Qur'an&Sunnah

Gazâlî — İhyâü Ulûmi'd-Dîn

Section V04/P368–V04/P369

غيره أو يطعم فقيرا من مال غيره أو يبني مدرسة أو مسجدا أو رباطا بمال حرام وقصده الخير فهذا كله جهل والنية لا تؤثر في إخراجه عن كونه ظلما وعدوانا ومعصية بل قصده الخير بالشر على خلاف مقتضى الشرع شر آخر فإن عرفه فهو معاند للشرع وإن جهله فهو عاص بجهله إذ طلب العلم فريضة على كل مسلم والخيرات إنما يعرف كونها خيرات للشرع فكيف يمكن أن يكون الشر خير هيهات بل المروج لذلك على القلب خفي الشهوة وباطن الهوى فإن القلب إذا كان مائلا إلى طلب الجاه واستمالة قلوب الناس وسائر حظوظ النفس توسل الشيطان به إلى التلبيس على الجاهل ولذلك قال سهل رحمه الله تعالى ما عصي الله تعالى بمعصية أعظم من الجهل قيل يا أبا محمد هل تعرف شيئا أشد من الجهل قال نعم الجهل بالجهل وهو كما قال لأن الجهل بالجهل يسد بالكلية باب التعلم فمن يظن بالكلية بنفسه أنه عالم فكيف يتعلم وكذلك أفضل ما أطيع الله تعالى به العلم ورأس العلم العلم بالعلم كما أن رأس الجهل الجهل بالجهل فإن من لا يعلم العلم النافع من العلم الضار اشتغل بما أكب الناس عليه من العلوم المزخرفة التي هي وسائلهم إلى الدنيا وذلك هو مادة الجهل ومنبع فساد العالم والمقصود أن من قصد الخير بمعصية عن جهل فهو غير معذور إلا إذا كان قريب العهد بالإسلام ولم يجد بعد مهلة للتعلم وقد قال الله سبحانه فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يعذر الجاهل على الجهل ولا يحل للجاهل أن يسكت على جهله ولا للعالم أن يسكت على علمه ويقرب من تقرب السلاطين ببناء المساجد والمدارس بالمال الحرام تقرب العلماء السوء بتعليم العلم للسفهاء والأشرار المشغولين بالفسق والفجور القاصرين هممهم على مماراة العلماء ومباراة السفهاء واستمالة وجوه الناس وجمع حطام الدنيا وأخذ أموال السلاطين واليتامى والمساكين فإن هؤلاء إذا تعلموا كانوا قطاع طريق الله تعالى وانتهض كل واحد منهم في بلدته نائبا عن الدجال يتكالب على الدنيا ويتبع الهوى ويتباعد عن التقوى ويستجرى الناس بسبب مشاهدته على معاصي الله تعالى ثم قد ينتشر ذلك العلم إلى مثله وأمثاله ويتخذونه أيضا آلة ووسيلة في الشر وإتباع الهوى ويتسلسل ذلك ووبال جميعه يرجع إلى المعلم الذي علمه العلم مع علمه بفساد نيته وقصده ومشاهدته أنواع المعاصي من أقواله وأفعاله وفي مطعمه وملبسه ومسكنه فيموت هذا العالم وتبقى آثار شره منتشرة في العالم ألف سنة مثلا وألفي سنة وطوبى لمن إذا مات ماتت معه ذنوبه ثم العجب من جهله حيث يقول إنما الأعمال بالنيات وقد قصدت بذلك نشر علم الدين فإن استعمله هو في الفساد فالمعصية منه لا مني وما قصدت به إلا أن يستعين به على الخير وإنما حب الرياسة والاستتباع والتفاخر بعلو العلم يحسن ذلك في قلبه والشيطان بواسطة حب الرياسة يلبس عليه وليت شعري ما جوابه عمن وهب سيفا من قاطع طريق وأعد له خيلا وأسبابا يستعين بها على مقصوده ويقول إنما أردت البذل والسخاء والتخلق بأخلاق الله الجميلة وقصدت به أن يغزو بهذا السيف والفرس في سبيل الله تعالى فإن إعداد الخيل والرباط والقوة للغزاة من أفضل القربات فإن هو صرفه إلى قطع الطريق فهو العاصي وقد أجمع الفقهاء على أن ذلك حرام مع أن السخاء هو أحب الأخلاق إلى الله تعالى حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لله تعالى ثلثمائة خلق من تقرب إليه

Section V04/P369–V04/P370

بواحد منها دخل الجنة وأحبها إليه السخاء فليت شعري لم حرم هذا السخاء ولم وجب عليه أن ينظر إلى قرينه الحال من هذا الظالم فإذا لاح له من عادته أنه يستعين بالسلاح على الشر فينبغي أن يسعى في سلب سلاحه لا أن يمده بغيره والعلم سلاح يقاتل به الشيطان وأعداء الله تعالى وقد يعاون به أعداء الله عز وجل وهو الهوى فمن لا يزال مؤثرا لدنياه على دينه ولهواه على آخرته وهو عاجز عنها لقلة فضله فكيف يجوز إمداده بنوع علم يتمكن به من الوصول إلى شهواته بل لم يزل علماء السلف رحمهم الله تعالى يتفقدون أحوال من يتردد إليهم فلو رأوا منه تقصيرا في نفل من النوافل أنكروه وتركوا إكرامه وإذا رأوا منه فجورا واستحلال حرام هجروه ونفوه عن مجالسهم وتركوا تكليمه فضلا عن تعليمه لعلمهم بأن من تعلم مسألة ولم يعمل بها وجاوزها إلى غيرها فليس يطلب إلا آلة الشر وقد تعوذ جميع السلف بالله تعالى من الفاجر العالم بالسنة وما تعوذوا من الفاجر الجاهل حكي عن بعض أصحاب أحمد بن حنبل رحمه الله أنه كان يتردد إليه سنين ثم اتفق أن أعرض عنه أحمد وهجره وصار لا يكلمه فلم يزل يسأله عن تغيره عليه وهو لا يذكره حتى قال بلغني أنك طينت حائط دارك من جانب الشارع وقد أخذت قدر سمك الطين وهو أنملة من شارع المسلمين فلا تصلح لنقل العلم فهكذا كانت مراقبة السلف لأحوال طلاب العلم وهذا وأمثاله مما يلتبس على الأغبياء وأتباع الشيطان وإن كانوا أرباب الطيالسة والأكمام الواسعة وأصحاب الألسنة الطويلة والفضل الكثير أعني الفضل من العلوم التي لا تشتمل على التحذير من الدنيا والزجر عنها والترغيب في الآخرة والدعاء إليها بل هي العلوم التي تتعلق بالخلق ويتوصل بها إلى جمع الحطام واستتباع الناس والتقدم على الأقران فإذن قوله عليه السلام إنما الأعمال بالنيات يختص من الأقسام الثلاثة بالطاعات والمباحات دون المعاصي إذ الطاعة تنقلب معصية بالقصد والمباح ينقلب معصية وطاعة بالقصد فأما المعصية فلا تنقلب طاعة بالقصد أصلا نعم للنية دخل فيها وهو أنه إذا انضاف إليها قصود خبيثة تضاعف وزرها وعظم وبالها كما ذكرنا ذلك في كتاب التوبة القسم الثاني الطاعات وهي مرتبطة بالنيات في أصل صحتها وفي تضاعف فضلها أما الأصل فهو أن ينوي بها عبادة الله تعالى لا غير فإن نوى الرياء صارت معصية وأما تضاعف الفضل فبكثرة النيات الحسنة فإن الطاعة الواحدة يمكن أن ينوي بها خيرات كثيرة فيكون له بكل نية ثواب إذ كل واحدة منها حسنة ثم تضاعف كل حسنة عشر أمثالها كما ورد به الخبر ومثاله القعود في المسجد فإنه طاعة ويمكن أن ينوي فيه نيات كثيرة حتى يصير من فضائل أعمال المتقين ويبلغ به درجات المقربين أولها أن يعتقد أنه بيت الله وأن داخله زائر الله فيقصد به زيارة مولاه رجاء لما وعده به رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال من قعد في المسجد فقد زار الله تعالى وحق على المزور أن يكرم زائره وثانيها أن ينتظر الصلاة بعد الصلاة فيكون في جملة انتظاره في الصلاة وهو معنى قوله تعالى {ورابطوا} وثالثها الترهب بكف السمع والبصر والأعضاء عن الحركات والترددات فإن الاعتكاف كف وهو في معنى

Section V04/P370–V04/P371

الصوم وهو نوع ترهب ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رهبانية أمتي القعود في المساجد ورابعها عكوف الهم على الله ولزوم السر للفكر في الآخرة ودفع الشواغل الصارفة عنه بالاعتزال إلى المسجد وخامسها التجرد لذكر الله أو لاستماع ذكره وللتذكر به كما روي في الخبر من غدا إلى المسجد ليذكر الله تعالى أو يذكر به كان كالمجاهد في سبيل الله تعالى وسادسها أن يقصد إفادة العلم بأمر بمعروف ونهي عن منكر إذ المسجد لا يخلو عمن يسئ في صلاته أو يتعاطى مالا يحل له فيأمره بالمعروف ويرشده إلى الدين فيكون شريكا معه في خيره الذي يعلم منه فتتضاعف خيراته وسابعها أن يستفيد أخا في الله فإن ذلك غنيمة وذخيرة للدار الآخرة والمسجد معشش أهل الدين المحبين لله وفي الله وثامنها أن يترك الذنوب حياء من الله تعالى وحياء من أن يتعاطى في بيت الله ما يقتضي هتك الحرمة وقد قال الحسن بن علي رضي الله عنهما من أدمن الاختلاف إلى المسجد رزقه الله إحدى سبع خصال أخا مستفادا في الله أو رحمة مستنزلة أو علما مستظرفا أو كلمة تدل على هدى أو تصرفه عن ردى أو يترك الذنوب خشية أو حياء فهذا طريق تكثير النيات وقس به سائر الطاعات والمباحات إذ ما من طاعة إلا وتحتمل نيات كثيرة وإنما تحضر في قلب العبد المؤمن بقدر جده في طلب الخير وتشمره له وتفكر فيه فبهذا تزكوا الأعمال وتتضاعف الحسنات القسم الثالث المباحات وما من شيء من المبحاثات إلا ويحتمل نية أو نيات يصير بها من محاسن القربات وينال بها معالي الدرجات فما أعظم خسران من يغفل عنها ويتعاطاها تعاطي البهائم المهملة عن سهو وغفلة ولا ينبغي أن يستحقر العبد شيئا من الخطرات والخطوات واللحظات فكل ذلك يسئل عنه يوم القيامة أنه لم فعله وما الذي قصد به هذا في مباح محض لا يشوبه كراهة ولذلك قال صلى الله عليه وسلم حلالها حساب وحرامها عقاب وفي حديث معاذ بن حبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن العبد ليسأل يوم القيامة عن كل شيء حتى عن كحل عينيه وعن فتات الطينة بإصبعيه وعن لمسه ثوب أخيه وفي خبر آخر من تطيب لله تعالى جاء يوم القيامة وريحه أطيب من المسك ومن تطيب لغير الله تعالى جاء يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة فاستعمال الطيب مباح ولكن لا بد فيه من نية فإن قلت فما الذي يمكن أن ينوي بالطيب وهو حظ من حظوظ النفس وكيف يتطيب لله فاعلم أن من يتطيب مثلا يوم الجمعة وفي سائر الأوقات يتصور أن يقصد التنعم بلذات الدنيا أو يقصد به إظهار التفاخر بكثرة المال ليحسده الأقران أو يقصد به رياء الخلق ليقوم له الجاه في قلوبهم ويذكر بطيب الرائحة أو ليتودد به إلى قلوب النساء الأجنبيات إذا كان مستحلا للنظر إليهن ولأمور أخرى لا تحصى وكل هذا يجعل التطيب معصية فبذلك يكون أنتن من الجيفة في القيامة إلا القصد الأول وهو التلذذ والتنعم فإن ذلك ليس بمعصية إلا أنه يسئل عنه ومن نوقش الحساب عذب ومن أتى شيئا من مباح الدنيا لم يعذب عليه في الآخرة ولكن ينقص من نعيم الآخرة له بقدره وناهيك خسرانا بأن يستعجل ما يفنى ويخسر زيادة نعيم لا يفنى وأما النية الحسنة فإنه ينوي به اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وينوي بذلك أيضا تعظيم المسجد واحترام بيت الله فلا يرى أن يدخله زائرا لله إلا طيب الرائحة وأن يقصد به ترويح جيرانه ليستريحوا في المسجد عند مجاورته بروائحه وأن يقصد به دفع الروائح الكريهة عن نفسه التي تؤدي إلى إيذاء مخالطيه وأن يقصد حسم باب الغيبة عن المغتابين إذا اغتابوه بالروائح الكريهة فيعصون الله بسببه فمن تعرض للغيبة وهو قادر على الاحتراز منها فهو شريك في تلك المعصية كما قيل إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ... أن لا تفارقهم فالراحلون هم

Section V04/P371–V04/P372

وقال الله تعالى {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم} أشار به إلى أن التسبب إلى الشر شر وأن يقصد به معالجة دماغه لتزيد به فطنته وذكاؤه ويسهل عليه درك مهمات دينه بالفكر فقد قال الشافعي رحمه الله من طاب ريحه زاد عقله فهذا وأمثاله من النيات لا يعجز الفقيه عنها إذا كانت تجارة الآخرة وطلب الخير غالبة على قلبه وإذا لم يغلب على قلبه إلا نعيم الدنيا لم تحضره هذه النيات وإن ذكرت له لم ينبعث لها قلبه فلا يكون معه منها إلا حديث النفس وليس ذلك من النية في شيء والمباحات كثيرة ولا يمكن إحصاء النيات فيها فقس بهذا الواحد ما عداه ولهذا قال بعض العارفين من السلف إني أستحب أن يكون لي في كل شيء نية حتى في أكلي وشربي ونومي ودخولي إلى الخلاء وكل ذلك مما يمكن أن يقصد به التقرب إلى الله تعالى لأن كل ما هو سبب لبقاء البدن وفراغ القلب من مهمات البدن فهو معين على الدين فمن قصده من الأكل التقوي على العبادة ومن الوقاع تحصين دينه وتطييب قلب أهله والتوصل به إلى نسل صالح يعبد الله تعالى بعده فتكثر به أمة محمد صلى الله عليه وسلم كان مطيعا بأكله ونكاحه وأغلب حظوظ النفس الأكل والوقاع وقصد الخير بهما غير ممتنع لمن غلب على قلبه هم الآخرة ولذلك ينبغي أن يحسن نيته مهما ضاع له مال ويقول هو في سبيل الله وإذا بلغه اغتياب غيره له فليطيب قلبه بأنه سيحمل سيآته وستنقل إلى ديوانه حسناته ولينوي ذلك بسكوته عن الجواب ففي الخبر إن العبد ليحاسب فتبطل أعماله لدخول الآفة فيها حتى يستوجب النار ثم ينشر له من الأعمال الصالحة ما يستوجب به الجنة فيتعجب ويقول يا رب هذه أعمال ما عملتها قط فيقال هذه أعمال الذين اغتابوك وآذوك وظلموك وفي الخبر إن العبد ليوافى القيامة بحسنات أمثال الجبال لو خلصت له لدخل الجنة فيأتي وقد ظلم هذا وشتم هذا وضرب هذا فيقتص لهذا من حسناته ولهذا من حسناته حتى لا يبقى له حسنة فتقول الملائكة قد فنيت حسناته وبقي طالبون فيقول الله تعالى ألقوا عليه من سيآتهم ثم صكوا له صكا إلى النار وبالجملة فإياك ثم إياك أن تستحقر شيئا من حركاتك فلا تحترز من غرورها وشرورها ولا تعد جوابها يوم السؤال والحساب فإن الله تعالى مطلع عليك وشهيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد وقال بعض السلف كتبت كتابا وأردت أن أتربه من حائط جار لي فتحرجت ثم قلت تراب وما تراب فتربته فهتف بي هاتف سيعلم من استخف بتراب جاره ما يلقى غدا من سوء الحساب وصلى رجل مع الثوري فرآه مقلوب الثوب فعرفه فمد يده ليصلحه ثم قبضها فلم يسوه فسأله عن ذلك فقال إني لبسته لله تعالى ولا أريد أن أسويه لغير الله وقد قال الحسن إن الرجل ليتعلق بالرجل يوم القيامة فيقول بيني وبينك الله فيقول والله ما أعرفك فيقول بلى أنت أخذت لبنة من حائطي وأخذت خيطا من ثوبي فهذا وأمثاله من الأخبار قطع قلوب الخائفين فإن كنت من أولي العزم والنهى ولم تكن من المغترين فانظر لنفسك الآن ودقق الحساب على نفسك قبل أن يدقق عليك وراقب أحوالك ولا تسكن ولا تتحرك ما لم تتأمل أولا أنك لم تتحرك وماذا تقصد وما الذي تنال به من الدنيا وما الذي يفوتك من الآخرة وبماذا ترجح الدنيا على الآخرة فإذا علمت أنه لا باعث إلا الدين فأمض عزمك وما خطر ببالك وإلا فأمسك ثم راقب أيضا قلبك في إمساكك وامتناعك فإن ترك الفعل فعل ولا بد له من نية صحيحة فلا ينبغي أن يكون الداعي هوى خفي لا يطلع عليه ولا يغرنك ظواهر الأمور ومشهورات الخيرات وافطن للأغوار والأسرار تخرج من حيز أهل الاغترار

Section V04/P372–V04/P373

فقد روي عن زكريا عليه السلام أنه كان يعمل في حائط بالطين وكان أجيرا لقوم فقدموا له رغيفا إذ كان لا يأكل إلا من كسب يده فدخل عليه قوم فلم يدعهم إلى الطعام حتى فرغ فتعجبوا منه لما علموا من سخائه وزهده وظنوا أن الخير في طلب المساعدة في الطعام فقال إني أعمل لقوم بالأجرة وقدموا إلي الرغيف لأتقوى به على عملهم فلو أكلتم معي لم يكفكم ولم يكفني وضعفت عن عملهم فالبصير هكذا ينظر في البواطن بنور الله فإن ضعفه عن العمل نقص في فرض وترك الدعوة إلى الطعام نقص في فضل ولا حكم للفضائل مع الفرائض وقال بعضهم دخلت على سفيان وهو يأكل فما كلمني حتى لعق أصابعه ثم قال لولا أني أخذته بدين لأحببت أن تأكل منه وقال سفيان من دعا رجلا إلى طعامه وليس له رغبة أن يأكل منه فإن أجابه فأكل فعليه وزران وإن لم يأكل فعليه وزر واحد وأراد بأحد الوزرين النفاق وبالثاني تعريضه أخاه لما يكره لو علمه فهكذا ينبغي أن يتفقد العبد نيته في سائر الأعمال فلا يقدم ولا يحجم إلا بنية فإن لم تحضره النية توقف فإن النية لا تدخل تحت الاختيار بيان أن النية غير داخلة تحت الاختيار اعلم أن الجاهل يسمع ما ذكرناه من الوصية بتحسين النية وتكثيرها مع قوله صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات فيقول في نفسه عند تدريسه أو تجارته أو أكله نويت أن أدرس لله أو آكل لله ويظن ذلك نية وهيهات فذلك حديث نفس وحديث لسان وفكر أو انتقال من خاطر إلى خاطر والنية بمعزل من جميع ذلك وإنما النية انبعاث النفس وتوجهها وميلها إلى ما ظهر لها أن فيه غرضها إما عاجلا وإما آجلا والميل إذا لم يكن لا يمكن اختراعه واكتسابه بمجرد الإرادة بل ذلك كقول الشبعان نويت أن أشتهي الطعام وأميل إليه أو قول الفارغ نويت أن أعشق فلانا وأحبه وأعظمه بقلبي فذلك محال بل لا طريق إلى اكتساب صرف القلب إلى الشيء وميله إليه وتوجهه نحوه إلا باكتساب أسبابه وذلك مما قدم يقدر عليه وقد لايقدر عليه وإنما تنبعث النفس إلى الفعل إجابة للغرض الباعث الموافق للنفس الملائم لها وما لم يعتقد الإنسان أن غرضه منوط بفعل من الأفعال فلا يتوجه نحوه قصده وذلك مما لا يقدر على اعتقاده في كل حين وإذا اعتقد فإنما يتوجه القلب إذا كان فارغا غير مصروف عنه بغرض شاغل أقوى منه وذلك لا يمكن في كل وقت والدواعي والصوارف لها أسباب كثيرة بها تجتمع ويختلف ذلك بالأشخاص وبالأحوال وبالأعمال فإذا غلبت شهوة النكاح مثلا ولم يعتقد غرضا صحيحا في الولد دينا ولا دنيا لا يمكنه أن يواقع على نية الولد بل لا يمكن إلا على نية قضاء الشهوة إذ النية هي إجابة الباعث ولا باعث إلا الشهوة فكيف ينوي الولد وإذا لم يغلب على قلبه أن إقامة سنة النكاح اتباعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعظم فضلها لا يمكن أن ينوى بالنكاح إتباع السنة إلا أن يقول ذلك بلسانه وقلبه وهو حديث محض ليس بنية نعم طريق اكتساب هذه النية مثلا أن يقوي أولا إيمانه بالشرع ويقوي إيمانه بعظم ثواب من سعى في تكثير أمة محمد صلى الله عليه وسلم ويدفع عن نفسه جميع المنفرات عن الولد من ثقل المؤنة وطول التعب وغيره فإذا فعل ذلك ربما انبعث من قلبه رغبة إلى تحصيل الولد للثواب فتحركه تلك الرغبة وتتحرك أعضاؤه لمباشرة العقد فإذا انتهضت القدرة المحركة للسان بقبول العقد طاعة لهذا الباعث الغالب على القلب كان ناويا فإن لم يكن كذلك فما يقدره في نفسه ويردده في قلبه من قصد الولد وسواس وهذيان ولهذا امتنع جماعة من السلف من جملة من الطاعات إذ لم تحضرهم النية وكانوا يقولون ليس تحضرنا فيه نية حتى إن ابن سيرين لم يصل على جنازة الحسن البصري وقال ليس تحضرني نية

Section V04/P373–V04/P374

ونادى بعضهم امرأته وكان يسرح شعره أن هات المدري فقالت أجيء بالمرآة فسكت ساعة ثم قال نعم فقيل له في ذلك فقال كان لي في المدري نية ولم تحضرني في المرآة نية فتوقفت حتى هيأها الله تعالى ومات حماد بن سليمان وكان أحد علماء أهل الكوفة فقيل للثوري ألا تشهد جنازته فقال لو كان لي نية لفعلت وكان أحدهم إذا سئل عملا من أعمال البر يقول إن رزقني الله تعالى نية فعلت وكان طاوس لا يحدث إلا بنية وكان يسئل أن يحدث فلا يحدث ولا يسئل فيبتدئ فقيل له في ذلك قال أفتحبون أن أحدث بغير نية إذا حضرتني نية فعلت وحكي أن داود بن المحبر لما صنف كتاب العقل جاءه أحمد بن حنبل فطلبه منه فنظر فيه أحمد صفحا ورده فقال مالك قال فيه أسانيد ضعاف فقال له داود أنا لم أخرجه على الأسانيد فانظر فيه بعين الخبر إنما نظرت فيه بعين العمل فانتفعت قال أحمد فرده علي حتى أنظر فيه بالعين التي نظرت فأخذه ومكث عنده طويلا ثم قال جزاك الله خيرا فقد انتفعت به وقيل لطاوس ادع لنا فقال حتى أجد له نية وقال بعضهم أنا في طلب نية لعيادة رجل منذ شهر فما صحت لي بعد وقال عيسى بن كثير مشيت مع ميمون بن مهران فلما انتهى إلى باب داره انصرفت فقال ابنه ألا تعرض عليه العشاء قال ليس من نيتي وهذا لأن النية تتبع النظر فإذا تغير النظر تغيرت النية وكانوا لا يرون أن يعملوا عملا إلا بنية لعلمهم بأن النية روح العمل وأن العمل بغير نية صادقة رياء وتكلف وهو سبب مقت لا سبب قرب وعلموا أن النية ليست هي قول القائل بلسانه نويت بل هو انبعاث القلب يجري مجرى الفتوح من الله تعالى فقد تتيسر في بعض الأوقات وقد تتعذر في بعضها نعم من كان الغالب على قلبه أمر الدين تيسر عليه في أكثر الأحوال إحضار النية للخيرات فإن قلبه مائل بالجملة إلى أصل الخير فينبعث إلى التفاصيل غالبا ومن مال قلبه إلى الدنيا وغلبت عليه لم يتيسر له ذلك بل لا يتيسر له في الفرائض إلا بجهد جهيد وغايته أن يتذكر النار ويحذر نفسه عقابها أو نعيم الجنة ويرغب نفسه فيها فربما تنبعث له داعية ضعيفة فيكون ثوابه بقدر رغبته ونيته وأما الطاعة على نية إجلال الله تعالى لاستحقاقه الطاعة والعبودية فلا تتيسر للراغب في الدنيا وهذه أعز النيات وأعلاها ويعز على بسيط الأرض من يفهمها فضلا عمن يتعاطاها ونيات الناس في الطاعات أقسام إذ منهم من يكون عمله إجابة لباعث الخوف فإنه يتقي النار ومنهم من يعمل إجابة لباعث الرجاء وهو الرغبة في الجنة وهذا وإن كان نازلا بالإضافة إلى قصد طاعة الله وتعظيمه لذاته ولجلاله لا لأمر سواه فهو من جملة النيات الصحيحة لأنه ميل إلى الموعود في الآخرة وإن كان من جنس المألوفات في الدنيا وأغلب البواعث باعث الفرج والبطن وموضع قضاء وطرهما الجنة فالعامل لأجل الجنة عامل لبطنه وفرجه كالأجير السوء ودرجته درجة البله

Section V04/P374–V04/P375

وإنه لينالها بعمله إذ أكثر أهل الجنة البله وأما عبادة ذوي الألباب فإنها لا تجاوز ذكر الله تعالى والفكر فيه لجماله لماله وجلاله وسائر الأعمال تكون مؤكدات وروادف وهؤلاء أرفع درجة من الالتفات إلى المنكوح والمطعوم في الجنة فإنهم لم يقصدوها بل هم الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه فقط وثواب الناس بقدر نياتهم فلا جرم يتنعمون بالنظر إلى وجهه الكريم ويسخرون ممن يلتفت إلى وجه الحور العين كما يسخر المتنعم بالنظر إلى الحور العين ممن يتنعم بالنظر إلى وجه الصور المصنوعة من الطين بل أشد فإن التفاوت بين جمال حضرة الربوبية وجمال الحور العين أشد وأعظم كثيرا من التفاوت بين جمال الحور العين والصور المصنوعة من الطين بل استعظام النفوس البهيمية الشهوانية لقضاء الوطر من مخالطة الحسان وإعراضهم عن جمال وجه الله الكريم يضاهي استعظام الخنفساء لصاحبتها وإلفها لها وإعراضها عن النظر إلى جمال وجوه النساء فعمي أكثر القلوب عن إبصار جمال الله وجلاله يضاهي عمى الخنفساء عن إدراك جمال النساء بأنها لا تشعر به أصلا ولا تلتفت إليه ولو كان لها عقل وذكرن لها لاستحسنت عقل من يلتفت إليهن ولا يزالون مختلفين كل حزب بما لديهم فرحون ولذلك خلقهم حكي أن أحمد بن خضرويه رأى ربه عز وجل في المنام فقال له كل الناس يطلبون مني الجنة إلا أبا يزيد فإنه يطلبني ورأى أبو يزيد ربه في المنام فقال يا رب كيف الطريق إليك فقال اترك نفسك وتعال إلي ورؤي الشبلي بعد موته في المنام فقيل له ما فعل الله بك فقال لم يطالبني على الدعاوي بالبرهان إلا على قول واحد قلت يوما أي خسارة أعظم من خسران الجنة فقال أي خسارة أعظم من خسران لقائي والغرض أن هذه النيات متفاوتة الدرجات ومن غلب على قلبه واحدة منها ربما لا يتيسر له العدول إلى غيرها ومعرفة هذه الحقائق تورث أعمالا وأفعالا لا يستنكرها الظاهريون من الفقهاء فإنا نقول من حضرت له نية في مباح ولم تحضر في فضيلة فالمباح أولى وانتقلت الفضيلة إليه وصارت الفضيلة في حقه نقيصة لأن الأعمال بالنيات وذلك مثل العفو فإنه أفضل من الانتصار في الظلم وربما تحضره نية في الانتصار دون العفو فيكون ذلك أفضل ومثل أن يكون له نية في الأكل والشرب والنوم ليريح نفسه ويتقوى على العبادات في المستقبل وليس تنبعث نيته في الحالين للصوم والصلاة فالأكل والشرب والنوم هو الأفضل له بل لو مل العبادة لمواظبته عليها وسكن نشاطه وضعفت رغبته وعلم أنه لو ترفه ساعة بلهو وحديث عاد نشاطه فاللهو أفضل له من الصلاة قال أبو الدرداء إني لأستجم نفسي بشيء من اللهو فيكون ذلك عونا لي على الحق وقال علي كرم الله وجهه روحوا القلوب فإنها إذا أكرهت عميت وهذه دقائق لا يدركها إلا سماسرة العلماء دون الحشوية منهم بل الحاذق بالطب قد يعالج المحرور باللحم مع حرارته ويستبعده القاصر في الطب وإنما يبتغي به أن يعيد أولا قوته ليحتمل المعالجة بالضد والحاذق في لعب الشطرنج مثلا قد ينزل عن الرخ والفرس مجانا ليتوصل بذلك إلى الغلبة والضعيف البصيرة قد يضحك به ويتعجب منه وكذلك الخبير بالقتال قد يفر بين يدي قرينه ويوليه دبره حيلة منه ليستجره إلى مضيق فيكر عليه فيقهره فكذلك سلوك طريق الله تعالى كله قتال مع الشيطان ومعالجة للقلب والبصير الموفق يقف فيها على لطائف من الحيل يستبعدها الضعفاء فلا ينبغي للمريد أن يضمر إنكارا على ما يراه من شيخه ولا للمتعلم أن يعترض على أستاذه بل ينبغي أن يقف عند حد بصيرته ومالا يفهمه من أحوالهما يسلمه لهما إلى أن ينكشف له أسرار ذلك بأن يبلغ رتبتهما وينال درجتهما ومن الله حسن التوفيق الباب الثاني في الإخلاص وفضيلته وحقيقته ودرجاته فضيلة الإخلاص

Section V04/P375–V04/P376

قال الله تعالى وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين {وقال} ألا لله الدين الخالص وقال تعالى إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله وقال تعالى فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا نزلت فيمن يعمل لله ويحب أن يحمد عليه وقال النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث لا يغل عليهن قلب رجل مسلم إخلاص العمل لله وعن مصعب بن سعد عن أبيه قال ظن أبي أن له فضلا على من هو دونه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنما نصر الله عز وجل هذه الأمة بضعفائها ودعوتهم وإخلاصهم وعن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى الإخلاص سر من سري استودعته قلب من أحببت من عبادي وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه لاتهتموا لقلة العمل واهتموا للقبول فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل أخلص العمل يجزك منه القليل وقال عليه السلام ما من عبد يخلص لله العمل أربعين يوما إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه وقال عليه الصلاة والسلام أول من يسئل يوم القيامة ثلاثة رجل آتاه الله العلم فيقول الله تعالى ما صنعت فيما علمت فيقول يارب كنت أقوم آناء الليل وأطراف النهار فيقول الله تعالى كذبت وتقول الملائكة كذبت بل أردت أن يقال فلان عالم ألا فقد قيل ذلك ورجل آتاه الله مالا فيقول الله تعالى لقد أنعمت عليك فماذا صنعت فيقول يارب كنت أتصدق به آناء الليل وأطراف النهار فيقول الله تعالى كذبت وتقول الملائكة كذبت بل أردت أن يقال فلان جواد ألا فقد قيل ذلك ورجل قتل في سبيل الله تعالى فيقول الله تعالى ماذا صنعت فيقول يارب أمرت بالجهاد فقاتلت حتى قتلت فيقول الله كذبت وتقول الملائكة كذبت بل أردت أن يقال فلان شجاع ألا فقد قيل ذلك قال أبو هريرة ثم خبط رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذي وقال يا أبا هريرة أولئك أول خلق تسعر نار جهنم بهم يوم القيامة فدخل راوي هذا الحديث على معاوية وروى له ذلك فبكى حتى كادت نفسه تزهق ثم قال صدق الله إذ قال من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها الآية وفي الإسرائيليات أن عابدا كان يعبد الله دهرا طويلا فجاءه قوم فقالوا إن ههنا قوما يعبدون شجرة من دون الله تعالى فغضب لذلك وأخذ فأسه على عاتقه وقصد الشجرة ليقطعها فاستقبله إبليس في صورة شيخ فقال أين تريد رحمك الله قال أريد أن أقطع هذه الشجرة قال وما أنت وذاك تركت عبادتك واشتغالك بنفسك وتفرغت لغير ذلك فقال إن هذا من عبادتي قال فإنى لا أتركك أن تقطعها فقاتله فأخذه العابد فطرحه إلى الأرض وقعد على صدره فقال له إبليس أطلقني حتى أكلمك فقام عنه فقال إبليس يا هذا إن الله تعالى قد أسقط عنك هذا ولم يفرضه عليك وما تعبدها أنت وما عليك من غيرك ولله تعالى أنبياء في أقاليم الأرض ولو شاء لبعثهم إلى أهلها وأمرهم بقطعها فقال العابد لا بد لي من قطعها فنابذه للقتال فغلبه العابد وصرعه وقعد على صدره فعجز إبليس فقال له هل لك في أمر فصل بيني وبينك وهو خير لك وأنفع قال وما هو قال أطلقني حتى أقول لك فأطلقه فقال إبليس أنت رجل فقير لا شيء لك إنما أنت كل على الناس يعولونك ولعلك تحب أن تتفضل على إخوانك وتواسي جيرانك وتشبع وتستغني عن الناس قال نعم قال فارجع عن هذا الأمر ولك على أن أجعل عند رأسك في كل ليلة دينارين إذا أصبحت أخذتهما فأنفقت على نفسك وعيالك وتصدقت على إخوانك فيكون ذلك أنفع لك وللمسلمين من قطع هذه الشجرة التي يغرس مكانها ولا يضرهم قطعها شيئا ولا ينفع إخوانك المؤمنين قطعك إياها فتفكر العابد فيما قال وقال صدق الشيخ لست بنبي فيلزمني قطع هذه الشجرة ولا أمرني الله أن أقطعها فأكون عاصيا بتركها وما ذكره أكثر منفعة فعاهده على الوفاء بذلك وحلف له فرجع العابد إلى متعبده فبات فلما أصبح رأى دينارين عند رأسه فأخذهما وكذلك الغد ثم أصبح اليوم الثالث وما بعده فلم ير شيئا

Section V04/P376–V04/P377

فغضب وأخذ فأسه على عاتقه فاستقبله إبليس في صورة شيخ فقال له إلى أين قال أقطع تلك الشجرة فقال كذبت والله ما أنت بقادر على ذلك ولا سبيل لك إليها قال فتناوله العابد ليفعل به كما فعل أول مرة فقال هيهات فأخذه إبليس وصرعه فإذا هو كالعصفور بين رجليه وقعد إبليس على صدره وقال لتنتهين عن هذا الأمر أو لأذبحنك فنظر العابد فإذا لا طاقة له به قال يا هذا غلبتني فخل عني وأخبرني كيف غلبتك أولا وغلبتني الآن فقال لأنك غضبت أول مرة لله وكانت نيتك الآخرة فسخرني الله لك وهذه المرة غضبت لنفسك وللدنيا فصرعتك هذه الحكايات تصديق قوله تعالى إلا عبادك منهم المخلصين إذ لا يتخلص العبد من الشيطان إلا بالإخلاص ولذلك كان معروف الكرخي رحمه الله تعالى يضرب نفسه ويقول يا نفس أخلصي تتخلصي وقال يعقوب المكفوف المخلص من يكتم حسناته كما يكتم سيئاته وقال سليمان طوبى لمن صحت له خطوة واحدة لا يريد بها إلا الله تعالى وكتب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إلى أبي موسى الأشعري من خلصت نيته كفاه الله تعالى ما بينه وبين الناس وكتب بعض الأولياء إلى أخ له أخلص النية في أعمالك يكفك القليل من العمل وقال أيوب السختياني تخليص النيات على العمال أشد عليهم من جميع الأعمال وكان مطرف يقول من صفا صفي له ومن خلط خلط عليه ورؤي بعضهم في المنام فقيل له كيف وجدت أعمالك فقال كل شيء عملته لله وجدته حتى حبة رمان لقطتها من طريق وحتى هرة ماتت لنا رأيتها في كفة الحسنات وكان في قلنسوتي خيط من حرير فرأيته في كفة السيئات وكان قد نفق حمار لي قيمته مائة دينار فما رأيت له ثوابا فقلت موت سنور في كفة الحسنات وموت حمار ليس فيها فقيل لي إنه قد وجهحيث بعثت به فإنه لما قيل لك قد مات قلت في لعنة الله فبطل أجرك فيه ولو قلت في سبيل الله لوجدته في حسناتك وفي رواية قال وكنت قد تصدقت بصدقة بين الناس فأعجبني نظرهم إلي فوجدت ذلك لا علي ولا لي قال سفيان لما سمع هذا ما أحسن حاله إذ لم يكن عليه فقد أحسن إليه وقال يحيى بن معاذ الإخلاص يميز العمل من العيوب كتمييز اللبن من الفرث والدم وقيل كان رجل يخرج في زي النساء ويحضر كل موضع يجتمع فيه النساء من عرس أو مأتم فاتفق أن حضر يوما موضعا فيه مجمع للنساء فسرقت درة فصاحوا أن أغلقوا الباب حتى نفتش فكانوا يفتشون واحدة واحدة حتى بلغت النوبة إلى الرجل وإلى امرأة معه فدعا الله تعالى بالإخلاص وقال إن نجوت من هذه الفضيحة لا أعود إلى مثل هذا فوجدت الدرة مع تلك المرأة فصاحواأن أطلقوا الحرة فقد وجدنا الدرة وقال بعض الصوفية كنت قائما مع أبي عبيد التستري وهو يحرث أرضه بعد العصر من يوم عرفة فمر به بعض أخوانه من الأبدال فساره بشيء فقال أبو عبيد لا فمر كالسحاب يمسح الأرض حتى غاب عن عيني فقلت لأبي عبيد ما قال لك فقال سألني أن أحج معه قلت لا قلت فهلا فعلت قال ليس لي في الحج نية وقد نويت أن أتمم هذه الأرض العشية فأخاف إن حججت معه لأجله تعرضت لمقت الله تعالى لأني أدخل في عمل الله شيئا غيره فيكون ما أنا فيه أعظم عندي من سبعين حجة

Section V04/P377–V04/P378

ويروى عن بعضهم قال غزوت في البحر فعرض بعضنا مخلاة فقلت أشتريها فأنتفع بها في غزوي فإذا دخلت مدينة كذا بعتها فربحت فيها فاشتريتها فرأيت تلك الليلة في النوم كأن شخصين قد نزلا من السماء فقال أحدهما لصاحبه اكتب الغزاة فأملي عليه خرج فلان متنزها وفلان مرائيا وفلان تاجرا وفلان في سبيل الله ثم نظر إلي وقال اكتب فلان خرج تاجرا فقلت الله الله في أمري ما خرجت أتجر وما معي تجارة أتجر فيها ما خرجت إلا للغزو فقال يا شيخ قد اشتريت أمس مخلاة تريد أن تربح فيها فبكيت وقلت لا تكتبوني تاجرا فنظر إلى صاحبه وقال ما ترى فقال اكتب خرج فلان غازيا إلا أنه اشترى في طريقه مخلاة ليربح فيها حتى يحكم الله عز وجل فيه بما يرى وقال سري السقطي رحمه الله تعالى لأن تصلي ركعتين في خلوة تخلصهما خير لك من أن تكتب سبعين حديثا أو سبعمائة بعلو وقال بعضهم في إخلاص ساعة نجاة الأبد ولكن الإخلاص عزيز ويقال العلم بذر والعمل زرع وماؤه الإخلاص وقال بعضهم إذا أبغض الله عبدا أعطاه ثلاثا ومنعه ثلاثا أعطاه صحبة الصالحين ومنعه القبول منهم وأعطاه الأعمال الصالحة ومنعه الإخلاص فيها وأعطاه الحكمة ومنعه الصدق فيها وقال السوسي مراد الله من عمل الخلائق الإخلاص فقط وقال الجنيد إن لله عبادا عقلوا فلما عقلوا عملوا فلما عملوا أخلصوا فاستدعاهم الإخلاص إلى أبواب البر أجمع وقال محمد بن سعيد المروزي الأمر كله يرجع إلى أصلين فعل منه بك وفعل منك له فترضى ما فعل وتخلص فيما تعمل فإذن أنت سعدت بهذين وفزت في الدارين بيان حقيقة الإخلاص اعلم أن كل شيء يتصور أن يشوبه غيره فإذا صفا عن شوبه وخلص عنه سمي خالصا ويسمى الفعل المصفى المخلص إخلاصا قال الله تعالى من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين فإنما خلوص اللبن أن لا يكون فيه شوب من الدم والفرث ومن كل ما يمكن أن يمتزج به والإخلاص يضاده الإشراك فمن ليس مخلصا فهو مشرك إلا أن الشرك درجات فالإخلاص في التوحيد يضاده التشريك في الإلهية والشرك منه خفي ومنه جلي وكذا الإخلاص والإخلاص وضده يتواردان على القلب فمحله القلب وإنما يكون ذلك في القصود والنيات وقد ذكر حقيقة النية وأنها ترجع إلى إجابة البواعث فمهما كان الباعث واحد على التجرد سمي الفعل الصادر عنه إخلاصا بالإضافة إلى المنوي فمن تصدق وغرضه محض الرياء فهو مخلص ومن كان غرضه محض التقرب إلى الله تعالى فهو مخلص ولكن العادة جارية بتخصيص اسم الإخلاص بتجريد قصد التقرب إلى الله تعالى عن جميع الشوائب كما أن الإلحاد عبارة عن الميل ولكن خصصته العادة بالميل عن الحق ومن كان باعثه مجرد الرياء فهو معرض للهلاك ولسنا نتكلم فيه إذ قد ذكرنا ما يتعلق به في كتاب الرياء من ربع المهلكات وأقل أموره ما ورد في الخبر من إن المرائي يدعى يوم القيامة بأربع أسام يا مرائي يا مخادع يا مشرك يا كافر وإنما نتكلم الآن فيمن انبعث لقصد التقرب ولكن امتزج بهذا الباعث باعث آخر إما من الرياء أو من غيره من حظوظ النفس ومثال ذلك أن يصوم لينتفع بالحمية الحاصلة بالصوم مع قصد التقرب أو يعتق عبدا ليتخلص من مؤنته وسوء خلقه أو يحج ليصح مزاجه بحركة السفر أو يتخلص من شر يعرض له في بلده أو ليهرب عن عدو له في منزله أو يتبرم بأهله وولده أو بشغل هو فيه فأراد أن يستريح منه أياما أو ليغزو وليمارس الحرب ويتعلم أسبابه ويقدر به على تهيئة العساكر وجرها أو يصلي بالليل وله غرض في دفع النعاس عن نفسه به ليراقب أهله أو رحله أو يتعلم العلم ليسهل عليه طلب ما يكفيه من المال أو ليكون عزيزا بين العشيرة أو ليكون عقاره أو ماله محروسا بعز العلم عن الأطماع أو اشتغل بالدرس والوعظ ليتخلص عن كرب الصمت ويتفرج بلذة الحديث

Section V04/P378–V04/P379

أو تكفل بخدمة العلماء الصوفية لتكون حرمته وافرة عندهم وعند الناس أو لينال به رفقا في الدنيا أو كتب مصحفا ليجود بالمواظبة على الكتابة خطه أو حج ماشيا ليخفف عن نفسه الكراء أو توضأ ليتنظف أو يتبرد أو اغتسل لتطيب رائحته أو روى الحديث ليعرف بعلو الإسناد أو اعتكف في المسجد ليخف كراء المسكن أو صام ليخفف عن نفسه التردد في طبخ الطعام أو ليتفرغ لأشغاله فلا يشغله الأكل عنها أو تصدق على السائل ليقطع إبرامه في السؤال عن نفسه أو يعود مريضا ليعاد إذا مرض أو يشيع جنازة ليشيع جنائز أهله أو يفعل شيئا من ذلك ليعرف بالخير ويذكر به وينظر إليه بعين الصلاح والوقار فمهما كان باعثه هو التقرب إلى الله تعالى ولكن انضاف إليه خطرة من هذه الخطرات حتى صار العمل أخف عليه بسبب هذه الأمور فقد خرج عمله عن حد الإخلاص وخرج عن أن يكون خالصا لوجه الله تعالى وتطرق إليه الشرك وقد قال تعالى أنا أغني الشركاء عن الشركة وبالجملة كل حظ من حظوظ الدنيا تستريح إليه النفس ويميل إليه القلب قل أم كثر إذا تطرق إلى العمل تكدر به صفوه وزال به إخلاصه والإنسان مرتبط في حظوظه منغمس في شهواته قلما ينفك فعل من أفعاله وعبادة من عباداته عن حظوظ وأغراض عاجلة من هذه الأجناس فلذلك قيل من سلم له من عمره لحظة واحده خالصة لوجه الله نجا وذلك لعزة الإخلاص وعسر تنقية القلب عن هذه الشوائب بل الخالص هو الذي لا باعث عليه إلا طلب القرب من الله تعالى وهذه الحظوظ إن كانت هي الباعثة وحدها فلا يخفى شدة الأمر على صاحبه فيها وإنما نظرنا فيما إذا كان القصد الأصلي هو التقرب وانضافت إليه هذه الأمور ثم هذه الشوائب إما أن تكون في رتبة الموافقة أو في رتبة المشاركة أو في رتبة المعاونة كما سبق في النية وبالجملة فإما أن يكون الباعث النفسي مثل الباعث الديني أو أقوى منه أو أضعف ولكل واحد حكم آخر كما سنذكره وإنما الإخلاص تخليص العمل عن هذه الشوائب كلها قليلها وكثيرها حتى يتجرد فيه قصد التقرب فلا يكون في باعث سواه وهذا لا يتصور إلا من محب لله مستهتر بالله مستغرق الهم بالآخرة بحيث لم يبق لحب الدنيا في قلبه قرار حتى لا يحب الأكل والشرب أيضا بل تكون رغبته فيه كرغبته في قضاء الحاجة من حيث إنه ضرورة الجبلة فلا يشتهي الطعام لأنه طعام بل لأنه يقويه على عبادة الله تعالى ويتمنى أن لو كفي شر الجوع حتى لا يحتاج إلى الأكل فلا يبقى في قلبه حظ من الفضول الزائدة على الضرورة ويكون قدر الضرورة مطلوبا عنده لأنه ضرورة دينه فلا يكون له هم إلا الله تعالى فمثل هذا الشخص لو أكل أو شرب أو قضى حاجته كان خالص العمل صحيح النية في جميع حركاته وسكناته فلو نام مثلا حتى يريح نفسه ليتقوى على العبادة بعده كان نومه عبادة وكان له درجة المخلصين فيه ومن ليس كذلك فباب الإخلاص في الأعمال مسدود عليه إلا على الندور وكما أن من غلب عليه حب الله وحب الآخرة فاكتسبت حركاته الاعتيادية صفة همه وصارت إخلاصا فالذي يغلب على نفسه الدنيا والعلو والرياسة وبالجملة غير الله فقد اكتسبت جميع حركاته تلك الصفة فلا تسلم له عباداته من صوم وصلاة وغير ذلك إلا نادرا فإذن علاج الإخلاص كسر حظوظ النفس وقطع الطمع عن الدنيا والتجرد للآخرة بحيث يغلب ذلك على القلب فإذا ذاك يتيسر الإخلاص وكم من أعمال يتعب الإنسان فيها ويظن أنها خالصة لوجه الله ويكون فيها مغرور لأنه لا يرى وجه الآفة فيها كما حكي عن بعضهم أنه قال قضيت صلاة ثلاثين سنة كنت صليتها في المسجد في الصف الأول لأني تأخرت يوما لعذر فصليت في الصف الثاني فاعترتني خجلة من الناس حيث رأوني في الصف الثاني فعرفت أن نظر الناس إلي في الصف الأول كان مسرتي وسبب استراحة قلبي من حيث لا أشعر

Section V04/P379–V04/P380

وهذا دقيق غامض قلما تسلم الأعمال من أمثاله وقل من يتنبه له إلا من وفقه الله تعالى والغافلون يرون حسناتهم كلها في الآخرة سيئات وهم المرادون بقوله تعالى وبدا لهم من الله مالم يكونوا يحتسبون وبدا لهم سيئات ما كسبوا وبقوله تعالى قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا وأشد الخلق تعرضا لهذه الفتنة العلماء فإن الباعث للأكثرين على نشر العلم لذة الاستيلاء والفرح بالاستتباع والاستبشار بالحمد والثناء والشيطان يلبس عليهم ذلك ويقول غرضكم نشر دين الله والنضال عن الشرع الذي شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وترى الواعظ يمن على الله تعالى بنصيحة الخلق ووعظه للسلاطين ويفرح بقبول الناس قوله وإقبالهم عليه وهو يدعي أنه يفرح بما يسر له من نصرة الدين ولو ظهر من أقرانه من هو أحسن منه وعظا وانصرف الناس عنه وأقبلوا عليه ساءه ذلك وغمه ولو كان باعثه الدين لشكر الله تعالى إذ كفاه الله تعالى هذا المهم بغيره ثم الشيطان مع ذلك لا يخليه ويقول إنما غمك لانقطاع الثواب عنك لا لانصراف وجوه الناس عنك إلى غيرك إذ لو اتعظوا بقولك لكنت أنت المثاب واغتمامك لفوات الثواب محمود ولا يدري المسكين أن انقياده للحق وتسليمه الأمر أفضل وأجزل ثوابا وأعوذ عليه في الآخرة من انفراده وليت شعري لو اغتم عمر رضي الله عنه بتصدي أبي بكر رضي الله تعالى عنه للإمامة أكان غمه محمودا أو مذموما ولا يستريب ذو دين أن لو كان ذلك لكان مذموما لأن انقياده للحق وتسليمه الأمر إلى من هو أصلح منه أعود عليه في الدين من تكفله بمصالح الخلق مع ما فيه من الثواب الجزيل بل فرح عمر رضي الله تعالى عنه باستقلال من هو أولى منه بالأمر فما بال العلماء لا يفرحون بمثل ذلك وقد ينخدع بعض أهل العلم بغرور الشيطان فيحدث نفسه بأنه لو ظهر من هو أولى منه بالأمر لفرح به وإخباره بذلك عن نفسه قبل التجربة والامتحان محض الجهل والغرور فإن النفس سهلة القياد في الوعد بأمثال ذلك قبل نزول الأمر ثم إذا دهاه الأمر تغير ورجع ولم يف بالوعد وذلك لا يعرفه إلا من عرف مكايد الشيطان والنفس وطال اشتغاله بامتحانها فمعرفة حقيقة الإخلاص والعمل به بحر عميق يغرق فيه الجميع إلا الشاذ النادر والفرد الفذوهو المستثنى في قوله تعالى إلا عبادك منهم المخلصين فليكن العبد شديد التفقد والمراقبة لهذه الدقائق وإلا التحق بأتباع الشياطين وهو لا يشعر بيان أقاويل الشيوخ في الإخلاص قال السوسي الإخلاص فقد رؤية الإخلاص فإن من شاهد في إخلاصه الإخلاص فقد احتاج إخلاصه إلى إخلاص وما ذكره إشارة إلى تصفية العمل عن العجب بالفعل فإن الالتفات إلى الإخلاص والنظر إليه عجب وهو من جملة الآفات والخالص ما صفا عن جميع الآفات فهذا تعرض لآفة واحد وقال سهل رحمه الله تعالى الإخلاص أن يكون سكون العبد وحركاته لله تعالى خاصة وهذه كلمة جامعة محيطة بالغرض وفي معناه قول إبراهيم بن أدهم الإخلاص صدق النية مع الله تعالى وقيل لسهل أي شيء أشد على النفس فقال الإخلاص إذ ليس لها فيه نصيب وقال رويم الإخلاص في العمل هو أن لا يريد صاحبه عليه عوضا في الدارين وهذا إشارة إلى أن حظوظ النفس آفة آجلا وعاجلا والعابد لأجل التنعم بالشهوات في الجنة معلول بل الحقيقة أن لا يراد بالعمل إلا وجه الله تعالى وهو إشارة إلى إخلاص الصديقين وهو الإخلاص المطلق فأما من يعمل لرجاء الجنة وخوف النار فهو مخلص بالإضافة إلى الحظوظ العاجلة وإلا فهو في طلب حظ البطن والفرج وإنما المطلوب الحق لذوي الألباب وجه الله تعالى فقط وهو القائل لا يتحرك الإنسان إلا لحظ والبراءة من الحظوظ صفة الإلهية ومن ادعى ذلك فهو كافر

Section V04/P380–V04/P382

وقد قضى القاضي أبو بكر الباقلاني بتكفير من يدعي البراءة من الحظوظ وقال هذا من صفات الإلهية وما ذكره حق ولكن القوم إنما أرادوا به البراءة عما يسميه الناس حظوظا وهو الشهوات الموصوفة في الجنة فقط فأما التلذذ بمجرد المعرفة والمناجاة والنظر إلى وجه الله تعالى فهذا حظ هؤلاء وهذا لا يعده الناس حظا بل يتعجبون منه وهؤلاء لو عوضوا عما هم فيه من لذة الطاعة والمناجاة وملازمة السجود للحضرة الإلهية سرا وجهرا جميع نعيم الجنة لاستحقروه ولم يلتفتوا إليه فحركتهم لحظ وطاعتهم لحظ ولكن حظهم معبودهم فقط دون غيره وقال أبو عثمان الإخلاص نسيان روية الخلق بدوام النظر إلى الخالق فقط وهذا إشارة إلى آفة الرياء فقط ولذلك قال بعضهم الإخلاص في العمل أن لا يطلع عليه شيطان فيفسده ولا ملك فيكتبه فإنه إشارة إلى مجرد الإخفاء وقد قيل الإخلاص ما استتر عن الخلق وصفا عن العلائق وهذا أجمع للمقاصد وقال المحاسبي الإخلاص هو إخراج الخلق عن معاملة الرب وهذا إشارة إلى مجرد نفي الرياء وكذلك قول الخواص من شرب من كأس الرياسة فقد خرج عن إخلاص العبودية وقال الحواريون لعيسى عليه السلام ما الخالص من الأعمال فقال الذي يعمل لله تعالى لا يحب أن يحمده عليه أحد وهذا أيضا تعرض لترك الرياء وإنما خصه بالذكر لأنه أقوى الأسباب المشوشة للإخلاص وقال الجنيد الإخلاص تصفية العمل من الكدورات وقال الفضيل ترك العمل من أجل الناس رياء والعمل من أجل الناس شرك والإخلاص أن يعافيك الله منهما وقيل الإخلاص دوام المراقبة ونسيان الحظوظ كلها وهذا هو البيان الكامل والأقاويل في هذا كثيرة ولا فائدة في تكثير النقل بعد انكشاف الحقيقة وإنما البيان الشافي بيان سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم إذ سئل عن الإخلاص فقال أن تقول ربي الله ثم تستقيم كما أمرت أي لا تعبد هواك ونفسك ولا تعبد إلا ربك وتستقيم في عبادته كما أمرت وهذا إشارة إلى قطع ما سوى الله عن مجرى النظر وهو الإخلاص حقا بيان درجات الشوائب والآفات المكدرة للإخلاص اعلم أن الآفات المشوشة للإخلاص بعضها جلي وبعضها خفي وبعضها ضعيف مع الجلاء وبعضها قوي مع الخفاء ولا يفهم اختلاف درجاتها في الخفاء والجلاء إلا بمثال وأظهر مشوشات الإخلاص الرياء فلنذكر منه مثالا فنقول الشيطان يدخل الآفة على المصلي مهما كان مخلصا في صلاته ثم نظر إليه جماعة أو دخل عليه داخل فيقول له حسن صلاتك حتى ينظر إليك هذا الحاضر بعين الوقار والصلاح ولا يزدريك ولا يغتابك فتخشع جوارحه وتسكن أطرافه وتحسن صلاته وهذا هو الرياء الظاهر ولا يخفى ذلك على المبتدئين من المريدين الدرجة الثانية يكون المريد قد فهم هذه الآفة وأخذ منها حذره فصار لا يطيع الشيطان فيها ولا يلتفت إليه ويستمر في صلاته كما كان فيأتيه في معرض الخير ويقول أنت متبوع ومقتدى بك ومنظور إليك وما تفعله يؤثر عنك ويتأسى بك غيرك فيكون لك ثواب أعمالهم إن أحسنت وعليك الوزر إن أسأت فأحسن عملك بين يديه فعساه يقتدي بك في الخشوع وتحسين العبادة وهذا أغمض من الأول وقد ينخدع به من لا ينخدع بالأول وهو أيضا عين الرياء ومبطل للإخلاص فإنه إن كان يرى الخشوع وحسن العبادة خيرا لا يرضى لغيره تركه فلم لم يرتض لنفسه ذلك في الخلوة ولا يمكن أن تكون نفس غيره أعز عليه من نفسه فهذا محض التلبيس بل المقتدي به هو الذى استقام في نفسه واستنار قلبه فانتشر نوره إلى غيره فيكون له ثواب عليه فأما هذا فمحض النفاق والتلبيس فمن اقتدى به أثيب عليه وأما هو فيطالب بتلبيسه ويعاقب على إظهاره من نفسه ما ليس متصفا به

Section V04/P382–V04/P383

الدرجة الثالثة وهي أدق مما قبلها أن يجرب العبد نفسه في ذلك ويتنبه لكيد الشيطان ويعلم أن مخالفته بين الخلوة والمشاهدة للغير محض الرياء ويعلم أن الإخلاص في أن تكون صلاته في الخلوة مثل صلاته في الملأ ويستحيي من نفسه ومن ربه أن يتخشع لمشاهدة خلقه تخشعا زائدا على عادته فيقبل على نفسه في الخلوة ويحسن صلاته على الوجه الذي يرتضيه في الملأ ويصلي في الملأ أيضا كذلك فهذا أيضا من الرياء الغامض لأنه حسن صلاته في الخلوة لتحسن في الملأ فلا يكون قد فرق بينهما فالتفاته في الخلوة والملأ إلى الخلق بل الإخلاص أن تكون مشاهدة البهائم لصلاته ومشاهدة الخلق على وتيرة واحدة فكأن نفس هذا ليست تسمح بإساءة الصلاة بين أظهر الناس ثم يستحيي من نفسه أن يكون في صورة المرائين ويظن أن ذلك يزول بأن تستوي صلاته في الخلا والملا وهيهات بل زوال ذلك بأن لا يلتفت إلى الخلق كما لا يلتفت إلى الجمادات في الخلا والملأ جميعا وهذا من شخص مشغول الهم بالخلق في الملأ والخلا جميعا وهذا من المكايد الخفية للشيطان الدرجة الرابعة وهي أدق وأخفى أن ينظر إليه الناس وهو في صلاته فيعجز الشيطان عن أن يقول له اخشع لأجلهم فإنه قد عرف أنه قد تفطن لذلك فيقول له الشيطان تفكر في عظمة الله تعالى وجلاله ومن أنت واقف بين يديه واستحي من أن ينظر الله إلى قلبك وهو غافل عنه فيحضر بذلك قلبه وتخشع جوارحه ويظن أن ذلك عين الإخلاص وهو عين المكر والخداع فإن خشوعه لو كان لنظره إلى جلاله لكانت هذه الخطرة تلازمه في الخلوة ولكان لا يختص حضورها بحالة حضور غيره وعلامة الأمن من هذه الآفة أن يكون هذا الخاطر مما يألفه في الخلوة كما يألفه في الملأ ولا يكون حضور الغير هو السبب في حضور الخاطر كما لا يكون حضور البهيمة سببا فما دام يفرق في أحواله بين مشاهدة إنسان ومشاهدة بهيمة فهو بعد خارج عن صفو الإخلاص مدنس الباطن بالشرك الخفي من الرياء وهذا الشرك أخفي في قلب ابن آدم من دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء كما ورد في الخبر ولا يسلم من الشيطان إلا من دق نظره وسعد بعصمة الله تعالى وتوفيقه وهدايته وإلا فالشيطان ملازم للمتشعرين لعبادة الله تعالى لا يغفل عنهم لحظة حتى يحملهم على الرياء في كل حركة من الحركات حتى في كحل العين وقص الشارب وطيب يوم الجمعة ولبس الثياب فإن هذه سنن في أوقات مخصوصة وللنفس فيها حظ خفي لارتباط نظر الخلق بها ولاستئناس الطبع بها فيدعوه الشيطان إلى فعل ذلك ويقول هذه سنة لا ينبغي أن تتركها ويكون انبعاث القلب باطنا لها لأجل تلك الشهوة الخفية أو مشوبة بها شوبا يخرج عن حد الإخلاص بسببه ومالا يسلم عن هذه الآفات كلها فليس بخالص بل من يعتكف في مسجد معمور نظيف حسن العمارة يأنس إليه الطبع فالشيطان يرغبه فيه ويكثر عليه من فضائل الاعتكاف وقد يكون المحرك الخفي في سره هو الأنس بحسن صورة المسجد واستراحة الطبع إليه ويتبين ذلك في ميله إلى أحد المسجدين أو أحد الموضعين إذا كان أحسن من الآخر وكل ذلك امتزاج بشوائب الطبع وكدورات النفس ومبطل حقيقة الإخلاص لعمري الغش الذي يمزج بخالص الذهب له درجات متفاوتة فمنها ما يغلب ومنها ما يقل لكن يسهل دركه ومنها ما يدق بحيث لا يدركه إلا الناقد البصير وغش القلب ودغل الشيطان وخبث النفس أغمض من ذلك وأدق كثيرا ولهذا قيل ركعتان من عالم أفضل من عبادة سنة من جاهل وأريد به العالم البصير بدقائق آفات الأعمال حتى يخلص عنها فإن الجاهل نظره إلى ظاهر العبادة واغتراره بها كالنظر السوادي إلى حمرة الدينار المموه واستدارته وهو مغشوش زائف في نفسه وقيراط من الخالص الذي يرتضيه الناقد البصير خير من دينار يرتضيه الغر الغبي

Section V04/P383–V04/P384

فهكذا يتفاوت أمر العبادات بل أشد وأعظم ومداخل الآفات المتطرقة إلى فنون الأعمال لا يمكن حصرها وإحصاؤها فلينتفع بما ذكرناه مثالا والفطن يغنيه القليل عن الكثير والبليد لا يغنيه التطويل أيضا فلا فائدة في التفصيل بيان حكم العمل المشوب واستحقاق الثواب به اعلم أن العمل إذا لم يكن خالصا لوجه الله تعالى بل امتزج به شوب من الرياء أو حظوظ النفس فقد اختلف الناس في أن ذلك هل يقتضي ثوابا أم يقتضي عقابا أم لا يقتضي شيئا أصلا فلا يكون له ولا عليه أما الذي لم يرد به إلا الرياء فهو عليه قطعا وهو سبب المقت والعقاب وأما الخالص لوجه الله تعالى فهو سبب الثواب وإنما النظر في المشوب وظاهر الأخبار تدل على أنه لا ثواب له وليس تخلو الأخبار عن تعارض فيه والذي ينقدح لما فيه والعلم عند الله أن ينظر إلى قدر قوة الباعث فإن كان الباعث الديني مساويا للباعث النفسي تقاوما وتساقطا وصار العمل لا له ولا عليه وإن كان باعث الرياء أغلب وأقوى فهو ليس بنافع وهو مع ذلك مضر ومفض للعقاب نعم العقاب الذي فيه أخف من عقاب العمل الذي تجرد للرياء ولم يمتزج به شائبة التقرب وإن كان قصد التقرب أغلب بالإضافة إلى الباعث الآخر فله ثواب بقدر ما فضل من قوة الباعث الديني وهذا لقوله تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ولقوله تعالى إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها فلا ينبغي أن يضيع قصد الخير بل إن كان غالبا على قصد الرياء حبط منه القدر الذي يساويه وبقيت زيادة وإن كان مغلوبا سقط بسببه شيء من عقوبة القصد الفاسد وكشف الغطاء عن هذا أن الأعمال تأثيرها في القلوب بتأكيد صفاتها فداعية الرياء من المهلكات وإنما غذاء هذا المهلك وقوته العمل على وفقه وداعية الخير من المنجيات وإنما قوتها بالعمل على وفقها فإذا اجتمعت الصفتان في القلب فهما متضادتان فإذا عمل على وفق مقتضى الرياء فقد قوي تلك الصفة وإذا كان العمل على وفق مقتضى التقرب فقد قوي أيضا تلك الصفة وأحدهما مهلك والآخر منج فإن كان تقوية هذا بقدر تقوية الآخر فقد تقاوما فكان كالمستضر بالحرارة إذا تناول ما يضره ثم تناول من المبردات ما يقاوم قدر قوته فيكون بعد تناولهما كأنه لم يتناولهما وإن كان أحدهما غالبا لم يخل الغالب عن أثر فكما لا يضيع مثقال ذرة من الطعام والشراب والأدوية ولا ينفك عن أثر في الجسد بحكم سنة الله تعالى فكذلك لا يضيع مثقال ذرة من الخير والشر ولا ينفك عن تأثيره في إنارة القلب أو تسويده وفي تقريبه من الله أو إبعاده فإذا جاء بما يقربه شبرا مع ما يبعده شبرا فقد عاد إلى ما كان فلم يكن له ولا عليه وإن كان الفعل مما يقربه شبرين والآخر يبعده شبرا واحدا فضل له لا محالة شبر وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم أتبع السيئة الحسنة تمحها فإذا كان الرياء المحض يمحوه الإخلاص المحض عقيبه فإذا اجتمعا جميعا فلا بد وأن يتدافعا بالضرورة ويشهد لهذا إجماع الأمة على أن من خرج حاجا ومعه تجارة صح حجه وأثيب عليه وقد امتزج به حظ من حظوظ النفس نعم يمكن أن يقال إنما يثاب على أعمال الحج عند انتهائه إلى مكة وتجارته غير موقوفة عليه فهو خالص وإنما المشترك طول المسافة ولا ثواب فيه مهما قصد التجارة ولكن الصواب أن يقال مهما كان الحج هو المحرك الأصلي وكان غرض التجارة كالمعين والتابع فلا ينفك نفس السفر عن ثواب ما وعندي أن الغزاة لا يدركون في أنفسهم تفرقة بين غزو الكفار في جهة تكثر فيها الغنائم وبين جهة لا غنيمة فيها ويبعد أن يقال إدراك هذه التفرقة يحبط بالكلية ثواب جهادهم بل العدل أن يقال إذا كان الباعث الأصلي والمزعج القوي هو إعلاء كلمة الله تعالى وإنما الرغبة في الغنيمة على سبيل التبعية فلا يحبط به الثواب

Section V04/P384–V04/P385

نعم لا يساوي ثوابه ثواب من لا يلتفت قلبه إلى الغنيمة أصلا فإن هذا الالتفات نقصان لا محالة فإن قلت فالآيات والأخبار تدل على أن شوب الرياء محبط للثواب وفي معناه شوب طلب الغنيمة والتجارة وسائر الحظوظ فقد روى طاوس وغيره من التابعين أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عمن يصطنع المعروف أو قال يتصدق فيحب أن يحمد ويؤجر فلم يدر ما يقول له حتى نزلت {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} وقد قصد الأجر والحمد جميعا وروى معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أدنى الرياء شرك وقال أبو هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم يقال لمن أشرك في عمله خذ أجرك ممن عملت له وروي عن عبادة إن الله عز وجل يقول أنا أغنى الأغنياء عن الشركة من عمل لي عملا فأشرك معي غيري ودعت نصيبي لشريكي وروى أبو موسى أن أعرابيا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله الرجل يقاتل حمية والرجل يقاتل شجاعة والرجل يقاتل ليرى مكانه فأيهم في سبيل الله فقال صلى الله عليه وسلم من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله وقال عمر رضي الله عنه تقولون فلان شهيد ولعله أن يكون قد ملأ دفتي راحلته ورقا وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من هاجر يبتغي شيئا من الدنيا فهو له فنقول هذه الأحاديث لا تناقض ما ذكرناه بل المراد بها من لم يرد بذلك إلا الدنيا كقوله من هاجر يبتغي شيئا من الدنيا وكان ذلك هو الأغلب على همه وقد ذكرنا أن ذلك عصيان وعدوان لا لأن طلب الدنيا حرام ولكن طلبها بأعمال الدين حرام لما فيه من الرياء وتغيير العبادة عن موضعها وأما لفظ الشركة حيث ورد فمطلق للتساوي وقد بينا أنه إذا تساوى القصدان تقاوما ولم يكن له ولا عليه فلا ينبغي أن يرجى عليه ثواب ثم إن الإنسان عند الشركة أبدا في خطر فإنه لا يدري أي الأمرين أغلب على قصده فربما يكون عليه وبالا ولذلك قال تعالى {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} أي لا يرجى اللقاء مع الشركة التي أحسن أحوالها التساقط ويجوز أن يقال أيضا منصب الشهادة لا ينال إلا بالإخلاص في الغزو وبعيد أن يقال من كانت له داعيته الدينية بحيث تزعجه إلى مجرد الغزو وإن لم يكن غنيمة وقدر على غزو طائفتين من الكفار إحداهما غنية والأخرى فقيرة فمال إلى جهة الأغنياء لإعلاء كلمة الله وللغنيمة لاثواب له على غزوه البتة ونعوذ بالله أن يكون الأمر كذلك فإن هذا حرج في الدين ومدخل لليأس على المسلمين لأن أمثال هذه الشوائب التابعة قط لا ينفك الإنسان عنها إلا على الندور فيكون تأثير هذا في نقصان الثواب فأما أن يكون في إحباطه فلا نعم الإنسان فيه على خطر عظيم لأنه ربما يظن أن الباعث الأقوى هو قصد التقرب إلى الله ويكون الأغلب على سره الحظ النفسي وذلك مما يخفى غاية الخفاء فلا يحصل الأجر إلا بالإخلاص والإخلاص قلما يستيقنه العبد من نفسه وإن بالغ في الاحتياط فلذلك ينبغي أن يكون أبدا بعد كمال الاجتهاد مترددا بين الرد والقبول خائفا أن تكون في عبادته آفة يكون وبالها أكثر من ثوابها وهكذا كان الخائفون من ذوي البصائر وهكذا ينبغي أن يكون كل ذي بصيرة ولذلك قال سفيان رحمه الله لا أعتد بما ظهر من عملي وقال عبد العزيز بن أبي رواد جاورت هذا البيت ستين سنة وحججت ستين حجة فما دخلت في شيء من أعمال الله تعالى إلا وحاسبت نفسي فوجدت نصيب الشيطان أوفى من نصيب الله ليته لا لي ولا علي ومع هذا فلا ينبغي أن يترك العمل عند خوف الآفة والرياء فإن ذلك منتهى بغية الشيطان منه إذ المقصود أن لا يفوت الإخلاص ومهما ترك العمل فقد ضيع العمل والإخلاص جميعا

Section V04/P385–V04/P386

وقد حكي أن بعض الفقراء كان يخدم أبا سعيد الخراز وكيف في أعماله فتكلم أبو سعيد في الإخلاص يوما يريد إخلاص الحركات فأخذ الفقير يتفقد قلبه عند كل حركة ويطالبه بالإخلاص فتعذر عليه قضاء الحوائج واستضر الشيخ بذلك فسأله عن أمره فأخبره بمطالبته نفسه بحقيقة الإخلاص وأنه يعجز عنها في أكثر أعماله فيتركها فقال أبو سعيد لا تفعل إذ الإخلاص لا يقطع المعاملة فواظب على العمل واجتهد في تحصيل الإخلاص فما قلت لك اترك العمل وإنما قلت لك أخلص العمل وقد قال الفضيل ترك العمل بسبب الخلق رياء وفعله لأجل الخلق شرك الباب الثالث في الصدق وفضيلته وحقيقته فضيلة الصدق قال الله تعالى {رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإن الكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا ويكفي في فضيلة الصدق أن الصديق مشتق منه والله تعالى وصف الأنبياء به في معرض المدح والثناء فقال {واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا} وقال واذكر في الكتاب إسمعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا وقال تعالى {واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا} وقال ابن عباس أربع من كن فيه فقد ربح الصدق والحياء وحسن الخلق والشكر وقال بشر ابن الحارث من عامل الله بالصدق استوحش من الناس وقال أبو عبد الله الرملي رأيت منصور الدينوري في المنام فقلت له ما فعل الله بك قال غفر لي ورحمني وأعطاني ما لم أؤمل فقلت له أحسن ما توجه العبد به إلى الله ماذا قال الصدق وأقبح ما توجه به الكذب وقال أبو سليمان اجعل الصدق مطيتك والحق سيفك والله تعالى غاية طلبتك وقال رجل لحكيم ما رأيت صادقا فقال له لو كنت صادقا لعرفت الصادقين وعن محمد بن علي الكناني قال وجدنا دين الله تعالى مبنيا على ثلاثة أركان على الحق والصدق والعدل فالحق على الجوارح والعدل على القلوب والصدق على العقول وقال الثوري في قوله تعالى {ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة} قال هم الذين ادعوا محبة الله تعالى ولم يكونوا بها صادقين وأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام يا داود من صدقني في سريرته صدقته عند المخلوقين في علانيته وصاح رجل في مجلس الشبلي ورمى نفسه في دجلة فقال الشبلي إن كان صادقا فالله تعالى ينجيه كما نجى موسى عليه السلام وإن كان كاذبا فالله تعالى يغرقه كما أغرق فرعون وقال بعضهم أجمع الفقهاء والعلماء على ثلاث خصال أنها إذا صحت ففيها النجاة ولا يتم بعضها إلا ببعض الإسلام الخالص عن البدعة والهوى والصدق لله تعالى في الأعمال وطيب المطعم وقال وهب بن منبه وجدت على حاشية التوراة اثنين وعشرين حرفا كان صلحاء بني إسرائيل يجتمعون فيقرءونها ويتدارسونها لا كنز أنفع من العلم ولا مال أربح من الحلم ولا حسب أوضع من الغضب ولا قرين أزين من العمل ولا رفيق أشين من الجهل ولا شرف أعز من التقوى ولا كرم أوفى من ترك الهوى ولا عمل أفضل من الفكر ولا حسنة أعلى من الصبر ولا سيئة أخزى من الكبر ولا دواء ألين من الرفق ولا داء أوجع من الخرق ولا رسول أعدل من الحق ولا دليل أنصح من الصدق ولا فقر أذل من الطمع ولا غنى أشقى من الجمع ولا حياة أطيب من الصحة ولا معيشة أهنأ من العفة ولا عبادة أحسن من الخشوع ولا زهد خير من القنوع ولا حارس أحفظ من الصمت ولا غائب أقرب من الموت وقال محمد بن سعيد المروزي إذا طلبت الله بالصدق آتاك الله تعالى مرآة بيدك حتى تبصر كل شيء من عجائب الدنيا والآخرة وقال أبو بكر الوراق احفظ الصدق فيما بينك وبين الله تعالى والرفق فيما بينك وبين الخلق وقيل لذي النون هل للعبد إلى صلاح أموره سبيل فقال

Section V04/P386–V04/P387

قد بقينا من الذنوب حيارى ... نطلب الصدق ما إليه سبيل فدعاوى الهوى تخف علينا ... وخلاف الهوى علينا ثقيل وقيل لسهل ما أصل هذا الأمر الذي نحن عليه فقال الصدق والسخاء والشجاعة فقيل زدنا فقال التقى والحياء وطيب الغذاء وعن ابن عباس رضي الله عنهما إن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الكمال فقال قول الحق والعمل بالصدق وعن الجنيد في قوله تعالى {ليسأل الصادقين عن صدقهم} قال يسأل الصادقين عند أنفسهم عن صدقهم عند ربهم وهذا أمر على خطر بيان حقيقة الصدق ومعناه ومراتبه اعلم أن لفظ الصدق يستعمل في ستة معان صدق في القول وصدق في النية والإرادة وصدق في العزم وصدق في الوفاء بالعزم وصدق في العمل وصدق في تحقيق مقامات الدين كلها فمن اتصف بالصدق في جميع ذلك فهو صديق لأنه مبالغة في الصدق ثم هم أيضا على درجات فمن كان له حظ في الصدق في شيء من الجملة فهو صادق بالإضافة إلى ما فيه صدقه الصدق الأول صدق اللسان وذلك لا يكون إلا في الإخبار أو فيما يتضمن الإخبار وينبه عليه والخبر إما أن يتعلق بالماضي أو بالمستقبل وفيه يدخل الوفاء بالوعد والخلف فيه وحق على كل عبد أن يحفظ ألفاظه فلا يتكلم إلا بالصدق وهذا هو أشهر أنواع الصدق وأظهرها فمن حفظ لسانه عن الإخبار عن الأشياء على خلاف ما هي عليه فهو صادق ولكن لهذا الصدق كمالان {أحدهما} الاحتراز عن المعاريض فقد قيل في المعاريض مندوحة عن الكذب وذلك لأنها تقوم مقام الكذب إذ المحذور من الكذب تفهيم الشيء على خلاف ما هو عليه في نفسه إلا أن ذلك مما تمس إليه الحاجة وتقتضيه المصلحة في بعض الأحوال وفي تأديب الصبيان والنسوان ومن يجري مجراهم وفي الحذر عن الظلمة وفي قتال الأعداء والاحتراز عن إطلاعهم على أسرار الملك فمن اضطر إلى شيء من ذلك فصدقه فيه أن يكون نطقه فيه لله فيما يأمره الحق به ويقتضيه الدين فإذا نطق به فهو صادق وإن كان كلامه مفهما غير ما هو عليه لأن الصدق ما أريد لذاته بل للدلالة على الحق والدعاء إليه فلا ينظر إلى صورته بل إلى معناه نعم في مثل هذا الموضع ينبغي أن يعدل إلى المعاريض ما وحد إليه سبيلا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توجه إلى سفر ورى بغيره وذلك كي لا ينتهي الخبر إلى الأعداء فيقصد وليس هذا من الكذب في شيء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بكذاب من أصلح بين اثنين فقال خيرا أو أنمى خيرا ورخص في النطق على وفق المصلحة في ثلاثة مواضع من أصلح بين اثنين ومن كان له زوجتان ومن كان في مصالح الحرب والصدق ههنا يتحول إلى النية فلا يراعى فيه إلا صدق النية وإرادة الخير فمهما وصح قصده وصدقت نيته وتجردت للخير إرادته صار صادقا وصديقا كيفما كان لفظه ثم التعريض فيه أولى وطريقه ما حكي عن بعضهم أنه كان يطلبه بعض الظلمة وهو في داره فقال لزوجته خطي بأصبعك دائرة وضعي الأصبع على الدائرة وقولي ليس هو ههنا واحترز بذلك عن الكذب ودفع الظالم عن نفسه فكان قوله صدق وأفهم الظالم أنه ليس في الدار فالكمال الأول في اللفظ أن يحترز عن صريح اللفظ وعن المعاريض أيضا إلا عند الضرورة والكمال الثاني أن يراعي معنى الصدق في ألفاظه التي يناجي بها ربه كقوله وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض فإن قلبه إن كان منصرفا عن الله تعالى مشغولا بأماني الدنيا وشهواته فهو كذب وكقوله إياك نعبد وقوله أنا عبد الله فإنه إذا لم يتصف بحقيقة العبودية وكان له مطلب سوى الله لم يكن كلامه صدقا ولو طولب يوم القيامة بالصدق في قوله أنا عبد الله لعجز تحقيقه فإنه إن كان عبدا لنفسه أو عبدا لدنيا أو عبدا لشهواته لم يكن صادقا في قوله

Section V04/P387–V04/P388

وكل ما تقيد العبد به فهو عبد له كما قال عيسى عليه السلام يا عبيد الدنيا وقال نبينا صلى الله عليه وسلم تعس عبد الدنيا وتعس عبد الدرهم وعبد الحلة وعبد الخميصة فسمى كل من تقيد قلبه بشيء عبدا له وإنما العبد الحق لله عز وجل من أعتق أولا من غير الله تعالى فصار حرا مطلقا فإذا تقدمت هذه الحرية صار القلب فارغا فحلت فيه العبودية لله فتشغله بالله وبمحبته وتقيد باطنه وظاهره بطاعته فلا يكون له مراد إلا الله تعالى ثم تجاوز هذا إلى مقام آخر أسنى منه يسمى الحرية وهو أن يعتق أيضا عن إرادته لله من حيث هو بل يقنع بما يريد الله له من تقريب أو إبعاد فتفنى إرادته في إرادة الله تعالى وهذا عبد عتق عن غير الله فصار حرا ثم عاد وعتق عن نفسه فصار حرا وصار مفقودا لنفسه موجودا لسيده ومولاه إن حركه تحرك وإن سكنه سكن وإن ابتلاه رضي لم يبق فيه متسع لطلب والتماس واعتراض بل هو بين يدي الله كالميت بين يدي الغاسل وهذا منتهى الصدق في العبودية لله تعالى فالعبد الحق هو الذي وجوده لمولاه لا لنفسه وهذه درجة الصديقين وأما الحرية عن غير الله فدرجات الصادقين وبعدها تتحقق العبودية لله تعالى وما قبل هذا فلا يستحق صاحبه أن يسمى صادقا ولا صديقا فهذا هو معنى الصدق في القول الصدق الثاني في النية والإرادة ويرجع ذلك إلى الإخلاص وهو أن لا يكون له باعث في الحركات والسكنات إلا الله تعالى فإن مازجه شوب من حظوظ النفس بطل صدق النية وصاحبه يجوز أن يسمى كاذبا كما روينا في فضيلة الإخلاص من حديث الثلاثة حين يسئل العالم ما عملت فيما علمت فقال فعلت كذا وكذا فقال الله تعالى كذبت بل أردت أن يقال فلان عالم فإنه لم يكذبه ولم يقل له لم تعمل ولكنه كذبه في إرادته ونيته وقد قال بعضهم الصدق صحة التوحيد في القصد وكذلك قول الله تعالى والله يشهد إن المنافقين لكاذبون وقد قالوا إنك لرسول الله وهذا صدق ولكن كذبهم لا من حيث نطق اللسان بل من حيث ضمير القلب وكان التكذيب يتطرق إلى الخبر وهذا القول يتضمن إخبارا بقرينة الحال إذ صاحبه يظهر من نفسه أن يعتقد ما يقول فكذب في دلالته بقرينة الحال على ما في قلبه فإنه كذب في ذلك ولم يكذب فيما يلفظ به فيرجع أحد معاني الصدق إلى خلوص النية وهو الإخلاص فكل صادق فلا بد وأن يكون مخلصا الصدق الثالث صدق العزم فإن الإنسان قد يقدم العزم على العمل فيقول في نفسه إن رزقني الله مالا تصدقت بجميعه أو بشطره أو إن لقيت عدوا في سبيل الله تعالى قاتلت ولم أبال وإن قتلت وإن أعطاني الله تعالى ولاية عدلت فيها ولم أعص الله تعالى بظلم وميل إلى خلق فهذه العزيمة قد يصادفها من نفسه وهي عزيمة جازمة صادقة وقد يكون في عزمه نوع ميل وتردد وضعف يضاد الصدق في العزيمة فكان الصدق ههنا عبارة عن التمام والقوة كما يقال لفلان شهوة صادقة ويقال هذا المريض شهوته كاذبة مهما لم تكن شهوته عن سبب ثابت قوي أو كانت ضعيفة فقد يطلق الصدق ويراد به هذا المعنى والصادق والصديق هو الذي تصادف عزيمته في الخيرات كلها قوة تامة ليس فيها ميل ولا ضعف ولا تردد بل تسخو نفسه أبدا بالعزم المصمم الجازم على الخيرات وهو كما قال عمر رضي الله عنه لأن أقدم فتضرب عنقي أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر رضي الله عنه فإنه قد وجد من نفسه العزم الجازم والمحبة الصادقة بأنه لا يتأمر مع وجود أبي بكر رضي الله عنه وأكد ذلك بما ذكره من القتل

Section V04/P388–V04/P390

ومراتب الصديقين في العزائم تختلف فقد يصادف العزم ولا ينتهي به إلى أن يرضى بالقتل فيه ولكن إذا خلي ورأيه لم يقدم ولو ذكر له حديث القتل لم ينقض عزمه بل في الصادقين والمؤمنين من لو خير بين أن يقتل هو أو أبو بكر كانت حياته أحب من حياة أبي بكر الصديق الصدق الرابع في الوفاء بالعزم فإن النفس قد تسخو بالعزم في الحال إذ لا مشقة في الوعد والعزم والمؤنة فيه خفيفة فإذا حقت الحقائق وحصل التمكن وهاجت الشهوات انحلت العزيمة وغلبت الشهوات ولم يتفق الوفاء بالعزم وهذا يضاد الصدق فيه ولذلك قال الله تعالى رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فقد روي عن أنس أن عمه أنس بن النضر لم يشهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فشق ذلك على قلبه وقال أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه أما والله لئن أراني الله مشهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرين الله ما أصنع قال فشهد أحدا في العام القابل فاستقبله سعد بن معاذ فقال يا أبا عمرو إلى أين فقال واها لريح الجنة إني أجد ريحها دون أحد فقاتل حتى قتل فوجد في جسده بضع وثمانون ما بين رمية وضربة وطعنة فقالت أخته بنت النضر ما عرفت أخي إلا بثيابه فنزلت هذه الآية رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ووقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على مصعب بن عمير وقد سقط على وجهه يوم أحد شهيدا وكان صاحب لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وقال فضالة بن عبيد سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الشهداء أربعة رجل مؤمن جيد الإيمان لقي العدو فصدق الله حتى قتل فذلك الذي يرفع الناس إليه أعينهم يوم القيامة هكذا ورفع رأسه حتى وقعت قلنسوته قال الراوي فلا أدري قلنسوة عمر أو قلنسوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجل جيد الإيمان إذا لقي العدو فكأنما يضرب وجهه بشوك الطلح أتاه سهم عاثر فقتله فهو في الدرجة الثانية ورجل مؤمن خلط عملا صالحا وآخر سيئا لقي العدو فصدق الله حتى قتل فذاك في الدرجة الثالثة ورجل أسرف على نفسه لقي العدو فصدق الله حتى قتل فذلك في الدرجة الرابعة وقال مجاهد رجلان خرجا على ملأ من الناس قعود فقالا إن رزقنا الله تعالى مالا لنتصدقن فبخلوا به فنزلت ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين وقال بعضهم إنما هو شيء نووه في أنفسهم لم يتكلموا به فقال ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون فجعل العزم عهدا وجعل الخلف فيه كذبا والوفاء به صدقا وهذا الصدق أشد من الصدق الثالث فإن الناس قد تسخو بالعزم ثم تكيع عند الوفاء لشدته عليها ولهيجان الشهوة عند التمكن وحصول الأسباب ولذلك استثنى عمر رضي الله عنه فقال لأن أقدم فتضرب عنقي أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر اللهم إلا أن تسول لي نفسي عند القتل شيئا لا أجده الآن لأني لا آمن أن يثقل عليها ذلك فتتغير عن عزمها وأشار بذلك إلى شدة الوفاء بالعزم وقال أبو سعيد الخراز رأيت في المنام كأن ملكين نزلا من السماء فقالا لي ما الصدق قلت الوفاء بالعهد فقالا لي صدقت وعرجا إلى السماء الصدق الخامس في الأعمال وهو أن يجتهد حتى لا تدل أعماله الظاهرة على أمر في باطنه لا يتصف هو به لا بأن يترك الأعمال ولكن بأن يستجر الباطن إلى تصديق الظاهر وهذا مخالف ما ذكرناه من ترك الرياء لأن

Questions

Gazâlî — İhyâü Ulûmi'd-Dîn · 68 · Qur'an & Sunnah