İmam Rabbânî — Mektûbât (ed-Dürerü'l-meknûnât, Arapça ta'rîb)
فما أشدّ حماقة من يتوهّم خرق هذا الإجماع وكتب هذا الفقير في كتبه ورسائله أن الوحشيّ قاتل حمزة رضي الله عنه الّذي نال صحبة خير البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام مرّة واحدة أفضل من أويس القرنيّ الّذي هي خير التّابعين فتخيّل أمثال هذه الخيالات في حقّ مثل هذا الشّخص بعيد عن العقل السّليم ينبغي أن ترجع إلى العبارة الّتي اخترع النّاس هذا التّوهّم منها تطّلع على حقيقة المعاملة وأيّ مناسبة في التّقليد المجرّد لارباب الحسد مع أنّ المشائخ صدر عنهم وقت غلبة السّكر كلمات غير مناسبة مثل قول أبي يزيد البسطاميّ لوائي أرفع من لواء محمّد ولا يجوز أن يذهب الوهم من هذه العبارة إلى دعوى الأفضليّة فإنّها زندقة حاشا وكلّا أن يذكر أمثال هذا في عبارة الفقير والسّلام. المكتوب الثّالث والمائتان إلى الملّا حسين في التّحريض على محبّة هذه الطّائفة وبيان نبذة من مدحهم أحسن الله سبحانه أحوالكم وأصلح سبحانه أعمالكم ولمّا كان المكتوب الشّريف مشعرا بمحبّة الفقراء حصل بوصوله فرح وافر زاد الله سبحانه محبّة هذه الطّائفة العليّة يوما فيوما وجعل التّواضع لهم والإلتجاء إليهم رأس مال العمر وبحكم " المرء مع من أحبّ " محبّهم معهم وهم الّذين جليسهم محفوظ من الشّقاوة وقد ورد في الحديث النّبويّ عليه من الصّلوات أتمّها ومن التّحيّات أكملها إنّ لله ملائكة سوى الكرام الكاتبين يطوفون في الطّرق والسّكك ويطلبون أهل الذّكر فإذا وجدوا الذّاكرين ينادي بعضهم بعضا أن هلمّوا إلى حاجتكم فيحفّوهم بأجنحتهم حتّى يملئوا بينهم وبين السّماء فإذا تفرّقوا عرجوا إلى السّماء فيسألهم الله عزّ وجلّ وهو أعلم بحال عباده كيف وجدتم عبادي؟ فيقولون: إلا هنا جئناهم يحمدونك ويثنون عليك ويكبّرونك ويمجّدونك ويسبّحونك فيقول الله عزّ وجلّ وهل رأوني؟ فيقولوا: لا أي ربّ فيقول كيف لو رأوني فيقولوا: ليحمدونك ويمجّدونك ويكبّرونك أكثر وأوفر فيقول الله ما يطلبون منّي فيقولوا يطلبون منك الجنّة فيقول وهل رأوا جنّتي فيقولوا لا فيقول كيف لو رأوها فيقولوا: يطلبون أكثر ويزيد حرصهم ثمّ يقول الملائكة يا ربّ إنّ هذه الطّائفة يخافون من النّار ويستجيرونك منها فيقول هل رأوا ناري؟ فيقولوا: لا فيقول كيف لو رأوها؟ فيقولوا: لاستجاروك منها كثيرا ويختارون طريق الفرار منها أزيد فيقول الله سبحانه للملائكة اشهدوا انّى قد غفرت لهم جميعا فيقول الملائكة يا ربّ إنّ فيهم فلانا لم يحضر معهم للذّكر بل جاء لحاجة دنياويّة فيقول الله سبحانه هم الجلساء يعني هم جلسائي بحكم أنا جليس من ذكرني وهم قوم لا يشقى جليسهم. (فتبيّن) من هذا الحديث والحديث السّابق أنّ محبّي هذه الطّائفة يكونون معهم ومن كان معهم لا يكون شقيّا ثبّتنا الله سبحانه وإيّاكم على محبّة هؤلاء الكرام بحرمة النّبيّ الأمّيّ الهاشميّ عليه الصّلاة والسّلام كلّما ذكره الذّاكرون وغفل عن ذكره الغافلون وما ذكرتم من أحوالكم في مكتوب الشّيخ ميان الهداد فاعلم أنّ أمثال هذه العدمات والشّدائد كثيرة الوقوع على الطّالبين ينبغي أن تكون عالي الهمّة دون أن تقنع بكلّ ما يتيسّر، (شعر): بس بى رنك ست يارد خواه أي دل . قانع نشوى برنك ناكاه أي دل ترجمة: بخيالكم إن كان غيري يكتفي . فأنا الّذي لا يكتفى بوصاله وصحبة هذه الطّائفة من جملة ضروريّات الدّين جعلنا الله سبحانه في صحبتهم، (شعر): إن طفت حول السّكارى نلت عرفهم . إن لم تنله فقد يكفيك رؤيتهم وعليك بالمداومة على الطّريق الّذي تلقّنته من حضرة قبلتنا يعني الشّيخ محمّد الباقي بأن تجري الإسم المبارك الله على القلب ملاحظا معناه بلا مثليّة ولا كيفيّة بعد التّوجّه إلى القلب بالكلّيّة من غير أن تتصوّره بمعنى الحاضريّة والنّاظريّة وأن تلاحظ معه صفة من الصّفات أصلا بل اللّازم استحضار هذا الإسم المبارك في القلب دائما بعد التّوجّه المذكور وإفادة بعض الامور الضّروريّة منوطة بالحضور والصّحبة فإن تيسّرت الملاقاة يذكر إن شاء الله. وينبغي أن تكتب الأحوال المتجدّدة إلى زمن الملاقاة فإنّ مطالعتها تكون باعثة على التّوجّه الغائبيّ والسلام.
المكتوب الرّابع والمائتان إلى المير محمّد نعمان البدخشيّ في النّهي عن التّأثّر من تعرّضات المعاندين والحاسدين والتّحريض على الإشتغال بما هو مشغول به لا يكن حضرة المير نعمان متألّما ومتأذّيا من كلمات أهل الخسران قل كلّ يعمل على شاكلته واللّائق بحالك أن لا تتعرّض لهم بالمكافأة والمجازاة فإنّه لا نور للبهتان والزّور وستكون كلماتهم المتناقضة باعثة على كساد سوقهم. ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور. ينبغي لك أن تسعى وتجتهد في إجراء الشّغل الّذي أنت مأمور به قل الله ثمّ ذرهم في خوضهم يلعبون وقد وصل أخونا الشّيخ محمّد صادق في أوانه وقعد عشر الإعتكاف بالإتّفاق وتشرّف بالفتوحات والواردات المتجدّدة والحمد لله سبحانه وأوقات سائر الأحبّة مقرونة بالجمعيّة والتّرقّيات المتوالية ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. المكتوب الخامس والمائتان إلى الخواجه محمّد أشرف الكابليّ في بيان أنّ ملاك الأمر متابعة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم شرّفكم الله سبحانه بكمال المتابعة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة فإنّها ملاك الأمر ومنية الصّدّيقين وما سوى ذلك فأوهام باطلة وخيالات فاسدة نجّانا الله سبحانه وإيّاكم عنها. وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات دائما. المكتوب السّادس والمائتان إلى الملّا عبد الغفور السّمرقنديّ في مذمّة الدّنيا وترك الإلتفات إلى تنعّماتها اللهمّ نبّهنا قبل أن ينبّهنا الموت بحرمة سيّد المرسلين عليه وعلى آله أتمّ الصّلوات وأفضل التّسليمات وصل المكتوب الشّريف المخصوص باسم هذا الحقير المقعد في بادية البعد والهجران وصار وصوله سببا للابتهاج والسّرور جزاكم الله عنّا خير الجزاء (أيّها) الأخ إنّ الإنسان ما قدم على الدّنيا لأجل اللّقمة السّمينة اللّذيذة والألبسة المزيّنة النّفيسة ولم يخلق للتّمتّع والتّنعّم واللهو واللّعب وإنّما المقصود من خلقه تذلّله وانكساره وعجزه وافتقاره الّتي هي حقيقة العبوديّة ولكن ينبغي أن يكون ذلك الإنكسار والإفتقار ممّا أذنت به الشّريعة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة فإنّ رياضات أهل الباطن ومجاهداتهم الّتي لا توافق الشّريعة الغرّاء لا يحصل منها شيء غير الخسارة والخذلان والنّدامة والحرمان وبعد التّحلّي والتّزيّن بالأحكام الشّرعيّة عملا واعتقادا على وفق رأي علماء أهل السّنّة والجماعة شكر الله تعالى سعيهم ينبغي تعمير الباطن بذكر الله جلّ سلطانه خصوصا بتكرار الذّكر الّذي تلقّنته في الطّريقة النّقشبنديّة العليّة قدّس الله تعالى أسرارهم السّنيّة فإنّ في طريق هؤلاء الأكابر اندراج النّهاية في البداية ونسبتهم فوق جميع النّسب يصدّق القاصرون هذا الكلام أو لا والمقصود انّما هو ترغيب الأحباب وتشويق الأصحاب والمخالفون خارجون من المبحث، (شعر): قد خاب من خال ذا هزوا وهذرمة . وفاز من كان فيه حدّة البصر وبالجملة قد جعل الفلاح الأخرويّ مربوطا بالذّكر الكثير واذكروا الله كثيرا لعلّكم تفلحون شاهد لهذا المعنى فينبغي الإشتغال بالذّكر الكثير وبغض كلّ ما ينافيه وعلاج الخلاص هو هذا ما عَلَى الرَّسُولِ إِلّا الْبَلاغُ ، (شعر): ألا فأكثروا ذكر الإله فإنّه . جلاء صدا القلب غذاء لارواح ألا بذكر الله تطمئنّ القلوب نصّ قاطع المسئول من الله سبحانه التّوفيق لذلك والثّبات والإستقامة على ما هنالك فإنّه ملاك الأمر. والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله أتمّ الصّلوات وأفضل التّسليمات وأرسلت الثّوب الّذي تكرّر لبسه في الأوقات الطّيّبة ينبغي أن تلبسه جعل الله سبحانه عواقب جميع الامور خيرا بالنّبيّ وآله الأمجاد عليه وعليهم الصّلاة والسّلام.
المكتوب السّابع والمائتان إلى المرزا حسام الدّين أحمد في بيان تأثير القرب الجسمانيّ في القرب الرّوحانيّ وذمّ الأحوال الغير الموافقة للشّرع الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى قد مضت مدّة مديدة ولم يصل إلينا أخبار السّلامة من جنابكم وحضرات المخاديم وولدي الميان جمال الدّين حسين وسائر الأعزّة وخدمة العتبة العليّة خصوصا الشّيخ الهداد والشّيخ هداية ولا أخال المانع من ذلك سوى نسيان النّائين المهجورين نعم إنّ لقرب الأبدان تأثيرا عظيما في قرب القلوب ولهذا لن يبلغ وليّ من الأولياء مرتبة الصّحابيّ حتّى إنّ أويسا القرنيّ مع رفعة شأنه ما بلغ مرتبة أدنى الصّحابة لعدم وصوله إلى صحبة خير البشر عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات. سئل عبد الله بن المبارك رضي الله عنه أيّهما أفضل معاوية أم عمر بن عبد العزيز فقال الغبار الّذي دخل أنف فرس معاوية مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خير من عمر بن عبد العزيز كذا مرّة وأحوال فقراء هذه الحدود مع اللّواحق والتّوابع مقرونة بالعافية لله سبحانه المنّة على ذلك بل على جميع النّعماء واللّآلى خصوصا على نعمة الإسلام ومتابعة سيّد الأنام عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام فإنّه ملاك الأمر ومدار النّجاة ومناط الفوز بالسّعادات الدّنيويّة والاخرويّة ثبّتنا الله سبحانه وإيّاكم على ذلك بحرمة سيّد المرسلين عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام (ع) هذا هو الأمر والباقي من العبث وماذا يفتح من ترّهات الصّوفيّة وماذا يزيد من أحوالهم لا يشترى الوجد والحال هناك بنصف شعرة ما لم يوزن بميزان الشّرع ولا تساوي الإلهامات نصف شعرة ما لم تعرض لمحكّ الكتاب والسّنّة والمقصود من سلوك طريق الصّوفيّة ازدياد اليقين بالمعتقدات الشّرعيّة الّتي هو حقيقة الإيمان وحصول اليسر أيضا في أداء الأحكام الفقهيّة لا إنّه أمر آخر وراء ذلك فإنّ الرّؤية الاخرويّة إنّما هي في الآخرة وليست بواقعة في الدّنيا البتّة والمشاهدات والتّجلّيات الّتي الصّوفيّة مسرورون بها سكون إلى الظّلال واطمئنان بها وتسلّ بالشّبه والمثال وهو تعالى وراء الوراء ويا عجبا من هذه المعاملة لو قيل لهم حقيقة المشاهدات والتّجلّيات كما هي ليخاف من وقوع الفتور في طلب مبتدئ هذا الطّريق وحصول القصور في شوقهم وإن سكتّ عنها مع وجود العلم بها يخاف أيضا من التباس الحقّ بالباطل يا دليل المتحيّرين دلّني بحرمة من جعلته رحمة للعالمين عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات. فإن أخبرتم بكيفيّات الأحوال أحيانا لكان موجبا لازدياد المحبّة والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله أفضل الصّلوات وأكمل التّسليمات وأجزل التّحيّات.
المكتوب الثّامن والمائتان إلى الشّيخ محمّد صادق وولده الأرشد في جواب سؤاله عن رؤية السّالك نفسه أحيانا في مقامات الأنبياء عليهم السّلام وأحيانا فوق ذلك قد سأل ولدي أنّ بعض سالكي هذا الطّريق يجد نفسه أحيانا في مقامات العروج في مقامات الأنبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات بل يحسّ في بعض الأوقات أنّه عرج إلى ما فوق هذا المقام فما سرّ هذا المعنى والحال أنّ من المقرّر والمجمع عليه أنّ الفضل للأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام والأولياء إنّما يجدون ما يجدون وإلى كمالات الولاية يصلون بسبب متابعتهم (والجواب) أنّ تلك المقامات الّتي هي للأنبياء عليهم السّلام ليست هي نهاية مقامات عروجاتهم بل كان عروج هؤلاء العظام إلى ما فوق تلك المقامات بمراتب فإنّ تلك المقامات عبارات عن الأسماء الإلهيّة جلّ سلطانه الّتي هي مبادئ تعيّناتهم ووسائل فيضان الفيوض من حضرات الذّات تعالت وتقدّست فإنّه لا مناسبة بين حضرة الذّات والعالم بدون توسّط الأسماء أصلا ولا نسبة بينهما سوى الإستغناء والإحتياج قطعا إنّ الله لغنيّ عن العالمين والله الغنيّ وأنتم الفقراء شاهد لهذا المعنى فإذا نزل هؤلاء الأكابر من مراتب العروج مقتبسين الأنوار الفوقانيّة إلى هذه الأسماء الّتي لها شبه باحيازهم الطّبيعة في مراتب العروج على تفاوت درجاتهم ويتوطّنون فيها ولهذا لو طلبهم شخص بعد استقرارهم يجدهم في تلك الأسماء فعلى الإستعداد المتوجّه نحو حضرة الذّات تعالت وتقدّست لا بدّ له من أن يصل إلى تلك الأسماء وقت العروج وأن يجاوزها إلى ما فوقها ثمّ وثمّ إلى ما شاء الله تعالى ولكن إذا نزل هذا السّالك من فوق ووصل إلى الإسم الّذي هو مبدأ تعيّن وجوده يكون ذلك الإسم أسفل من الأسامي الّتي هي مقامات الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ألبتّة وههنا يظهر تفاوت المقامات الّتي هي مناط الأفضليّة فكلّ من كان مقامه أعلى فهو أفضل وما لم يرجع السّالك إلى اسمه ولم يجد اسمه أسفل من أساميهم لا يعرف أفضليّتهم بطريق الذّوق والحال بل يقول بأفضليّتهم بالتّقليد ويحكم بأولويّتهم باليقين السّابق ولكنّ وجدانه مكذّب لحكمه وفي هذا الوقت يلزم الإلتجاء والتّضرّع إلى الحقّ سبحانه وإظهار العجز والإنكسار له تعالى ليظهر له ما هو حقيقة الحال وهذا المقام من مزالّ أقدام السّالكين. (ولنوضّح) هذا الجواب بمثال قال أرباب المعقول إنّ الدّخان مركّب من الأجزاء الأرضيّة والأجزاء النّاريّة فإذا صعد الدّخان تصعد الأجزاء الأرضيّة بمصاحبة الأجزاء النّاريّة إلى الجهة الفوقانيّة وتعرج من محلّها بحصول قسر قاسر قالوا: إذا كان الدّخان قويّا يكون عروجه إلى كرة النّار وتصل الأجزاء الأرضيّة في هذا الصّعود إلى مقامات الأجزاء المائيّة والهوائيّة الّتي لها التّفوّق عليها بالطّبع ثمّ تعرج منها صاعدة إلى ما فوقها ففى هذه الصّورة لا يمكن أن نقول إنّ رتبة الأجزاء الأرضيّة أعلى من رتبة الأجزاء الهوائيّة فإنّ ذلك التّفوّق والإستعلاء إنّما كان باعتبار قسر القاسر لا باعتبار الذّات فإذا هبطت تلك الأجزاء الأرضيّة بعد وصولها إلى كرة النّار واستقرّت في مركزها الطّبيعيّ يكون مقامها أسفل من مقام الماء والهواء ألبتّة ففيما نحن فيه انّ عروج هذا السّالك من تلك المقامات كان باعتبار قسر القاسر وذلك القاسر هو إفراط حرارة المحبّة وقوّة جذب العشق وأمّا باعتبار الذّات فمقامه تحت تلك المقامات وهذا الجواب الّذي ذكرناه مناسب لحال المنتهى وأمّا إذا وقع هذا التّوهّم في الإبتداء ووجد السّالك نفسه في مقامات الأكابر فوجهه أنّ لكلّ مقام ظلّا ومثالا في الإبتداء والتّوسّط فإذا وصل المبتدى أو المتوسّط إلى ظلالها يتخيّل أنّه قد وصل إلى حقيقة تلك المقامات ولا يقدر أن يفرّق بين الظّلال والحقائق وكذا الشّبه والمثال فإذا وجد الأكابر في ظلال مقاماتهم يتخيّل له أنّه قد حصل الشّركة مع الأكابر في المقامات وليس كذلك بل فيه اشتباه ظلّ شيء بنفس الشّيء اللهمّ أرنا الحقائق كما هي وجنّبنا عن الإشتغال بالملاهي بحرمة سيّد الأوّلين والآخرين عليه وعلى آله أتمّ الصّلوات وأكمل التّسليمات.
المكتوب التّاسع والمائتان إلى المير محمّد نعمان البدخشيّ في حلّ بعض عبارات رسالة المبدأ والمعاد المغلقة وبعض عبارات أخر جوابا لمكتوبه وبيانا لضروريّات الطّريقة الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وآله الطّاهرين أجمعين، المطلوب كون الأخ الأعزّ السّيّد محمّد نعمان على الجمعيّة وأحوال هذه الحدود مستوجبة للحمد، وقد كنت سألت أنت وأخي الخواجه محمّد أشرف وقت الوداع في سراية فرخ عن معنى هذه العبارة الواقعة في رسالة المبدأ والمعاد ولمّا لم تكن في الوقت سعة ومساعدة بقي الجواب موقوفا، والآن قد وقع في الخاطر أن أكتب في حلّ تلك العبارة شيئا يكون موجبا لتشفّي صدور الأحباب والعبارة هي هذه، وبعد ألف سنة وبضع سنين من رحلة النّبيّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام يجيء زمان تعرج فيه الحقيقة المحمّديّة عن مقامها وتتّحد بحقيقة الكعبة فحينئذ يحصل للحقيقة المحمّديّة اسم الحقيقة الأحمديّة وتصير مظهرا للذّات الأحد جلّ سلطانها وكلّ من الإسمين المباركين يتحقّق بالمسمّى، ويبقى المقام السّابق خاليا عن الحقيقة المحمّديّة إلى زمن نزول عيسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام ويعمل بالشّريعة المحمّديّة ففي ذلك الوقت تعرج الحقيقة العيسويّة عن مقامها وتستقرّ في مقام الحقيقة المحمّديّة الّذي بقي خاليا اهـ. ينبغي أن يعلم أنّ حقيقة شخص عبارة عن التّعيّن الوجوبيّ الّذي تعيّن ذلك الشّخص الإمكانيّ ظلّ ذلك التّعيّن، وذلك التّعيّن الوجوبيّ اسم من الأسماء الإلهيّة جلّ شأنه كالعليم والقدير والمريد والمتكلّم وأمثالها، وذلك الإسم الإلهيّ ربّ ذلك الشّخص ومبدأ فيضان وجوده وتوابع وجوده، ولهذا الإسم بالنّسبة إلى حضرة الذّات مراتب شتّى، حيث يطلق هذا الإسم في مرتبة الصّفة الّتي وجودها زائد عن وجود الذّات، ويصدق أيضا في مرتبة الشّأن الّذي زيادته عن الذّات بمجرّد الإعتبار والفرق بين الصّفة والشّأن قد ذكر بالتّفصيل في المكتوب الّذي حرّر في بيان السّلوك والجذبة فإن كان فيه خفاء واشتباه فليراجع هناك. ولا شكّ أنّ حصول الشّأن ولو كان مجرّد اعتبار ولكن يقتضي أن يكون فوقه معنى آخر زائد مناسب لهذا الشّأن، يكون مبدأ لوجوده الاعتباريّ فيحصل لهذا الإسم نصيب من تلك المرتبة أيضا، وهذا الإحتمال جار فوق ذاك المعنى الزّائد أيضا، ولكنّ القوّة البشريّة عاجزة عن ضبطه، وهذا الفقير قليل البضاعة قد تجاوز إلى مرتبة أخرى ولكن لا نصيب له ممّا فوقها غير الإستهلاك والإضمحلال وفوق كلّ ذى علم عليم، (شعر): هنيئا لأرباب النّعيم نعيمها . وللعاشق المسكين ما يتجرّع وتفاضل أقدام أهل الله بعضها على بعض، وتفاوتها إنّما هو باعتبار طيّ هذه المراتب الشّتّى على تفاوت الإستعدادات والقابليّات، والواصلون إلى نفس الإسم قليلون من الأولياء فإنّ أكثرهم واصلون إلى ظلّ من ظلال ذلك الإسم بعد أن عرجوا من المراتب الإمكانيّة بأسرها بطريق السّير والسّلوك التّفصيليّ، وقد يتوهّم الوصول إلى ذلك الإسم في طريق الجذبة الصّرفة أيضا لكنّه لا يعتبر ولا يعتدّ به، والّذين عرجوا من ذلك الإسم وقطعوا المراتب المتفاوتة قلّت أو كثرت فهؤلاء أقلّ قليل منهم ولنرجع إلى أصل الكلام ونقول كما أنّ حقيقة الشّخص تطلق على التّعيّن الوجوبيّ كذلك يطلق على تعيّنه الإمكانيّ. فإذا علمت هذه المقدّمات أقول إنّ محمّدا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مركّب من عالم الخلق وعالم الأمر كتركّب كافّة الأنام منهما، والإسم الإلهيّ الّذي هو ربّ عالم خلقه شأن العليم، والّذي يربّي عالم أمره المعنى الّذي هو مبدأ وجود ذلك الشّأن الاعتباريّ كما مرّ والحقيقة المحمّديّة عبارة عن شأن العليم، والحقيقة الأحمديّة كناية عن ذلك المعنى الّذي هو مبدأ ذلك الشّأن وحقيقة الكعبة السّبحانيّة هي أيضا عبارة عن ذلك المعنى، والنّبوّة الّتي كانت حاصلة لنبيّنا قبل خلق آدم عليهما الصّلاة والسّلام كما أخبر عنها النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم حيث قال: كنت نبيّا وآدم بين الماء والطّين. كانت باعتبار الحقيقة الأحمديّة الّتي لها تعلّق بعالم الأمر وبهذا الإعتبار بشّر عيسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام حيث كان كلمة لله تعالى وكانت مناسبته بعالم الأمر أزيد بقدوم نبيّنا عليه الصّلاة والسّلام باسم أحمد حيث قال: " ومبشّرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد».
والنّبوّة الّتي لها تعلّق بالنّشأة العنصريّة إنّما هي باعتبار الحقيقة المحمّديّة بل باعتبار الحقيقتين وربّه في هذه المرتبة ذاك الشّأن ومبدؤه. ولهذا كانت دعوة هذه المرتبة أتمّ من المرتبة السّابقة فإنّ دعوته في تلك المرتبة كانت مخصوصة بعالم أمره، وتربيته كانت مقصورة على الرّوحانيّين وفي هذه المرتبة دعوته شاملة للخلق والأمر، وتربيته مشتملة على الأرواح والأجسام غاية ما في الباب أنّ نشأته العنصريّة كانت في هذه النّشأة غالبة على نشأته الملكيّة عليه الصّلاة والسّلام وذلك لتحصل زيادة المناسبة بالخلائق الّتي هي سبب الإفادة والإستفادة فإنّ جانب البشريّة غالب فيهم، ولهذا أمر الحقّ سبحانه حبيبه الأكرم صلّى الله عليه وسلّم بإظهار بشريّته بآكد الوجوه حيث قال: «قل إنّما أنا بشر مثلكم " الآية وإتيان لفظ مثلكم لتأكيد البشريّة وبعد ارتحاله صلّى الله عليه وسلّم من النّشأة العنصريّة غلب جانبه الرّوحانيّ، وأخذت مناسبته البشريّة في النّقصان وظهر التّفاوت في نورانيّة الدّعوة، قال بعض الأصحاب الكرام: «وجدنا التّفاوت في قلوبنا ولم نفرغ بعد من دفنه صلّى الله عليه وسلّم " نعم قد تبدّل الإيمان الشّهوديّ بالإيمان الغيبيّ، وانجرّت المعاملة من العيان إلى السّماع ولمّا مضت من رحلته صلّى الله عليه وسلّم ألف سنة وهي مدّة مديدة وأزمنة متطاولة يعني ولها تأثير في تغيّر الامور العظام وتبدّلها غلب جانب روحانيّته على نهج جعل جانب بشريّته متلوّنا بلونه بالتّمام، وصيّر عالم الخلق منصبغا بصبغ عالم الأمر، فما كان من عالم خلقه صلّى الله عليه وسلّم راجعا إلى حقيقته، يعني الحقيقة المحمّديّة عرج إلى الحقيقة الأحمديّة والتحق بها بالضّرورة واتّحدت الحقيقة المحمّديّة بالحقيقة الأحمديّة. والمراد بالحقيقة الأحمديّة والحقيقة المحمّديّة هنا تعيّنه الخلقيّ والأمريّ الإمكانيّان لا الوجوبيّ الّذي تعيّنه الإمكانيّ ظلّه فإنّه لا معنى لعروج التّعيّن الوجوبيّ ولا يتعلّق الإتّحاد بذلك التّعيّن فإذا نزل عيسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام واتّبع شريعة خاتم الرّسل عليه الصّلاة والسّلام يعرج عن مقام نفسه ويصل إلى مقام الحقيقة المحمّديّة بالتّبعيّة ويقوّي دينه عليه الصّلاة والسّلام. ومن ههنا ينقل عن شرائع من قبلنا أنّه كلّما تقادم العهد برسول من الرّسل أولي العزم بأن قضى ألف سنة من ارتحاله، كان يبعث من الأنبياء الكرام والرّسل العظام من يقوّي شريعة ذلك النّبيّ ويعلي كلمته. فإذا تمّت دورة دعوته كان يبعث غيره من أولي العزم ويجدّد شريعة نفسه، ولمّا كانت شريعة نفسه، ولمّا كانت شريعة خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام محفوظة من النّسخ والتّبديل أعطي علماء أمّته حكم الأنبياء وفوّض إليهم أمر تقوية الشّريعة وتأييد الملّة، ومع ذلك تروّج شريعته بجعل واحد من الرّسل أولي العزم متّبعا له قال الله تعالى: «إنّا نحن نزّلنا الذّكر وإنّا له لحافظون». اعلم أنّ الأولياء الّذين يظهرون من أمّته صلّى الله عليه وسلّم بعد مضيّ ألف سنة من ارتحاله صلّى الله عليه وسلّم يكونون أكمل. وإن كانوا أقلّ ليحصل تقوية الشّريعة على الوجه الأتمّ، ولهذا يكون مجيء المهديّ الّذي بشّر خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام بقدومه المبارك بعد مضيّ ألف سنة وكذلك عيسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام ينزل بعد ألف سنة. وبالجملة انّ كمالات أولياء هذه الطّبقة شبيهة بكمالات الأصحاب الكرام عليهم الرّضوان وإن كان الفضل بعد الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام للأصحاب الكرام ولكن يكاد لا يفضّل أحدهما على الآخر من كمال التّشابه. ولعلّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال لاجل هذا " أمّتي مثل المطر لا يدرى أوّله خير أم آخره». ولم يقل لا أدري أوّلهم خير أم آخرهم، لعلمه بحال كلّ من الفريقين ولهذا قال: «خير القرون قرني " ولكن لمّا كان من كمال التّشابه محلّ تردّد يعني في تفضيل أحدهما على الآخر بالنّسبة إلى غيره صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يدرى».
(فإن قيل): قد حكم النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بخيريّة قرن التّابعين بعد قرن الصّحابة، وخيريّة قرن تبع التّابعين بعد قرن التّابعين، فتكون خيريّة هذين القرنين من هذه الطّبقة أيضا متيقّنة فما يكون تشابه هذه الطّبقة بالأصحاب الكرام في الكمالات (أجيب) يمكن أن تكون خيريّة هذين القرنين من هذه الطّبقة باعتبار كثرة ظهور أولياء الله تعالى وقلّة وجود أهل البدعة وندرة أرباب الفسق والمعصية فيهما وهذا لا ينافي كون الأفراد من أولياء هذه الطّبقة خيرا من أفراد أولياء ذينك القرنين كحضرة المهديّ مثلا، (شعر): لو نال من فيض روح القدس من مدد . غير المسيح ليصنع مثل ما صنعا ولكن قرن الأصحاب خير من جميع الوجوه والتّكلّم فيه من الفضول فإنّ السّابقين سابقون في جنّات النّعيم وهم المقرّبون، لا يبلغ إنفاق غيرهم مثل جبل ذهبا إنفاقهم مدّ شعير والله يختصّ برحمته من يشاء. (ينبغي) أن يعلم أنّه قد اتّضح من البيان السّابق معنى عبارة رسالة المبدأ والمعاد، الّتي سطّرت فيها فوق العبارة المذكورة من أنّ حقيقة الكعبة الرّبّانيّة صارت مسجودا إليها للحقيقة المحمّديّة، فإنّ حقيقة الكعبة الرّبّانيّة هي بعينها الحقيقة الأحمديّة الّتي الحقيقة المحمّديّة ظلّها في الحقيقة، فتكون مسجودا إليها للحقيقة المحمّديّة بالضّرورة. (فإن قيل): إنّ الكعبة قد تذهب لطواف أولياء الامّة وتتبرّك بهم، فكيف يكون لحقيقتها تقدّم على الحقيقة المحمّديّة وكيف يجوز هذا المعنى. (أجيب) أنّ الحقيقة المحمّديّة نهاية مقامات نزول محمّد صلّى الله عليه وسلّم من أوج التّنزيه وذروة التّقديس، وحقيقة الكعبة نهاية مقامات عروج الكعبة، وأوّل مرتبة تعرج إليها الحقيقة المحمّديّة من مراتب التّنزيه هي حقيقة الكعبة ولا اطّلاع على نهاية مراتب عروجها لأحد غير الحقّ سبحانه، وحيث كان لكمّل أولياء أمّته عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام نصيب تامّ من عروجاته صلّى الله عليه وسلّم فما العجب أن تمنّت الكعبة من بركات هؤلاء الأكابر، (شعر): علا فوق السّماء وليد أرض . وخلّف خلفه زمنا وأرضا وانحلّت أيضا عبارة أخرى من هذه الرّسالة الواقعة في هذا المقام وهي هذه كما أنّ صورة الكعبة مسجود إليها لصور الأشياء كذلك حقيقة الكعبة مسجود إليها لحقائق الأشياء فإنّه قد علم من المقدّمات السّابقة أنّ حقائق الأشياء عبارات من الأسماء الإلهيّة جلّ سلطانه الّتي هي مبادي فيضان وجودهم، وتوابع وجودهم، وحقيقة الكعبة فوق تلك الأسماء. فلا جرم تكون حقيقة الكعبة متبوعة لحقائق الأشياء ألبتّة. نعم إذا وقع سير كمّل الأولياء فوق حقيقة الكعبة ثمّ نزلوا إلى مراتب حقائقهم الشّبيهة بإحيازهم الطّبيعيّة في مراتب العروج مقتبسين للأنوار الفوقانيّة تتوقّع الكعبة منهم البركات كما مرّ آنفا. (وأيضا) قد حرّرت في رسالة المبدأ والمعاد فقرات في بيان أفضليّة الأنبياء أولي العزم صلوات الله وتسليماته تعالى عليهم ومعنى أفضليّة بعضهم على بعض، ولمّا كان مبناها على الكشف والإلهام اللّذين يفيدان الظّنّ كنت نادما على كتابتي إيّاها، والتّفرقة والتّحكّم في التّفاضل، ومستغفرا منها، فإنّ التّكلّم في هذا الباب بلا دليل قطعيّ لا يجوز. أستغفر الله وأتوب إلى الله من جميع ما كره الله قولا وفعلا وكتبت في مكتوبك بأنّي كنت سئلت في سراى فرخ أنّ تعليم الطّريقة للطّالبين هل هو مرضيّ بالنّسبة إلى أو لا. فقلت في الجواب لا (اه) ما بقي في خاطر الفقير صدور النّفي بل قلت مشروط بالشّرائط ليس بمرضيّ مطلقا. والآن ينبغي أن تعلمها على ذلك الوجه المذكور، وينبغي أن تحتاط في رعاية الشّروط ورعاية الإحتياط دون المساهلة، وما لم يحصل اليقين في التّعليم بالإستخارات لا ينبغي الإقدام على التّعليم ودلّ أخانا ومولانا يار محمّد القديم على هذا وأكّد عليه في ترك الإستعجال في تعليم الطّريقة ليس المقصود توسيع الدّكّان، بل ينبغي ملاحظة مرضيّ الحقّ سبحانه، وما علينا الّا الإخبار. وأيضا أنّك كنت متأذّيا من مسترشديك ومنحرفا عنهم ينبغي لك التّأذّي والإنحراف من وضعك وصنعك، فإنّك تعاشرهم على نهج تكون عاقبتها أذيّة ألبتّة وقد قالوا: «ينبغي للشّيخ أن يتجمّل للمريد لا أنّه يفتح باب الإختلاط ويسلك طريق المصاحبة بإيراد الحكايات والقصص " والسّلام.
المكتوب العاشر والمائتان إلى الملّا شكيبي الأصفهانيّ في حلّ بعض عبارات النّفحات وبعض النّصائح الضّروريّة الّتي التمسها قد تشرّفت بمطالعة المكتوب الشّريف الّذي أرسلته إلى هذا الحقير القليل البضاعة على وجه الشّفقة والمرحمة وصرت مبتهجا ومسرورا عش بالسّلامة ومت بالسّلامة وما عشت تعش على محبّة الفقراء وإذا متّ تكن محبّتهم رأس مالك وأصل بضاعتك وإذا حشرت تحشر على محبّتهم بحرمة من افتخر بالفقر وآثره على الغنا عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام ورقمت على وجه الكرم أنّه ما حقيقة معاملة الحكاية المذكورة في النّفحات من أنّ مريد الشّيخ ابن سكينة قدّس سرّه دخل يوما الدّجلة لاجل الإغتسال وخاض في الماء ولمّا رفع رأسه رأى نفسه في النّيل فخرج من الماء ودخل مصر وتزوّج فيه وولد له أولاد وأقام بمصر سبع سنين فدخل يوما النّيل اتّفاقا للاغتسال وخاض في الماء فلمّا رفع رأسه رأى نفسه في الدّجلة ورأى جميع أثوابه الّتي كان وضعها في أوّل مرّة بساحل الدّجلة على حالها فلبس ثيابه وجاء منزله فقالت له امرأته: الطّعام الّذي أمرت بطبخه للضّيوف حاضر إلى آخر القصّة. (أيّها المخدوم) المكرّم إنّ أشكال هذه الحكاية ليس من جهة حصول أمور سنين في ساعة واحدة فإنّ أمثال هذه المعاملة كثيرة الوقوع ومن جملتها معراج خاتم الرّسل صلّى الله عليه وسلّم فإنّه حين رجع إلى مكانه بعد طيّ معارج العروج وقطع مسافة منازل الوصول الّذي يتيسّر في ألوف من السّنين، يعني عادة رأى أنّ حرارة فراشه باقية على حالها ولم يسكن الماء الّذي ملأه في الأبريق للوضوء عن حركته ووجهه ما ذكره في النّفحات من أنّه من قبيل بسط الزّمان وإنّما أشكال هذه الحكاية من جهة كون هذه المدّة آنا واحدا في بغداد ويحصل لهذا الآن امتداد بمصر إلى سبع سنين. فإذا كان التّاريخ الهجريّ بالنّسبة إلى أهل بغداد مثلا ثلثمائة وستّين سنة في ذلك الوقت ينبغي أن يكون بالنّسبة إلى أهل مصر في عين ذلك الوقت ثلثمائة وسبع وستّين سنة وهذا المعنى ممّا لا يجوّزه العقل ولا يسعه النّقل وهذه المعاملة وإن كانت مجوّزة بالنّسبة إلى شخص أو شخصين ولكنّها بالنّسبة إلى بلاد مختلفة وأمكنة متعدّدة محال. وما يخطر في خاطر هذا الحقير الكليل هو أنّ هذه الحكاية ما وقعت في عالم اليقظة بل هي من قبيل الرّؤيا والواقعات واشتبه الرّؤيا بالرّؤية للمستمع والتبس له النّوم باليقظة، وهذا القسم من الإشتباه كثير الوقوع بل من مظان الإشتباه كون رؤيته وقصّته على شيخه ومجيئه بأولاده إليه في المنام والحكاية الّتي نقلها عن الشّيخ محي الدّين بن عربيّ قدّس سرّه بعد هذه الحكاية هي أيضا من هذا القبيل، والله سبحانه أعلم بحقيقة الحال والله أعلم بحقيقة الامور كلّها. والتمست أيضا شرح هذه العبارة أنّ مربّي الجسد هو الرّوح، ومربّي القالب هو القلب. (أيّها المخدوم) إنّ مؤدّى هاتين العبارتين واحد وهو بيان حصول التّربية لعالم الخلق الإنسانيّ من عالمه الأمريّ، ولمّا كان وقوع لفظ الجسد مقرونا بلفظ الرّوح في الإطلاقات والمحاورات ووقعت المناسبة اللّفظيّة بين القالب والقلب وقع اختيار تعيين العبارة لجمع كلّ بما يناسبه. (وصدر) أيضا طلب النّصائح (أيّها المخدوم) يمنعني الحياء من أن أكتب شيئا من هذا الباب مع وجود جميع الخرابات والتّعلّقات والتّلوّثات وقلّة البضاعة وعدم الحاصل وأن أرقم من هذه المقولة حرفا بالتّصريح أو بالإشارة، ولكن أخاف من أن أنسب إلى الخسّة والدّناءة والضّنّ والبخل لو أمسكت عن القول المعروف وصنت نفسي عن ذلك فبناء على ذلك أجترئ على تحرير كلمات. أيّها المخدوم إنّ بقاء الدّنيا قليل جدّا وقد تلف الأكثر من هذا القليل أيضا وزال وبقي الأقلّ. ومدّة الآخرة باقية ودائمة وجعلت معاملة الأبد والخلود مربوطة ببقاء أيّام معدودة وبعدها إمّا تنعّم أبديّ أو عذاب سرمديّ.
أخبر بذلك المخبر الصّادق ليس فيه احتمال التّخلّف فينبغي استعمال العقل المتفكّر (أيّها المخدوم) قد مضى أشرف العمر في الهوى والهوس وضاع في تحصيل مراضي أعداء الله جلّ شأنه وبقي أرذل العمر فإن لم نصرفه اليوم في مرضيّات الحقّ جلّ سلطانه ولم نتلاف الأشرف ولم نتداركه ولو بالأرذل ولم نجعل المحنة القليلة وسيلة إلى الرّاحة الأبديّة ولم نكفّر السّيّئات الكثيرة بحسنات يسيرة فباىّ وجه نذهب غدا عند الله تعالى؟ . وبأيّ حيلة نتمسّك؟ وإلى متى يمتدّ نوم الأرنب؟ وحتّى متى يكون قطن الغفلة هذه كلّها في الآذان، وسترفع الغشاوة عن أبصار البصيرة البتّة، ويزال قطن الغفلة عن السّامعة لا محالة، ولكن لا ينفع ذلك هنالك ولا يكون نقد الوقت غير الحسرة والنّدامة على ذلك فينبغي العمل لنفسك قبل ورود الموت والتّوسّد برمسك ثمّ الموت قائلا وا شوقاه. ولا بدّ أوّلا من تصحيح الإعتقاد وتصديق ما علم من الدّين بالضّرورة، ثمّ العلم والعمل بما تكفّل ببيانه علم الفقه أيضا ضروريّ ثمّ سلوك طريق الصّوفيّة أيضا مطلوب، لا لأجل مشاهدة الصّور والأشكال الغيبيّة ومعاينة الأنوار والألوان اللّاريبيّة، فإنّ هذا داخل في اللهو واللّعب وأيّ نقصان في الصّور والأنوار الحسّيّة، حتّى يتركها الإنسان ويشتاق إلى الصّور والأنوار الغيبيّة، ويقصدها بارتكاب الرّياضات والمجاهدات، وهذه الصّور والأنوار، وتلك الصّور والأنوار كلّها مخلوقة للحقّ سبحانه وآيات دالّة على صانعيّته تعالى ولنور الشّمس والقمر اللّذين في عالم الشّهادة مزيّة على الأنوار الّتي تشاهد في عالم المثال ولكن لمّا كانت رؤيتهما دائمة واشترك فيها الخواصّ والعوامّ أسقطوها عن نظر الإعتبار واشتاقوا إلى ما يرى في عالم الغيب من الأنوار، (شعر): ولا قدر للماء الّذي دام جاريا . على باب إنسان وإن كان كوثرا بل المقصود من سلوك طريق الصّوفيّة تحصيل ازدياد اليقين بالمعتقدات الشّرعيّة حتّى تخرج من مضيق الإستدلال إلى فضاء الكشف ومن الإجمال إلى التّفصيل مثلا انّ وجود الواجب الوجود تعالى وتقدّس ووحدته سبحانه إذا كان أوّلا معلوما بطريق الإستدلال أو التّقليد وحصل اليقين به على مقدارهما، فإذا تيسّر سلوك طريق الصّوفيّة يتبدّل ذلك الإستدلال والتّقليد كشفا وشهودا ويحصل اليقين الأكمل. وعلى هذا القياس سائر الاعتقاديّات والمقصود منه أيضا تحصيل اليسر في أداء الأحكام الفقهيّة، وإزالة العسر الّذي يحصل من جهة النّفس الأمّارة ويقين هذا الفقير أنّ طريق الصّوفيّة خادم للعلوم الشّرعيّة، لا أنّه أمر مباين لها وقد حقّقت هذا في كتبي ورسائلي واختيار طريق النّقشبنديّة من بين سائر الطّرق لاجل حصول هذا الغرض أولى وأنسب، فإنّ هؤلاء الأكابر التزموا متابعة السّنّة واجتناب البدعة ولهذا تراهم يفرحون ويستبشرون بحصول دولة المتابعة لهم وإن لم يحصل لهم شيء من الأحوال وإذا أحسّوا فتورا في المتابعة مع وجود الأحوال لا يقبلون تلك الأحوال. قال حضرة الخواجه أحرار قدّس سرّه: «لو أعطيت جميع الأحوال والمواجيد ولم توافق حقيقتي باعتقاد أهل السّنّة والجماعة مثلا لا أرى تلك الأحوال غير الشّقاوة والخذلان وإن أعطيت اعتقاد أهل السّنّة والجماعة وحرمت الأحوال بأسرها فلا تغتمّ على ذلك». وأيضا إنّ في هذا الطّريق اندراج النّهاية في البداية فيجد أهل هذه الطّريقة في أوّل قدم ما يجده غيرهم في النّهاية، وإن كان بينهما فرق فإنّما هو بالإجمال والتّفصيل والشّمول وعدم الشّمول، وهذه النّسبة هي نسبة الأصحاب الكرام بعينها فإنّهم عليهم الرّضوان كانوا يجدون في أوّل صحبة خير البشر ما لا يدرى أنّه يتيسّر لأولياء الامّة سواهم في النّهاية أوّلا، ولهذا لم يصل أويس القرنيّ الّذي هو أفضل التّابعين إلى مرتبة وحشيّ قاتل حمزة رضي الله عنه لنيله مرّة واحدة صحبة خير البشر عليه الصّلاة والسّلام فإنّ فضيلة الصّحبة فوق جميع الفضائل والكمالات فإنّ إيمانهم شهوديّ، ولم تتيسّر هذه الدّولة لغيرهم أصلا (ع) هل المسموع يشبه قطّ بمرئيّ؟
ولهذا كان إنفاق مدّ شعير منهم أفضل من إنفاق جبل ذهب من غيرهم وجميع الأصحاب متساوون في هذه الفضيلة فينبغي تعظيم جميعهم وذكر كلّهم بالخير فإنّ الصّحابة كلّهم عدول وكلّهم متساوون في قبول روايتهم وتبليغ الأحكام لا مزيّة لرواية أحدهم على رواية الآخر منهم وهم حملة القرآن المجيد ومنهم جمعت الآيات المتفرّقات من هذا آيتان ومن هذا ثلاث آيات وأزيد وأنقص اعتمادا على عدالتهم، فمن جرح واحدا من الأصحاب فذلك الجرح راجع إلى القرآن المجيد فإنّه يمكن أن يكون حامل بعض الآيات ذلك المجروح والمطعون فيه، وينبغي أن يصرف المخالفات والمنازعات الواقعة بين هؤلاء الأكابر إلى محامل صحيحة وأن يبعدهم وينزّههم عن الهوى والتّعصّب. قال الإمام الشّافعيّ رحمه الله تعالى وهو أعلم بأحوال الصّحابة عليهم الرّضوان " تلك دماء طهّر الله عنها أيدينا فلنطهّر عنها ألسنتنا». ونقل مثل هذه المقولة أيضا عن الإمام جعفر الصّادق رضي الله عنه والسّلام أوّلا وآخرا. المكتوب الحادي عشر والمائتان إلى الملّا يار محمّد قديم البدخشيّ في جواب سؤاله وبيان بعض لوازم مقام التّكميل والإرشاد وصل المكتوب المرغوب من الأخ الأعزّ مولانا يار محمّد القديم وصار موجبا للفرح بلّغ الله سبحانه ذروة الكمال والتّكميل بحرمة النّبيّ المختار وآله الأمجاد والأبرار عليه وعليهم الصّلاة والسّلام وقد سئلت عن مقالة المولويّ عليه الرّحمة حيث قال " إنّ المليح الّذي كان يجتبي كان حقّا فهل يجوز هذا الكلام أم لا». (اعلم) أنّ أمثال هذا الأمر تقع كثيرا في هذا الطّريق وتجري على اللّسان، وهذا النّوع من المعاملة يقال له التّجلّي الصّوريّ ويظنّ صاحب المعاملة تلك الصّورة المتجلّى بها حقّا تعالى شأنه والكلام إنّما هو ما قال الشّيخ الأجلّ الإمام الرّبّانيّ حضرة الخواجه يوسف الهمدانيّ قدّس سرّه حيث قال: «تلك خيالات تربّى بها أطفال الطّريقة». (ثمّ اعلم) أنّه لمّا صدر لكم نوع إجازة تعليم الطّريقة، أردت أن أكتب بعض الفوائد في هذا الباب ينبغي استماعها باذن العقل والعمل بها. (اعلم) أنّه إذا جاء عندك طالب بإرادة الطّريقة ينبغي لك أن تتأمّل وتتأنّى كثيرا في تعليم الطّريقة إيّاه خوفا من أنّ يراد عليك الإستدراج في هذا الأمر ومن أن يكون المنظور فيه خرابيّتك، خصوصا إذا ظهر الفرح والسّرور من مجيء المريد فينبغي سلوك طريق الإلتجاء والتّضرّع في هذا الباب، والإستخارات المتعدّدة إلى أن يصل اليقين بكون تعليم الطّريقة إيّاه مرضيّا وأنّه لا يراد به الاستدراج والإضلال، لأنّ التّصرّف في عباد الله تعالى وتضييع الوقت في تربيتهم غير مجوّز بلا إذن الحقّ سبحانه وفي قوله تعالى " لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ " دلالة على هذا المعنى. حكي أنّه لمّا توفّي واحد من الأعزّة جاء الخطاب بأنّه أنت الّذي لبس الدّرع في ديني على عبادي. قال: بلى قال: هلّا وكّلت خلقي إليّ وأقبلت بقلبك عليّ، والإجازة الّتي صدرت لك ولغيرك مشروطة بالشّروط ومنوطة بحصول العلم بمرضاه تعالى، فإنّه ما جاء بعد وقت الإجازة المطلقة. فينبغي رعاية تلك الشّروط إلى ورود ذلك الوقت والشّرط هو الإخبار وحرّر هذا المعنى أيضا إلى المير نعمان، فينبغي الإستعلام أيضا من هناك وبالجملة ينبغي السّعي حتّى يجيء ذلك الوقت ويتيسّر التّخلّص من مضائق الشّرائط والسّلام. المكتوب الثّاني عشر والمائتان إلى مولانا محمّد صدّيق البدخشيّ في جواب بعض أسئلته وحلّ واقعة رآها وصل المكتوبان المرغوبان متتابعين فازداد فرح على فرح أكرمكم الله سبحانه بترقّيات غير متناهية بحرمة سيّد المرسلين عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام وسألت أنّه هل يقدر الشّيخ صاحب التّصرّف أن يوصّل المريد المستعدّ بتصرّفه إلى مراتب فوق استعداده أو لا؟ بلى يقدر أن يوصّله، ولكن إلى مراتب تناسب استعداده، لا إلى مراتب تباين استعداده مثلا إذا كان في مريد استعداد الولاية الموسويّة ونهاية قوّة استعداده ما يقدر الوصول بها إلى نصف طريق هذه الولاية، فالشّيخ صاحب التّصرّف يستطيع أن يوصّله بتصرّفه إلى أقصى درجات هذه الولاية، وأمّا أنّه يخرجه من الولاية الموسويّة إلى الولاية المحمّديّة ويمنحه هناك التّرقّيات فهو ليس بمعلوم الوقوع.
(وسألت) أيضا أنّه أيّ مرتبة يحصل فيها للأخفى الّذي هو ألطف اللّطائف الإنسانيّة حكم النّفس الأمّارة وتحصل له المشابهة في الخسّة والدّناءة؟ (ليعلم الأخ) أنّ الأخفى وإن كان ألطف اللّطائف ولكنّه داخل في دائرة الإمكان ومتّسمة بسمة الحدوث فإذا وضع السّالك قدمه في خارج دائرة الإمكان ووقع سيره على مراتب الواجب وترقّى من ظلال الوجوب إلى أصولها وتخلّص من التّقيّد بالصّفة والشّأن، فلا جرم يكون الممكن حينئذ في نظره ذليلا حقيرا عديم الإعتبار، ويرى أخسّه وألطفه مساويين فيها ويتخيّل النّفس والأخفى في هذا المقام كأنّهما توأمان. (وكتبت) أيضا أنّه سمعت منك بواسطة أو بلا واسطة أنّ عبادة الحقّ سبحانه معتقدا بأنّه تعالى حاضر وقت العبادة موجب لتنزّله تعالى، ينبغي العبادة مثل العبيد، فإنّ العبادة له تعالى معتقدا بأنّه حاضر سوء أدب. (أيّها) المحبّ إنّ صدور أمثال هذه المقالة من هذا الفقير ليس بمعلوم ولعلّك رأيته في محلّ آخر. (والواقعة) الّتي رأيتها ورأيت فيها حضرة آدم على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام حسنة جدّا وأصيلة والماء كناية عن العلم، وإدخال اليد فيه حصول القدرة في العلم، ومشاركة آدم على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام مؤكّدة لهذا الحصول، فإنّ آدم عليه السّلام تلميذ الرّحمن، " وعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها " غاية ما في الباب أنّ المراد بالعلم في هذه الواقعة علم الباطن، بل نوع من علم الباطن له مناسبة لنسبة أهل البيت عليهم الرّضوان والباقي عند التّلاقي والسّلام. المكتوب الثّالث عشر والمائتان إلى السّيّد فريد في المواعظ والنّصائح بالتّرغيب في اتّباع علماء أهل السّنّة والجماعة والتّحذير عن مصاحبة علماء السّوء إلخ عصمكم الله سبحانه عمّا لا يليق بجنابكم بحرمة جدّكم الأمجد عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام قال الله سبحانه وتعالى: ''هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلّا الْإِحْسانُ». ولا أدري بأيّ إحسان أكافئ إحسانكم، سوى أن أكون رطب اللّسان بدعاء سلامتكم في الدّارين في الأوقات الشّريفة. الحمد لله سبحانه والمنّة إنّ هذا المعنى ميسّر من غير اختيار. والإحسان الآخر الّذي تليق المكافأة به التّذكرة والموعظة فيا لها من نعمة إن وقعت في معرض القبول. (أيّها النّقيب) النّجيب إنّ خلاصة المواعظ وزبدة النّصائح الإختلاط والإنبساط مع أصحاب الدّيانة وأرباب التّشرّع، وكلّ من التّديّن والتّشرّع مربوط بسلوك طريقة أهل السّنّة والجماعة الحقّة، الّذين هم الفرقة النّاجية من بين سائر الفرق الإسلاميّة، والنّجاة بدون متابعة هؤلاء الأكابر محال، والفلاح من غير اتّباع آرائهم ممتنع، والدّلائل النّقليّة والعقليّة والكشفيّة شاهدة لهذا المعنى، لا تحتمل التّخلّف أصلا فإذا علم خروج شخص مقدار خردلة من طريق هؤلاء الأكابر الّذي هو الصّراط المستقيم، ينبغي أن تعتقد أنّ صحبته سمّ قاتل، وأن ترى مجالسته كمجالسة الأفعى، وطلبة العلم الّذين لا مبالاة فيهم فهم لصوص الدّين من أيّ فرقة كانوا، والإجتناب عن صحبتهم أيضا من الضّروريّات. وجميع هذه الفتنة والمفسدة الواقعة في الدّين من شآمة هؤلاء الجماعة الّذين جعلوا آخرتهم هباء في جمع حطام الدّنيا. " أُولئِكَ الَّذِينَ اِشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وما كانُوا مُهْتَدِينَ». رأى شخص إبليس اللّعين قاعدا مستريحا فارغ البال من الإشتغال بالإغواء والإضلال فسأله عن سرّ ذلك فقال اللّعين: " إنّ علماء السّوء في هذا الوقت قد كفوا أمري وتكفّلوا لي بالإغواء والإضلال " ومولانا عمر موصوف بحسن السّيرة والطّويّة من بين الطّلبة الموجودين الآن هناك بشرط أن تقوّوا قلبه وتعاونوه على إظهار الحقّ. والحافظ الإمام فيه أيضا جنون الإسلام ولا بدّ من ذاك الجنون في الإسلام، " لن يؤمن أحدكم حتّى يقال إنّه مجنون». معلوم لجنابكم، وهذا الفقير لم يقصّر في القول والكتابة في التّحريض على الصّحبة الحسنة ولم أرخّص لنفسي أن تترك المبالغة في التّحذير عن المصاحبة السّوء وأرى ذلك أصلا عظيما والقبول من عندكم فطوبى لمن جعل مظهرا للخير، وتذكّر احساناتكم يوردني على هذا القيل والقال وينسيني ملاحظة التّصديع والإملال والسّلام.
المكتوب الرّابع عشر والمائتان إلى خان خانان في بيان أنّ الدّنيا مزرعة الآخرة وفي سرّ تأييد عذاب الكفّار وتفويض واحد من أرباب الافتقار طوبى لمن جعله الله مظهرا للخير، وقد جعل الحقّ سبحانه الدّنيا مزرعة الآخرة؛ فيا شقاوة من أكل البذر بالتّمام ولم يزرعه في أرض الإستعداد، ولم يجعل الحبّة الواحدة سبعمائة حبّة، ولم يهيّئه ذخيرة ليوم يفرّ فيه الأخ من أخ والامّ من ولد خسارة الدّنيا والآخرة نقد وقته وحسرة الدّارين وندامتهما في كفّ يده لما كان معرضا لغضب ربّه ومقته وأصحاب الدّولة هم الّذين يغتنمون الفرصة في الدّنيا، لا بمعنى أنّهم يتنعّمون فيها ويتلذّذون بها فإنّه لا مدار على ذلك ولا ثبات لما هنالك. ومع ذلك انّها معدّات المحن والعقبات بل بمعنى أنّهم يعملون فيها ويزرعون لآخرتهم، ويحصّلون من حبّة واحدة من العمل بحكم: والله يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ ثمرات غير متناهية. ومن ههنا كان جزاء الأعمال الصّالحة في أيّام معدودة تنعّمات مخلّدة والله ذو الفضل العظيم. فإنّ قيل: إنّ تضاعف الأجر إنّما هو في الحسنات دون السّيّئات فإنّ الجزاء فيها بالمثل فكيف يجوز تأبيد عذاب الكفّار بواسطة سيّئات معدودة؟ (أجيب) انّ مماثلة الجزاء للعمل مفوّضة إلى علم الواجب تعالى وتقدّس وعلم الممكن قاصر عن إدراكها. ألا ترى أنّ الحقّ سبحانه. أمر في قذف المحصنات بجلد ثمانين جزاء مماثلا وفي حدّ السّرقة بقطع اليمين وفي حدّ الزّنا في البكر مع البكر بمائة جلدة وتغريب عام وفي الشّيخ والشّيخة حكم بالرّجم وعلم سّرّ هذه الحدود والتّقديرات خارج من طوق البشر ذلك تقدير العزيز العليم، وحيث حكم الله سبحانه بالعذاب المخلّد على الكفر الموقّت جزاء وفاقا، علم أنّ الجزاء المماثل على الكفر الموقّت هو ذلك العذاب المخلّد. ومن أراد تطبيق جميع الأحكام الشّرعيّة على عقله وجعلها معقول نفسه وتسويتها بأدلّة عقليّة، فهو منكر لطور النّبوّة عليه ما يستحقّ والتّكلّم معه من عدم العقل، شعر: من لم يصدّق بالكتاب وسنّة . فجوابه أن لا تجيب وتسكتا وبقيّة المرام أنّ رافع رقيمة الفقراء الشّيخ ميان أحمد ولد المغفور له الشّيخ سلطان التّهانيسرّي توجّه إلى الخدمة العليّة متوسّلا بهذا الفقير ملاحظا لألطافكم وإحساناتكم إلى والده الماجد، ومن جملة ألطافكم إليه أنّه كان موضع في قضاء اندرى وكنتم أكرمتموه بإعطائه إيّاه والأمر عندكم بل كلّ من عند الله. والسّلام عليكم وعلى سائر من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. المكتوب الخامس عشر والمائتان إلى المرزا داراب في مذمّة الدّنيا وصل المكتوب الشّريف الّذي أرسلته بالتّواضع التّامّ من حسن نشأة الإستعداد الفطريّ إلى الفقراء معدومي البضاعة. جزاكم الله سبحانه عنّا خير الجزاء بحرمة حبيبه عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. (أيّها الولد) انّ أرباب الدّنيا وأصحاب الغنا مبتلون ببلاء عظيم، فإنّ الدّنيا مبغوضة الحقّ سبحانه وقد زيّن في نظرهم أقبح جميع النّجاسات كنجاسة مموّهة بالذّهب، وسمّ مغلّف بالسّكّر. ومع ذلك لقد اهتدى العقل السّليم إلى شناعة هذه الدّنيّة، ودلّ على قباحة هذه الغير المرضيّة. ولهذا قال العلماء: «لو أوصى شخص بماله لأعقل أهل زمانه يعطى للزّهّاد». فإنّهم راغبون عن الدّنيا ورغبتهم عنها من كمال عقلهم. ومع ذلك لم يكتف الحقّ سبحانه من كمال رحمته بشهادة العقل وحده، بل ضمّ إليه شاهدا آخر من النّقل واطّلع على حقيقة ذاك المتاع الكاسد على ألسنة الرّسل عليهم الصّلاة والسّلام الّذين هم رحمة للعالمين ومنع عن محبّة تلك القحبة والتّعلّق بها منعا بليغا. ومع وجود هذين الشّاهدين العدلين إذا أكل شخص السّمّ بطمع السّكّر الموهوم، واختار النّجاسة برجاء الذّهب المتخيّل، فهو سفيه محض وبليد بالطّبع بل هو منكر لأخبار الرّسل عليهم السّلام في الحقيقة، وحكمه حكم المنافق الّذي فيه صورة الإيمان، وهي لا تنفع في الآخرة ولا نتيجة لها غير عصمة الدّماء والأموال الدّنياويّة. فينبغي رفع قطن الغفلة اليوم من الاذن، والّا لا يحصل شيء غدا سوى الحسرة والنّدامة والشّرط الإخبار، (شعر): إنّما هذه الدّنيا متاع . الغرور الغرور من يصطفيها ما مضى فات والمؤمّل غيب .
ولك السّاعة الّتي أنت فيها المكتوب السّادس عشر والمائتان إلى المرزا حسام الدّين في بيان سرّ كثرة ظهور الخوارق للعادات من بعض الأولياء وقلّة ظهورها من بعض آخر وبيان اتمّيّة مقام التّكميل والإرشاد وما يناسب ذلك الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وآله الطّاهرين أجمعين قد يقع في الخاطر الفاتر أنّه لمّا حال البعد الصّوريّ بيني وبين الأحبّة وصارت الملاقاة الظّاهريّة كعنقاء المغرب، كان المناسب أن أكتب إليهم بعض العلوم والمعارف أحيانا فبناء على ذلك أكتب من هذا القسم شيئا في بعض الأوقات، والمرجوّ أن لا يكون ذلك منجرّا إلى الملال. (أيّها المخدوم) لمّا كان مبحث الولاية فيما بيننا ونظر عوامّ الخلائق، إلى ظهور الخوارق، أذكر من هذه المقولة كلمات ينبغي استماعها. اعلم أنّ الولاية عبارة عن الفناء والبقاء والخوارق والكشوف من لوازمها قلّت أو كثرت، ولكن ليس كلّ من تكون خوارقه أكثر تكون ولايته أتمّ وحظّه أوفر، بل كثيرا ما يكون ظهور الخوارق قليلا وتكون الولاية أكمل. مدار كثرة ظهور الخوارق على أمرين: كون العروج إلى الفوق أكثر في وقت العروج وكون النّزول إلى السّفل أقلّ في وقت النّزول، بل الأصل العظيم في كثرة ظهور الخوارق هو قلّة النّزول على أيّ كيفيّة كان جانب العروج، فإنّ صاحب النّزول ينرل إلى عالم الأسباب ويجد وجود الأشياء مربوطا بالأسباب ويرى فعل مسبّب الأسباب من وراء أستار الأسباب والّذي لم ينزل أو نزل، ولكن لم يصل بعد إلى الأسباب فنظره مقصور على فعل مسبّب الأسباب فقط، لأنّ الأسباب قد ارتفعت عن نظره بالتّمام وقصر نظره على فعل مسبّب الأسباب فلا جرم يعامل الحقّ سبحانه كلّا منهما معاملة على حدة بمقتضى ظنّ كلّ منهما فيكل أمر من يرى الأسباب إلى الأسباب، والّذي لا يرى الأسباب يهيّئ أمره بدون توسّط الأسباب، وحديث «أنا عند ظنّ عبدي بي " شاهد لهذا المعنى، وقد اختلج في الخاطر مدّة كثيرة أنّه ما الوجه في عدم ظهور الخوارق من أحد من كمّل أولياء هذه الامّة مع كثرتهم فيما مضى مثل ما ظهر من حضرة السّيّد محي الدّين عبد القادر الجيلانيّ قدّس سرّه فأظهر الحقّ سبحانه آخر الأمر سرّ هذا المعمّي. واعلم أنّ عروج السّيّد محيي الدّين الجيلانيّ قدّس سرّه كان أعلى من عروج أكثر الأولياء، ونزل في جانب النّزول إلى مقام الرّوح فقط الّذي هو فوق عالم الأسباب، وحكاية الحسن البصريّ وحبيب العجميّ مناسبة لهذا، يعني مؤيّدة ومقوّية لما سبق نقل عن الحسن البصريّ " أنّه كان يوما واقفا بساحل النّهر منتظر السّفينة ليعبر النّهر فجاء حبيب العجميّ في أثناء ذلك فسأله عن سبب وقوفه، فقال: أنتظر السّفينة. فقال الحبيب: ما الحاجة إلى سفينة أليس فيك يقين؟ فقال الحسن: أليس لك علم؟ فعبر الحبيب النّهر يعني ماشيا على الماء بلا استعانة سفينة وبقي الحسن واقفا منتظرا للسّفينة». وكان الحسن البصريّ قد نزل إلى عالم الأسباب. فعومل بتوسّط الأسباب وكان الحبيب العجميّ قد طرح الأسباب وأزاحها عن نظره بالتّمام، فعومل من غير توسّط الأسباب. ولكنّ الفضل للحسن لأنّه صاحب العلم وجمع بين عين اليقين وعلم اليقين وعلم الأشياء كما هي فإنّ القدرة جعلت في نفس الأمر مستورة فيما وراء الحكمة وحبيب العجميّ صاحب سكر، له يقين بالفاعل الحقيقيّ من غير مدخليّة الأسباب وهذه الرّؤية ليست بمطابقة لنفس الأمر لأنّ توسّط الأسباب كائن بحسب الواقع. وأمّا معاملة التّكميل والإرشاد فهي على عكس معاملة ظهور الخوارق، فإنّ في مقام الإرشاد كلّما كان النّزول أكثر يكون الإرشاد أكمل وأوفر، فإنّ حصول المناسبة بين المرشد والمسترشد لازم في الإرشاد وهو منوط بالنّزول.
(واعلم) أنّ التّفوّق كلّما كان أكثر يكون النّزول أكثر في الأغلب، ولهذا كان عروج النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فوق الكلّ ونزل وقت النّزول أسفل من الكلّ، ولذا كانت دعوته أتمّ وكان مرسلا إلى كافّة الأنام لأنّه قد حصلت له صلّى الله عليه وسلّم مناسبة بالكلّ بواسطة نهاية النّزول وكان طريق إفادته أتمّ، وكثيرا ما تقع إفادة الطّالبين من متوسّطي هذا الطّريق ما لا يتيسّر من المنتهين غير المرجوعين، فإنّ في المتوسّطين زيادة مناسبة للمبتدئين بالنّسبة إلى المنتهين غير المرجوعين. ومن ههنا قال شيخ الإسلام الهرويّ قدّس سرّه: «لو كان الخرقانيّ ومحمّد القصّاب في محلّ واحد لارسلتكم إلى محمّد القصّاب لا إلى الخرقانيّ فإنّه أنفع لكم من الخرقانيّ». يعني كان الخرقانيّ منتهيا، فيكون احتظاظ المريد منه قليلا. يعني منتهيا غير. مرجوع لا منتهيا مطلقا، فإنّ عدم الإفادة التّامّة غير واقع في حقّه فإنّ محمّدا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ازيد انتهاء من الكلّ والحال أنّ إفادته كانت أزيد من الكلّ فكان مدار زيادة الإفادة ونقصانها على الرّجوع والهبوط لا على الإنتهاء وعدمه. (وههنا) دقيقة ينبغي أن يعلم كما أنّ في حصول نفس الولاية لا يشترط لصاحبها العلم بولاية نفسه كما هو مشهور، كذلك لا يشترط العلم بوجود خوارقه العادات. بل كثيرا ما ينقل النّاس عنه خوارق ولا يكون له على تلك الخوارق اطّلاع أصلا والأولياء الّذين هم أصحاب العلم والكشف يجوز أن لا يكون لهم اطّلاع على خوارقهم. بل تظهر صورهم المثاليّة في أمكنة متعدّدة، وتظهر من تلك الصّور أمور عجيبة وحالات غريبة في مسافات بعيدة ولا اطّلاع لصاحب تلك الصّور على ذلك أصلا. (ع) وما الفعل الّا منه والغير مظهر قال حضرة مخدومي وقبلتي قدّس سرّه يعني شيخه قال واحد من الأعزّة: «يا للعجب يجيء النّاس من الأطراف والجوانب. فيقول بعضهم: رأيناك في مكّة المعظّمة وكنت حاضرا في موسم الحجّ وحججنا معا. ويقول بعضهم: رأيتك في بغداد ويظهرون المحبّة والمودّة. وأنا لم أخرج من بيتي أصلا، ولم أر أمثال هؤلاء النّاس فأىّ تهمة يتّهمونني بها». والله سبحانه أعلم بحقائق الامور كلّها والزّيادة على ذلك إطناب. فإن كان تعطّشكم معلوما أكتب سريعا أزيد من ذلك إن شاء الله تعالى. المكتوب السّابع عشر والمائتان إلى الملّا طاهر البدخشيّ في بيان أنّ نسبة الباطن كلّما تنجرّ إلى الجهالة والحيرة تكون أحسن وبيان سبب وقوع الغلط في بعض الكشوف والفرق بين القضاء المعلّق والمبرم وأنّ المعوّل عليه هو الكتاب والسّنّة وأنّ إجازة تعليم الطّريقة لا يدلّ على الكمال والتّكميل مطلقا الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وعلى آله الطّاهرين أجمعين لم تطلعوني على أحوالكم وأوضاعكم من مدّة مديدة، والإستقامة مطلوبة على كلّ حال فعليكم بالسّعي والإجتهاد لئلّا يقع خلاف الشّريعة مقدار شعرة اعتقادا وعملا. والمحافظة على النّسبة الباطنيّة من أهمّ المهمّات، وكلّما تنجرّ النّسبة إلى جانب الجهالة تكون أحسن وكلّما تذهب إلى طرف الحيرة تكون أفضل. والكشوفات الإلهيّة والظّهورات الأسمائيّة إنّما هي في أثناء الطّريق، وأمّا بعد الوصول فكلّ ذلك يقصر هنالك لا يبقى فيه غير الجهالة وعدم وجدان المطلوب. وماذا أكتب من الكشوف الكونيّة فإنّ مجال الخطأ فيها كثير، ومظنّة الغلط غالبة، فينبغي اعتقاد أنّ وجودها وعدمها سيّان. فإن قيل: ما السّبب في وقوع الغلط في بعض الكشوف الكونيّة الّتي يصدر عن أولياء الله تعالى وظهور خلافها؟ أخبر مثلا أنّ فلانا يموت بعد شهر أو يرجع من سفره إلى وطنه ولمّا مضى ذلك الشّهر لم يقع شيء ممّا أخبر به (أجيب) أنّ حصول هذا الأمر المكشوف المخبر عن وقوعه كان مشروطا بشرائط وصاحب الكشف لم يطّلع على تفاصيلها وقت الإخبار به فحكم بحصوله مطلقا، أو نقول إنّ حكما من الأحكام المسطورة في اللّوح المحفوظ ظهر لعارف وكان ذلك الحكم قابلا في نفسه المحو والرّفع وكان من قبيل القضاء المعلّق، ولكن لم يكن للعارف خبر من كونه معلّقا وقابليّته للمحو والرّفع.
فإذا أخبر في هذه الصّورة بمقتضى علمه وحكم بوقوعه يكون فيه احتمال التّخلّف البتّة (نقل) " أنّ جبريل عليه السّلام أتى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأخبره بموت شابّ على الصّباح فترحّم النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لحاله فسأله عمّا يتمنّاه من الدّنيا فقال: نكاح بكر، وأكل حلوى فأمر بإحضارهما حالا فبينما الشّابّ قاعد في اللّيل مع أهله في خلوته وطبق الحلوى بين أيديهما إذ جاء سائل اتّفاقا عند الباب وسأل شيئا لله فناوله الشّابّ الحلوى كما هو بطبقه فلمّا أصبح النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قعد منتظرا لمجيء خبر فوت الغلام فلمّا تأخّر الخبر قال: أخبروني عن حال ذاك الغلام. فأخبروه بأنّه في سرور وفرح فبقي متحيّرا فجاءه جبريل عليه السّلام فقال: إنّه تصدّق بالحلوى فدفع ذلك عنه البلوى. فوجدت تحت وسادته حيّة عظيمة ميّتة وبطنها محشوّ بالحلوى وممتلئ به بحيث ماتت من كثرته»، وأنا لا أقبل هذا النّقل، ولا أجوّز الخطأ على جبريل فإنّه حامل الوحى القطعيّ وأرى احتمال الخطأ من حامل الوحي مستقبحا اللهمّ الّا أن نقول إنّ عصمته وعدم احتمال الخطأ منه مخصوصة بالوحي الّذي هو تبليغ من قبل الحقّ سبحانه وهذا الخبر ليس من قسم الوحي بل هو إخبار من علم مستفاد من اللّوح المحفوظ الّذي هو محلّ المحو والإثبات فيكون للخطأ مجال في هذا الخبر بخلاف الوحي الّذي هو مجرّد تبليغ فافترقا كالفرق بين الشّهادة والإخبار فإنّ الاولى معتبرة في الشّرع لا الثّاني (اعلم) أيّدك الله تعالى أنّ القضاء على قسمين قضاء معلّق وقضاء مبرم واحتمال التّبديل والتّغيير إنّما هو في القضاء المعلّق وأمّا القضاء المبرم فلا مجال فيه للتّبديل والتّغيير قال الله سبحانه وتعالى (ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ) هذا في القضاء المبرم وقال في القضاء المعلّق (يَمْحُوا الله ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ) قال حضرة قبلتي قدّس سرّه يعني شيخه كتب حضرة السّيّد محيي الدّين عبد القادر الجيلانيّ قدّس سرّه في بعض رسائله لا مجال لأحد في تبديل القضاء المبرم الّا لي فإنّى أتصرّف فيه أيضا إن أردت ذلك وكثيرا ما كان يتعجّب من هذا الكلام ويستبعده وكان هذا النّقل مدّة مديدة في خزانة ذهن هذا الفقير إلى أن شرّفني الله سبحانه بهذه الدّولة العظمى حيث كنت يوما في صدد دفع بليّة متوجّهة إلى بعض الأحبّة وكان لي في ذلك الوقت التجاء وتضرّع وابتهال وخشوع تامّ إلى الله تعالى فظهر أنّ قضاء هذا الأمر ليس بمعلّق بأمر آخر في اللّوح المحفوظ ولا بمشروط بشرط فحصل بعد هذا نوع يأس وحرمان فخطر في ذلك الوقت قول السّيّد عبد القادر الجيلانيّ قدّس سرّه فالتجأت إليه تعالى وتضرّعت مرّة ثانية وتوجّهت إليه سالكا طريق إظهار العجز والإنكسار فأظهر الله سبحانه بأنّ القضاء المعلّق على نوعين قضاء ظهر تعليقه في اللّوح المحفوظ وأطلع عليه الملائكة وقضاء تعليقه عند الحقّ سبحانه فقط وهو على صورة القضاء المبرم في اللّوح المحفوظ وفي القسم الأخير من القضاء المعلّق احتمال التّبديل مثل الأوّل فصار معلوما من هناك أنّ كلام السّيّد الجيلانيّ مصروف إلى القسم الأخير الّذي له صورة القضاء المبرم لا إلى قضاء هو مبرم حقيقة فإنّ التّصرّف والتّبديل فيه محالان شرعا وعقلا كما لا يخفى.
(والحقّ) أنّ لأفراد قليلة اطّلاعا على حقيقة ذلك القضاء فكيف التّصرّف هناك ووجدت البليّة المتوجّهة إلى الأخ المذكور من القسم الأخير وصار معلوما أنّ الله سبحانه دفعها عنه والحمد لله سبحانه على ذلك حمدا كثيرا طيّبا مباركا فيه مباركا عليه كما يحبّ ربّنا ويرضى والصّلاة والسّلام والتّحيّة على سيّد الأوّلين والآخرين وخاتم الأنبياء والمرسلين الّذي أرسله رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه وعلى جميع إخوانه من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين والملائكة المقرّبين أجمعين اللهمّ جعلنا من محبّيهم ومتابعي آثارهم ببركة هؤلاء الأكابر ويرحم الله عبدا قال آمينا (ولنرجع) إلى أصل الكلام ونقول: إنّ سبب وقوع الخطأ في بعض العلوم الإلهاميّة في بعض الأوقات هو أنّ بعض المقدّمات المسلّمة الثّابتة عند صاحب الإلهام الكاذبة في نفس الأمر تلتبس وتختلط مع العلوم الإلهاميّة بحيث لا يقدر صاحب الإلهام على التّمييز بل يظنّ جميع تلك العلوم إلهاميّة فلا جرم يقع الخطأ في المجموع بسبب الخطأ في بعض أجزائها وأيضا قد يرى في بعض الأحيان أمور غيبيّة في الكشوف والواقعات ويخيّل الرّائي أنّها محمولة على ظاهرها ومقصورة على صورتها فيحكم على مقدار خياله فيقع الخطأ ولا يدرى أنّ تلك الامور مصروفة عن ظاهرها ومحمولة على التّأويل والتّعبير وهذا المقام أيضا من جملة مقامات الأغلاط الكشفيّة. (وبالجملة) انّ ما هو القطعيّ الحقيق بالإعتماد هو الكتاب والسّنّة فإنّهما ثبتا بالوحي القطعيّ وتقرّرا بنزول الملك وإجماع العلماء واجتهاد المجتهدين يعني القياس راجعان إلى هذين الأصلين وما وراء هذه الأصول الأربعة كائنا ما كان إن كان موافقا لواحد من هذه الاصول فهو مقبول والّا فلا وإن كان من علوم الصّوفيّة ومعارفهم البهيّة ومن الإلهام والكشوفات السّنيّة فإنّ الوجد والحال لا يشترى هناك بنصف شعيرة ما لم يوزن بميزان الشّريعة والإلهام والكشوف لا يقبل على نصف دانق ما لم يجرّب بمحكّ الكتاب والسّنّة والمقصود من سلوك طريق الصّوفيّة حصول ازدياد اليقين بحقّيّة المعتقدات الشّرعيّة الّذي هو حقيقة الإيمان وحصول اليسر في أداء الأحكام الشّرعيّة لا أمر آخر وراء ذلك فإنّ الرّؤية موعودة في الآخرة ليست بواقعة في الدّنيا والمشاهدات والتّجلّيات الّتي الصّوفيّة مسرورون بها اطمئنان بالظّلال أو تسلّ بالشّبه والمثال وهو تعالى وراء الوراء فإن كشفت عن حقيقة هذه المشاهدات والتّجلّيات كما هي أخاف من وقوع الفتور في طلب مبتدئي هذا الطّريق وتطرّق القصور إلى شوقهم وإن سكتّ عن ذلك مع وجود العلم به أخاف من أن أكون مجوّزا لالتباس الحقّ بالباطل فبالضّرورة أردت أنّ أظهر هذا القدر وهو أنّ تجلّيات هذا الطّريق ومشاهداته ينبغي أن تعرض على محكّ تجلّي كليم الله موسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام وشهوده فإن لم تصحّ يعني لم تطابقه بل خالفته ينبغي أن يحكم عليها بكونها من جملة التّجلّيات الظّلاليّة والمثاليّة بالضّرورة ولا يجوز أن تصحّ يعني تطابق ألبتّة فإنّ الدّكّ والفكّ مفقود ولا بدّ منه في الدّنيا سواء تجلّى للباطن أو للظّاهر فإنّه يلزمه الدّكّ والفكّ ألبتّة وخاتم الأنبياء عليه وعليهم الصّلاة والسّلام لكونه مبرّأ من هذه الوصمة تيسّرت له الرّؤية في الدّنيا ولم يذهب عن مكانه مقدار شعرة ولا تكون هي بلا حجاب ظلّ من الظّلال لكمّل تابعيه صلّى الله عليه وسلّم من الّذين لهم نصيب من هذا المقام فهمه صاحب التّجلّي او لا فإذا وقع الصّعق لكليم الله موسى عليه السّلام من مشاهدة هذا الحال فقط من غير وقوع التّجلّي له ماذا يقع لغيره. (ثمّ اعلم) أنّ المقصود من إجازة بعض المخلصين هو أن يكون ذلك المجاز دليلا وهاديا إلى طريق الحقّ جلّ وعلا لجماعة في مثل هذا الزّمان الّذي فشت فيه الضّلالة وعمّت ويشتغل هو أيضا باتّفاق هؤلاء الطّلبة ويترقّى ويسعى محافظا على هذه النّسبة ويجتهد لان يكون المسترشدون أيضا متشرّفين بهذه الدّولة لا أنّ الإجازة توقعه في توهّم الكمال والتّكميل وتمنعه من المقصود ما على الرّسول إلّا البلاغ والسّلام.
المكتوب الثّامن عشر والمائتان إلى الملّا داود في بيان لزوم رعاية آداب شيخ الطّريقة وصل المكتوب الشّريف من الأخ الأعزّ الملّا داود وصار موجبا للابتهاج جعل الحقّ سبحانه ظاهره وباطنه متحلّيا ومتزيّنا بمرضيّاته بحرمة النّبيّ وآله الأمجاد عليه وعليهم الصّلاة والسّلام. المطلوب عدم وقوع الفتور في تكرار ذكر القلب والإستقامة على طريقة الأكابر قدّس الله أسرارهم بسبب توجّهات شتّى فمتى طرأت الظّلمة والكدورة فرضا فعلاجها الإلتجاء والتّضرّع والإبتهال والإنكسار إلى جناب قدس الحقّ جلّ سلطانه والتّوجّه التّامّ إلى مربّيه فإنّه هو الوسيلة إلى حصول هذه الدّولة فينبغي رعاية آداب وسائل هذه الدّولة العظمى كما هو حقّها في الحضور والغيبة وأن يجعل رضاء هؤلاء الأكابر وسيلة إلى تحصيل رضاء الحقّ سبحانه وهذا هو طريق النّجاة والفلاح والسّلام. المكتوب التّاسع عشر والمائتان إلى المرزا ايرج في بيان أنّ اشتغال الإنسان بما لا يعنيه وتركه ما يعنيه ويهمّه من جهلة وغفلته عصمكم الله سبحانه عمّا يصمكم وصانكم عمّا شانكم بحرمة سيّد الأوّلين والآخرين عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام (أيّها) السّعيد النّجيب إنّ الإنسان إذا طرأ عليه مرض من الأمراض الظّاهرة أو عرضت لعضو من أعضائه آفة يسعى سعيا بليغا حتّى يندفع عنه ذلك المرض وتزول عنه تلك الآفة وقد استولى عليه المرض القلبيّ الّذي هو عبارة عن تعلّق القلب بما دون الحقّ جلّ وعلا على نهج كاد يوقعه في الموت الأبديّ ويلقيه في العذاب السّرمديّ وهو لا يتفكّر بعد في إزالته أصلا ولا يسعى في دفعه قطعا فإن لم يعلم أنّ هذا التّعلّق مرض فهو سفيه محض وإن علم ومع ذلك لا يبالي به فهو بليد صرف ولأجل إدراك هذا المرض لا بدّ من عقل المعاد فإنّ عقل المعاش لقصور فكره مقصور على إدراك الظّاهر لا يتعدّاه إلى بواطن الامور فكما أنّ عقل المعاش لا يدرك المرض المعنويّ أو لا يراه مرضا بواسطة ابتلائه بالتّلذّذات الفانية وانغماسه فيها كذلك عقل المعاد لا يحسّ الأمراض الصّوريّة ولا يعدّها أمراضا بسبب رجائه المثوبات الاخرويّة عقل المعاش قصير النّظر وعقل المعاد حديد البصر عقل المعاد نصيب الأنبياء والأولياء عليهم الصّلاة والسّلام وعقل المعاش مرغوب الأغنياء وأرباب الدّنيا شتّان ما بينهما. والأسباب المحصّلة لعقل المعاد ذكر الموت وتذكّر أحوال الآخرة ومجالسة قوم تشرّفوا بدولة فكر الآخرة، (شعر): دللتك يا هذا على كنز مقصد . فإن أنا لم أبلغ لعلّك تبلغ ينبغي أن يعلم كما أنّ مرض الظّاهر موجب للعسرة والتّعب في أداء الأحكام الشّرعيّة كذلك مرض الباطن أيضا مستلزم لذلك قال الله تبارك وتعالى (كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ) وقال سبحانه وتعالى (وإِنَّها لَكَبِيرَةٌ) والمستلزم لذلك العسر في الظّاهر ضعف القوى والجوارح وفي الباطن ضعف اليقين ونقص الإيمان وإلّا فليس في التّكاليف الشّرعيّة عسر أصلا بل فيها كلّها تخفيف وتمام اليسر والسّهولة وقوله تعالى (يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) وقوله تعالى (يُرِيدُ الله أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا) شاهدان عدلان لهذا المعنى، (شعر): ما ضرّ شمس الضّحى في الافق طالعة . أن لا يرى ضوءها من ليس ذا بصر فكان فكر إزالة هذا المرض لازما والإلتجاء إلى الأطبّاء الحذّاق فرضا ما عَلَى الرَّسُولِ إِلّا الْبَلاغُ والسّلام والإكرام. المكتوب العشرون والمائتان إلى الشّيخ حميد البنكاليّ في بيان بعض أغلاط الصّوفيّة وبيان منشأ غلطاتهم الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وعلى آله وأصحابه أجمعين. اعلم أنّ أحوال فقراء هذا الجانب وأوضاعهم موجبة لازدياد الشّكر يوما فيوما ونتوقّع ذلك في حقّ الأحباب النّائين (أيّها العزيز) إنّ مزلّة أقدام السّالكين في هذا الطّريق الّذي هو طريق غيب الغيب كثيرة ينبغي للسّالك أن يعيش محافظا على حبل الشّريعة في الاعتقاديّات والعمليّات وهذا نصيحتي في الحضور والغيبة على فرض وقوع الغفلة وها أنا أكتب بعض أغلاط هذا الطّريق وأعيّن منشأ الغلط ينبغي ملاحظته بنظر الإعتبار ويعمل فيما وراء الجزئيّات المذكورة بمقياسها.
(اعلم) أنّ بعضا من أغلاط الصّوفيّة هو أنّ السّالك يجد نفسه أحيانا في مقامات العروج فوق قوم ثبتت أفضليّتهم عليه بإجماع العلماء ومقامه دون مقامات هؤلاء الأكابر في الحقيقة يقينا بل ربّما يكون هذا الإشتباه بالنّسبة إلى الأنبياء عليهم السّلام الّذين هم أفضل الخلائق قطعا عياذا بالله سبحانه من هذا الإشتباه ومنشأ غلط هؤلاء الجماعة هو أنّ نهاية عروج الأنبياء والأولياء أوّلا إلى أسماء الهيّة هي مبادي تعيّنات وجودهم وبهذا العروج يتحقّق اسم الولاية ويستحقّه السّالك والعروج ثانيا في تلك الأسماء ثمّ من تلك الأسماء إلى ما شاء الله تعالى ولكن مأوى كلّ واحد منهم ومرجعهم ومنزلهم مع وجود هذا العروج هو ذلك الإسم الّذي هو مبدأ تعيّن وجوده ولهذا إذا طلبهم سالك في مقامات العروج يجدهم في تلك الأسماء فإنّ مكان هؤلاء الأكابر الطّبيعيّ في مراتب العروج هو هذه الأسماء والعروج والهبوط منها بواسطة العوارض فالسّالك العالي الفطرة إذا وقع سيره فوق الأسماء لا جرم يترقّى على أعلى من الأسماء الّتي هي مبادي تعيّنات الأنبياء وسائر الأولياء الكبار فحينئذ يظهر ذلك التّوهّم عياذا بالله سبحانه من أن يزيل ذلك التّوهّم اليقين السّابق ويورث الإشتباه في أفضليّة الأنبياء عليهم السّلام وأولويّة الأولياء رضي الله عنهم وقد ثبت أفضليّتهم وأولويّتهم بالإجماع وهذا المقام من مزالّ أقدام السّالكين ولا يدري السّالك في ذلك الوقت أنّ هؤلاء الأكابر قد عرجوا من تلك الأسماء عروجات غير متناهية وبلغوا محلّا لا يمكن العروج فوقه ولم يعرف أنّ تلك الأسماء أمكنتهم الطّبيعيّة وله أيضا مكان طبيعيّ هناك أدون من تلك الأسماء وأنزل فإنّ أفضليّة كلّ شخص باعتبار أقدميّة الإسم الّذي كان مبدأ لتعيّنه ومن هذا القبيل ما قال بعض المشائخ إنّ العارف لا يجد البرزخيّة الكبرى حائلة في مقامات العروج أحيانا ويترقّى من غير وساطتها قال حضرة شيخنا إنّ رابعة كانت من هذه الجماعة أيضا وهؤلاء الجماعة لمّا تجاوزوا وقت العروج الإسم الّذي هو مبدأ تعيّن البرزخيّة الكبرى إلى ما فوقه توهّموا أنّ البرزخيّة الكبرى لم تبق حائلة في البين وأرادوا بالبرزخيّة الكبرى حقيقة خاتم الرّسالة عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام وحقيقة المعاملة هي أنّهم قد جاوزوها إلى ما فوقها (ومنشأ غلط طائفة أخرى) هو أن سير السّالك إذا وقع على اسم هو مبدأ تعيّنه وذلك الإسم جامع لجميع الأسماء على سبيل الإجمال فإنّ جامعيّة الإنسان إنّما هي بسبب جامعيّة ذلك الإسم فبالضّرورة يقطع في ضمن ذلك الإسم الأسماء الّتي كانت مبادي تعيّنات مشائخ أخر بالسّير الإجماليّ ويتجاوز كلّ واحد منها حتّى ينتهي سيره إلى منتهى ذلك الإسم فيتوهّم حينئذ تفوّقه إيّاهم ولا يدري أنّ ما يراه من مقامات المشائخ الّتي تعدّاها إنّما هي انموذج مقاماتهم لا حقيقتها وحيث انّه وجد نفسه جامعا وظنّ الآخرين أجزاءه فلا جرم يورث ذلك توهّم أولويّته. وقال شيخ بسطام في هذا المقام من غلبة السّكر: لوائي أرفع من لواء محمّد ولم يدر أنّ أرفعيّة لوائه ليست هي بالنّسبة إلى لواء محمّد صلّى الله عليه وسلّم بل بالنّسبة إلى أنموذجه الّذي صار مشهودا له في ضمن حقيقة اسمه ومن هذا القبيل ما قاله هو أيضا مخبرا عن وسعة قلبه إذا ألقي العرش وما فيه في زاوية قلب العارف لا يكون محسوسا أصلا وهنا أيضا اشتباه الأنموذج بالحقيقة والّا فالعرش الّذي قال الحقّ سبحانه في حقّه إنّه عظيم أيّ اعتبار وأيّ مقدار لقلب العارف في جنبه والظّهور الّذي في العرش ليس في القلب عشر عشيره ولو كان ذلك القلب قلب عارف والرّؤية الاخرويّة تتحقّق بالظّهور العرشيّ يعني تكون مثله وهذا الكلام وإن كان اليوم ثقيلا على بعض الصّوفيّة ولكنّه يكون معلوما لهم في الآخر.
(ولنوضّح) هذا المبحث بمثال وهو أنّ الإنسان جامع لما في عالم العناصر والأفلاك فإذا وقع نظره على جامعيّة نفسه ورأى العناصر والأفلاك أجزاء نفسه وغلب عليه هذه الرّؤية فلا يبعد أنّ يقول إنّي أكبر من كرة الأرض وأعظم من السّموات ففي هذا الوقت يفهم العقلاء أكبريّته وأعظميّته بالنّسبة إلى أجزاء نفسه فإنّ الكلّ أعظم من الجزء وأكر الأرض والسّموات ليست من أجزائه في الحقيقة بل جعلت انموذجاته أجزاءه وأكبريّته إنّما هي بالنّظر إلى تلك الأنموذجات الّتي هي أجزاؤه بالنّظر إلى أكر الأرض والسّموات وبسبب هذا الإشتباه يعني اشتباه أنموذج شيء بحقيقته قال صاحب الفتوحات المكّيّة إنّ الجمع المحمّديّ أجمع من الجمع الإلهيّ فإنّ الجمع المحمّديّ مشتمل على الحقائق الكونيّة والإلهيّة فيكون أجمع ولم يدر أنّ ذلك اشتمال ظلّ من ظلال مرتبة الالوهيّة وأنموذج من أنموذجاتها لا أنّه مشتمل على حقيقة تلك المرتبة المقدّسة فإنّه لا مقدار للجمع المحمّديّ بالنّسبة إلى تلك المرتبة المقدّسة الّتي العظمة والكبرياء من لوازمها ما للتّراب وربّ الأرباب (وأيضا) إنّ في هذا المقام الّذي يقع فيه سير السّالك على اسم هو ربّه يظنّ أحيانا أنّ بعض الأكابر الّذين هم أفضل منه يقينا قد وصلوا بتوسّطه إلى بعض الدّرجات الفوقانيّة وترقّوا بتوسّله وهذا أيضا من مزالّ أقدام السّالكين عياذا بالله سبحانه منه حيث يرى نفسه أفضل بهذا الكمال ويقع في الخسارة وأيّ عجب وأيّة فضيلة إذا سار السّلطان عظيم الشّان تامّ البرهان تحت نصرة واحد من وزرائه الّذي هو تحت حكومته وطاعته ووصل بتوسّط ذلك الوزير إلى بعض المحلّات وفتح بتوسّله بعض البلاد والمواضع. غاية ما في الباب أنّ هنا احتمال فضل جزئيّ وهو خارج عن المبحث فإنّ كلّ حجّام وحائك له فضل من بعض وجوه مخصوص به على عالم ذي فنون وحكيم حاذق ولكنّ ذاك الفضل خارج من حيّز الإعتبار والمعتبر إنّما هو الفضل الكلّيّ الّذي هو ثابت للعالم والحكيم وقد وقع لهذا الدّرويش من هذه الاشتباهات كثير ونشأ منها تخيّلات كثيرة وكانت تلك الحالة فيه مدّة كثيرة ومع ذلك كان حفظ الحقّ سبحانه شامل حاله فلم يطرأ على يقينه السّابق مقدار شعرة من التّذبذب ولم يتطرّق الفتور إلى الإعتقاد المجمع عليه لله سبحانه المنّة على ذلك وعلى جميع نعمائه وما ظهر على خلاف المجمع عليه اسقطه عن حيّز الإعتبار وصرفه إلى محامل حسنة وعلم بالعلم الإجماليّ هذا القدر أنّ هذه الزّيادة المشهودة في الكشف تكون راجعة على تقدير صحّته إلى الفضل الجزئيّ وإن تعارض ذلك وسوسة أنّ مدار الفضل على القرب الإلهيّ جلّ سلطانه وهذه الزّيادة من ذلك القرب فكيف تكون فضلا جزئيّا ولكن صارت هذه الوسوسة في جنب اليقين السّابق هباء منثورا ولم يبق لها اعتبار أصلا بل التجأ إليه تعالى بالتّوبة والإستغفار والإنابة والإنكسار ودعا له سبحانه بالتّضرّع والإبتهال لئلّا يظهر له مثل هذه الكشوف وكيلا ينكشف له ما يخالف معتقدات أهل السّنّة والجماعة مقدار شعرة وقد غلب يوما خوف الموآخذة بهذه الكشوف والمسئوليّة عن هذه التّوهّمات وأزالت غلبة هذا الخوف عنّي القرار وأورثتني القلق والإضطراب فصار الإلتجاء والتّضرّع إلى جناب قدس الحقّ جلّ سلطانه أضعافا مضاعفة وامتدّت تلك الحالة إلى مدّة مديدة فاتّفق في ذلك الوقت مروري على قبر واحد من الأعزّة فاستمددت به واستعنت في هذه المعاملة فأدركتني في تلك الأثناء عناية الحقّ جلّ شأنه وانكشفت حقيقة المعاملة كما ينبغي وحضرت في ذلك الوقت روحانيّة خاتم الرّسالة عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام الّذي هو رحمة للعالمين فسلّى الخاطر الحزين وصار معلوما لي تشريف آن نعم إنّ القرب الإلهيّ موجب للفضل الكلّيّ ولكنّ هذا القرب الّذي حصل لك قرب ظلّ من ظلال مراتب الالوهيّة مخصوص باسم هو ربّك فلا يكون ذلك القرب موجبا للفضل الكلّيّ وانكشفت صورة هذا المقام المثاليّة على نهج لم يبق محلّ للرّيب فزال التّوهّم بالكلّيّة وقد كتب هذا الدّرويش في كتبه ورسائله بعض العلوم الّتي فيها محلّ اشتباه وفيها مجال للتّأويل والتّوجيه فلمّا صرت مبشّرا بذلك أردت أن أكتب منشأ أغلاط تلك العلوم على وفق ما لاح لي بمحض فضل الحقّ جلّ شأنه وأنشره فإنّ الذّنب المشتهر لا بدّ له من اشتهار التّوبة لئلّا يفهم النّاس من تلك العلوم خلاف الشّريعة فيقعوا بالتّقليد على الضّلالة وكيلا يسلكوا مسلك التّضليل والتّجهيل بالتّعصّب والتّكلّف فإنّ أمثال هذه الأزهار تتفتّق كثيرا في هذا الطّريق الّذي هو طريق غيب الغيب فجماعة تؤدّيهم إلى الهداية وطائفة تؤدّيهم إلى الضّلالة وقد سمعت والدي الماجد قدّس سرّه يقول: إنّ منشأ ضلالة أكثر المبتدعين من اثنين وسبعين فرقة وخروجهم عن الصّراط المستقيم هو أنّهم دخلوا في طريق الصّوفيّة ولم يقفوا على حقيقة الأمر ولم يتمّوا السّلوك فغلطوا وضلّوا والسّلام.
المكتوب الحادي والعشرون والمائتان إلى السّيّد حسين المانك? وريّ في خصائص الطّريقة النّقشبنديّة وأفضليّتها على سائر الطّرق ومدح أهلها وما يناسبه الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وآله الطّاهرين أجمعين لعلّ الأخ الأعزّ معدن السّيادة المير حسين لم ينس النّائين المهجورين وعساه لم يضيّع رعاية آداب هذه الطّريقة العليّة الّتي هي ممتازة من بين سائر طرق المشائخ الكرام من وجوه وقد كان مدّة ملاقاتكم وفرصة صحبتكم قليلة جدّا فبناء على ذلك أردت أنّ أحرّر بعض خصائص هذه الطّريقة العليّة وكمالاتها في ضمن علوم عالية ومعارف سامية وإن كنت أعلم أنّ إدراك هذا القسم من العلوم والمعارف بالفعل بعيد عن أذهان المستمعين ولكنّ إظهار أمثال هذه المعارف مبنيّ على ملاحظة أمرين أحدهما أنّ في المستمعين استعدادا لهذه العلوم وأن ترى بعيدة عن شأنهم بالفعل وثانيتهما أنّ المخاطب وإن كان واحدا معيّنا في الظّاهر ولكنّ المخاطب في الحقيقة شخص هو محرّم لهذه المعاملة السّيف للضّارب مثل مشهور (أيّها الأخ) إنّ رأس سلسلة هذه الطّريقة السّنيّة ورئيس أهلها هو الصّدّيق الأكبر رضي الله عنه الّذي هو أفضل جميع بني آدم بعد الأنبياء عليهم السّلام على التّحقيق وبهذا الإعتبار وقع في عبارة أكابر هذه الطّريقة أنّ نسبتنا فوق جميع النّسب فإنّ نسبتهم الّتي هي عبارة عن الحضور والشّعور الخاصّ هي بعينها نسبة الصّدّيق وحضوره الّذي فوق جميع الحضور وفي هذا الطّريق اندراج النّهاية في البداية قال الخواجه بهاء الدّين النّقشبند قدّس سرّه: نحن ندرج النّهاية في البداية، (ع): وقس من حال بستاني ربيعي (فإن قيل): إذا كانت نهاية غيرهم مندرجة في نهايتهم فما تكون نهايتهم وأيضا إذا كانت نهاية غيرهم الوصول إلى الحقّ سبحانه فإلى أين يكون سيرهم من الحقّ ليس وراء عبادان قرية مثل مشهور (أجيب) أنّ نهاية هذه الطّريقة إن تيسّرت هي الوصل العريان الّذي علامة حصوله حصول اليأس من حصول المطلوب فافهم فإنّ كلامنا إشارة لا يدركها الّا الأقلّ من الخواصّ بل من أخصّ الخواصّ وإنّما ذكرنا علامة حصول تلك الدّولة العظمى فإنّ جمعا من هذه الطّائفة باحوا بالوصل العريان وطائفة أخرى قالوا باليأس من حصول المطلوب وأذعنوا بالحرمان ولكن إذا عرض عليهم الجمع بين هاتين الدّولتين يكادون يظنّونه جمعا بين الضّدّين ويعدّونه من المحالات والّذين يدّعون الوصل يرون اليأس حرمانا والّذين يدّعون اليأس يظنّون الوصل عين الفصل وهذا كلّه علامة عدم الوصول إلى تلك المنزلة العليا. غاية ما في الباب أنّه قد أشرق على بواطنهم شعاع من ذاك المقام العالي فظنّه جمع وصلا وجمع آخر يأسا وهذا التّفاوت نشأ من جهة استعداد كلّ منهم فإنّ المناسب لاستعداد طائفة وصل والموافق لاستعداد طائفة أخرى يأس واستعداد اليأس أحسن عند الفقير من استعداد الوصل وإن كان كلّ من الوصل واليأس هناك ملازما للآخر (وجواب) الإعتراض الثّاني أيضا صار لائحا من هذا الجواب فإنّ الوصل المطلق غير الوصل العريان شتّان ما بينهما ونعني بالوصل العريان رفع الحجب كلّها وزوال الموانع بأسرها ولمّا كان أعظم الحجب وأقواها هي التّجلّيات المتنوّعة والظّهورات المختلفة لا بدّ من أن تنقضي وتتمّم تلك التّجلّيات والظّهورات بتمامها سواء كان التّجلّي والظّهور في المرايا الإمكانيّة أو المجالى الوجوبيّة فإنّهما في حصول الحجب بهما سيّان وإن كان بينهما تفاوت بالشّرف والرّتبة فإنّه خارج من نظر الطّالب. (فإن قيل) يلزم من هذا البيان أن يكون للتّجلّيات نهاية وقد صرّح المشائخ بأنّه لا نهاية للتّجلّيات (أجيب) أنّ عدم نهاية التّجلّيات إنّما هو على تقدير وقوع السّير في الأسماء والصّفات بالتّفصيل وعلى هذا التّقدير لا يتيسّر الوصول إلى حضرة الذّات تعالت وتقدّست ولا يحصل الوصل العريان فإنّ الوصول إلى حضرة الذّات تعالت وتقدّست منوط بطيّ الأسماء والصّفات على سبيل الإجمال فتكون إذا للتّجلّيات نهاية.