Gazâlî — İhyâü Ulûmi'd-Dîn
قال البراء بن عازب خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبره منكسا رأسه ثم قال اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ثلاثا ثم قال إن المؤمن إذا كان في قبل من الآخرة بعث الله ملائكة كأن وجوههم الشمس معهم حنوطه وكفنه فيجلسون مد بصره فإذا خرجت روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماء وفتحت أبواب السماء فليس منها باب إلا يحب أن يدخل بروحه منه فإذا صعد بروحه قيل أي رب عبدك فلان فيقول ارجعوه فأروه ما أعددت له من الكرامة فإني وعدته منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى وإنه ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين حتى يقال يا هذا من ربك وما دينك وما نبيك فيقول ربي الله وديني الإسلام ونبي محمد صلى الله عليه وسلم قال فينتهرأنه انتهارا شديدا وهي آخر فرصة تعرض على الميت فإذا قال ذلك نادى مناد أن قد صدقت وهي معنى قوله تعالى {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت} ثم يأتيه آت حسن الوجه طيب الريح حسن الثياب فيقول أبشر برحمة ربك وجنات فيها نعيم مقيم فيقول وأنت فبشرك الله بخير من أنت فيقول أنا عملك الصالح والله ما علمت أن كنت لسريعا إلى طاعة الله بطيئا عن معصية الله فجزاك الله خيرا {قال} ثم يناد مناد أن افرشوا له من فرش الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة فيفرش له من فرش الجنة ويفتح له باب إلى الجنة فيقول اللهم عجل قيام الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي {قال} وأما الكافر فإنه إذا كان في قبل من الآخرة وانقطاع من الدنيا نزلت إليه ملائكة غلاظ شداد معهم ثياب من نار وسرابيل من قطران فيحتوشونه فإذا خرجت نفسه لعنه كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماء وغلقت أبواب السماء فليس بها باب إلا يكره أن يدخل بروحه منه فإذا صعد بروحه نبذ وقيل أي ربعبدك فلان لم تقبله سماء ولا ارض فيقول الله عز وجل ارجعوه فأروه ما أعددت له من الشر إني وعدته {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى} وأنه ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين حتى يقال له يا هذا من ربك ومن نبيك وما دينك فيقول لا أدرى فيقال لا دريت ثم يأتيه آت قبيح الوجه منتن الريح قبيح الثياب فيقول أبشر بسخط من الله وبعذاب أليم مقيم فيقول بشرك الله شرا من أنت فيقول أنا عملك الخبيث والله إن كنت لسريعا في معصية الله بطيئا عن طاعة الله فجزاك الله شرا فيقول وأنت فجزاك الله شرا ثم يقيض له أعمى أصم أبكم معه مرزبة من حديد لو اجتمع عليها الثقلان على أن يقلوها لم يستطيعوا لو ضرب بها جبل صار ترابا فيضربه بها ضربة فيصير ترابا ثم تعود فيه الروح فيضربه بها بين عينيه ضربة يسمعها من على الأرضين ليس الثقلين {قال} ثم ينادي مناد أن افرشوا له لوحين من النار وافتحوا له بابا إلى النار فيفرش له لوحان من نار ويفتح له باب إلى النار وقال محمد بن علي ما من ميت يموت إلا مثل له
عند الموت أعماله الحسنة وأعماله السيئة قال فيشخص إلى حسناته ويطرق عن سيئاته وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن المؤمن إذا احتضر أتته الملائكة بحريرة فيها مسك وضبائر الريحان فتسل روحه كما تسل الشعرة من العجين ويقال أيتها النفس المطمئنة اخرجي راضية ومرضيا عنك إلى روح الله وكرامته فإذا أخرجت روحه وضعت على ذلك المسك والريحان وطويت عليها الحريرة وبعث بها إلى عليين وإن الكافر إذا احتضر أتته الملائكة بمسح فيه جمرة فتنزع روحه انتزاعا شديدا ويقال أيتها النفس الخبيثة أخرجي ساخطة ومسخوط عليك إلى هوان الله وعذابه فإذا أخرجت روحه وضعت على تلك الجمرة وأن لها نشيشا ويطوى عليها المسح ويذهب بها إلى سجين وعن محمد بن كعب القرظي أنه كان يقرأ قوله تعالى حتى إذا جاء أحدهم الموت قال ربي أرجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت قال أي شيء تريد في أي شيء ترغب أتريد أن ترجع لتجمع المال وتغرس الغراس وتبني البنيان وتشق الأنهار قال لا لعلي أعمل صالحا فيما تركت قال فيقول الجبار {كلا إنها كلمة هو قائلها} أي ليقولنها عند الموت وقال أبو هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن في قبره في روضة خضراء ويرحب له في قبره سبعون ذراعا ويضىء حتى يكون كالقمر ليلة البدر هل تدرون فيماذا أنزلت فإن له معيشة ضنكا قالوا الله ورسوله أعلم قال عذاب الكافر في قبره يسلط عليه تسعة وتسعون تنينا هل تدرون ما التنين تسعة وتسعون حية لكل حية تسعة رؤوس يخدشونه ويلحسونه وينفخون في جسمه إلى يوم يبعثون ولا ينبغي أن يتعجب من هذا العدد على الخصوص فإن أعداد هذه الحيات والعقارب بعدد الأخلاق المذمومة من الكبر والرياء والحسد والغل والحقد وسائر الصفات فإن لها أصولا معدودة ثم تتشعب منها فروع معدودة ثم تنقسم فروعها إلى أقسام وتلك الصفات بأعيانها هي المهلكات وهي بأعيانها تنقلب عقارب وحيات فالقوي منها يلدغ لدغ التنين والضعيف يلدغ لدغ العقرب وما بينهما يؤذي إيذاء الحية وأرباب القلوب والبصائر يشاهدون بنور البصيرة هذه المهلكات والشعاب فروعها إلا أن مقدار عددها لا يوقف عليه إلا بنور النبوة فأمثال هذه الأخبار لها ظواهر صحيحة وأسرار خفية ولكنها عند أرباب البصائر واضحة فمن لم تنكشف له حقائقها فلا ينبغي أن ينكر ظواهرها بل أقل درجات الإيمان التصديق والتسليم فإن قلت فنحن نشاهد الكافر في قبره مدة ونراقبه ولا نشاهد شيئا من ذلك فما وجه التصديق على خلاف المشاهدة فأعلم أن لك ثلاث مقامات في التصديق بأمثال هذا إحداهما وهو الأظهر والأصح والأسلم أن تصدق بأنها موجودة وهي تلدغ الميت ولكنك لا تشاهد ذلك فإن هذه العين لا تصلح لمشاهدة الأمور الملكوتية وكل ما يتعلق بالآخرة فهو من علم الملكوت أما ترى الصحابة رضي الله عنهم كيف كانوا يؤمنون بنزول جبريل وما كانوا يشاهدونه ويؤمنون بأنه عليه السلام يشاهده فإن كنت لا تؤمن بهذا فتصحيح أصل الإيمان بالملائكة والوحي أهم عليك وإن كنت آمنت به وجوزت أن يشاهد النبي مالا تشاهده الأمة فكيف لا تجوز هذا في الميت وكما أن الملك لا يشبه الآدميين والحيوانات فالحيات والعقارب التي تلدغ في القبر ليست من جنس حيات عالمنا بل هي جنس آخر وتدرك بحاسة أخرى المقام الثاني أن تتذكر أمر النائم وأنه قد يرى في نومه حية تلدغه وهو يتألم بذلك حتى تراه يصبح في نومه ويعرق جبينه وقد ينزعج من مكانه كل ذلك يدركه من نفسه ويتأذى به كما يتأذى اليقظان وهو يشاهده وأنت ترى ظاهره ساكنا ولا ترى حواليه حية والحية موجودة في حقه والعذاب حاصل ولكنه في حقك غير مشاهد وإذا كان العذاب في ألم اللدغ فلا فرق بين حية تتخيل أو تشاهد
المقام الثالث أنك تعلم أن الحية بنفسها لا تؤلم بل الذي يلقاك منها وهو السم ثم السم ليس هو الألم بل عذابك في الأثر الذي يحصل فيك من السم فلو حصل مثل ذلك الأثر من غير سم لكان العذاب قد توفر وكان لا يمكن تعريف ذلك النوع من العذاب إلا بأن يضاف إلى السبب الذي يفضى إليه في العادة فإنه لو خلق في الإنسان لذة الوقاع مثلا من غير مباشرة صورة الوقاع لم يمكن تعريفها إلا بالإضافة إليه لتكون الإضافة للتعريف بالسبب وتكون ثمرة السبب حاصلة وإن لم تحصل صورة السبب السبب يراد لثمرته لا لذاته وهذه الصفات المهلكات تنقلب مؤذيات ومؤلمات في النفس عند الموت فتكون آلامها كآلام لدغ الحيات من غير وجود حيات وانقلاب الصفة مؤذية يضاهي انقلاب العشق مؤذيا عند موت المعشوق فإن كان لذيذا فطرأت حالة صار اللذيذ بنفسه مؤلما حتى يرد بالقلب وأنواع العذاب ما يتمنى معه إن لم يكن قد تنعم من العشق والوصال بل هذا بعينه أحد أنواع عذاب الميت فإنه قد سلط العشق في الدنيا على نفسه فصار يعشق ماله وعقاره وجاهه وولده وأقاربه ومعارفه ولو أخذ جميع ذلك في حياته من لا يرجو استرجاعه منه فماذا ترى يكون حاله أليس يعظم شقاؤه ويشتد عذابه ويتمنى ويقول ليته لم يكن لي مال قط ولا جاه قط فكنت لا أتاذى بفراقه فالموت عبارة عن مفارقة المحبوبات الدنيوية كلها دفعة واحدة ما حال من كان له واحد ... غيب عنه ذلك الواحد فما حال من لا يفرح إلا بالدنيا فتؤخذ منه الدنيا وتسلم إلى أعدائه ثم ينضاف إلى هذا العذاب تحسره على ما فاته من نعيم الآخرة والحجاب عن الله عز وجل فإن حب غير الله يحجبه عن لقاء الله والتنعم به فيتوالى عليه ألم فراق جميع محبوباته وحسرته ما فاته من نعيم الآخرة أبد الآباد وذل الرد والحجاب عن الله تعالى وذلك هو العذاب الذي يعذب به إذ لا يتبع نار الفراق إلا نار جهنم كما قال تعالى {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم} وأما من لم يأنس بالدنيا ولم يحب إلا الله وكان مشتاقا إلى لقاء الله فقد تخلص من سجن الدنيا ومقاساة الشهوات فيها وقدم على محبوبه وانقطعت عنه العوائق والصوارف وتوفر عليه النعيم مع الأمن من الزوال أبد الآباد ولمثل ذلك فليعمل العاملون والمقصود أن الرجل قد يحب فرسه بحيث لو خير بين أن يؤخذ منه وبين أن تلدغه عقرب آثر الصبر على لدغ العقرب فإذن ألم فراق الفرس عنده أعظم من العقرب وحبه الفرس هو الذي يلدغه إذا أخذ منه فرسه فليستعد لهذه اللدغات فإن الموت يأخذ منه فرسه ومركبه وداره وعقاره وأهله وولده وأحبائه ومعارفه ويأخذ منه جاهه وقبوله بل يأخذ منه سمعه وبصره وأعضاءه وييأس من رجوع جميع ذلك إليه فإذا لم يحب سواه وقد أخذ جميع ذلك منه فذلك أعظم عليه من العقارب والحيات وكما لو أخذ ذلك منه وهو حي فيعظم عقابه فكذلك إذا مات لأنا قد بينا أن المعنى الذي هو المدرك للآلام واللذات لم يمت بل عذابه بعد الموت أشد لأنه في الحياة يتسلى بأسباب يشغل بها حواسه من مجالسة ومحادثة ويتسلى برجاء العود إليه ويتسلى برجاء العوض منه ولا سلوة
بعد الموت إذ قد انسد عليه طرق التسلي وحصل اليأس فإذن كل قميص له ومنديل قد أحبه بحيث كان يشق عليه لو أخذ منه فإنه يبقى متأسفا عليه ومعذبا به فإن كان مخفا في الدنيا سلم وهو المعني بقولهم نجا المخفون وإن كان مثقلا عظم عذابه وكما أن الحال من يسرق منه دينار أخف من حال من يسرق منه عشرة دنانير فكذلك حال صاحب الدرهم أخف من حال صاحب الدرهمين وهو المعنى بقوله صلى الله عليه وسلم صاحب الدرهم أخف حسابا من صاحب الدرهمين وما من شيء من الدنيا يتخلف عنك عند الموت إلا وهو حسرة عليك بعد الموت فإن شئت فاستكثر وإن شئت فاستقلل فإن استكثرت فلست بمستكثر إلا من الحسرة وإن استقللت فلست تخفف إلا من ظهرك وإنما تكثر الحيات والعقارب في قبور الأغنياء الذين استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وفرحوا بها واطمأنوا إليها فهذه مقامات الإيمان في حيات القبر وعقاربه وفي سائر أنواع عذابه رأى أبو سعيد الخدري ابنا له قد مات في المنام فقال له يا بني عظني قال لا تخالف الله تعالى فيما يريد قال يا بني زدني قال يا أبت لا تطيق قال قل قال لا تجعل بينك وبين الله قميصا فما لبس قميصا ثلاثين سنة فإن قلت فما الصحيح من هذه المقامات الثلاث فأعلم أن في الناس من لم يثبت إلا الأول وأنكر ما بعده ومنهم من أنكر الأول وأثبت الثاني ومنهم من لم يثبت إلا الثالث وإنما الحق الذي انكشف لنا بطريق الاستبصار أن كل ذلك في حيز الإمكان وأن من ينكر بعض ذلك فهو لضيق حوصلته وجهله باتساع قدرة الله سبحانه وعجائب تدبيره فينكر من أفعال الله تعالى ما لم يأنس به ويألفه وذلك جهل وقصور بل هذه الطرق الثلاثة في التعذيب ممكنة والتصديق بها واجب ورب عبد يعاقب بنوع واحد من هذه الأنواع ورب عبد تجمع عليه هذه الأنواع الثلاثة نعوذ بالله من عذاب الله قليله وكثيره هذا هو الحق فصدق به تقليدا فيعز على بسيط الأرض من يعرف ذلك تحقيقا والذي أوصيك به أن لا تكثر نظرك في تفصيل ذلك ولا تشتغل بمعرفته بل اشتغل بالتدبير في دفع العذاب كيفما كان فإن أهملت العمل والعبادة واشتغلت بالبحث عن ذلك كنت كمن أخذه سلطان وحبسه ليقطع يده ويجدع أنفه فأخذ طول الليل يتفكر في أنه هل يقطعه بسكين أو بسيف أو بموسى وأهمل طريق الحيلة في دفع أصل العذاب عن نفسه وهذا غاية الجهل فقد علم على القطع أن العبد لا يخلو بعد الموت من عذاب عظيم أو نعيم مقيم فينبغي أن يكون الاستعداد له فأما البحث عن تفصيل العقاب والثواب ففضول وتضييع زمان بيان سؤال منكر ونكير وصورتهما وضغطة القبر وبقية القول في عذاب القبر قال أبو هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا مات العبد أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما منكر وللآخر نكير فيقولان ما كنت تقول في النبي فإن كان مؤمنا قال هو عبد الله ورسوله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فيقولان إن كنا لنعلم أنك تقول ذلك ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين ذراعا وينور له في قبره ثم يقال له نم فيقول دعوني أرجع إلى أهلي فأخبرهم فيقال له نم فينام كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك وإن كان منافقا قال لا أدري
كنت أسمع الناس يقولون شيئا وكنت أقوله فيقولان إن كنا لنعلم أنك تقول ذلك ثم يقال للأرض التئمي عليه فتلتئم عليه حتى تختلف فيها أضلاعه فلا يزال معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك وعن عطاء بن يسار قال قال رسول الله لعمر بن الخطاب رضي الله عنه يا عمر كيف بك إذا انت مت فانطلق بك قومك فقاسوا لك ثلاثة أذرع في ذراع وشبر ثم رجعوا إليك فغسلوك وكفنوك وحنطوك ثم احتملوك حتى يضعوك فيه ثم يهيلوا عليك التراب ويدفنوك فإذا انصرفوا عنك أتاك فتانا القبر منكر ونكير أصواتهما كالرعد القاصف وأبصارهما كالبرق الخاطف يجران أشعارهما ويبحثان القبر بأنيابهما فتلتلاك وترتراك كيف بك عند ذلك يا عمر فقال عمر ويكون معى مثل عقلي الآن قال {نعم} قال إذن أكفيكهما وهذا نص صريح في أن العقل لا يتغير بالموت إنما يتغير البدن والأعضاء فيكون الميت عاقلا مدركا عالما بالآلام واللذات كما كان لا يتغيرمن عقله شيء وليس العقل المدرك هذه الأعضاء بل هو شيء باطن ليس له طول ولا عرض بل الذي لا ينقسم في نفسه هو المدرك للأشياء ولو تناثرت أعضاء الإنسان كلها ولم يبق إلا الجزء المدرك الذى لا يتجزأ ولا ينقسم لكان الإنسان العاقل بكماله قائما باقيا وهو كذلك بعد الموت فإن ذلك الجزء لا يحله الموت ولا يطرأ عليه العدم وقال محمد بن المنكدر بلغنى أن الكافر يسلط عليه في قبره دابة عمياء صماء في يدها سوط من حديد في رأسه مثل غرب الجمل تضربه به إلى يوم القيامة لا تراه فتتقيه ولا تسمع صوته فترحمه وقال أبو هريرة إذا وضع الميت في قبره جاءت أعماله الصالحة فاحتوشته فإن أتاه من قبل رأسه جاء قراءته للقرآن وإن أتاه من قبل رجليه جاء قيامه وإن أتاه من قبل يده قالت اليدان والله لقد كان يبسطني للصدقة والدعاء لا سبيل لكم عليه وإن جاء من قيل فيه جاء ذكره وصيامه وكذلك تقف الصلاة والصبر ناحية فيقول أما إني لو رأيت خللا لكنت أنا صاحبه قال سفيان تجاحش عنه أعماله الصالحة كما يجاحش الرجل عن أخيه وأهله وولده ثم يقال له عند ذلك بارك الله لك في مضجعك فنعم الأخلاء أخلاؤك ونعم الأصحاب أصحابك وعن حذيفة قال كنا مع رسول صلى الله عليه وسلم في جنازة فجلس على رأس القبر ثم جعل ينظر فيه ثم قال يضغط المؤمن في هذا ضغطة ترد منه حمائله وقالت عائشة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن للقبر ضغطة ولو سلم أو نجا منها أحد لنجا سعد بن معاذ أحمد وعن أنس قال توفيت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت امرأة مسقامة فتبعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فساءنا حاله فلما انتهينا إلى القبر فدخله انتقع وجهه صفرة فلما خرج أسفر وجهه فقلنا يا رسول الله رأينا منك شأنا فمم ذلك قال ذكرت ضغطة ابنتي وشدة عذاب القبر فأتيت فأخبرت أن الله قد خفف عنها وقد ضغطت ضغطة سمع صوتها ما بين الخافقين الباب الثامن فيما عرف من أحوال الموتى بالمكاشفة في المنام
اعلم أن أنوار البصائر المستفادة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومن مناهج الاعتبار تعرفنا أحوال الموتى على الجملة وانقسامهم إلى سعداء وأشقياء ولكن حال زيد وعمرو بعينه فلا ينكشف أصلا فإنا إن عولنا على إيمان زيد وعمرو فلا ندري على ماذا مات وكيف ختم له وإن عولنا على صلاحه الظاهر فالتقوى محله القلب وهو غامض يخفي على صاحب التقوى فكيف على غيره فلا حكم لظاهر الصلاح دون التقوى الباطن قال الله تعالى إنما يتقبل الله من المتقين فلا يمكن معرفة حكم زيد وعمرو إلا بمشاهدته ومشاهدة ما يجري عليه وإذا مات فقد تحول من عالم الملك والشهادة إلى عالم الغيب والملكوت فلا يرى بالعين الظاهرة وإنما يرى بعين أخرى خلقت تلك العين في قلب كل إنسان ولكن جعل عليها غشاوة كثيفة من شهواته وأشغاله الدنيوية فصار لا يبصر بها ولا يتصور أن يبصر بها شيئا من عالم الملكوت ما لم تنقشع تلك الغشاوة عن عين قلبه ولما كانت الغشاوة منقشعة عن أعين الأنبياء عليهم السلام فلا جرم نظروا إلى الملكوت وشاهدوا عجائبه والموتى في عالم الملكوت فشاهدوهم وأخبروا ولذلك رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ضغطة القبر في حق سعد ابن معاذ وفي حق زينب ابنته وكذلك حال أبي جابر لما استشهد إذ أخبره أن الله أقعده بين يديه ليس بينهما ستر ومثل هذه المشاهدة لا مطمع فيها لغير الأنبياء والأولياء الذين تقرب درجتهم منهم إنما الممكن من أمثالنا مشاهدة أخرى ضعيفة إلا أنها أيضا مشاهدة نبوية وأعني بها المشاهدة في المنام وهي من أنوار النبوة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة وهو أيضا انكشاف لا يحصل إلا بانقشاع الغشاوة عن القلب فلذلك لا يوثق إلا برؤيا الرجل الصالح الصادق ومن كثر كذبه لم تصدق رؤياه ومن كثر فساده ومعاصيه أظلم قلبه فكان ما يراه أضغات أحلام ولذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطهارة عند النوم لينام طاهرا وهو إشارة إلى طهارة الباطن أيضا فهو الأصل وطهارة الظاهر بمنزلة التتمة والتكملة لها ومهما صفا الباطن انكشف في حدقة القلب ما سيكون في المستقبل كما انكشف دخول مكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم حتى نزل قوله تعالى لقد صدق الله ورسوله الرؤيا بالحق وقلما يخلوا الإنسان عن منامات دلت على أمور فوجدها صحيحة والرؤيا ومعرفة الغيب في النوم من عجائب صنع الله تعالى وبدائع فطرة الآدمي وهو من أوضح الأدلة على عالم الملكوت والخلق غافلون عنه كغفلتهم عن سائر عجائب القلب وعجائب العالم والقول في حقيقة الرؤيا من دقائق علوم المكاشفة فلا يمكن ذكره علاوة على علم المعاملة ولكن القدر الذي يمكن ذكره ههنا مثال يفهمك المقصود وهو أن تعلم أن القلب مثاله مثال مرآة تتراءى فيها الصور وحقائق الأمور وأن كل ما قدره الله تعالى من ابتداء خلق العالم إلى آخره مسطور ومثبت في خلق خلقه الله تعالى يعبر عنه تارة باللوح وتارة بالكتاب المبين وتارة بإمام مبين كما ورد في القرآن فجميع
ما جرى في العالم وما سيجرى مكتوب فيه ومنقوش عليه نقشا لا يشاهد بهذه العين ولا تظنن أن ذلك اللوح من خشب أو حديد أو عظم وأن الكتاب من كاغد أو رق بل ينبغي أن تفهم قطعا أن لوح الله لا يشبه لوح الخلق وكتاب الله لا يشبه كتاب الخلق كما أن ذاته وصفاته لا تشبه ذات الخلق وصفاتهم بل إن كنت تطلب له مثالا يقربه إلى فهمك فأعلم أن ثبوت المقادير في اللوح يضاهي ثبوت كلمات القرآن وحروفه في دماغ حافظ القرآن وقلبه فإنه مسطور فيه حتى كأنه حين يقرؤه ينظر إليه ولو فتشت دماغه جزءا جزءا لم تشاهد من ذلك الخط حرفا وإن كان ليس هناك خط يشاهد ولا حرف ينظر فمن هذا النمط ينبغي أن تفهم كون اللوح منقوشا بجميع ما قدره الله تعالى وقضاه واللوح في المثال كمرآة ظهر فيها الصور فلو وضع في مقابلة المرآة مرآة أخرى لكانت صورة تلك المرآة تتراءى في هذه إلا أن يكون بينهما حجاب فالقلب مرآة تقبل رسوم العلم واللوح مرآة رسوم العلم كلها موجودة فيها واشتغال القلب بشهواته ومقتضى حواسه حجاب مرسل بينه وبين مطالعة اللوح اللوح الذي هو من عالم الملكوت فإن هبت ريح حركت هذا الحجاب ورفعته تلألأ في مرآة القلب شيء من عالم الملكوت كالبرق الخاطف وقد يثبت ويدوم وقد لا يدوم وهو الغالب وما دام متيقظا فهو مشغول بما تورده الحواس عليه من عالم الملك والشهادة وهو حجاب عن عالم الملكوت ومعنى النوم أن توكد الحواس عليه فلا تورده على القلب فإذا تخلص منه ومن الخيال وكان صافيا في جوهره ارتفع الحجاب بينه وبين اللوح المحفوظ فوقع في قلبه شيء مما في اللوح كما تقع الصورة من مرآة في مرآة أخرى إذا ارتفع الحجاب بينهما إلا أن النوم مانع سائر الحواس عن العمل وليس مانعا للخيال عن عمله وعن تحركه فما ويقع في القلب يبتدره الخيال فيحاكيه بمثال يقاربه وتكون المتخيلات أثبت في الحفظ من غيرها فيبقى الخيال في الحفظ فإذا انتبه لم يتذكر إلا الخيال فيحتاج المعبر أن ينظر إلى هذا الخيال حكاية أي معنى من المعانى فيرجع إلى المعاني بالمناسبة التي بين المتخيل والمعاني وأمثلة ذلك ظاهرة عند من نظر في علم التعبير ويكفيك مثال واحد وهو أن رجلا قال لابن سيرين رأيت كأن بيدي خاتما أختم به أفواه الرجال وفروج النساء فقال أنت مؤذن تؤذن قبل الصبح في رمضان قال صدقت فانظر أن روح الختم هو المنع ولأجله يراد الختم وإنما ينكشف للقلب حال الشخص من اللوح المحفوظ كما هو عليه وهو كونه مانعا للناس من الأكل والشرب ولكن الخيال ألف المنع عند الختم بالخاتم فثمتله بالصورة الخيالية التي تتضمن روح المعنى ولا يبقى في الحفظ إلا الصورة الخيالية فهذه نبذة يسيرة من بحر علم الرؤيا الذي لا تنحصر عجائبه وكيف لا وهو أخو الميت وإنما الموت هو عجب من العجائب وهذا لأنه يشبهه من وجه ضعيف أثر في كشف الغطاء عن عالم الغيب حتى صار النائم يعرف ما سيكون في المستقبل فماذا نرى في الموت الذي يخرق الحجاب ويكشف الغطاء بالكلية حتى يرى الإنسان عند انقطاع النفس من غير تأخير نفسه إما محفوفة بالأنكال والمخازي والفضائح نعوذ بالله من ذلك وإما مكنوفا بنعيم مقيم وملك كبير لا آخر له وعند هذا يقال للأشقياء وقد انكشف الغطاء {لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد} ويقال أفسخر هذا أم أنتم لا تبصرون اصلوها فاصبروا أو لا تبصروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون وإليهم الإشارة بقوله تعالى {وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون} فأعلم العلماء وأحكم الحكماء ينكشف له عقيب الموت من العجائب والآيات ما لم يخطر قط بباله ولا اختلج به ضميره فلو لم يكن للعاقل هم وغم إلا الفكرة في خطر تلك الحال أن الحجاب عماذا يرتفع وما الذي ينكشف عنه الغطاء من
شقاوة لازمة أم سعادة دائمة لكان ذلك كافيا في استغراق جميع العمر والعجب من غفلتنا وهذه العظائم بين أيدينا وأعجب من ذلك فرحنا بأموالنا وأهلينا وبأسبابنا وذريتنا بل بأعضائنا وسمعنا وبصرنا مع أنا نعلم مفارقة جميع ذلك يقينا ولكن أين من ينفث روح القدس في روعة فيقول ما قال لسيد النبيين أحبب من أحببت فإنك مفارقه وعش ما شئت فإنك ميت واعمل ما شئت فإنك مجزي به فلا جرم لما كان ذلك مكشوفا له بعين اليقين كان في الدنيا كعابر سبيل لم يضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة ولم يخلف دينارا ولا درهما ولم يتخذ حبيبا ولا خليلا نعم قال لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الرحمن فبين أن خلة الرحمن تخللت باطن قلبه وأن حبه تمكن من حبة قلبه فلم يترك فيه متسعا لخليل ولا لحبيب وقد قال لأمته {إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} فإنما أمته من اتبعه وما اتبعه إلا من أعرض عن الدنيا وأقبل على الآخرة فإنه ما دعا إلا إلى الله واليوم الآخر وما صرف إلا عن الدنيا والحظوظ العاجلة فبقدر ما أعرضت عن الدنيا وأقبلت على الآخرة فقد سلكت سبيله الذي سلكه وبقدر ما سلكت سبيله فقد أتبعته وبقدر ما اتبعته فقد صرت من أمته وبقدر ما أقبلت على الدنيا عدلت عن سبيله ورغبت عن متابعته والتحقت بالذين قال الله تعالى فيهم {فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى} فلو خرجت من مكمن الغرور وأنصفت نفسك يا رجل وكلنا ذلك الرجل لعلمت أنك من حين تصبح إلى حين تمسي لا تسعى إلا في الحظوظ العاجلة ولا تتحرك ولا تسكن إلا لعاجل الدنيا ثم تطمع أن تكون غدا من أمته وأتباعه وما أبعد ظنك وما أبرد طمعك {أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون} ولنرجع إلى ما كنا فيه وبصدده فقد امتد عنان الكلام إلى غير مقصده ولنذكر الآن من المنامات الكاشفة لأحوال الموتى ما يعظم الانتفاع به إذ ذهبت النبوة وبقيت المبشرات وليس ذلك إلا المنامات بيان منامات تكشف عن أحوال الموتى والأعمال النافعة في الآخرة فمن ذلك رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال عليه السلام من رآني في المنام فقد رآني حقا فإن الشيطان لا يتمثل بي وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فرأيته لا ينظر إلى فقلت يا رسول الله ما شأني فالتفت إلي وقال ألست المقبل وأنت صائم قال والذي نفسي بيده لا أقبل امرأة وأنا صائم أبدا وقال العباس رضي الله عنه كنت ودا لعمر فاشتهيت أن أراه في المنام فما رأيته إلا عند رأس الحول فرأيته يمسح العرق عن جبينه وهو يقول هذا أوان فراغي إن كان عرشي ليهد لولا أني لقيته رءوفا رحيما وقال الحسن بن علي قال لي علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنح لي الليلة في منامي فقلت يا رسول الله ما لقيت من أمتك قال أدع عليهم فقلت اللهم أبدلني بهم من هو خير لي منهم وأبدلهم بي من هو شر لهم مني فخرج فضربه ابن ملجم وقال بعض الشيوخ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله استغفر لي فأعرض عني فقلت يا رسول الله إن سفيان بن عيينة حدثنا عن محمد بن المنكدر
عن جابر بن عبد الله أنك لم تسأل شيئا قط فقلت لا فأقبل علي فقال غفر الله لك وروى عن العباس بن عبد المطلب قال كنت مواخيا لأبي لهب مصاحبا له فلما مات وأخبر الله عنه بما أخبر حزنت عليه وأهمني أمره فسألت الله تعالى حولا أن يريني إياه في المنام قال فرأيته يلتهب نارا فسألته عن حاله فقال صرت إلى النار في العذاب لا يخفف عني ولا يروح إلا ليلة الاثنين في كل الأيام والليالي قلت وكيف ذلك قال ولد في تلك الليلة محمد صلى الله عليه وسلم فجاءتني أميمة فبشرتني بولادته آمنة إياه ففرحت به وأعتقت وليدة لي فرحا به فأثابني الله بذلك أن رفع عني العذاب في كل ليلة اثنين وقال عبد الواحد بن زيد خرجت حاجا فصحبني رجل كان لا يقوم ولا يقعد ولا يتحرك ولا يسكن إلا صلى على النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك فقال أخبرك عن ذلك خرجت أول مرة إلى مكة ومعي أبي فلما انصرفنا نمت في بعض المنازل فبينما أنا نائم إذ أتاني آت فقال لي قم فقد أمات الله أباك وسود وجهه قال فقمت مذعورا فكشفت الثوب عن وجهه فإذا هو ميت أسود الوجه فداخلني من ذلك رعب فبينما أنا في ذلك الغم إذ غلبتني عيني فنمت فإذا على رأس أبي أربعة سودان معهم أعمدة حديد إذ أقبل رجل حسن الوجه بين ثوبين أخضرين فقال لهم تنحوا فمسح وجهه بيده ثم أتاني فقال قم فقد بيض الله وجه أبيك فقلت له من أنت بأبي أنت وأمي فقال أنا محمد قال فقمت فكشفت الثوب عن وجه أبي فإذا هو أبيض فما تركت الصلاة بعد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن عمر بن عبد العزيز قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما جالسان عنده فسلمت وجلست فبينما أنا جالس إذ أتى بعلي ومعاوية فأدخلا بيتا وأجيف عليهما الباب وأنا أنظر فما كان بأسرع من أن خرج علي رضي الله عنه وهو يقول قضى لي ورب الكعبة وما كان بأسرع من أن خرج معاوية على أثره وهو يقول غفر لي ورب الكعبة واستيقظ ابن عباس رضي الله عنهما مرة من نومه فاسترجع وقال قتل الحسين والله وكان ذلك قبل قتله فأنكره أصحابه فقال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه زجاجة من دم فقال ألا تعلم ما صنعت أمتي بعدي قتلوا بني الحسين وهذا دمه ودم أصحابه أرفعهما إلى الله تعالى فجاء الخبر بعد أربعة وعشرين يوما بقتله في اليوم الذي رآه ورؤى الصديق رضي الله عنه فقيل له إنك كنت تقول أبدا في لسانك هذا أوردني الموارد فماذا فعل الله بك قال قلت به لا إله إلا الله فأوردني الجنة بيان منامات المشايخ رحمة الله عليهم أجمعين قال بعض المشايخ رأيت متمما الدورقي في المنام فقلت يا سيدي ما فعل الله بك فقال دير بي في الجنان فقيل لي يا متمم هل استحسنت فيها شيئا قلت لا يا سيدي فقال لو استحسنت منها شيئا لوكلتك إليه ولم أوصلك إلى ورؤى يوسف بن الحسين في المنام فقيل له ما فعل الله بك قال غفر لي قيل بماذا قال ما خلطت جدا بهزل وعن منصور بن إسماعيل قال رأيت عبد الله بن البزار في النوم فقلت ما فعل الله بك قال أوقفني بين يديه فغفر لي كل ذنب أقررت به إلا ذنبا واحدا فإني استحييت أن أقر به فاوقفني في العرق حتى سقط لحم وجهي فقلت
ما كان ذلك لذنب قال نظرت إلى غلام جميل فاستحسنته فاستحييت من الله أن أذكره وقال أبو جعفر الصيدلاني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم وحوله جماعة من الفقراء فبينما نحن كذلك إذ انشقت السماء فنزل ملكان أحدهما بيده طشت وبيد الآخر إبريق فوضع الطشت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسل يده ثم أمر حتى غسلوا ثم وضع الطشت بين يدي فقال أحدهما للآخر لا تصب على يده فإنه ليس منهم فقلت يا رسول الله أليس قد روى عنك أنك قلت المرء مع من أحب قال بلى قلت يا رسول الله فإني أحبك وأحب هؤلاء الفقراء فقال صلى الله عليه وسلم صب على يده فإنه منهم وقال الجنيد رأيت في المنام كأني أتكلم على الناس فوقف على ملك فقال أقرب ما تقرب به المتقربون إلى الله تعالى ماذا فقلت عمل خفي بميزان وفي قولي الملك وهو يقول كلام موفق والله ورؤى مجمع في النوم فقيل له كيف رأيت الأمر فقال رأيت الزاهدين في الدنيا ذهبوا بخير الدنيا والآخرة وقال رجل من أهل الشام للعلاء بن زياد رأيتك في النوم كأنك في الجنة فنزل عن مجلسه وأقبل عليه ثم قال لعل الشيطان أراد أمرا فعصمت منه فأشخص رجلا يقتلني وقال محمد بن واسع الرؤيا تسر المؤمن ولا تغره وقال صالح بن بشير رأيت عطاء السلمي في النوم فقلت له رحمك الله لقد كنت طويل الحزن في الدنيا قال أما والله لقد أعقبني ذلك راحة طويلة وفرحا دائما فقلت في أي الدرجات أنت فقال مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا وسئل زرارة بن أبي أوفى في المنام أي الأعمال أفضل عندكم فقال الرضا وقصر الأمل وقال يزيد بن مذعور رأيت الأوزاعي في المنام فقلت يا أبا عمرو دلني على عمل أتقرب به إلى الله تعالى قال ما رأيت هناك درجة أرفع من درجة العلماء ثم درجة المحزونين قال وكان يزيد شيخا كبيرا فلم يزل يبكي حتى أظلمت عيناه وقال ابن عيينة رأيت أخي في المنام فقلت يا أخي ما فعل الله بك فقال كل ذنب استغفرت منه غفر لي وما لم استغفر منه لم يغفر لي وقال على الطلحي رأيت في المنام امرأة لا تشبه نساء الدنيا فقلت من أنت فقالت حوراء فقلت زوجيني نفسك قالت اخطبني إلى سيدي وأمهرني قلت وما مهرك قالت حبس نفسك عن آفاتها وقال إبراهيم بن إسحق الحربي رأيت زبيدة في المنام فقلت ما فعل الله بك قالت غفر لي فقلت لها بما أنفقت في طريق مكة قالت أما النفقات التي أنفقتها رجعت أجورها إلى أربابها وغفر لي ببنتي ولما مات سفيان الثوري رؤى في المنام فقيل له ما فعل بك قال وضعت أول قدمي على الصراط والثاني في الجنة وقال أحمد بن أبي الحواري رأيت فيما يرى النائم جارية ما رأيت أحسن منها وكان يتلألأ وجهها نورا فقلت لها مماذا ضوء وجهك قالت تذكر تلك الليلة التي بكيت فيها قلت نعم قالت أخذت دمعك فمسحت به وجهي فمن ثم ضوء وجهي كما ترى وقال الكتاني رأيت الجنيد في المنام فقلت له ما فعل الله بك قال طاحت تلك الإشارات وذهبت تلك العبارات وما حصلنا إلا على ركعتين كنا نصليهما في الليل ورؤيت زبيدة في المنام فقيل لها ما فعل الله بك قالت غفر لي بهذه الكلمات الأربع لا إله إلا الله أفني بها عمري لا إله إلا الله أدخل بها قبري لا إله إلا الله أخلو بها وحدي لا إله إلا الله ألقى بها ربي عز وجل وقال يا بشر أما استحييب منى كنت تخافنى كل ذلك الخوف ورؤى أبو سليمان في النوم فقيل له ما فعل الله بك قال رحمنى ورؤى بشر في المنام فقيل له ما فعل الله بك قال رحمني وما كان شيء أضر على من إشارات القوم إلى وقال أبو بكر الكتاني رأيت في النوم شابا لم أر أحسن منه فقلت له من أنت قال التقوى قلت فأين تسكن قال كل قلب حزين ثم التفت فإذا امرأة سوداء فقلت من أنت قالت أنا السقم قلت فأين
تسكنين قالت كل قلب فرح مرح قال فانتبهت وتعاهدت أن لا أضحك إلا غلبة وقال أبو سعيد الخراز رأيت في المنام كأن إبليس وثب على فأخذت العصا لأضربه فلم يفزع منها فهتف بي هاتف إن هذا لا يخاف من هذه وإنما يخاف من نور يكون في القلب وقال المسوحى رأيت إبليس في النوم يمشى عريانا فقلت ألا تستحي من الناس فقال بالله هؤلاء ناس لو كانوا من الناس ما كنت ألعب بهم طرفي النهار كما يتلاعب الصبيان بالكرة بل الناس قوم غير هؤلاء قد أسقموا جسمي وأشار بيده إلى أصحابنا الصوفية وقال أبو سعيد الخراز كنت في دمشق فرأيت في المنام كان النبي صلى الله عليه وسلم جاءني متكئا على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فجاء فوقف على وأنا أقول شيئا من الأصوات وأدق في صدري فقال شر هذا أكثر من 2 خيره وعن ابن عيينة قال رأيت سفيان الثوري في النوم كأنه في الجنة يطير من شجرة إلى شجرة يقول لمثل هذا فليعمل العاملون فقلت له أوصني قال أقلل من معرفة الناس وروى أبو حاتم الرازي عن قبيصة بن عقبة قال رأيت سفيان الثوري فقلت ما فعل الله بك فقال نظرت إلى ربي كفاحا فقال لي ... هنيئا رضائي عنك يا ابن سعيد فقد كنت قواما إذا أظلم الدجى ... بعبرة مشتاق وقلب عميد فدونك فاختر أي قصر أردته ... وزرني فإني منك غير بعيد ورؤي الشبلي بعد موته بثلاثة أيام فقيل له ما فعل الله بك قال ناقشني حتى أيست فلما رأى يأسي تغمدني برحمته ورؤى بني عامر بعد موته في المنام فقيل له ما فعل الله بك قال غفر لي وجعلني حجة على المحبين ورؤى الثوري في المنام فقيل له ما فعل الله بك قال رحمني فقيل له ما حال عبد الله بن المبارك فقال هو ممن يلج على ربه في كل يوم مرتين ورؤى بعضهم فسئل عن حاله فقال حاسبونا فدققوا ثم منوا فأعتقوا ورؤى مالك بن أنس فقيل ما فعل الله بك قال غفر لي بكلمة كان يقولها عثمان بن عفان رضي الله عنه عند رؤية الجنازة سبحان الحي الذي لا يموت ورؤى في الليلة التي مات فيها الحسن البصري كأن أبواب السماء مفتحة وكأن مناديا ينادي ألا إن الحسن البصري قدم على الله وهو عنه راض ورؤى الجاحظ فقيل له ما فعل الله بك فقال ولا تكتب بخطك غير شيء ... يسرك في القيامة أن تراه ورأى الجنيد إبليس في المنام عريانا فقال ألا تستحي من الناس فقال وهؤلاء ناس الناس أقوام في مسجد الشونيزيه قد أضنوا جسدي وأحرقوا كبدي قال الجنيد فلما انتبهت غدوت إلى المسجد فرأيت جماعة قد وضعوا رءوسهم على ركبهم يتفكرون فلما رأوني قالوا لا يغرنك حديث الخبيث ورؤى النصر أباذي بمكة بعد وفاته في النوم فقيل له ما فعل الله بك قال عوتبت عتاب الأشراف ثم نوديت يا أبا القاسم بعد الاتصال انفصال فقلت لا يا ذا الجلال فما وضعت في اللحد حتى لحقت بربي ورأى عتبة الغلام حوراء في المنام على صورة حسنة فقالت يا عتبة أنا لك عاشقة فانظر لا تعمل من الأعمال شيئا فيحال بيني وبينك فقال عتبة طلقت الدنيا ثلاثا لا رجعة لي عليها حتى ألقاك وقيل رأى أيوب السختياني جنازة عاص فدخل الدهليز كيلا يصلي عليها فرأى الميت بعضهم في المنام فقيل له ما فعل الله بك قال غفر لي وقال قل لأيوب قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وقال بعضهم رأيت في الليلة التي مات فيها داود الطائي نورا وملائكة نزولا وملائكة صعودا فقلت أي ليلة هذه فقالوا ليلة مات فيها داود الطائي وقد زخرفت الجنة لقدوم روحه وقال أبو سعيد الشحام رأيت سهلا الصعلوكي في المنام فقلت أيها الشيخ قال دع التشييخ قلت تلك الأحوال التي شاهدتها فقال لم تغن عنا فقلت ما فعل الله بك قال غفر لي بمسائل كان يسأل عنها العجز
وقال أبو بكر الرشيدي رأيت محمدا الطوسي المعلم في النوم فقال لي قل لأبي سعيد الصفار المؤدب وكنا على أن لا نحول عن الهوى ... فقد وحياة الحب حلتم وما حلنا قال فانتبهت فذكرت ذلك له فقال كنت أزور قبره كل جمعة فلم أزره هذه الجمعة وقال ابن راشد رأيت ابن المبارك في النوم بعد موته فقلت أليس قد مت قال بلى قلت فما صنع الله بك قال غفر لي مغفرة أحاطت بكل ذنب قلت فسفيان الثوري قال بخ بخ ذاك من الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين الآية وقال الربيع بن سليمان رأيت الشافعي رحمة الله عليه بعد وفاته في المنام فقلت يا أبا عبد الله ما صنع الله بك قال أجلسني على كرسي من ذهب ونثر على اللؤلؤ الرطب ورأى رجل من أصحاب الحسن البصري ليلة مات الحسن كأن مناديا ينادي إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين واصطفى الحسن البصري على أهل زمانه وقال أبو يعقوب القاري الدقيقي رأيت في منامي رجلا آدم طوالا والناس يتبعونه فقلت من هذا قالوا أويس القرني فأتيته فقلت أوصني رحمك الله فكلح في وجهي فقلت مسترشدا فأرشدني أرشدك الله فأقبل على وقال اتبع رحمة ربك عند محبته واحذر نقمته عند معصيته ولا تقطع رجاءك منه في خلال ذلك ثم ولى وتركني وقال أبو بكر بن أبي مريم رأيت ورقاء بن بشر الحضرمي فقلت ما فعلت يا ورقاء قال البكاء من خشية الله وقال يزيد بن نعامة هلكت جارية في الطاعون الجارف فرآها أبوها في المنام فقال لها يا بنية أخبريني عن الآخرة قالت يا أبت قدمنا على أمر عظيم نعلم ولا نعمل وتعملون ولا تعلمون والله لتسبيحه أو تسبيحتان أو ركعة أو ركعتان في فسحة عمل أحب إلى من الدنيا وما فيها وقال بعض أصحاب عتبة الغلام رأيت عتبة في المنام فقلت ما صنع الله بك قال دخلت الجنة بتلك الدعوة المكتوبة في بيتك قال فلما أصبحت جئت إلى بيتي فإذا خط عتبة الغلام في حائط البيت يا هادي المضلين ويا راحم المذنبين ويا مقيل عثرات العاثرين ارحم عبدك ذا الخطر العظيم والمسلمين كلهم أجمعين واجعلنا مع الأحياء المرزوقين الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين آمين يا رب العالمين وقال موسى بن حماد رأيت سفيان الثوري في الجنة يطير من نخلة إلى نخلة ومن شجرة إلى شجرة فقلت يا أبا عبد الله بم نلت هذا فقال بالورع قلت فما بال على بن عاصم قال ذاك لا يكاد يرى إلا كما يرى الكوكب ورأى رجل من التابعين النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال يا رسول الله عظني قال نعم من لم يتفقد النقصان فهو في نقصان ومن كان في نقصان فالموت خير له وقال الشافعي رحمة الله عليه دهمني في هذه الأيام أمر أمضني وآلمني ولم يطلع عليه غير الله عز وجل فلما كان البارحة أتاني آت في منامي فقال لي يا محمد بن إدريس قل اللهم إني لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ولا أستطيع أن آخذ إلا ما أعطيتني ولا أتقي إلا ما وقيتني اللهم فوفقني لما تحب وترضى من القول والعمل في عافية فلما أصبحت أعدت ذلك فلما ترحل النهار أعطاني الله عز وجل طلبتي وسهل لي الخلاص مما كنت فيه فعليكم بهذه الدعوات لا تغفلوا عنها فهذه جملة من المكاشفات تدل على أحوال الموتى وعلى الأعمال المقربة إلى الله زلفى فلنذكر بعدها ما بين يدى الموتى من ابتداء نفخة الصور إلى آخر القرار إما فى الجنة أو فى النار والحمد لله حمد الشاكرين الشطر الثانى من كتاب ذكر الموت فى أحوال الميت من وقت نفخة الصور إلى آخر الاستقرار فى الجنة أو فى النار وتفصيل ما بين يديه من الأهوال والأخطار وفيه بيان نفخة الصور وصفة أرض المحشر وأهله وصفة طول يوم القيامة وصفة يوم القيامة ودواهيها وأساميها وصفة المساءلة عن الذنوب
وصفة الميزان وصفة الخصماء ورد المظالم وصفة الصراط وصفة الشفاعة وصفة الحوض وصفة جهنم وأهوالها وأنكالها وحياتها وعقاربها وصفة الجنة وأصناف نعيمها وعدد الجنان وأبوابها وغرفها وحيطانها وأنهارها وأشجارها ولباس أهلها وفرشهم وسررهم وصفة طعامهم وصفة الحور العين والولدان وصفة النظر إلى وجه الله تعالى وباب في سعة رحمة الله تعالى وبه ختم الكتاب إن شاء الله تعالى صفة نفخة الصور قد عرفت فيما سبق أحوال الميت فى سكرات الموت وخطره فى خوف العاقبة ثم مقاساته لظلمة القبر وديدانه ثم لمنكر ونكير وسؤالهما ثم لعذاب القبر وخطره إن كان مغضوبا عليه وأعظم من ذلك كله الأخطار التي بين يديه من نفخ الصور وبعث يوم النشور والعرض على الجبار والسؤال عن القليل والكثير ونصب الميزان لمعرفة المقادير ثم جواز الصراط مع دقته وحدته ثم انتظار النداء عند فصل القضاء إما بالإسعاد وإما بالإشقاء فهذه أحوال وأهوال لا بد لك من معرفتها ثم الإيمان بها على سبيل الجزم والتصديق ثم تطويل الفكر في ذلك لينبعث من قلبك دواعي الاستعداد لها وأكثر الناس لم يدخل الإيمان باليوم الآخر صميم قلوبهم ولم يتمكن من سويداء أفئدتهم ويدل على ذلك شدة تشمرهم واستعدادهم لحر الصيف وبرد الشتاء وتهاونهم بحر جهنم وزمهريرها مع ما تكتنفه من المصاعب والأهوال بل إذا سئلوا عن اليوم الآخر نطقت به ألسنتهم ثم غفلت عنه قلوبهم ومن أخبر بأن ما بين يديه من الطعام مسموم فقال لصاحبه الذى أبصر صدقت ثم مد يديه لتناوله كان مصدقا بلسانه ومكذبا بعمله وتكذيب العمل أبلغ من تكذيب اللسان وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى شتمنى ابن آدم وما ينبغى له أن يشتمنى وكذبنى وما ينبغى له أن يكذبنى أما شتمه إياى فيقول إن لى ولدا وأما تكذيبه فقوله لن يعيدنى كما بدأنى وإنما فتور البواطن عن قوة اليقين والتصديق بالبعث والنشور لقلة الفهم فى هذا العالم لأمثال تلك الأمور ولو لم يشاهد الانسان توالد الحيوانات وقيل له إن صانعا يصنع من النطفة القدرة مثل هذا الآدمى المصور العاقل المتكلم المتصرف لاشتد نفور باطنه عن التصديق به ولذلك قال الله تعالى {أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين} وقال تعالى {أيحسب الإنسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى} ففى خلق الآدمى مع كثرة عجائبه واختلاف تركيب أعضائه أعاجيب تزيد على الأعاجيب فى بعثه وإعادته فكيف ينكر ذلك من قدرة الله تعالى وحكمته من يشاهد ذلك فى صنعته وقدرته فإن كان فى إيمانك ضعف فقو الإيمان بالنظر فى النشأة الأولى فإن الثانية مثلها وأسهل منها وإن كنت قوى الإيمان بها فأشعر قلبك تلك المخاوف والأخطار وأكثر فيها التفكر والاعتبار لتسلب عن قلبك الراحة والقرار فتشتغل بالتشمر للعرض على الجبار وتفكر أولا فيما يقرع سمع سكان القبور من شدة نفخ الصور فإنها صيحة واحدة تنفرج بها القبور عن رءوس الموتى فيثورون دفعة واحدة
فتوهم نفسك وقد وثبت متغيرا وجهك مغبرا بدنك من فرقك إلى قدمك من تراب قبرك مبهوتا من شدة الصعقة شاخص العين نحو النداء وقد ثار الخلق ثورة واحدة من القبور التى طال فيها بلاؤهم وقد أزعجهم الفزع والرعب مضافا إلى ما كان عندهم من الهموم والغموم وشدة الانتظار لعاقبة الأمر كما قال تعالى ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون وقال تعالى {فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير} وقال تعالى {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} فلو لم يكن بين يدي الموتى إلا هول تلك النفخة لكان ذلك جديرا بأن يتقى فإنها نفخة وصيحة يصعق بها من في السموات والأرض يعنى يموتون بها إلا من شاء الله وهو بعض الملائكة ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وحنى الجبهة وأصغى بالأذن متى يؤمر فينفخ قال مقاتل الصور هو القرن وذلك أن إسرافيل عليه السلام واضع فاه على القرن كهيئة البوق ودائرة رأس القرن كعرض السموات والأرض وهو شاخص بصره نحو العرش ينتظر متى يؤمر فينفخ النفخة الأولى فإذا نفخ صعق من في السموات والأرض أى مات كل حيوان من شدة الفزع إلا من شاء الله وهو جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ثم يأمر ملك الموت أن يقبض روح جبريل ثم روح ميكائيل ثم روح إسرافيل ثم يأمر ملك الموت فيموت ثم يلبث الخلق بعد النفخة الأولى فى البرزخ أربعين سنة ثم يحيى الله تعالى إسرافيل فيأمره أن ينفخ الثانية فذلك قوله تعالى ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون على أرجلهم ينظرون إلى البعث وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعث إلى بعث إلى صاحب الصور فأهوى به إلى فيه وقدم رجلا وأخر أخرى ينتظر متى يؤمر بالنفخ ألا فاتقوا النفخة فتفكر فى الخلائق وذلهم وانكسارهم واستكانتهم عند الانبعاث خوفا من هذه الصعقة وانتظارا لما يقضى عليهم من سعادة أو شقاوة وأنت فيما بينهم منكسر كانكسارهم متحير كتحيرهم بل إن كنت فى الدنيا من المترفهين والأغنياء المتنعمين فملوك الأرض فى ذلك اليوم أذل أهل أرض الجمع وأصغرهم وأحقرهم يوطئون بالأقدام مثل الذرة وعند ذلك تقبل الوحوش من البرارى والجبال منكسة رءوسها مختلطة بالخلائق بعد توحشها ذليلة ليوم النشور من غير خطيئة تدنست بها ولكن حشرتهم شدة الصعقة وهول النفخة وشغلهم ذلك عن الهرب من الخلق والتوحش منهم وذلك قوله تعالى {وإذا الوحوش حشرت} ثم أقبلت الشياطين المردة بعد تمردها وعتوها وأذعنت خاشعة من هيبة العرض على الله تعالى تصديقا لقوله تعالى {فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا} فتفكر فى حالك وحال قلبك هنالك صفة أرض المحشر وأهله ثم انظر كيف يساقون بعد البعث والنشور حفاة عراة غرلا إلى أرض المحشر أرض بيضاء قاع صفصف لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ولا ترى عليها ربوة يختفى الإنسان وراءها ولا وهدة ينخفض عن الأعين فيها بل هو صعيد واحد بسيط لا تفاوت فيه يساقون إليه زمرا فسبحان من جمع الخلائق على اختلاف أصنافهم من أقطار الأرض إذ ساقهم بالراجفة تتبعها الرادفة والراجفة هى النفخة الأولى والرادفة هى النفخة الثانية وحقيق لتلك القلوب أن تكون يومئذ واجفة ولتلك الأبصار أن تكون خاشعة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرص النقي ليس فيها معلم لأحد قال الراوى والعفرة بياض ليس بالناصع والنقى هو النقى عن القشر والنخالة ومعلم أى لا بناء يستر ولا تفاوت يرد البصر
ولا تظنن أن تلك الأرض مثل أرض الدنيا بل لا تساويها إلا فى الاسم قال تعالى يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات قال ابن عباس يزداد فيها وينقص وتذهب أشجارها وجبالها وأوديتها وما فيها وتمد مد الأديم العكاظى أرض بيضاء مثل الفضة لم يسفك عليها دم ولم يعمل عليها خطيئة والسموات تذهب شمسها وقمرها ونجومها فانظر يا مسكين في هول ذلك اليوم وشدته فإنه إذا اجتمع الخلائق على هذا الصعيد تناثرت من فوقهم نجوم السماء وطمس الشمس والقمر وأظلمت الأرض لخمود سراجها فبينا هم كذلك إذ دارت السماء من فوق رءوسهم وانشقت مع غلظها وشدتها خمسمائة عام والملائكة قيام على حافاتها وأرجائها فيا هول صوت انشقاقها فى سمعك ويا هيبة ليوم تنشق فيه السماء مع صلابتها وشدتها ثم تنهار وتسيل كالفضة المذابة تخالطها صفرة فصارت وردة كالدهان وصارت السماء كالمهل وصارت الجبال كالعهن واشتبك الناس كالفراش المبثوث وهم حفاة عراة مشاة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث الناس حفاة عراة غرلا قد ألجمهم العرق وبلغ شحوم الآذان قالت سودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم راوية الحديث قلت يا رسول الله واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض فقال شغل الناس عن ذلك بهم لكل امرىء يومئذ شأن يغنيه فأعظم بيوم تنكشف فيه العورات ويؤمن فيه مع ذلك النظر والالتفات كيف وبعضهم يمشون على بطونهم ووجوههم فلا قدرة لهم على الالتفات إلى غيرهم قال أبو هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف ركبانا ومشاة وعلى وجوههم فقال رجل يا رسول الله وكيف يمشون على وجوههم قال الذى أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم فى طبع الآدمى إنكار كل ما لم يأنس به ولو لم يشاهد الإنسان الحية وهى تمشى على بطنها كالبرق الخاطف لأنكر تصور المشى على غير رجل والمشى بالرجل أيضا مستبعد عند من لم يشاهد ذلك فإياك أن تنكر شيئا من عجائب يوم القيامة لمخالفته قياس ما فى الدنيا فإنك لو لم تكن قد شاهدت عجائب الدنيا ثم عرضت عليك قبل المشاهدة لكنت أشد إنكارا لها فأحضر فى قلبك صورتك وأنت واقف عاريا مكشوفا ذليلا مدحورا متحيرا مبهوتا منتظرا لما يجرى عليك من القضاء بالسعادة أو بالشقاوة وأعظم هذه الحال فإنها عظيمة صفة العرق ثم تفكر فى ازدحام الخلائق واجتماعهم حتى ازدحم على الموقف أهل السموات السبع والأرضين السبع من ملك وجن وإنس وشيطان ووحش وسبع وطير فأشرقت عليهم الشمس وقد تضاعف حرها وتبدلت عما كانت عليه من خفة أمرها ثم أدنيت من رءوس العالمين كقاب قوسين فلم يبق على الأرض ظل إلا ظل رب العالمين
ولم يمكن من الاستظلال به إلا المقربون فمن بين مستظل بالعرش وبين مضح لحر الشمس قد صهرته بحرها واشتد كربه وغمه من وهجها ثم تدافعت الخلائق ودفع بعضهم بعضا لشدة الزحام واختلاف الأقدام وانضاف إليه شدة الخجلة والحياء من الافتضاح والاختزاء عند العرض على جبار السماء فاجتمع وهج الشمس وحر الأنفاس واحتراق القلوب بنار الحياء والخوف ففاض العرق من أصل كل شعرة حتى سال على صعيد القيامة ثم ارتفع على أبدانهم على قدر منازلهم عند الله فبعضهم بلغ العرق ركبتيه وبعضهم حقوية وبعضهم إلى شحمة أذنيه وبعضهم كاد يغيب فيه قال ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم يقوم الناس لرب العالمين حتى يغيب أحدهم فى رشحه إلى أنصاف أذنيه وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم فى الأرض سبعين باعا ويلجمهم ويبلغ أذقنهم كذا رواه البخاري ومسلم في الصحيح وفى حديث آخر قياما شاخصة أبصارهم أربعين سنة إلى السماء فيلجمهم العرق من شدة الكرب وقال عقبة بن عامر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تدنو الشمس من الأرض يوم القيامة فيعرق الناس فمن الناس من يبلغ عرقه عقبه ومنهم من يبلغ نصف ساقه ومنهم من يبلغ ركبته ومنهم من يبلغ فخذه ومنهم من يبلغ خاصرته ومنهم من يبلغ فاه وأشار بيده فألجمها فاه ومنهم من يغطيه العرق وضرب بيده على رأسه هكذا فتأمل يا مسكين فى عرق أهل المحشر وشدة كربهم وفيهم من ينادى فيقول رب أرحنى من هذا الكرب والانتظار ولو إلى النار وكل ذلك ولم يلقوا بعد حسابا ولا عقابا فإنك واحد منهم ولا تدرى إلى أين يبلغ بك العرق واعلم أن كل عرق لم يخرجه التعب فى سبيل الله من حج وجهاد وصيام وقيام وتردد فى قضاء حاجة مسلم وتحمل مشقة فى أمر بمعروف ونهي عن منكر فسيخرجه الحياء والخوف فى صعيد القيامة ويطول فيه الكرب ولو سلم ابن آدم من الجهل والغرور لعلم أن تعب العرق فى تحمل مصاعب الطاعات أهون أمرا وأقصر زمانا من عرق الكرب والانتظار فى القيامة فإنه يوم عظيمة شدته طويلة مدته صفة طول يوم القيامة يوم تقف فيه الخلائق شاخصة أبصارهم منفطرة قلوبهم لا يكلمون ولا ينظر فى أمورهم يقفون ثلمائة عام لا يأكلون فيه أكله ولا يشربون فيه شربة ولا يجدون فيه روح نسيم قال كعب وقتادة يوم يقوم الناس لرب العلمين قال يقومون مقدار ثلثمائة عام بل قال عبد الله بن عمرو تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ثم قال كيف بكم إنه جمعكم الله كما تجمع النبل فى الكنانة خمسين ألف سنة ولا ينظر إليكم وقال الحسن ما ظنك بيوم قاموا فيه على أقدامهم مقدار خمسين ألف سنة لا يأكلون فيها أكلة ولا يشربون فيها شربة حتى إذا انقطعت أعناقهم عطشا واحترقت أجوافهم جوعا انصرف بهم إلى النار فسقوا من عين آنية قد آن حرها واشتد لفحها فلما بلغ المجهود منهم ما لا طاقة لهم به كلم بعضهم بعضا فى طلب من يكرم على مولاه ليشفع فى حقهم فلم يتعلقوا بنبي إلا دفعهم وقال دعونى نفسى نفسى شغلنى أمرى عن أمر غيرى واعتذر كل واحد بشدة غضب الله تعالى وقال قد غضب اليوم ربنا غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله حتى يشفع نبينا صلى الله عليه وسلم لمن يؤذن له فيه لا يملكون الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضى له قولا فتأمل في طول هذا اليوم وشدة الانتظار فيه حتى يخف عليك انتظار الصبر عن المعاصى فى عمرك المختصر
واعلم أن من طال انتظاره فى الدنيا للموت لشدة مقاساته للصبر عن الشهوات فإنه يقصر انتظاره فى ذلك اليوم خاصة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن طول ذلك اليوم فقال والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أهون عليه من الصلاة المكتوبة يصليها فى الدنيا فاجتهد أن تكون من أولئك المؤمنين فما دام يبقى لك نفس من عمرك فالأمر إليك والاستعداد بيديك فاعمل فى أيام قصار لأيام طوال تربح ربحا لا منتهى لسروره واستحقر عمرك بل عمر الدنيا وهو سبعة الآف سنة فإنك لو صبرت سبعة الآف سنة مثلا لتخلص من يوم مقداره خمسون ألفا لكان ربحك كثيرا وتعبك يسيرا صفة يوم القيامة ودواهيه وأساميه فاستعد يا مسكين لهذا اليوم العظيم شأنه المديد زمانه القاهر سلطانه القريب أوانه يوم ترى السماء فيه قد انفطرت والكواكب من هوله قد انتثرت والنجوم الزواهر قد انكدرت والشمس قد كورت والجبال قد سيرت والعشار قد عطلت والوحوش قد حشرت والبحار قد سجرت والنفوس إلى الأبدان قد زوجت والجحيم قد سعرت والجنة قد أزلفت والجبال قد نسفت والأرض قد مدت يوم ترى الأرض قد زلزلت فيه زالزالها وأخرجت الأرض أثقالها يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم يوم تحمل الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة فيومئذ وقعت الواقعة وانشقت السماء فهى يومئذ واهية والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية يوم تسير الجبال وترى الأرض بارزة يوم ترج الأرض فيه رجا وتبس الجبال بسا فكانت هباء منبثا يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش يوم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار يوم تنسف فيه الجبال نسفا فتترك قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا يوم ترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب يوم تنشق فيه السماء فتكون وردة كالدهان فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان يوم يمنع فيه العاصى من الكلام ولا يسئل فيه عن الأجرام بل يؤخذ بالنواصى والأقدام يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا يوم تعلم فيه كل نفس ما أحضرت وتشهد ما قدمت وأخرت يوم تخرس فيه الألسن وتنطق الجوارح يوم شيب ذكره سيد المرسلين إذ قال له الصديق رضي الله عنه أراك قد شبت يا رسول الله قال شيبتنى هود وأخواتها وهى الواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت فيا أيها القارىء العاجز إنما حظك من قراءتك أن تمجمج القرآن وتحرك به اللسان ولو كنت متفكرا فيما تقرؤه لكنت جديرا بأن تنشق مرارتك مما شاب منه شعر سيد المرسلين وإذا قنعت بحركة اللسان فقد حرمت ثمرة القرآن فالقيامة أحد ما ذكر فيه وقد وصف الله بعض دواهيها وأكثر من أساميها لنقف بكثرة أساميها على كثرة معانيها فليس المقصود بكثرة الأسامي تكرير الأسامي والألقاب بل الغرض تنبيه أولي الألباب فتحت كل اسم من أسماء القيامة سر وفي كل نعت من نعوتها معنى فاحرص على معرفة معانيها
ونحن الآن نجمع لك أساميها وهى يوم القيامة ويوم الحسرة ويوم الندامة ويوم المحاسبة ويوم المساءلة ويوم المسابقة ويوم المناقشة ويوم المنافسة ويوم الزلزلة ويوم الدمدمة ويوم الصاعقة ويوم الواقعة ويوم القارعة ويوم الراجفة ويوم الرادفة ويوم الغاشية ويوم الداهية ويوم الآزفة ويوم الحاقة ويوم الطامة ويوم الصاخة ويوم التلاق ويوم الفراق ويوم المساق ويوم القصاص ويوم التناد ويوم الحساب ويوم المآب ويوم العذاب ويوم الفرار ويوم القرار ويوم اللقاء ويوم البقاء ويوم القضاء ويوم الجزاء ويوم البلاء ويوم البكاء ويوم الحشر ويوم الوعيد ويوم العرض ويوم الوزن ويوم الحق ويوم الحكم ويوم الفصل ويوم الجمع ويوم البعث ويوم الفتح ويوم الخزى ويوم عظيم ويوم عقيم ويوم عسير ويوم الدين ويوم اليقين ويوم النشور ويوم المصير ويوم النفخة ويوم الصيحة ويوم الرجفة ويوم الرجة ويوم الزجرة ويوم السكرة ويوم الفزع ويوم المنتهى ويوم الجزع ويوم المأوى ويوم الميقات ويوم الميعاذ ويوم المرصاد ويوم القلق ويوم العرق ويوم الافتقار ويوم الانكار ويوم الانتشار ويوم الانشقاق ويوم الوقوف ويوم الخروج ويوم الخلود ويوم التغابن ويوم عبوس ويوم معلوم ويوم الساعة ويوم مشهود ويوم لا ريب فيه ويوم تبلى فيه السرائر ويوم لا تجزي نفس عن نفس شيئا ويوم تشخص فيه الأبصار ويوم لا يغنى مولى عن مولى شيئا ويوم لا تملك نفس لنفس شيئا ويوم يدعون إلى نار جهنم دعا ويوم يسحبون فى النار على وجوههم ويوم تقلب وجوههم فى النار ويوم لا يجزى والد عن ولده ويوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه ويوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون يوم لا مرد له من الله يوم هم بارزون ويوم هم على النار يفتنون يوم لا ينفع مال ولا بنون يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار يوم ترد فيه المعاذير وتبلى السرائر وتظهر الضمائر وتكشف الأستار يوم تخشع فيه الأبصار وتسكن الأصوات ويقل فيه الالتفات وتبرز الخفيات وتظهر الخطيئات يوم يساق العباد ومعهم الأشهاد ويشيب الصغير ويسكر الكبير فيومئذ وضعت الموازين ونشرت الدواوين وبرزت الجحيم وأغلى الحميم وزفرت النار ويئس الكفار وسعرت النيران وتغيرت الألوان وخرس اللسان ونطقت جوارح الإنسان فيا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم حيث أغلقت الأبواب وأرخيت الستور واستترت عن الخلائق فقارفت الفجور فماذا تفعل وقد شهدت عليك جوارحك فالويل كل الويل لنا معشر الغافلين يرسل الله لنا سيد المرسلين وينزل عليه الكتاب المبين ويخبرنا بهذه الصفات من نعوت يوم الدين ثم يعرفنا غفلتنا ويقول اقترب الناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم ثم يعرفنا قرب القيامة فيقول اقتربت الساعة وانشق القمر إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا ثم يكون أحسن أحوالنا أن نتخذ دراسة هذا القرآن عملا فلا نتدبر معانيه ولا ننظر في كثرة أوصاف هذا اليوم وأساميه ولا نستعد للتخلص من دواهيه فنعوذ بالله من هذه الغفلة إن لم يداركنا الله بواسع رحمته صفة المساءلة
ثم تفكر يا مسكين بعد هذه الأحوال فيما يتوجه عليك من السؤال شفاها من غير ترجمان فتسئل عن القليل والكثير والنقير والقطمير فبينا أنت في كرب القيامة وعرقها وشدة عظائمها إذ نزلت ملائكة من رجاء السماء بأجسام عظام وأشخاص ضخام غلاظ شداد أمروا أن يأخذوا بنواصى المجرمين إلى موقف العرض على الجبار قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لله عز وجل ملكا ما بين شفرى عينيه مسيرة مائة عام فما ظنك بنفسك إذا شاهدت مثلا هؤلاء الملائكة أرسلوا إليك ليأخذوك إلى مقام العرض وتراهم على عظم أشخاصهم منكسرين لشدة اليوم مستشعرين مما بدا من غضب الجبار على عباده وعند نزولهم لا يبقى نبى ولا صديق ولا صالح إلا ويخرون لأذقانهم خوفا من أن يكونوا هم المأخوذين فهذا حال المقربين فما ظنك بالعصاة المجرمين وعند ذلك يبادر اقوام من شدة الفزع فيقولون للملائكة أفيكم ربنا وذلك لعظم موكبهم وشدة هيبتهم فتفزع الملائكة من سؤالهم إجلالا لخالقهم عن أن يكون فيهم فنادوا بأصواتهم منزهين لمليكهم عما توهمه أهل الأرض وقالوا سبحان ربنا ما هو فينا ولكنه آت من بعد وعند ذلك تقوم الملائكة صفا محدقين بالخلائق من الجوانب وعلى جميعهم شعار الذل والخضوع وهيئة الخوف والمهابة لشدة اليوم وعند ذلك يصدق الله تعالى قوله {فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين} وقوله {فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون} فيبدأ سبحانه بالأنبياء {يوم يجمع الله الرسل فيقول} {ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب} فيا لشدة يوم تذهل فيه عقول الأنبياء وتنمحى علومهم من شدة الهيبة إذ يقال لهم ما أجبتم وقد أرسلتم إلى الخلائق وكانوا قد علموا فتدهش عقولهم فلا يدرون بماذا يجيبون فيقولون من شدة الهيبة لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب وهم فى ذلك الوقت صادقون إذ طارت منهم العقول وانمحت العلوم إلى أن يقويهم الله تعالى فيدعى نوح عليه السلام فيقال له هل بلغت فيقول نعم فيقال لأمته هل بلغكم فيقولون ما أتانا من نذير ويؤتى بعيسى عليه السلام فيقول الله تعالى له {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} فيبقى متشحطا تحت هيبة هذا السؤال سنين فيالعظم يوم تقام فيه السياسة على الأنبياء بمثل هذا السؤال ثم تقبل الملائكة فينادون واحدا واحدا يا فلان بن فلانة هلم إلى موقف العرض وعند ذلك ترتعد الفرائص وتضطرب الجوارح وتبهت العقول ويتمنى أقوام أن يذهب بهم إلى النار ولا تعرض قبائح أعمالهم على الجبار ولا يكشف سترهم على ملأ الخلائق وقبل الابتداء بالسؤال يظهر نور العرش {وأشرقت الأرض بنور ربها} وايقن كل عبد بإقبال الجبار لمساءلة العباد وظن كل واحد أنه ما يراه أحد سواه وأنه المأخوذ بالأخذ والسؤال دون من عداه فيقول الجبار سبحانه وتعالى عند ذلك يا جبريل ائتى بالنار فيجىء لها جبريل ويقول يا جهنم أجيبي خالقك ومليكك فيصادفها جبريل على غيظها وغضبها فلم يلبث بعد ندائها أن ثارت وفارت وزفرت إلى الخلائق وشهقت وسمع الخلائق تغيظها وزفيرها وانتهضت خزنتها متوثبة إلى الخلائق غضبا على من عصى الله تعالى وخالف أمره فأخطر ببالك وأحضر فى قلبك حالة قلوب العباد وقد امتلأت فزعا ورعبا فتساقطوا جثيا على الركب وولوا مدبرين يوم ترى كل أمة جاثية وسقط بعضهم على الوجوه منكبين وينادى العصاة والظالمون بالويل والثبور وينادى الصديقون نفسى نفسى فبينما هم كذلك إذ زفرت الناس زفرتها الثانية فتضاعف خوفهم وتخاذلت قواهم وظنوا أنهم مأخوذون ثم زفرت الثالثة فتساقط الخلائق على وجوههم وشخصوا بأبصارهم ينظرون من طرف خفى خاشع وانهضمت عند ذلك قلوب الظالمين فبلغت الحناجر كاظمين وذهلت العقول من السعداء والأشقياء أجمعين
وبعد ذلك اقبل الله تعالى على الرسل وقال ماذا أجبتم فإذا رأوا ما قد أقيم من السياسة على الأنبياء اشتد الفزع على العصاة ففر الوالد من ولده والأخ من أخيه والزوج من زوجته وبقى كل واحد منتظرا لأمره ثم يؤخذ واحد واحد فيسأله الله تعالى شفاها عن قليل عمله وكثيره وعن سره وعلانيته وعن جميع جوارحه وأعضائه قال أبو هريرة قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة فقال هل تضارون فى رؤية الشمس فى الظهيرة ليس دونها سحاب قالوا لا قال فهل تضارون فى رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب قالوا لا قال فوالذي نفسي بيده لا تضارون فى رؤية ربكم فيلقى العبد فيقول له ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع فيقول العبد بلى فيقول أظننت أنك ملاقى فيقول لا فيقول فأنا أنساك كما نسيتنى فتوهم نفسك يا مسكين وقد أخذت الملائكة بعضديك وأنت واقف بين يدي الله تعالى يسألك شفاها فيقول لك ألم أنعم عليك بالشباب ففيماذا أبليته ألم أمهل لك فى العمر ففيماذا أفنيته الم أرزقك المال فمن أين اكتسبته وفيماذا أنفقته ألم أكرمك بالعلم فماذا عملت فيما علمت فكيف ترى حياءك وخجلتك وهو يعد عليك إنعامه ومعاصيك وأياديه ومساويك فإن أنكرت شهدت عليك جوارحك قال أنس رضي الله عنه كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك ثم قال أتدرون مم أضحك قلنا الله ورسوله أعلم قال من مخاطبة العبد ربه يقول يا رب الم تجرنى من الظلم قال يقول بلى قال فيقول فإنى لا أجيز على نفسى إلا شاهدا منى فيقول كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا وبالكرام الكاتبين شهودا قال فيختم على فيه ويقال لأركانه انطقى قال فتنطق بأعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول لأعضائه بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل فنعوذ بالله من الافتضاح على ملأ الخلق بشهادة الأعضاء إلا أن الله تعالى وعد المؤمن بأن يستر عليه ولا يطلع عليه غيره سأل ابن عمر رجل فقال له كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فى النجوى فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه فيقول عملت كذا وكذا فيقول نعم فيقول عملت كذا وكذا فيقول نعم ثم يقول إنى سترتها عليك فى الدنيا وإنى أغفرها لك اليوم وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ستر على مؤمن عورته ستر الله عورته يوم القيامة فهذا إنما يرجى لعبد مؤمن ستر على الناس عيوبهم واحتمل فى حق نفسه تقصيرهم ولم يحرك لسانه بذكر مساويهم ولم يذكرهم فى غيبتهم بما يكرهون لو سمعوه فهذا جدير بأن يجازى بمثله فى القيامة وهب أنه قد ستره عن غيرك أليس قد قرع سمعك النداء إلى العرض فيكفيك تلك الروعة جزاء عن ذنوبك إذ يؤخذ بناصيتك فتقاد وفؤادك مضطرب ولبك طائر وفرائصك مرتعدة وجوارحك مضطربة ولونك متغير والعالم عليك من شدة الهول مظلم فقدر نفسك وأنت بهذه الصفة تتخطى الرقاب وتخرق الصفوف وتقاد كما تقاد الفرس المجنوب وقد رفع الخلائق إليك أبصارهم فتوهم نفسك أنك فى أيدى الموكلين بك على هذه الصفة حتى انتهى بك إلى عرش الرحمن فرموك من أيديهم وناداك الله سبحانه وتعالى بعظيم كلامه يا ابن آدم ادن منى فدنوت منه بقلب خافق محزون وجل وطرف خاشع ذليل وفؤاد منكسر وأعطيت كتابك الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها فكم من فاحشة نسيتها فتذكرتها وكم من طاعة غفلت عن آفاتها فانكشف لك عن مساويها فكم لك من خجل وجبن وكم لك من حصر وعجز فليت شعري بأي قدم تقف بين يديه وبأي لسان تجيب وبأي قلب تعقل ما تقول ثم تفكر فى عظم حياتك إذا ذكرك ذنوبك شفاها إذ يقول يا عبدى أما استحييت منى فبارزتنى بالقبيح واستحييت من خلقى فأظهرت لهم الجميل أكنت أهون عليك من سائر عبادي استخففت بنظرى إليك فلم تكترت واستعظمت نظر غيرى ألم أنعم عليك فماذا غرك بى اظننت أنى لا أراك وأنك لا تلقانى
Questions
- What is tawhid, the Islamic belief in the oneness of God?
- How are the five daily prayers (salah) performed?
- What did the Prophet Muhammad (peace be upon him) teach about good character?
- What is the meaning of Surah al-Fatiha?
- What does the Qur'an teach about patience (sabr)?
- What does the Qur'an say about the purpose of life?
- What is ikhlas (sincerity), and why does it matter?
- How does Islam describe the purification of the heart?