي كما تضيء الشمس لأهل الأرض يا داود إني خلقت قلوب المشتاقين من رضواني ونعمتها بنور وجهي فاتخذتهم لنفسي محدثي وجعلت أبدانهم موضع نظري إلى الأرض وقطعت من قلوبهم طريقا ينظرون به إلي يزدادون في كل يوم شوقا قال داود يا رب أرني أهل محبتك فقال يا داود ائت جبل لبنان فإن فيه أربعة عشر نفسا فيهم شبان وفيهم شيوخ وفيهم كهول فإذا أتيتهم فأقرئهم مني السلام وقل لهم إن ربكم يقرئكم السلام ويقول لكم ألا تسألون حاجة فإنكم أحبائي وأصفيائي وأوليائي أفرح لفرحكم وأسارع إلى محبتكم

Section V04/P324–V04/P325

فأتاهم داود عليه السلام فوجدهم عند عين من العيون يتفكرون في عظمة الله عز وجل فلما نظروا إلى داود عليه السلام نهضوا ليتفرقوا عنه فقال داود إني رسول الله إليكم جئتكم لأبلغكم رسالة ربكم فأقبلوا نحوه وألقوا أسماعهم نحو قوله وألقوا أبصارهم إلى الأرض فقال داود إني رسول الله إليكم يقرئكم السلام ويقول لكم ألا تسألون حاجة ألا تنادوني أسمع صوتكم وكلامكم فإنكم أحبائي وأصفيائي وأوليائي أفرح لفرحكم وأسارع إلى محبتكم وأنظر إليكم في كل ساعة نظر الوالدة الشفيقة الرفيقة قال فجرت الدموع على خدودهم فقال شيخهم سبحانك سبحانك نحن عبيدك وبنو عبيدك فاغفر لنا ما قطع قلوبنا عن ذكرك فيما مضى من أعمارنا وقال الآخر سبحانك سبحانك نحن عبيدك وبنو عبيدك فامنن علينا بحسن النظر فيما بيننا وبينك وقال الآخر سبحانك سبحانك نحن عبيدك وبنو عبيد أفنجترىء على الدعاء وقد علمت أنه لا حاجة لنا في شيء من أمورنا فأدم لنا لزوم الطريق إليك وأتمم بذلك المنة علينا وقال الآخر نحن مقصرون في طلب رضاك فأعنا علينا بجودك وقال الآخر من نطفة خلقتنا ومننت علينا بالتفكر في عظمتك أفيجترىء على الكلام من هو مشتغل بعظمتك متفكر في جلالك وطلبتنا الدنو من نورك وقال الآخر كلت ألسنتنا عن دعائك لعظم شأنك وقربك من أوليائك وكثرة منتك على أهل محبتك وقال الآخر أنت هديت قلوبنا لذكرك فرغتنا للاشتغال بك فاغفر لنا تقصيرنا في شكرك وقال الآخر قد عرفت حاجتنا إنما هي النظر إلى وجهك وقال الآخر كيف يجترىء العبد على سيده إذ أمرتنا بالدعاء بجودك فهب لنا نورا نهتدي به في الظلمات من أطباق السموات وقال آخر ندعوك أن تقبل علينا وتديمه عندنا وقال الآخر نسألك تمام نعمتك فيما وهبت لنا وتفضلت به علينا وقال الآخر لا حاجة لنا في شيء من خلقك فامنن علينا بالنظر إلى جمال وجهك وقال الآخر أسألك من بينهم أن تعمي عيني عن النظر إلى الدنيا وأهلها وقلبي عن الاشتغال بالآخرة وقال الآخر قد عرفت تباركت وتعاليت أنك تحب أولياءك فامنن علينا باشتغال القلب بك عن كل شيء دونك فأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام قل لهم قد سمعت كلامكم وأجبتكم إلى ما أحببتم فليفارق كل واحد منكم صاحبه وليتخذ لنفسه سربا فإني كاشف الحجاب فيما بيني وبينكم حتى تنظروا إلى نوري وجلالى فقال داود يارب بم نالوا هذا منك قال بحسن الظن والكف عن الدنيا وأهلها والخلوات بي ومناجاتهم لي وإن هذا منزل لا يناله إلى من رفض الدنيا وأهلها ولم يشتغل بشيء من ذكرها وفرغ قلبه لي واختارني على جميع خلقي فعند ذلك أعطف عليه وأفرغ نفسه وأكشف الحجاب فيما بيني وبينه حتى ينظر إلي نظر الناظر بعينه إلى الشيء وأريه كرامتي في كل ساعة وأقربه من نور وجهي إن مرض مرضته كما تمرض الوالدة الشفيقة ولدها وإن عطش أرويته وأذيقه طعم ذكري فإذا فعلت ذلك به يا داود عميت نفسه عن الدنيا وأهلها ولم أحببها إليه لا يفتر عن الاشتغال بي يستعجلني القدوم وأنا أكره أن أميته لأنه موضع نظري من بين خلقي لا يرى غيري ولا أرى غيره فلو رأيته يا داود وقد ذابت نفسه ونحل جسمه وتهشمت أعضاؤه وانخلع قلبه إذا سمع بذكرى أباهي به ملائكتي وأهل سمواتي يزداد خوفا وعبادة وعزتي وجلالي يا داود لأقعدنه في الفردوس ولأشفين صدره من النظر إلي حتى يرضى وفوق الرضا وفي أخبار داود أيضا قل لعبادي المتوجهين إلى محبتي ما ضركم إذا احتجبت عن خلقي ورفعت الحجاب فيما بيني وبينكم حتى تنظروا إلي بعيون قلوبكم وما ضركم ما زويت عنكم من الدنيا إذا بسطت ديني لكم وما ضركم مسخطة الخلق إذا التمستم رضائي وفي أخبار داود أيضا إن الله تعالى أوحى إليه تزعم أنك تحبني فإن كنت تحبني فأخرج حب الدنيا من قلبك فإن حبي وحبها لا يجتمعان في قلب

Section V04/P325–V04/P326

يا داود خالص حبيبي مخالصة وخالط أهل الدنيا مخالطة ودينك فقلدنيه ولا تقلد دينك الرجال أما ما استبان لك مما وافق محبتي فتمسك به وأما ما أشكل عليك فقلدنيه حقا على أني أسارع إلى سياستك وتقويمك وأكن قائدك ودليلك أعطيك من غير أن تسألني وأعينك على الشدائد وإني قد حلفت على نفسي أني لا أثيب إلا عبدا قد عرفت من طلبته وإرادته إلفاء كنفه بين يدي وأنه لا غنى به عني فإذا كنت كذلك نزعت الذلة والوحشة عنك وأسكن الغنى قلبك فإني قد حلفت على نفسي أنه لا يطمئن عبد لي إلى نفسه ينظر إلى فعالها إلا وكلته إليها أضف الأشياء إلي لا تضاد عملك فتكون متعنيا ولا ينتفع بك من يصحبك ولا تجد لمعرفتي حدا فليس لها غاية ومتى طلبت مني الزيادة أعطك ولا تجد للزيادة مني حدا ثم أعلم بنى إسرائيل أنه ليس بيني وبين أحد من خلقي نسب فلتعظم رغبتهم وإرادتهم عندي أبح لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ضعني بين عينيك وانظر إلي ببصر قلبك ولا تنظر بعينك التي في رأسك إلى الذين حجبت عقولهم عنى فأمر جوها وسخت بانقطاع ثوابي عنها فإني حلفت بعزتي وجلالي لا أفتح ثوابي لعبد دخل في طاعتي للتجربة والتسويف تواضع لمن تعلمه ولا تطاول على المريدين فلو علم أهل محبتي منزلة المريدين عندي لكانوا لهم أرضا يمشون عليها يا دواد لأن تخرج مريدا من سكرة هو فيها تستنقذه فأكتبك عندي جهيدا ومن كتبته عندي جهيدا لا تكون عليه وحشة ولا فاقة إلى المخلوقين يا داود تمسك بكلامي وخذ من نفسك لنفسك لا تؤتين منها فأحجب عنك محنتي لا تؤيس عبادي من رحمتي اقطع شهوتك لي فإنما أبحت الشهوات لضعفة خلقي ما بال الأقوياء أن ينالوا الشهوات فإنها تنقص حلاوة مناجاتي وإنما عقوبة الأقوياء عندي في موضع التناول أدنى ما يصل إليهم أن أحجب عقولهم عني فإني لم أرض الدنيا لحبيبي ونزهته عنها يا داود لا تجعل بينى وبينك عالما يحجبك بسكره عن محبتي أولئك قطاع الطريق على عبادي المريدين استعن على ترك الشهوات بإدمان الصوم وإياك والتجربة في الإفطار فإن محبتي للصوم إدمانه يا داود تحبب إلي بمعاداة نفسك امنعها الشهوات أنظر إليك وترى الحجب بيني وبينك مرفوعة إنما أداريك مداراة لتقوى على ثوابي إذا مننت عليك به وإني أحبسه عنك وأنت متمسك بطاعتي أوحى الله تعالى إلى داود يا داود لو يعلم المدبرون عني كيف انتظاري لهم ورفقي بهم وشوقي إلى ترك معاصيهم لماتوا شوقا إلي وتقطعت أوصالهم من محبتي يا داود هذه إرادتي في المدبرين عنى فكيف إرادتي في المقبلين علي يا داود أحوج ما يكون العبد إلي إذا استغنى عني وأرحم ما أكون بعبدي إذا أدبر عني وأجل ما يكون عندي إذا رجع إلي فهذه الأخبار ونظائرها مما لا يحصى تدل على إثبات المحبة والشوق والأنس وإنما تحقيق معناها ينكشف بما سبق بيان محبة الله للعبد ومعناها

Section V04/P326–V04/P327

اعلم أن شواهد القرآن متظاهرة على أن الله تعالى يحب عبده فلا بد من معرفة مع معنى ذلك ولنقدم الشواهد على محبته فقد قال الله تعالى {يحبهم ويحبونه} وقال تعالى {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا} وقال تعالى {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} ولذلك رد سبحانه على من ادعى أنه حبيب الله فقال {قل فلم يعذبكم بذنوبكم} وقد روى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا أحب الله تعالى عبدا لم يضره ذنب والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ثم تلا إن الله يحب التوابين ومعناه أنه إذا أحبه تاب عليه قبل الموت فلم تضره الذنوب الماضية وإن كثرت كما لا يضر الكفر الماضي بعد الإسلام وقد اشترط الله تعالى للمحبة غفران الذنب فقال {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الإيمان إلا من يحب وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تواضع لله رفعه الله ومن تكبر وضعه الله ومن أكثر ذكر الله أحبه الله وقال عليه السلام قال الله تعالى لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به الحديث وقال زيد بن أسلم إن الله ليحب العبد حتى يبلغ من حبه له أن يقول اعمل ما شئت فقد غفرت لك وما ورد من ألفاظ المحبة خارج عن الحصر وقد ذكرنا أن محبة العبد لله تعالى حقيقة وليست بمجاز إذ المحبة في وضع اللسان عبارة عن ميل النفس إلى الشيء الموافق والعشق عبارة عن الميل الغالب المفرط وقد بينا أن الإحسان موافق للنفس والجمال موافق أيضا وأن الجمال والإحسان تارة يدرك بالبصر وتارة يدرك بالبصيرة والحب يتبع كل واحد منهما فلا يختص بالبصر فأما حب الله للعبد فلا يمكن أن يكون بهذا المعنى أصلا بل الأسامي كلها إذا أطلقت على الله تعالى وعلى غير الله لم تنطلق عليهما بمعنى واحد أصلا حتى إن اسم الوجود الذي هو أعم الأسماء اشتراكا لا يشمل الخالق والخلق على وجه واحد بل كل ما سوى الله تعالى فوجوده مستفاد من وجود الله تعالى فالوجود التابع لا يكون مساويا للوجود المتبوع وإنما الاستواء في إطلاق الاسم نظيره اشتراك الفرس والشجر في اسم الجسم إذ معنى الجسمية وحقيقتها متشابهة فيهما من غير استحقاق أحدهما لأن يكون فيه أصلا فليست الجسمية لأحدهما مستفادة من الآخر وليس كذلك اسم الوجود لله ولا لخلقه وهذا التباعد في سائر الأسامي أظهر كالعلم والإرادة

Section V04/P327–V04/P328

والقدرة وغيرها فكل ذلك لا يشبه فيه الخالق الخلق وواضع اللغة إنما وضع هذه الأسامى أولا للخلق فإن الخلق أسبق إلى العقول والأفهام من الخالق فكان استعمالها في حق الخالق بطريق الاستعارة والتجوز والنقل والمحبة في وضع اللسان عبارة عن ميل النفس إلى موافق ملائم وهذا إنما يتصور في نفس ناقصة فاتها ما يوافقها فتستفيد بنيله كمالا فتلتذ بنيله وهذا محال على الله تعالى فإن كل كمال وجمال وبهاء وجلال ممكن في حق الإلهية فهو حاضر وحاصل وواجب الحصول أبدا وأزلا ولا يتصور تجدده ولا زواله فلا يكون له إلى غيره نظر من حيث إنه غيره بل نظره إلى ذاته وأفعاله فقط وليس في الوجود إلا ذاته وأفعاله ولذلك قال الشيخ أبو سعيد الميهني رحمه الله تعالى لما قرىء عليه قوله تعالى يحبهم ويحبونه فقال بحق يحبهم فإنه ليس يحب إلا نفسه على معنى أنه الكل وأن ليس في الوجود غيره فمن لا يحب إلا نفسه وأفعال نفسه وتصانيف نفسه فلا يجاوز حبه ذاته وتوابع ذاته من حيث هي متعلقة بذاته فهو إذن لا يحب إلا نفسه وما ورد من الألفاظ في حبه لعباده فهو مؤول ويرجع معناه إلى كشف الحجاب عن قلبه حتى يراه بقلبه وإلى تمكينه إياه من القرب منه وإلى إرادته ذلك به في الأزل فحبه لمن أحبه أزلي مهما أضيف إلى الإرادة الأزلية التي اقتضت تمكين هذا العبد من سلوك طرق هذا القرب وإذا أضيف إلى فعله الذي يكشف الحجاب عن قلب عبده فهو حادث يحدث بحدوث السبب المقتضي له كما قال تعالى لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فيكون تقربه بالنوافل سببا لصفاء باطنه وارتفاع الحجاب عن قلبه وحصوله في درجة القرب من ربه فكل ذلك فعل الله تعالى ولطفه به فهو معنى حبه ولا يفهم هذا إلا بمثال وهو أن الملك قد يقرب عبده من نفسه ويأذن له في كل وقت في حضور بساطه لميل الملك إليه إما لينصره بقوته أو ليستريح بمشاهدته أو ليستشيره في رأيه أو ليهيىء أسباب طعامه وشرابه فيقال إن الملك يحبه ويكون معناه ميله إليه لما فيه من المعنى الموافق الملائم له وقد يقرب عبدا ولا يمنعه من الدخول عليه لا للانتفاع به ولا للاستنجاد به ولكن لكون العبد في نفسه موصوفا من الأخلاق المرضية والخصال الحميدة بما يليق به أن يكون قريبا من حضرة الملك وافر الحظ من قربه مع أن الملك لا غرض له فيه أصلا فإذا رفع الملك الحجاب بينه وبينه يقال قد أحبه وإذا اكتسب من الخصال الحميدة ما اقتضى رفع الحجاب يقال قد توصل وحبب نفسه إلى الملك فحب الله للعبد إنما يكون بالمعنى الثاني لا بالمعنى الأول وإنما يصح تمثيله بالمعنى الثاني بشرط أن لا يسبق إلى فهمك دخول تغير عليه عند تجدد القرب فإن الحبيب هو القريب من الله تعالى والقرب من الله في البعد من صفات البهائم والسباع والشياطين والتخلق بمكارم الأخلاق التي هي الأخلاق الإلهية فهو قرب بالصفة لا بالمكان ومن لم يكن قريبا فصار قريبا فقد تغير فربما يظن بهذا أن القرب لما تجدد فقد تغير وصف العبد والرب جميعا إذ صار قريبا بعد أن لم يكن وهو محال في حق الله تعالى إذ التغير عليه محال بل لا يزال في نعوت الكمال والجلال على ما كان عليه في أزل الآزال ولا ينكشف هذا إلا بمثال في القرب بين الأشخاص فإن الشخصين قد يتقاربان بتحركهما جميعا وقد يكون أحدهما ثابتا فيتحرك الآخر فيحصل القرب بتغير في أحدهما من غير تغير في الآخر بل القرب في الصفات أيضا كذلك فإن التلميذ يطلب القرب من درجة أستاذه في كمال العلم وجماله والأستاذ واقف في كمال علمه غير متحرك بالنزول إلى درجة تلميذه والتلميذ متحرك مترق من حضيض الجهل إلى ارتفاع العلم فلا يزال دائبا

Section V04/P328–V04/P329

في التغير والترقي إلى أن يقرب من أستاذه والأستاذ ثابت غير متغير فكذلك ينبغي أن يفهم ترقي العبد في درجات القرب فكلما صار أكمل صفة وأتم علما وإحاطة بحقائق الأمور وأثبت قوة في قهر الشيطان وقمع الشهوات وأظهر نزاهة عن الرذائل صار أقرب من درجة الكمال ومنتهى الكمال لله وقرب كل واحد من الله تعالى بقدر كماله نعم قد يقدر التلميذ على القرب من الأستاذ وعلى مساواته وعلى مجاوزته وذلك في حق الله محال فإنه لا نهاية لكماله وسلوك العبد في درجات الكمال متناه ولا ينتهي إلا إلى حد محدود فلا مطمع له في المساواة ثم درجات القرب تتفاوت تفاوتا لا نهاية له أيضا لأجل انتفاء النهاية عن ذلك الكمال فإذن محبة الله للعبد تقريبه من نفسه بدفع الشواغل والمعاصي عنه وتطهير باطنه عن كدورات الدنيا ورفع الحجاب عن قلبه حتى يشاهده كأنه يراه بقلبه وأما محبة العبد لله فهو ميله إلى درك هذا الكمال الذي هو مفلس عنه فاقد له فلا جرم يشتاق إلى ما فاته وإذا أدرك منه شيئا يلتذ به والشوق والمحبة بهذا المعنى محال على الله تعالى فإن قلت محبة الله للعبد أمر ملتبس فبم يعرف العبد أنه حبيب الله فأقول يستدل عليه بعلاماته وقد قال صلى الله عليه وسلم إذا أحب الله عبدا ابتلاه فإذا أحبه الحب البالغ اقتناه قيل وما اقتناه قال لم يترك له أهلا ولا مالا فعلامة محبة الله للعبد أن يوحشه من غيره ويحول بينه وبين غيره قيل لعيسى عليه السلام لم لا تشتري حمارا فتركبه فقال أنا أعز على الله تعالى من أن يشغلني عن نفسه بحمار وفي الخبر إذاأحب الله تعالى عبدا ابتلاه فإن صبر اجتباه فإن رضي اصطفاه وقال بعض العلماء إذا رأيتك تحبه ورأيته يبتليك فاعلم أنه يريد أن يصافيك وقال بعض المريدين لأستاذه قد طولعت بشيء من المحبة فقال يا بني هل ابتلاك بمحبوب سواء فآثرت عليه إياه قال لا قال فلا تطمع في المحبة فإنه لا يعطيها عبدا حتى يبلوه وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أحب الله تعالى عبدا جعل له واعظا من نفسه وزاجرا من قلبه يأمره وينهاه // حديث إذا أحب الله عبدا جعل له واعظا من نفسه الحديث أخرجه أبو منصور الديلمى في مسند الفردوس من حديث أم سلمة بإسناد حسن بلفظ إذا أراد الله تعالى بعبد خيرا بصره بعيوب نفسه حديث إذا أراد الله بعبد خيرا بصره بعيوب نفسه أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس بزيادة فيه بإسناد ضعيف فأخص علاماته حبه لله تعالى وأما الفعل الدال على كونه محبوبا فهو أن يتولى الله تعالى أمره ظاهره وباطنه سره وجهره فيكون هو المشير عليه والمدبر لأمره والمزين لأخلاقه والمستعمل لجوارحه والمسدد لظاهره وباطنه والجاعل همومه هما واحد واحدا والمبغض للدنيا في قلبه والموحش له من غيره والمؤنس له بلذة المناجاة في خلواته والكاشف له عن الحجب بينه وبين معرفته فهذا وأمثاله هو علامة حب الله للعبد فلنذكر الآن علامة محبة العبد لله تعالى فإنها أيضا من علامات حب الله تعالى للعبد القول في علامات محبة العبد لله تعالى اعلم أن المحبة يدعيها كل أحد وما أسهل الدعوى وما أعز المعنى فلا ينبغي أن يغتر الإنسان بتلبيس الشيطان وخدع النفس مهما ادعت محبة الله تعالى ما لم يمتحنها بالعلامات ولم يطالبها بالبراهين والأدلة والمحبة شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء وثمارها تظهر في القلب واللسان والجوارح

Section V04/P329–V04/P330

وتدل تلك الآثار الفائضة منها على القلب والجوارح على المحبة دلالة الدخان على النار ودلالة الثمار على الأشجار وهي كثيرة فمنها حب لقاء الحبيب بطريق الكشف والمشاهدة في دار السلام فلا يتصور أن يحب القلب محبوبا إلا ويحب مشاهدته ولقاءه وإذا علم أنه لا وصول إلا بالارتحال من الدنيا ومفارقتها بالموت فينبغي أن يكون محبا للموت غير فار منه فإن المحب لا يثقل عليه السفر عن وطنه إلى مستقر محبوبه ليتنعم بمشاهدته والموت مفتاح اللقاء وباب الدخول إلى المشاهدة قال صلى الله عليه وسلم من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه وقال حذيفة عند الموت حبيب جاء على فاقة لا أفلح من ندم وقال بعض السلف ما من خصلة أحب إلى الله أن تكون في العبد بعد حب لقاء الله من كثرة السجود فقدم حب لقاء الله على السجود وقد فرط الله سبحانه لحقيقة الصدق في الحب القتل في سبيل الله حيث قالوا إنا نحب الله فجعل القتل في سبيل الله وطلب الشهادة علامته فقال تعالى إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا وقال عز وجل يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وفي وصية أبي بكر لعمر رضي الله تعالى عنهما الحق ثقيل وهو مع ثقله مرىء والباطل خفيف وهو مع خفته وبىء فإن حفظت وصيتي لم يكن غائب أحب إليك من الموت وهو مدركك وإن ضيعت وصيتي لم يكن غائب أبغض إليك من الموت ولن تعجزه ويروى عن إسحق بن سعد بن أبي وقاص قال حدثني أبي أن عبد الله بن جحش قال له يوم أحد ألا ندعو الله فخلوا في ناحية فدعا عبد الله بن جحش فقال يارب إني أقسمت عليك إذا لقيت العدو غدا فلقني رجلا شديدا بأسه شديدا حرده أقاتله فيك ويقاتلني ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني ويبقر بطني فإذا لقيتك غدا قلت يا عبد الله من جدع أنفك وأذنك فأقول فيك يارب وفي رسولك فتقول صدقت قال سعد فلقد رأيته آخر النهار وإن أنفه وأذنه لمعلقتان في خيط قال سعيد بن المسيب أرجو أن يبر الله آخر قسمه كما أبر أوله وقد كان الثوري وبشر الحافي يقولان لا يكره الموت إلا مريب لأن الحبيب على كل حال لا يكره لقاء حبيبه وقال البويطي لبعض الزهاد أتحب الموت فكأنه توقف فقال لو كنت صادقا لأحببته وتلا قوله تعالى فتمنوا الموت إن كنتم صادقين فقال الرجل فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يتمنينأحدكم الموت فقال إنما قاله لضر نزل به لأن الرضا بقضاء الله تعالى أفضل من طلب الفرار منه فإن قلت من لا يحب الموت فهل يتصور أن يكون محبا لله فأقول كراهة الموت قد تكون لحب الدنيا والتأسف على فراق الأهل والمال والولد وهذا ينافي كمال حب الله تعالى لأن الحب الكامل هو الذي يستغرق كل القلب ولكن لا يبعد أن يكون له مع حب الأهل والولد شائبة من حب الله تعالى ضعيفة فإن الناس متفاوتون في الحب ويدل على التفاوت ما روي أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس لما زوج أخته فاطمة من سالم مولاه عاتبته قريش في ذلك وقالوا أنكحت عقيلة من عقائل قريش لمولى فقال والله لقد أنكحته إياها وإني لأعلم أنه خير منها فكان قوله ذلك أشد عليهم من فعله فقالوا وكيف وهي أختك وهو مولاك فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من أراد أن ينظر إلى رجل يحب الله بكل قلبه فلينظر إلى سالم فهذا يدل على أن من الناس من لا يحب الله بكل قلبه فيحبه ويحب أيضا غيره فلا جرم يكون نعيمه بلقاء الله عند القدوم عليه على قدر حبه وعذابه بفراق الدنيا عند الموت على قدر حبه لها

Section V04/P330–V04/P331

وأما السبب الثاني للكراهة فهو أن يكون العبد في ابتداء مقام المحبة وليس يكره الموت وإنما يكره عجلته قبل أن يستعد للقاء الله فذلك لا يدل على ضعف الحب وهو كالمحب الذي وصله الخبر بقدوم حبيبه عليه فأحب أن يتأخر قدومه ساعة ليهيء له داره ويعد له أسبابه فيلقاه كما يهواه فارغ القلب عن الشواغل خفيف الظهر عن العوائق فالكراهة بهذا السبب لا تنافي كمال الحب أصلا وعلامته لدءوب في العمل واستغراق الهم في الاستعداد ومنها أن يكون مؤثرا ما أحبه الله تعالى على ما يحبه في ظاهره وباطنه فيلزم مشاق العمل ويجتنب اتباع الهوى ويعرض عن دعة الكسل ولا يزال مواظبا على طاعة الله ومتقربا إليه بالنوافل وطالبا عنده مزايا الدرجات كما يطلب المحب مزيد القرب في قلب محبوبه وقد وصف الله تعالى المحبين بالإيثار فقال يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن بقي مستقرا على متابعة الهوى فمحبوبه ما يهواه بل يترك المحب هوى نفسه كما قيل: أريد وصاله ويريد هجري ... فأترك ما أريد لما يريد بل الحب إذا غلب قمع الهوى فلم يبق له تنعم بغير المحبوب كما روي أن زليخا لما آمنت وتزوج بها يوسف عليه السلام انفردت عنه وتخلت للعبادة وانقطعت إلى الله تعالى فكان يدعوها إلى فراشه نهارا فتدافعه إلى الليل فإذا دعاها ليلا سوفت به إلى النهار وقالت: يا يوسف إنما كنت أحبك قبل أن أعرفه فأما إذ عرفته فما أبقت محبته محبة لسواه وما أريد به بدلا حتى قال لها إن الله جل ذكره أمرني بذلك وأخبرني أنه مخرج منك ولدين وجاعلهما نبيين فقالت: أما إذا كان الله تعالى أمرك بذلك وجعلني طريقا إليه فطاعة لأمر الله تعالى فعندها سكنت إليه فإذن من أحب الله لا يعصيه ولذلك قال ابن المبارك فيه: تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا لعمري في الفعال بديع لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع وفي هذا المعنى قيل أيضا: وأترك ما أهوى ... لما قد هويته ... فأرضى بما ترضى وإن سخطت نفسي وقال سهل رحمه الله تعالى: علامة الحب إيثاره على نفسك وليس كل من عمل بطاعة الله عز وجل صار حبيبا وإنما الحبيب من اجتنب المناهي: وهو كما قال لأن محبته لله تعالى سبب محبة الله له كما قال تعالى يحبهم ويحبونه وإذا أحبه الله تولاه ونصره على أعدائه وإنما عدوه نفسه وشهواته فلا يخذله الله ولا يكله إلى هواه وشهواته ولذلك قال تعالى والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا فإن قلت: فالعصيان هل يضاد أصل المحبة فأقول: إنه يضاد كمالها ولا يضاد أصلها فكم من إنسان يحب نفسه وهو مريض ويحب الصحة ويأكل ما يضره مع العلم بأنه يضره وذلك لا يدل على عدم حبه لنفسه ولكن المعرفة قد تضعف والشهوة قد تغلب فيعجز عن القيام بحق المحبة ويدل عليه ما روي أن نعيمان كان يؤتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل قليل فيحده في معصية يرتكبها إلى أن أتي به يوما فحده فلعنه رجل وقال: ما أكثر ما يؤتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله 1 فلم يخرجه بالمعصية عن المحبة نعم تخرجه المعصية عن كمال الحب وقد قال بعض العارفين: إذا كان الإيمان في ظاهر القلب أحب الله تعالى حبا متوسطا فإذا دخل سويداء القلب أحبه الحب البالغ وترك المعاصي وبالجملة في دعوى المحبة خطر ولذلك قال الفضيل: إذا قيل لك أتحب الله تعالى فاسكت فإنك إن قلت لا كفرت وإن قلت نعم فليس وصفك وصف المحبين فاحذر المقت ولقد قال بعض العلماء: ليس في الجنة نعيم أعلى من نعيم أهل المعرفة والمحبة ولا في جهنم عذاب أشد من عذاب من ادعى المعرفة والمحبة ولم يتحقق بشيء من ذلك

Section V04/P331–V04/P332

ومنها أن يكون مستهترا بذكر الله تعالى لا يفتر عنه لسانه ولا يخلو عنه قلبه فمن أحب شيئا أكثر بالضرورة من ذكره وذكر ما يتعلق به فعلامة حب الله: حب ذكره وحب القرآن الذي هو كلامه وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحب كل من ينسب إليه فإن من يحب إنسانا يحب كلب محلته فالمحبة إذا قويت تعدت من المحبوب إلى كل ما يكتنف بالمحبوب ويحيط به ويتعلق بأسبابه وذلك ليس شركة في الحب فإن من أحب رسول المحبوب لأنه رسوله وكلامه لأنه كلامه فلم يجاوز حبه إلى غيره بل هو دليل على كمال حبه ومن غلب حب الله على قلبه أحب جميع خلق الله لأنهم خلقه فكيف لا يحب القرآن والرسول وعباد الله الصالحين وقد ذكرنا تحقيق هذا في كتاب الأخوة والصحبة ولذلك قال تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني لله تعالى وقال سفيان // حديث أحبوا الله: من أحب من يحب الله تعالى فإنما أحب الله ومن أكرم من يكرم الله تعالى فإنما يكرم الله وحكي عن بعض المريدين قال: كنت قد وجدت حلاوة المناجاة في سن الإرادة فأدمنت قراءة القرآن ليلا ونهارا ثم لحقتني فترة فانقطعت عن التلاوة قال: فسمعت قائلا يقول في المنام إن كنت تزعم أنك تحبني فلم جفوت كتابي أما تدبرت ما فيه من لطيف عتابي قال: فانتبهت وقد أشرب في قلبي محبة القرآن فعاودت إلى حالي وقال ابن مسعود: لا ينبغي أن يسأل أحدكم عن نفسه إلا القرآن فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله عز وجل وإن لم يكن يحب القرآن فليس يحب الله وقال سهل رحمه الله تعالى عليه علامة حب الله حب القرآن وعلامة حب الله وحب القرآن حب النبي صلى الله عليه وسلم وعلامة حب النبي صلى الله عليه وسلم حب السنة وعلامة حب السنة حب الآخرة وعلامة حب الآخرة بغض الدنيا وعلامة بغض الدنيا أن لا يأخذ منها إلا زادا وبلغة إلى الآخرة ومنها أن يكون أنسه بالخلوة ومناجاته لله تعالى وتلاوة كتابه فيواظب على التهجد ويغتنم هدء الليل وصفاء الوقت بانقطاع العوائق وأقل درجات الحب التلذذ بالخلوة بالحبيب والتنعم بمناجاته فمن كان النوم والاشتغال بالحديث ألذ عنده وأطيب من مناجاة الله كيف تصح محبته قيل لإبراهيم بن أدهم وقد نزل من الجبل: من أين أقبلت فقال من الأنس بالله وفي أخبار داود عليه السلام لا تستأنس إلى أحد من خلقي فإني إنما أقطع عني رجلين رجل استبطأ ثوابي فانقطع ورجلا نسيني فرضي بحاله وعلامة ذلك أن أكله إلى نفسه وأن أدعه في الدنيا حيران ومهما أنس بغير الله كان بقدر أنسه بغير الله مستوحشا من الله تعالى ساقطا عن درجة محبته وفي قصة برخ وهو العبد الأسود الذي استسقى به موسى عليه السلام إن الله تعالى قال لموسى عليه السلام إن برخا نعم العبد هو لي إلا أن فيه عيبا قال يارب وما عيبه فقال يعجبه نسيم الأسحار فيسكن إليه ومن أحبني لم يسكن إلى شيء وروي أن عابدا عبد الله تعالى في غيضة دهرا طويلا فنظر إلى طائر وقد عشش في شجرة يأوي إليها ويصفر عندها فقال لو حولت مسجدي إلى تلك الشجرة فكنت آنس بصوت هذا الطائر قال: ففعل فأوحى الله تعالى إلى نبي ذلك الزمان قل لفلان العابد استأنست بمخلوق لأحطنك درجة لا تنالها بشيء من عملك أبدا

Section V04/P332–V04/P333

فإذن علامة المحبة كمال الأنس بمناجاة المحبوب وكمال التنعم بالخلوة به وكمال الاستيحاش من كل ما ينغص عليه الخلوة ويعوق عن لذة المناجاة وعلامة الأنس مصير العقل والفهم كله مستغرقا بلذة المناجاة كالذي يخاطب معشوقه ويناجيه وقد انتهت هذه اللذة ببعضهم حتى كان في صلاته ووقع الحريق في داره فلم يشعر به وقطعت رجل بعضهم بسبب علة أصابته وهو في الصلاة فلم يشعر به ومهما غلب عليه الحب والأنس صارت الخلوة والمناجاة قرة عينه يدفع بها جميع الهموم بل يستغرق الأنس والحب قلبه حتى لا يفهم أمور الدنيا ما لم تكرر على سمعه مرارا مثل العاشق الولهان فإنه يكلم الناس بلسانه وأنسه في الباطن بذكر حبيبه فالمحب من لا يطمئن إلا بمحبوبه وقال قتادة في قوله تعالى الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب قال هشت إليه واستأنست به وقال الصديق رضي الله تعالى عنه من ذاق من خالص محبة الله شغله ذلك عن طلب الدنيا وأوحشه عن جميع البشر وقال مطرف بن أبي بكر: الحب لا يسأم من حديث حبيبه وأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام قد كذب من ادعى محبتي إذا جنه الليل نام عني أليس كل محب يحب لقاء حبيبه فها أنا ذا موجود لمن طلبني وقال موسى عليه السلام يا رب أين أنت فأقصدك فقال إذا قصدت فقد وصلت وقال يحيى بن معاذ من أحب الله أبغض نفسه وقال أيضا من لم تكن فيه ثلاث خصال فليس بمحب يؤثر كلام الله تعالى على كلام الخلق ولقاء الله تعالى على لقاء الخلق والعبادة على خدمة الخلق ومنها أن لا يتأسف على مما يفوته ما سوى الله عز وجل ويعظم تأسفه على فوت كل ساعة خلت عن ذكر الله تعالى وطاعته فيكثر رجوعه عند الغفلات بالاستعطاف والاستعتاب والتوبة قال بعض العارفين إن لله عبادا أحبوه واطمأنوا إليه فذهب عنهم التأسف على الفائت فلم يتشاغلوا بحظ أنفسهم إذ كان ملك مليكهم تاما وما شاء كان فما كان لهم فهو واصل إليهم وما فاتهم فبحسن تدبيره لهم وحق المحب إذا رجع من غفلته في لحظته أن يقبل على محبوبه ويشتغل بالعتاب ويسأله ويقول رب بأي ذنب قطعت برك عني وأبعدتني عن حضرتك وشغلتني بنفسي وبمتابعة الشيطان فيستخرج ذلك منه صفاء ذكر ورقة قلب يكفر عنه ما سبق من الغفلة وتكون هفوته سببا لتجدد ذكره وصفاء قلبه ومهما لم ير المحب إلا المحبوب ولم ير شيئا إلا منه لم يتأسف ولم يشك واستقبل الكل بالرضا وعلم أن المحبوب لم يقدر له إلا ما فيه خيرته ويذكر قوله وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ومنها أن يتنعم بالطاعة ولا يستثقلها ويسقط عنه تعبها كما قال بعضهم كابدت الليل عشرين سنة ثم تنعمت به عشرين سنة وقال الجنيد علامة المحب دوام النشاط والدعوب بشهوة تفتر بدنه ولا تفتر قلبه وقال بعضهم العمل على المحبة لا يدخله الفتور وقال بعض العلماء والله ما اشتفى محب لله من طاعته ولو حل بعظيم الوسائل فكل هذا وأمثاله موجود في المشاهدات فإن العاشق لا يستثقل السعي في هوى معشوقه ويستلذ خدمته بقلبه وإن كان شاقا على بدنه ومهما عجز بدنه كان أحب الأشياء إليه أن تعاوده القدرة وأن يفارقه العجز حتى يشغل به فهكذا يكون حب الله تعالى فإن كل حب صار غالبا قهر لا محالة ماهو دونه فمن كان محبوبه أحب إليه من الكسل ترك الكسل في خدمته وإن كان أحب إليه من المال ترك المال في حبه وقيل لبعض المحبين وقد كان بذل نفسه وماله حتى لم يبق له شيء ما كان سبب حالك هذه في المحبة فقال سمعت يوما محبا وقد خلا بمحبوبه وهو يقول أنا والله أحبك بقلبي كله وأنت معرض عني بوجهك كله فقال له المحبوب إن كنت تحبني فأيش تنفق علي قال يا سيدي أملكك ما أملك ثم أنفق عليك روحي حتى تهلك فقلت هذا خلق لخلق وعبد لعبد فكيف بعبيد لمعبود فكل هذا بسببه

Section V04/P333–V04/P334

ومنها أن يكون مشفقا على جميع عباد الله رحيما بهم شديدا على جميع أعداء الله وعلى كل من يقارف شيئا مما يكرهه كما قال الله تعالى أشداء على الكفار رحماء بينهم ولا تأخذه لومة لائم ولا يصرفه عن الغضب لله صارف وبه وصف الله أولياءه إذ قال الذين يكلفون بحبي كما يكلف الصبي بالشيء ويأوون إلى ذكري كما يأوي النسر إلى وكره ويغضبون لمحارمه كما يغضب النمر إذا حرد فإنه لا يبالي قل الناس أو كثروا فانظر إلى هذا المثال فإن الصبي إذا كلف بالشيء لم يفارقه أصلا وإن أخذ منه لم يكن له شغل إلا البكاء والصياح حتى يرد إليه فإن نام أخذه معه في ثيابه فإذا انتبه عاد وتمسك به ومهما فارقه بكى ومهما وجده ضحك ومن نازعه فيه أبغضه ومن أعطاه أحبه وأما النمر فإنه لا يملك نفسه عند الغضب حتى يبلغ من شدة غضبه أنه يهلك نفسه فهذه علامات المحبة فمن تمت فيه هذه العلامات فقد تمت محبته وخلص حبه فصفا في الآخرة شرابه وعذب مشربه ومن امتزج بحبه حب غير الله تنعم في الآخرة بقدر حبه إذ يمزج شرابه بقدر من شراب المقربين كما قال تعالى في الأبرار إن الأبرار لفي نعيم {ثم قال} يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون فإذا طاب شراب الأبرار لشوب الشراب الصرف الذي هو للمقربين والشراب عبارة عن جملة نعيم الجنان كما أن الكتاب عبر به عن جميع الأعمال فقال إن كتاب الأبرار لفي عليين {ثم قال} يشهده المقربون فكان أمارة علو كتابهم أنه ارتفع إلى حيث يشهده المقربون وكما أن الأبرار يجدون المزيد في حالهم ومعرفتهم بقربهم من المقربين ومشاهدتهم لهم فكذلك يكون حالهم في الآخرة ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة كما بدأنا أول خلق نعيده وكما قال تعالى جزاء وفاقا أي وافق الجزاء أعمالهم فقوبل الخالص بالصرف من الشراب وقوبل المشوب بالمشوب وشوب كل شراب على قدر ما سبق من الشوب في حبه وأعماله فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره وإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين فمن كان حبه في الدنيا رجاءه لنعيم الجنة والحور العين والقصور مكن من الجنة ليتبوأ منها حيث يشاء فيلعب مع الولدان ويتمتع بالنسوان فهناك تنتهي لذته في الآخرة لأنه إنما يعطى كل إنسان في المحبة ما تشتهيه نفسه وتلذ عينه ومن كان مقصده رب الدار ومالك الملك ولم يغلب عليه إلا حبه بالإخلاص والصدق أنزل في مقعد صدق عند مليك مقتدر فالأبرار يرتعون في البساتين ويتنعمون في الجنان مع الحورالعين والولدان والمقربون ملازمون للحضرة عاكفون بطرفهم عليها يستحقرون نعيم الجنان بالإضافة إلى ذرة منها فقوم بقضاء شهوة البطن والفرج مشغولون وللمجالسة أقوام آخرون ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر أهل الجنة البله وعليون لذوى الألباب حديث شيبتنى هود أخرجه الترمذى وقد تقدم غير مرة حديث من استوى يوماه فهو مغبون ومن كان يومه شرا من أمسه فهو ملعون لا أعلم هذا إلا في منام لعبد العزيز بن أبي رواد قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقلت يا رسول الله أوصنى فقال ذلك بزيادة في آخره رواه البيهقى في الزهد حديث إنه ليغان على قلبي متفق عليه من حديث الأغر وقد تقدم // وإنما كان استغفاره من القدم الأول فإنه كان بعدا بالإضافة إلى القدم الثاني ويكون ذلك عقوبة لهم على الفتور في الطريق والالتفات إلى غير المحبوب كما روي أن الله تعالى يقول إن أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر شهوات الدنيا على طاعتي أن أسلبه لذيذ مناجاتي

Section V04/P334–V04/P335

فسلب المزيد بسبب الشهوات عقوبة للعموم فأما الخصوص فيحجبهم عن المزيد مجرد الدعوى والعجب والركون إلى ما ظهر من مبادىء اللطف وذلك هو المكر الخفي الذي لا يقدر على الاحتراز منه إلا ذوو الأقدام الراسخة ثم خوف فوت ما لا يدرك بعد فوته سمع إبراهيم بن أدهم قائلا يقول وهو في سياحة وكان على الجبل كل شيء منك مغفو ... ر سوى الإعراض عنا قد وهبنا لك ما فا ... ت فهب لنا ما فات منا فاضطرب وغشي عليه فلم يفق يوما وليلة وطرأت عليه أحوال ثم قال سمعت النداء من الجبل يا إبراهيم كن عبدا فكنت عبدا واسترحت ثم خوف السلو عنه فإن المحب يلازمه الشوق والطلب الحثيث فلا يفتر عن طلب المزيد ولا يتسلى إلا بلطف جديد فإن تسلى عن ذلك كان ذلك سبب وقوفه أو سبب رجعته والسلو يدخل عليه من حيث لا يشعر كما قد يدخل عليه الحب من حيث لا يشعر فإن هذه التقلبات لها أسباب خفية سماوية ليس في قوة البشر الإطلاع عليها فإذا أراد الله المكر به واستدراجه أخفى عنه ما ورد عليه من السلو فيقف مع الرجاء ويغتر بحسن النظر أو بغلبة الغفلة أو الهوى أو النسيان فكل ذلك من جنود الشيطان التي تغلب جنود الملائكة من العلم والعقل والذكر والبيان وكما أن من أوصاف الله تعالى ما يظهر فيقتضى هيجان الحب وهي أوصاف اللطف والرحمة والحكمة فمن أوصافه ما يلوح فيورث السلو كأوصاف الجبرية والعزة والاستغناء وذلك من مقدمات المكر والشقاء والحرمان ثم خوف الاستبدال به بانتقال القلب من حبه إلى حب غيره وذلك هو المقت والسلو عنه مقدمة هذا المقام والإعراض والحجاب مقدمة السلو وضيق الصدر بالبر وانقباضه عن دوام الذكر وملاله لوظائف الأوراد أسباب هذه المعاني ومقدماتها وظهور هذه الأسباب دليل على النقل عن مقام الحب إلى مقام المقت نعوذ بالله منه وملازمة الخوف لهذه الأمور وشدة الحذر منها بصفاء المراقبة دليل صدق الحب فإن من أحب شيئا خاف لا محالة فقده فلا يخلو المحب عن خوف إذا كان المحبوب مما يمكن فواته وقد قال بعض العارفين من عبد الله تعالى بمحبة من غير خوف هلك بالبسط والإدلال ومن عبده من طريق الخوف من غير محبة انقطع عنه بالبعد والاستيحاش ومن عبده من طريق المحبة والخوف أحبه الله تعالى فقربه ومكنه وعلمه فالمحب لا يخلو عن خوف والخائف لا يخلو عن محبة ولكن الذي غلبت عليه المحبة حتى اتسع فيها ولم يكن له من الخوف إلا يسير يقال هو في مقام المحبة ويعد من المحبين وكان شوب الخوف يسكن قليلا من سكر الحب فلو غلب الحب واستولت المعرفة لم تثبت لذلك طاقة البشر فإنما الخوف يعدله ويخفف وقعه على القلب فقد روي في بعض الأخبار أن بعض الصديقين سأله بعض الأبدال أن يسأل الله تعالى أن يرزقه ذرة من معرفته ففعل ذلك فهام في الجبال وحار عقله ووله قلبه وبقي شاخصا سبعة أيام لا ينتفع بشيء ولا ينتفع به شيء فسأل له الصديق ربه تعالى فقال يارب أنقصه من الذرة بعضها فأوحى الله تعالى إليه إنما أعطيناه جزءا من مائة ألف جزء من المعرفة وذلك أن مائة ألف عبد سألوني شيئا من المحبة في الوقت الذي سألني هذا فأخرت إجابتهم إلى أن شفعت أنت لهذا فلما أجتبنك فيما سألت أعطيتهم كما أعطيته فقسمت ذرة من المعرفة بين مائة ألف عبد فهذا ما أصابه من ذلك فقال سبحانك يا أحكم الحاكمين أنقصه مما أعطيته فأذهب الله عنه جملة الجزء وبقي معه عشر معشاره وهو جزء من عشرة آلاف جزء من مائة ألف جزء من ذرة فاعتدل خوفه وحبه ورجاؤه وسكن وصار كسائر العارفين وقد قيل في وصف حال العارف قريب الوجد ذو مرمى بعيد ... عن الأحرار منهم والعبيد غريب الوصف ذو علم غريب ... كان فؤاده زبر الحديد لقد عزت معانيه وجلت ... عن الأبصار إلا للشهيد يرى الأعياد في الأوقات تجري ... له في كل يوم ألف عيد

Section V04/P335–V04/P337

وللأحباب أفراح بعيد ... ولا يجد السرور له بعيد وقد كان الجنيد رحمه الله ينشد أبياتا يشير بها إلى أسرار أحوال العارفين وإن كان ذلك لا يجوز إظهاره وهي هذه الأبيات سرت بأناس في الغيوب قلوبهم ... فحلوا بقرب الماجد المتفضل عراضا بقرب الله في ظل قدسه ... تجول به أرواحهم وتنقل مواردهم فيها على العز والنهي ... ومصدرهم عنها لما هو أكمل تروح بعز مفرد من صفاته ... وفي حلل التوحيد تمشي وترفل ومن بعد هذا ما تدق صفاته ... وما كتمه أولى لديه وأعدل سأكتم من علمي به ما يصونه ... وأبذل منه ما أرى الحق يبذل وأعطي عباد الله منه حقوقهم ... وأمنع منه ما أرى المنع يفضل على أن للرحمن سرا يصونه ... إلى أهله في السر والصون أجمل وأمثال هذه المعارف التي إليها الإشارة لا يجوز أن يشترك الناس فيها ولا يجوز أن يظهرها من انكشف له شيء من ذلك لمن لم ينكشف له بل لو اشترك الناس فيها لخربت الدنيا فالحكمة تقتضي شمول الغفلة لعمارة الدنيا بل لو أكل الناس كلهم الحلال أربعين يوما لخربت الدنيا لزهدهم فيها وبطلت الأسواق والمعايش بل لو أكل العلماء الحلال لاشتغلوا بأنفسهم ولوقفت الألسنة والأقلام عن كثير مما انتشر من العلوم ولكن لله تعالى فيما هو شر في الظاهر أسرار وحكم كما أن له في الخير أسرارا وحكما ولا منتهى لحكمته كما لا غاية لقدرته ومنها كتمان الحب واجتناب الدعوى والتوقى من إظهار الوجد والمحبة تعظيما للمحبوب وإجلالا له وهيبة منه وغيرة على سره فإن الحب سر من أسرار الحبيب ولأنه قد يدخل في الدعوى ما يتجاوز حد المعنى ويزيد عليه فيكون ذلك من الافتراء وتعظم العقوبة عليه في العقبى وتتعجل عليه البلوى في الدنيا نعم قد يكون للمحب سكرة في حبه حتى يدهش فيه وتضطرب أحواله فيظهر عليه حبه فإن وقع ذلك عن غير تمحل أو اكتساب فهو معذور لأنه مقهور وربما تشتعل من الحب نيرانه فلا يطاق سلطانه وقد يفيض القلب به فلا يندفع فيضانه فالقادر على الكتمان يقول وقالوا قريب قلت ما أنا صانع ... بقرب شعاع الشمس لو كان في حجري فمالي منه غير ذكر بخاطر ... يهيج نار الحب والشوق في صدري والعاجز عنه يقول يخفى فيبدي الدمع أسراره ... ويظهر الوجد عليه النفس ويقول أيضا ومن قلبه مع غيره كيف حاله ... ومن سره في جفنه كيف يكتم وقد قال بعض العارفين أكثر الناس من الله بعدا أكثرهم إشارة به كأنه أراد من يكثر التعريض به في كل شيء ويظهر التصنع بذكره عند كل أحد فهو ممقوت عند المحبين والعلماء بالله عز وجل ودخل ذو النون المصري على بعض إخوانه ممن كان يذكر المحبة فرآه مبتلى ببلاء فقال لا يحبه من وجد ألم ضره فقال الرجل لكني أقول لا يحبه من لم يتنعم بضره فقال ذو النون ولكنى أقول لا يحبه من شهر نفسه بحبه فقال الرجل أستغفر الله وأتوب إليه فإن قلت المحبة منتهى المقامات وإظهارها إظهار للخير فلماذا يستنكر فاعلم أن المحبة محمودة وظهورها محمود أيضا وإنما المذموم التظاهر بها لما يدخل فيها من الدعوى والاستكبار وحق المحب أن ينم على حبه الخفي أفعاله وأحواله دون أقواله وأفعاله وينبغي أن يظهر حبه من غير قصد منه إلى إظهار الحب ولا إلى إظهار الفعل الدال على الحب بل ينبغي أن يكون قصد المحب إطلاع الحبيب فقط فأما إرادته إطلاع غيره فشرك في الحب وقادح فيه كما ورد في الإنجيل إذا تصدقت فتصدق بحيث لا تعلم شمالك ما صنعت يمينك فالذي يرى الخفيات يجزيك علانية وإذا صمت فاغسل وجهك وادهن رأسك لئلا يعلم بذلك غير ربك فإظهار القول والفعل كله مذموم إلا إذا غلب سكر الحب فانطلق اللسان واضطربت الأعضاء فلا يلام فيه صاحبه

Section V04/P337–V04/P338

حكي أن رجلا رأى من بعض المجانين ما استجهله فيه فأخبر بذلك معروفا الكرخي رحمه الله فتبسم ثم قال يا أخي له محبون صغار وكبار وعقلاء ومجانين فهذا الذي رأيته من مجانينهم ومما يكره التظاهر بالحب بسبب أن المحب إن كان عارفا وعرف أحوال الملائكة في حبهم الدائم وشوقهم اللازم الذي به يسبحون الليل والنهار لا يفترون ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون لاستنكف من نفسه ومن إظهار حبه وعلم قطعا أنه من أخس المحبين في مملكته وأن حبه أنقص من حب كل محب لله قال بعض الكاشفين من المحبين عبدت الله تعالى ثلاثين سنة بأعمال القلوب والجوارح على بذل المجهود واستفراغ الطاقة حتى ظننت أن لي عند الله شيئا فذكر أشياء من مكاشفات آيات السموات في قصة طويلة قال في آخرها فبلغت صفا من الملائكة بعدد جميع ما خلق الله من شيء فقلت من أنتم فقالوا نحن المحبون لله عز وجل نعبده ههنا منذ ثلثمائة ألف سنة ما خطر على قلوبنا قط سواه ولا ذكرنا غيره قال فاستحييت من أعمالي فوهبتها لمن حق عليه الوعيد تخفيفا عنه في جهنم فإذن من عرف نفسه وعرف ربه واستحيا منه حق الحياء خرس لسانه عن التظاهر بالدعوى نعم يشهد على حبه حركاته وسكناته وإقدامه وإحجامه وتردداته كما حكي عن الجنيد أنه قال مرض أستاذنا السري رحمه الله فلم نعرف لعلته دواء ولا عرفنا لها سببا فوصف لنا طبيب حاذق فأخذ قارورة مائه فنظر إليها الطبيب وجعل ينظر إليه مليا ثم قال لي أراه بول عاشق قال الجنيد فصعقت وغشي علي ووقعت القارورة من يدي ثم رجعت إلى السري فأخبرته فتبسم قال قاتله الله ما أبصره قلت يا أستاذ وتبين المحبة في البول قال نعم وقد قال السري مرة لو شئت أقول ما أيبس جلدي على عظمي ولا سل جسمي إلا حبه ثم غشي عليه وتدل الغشية على أنه أفصح في غلبة الوجد ومقدمات الغشية فهذه مجامع علامات الحب وثمراته ومنها الأنس والرضا كما سيأتي وبالجملة جميع محاسن الدين ومكارم الأخلاق ثمرة الحب وما لا يثمره الحب فهو إتباع الهوى وهو من رذائل الأخلاق نعم قد يحب الله لإحسانه إليه وقد يحبه لجلاله وجماله وإن لم يحسن إليه والمحبون لا يخرجون عن هذين القسمين ولذلك قال الجنيد الناس في محبة الله تعالى عام وخاص فالعوام نالوا ذلك بمعرفتهم في دوام إحسانه وكثرة نعمه فلم يتمالكوا أن أرضوه إلا أنهم تقل محبتهم وتكثر على قدر النعم والإحسان فأما الخاصة فنالوا المحبة بعظم القدر والقدرة والعلم والحكمة والتفرد بالملك ولما عرفوا صفاته الكاملة وأسماءه الحسنى لم يمتنعوا أن أحبوه إذ استحق عندهم المحبة بذلك لأنه أهل لها ولو أزال عنهم جميع النعم نعم من الناس من يحب هواه وعدو الله إبليس وهو مع ذلك يلبس على نفسه بحكم الغرور والجهل فيظن أنه محب لله عز وجل وهو الذي فقدت فيه هذه العلامات أو يلبس بها نفاقا ورياء وسمعة وغرضه عاجل حظ الدنيا وهو يظهر من نفسه خلاف ذلك كعلماء السوء وقراء السوء أولئك بغضاء الله في أرضه وكان سهل إذا تكلم مع إنسان قال يا دوست أي يا حبيب فقيل له قد لا يكون حبيبا فكيف تقول هذا فقال في أذن القائل سرا لا يخلو إما أن يكون مؤمنا أو منافقا فإن كان مؤمنا فهو حبيب الله عز وجل وإن كان منافقا فهو حبيب إبليس وقد قال أبو تراب النخشبى في علامات المحبة أبياتا لا تخدعن فللحبيب دلائل ... ولديه من تحف الحبيب وسائل منها تنعمه بمر بلائه ... وسروره في كل ما هو فاعل فالمنع منه عطية مقبولة ... والفقر إكرام وبر عاجل ومن الدلائل أي ترى من عزمه ... طوع الحبيب وإن ألح العاذل ومن الدلائل أن يرى متبسما ... والقلب فيه من الحبيب بلابل ومن الدلائل أن يرى متفهما ... لكلام من يحظى لديه السائل ومن الدلائل أن يرى متقشفا ... متحفظا من كل ما هو قائل

Section V04/P338–V04/P339

وقال يحيى بن معاذ ومن الدلائل أن تراه مشمرا ... في خرقتين على شطوط الساحل ومن الدلائل حزنه ونحيبه ... جوف الظلام فما له من عاذل ومن الدلائل أن تراه مسافرا ... نحو الجهاد وكل فعل فاضل ومن الدلائل زهده فيما يرى ... من دار ذل والنعيم الزائل ومن الدلائل أن تراه باكيا ... أن قد رآه على قبيح فعائل ومن االدلائل أن تراه مسلما ... كل الأمور إلى المليك العادل ومن الدلائل أن تراه راضيا ... بمليكه في كل حكم نازل ومن الدلائل ضحكه بين الورى ... والقلب محزون كقلب الثاكل بيان معنى الأنس بالله تعالى قد ذكرنا أن الأنس والخوف والشوق من آثار المحبة إلا أن هذه آثار تختلف على المحب بحسب نظره وما يغلب عليه في وقته فإذا غلب عليه التطلع من وراء حجب الغيب إلا منتهى الجمال واستشعر قصوره عن الإطلاع على كنه الجلال انبعث القلب إلى الطلب وانزعج له وهاج إليه وتسمى هذه الحالة في الانزعاج شوقا وهو بالإضافة إلى أمر غائب وإذا غلب عليه الفرح بالقرب ومشاهدة الحضور بما هو حاصل من الكشف وكان نظره مقصورا على مطالعة الجمال الحاضر المكشوف غير ملتفت إلى ما لم يدركه بعد استبشر القلب بما يلاحظه فيسمى استبشاره أنسا وإن كان نظره إلى صفات العز والاستغناء وعدم المبالاة وخطر إمكان الزوال والبعد تألم القلب بهذا الاستشعار فيسمى تألمه خوفا وهذه الأحوال تابعة لهذه الملاحظات والملاحظات تابعة لأسباب تقتضيها لا يمكن حصرها فالأنس معناه استبشار القلب فرحه بمطالعة الجمال حتى إنه إذا غلب وتجرد عن ملاحظة ما غاب عنه وما يتطرق إليه من خطر الزوال عظم نعيمه ولذته ومن هنا نظر بعضهم حيث قيل له أنت مشتاق فقال لا إنما الشوق إلى غائب فإذا كان الغائب حاضرا فإلى من يشتاق وهذا كلام مستغرق بالفرح بما ناله غير ملتفت إلى ما بقي في الإمكان من مزايا الألطاف ومن غلب عليه حال الأنس لم تكن شهوته إلا في الانفراد والخلوة كما حكي أن إبراهيم بن أدهم نزل من الجبل فقيل له من أين أقبلت فقال من الأنس بالله وذلك لأن الأنس بالله يلازمه التوحش من غير الله بل كل ما يعوق عن الخلوة فيكون من أثقل الأشياء على القلب كما روي أن موسى عليه السلام لما كلمه ربه مكث دهرا لا يسمع كلام أحد من الناس إلا أخذه الغثيان لأن الحب يوجب عذوبة كلام المحبوب وعذوبة ذكره فيخرج من القلب عذوبة ما سواه ولذلك قال بعض الحكماء في دعائه يا من آنسني بذكره وأوحشني من خلقه وقال الله عز وجل لداود عليه السلام كن لي مشتاقا وبي متأنسا ومن سواي مستوحشا وقيل لرابعة بم نلت هذه المنزلة قالت بتركي ما لا يعنيني وأنسي بمن لم يزل وقال عبد الواحد بن زيد مررت براهب فقلت له يا راهب لقد أعجبتك الوحدة فقال يا هذا لو ذقت حلاوة الوحدة لاستوحشت إليها من نفسك الوحدة رأس العبادة فقلت يا راهب ما أقل ما تجده في الوحدة قال الراحة من مداراة الناس والسلامة من شرهم قلت يا راهب متى يذوق العبد حلاوة الأنس بالله تعالى قال إذا صفا الود وخلصت المعاملة قلت ومتى يصفو الود قال إذا اجتمع الهم فصار هما واحد في الطاعة وقال بعض الحكماء عجبا للخلائق كيف أرادوا بك بدلا عجبا للقلوب كيف استأنست بسواك عنك فإن قلت فما علامة الأنس فاعلم أن علامته الخاصة ضيق الصدر من معاشرة الخلق والتبرم بهم واستهتاره بعذوبة الذكر فإن خالط فهو كمنفرد في جماعة ومجتمع في خلوة وغريب في حضر وحاضر في سفر وشاهد في غيبة وغائب في حضور مخالط بالبدن منفرد بالقلب مستغرق بعذوبة الذكر كما قال علي كرم الله وجهه في وصفهم هم قوم هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فباشروا روح اليقين واستلانوا ما استوعر المترفون وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه

Section V04/P339–V04/P340

فهذا معنى الأنس بالله وهذه علامته وهذه شواهده وقد ذهب بعض المتكلمين إلى إنكار الأنس والشوق والحب لظنه أن ذلك يدل على التشبيه وجهله بأن جمال المدركات بالبصائر أكمل من جمال المبصرات ولذة معرفتها أغلب على ذوي القلوب ومنهم أحمد بن غالب يعرف بغلام الخليل أنكر على الجنيد وعلى أبي الحسن النوري والجماعة حديث الحب والشوق والعشق حتى أنكر بعضهم مقام الرضا وقال ليس إلا الصبر فأما الرضا فغير متصور وهذا كله كلام ناقص قاصر لم يطلع من مقامات الدين إلا على القشور فظن أنه لا وجود إلا للقشر فإن المحسوسات وكل ما يدخل في الخيال من طريق الدين قشر مجرد ووراءه اللب المطلوب فمن لم يصل من الجوز إلا إلى قشره يظن أن الجوز خشب كله ويستحيل عنده خروج الدهن منه لا محالة وهو معذور ولكن عذره غير مقبول وقد قيل الأنس بالله لا يحويه بطال ... وليس يدركه بالحول محتال والآنسون رجال كلهم نجب ... وكلهم صفوة لله عمال بيان معنى الانبساط والإدلال الذي تثمره غلبة الأنس اعلم أن الأنس إذا دام وغلب واستحكم ولم يشوشه قلق الشوق ولم ينغصه خوف التغير والحجاب فإنه يثمر نوعا من الانبساط في الأقوال والأفعال والمناجاة مع الله تعالى وقد يكون منكر الصورة لما فيه من الجراءة وقلة الهيبة ولكنه محتمل ممن أقيم في مقام الأنس ومن لم يقم في ذلك المقام ويتشبه بهم في الفعل والكلام هلك به وأشرف على الكفر ومثاله مناجاة برخ الأسود الذي أمر الله تعالى كليمه موسى عليه السلام أن يسأله ليستسقي لبني إسرائيل بعد أن قحطوا سبع سنين وخرج موسى عليه السلام ليستسقي لهم في سبعين ألفا فأوحى الله عز وجل إليه كيف أستجيب لهم وقد أظلمت عليهم ذنوبهم سرائرهم خبيثة يدعونني على غير يقين ويأمنون مكري ارجع إلى عبد من عبادي يقال له برخ فقل له يخرج حتى أستجيب له فسأل عنه موسى عليه السلام فلم يعرف فبينما موسى ذات يوم يمشي في طريق إذا بعبد أسود قد استقبله بين عينيه تراب من أثر السجود في شملة قد عقدها على عنقه فعرفه موسى عليه السلام بنور الله عز وجل فسلم عليه وقال له ما اسمك فقال اسمي برخ قال فأنت طلبتنا منذ حين أخرج فاستسق لنا فخرج فقال في كلامه ما هذا من فعالك ولا هذا من حلمك وما الذى بدالك أنقصت عليك عيونك أم عاندت الرياح عن طاعتك أم نفد ما عندك أم اشتد غضبك على المذنبين ألست كنت غفارا قبل خلق الخطائين خلقت الرحمة وأمرت بالعطف أم ترينا أنك ممتنع أم تخشى الفوت فتجعل بالعقوبة قال فما برح حتى اخضلت بنو إسرائيل بالقطر وأنبت الله تعالى العشب في نصف يوم حتى بلغ الركب قال فرجع برخ فاستقبله موسى عليه السلام فقال كيف رأيت حين خاصمت ربى كيف أنصفني فهم موسى عليه السلام به فأوحى الله تعالى إليه إن برخا يضحكني كل يوم ثلاث مرات وعن الحسن قال احترقت أخصاص بالبصرة فبقي في وسطها خص لم يحترق وأبو موسى يومئذ أمير البصرة فأخبر بذلك فبعث إلى صاحب الخص قال فأتي بشيخ فقال يا شيخ ما بال خصك لم يحترق قال إني أقسمت على ربي عز وجل أن لا يحرقه فقال أبو موسى رضي الله عنه إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يكون في أمتي قوم شعثة رءوسهم دنسة ثيابهم لو أقسموا على الله لأبرهم قال ووقع حريق بالبصرة فجاء أبو عبيدة الخواص فجعل يتخطى النار فقال له أمير البصرة انظر لا تحترق بالنار فقال إني أقسمت على ربي عز وجل أن لا يحرقني بالنار قال فاعزم على النار أن تطفأ قال فعزم عليها فطفئت وكان أبو حفص يمشي ذات يوم فاستقبله رستاقي مدهوش فقال له أبو حفص ما أصابك فقال ضل حماري ولا أملك غيره قال فوقف أبو حفص وقال وعزتك لا أخطو خطوة ما لم ترد عليه حماره قال فظهر حماره في الوقت ومر أبو حفص رحمه الله

Section V04/P340–V04/P341

فهذا وأمثاله يجري لذوي الأنس وليس لغيرهم أن يتشبه بهم قال الجنيد رحمه الله أهل الأنس يقولون في كلامهم ومناجاتهم في خلواتهم أشياء هي كفر عند العامة وقال مرة لو سمعها العموم لكفروهم وهم يجدون المزيد في أحوالهم بذلك وذلك يحتمل منهم ويليق بهم وإليه أشار القائل قوم تخالجهم زهو بسيدهم ... والعبد يزهو على مقدار مولاه تاهوا برؤيته عما سواه له ... يا حسن رؤيتهم في عز ما تاهوا ولا تستبعدون رضاه عن العبد بما يغضب به على غيره مهما اختلف مقامهما ففي القرآن تنبيهات على هذه المعاني لو فطنت وفهمت فجميع قصص القرآن تنبيهات لأولي البصائر والأبصار حتى ينظروا إليها بعين الاعتبار فإنما هي عند ذوي الاعتبار من الأسماء فأول القصص قصة آدم عليه السلام وإبليس أما تراهما كيف اشتركا في اسم المعصية والمخالفة ثم تباينا في الاجتباء والعصمة أما إبليس فأبلس عن رحمته وقيل إنه من المبعدين وأما آدم عليه السلام فقيل فيه وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى وقد عاتب الله نبيه صلى الله عليه وسلم في الإعراض عن عبد والإقبال على عبد وهما في العبودية سيان ولكن في الحال مختلفان فقال وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى وقال فى الآخرة أما من استغنى فأنت له تصدى وكذلك أمره بالقعود مع طائفة فقال عز وجل وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم وأمره بالإعراض عن غيرهم فقال وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى قال فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمبن وقال تعالى واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي فكذلك الانبساط والإدلال يحتمل من بعض العباد دون بعض فمن انبساط الأنس قول موسى عليه السلام إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء وقوله في التعليل والاعتذار لما قيل له اذهب إلى فرعون {فقال} ولهم على ذنب وقوله إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لساني وقوله إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى وهذا من غير موسى عليه السلام من سوء الأدب لأن الذي أقيم مقام الأنس يلاطف ويحتمل ولم يحتمل ليونس عليه السلام ما دون هذا لما أقيم مقام القبض والهيبة فعوقب بالسجن في بطن الحوت في ظلمات ثلاث ونودي عليه إلى يوم القيامة لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم قال الحسن العراء هو القيامة ونهى نبينا صلى الله عليه وسلم أن يقتدى به وقيل له فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم وهذه الاختلافات بعضها لاختلاف الأحوال والمقامات وبعضها لما سبق في الأزل من التفاضل والتفاوت في القسمة بين العباد وقد قال تعالى ولقد فضلنا بعض النبين على بعض وقد قال منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات فكان عيسى عليه السلام من المفضلين ولإدلاله سلم على نفسه فقال والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا وهذا انبساط منه لما شاهد من اللطف في مقام الأنس وأما يحيى بن زكريا عليه السلام فإنه أقيم مقام الهيبة والحياء فلم ينطق حتى أثنى عليه خالقه فقال وسلام عليه وانظر كيف احتمل لأخوة يوسف ما فعلوه بيوسف وقد قال بعض العلماء قد عددت من أول قوله تعالى إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا إلى رأس العشرين من إخباره تعالى عن زهدهم فيه نيفا وأربعين خطيئة بعضها أكبر من بعض وقد يجتمع في الكلمة الواحدة الثلاث والأربع فغفر لهم وعفا عنهم ولم يحتمل العزير في مسألة واحدة سأل عنها في القدر حتى قيل محي من ديوان النبوة وكذلك كان بلعام بن باعوراء من أكابر العلماء فأكل الدنيا بالدين فلم يحتمل له ذلك وكان آصف من المسرفين وكانت معصيته في الجوارح فعفا عنه

Section V04/P341–V04/P343

فقد روي أن الله تعالى أوحى إلى سليمان عليه السلام يا رأس العابدين ويا ابن محجة الزاهدين إلى كم يعصيني ابن خالتك آصف وأنا أحلم عليه مرة بعد مرة فوعزتى وجلالي لئن أخذته عصفة من عصفاتي عليه لأتركنه مثلة لمن معه ونكالا لمن بعده فلما دخل آصف على سليمان عليه السلام أخبره بما أوحى الله تعالى إليه فخرج حتى علا كثيبا من رمل ثم رفع رأسه ويديه نحو السماء وقال إلهي وسيدي أنت أنت وأنا وأنا فكيف أتوب إن لم تتب علي وكيف أستعصم إن لم تعصمني لأعودن فأوحى الله تعالى إليه صدقت يا آصف أنت أنت وأنا وأنا أستقبل التوبة وقد تبت عليك وأنا التواب الرحيم وهذا كلام مدل به عليه وهارب منه إليه وناظر به إليه وفي الخبر إن الله تعالى أوحى إلى عبد تداركه بعد أن كان أشفى على الهلكة كم من ذنب واجهتني به غفرته لك قد أهلكت في دونه أمة من الأمم فهذه سنة الله تعالى في عباده بالتفضيل والتقديم والتأخير على ما سبقت به المشيئة الأزلية وهذه القصص وردت في القرآن لتعرف بها سنة الله في عباده الذين خلوا من قبل فما في القرآن شيء إلا وهو هدى ونور وتعرف من الله تعالى إلى خلقه فتارة يتعرف إليهم بالتقديس فيقول قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد وتارة يتعرف إليهم بصفات جلاله فيقول الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر وتارة يتعرف إليهم في أفعاله المخوفة والمرجوة فيتلو عليهم سنته في أعدائه وفي أنبيائه فيقول ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ولايعدو القرآن هذه الأقسام الثلاثة وهي الإرشاد إلى معرفة ذات الله وتقديسه أو معرفة صفاته وأسمائه أو معرفة أفعاله وسنته مع عباده ولما اشتملت سورة الإخلاص على أحد هذه الأقسام الثلاثة وهو التقديس وازنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلث القرآن فقال من قرأ سورة الإخلاص فقد قرأ ثلث القرآن حديث دعائه لابن عباس اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل متفق عليه دون قوله وعلمه التأويل ورواه أحمد بهذه الزيادة وتقدم في العلم القول في معنى الرضا بقضاء الله تعالى وحقيقته وما ورد في فضيلته اعلم أن الرضا ثمرة من ثمار المحبة وهو من أعلى مقامات المقربين وحقيقته غامضة على الأكثرين وما يدخل عليه من التشابه والإبهام غير منكشف إلا لمن علمه الله تعالى التأويل وفهمه وفقهه في الدين فقد أنكر منكرون تصور الرضا بما يخالف الهوى ثم قالوا إن أمكن الرضا بكل شيء لأنه فعل الله فينبغى أن يرضى بالكفر والمعاصى وانخدع بذلك قوم فرأوا الرضا بالفجور والفسوق وترك الاعتراض والإنكار من باب التسليم لقضاء الله تعالى ولو انكشفت هذه الأسرار لمن اقتصر على سماع ظواهر الشرع لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس حيث قال اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل فلنبدأ ببيان فضيلة الرضا ثم بحكايات أحوال الراضين ثم نذكر حقيقة الرضا وكيفية تصوره فيما يخالف الهوى ثم نذكر ما يظن أنه من تمام الرضا وليس منه كترك الدعاء والسكوت على المعاصي بيان فضيلة الرضا أما من الآيات فقوله تعالى {رضي الله عنهم ورضوا عنه} وقد قال تعالى {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} ومنتهى الإحسان رضا الله عن عبده وهو ثواب رضا العبد عن الله تعالى وقال تعالى {ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر} فقد رفع الله الرضا فوق جنات عدن كما رفع ذكره فوق الصلاة حيث قال {إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر} فكما أن مشاهدة المذكور في الصلاة أكبر من الصلاة فرضوان رب الجنة أعلى من الجنة بل هو غاية مطلب سكان الجنان وفي الحديث إن الله تعالى يتجلى للمؤمنين فيقول سلوني فيقولون رضاك فسؤالهم الرضا بعد النظر نهاية التفضيل

Section V04/P343–V04/P345

وأما رضا العبد فسنذكر حقيقته وأما رضوان الله تعالى عن العبد فهو بمعنى آخر يقرب مما ذكرناه في حب الله للعبد ولا يجوز أن يكشف عن حقيقته إذ تقصر أفهام الخلق عن دركه ومن يقوى عليه فيستقل بإدراكه من نفسه وعلى الجملة فلا رتبة فوق النظر إليه فإنما سألوه الرضا لأنه سبب دوام النظر فكأنهم رأوه غاية الغايات وأقصى الأماني لما ظفروا بنعيم النظر فلما أمروا بالسؤال لم يسألوا إلا دوامه وعلموا أن الرضا هو سبب دوام رفع الحجاب وقال الله تعالى {ولدينا مزيد} قال بعض المفسرين يأتي أهل الجنة في وقت المزيد ثلاث تحف من عند رب العالمين أحداها هدية من عند الله تعالى ليس عندهم في الجنان مثلها فذلك قوله تعالى فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة عين والثانية السلام عليهم من ربهم فيزيد ذلك على الهدية فضلا وهو قوله تعالى {سلام قولا من رب رحيم} والثالثة يقول الله تعالى إني عنكم راض فيكون ذلك أفضل من الهدية والتسليم فذلك قوله تعالى {ورضوان من الله أكبر} أي من النعيم الذي هم فيه فهذا فضل رضا الله تعالى وهو ثمرة رضا العبد وأما من الأخبار فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل طائفة من أصحابه ما أنتم فقالوا مؤمنون فقال ما علامة إيمانكم فقالوا نصبر على البلاء ونشكر عند الرخاء ونرضى بمواقع القضاء فقال مؤمنون ورب الكعبة وفي خبر آخر أنه قال حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء وفي الخبر طوبى لمن هدي للإسلام وكان رزقه كفافا ورضي به وقال صلى الله عليه وسلم من رضي من الله تعالى بالقليل من الرزق رضي الله تعالى منه بالقليل من العمل وقال أيضا إذا أحب الله تعالى عبدا ابتلاه فإن صبر اجتباه فإن رضي اصطفاه وقال أيضا إذا كان يوم القيامة أنبت الله تعالى لطائفة من أمتي أجنحة فيطيرون من قبورهم إلى الجنان يسرحون فيها ويتنعمون فيها كيف شاءوا فتقول لهم الملائكة هل رأيتم الحساب فيقولون ما رأينا حسابا فتقول لهم هل جزتم الصراط فيقولون ما رأينا صراطا فتقول لهم هل رأيتم جهنم فيقولون ما رأينا شيئا فتقول الملائكة من أمة من أنتم فيقولون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فتقول ناشدناكم الله حدثونا ما كانت أعمالكم في الدنيا فيقولون خصلتان كانتا فينا فبلغنا هذه المنزلة بفضل رحمة الله فيقولون وماهما فيقولون كنا إذا خلونا نستحي أن نعصيه ونرضى باليسير مما قسم لنا فتقول الملائكة يحق لكم هذا وقال صلى الله عليه وسلم يا معشر الفقراء أعطوا الله الرضا من قلوبكم تظفروا بثواب فقركم وإلا فلا وفي أخبار موسى عليه السلام إن بني إسرائيل قالوا له سل لنا ربك أمرا إذا نحن فعلناه يرضى به عنا فقال موسى عليه السلام إلهي قد سمعت ما قالوا فقال يا موسى قل لهم يرضون عنى حتى أرضى عنهم ويشهد لهذا ما روي عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال من أحب أن يعلم ماله عند الله عز وجل فلينظر ما لله عز وجل عنده فإن الله تبارك وتعالى ينزل العبد منه حيث أنزله العبد من نفسه حديث قال الله أنا الله لا إله إلا أنا من لم يصبر على بلائي الحديث أخرجه الطبرانى في الكبير وابن حبان في الضعفاء من حديث أبى هند الدارى مقتصرا على قوله من لم يرض بقضائى ويصبر على بلائى فليلتمس ربا سواى وإسناده ضعيف وفي الخبر المشهور يقول الله تعالى خلقت الخير والشر فطوبى لمن خلقته للخير وأجريت الخير على يديه وويل لمن خلقته للشر وأجريت الشر على يديه وويل ثم ويل لمن قال لم وكيف وفي الأخبار السالفة أن نبيا من الأنبياء شكا إلى الله عز وجل الجوع والفقر والقمل عشر سنين فما أجيب إلى ما أراد ثم أوحى الله تعالى إليه كم تشكو هكذا كان بدؤك عندي في أم الكتاب قبل أن أخلق السموات

Section V04/P345–V04/P346

والأرض وهكذا سبق لك مني وهكذا قضيت عليك قبل أن أخلق الدنيا أفتريد أن أعيد خلق الدنيا من أجلك أم تريد أن أبدل ما قدرته عليك فيكون ما تحب فوق ما أحب ويكون ما تريد فوق ما أريد وعزتي وجلالي لئن تلجلج هذا في صدرك مرة أخرى لأمحونك من ديوان النبوة وروي أن آدم عليه السلام كان بعض أولاده الصغار يصعدون على بدنه وينزلون يجعل أحدهم رجله على أضلاعه كهيئة الدرج فيصعد إلى رأسه من ينزل على أضلاعه كذلك وهو مطرق إلى الأرض لا ينطق ولا يرفع رأسه فقال له بعض ولده يا أبت أما ترى ما يصنع هذا بك لو نهيته عن هذا فقال يا بني إني رأيت ما لم تروا وعلمت ما لم تعلموا إني تحركت حركة واحدة فأهبطت من دار الكرامة إلى دار الهوان ومن دار النعيم إلى دار الشقاء فأخاف أن أتحرك أخرى فيصيبنى مالا أعلم وقال أنس بن مالك رضي الله عنه خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي لشيء فعلته لم فعلته ولا لشيء لم أفعله لم لا فعلته ولا قال في شيء كان ليته لم يكن ولا في شيء لم يكن ليته كان وكان إذا خاصمني مخاصم من أهله يقول دعوه لو قضي شيء لكان ويروى أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام يا داود إنك تريد وأريد وإنما يكون ما أريد فإن سلمت لما أريد كفيتك ما تريد وإن لم تسلم لما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد وأما الآثار فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما أول من يدعى إلى الجنة يوم القيامة الذين يحمدون الله تعالى على كل حال وقال عمر بن عبد العزيز ما بقي لي سرور إلا في مواقع القدر وقيل له ما تشتهي فقال ما يقضي الله وقال ميمون بن مهران من لم يرض بالقضاء فليس لحمقه دواء وقال الفضيل إن لم تصبر على تقدير الله لم تصبر على تقدير نفسك وقال عبد العزيز بن أبي رواد ليس الشأن في أكل خبز الشعير والخل ولا في لبس الصوف والشعر ولكن الشأن في الرضا عن الله عز وجل وقال عبد الله بن مسعود لأن الحس جمرة أحرقت ما أحرقت وأبقت ما أبقت أحب إلي من أن أقول لشئ كان ليته لم يكن أو لشيء لم يكن ليته كان ونظر رجل إلى قرحة في رجل محمد بن واسع فقال إني لأرحمك من هذه القرحة فقال إني لأشكرها منذ خرجت إذ لم تخرج في عيني وروي في الإسرائيليات أن عابدا عبد الله دهرا طويلا فأري في المنام فلانة الراعية رفيقتك في الجنة فسأل عنها إلى أن وجدها فاستضافها ثلاثا لينظر إلى عملها فكان يبيت قائما وتبيت نائمة ويظل صائما وتظل مفطرة فقال أما لك عمل غير ما رأيت فقالت ماهو والله إلا ما رأيت لا أعرف غيره فلم يزل يقول تذكري حتى قالت خصيلة واحدة هي في إن كنت في شدة لم أتمن أن أكون في رخاء وإن كنت في مرض لم أتمن أن أكون في صحة وإن كنت في الشمس لم أتمن أن أكون في الظل فوضع العابد يده على رأسه وقال أهذه خصيلة هذه والله خصلة عظيمة يعجز عنها العباد وعن بعض السلف أن الله تعالى إذا قضى في السماء قضاء أحب من أهل الأرض أن يرضوا بقضائه وقال أبو الدرداء ذروة الإيمان الصبر للحكم والرضا بالقدر وقال عمر رضي الله عنه ما أبالي على أي حال أصبحت وأمسيت من شدة أو رخاء وقال الثوري يوما عند رابعة اللهم ارض عني فقالت أما تستحي من الله أن تسأله الرضا وأنت عنه غير راض فقال أستغفر الله فقال جعفر بن سليمان الضبعي فمتى يكون العبد راضيا عن الله تعالى قالت إذا كان سروره بالمصيبة مثل سروره بالنعمة

Questions