Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
> قوله تعالى : ( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا ) هذا توبيخ للذين تواصوا باللغو في القرآن والمعنى : أي كلام أحسن من القرآن ومن أحسن قولا من الداعي إلى الله وطاعته وهو محمد صلى الله عليه وسلم قال بن سيرين والسدي وبن زيد والحسن : هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الحسن إذا تلا هذه الآية يقول : هذا رسول الله هذا حبيب الله هذا ولي الله هذا صفوة الله هذا خيرة الله هذا والله احب أهل الأرض إلى الله أجاب الله في دعوته ودعا الناس إلى ما أجاب إليه وقالت عائشة رضي الله عنها وعكرمة وقيس بن أبي حازم ومجاهد : نزلت في المؤذنين قال فضيل بن رفيدة : كنت مؤذنا لأصحاب عبد الله بن مسعود فقال لي عاصم بن هبيرة : إذا أذنت فقلت : الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله فقل وأنا من المسلمين ثم قرأ هذه الآية قال بن العربي : الأول أصح لأن الآية مكية والأذان مدني وإنما يدخل فيها بالمعنى لا أنه كان المقصود وقت القول ويدخل فيها أبو بكر الصديق حين قال في النبي صلى الله عليه وسلم وقد خنقه الملعون : أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وتتضمن كل كلام حسن فيه ذكر التوحيد والإيمان قلت : وقول ثالث وهو أحسنها قال الحسن : هذه الآية عامة في كل من دعا إلى الله وكذا قال قيس بن أبي حازم قال : نزلت في كل مؤمن قال : ومعنى وعمل صالحا الصلاة بين الأذان والإقامة وقاله أبو أمامة قال : صلى ركعتين بين الأذان والإقامة وقال عكرمة : وعمل صالحا صلى وصام وقال الكلبي : أدى الفرائض قلت : وهذا أحسنها مع اجتناب المحارم وكثرة المندوب والله أعلم ( وقال إنني من المسلمين ) قال بن العربي : وما تقدم يدل على الإسلام لكن لما كان الدعاء بالقول والسيف يكون للاعتقاد ويكون للحجة وكان العمل يكون للرياء والإخلاص دل على أنه لا بد من التصريح بالاعتقاد لله في ذلك كله وأن العمل لوجهه مسألة لما قال الله تعالى : وقال إنني من المسلمين ولم يقل له اشترط إن شاء الله كان في ذلك رد على من يقول أنا مسلم إن شاء الله قوله تعالى : ( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ) قال الفراء : لا صلة أي ولا تستوي الحسنة والسيئة وأنشد : ما كان يرضى رسول الله فعلهم والطيبان أبو بكر ولا عمر أراد أبو بكر وعمر أي لا يستوي ما أنت عليه من التوحيد وما المشركون عليه من الشرك قال بن عباس : الحسنة لا إله إلا الله والسيئة الشرك وقيل : الحسنة الطاعة والسيئة الشرك وهو الأول بعينه وقيل : الحسنة المداراة والسيئة الغلظة وقيل : الحسنة العفو والسيئة الانتصار وقال الضحاك : الحسنة العلم والسيئة الفحش وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : الحسنة حب آل الرسول والسيئة بغضهم قوله تعالى : ( ادفع بالتي هي أحسن ) نسخت بآية السيف وبقي المستحب من ذلك : حسن العشرة والاحتمال والإغضاء قال بن عباس : أي ادفع بحلمك جهل من يجهل عليك وعنه أيضا : هو الرجل يسب الرجل فيقول الآخر إن كنت صادقا فغفر الله لي وإن كنت كاذبا فغفر الله لك وكذلك يروى في الأثر : أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال ذلك لرجل نال منه وقال مجاهد : بالتي هي أحسن يعني السلام إذا لقي من يعاديه وقاله عطاء وقول ثالث ذكره القاضي أبو بكر بن العربي في الأحكام وهو المصافحة وفي الأثر : ( تصافحوا يذهب الغل ( ولم ير مالك المصافحة وقد اجتمع مع سفيان فتكلما فيها فقال سفيان : قد صافح رسول الله صلى الله عليه وسلم جعفرا حين قدم من أرض الحبشة فقال له مالك : ذلك خاص فقال له سفيان : ما خص رسول الله صلى الله عليه وسلم يخصنا وما عمه يعمنا والمصافحة ثابتة فلا وجه لإنكارها وقد روي قتادة قال قلت لأنس : هل كانت المصافحة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : نعم وهو حديث صحيح وفي الأثر : ( من تمام المحبة الأخذ باليد ( ومن حديث محمد بن إسحاق وهو إمام مقدم عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت : قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي فقرع الباب فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عريانا يجر ثوبه والله ما رأيته عريانا قبله ولا بعده فاعتنقه وقبله قلت : قد روي عن مالك جواز المصافحة وعليها جماعة من العلماء وقد مضى ذلك في [ يوسف ] وذكرنا هناك حديث البراء بن عازب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من مسلمين يلتقيان فيأخذ أحدهما بيد صاحبه مودة بينهما ونصيحة إلا ألقيت ذنوبهما بينهما ( قوله تعالى : ( فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) أي قريب صديق قال مقاتل : نزلت في أبي سفيان بن حرب كان مؤذيا للنبي صلى الله عليه وسلم فصار له وليا بعد أن كان عدوا بالمصاهرة التي وقعت بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم ثم أسلم فصار وليا في الإسلام حميما بالقرابة وقيل : هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام كان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم فأمره الله تعالى بالصبر عليه والصفح عنه ذكره الماوردي والأول ذكره الثعلبي والقشيري وهو أظهر لقوله تعالى : فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وقيل : كان هذا قبل الأمر بالقتال قال بن عباس : أمره الله تعالى في هذه الآية بالصبر عند الغضب والحلم عند الجهل والعفو عند الإساءة فإذا فعل الناس ذلك عصمهم الله من الشيطان وخضع لهم عدوهم وروي أن رجلا شتم قنبرا مولى علي بن أبي طالب فناداه علي يا قنبر دع شاتمك واله عنه ترضي الرحمن وتسخط الشيطان وتعاقب شاتمك فما عوقب الأحمق بمثل السكوت عنه وأنشدوا : وللكف عن شتم اللئيم تكرما أضر له من شتمه حين يشتم وقال آخر : وما شيء أحب إلى سفيه إذا سب الكريم من الجواب متاركة السفيه بلا جواب أشد على السفيه من السباب وقال محمود الوراق : سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب وإن كثرت منه لدي الجرائم فما الناس إلا واحد من ثلاثة شريف ومشروف ومثل مقاوم فأما الذي فوقي فأعرف قدره وأتبع فيه الحق والحق لازم وأما الذي دوني فإن قال صنت عن إجابته عرضي وإن لام لائم وأما الذي مثلي فإن زل أو هفا تفضلت إن الفضل بالحلم حاكم ( وما يلقاها ) يعني هذه الفعلة الكريمة والخصلة الشريفة ( إلا الذين صبروا ) بكظم الغيظ واحتمال الأذى ( وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ) أي نصيب وافر من الخير قاله بن عباس وقال قتادة ومجاهد : الحظ العظيم الجنة قال الحسن : والله ما عظم حظ قط دون الجنة وقيل : الكناية في يلقاها عن الجنة أي ما يلقاها إلا الصابرون والمعنى متقارب < <
فصلت : ( 37 ) ومن آياته الليل . . . . . > > < > ( فصلت 37 : 39 ) < > قوله تعالى : ( ومن آياته ) علاماته الدالة على وحدانيته وقدرته ( الليل والنهار والشمس والقمر ) وقد مضى في غير موضع ثم نهى عن السجود لهما لأنهما وإن كانا خلقين فليس ذلك لفضيلة لهما في أنفسهما فيستحقان بها العبادة مع الله لأن خالقهما هو الله ولو شاء لأعدمهما أو طمس نورهما ( واسجدوا لله الذي خلقهن ) وصورهن وسخرهن فالكناية ترجع إلى الشمس والقمر والليل والنهار وقيل : للشمس والقمر خاصة لأن الاثنين جمع وقيل : الضمير عائد على معنى الآيات ( إن كنتم إياه تعبدون وإنما أنث على جمع التكثير ولم يجر على طريق التغليب للمذكر والمؤنث لأنه فيما لا يتعلق ( فإن استكبروا ) يهني الكفار عن السجود لله ( فالذين عند ربك ) من الملائكة ( يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون ) أي لا يملون عبادته قال زهير : سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولا لا أبالك يسأم مسألة هذه الآية آية سجدة بلا خلاف واختلفوا في موضع السجود منها فقال مالك : موضعه إن كنتم إياه تعبدون لأنه متصل بالأمر وكان علي وبن مسعود وغيرهم يسجدون عند قوله تعبدون وقال بن وهب والشافعي : موضعه وهم لا يسأمون لأنه تمام الكلام وغاية العبادة والامتثال وبه قال أبو حنيفة وكان بن عباس يسجد عند قوله : يسأمون وقال بن عمر : اسجدوا بالآخرة منهما وكذلك يروى عن مسروق وأبي عبد الرحمن السلمي وإبراهيم النخعي وأبي صالح ويحيى بن وثاب وطلحة وزبيد الياميين والحسن وبن سيرين وكان أبو وائل وقتادة وبكر بن عبد الله يسجدون عند قوله : يسأمون قال بن العربي : والأمر قريب مسألة ذكر بن خويز منداد : أن هذه الآية تضمنت صلاة كسوف القمر والشمس وذلك أن العرب كانت تقول : إن الشمس والقمر لا يكسفان إلا لموت عظيم فصلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الكسوف قلت : صلاة الكسوف ثابتة في الصحاح البخاري ومسلم وغيرهما واختلفوا في كيفيتها اختلافا كثيرا لاختلاف الآثار وحسبك ما في صحيح مسلم من ذلك وهو العمدة في الباب والله الموفق للصواب قوله تعالى : ( ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة ) الخطاب لكل عاقل أي ومن آياته الدالة على أنه يحيي الموتى أنك ترى الأرض خاشعة أي يابسة جدبة هذا وصف الأرض بالخشوع قال النابغة : رماد ككحل العين لأيا أبينه ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع والأرض الخاشعة : الغبراء التي تنبت وبلدة خاشعة : أي مغبرة لا منزل بها ومكان خاشع ( فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت ) أي بالنبات قاله مجاهد يقال : اهتز الإنسان أي تحرك ومنه : تراه كنصل السيف يهتز للندى إذا لم تجد عند امريء السوء مطمعا ( وربت ) أي انتفخت وعلت قبل أن تنبت قاله مجاهد أي تصعدت عن النبات بعد موتها وعلى هذا التقدير يكون في الكلام تقديم وتأخير وتقديره : ربت واهتزت والاهتزاز والربو قد يكونان قبل الخروج من الأرض وقد يكونان بعد خروج النبات إلى وجه الأرض فربوها ارتفاعها ويقال للموضع المرتفع : ربوة ورابية فالنبات يتحرك للبروز ثم يزداد في جسمه بالكبر طولا وعرضا وقرأ أبو جعفر وخالد وربأت ومعناه عظمت من الربيئة وقيل : اهتزت أي استبشرت بالمطر وربت أي انتفخت بالنبات والأرض إذا انشقت بالنبات : وصفت بالضحك فيجوز وصفها بالاستبشار أيضا ويجوز أن يقال الربو والاهتزاز واحد وهي حالة خروج النبات وقد مضى هذا المعنى في [ الحج ] ( إن الذي أحياها لمحي الموتى إنه على كل شيء قدير ) تقدم في غير موضع < < فصلت : ( 40 ) إن الذين يلحدون . . . . . > > < > ( فصلت 40 : 43 ) <
> قوله تعالى : ( إن الذين يلحدون في آياتنا ) أي يميلون عن الحق في أدلتنا والإلحاد : الميل والعدول ومنه اللحد في القبر لأنه أميل إلى ناحية منه يقال : ألحد في دين الله أي حاد عنه وعدل ولحد لغة فيه وهذا يرجع إلى الذين قالوا : لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه وهم الذين ألحدوا في آياته ومالوا عن الحق فقالوا : ليس القرآن من عند الله أو هو شعر أو سحر فالآيات آيات القرآن قال مجاهد : يلحدون في آياتنا أي عند تلاوة القرآن بالمكاء والتصدية واللغو والغناء وقال بن عباس : هو تبديل الكلام ووضعه في غير موضعه وقال قتادة : يلحدون في آياتنا يكذبون في آياتنا وقال السدي : يعاندون ويشاقون وقال بن زيد : يشركون ويكذبون والمعنى متقارب وقال مقاتل : نزلت في أبي جهل وقيل : الآيات المعجزات وهو يرجع إلى الأول فإن القرآن معجز ( أفمن يلقى في النار ) على وجهه وهو أبو جهل في قول بن عباس وغيره ( خير أمن يأتي آمنا يوم القيامة ) قيل : النبي صلى الله عليه وسلم قاله مقاتل وقيل : عثمان وقيل : عمار بن ياسر وقيل : حمزة وقيل : عمر بن الخطاب وقيل : أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي وقيل : المؤمنون وقيل : إنها على العموم فالذي يلقى في النار الكافر والذي يأتى آمنا يوم القيامة المؤمن قاله بن بحر ( اعملوا ما شئتم ) أمر تهديد أي بعد ما علمتم أنهما لا يستويان فلا بد لكم من الجزاء ( إنه بما تعملون بصير ) وعيد بتهديد وتوعد قوله تعالى : ( إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم ) الذكر ها هنا القرآن في قول الجميع لأن فيه ذكر ما يحتاج إليه من الأحكام والخبر محذوف تقديره هالكون أو معذبون وقيل : الخبر أولئك ينادون من مكان بعيد واعترض قوله : ما يقال لك ثم رجع إلى الذكر فقال : ولو جعلناه قرآنا أعجميا ثم قال : أولئك ينادون والأول الاختيار قال النحاس : عند النحويين جميعا فيما علمت ( وإنه لكتاب عزيز ) أي عزيز على الله قاله بن عباس وعنه : عزيز من عند الله وقيل : كريم على الله وقيل : عزيز أي أعزه الله فلا يتطرق إليه باطل وقيل : ينبغي أن يعز ويجل وألا يلغي فيه وقيل : عزيز من الشيطان أن يبدله قاله السدي مقاتل : منع من الشيطان والباطل السدي : غير مخلوق فلا مثل له وقال بن عباس أيضا : عزيز أي ممتنع عن الناس أن يقولوا مثله ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ) أي لا يكذبه شيء مما أنزل الله من قبل ولا ينزل من بعده كتاب يبطله وينسخه قاله الكلبي وقال السدي وقتادة : لا يأتيه الباطل يعني الشيطان ( من بين يديه ولا من خلفه ) لا يستطيع أن يغير ولا يزيد ولا ينقص وقال سعيد بن جبير : لا يأتيه التكذيب من بين يديه ولا من خلفه بن جريج : لا يأتيه الباطل فيما أخبر عما مضى ولا فيما أخبر عما يكون وعن بن عباس : من بين يديه من الله تعالى ولا من خلفه يريد من جبريل صلى الله عليه وسلم ولا من محمد صلى الله عليه وسلم ( تنزيل من حكيم حميد ) بن عباس : حكيم في خلقه حميد إليهم قتادة : حكيم في أمره حميد إلى خلقه قوله تعالى : ( ما يقال لك ) أي من الأذى والتكذيب ( إلا ما قد قيل للرسل من قبلك ) يعزي نبيه ويسليه ( إن ربك لذو مغفرة ) لك ولأصحابك ( وذو عقاب أليم ) يريد لأعدائك وجيعا وقيل : أي ما يقال لك من إخلاص العبادة لله إلا ما قد أوحى إلي من قبلك ولا خلاف بين الشرائع فيما يتعلق بالتوحيد وهو كقوله : ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك أي لم تدعهم إلا إلى ما تدعو إليه جميع الأنبياء فلا معنى لإنكارهم عليك وقيل : هو استفهام أي أي شيء يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك وقيل : إن ربك كلام مبتدإ وما قبله كلام تام إذا كان الخبر مضمرا وقيل : هو متصل ب ما يقال لك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم أي إنما أمرت بالإنذار والتبشير < <
فصلت : ( 44 ) ولو جعلناه قرآنا . . . . . > > < > ( فصلت 44 ) < > قوله تعالى : ( ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي ) فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ولو جعلناه قرآنا أعجميا ) أي بلغة غير العرب ( لقالوا لولا فصلت آياته ) أي بينت بلغتنا فإننا عرب لا نفهم الأعجمية فبين أنه أنزله بلسانهم ليتقرر به معنى الإعجاز إذ هم أعلم الناس بأنواع الكلام نظما ونثرا وإذا عجزوا عن معارضته كان من أدل الدليل على أنه من عند الله ولو كان بلسان العجم لقالوا لا علم لنا بهذا اللسان الثانية وإذا ثبت هذا ففيه دليل على أن القرآن عربي وأنه نزل بلغة العرب وأنه ليس أعجميا وأنه إذا نقل عنها إلى غيرها لم يكن قرآنا الثالثة قوله تعالى : ( أأعجمي وعربي ) وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي ااعجمي وعربي بهمزتين مخففتين والعجمي الذي ليس من العرب كان فصيحا أو غير فصيح والأعجمي الذي لا يفصح كان من العرب أو من العجم فالأعجم ضد الفصيح وهو الذي لا يبين كلامه ويقال للحيوان غير الناطق أعجم ومنه ( صلاة النهار عجماء ( أي لا يجهر فيها بالقراءة فكانت النسبة إلى الأعجم آكد لأن الرجل العجمي الذي ليس من العرب قد يكون فصيحا بالعربية والعربي قد يكون غير فصيح فالنسبة إلى الأعجمي آكد في البيان والمعنى أقرآن أعجمي ونبي عربي وهو استفهام إنكار وقرأ الحسن وأبو العالية ونصر بن عاصم والمغيرة وهشام عن بن عامر أعجمي بهمزة واحدة على الخبر والمعنى لولا فصلت آياته فكان منها عربي يفهمه العرب وأعجمي يفهمه العجم وروى سعيد بن جبير قال : قالت قريش : لولا أنزل القرآن أعجميا وعربيا فيكون بعض آياته عجميا وبعض آياته عربيا فنزلت الآية وأنزل في القرآن من كل لغة فمنه السجيل وهي فارسية وأصلها سنك كيل أي طين وحجر ومنه الفردوس رومية وكذلك القسطاس وقرأ أهل الحجاز وأبو عمرو وبن ذكوان وحفص على الاستفهام إلا أنهم لينوا الهمزة على أصولهم والقراءة الصحيحة قراءة الاستفهام والله أعلم قوله تعالى : ( قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ) أعلم الله أن القرآن هدى وشفاء لكل من آمن به من الشك والريب والأوجاع ( والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر ) أي صمم عن سماع القرآن ولهذا تواصوا باللغو فيه ونظير هذه الآية : وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا وقد مضى مستوفي وقراءة العامة ( عمى ) على المصدر وقرأ بن عباس وعبد الله بن الزبير وعمرو بن العاص ومعاوية وسليمان بن قتة وهو عليهم عم بكسر الميم أي لا يتبين لهم واختار أبو عبيد القراءة الأولى لإجماع الناس فيها ولقوله أولا : هدى وشفاء ولو كان هاد وشاف لكان الكسر في عمى أجود ليكون نعتا مثلهما تقديره : والذين لا يؤمنون في ترك قبوله بمنزلة من في آذانهم وقر وهو يعني القرآن عليهم ذو عمى لأنهم لا يفقهون فحذف المضاف وقيل المعنى والوقر عليهم عمى ( أولئك ينادون من مكان بعيد ) يقال ذلك لمن لا يفهم من التمثيل وحكى أهل اللغة أنه يقال للذي يفهم : أنت تسمع من قريب ويقال للذي لا يفهم : أنت تنادى من بعيد أي كأنه ينادى من موضع بعيد منه فهو لا يسمع النداء ولا يفهمه وقال الضحاك : ينادون يوم القيامة بأقبح أسمائهم من مكان بعيد فيكون ذلك أشد لتوبيخهم وفضيحتهم وقيل : أي من لم يتدبر القرآن صار كالأعمى الأصم فهو ينادى من مكان بعيد فينقطع صوت المنادي عنه وهو لم يسمع وقال علي رضي الله عنه ومجاهد : أي بعيد من قلوبهم وفي التفسير : كأنما ينادون من السماء فلا يسمعون وحكى مهناه النفاش < < فصلت : ( 45 ) ولقد آتينا موسى . . . . . > > <
> ( فصلت 45 : 46 ) < > قوله تعالى : ( ولقد آتينا موسى الكتاب ) يعني التوراة ( فاختلف فيه ) أي آمن به قوم وكذب به قوم والكناية ترجع إلى الكتاب وهو تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم أي لا يحزنك اختلاف قومك في كتابك فقد اختلف من قبلهم في كتابهم وقيل : الكناية ترجع إلى موسى ( ولو لا كلمة سبقت من ربك ) أي في إمهالهم ( لقضي بينهم ) أي بتعجيل العذاب ( وإنهم لفي شك منه ) من القرآن ( مريب ) أي شديد الريبة وقد تقدم وقال الكلبي في هذه الآية : لو لا أن الله أخر عذاب هذه الأمة إلى يوم القيامة لأتاهم العذاب كما فعل بغيرهم من الأمم وقيل : تأخير العذاب لما يخرج من أصلابهم من المؤمنين قوله تعالى : ( من عمل صالحا فلنفسه ) شرط وجوابه وكذا ( ومن أساء فعليها ) والله جل وعز مستغن عن طاعة العباد فمن أطاع فالثواب له ومن أساء فالعقاب عليه ( وما ربك بظلام للعبيد ) نفى الظلم عن نفسه جل وعز قليله وكثيره وإذا انتفت المبالغة انتفى غيرها دليله قوله الحق : إن الله لا يظلم الناس شيئا يونس وروي العدول الثقات والأئمة الأثبات عن الزاهد العدل عن أمين الأرض عن أمين السماء عن الرب جل جلاله : يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا الحديث وأيضا فهو الحكيم المالك وما يفعله المالك في ملكه لا اعتراض عليه إذ له التصرف في ملكه بما يريد < < فصلت : ( 47 ) إليه يرد علم . . . . . > > < > ( فصلت 47 : 48 ) < > قوله تعالى : ( إليه يرد علم الساعة ) أي حين وقتها وذلك أنهم قالوا : يا محمد إن كنت نبيا فخبرنا متى قيام الساعة فنزلت : ( وما تخرج من ثمرات ) من زائدة أي وما تخرج ثمرة ( من أكمامها ) أي من أوعيتها فالأكمام أوعية الثمرة واحدها كمة وهي كل ظرف لمال أو غيره ولذلك سمي قشر الطلع أعني كفراه الذي ينشق عن الثمرة كمة قال بن عباس : الكمة الكفري قبل أن تنشق فإذا انشقت فليست بكمة وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة [ الرحمن ] وقرأ نافع وبن عامر وحفص من ثمرات على الجمع الباقون ثمرة على التوحيد والمراد الجمع لقوله : وما تحمل من أنثى ) والمراد الجمع يقول : إليه يرد علم الساعة كما يرد إليه علم الثمار والنتاج ( ويوم يناديهم ) أي ينادي الله المشركين ( أين شركائي ) الذين زعمتم في الدنيا أنها آلهة تشفع ( قالوا ) يعني الأصنام وقيل : المشركون ويحتمل أن يريدهم جميعا العابد والمعبود ( آذناك ) أسمعناك وأعلمناك يقال : آذن يؤذن : إذا أعلم قال : آذنتنا ببينها أسماء رب ثاو يمل منه الثواء ( ما منا من شهيد ) أي نعلمك ما منا أحد يشهد بأن لك شريكا لما عاينوا القيامة تبرءوا من الأصنام وتبرأت الأصنام منهم كما تقدم في غير موضع ( وضل عنهم ) أي بطل عنهم ( ما كانوا يدعون من قبل ) في الدنيا ( وظنوا ) أي أيقنوا وعلموا ( مالهم من محيص ) أي فرار عن النار وما هنا حرف وليس باسم فلذلك لم يعمل فيه الظن وجعل الفعل ملغي تقديره : وظنوا أنهم ما لهم محيص ولا مهرب يقال : حاص يحيص حيصا ومحيصا إذا هرب وقيل : إن الظن هنا الذي هو أغلب الرأي لا يشكون في أنهم أصحاب النار ولكن يطمعون أن يخرجوا منها وليس يبعد أن يكون لهم ظن ورجاء إلى أن يؤسوا < < فصلت : ( 49 ) لا يسأم الإنسان . . . . . > > < > ( فصلت 49 : 51 ) <
> قوله تعالى : ( لا يسأم الإنسان من دعاء الخير ) أي لا يمل من دعائه بالخير والخير هنا المال والصحة والسلطان والعز قال السدي : والإنسان ها هنا يراد به الكافر وقيل : الوليد بن المغيرة وقيل : عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية بن خلف وفي قراءة عبد الله لا يسأم الإنسان من دعاء المال ( وإن مسه الشر ) الفقر والمرض ( فيئوس ) من روح الله ( قنوط ) من رحمته وقيل : يئوس من إجابة الدعاء قنوط بسوء الظن بربه وقيل : يئوس أي يئس من زوال ما به من المكروه قنوط أي يظن أنه يدوم والمعنى متقارب قوله تعالى : ( ولئن أذقناه رحمة منا ) عاقبة ورخاء وغنى ( من بعد ضراء مسته ) ضر وسقم وشدة وفقر ( ليقولن هذا لي ) أي هذا شيء أستحقه على الله لرضاه بعملي فيرى النعمة حتما واجبا على الله تعالى ولم يعلم أنه ابتلاه بالنعمة والمحنة ليتبين شكره وصبره وقال بن عباس : هذا لي أي هذا من عندي ( وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى ) أي الجنة واللام للتأكيد يتمنى الأماني بلا عمل قال الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب : للكافر أمنيتان أما في الدنيا فيقول : لئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى وأما في الآخرة فيقول : يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين ويا ليتني كنت ترابا ( فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ) أي لنجزينهم قسم أقسم الله عليه ( ولنذيقنهم من عذاب غليظ ) شديد قوله تعالى : ( وإذا أنعمنا على الإنسان ) يريد الكافر ( أعرض ونآي بجانبه ) وقال بن عباس : يريد عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف أعرضوا عن الإسلام وتباعدوا عنه ومعنى نآي بجانبه أي ترفع عن الانقياد إلى الحق وتكبر على أنبياء الله وقيل : نآى تباعد يقال : نأيته ونأيت عنه نأيا بمعنى تباعدت عنه وأنايته فانتأى : أبعدته فبعد وتناءوا تباعدوا والمنتأي الموضع البعيد قال النابغة : فإنك كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أن المنتأي عنك واسع وقرأ يزيد بن القعقاع وناء بجانبه بالألف قبل الهمزة فيجوز أن يكون من ناء إذا نهض ويجوز أن يكون على قلب الهمزة بمعنى الأول ( وإذا مسه الشر ) أي أصابه المكروه ( فذو دعاء عريض ) كثير والعرب تستعمل الطول والعرض في الكثرة يقال : أطال فلان في الكلام وأعرض في الدعاء إذا أكثر وقال بن عباس : فذو دعاء عريض فذو تضرع واستغاثة والكافر يعرف ربه في البلاء ولا يعرفه في الرخاء < < فصلت : ( 52 ) قل أرأيتم إن . . . . . > > < > ( فصلت 52 : 54 ) <
> قوله تعالى : ( قل أرأيتم ) أي قل لهم يا محمد أرأيتم يا معشر المشركين ( إن كان ) هذا القرآن ( من عند الله ثم كفرتم به من أضل ) أي فأي الناس أضل أي لا أحد أضل منكم لفرط شقاقكم وعداوتكم وقيل : قوله : إن كان من عند الله يرجع إلى الكتاب المذكور في قوله : آتينا موسى الكتاب والأول أظهر وهو قول بن عباس قوله تعالى : ( سنريهم آياتنا في الآفاق ) أي علامات وحدانيتنا وقدرتنا في الآفاق يعني خراب منازل الأمم الخالية ( وفي أنفسهم ) بالبلايا والأمراض وقال بن زيد : في الآفاق آيات السماء وفي أنفسهم حوادث الأرض وقال مجاهد : في الآفاق فتح القرى فيسر الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم وللخلفاء من بعده وأنصار دينه في آفاق الدنيا وبلاد المشرق والمغرب عموما وفي ناحية المغرب خصوصا من الفتوح التي لم يتيسر أمثالها لأحد من خلفاء الأرض قبلهم ومن الإظهار على الجبابرة والأكاسرة وتغليب قليلهم على كثيرهم وتسليط ضعفائهم على أقويائهم وإجرائه على أيديهم أمورا خارجة عن المعهود خارقة للعادات وفي أنفسهم فتح مكة وهذا اختيار الطبري وقاله المنهال بن عمرو والسدي وقال قتادة والضحاك : في الآفاق وقائع الله في الأمم وفي أنفسهم يوم بدر وقال عطاء وبن زيد أيضا في الآفاق يعني أقطار السماوات والأرض من الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار والرياح والأمطار والرعد والبرق والصواعق والنبات والأشجار والجبال والبحار وغيرها وفي الصحاح : الآفاق النواحي واحدها أفق وأفق مثل عسر وعسر ورجل أفقي بفتح الهمزة والفاء : إذا كان من آفاق الأرض حكاه أبو نصر وبعضهم يقول : أفقي بضمهما وهو القياس وأنشد غير الجوهري : أخذنا بآفاق السماء عليكم لنا قمراها والنجوم الطوالع وفي أنفسهم من لطيف الصنعة وبديع الحكمة حتى سبيل الغائط والبول فإن الرجل يشرب ويأكل من مكان واحد ويتميز ذلك من مكانين وبديع صنعة الله وحكمته في عينيه اللتين هما قطرة ماء ينظر بهما من السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام وفي أذنيه اللتين يفرق بهما بين الأصوات المختلفة وغير ذلك من بديع حكمة الله فيه وقيل : ( وفي أنفسهم ) من كونهم نطفا إلى غير ذلك من انتقال أحوالهم كما تقدم في [ المؤمنون ] بيانه وقيل : المعنى سيرون ما أخبرهم به النبي صلى الله عليه وسلم من الفتن وأخبار الغيوب ( حتى يتبين لهم أنه الحق ) فيه أربعة أوجه : أحدها أنه القرآن والثاني الإسلام جاءهم به الرسول ودعاهم إليه والثالث أن ما يريهم الله ويفعل من ذلك هو الحق والرابع أن محمدا صلى الله عليه وسلم هو الرسول الحق ( أو لم يكف بربك ) في موضع رفع بأنه فاعل ب يكف و ( أنه ) بدل من ربك فهو رفع إن قدرته بدلا على الموضع وجر أن قدرته بدلا على اللفظ ويجوز أن يكون نصبا بتقدير حذف اللام والمعنى أو لم يكفهم ربك بما دلهم عليه من توحيده لأنه ( على كل شيء شهيد ) وإذا شهده جازى عليه وقيل : المعنى أو لم يكف بربك في معاقبته الكفار وقيل : المعنى أو لم يكف بربك يا محمد أنه شاهد على أعمال الكفار وقيل : أو لم يكف بربك شاهدا على أن القرآن من عند الله وقيل : أو لم يكف بربك أنه على كل شيء مما يفعله العبد شهيد والشهيد بمعنى العالم أو هو من الشهادة التي هي الحضور ( ألا إنهم في مرية ) في شك ( من لقاء ربهم ) في الآخرة وقال السدي : أي من البعث ( ألا إنه بكل شيء محيط ) أي أحاط علمه بكل شيء قاله السدي وقال الكلبي : أحاطت قدرته بكل شيء وقال الخطابي : هو الذي أحاطت قدرته بجميع خلقه وهو الذي أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء عددا وهذا الأسم أكثر ما يجيء في معرض الوعيد وحقيقته الإحاطة بكل شيء واستئصال المحاط به وأصله محيط نقلت حركة الياء إلى الحاء فسكنت يقال منه : أحاط يحيط إحاطة وحيطة ومن ذلك حائط الدار يحوطها أهلها وأحاطت الخيل بفلان : إذا أخذ مأخذا حاصرا من كل جهة ومنه قوله تعالى : وأحيط بثمره والله أعلم بصواب ذلك تم الجزء الخامس عشر من تفسير القرطبي 16 <
> بسم الله الرحمن الرحيم < > < > تفسير سورة الشورى < > مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر وقال بن عباس وقتادة : إلا أربع آيات منها أنزلت بالمدينة : قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى إلى آخرها وهي ثلاث وخمسون آية < < الشورى : ( 1 ) حم > > < > ( الشورى 1 : 4 ) <
> قوله تعالى : ( حم عسق ) قال عبد المؤمن : سألت الحسين بن الفضل : لم قطع حم من عسق ولم تقطع كهيعص والمر والمص فقال لأن : حم عسق بين سور أولها حم فجرت مجرى نظائرها قبلها وبعدها فكأن حم مبتدأ وعسق خبره ولأنها عدت آيتين وعدت أخواتها اللواتي كتبت جملة آية واحدة وقيل : إن الحروف المعجمة كلها في المعنى واحد من حيث إنها أس البيان وقاعدة الكلام ذكره الجرجاني وكتبت حم عسق منفصلا وكهيعص متصلا لأنه قيل : حم أي حم ما هو كائن ففصلوا بين ما يقدر فيه فعل وبين ما لا يقدر ثم لو فصل هذا ووصل ذا لجاز حكاه القشيري وفي قراءة بن مسعود وبن عباس حم سق قال بن عباس وكان علي رضي الله عنه يعرف الفتن بها وقال أرطاة بن المنذر قال رجل لابن عباس وعنده حذيفة بن اليمان : أخبرني عن تفسير قوله تعالى : حم عسق فأعرض عنه حتى أعاد عليه ثلاثا فأعرض عنه فقال حذيفة بن اليمان : أنا أنبئك بها قد عرفت لم تركها نزلت في رجل من أهل بيته يقال له عبد الإله أو عبد الله ينزل على نهر من أنهار المشرق يبنى عليه مدينتين يشق النهر بينهما شقا فإذا أراد الله زوال ملكهم وانقطاع دولتهم بعث على إحداهما نارا ليلا فتصبح سوداء مظلمة فتحترق كلها كأنها لم تكن مكانها فتصبح صاحبتها متعجبة كيف قلبت فما هو إلا بياض يومها حتى يجتمع فيها كل جبار عنيد ثم يخسف الله بها وبهم جميعا فذلك قوله : حم عسق أي عزمة من عزمات الله وفتنة وقضاء حم : حم ع : عدلا منه س : سيكون ق : واقع في هاتين المدينتين ونظير هذا التفسير ما روى جرير بن عبد الله البجلي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( تبنى مدينة بين دجلة ودجيل وقطربل والصراة يجتمع فيها جبابرة الأرض تجبى إليها الخزائن يخسف بها وفي رواية بأهلها فلهي أسرع ذهابا في الأرض من الوتد الجيد في الأرض الرخوة ( وقرأ بن عباس حم سق بغير عين وكذلك هو في مصحف عبد الله بن مسعود حكاه الطبري وروي نافع عن بن عباس : الحاء حلمه والميم مجده والعين علمه والسين سناه والقاف قدرته أقسم الله بها وعن محمد بن كعب : أقسم الله بحلمه ومجده وعلوه وسناه وقدرته ألا يعذب من عاذ بلا إله إلا الله مخلصا من قلبه وقال جعفر بن محمد وسعيد بن جبير : الحاء من الرحمن والميم من المجيد والعين من العليم والسين من القدوس والقاف من القاهر وقال مجاهد : فواتح السور وقال عبد الله بن بريدة : إنه اسم الجبل المحيط بالدنيا وذكر القشيري واللفظ للثعلبي : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية عرفت الكآبة في وجهه فقيل له : يا رسول الله ما أحزنك قال : ( أخبرت ببلايا تنزل بأمتي من خسف وقذف ونار تحشرهم وريح تقذفهم في البحر وآيات متتابعات متصلات بنزول عيسى وخروج الدجال ( والله أعلم وقيل : هذا في شأن النبي صلى الله عليه وسلم ف الحاء حوضه المورود والميم ملكه الممدود والعين عزه الموجود والسين سناه المشهود والقاف قيامه في المقام المحمود وقربه في الكرامة من الملك المعبود وقال بن عباس : ليس من نبي صاحب كتاب إلا وقد أوحي إليه : حم عسق فلذلك قال : يوحى إليك وإلى الذين من قبلك المهدوي : وقد جاء في الخبر أن ( حم عسق معناه أوحيت إلى الأنبياء المتقدمين ( وقرأ بن محيصن وبن كثير ومجاهد يوحى ( بفتح الحاء ) على ما لم يسم فاعله وروي عن بن عمر فيكون الجار والمجرور في موضع رفع لقيامه مقام الفاعل ويجوز أن يكون اسم مالم يسم فاعله مضمرا أي يوحى إليك القرآن الذي تضمنه هذه السورة ويكون اسم الله مرفوعا بإضمار فعل التقدير : يوحيه الله إليك كقراءة بن عامر وأبي بكر يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال أي يسبحه رجال وأنشد سيبويه : ليبك يزيد ضارع بخصومة وأشعث ممن طوحته الطوائح فقال : ليبك يزيد ثم بين من ينبغي أن يبكيه فالمعنى يبكيه ضارع ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر محذوف كأنه قال : الله يوحيه أو على تقدير إضمار مبتدأ أي الموحي الله أو يكون مبتدأ والخبر العزيز الحكيم وقرأ الباقون يوحي إليك بكسر الحاء ورفع الاسم على أنه الفاعل ( له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم ) تقدم في غير موضع < <
الشورى : ( 5 ) تكاد السماوات يتفطرن . . . . . > > < > ( الشورى 5 ) < > قوله تعالى : ( تكاد السماوات ) قراءة العامة بالتاء وقرأ نافع وبن وثاب والكسائي بالياء ( يتفطرن ) قرأ نافع وغيره بالياء والتاء والتشديد في الطاء وهي قراءة العامة وقرأ أبو عمرو وأبو بكر والمفضل وأبو عبيد ينفطرن من الانفطار كقوله تعالى : إذا السماء انفطرت الانفطار وقد مضى في سورة مريم بيان هذا وقال بن عباس : تكاد السماوات يتفطرن أي تكاد كل واحدة منها تنفطر فوق التي تليها من قول المشركين : اتخذ الله ولدا وقال الضحاك والسدي : يتفطرن أي يتشققن من عظمة الله وجلاله فوقهن وقيل : فوقهن : فوق الأرضين من خشية الله لو كن مما يعقل قوله تعالى : ( والملائكة يسبحون بحمد ربهم ) أي ينزهونه عما لا يجوز في وصفه وما لا يليق بجلاله وقيل يتعجبون من جرأة المشركين فيذكر التسبيح في موضع التعجب وعن علي رضي الله عنه : أن تسبيحهم تعجب مما يرون من تعرضهم لسخط الله وقال بن عباس : تسبيحهم خضوع لما يرون من عظمة الله ومعنى بحمد ربهم : بأمر ربهم قاله السدي ( ويستغفرون لمن في الأرض ) قال الضحاك : لمن في الأرض من المؤمنين وقاله السدي بيانه في سورة المؤمن : ويستغفرون للذين آمنوا وعلى هذا تكون الملائكة هنا حملة العرش وقيل : جميع ملائكة السماء وهو الظاهر من قول الكلبي وقال وهب بن منبه : هو منسوخ بقوله : ويستغفرون للذين آمنوا قال المهدوي : والصحيح أنه ليس بمنسوخ لأنه خبر وهو خاص للمؤمنين وقال أبو الحسن الماوردي عن الكلبي : إن الملائكة لما رأت الملكين اللذين اختبرا وبعثا إلى الأرض ليحكما بينهم فافتتنا بالزهرة وهربا إلى إدريس وهو جد أبي نوح عليهما السلام وسألاه أن يدعو لهما سبحت الملائكة بحمد ربهم واستغفرت لبني آدم قال أبو الحسن بن الحصار : وقد ظن بعض من جهل أن هذه الآية نزلت بسبب هاروت وماروت وأنها منسوخة بالآية التي في المؤمن وما علموا أن حملة العرش مخصوصون بالاستغفار للمؤمنين خاصة ولله ملائكة أخر يستغفرون لمن في الأرض الماوردي : وفي استغفارهم لهم قولان : أحدهما من الذنوب والخطايا وهو ظاهر قول مقاتل الثاني أنه طلب الرزق لهم والسعة عليهم قاله الكلبي قلت : وهو أظهر لأن الأرض تعم الكافر وغيره وعلى قول مقاتل لا يدخل فيه الكافر وقد روي في هذا الباب خبر رواه عاصم الأحول عن أبي عثمان عن سلمان قال : إن العبد إذا كان يذكر الله في السراء فنزلت به الضراء قالت الملائكة : صوت معروف من آدمي ضعيف كان يذكر الله تعالى في السراء فنزلت به الضراء فيستغفرون له فإذا كان لا يذكر الله في السراء فنزلت به الضراء قالت الملائكة : صوت منكر من آدمي كان لا يذكر الله في السراء فنزلت به الضراء فلا يستغفرون الله له وهذا يدل على أن الآية في الذاكر لله تعالى في السراء والضراء فهي خاصة ببعض من في الأرض من المؤمنين والله أعلم ويحتمل أن يقصدوا بالاستغفار طلب الحلم والغفران في قوله تعالى : إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا إلى أن قال إنه كان حليما غفورا وقوله تعالى : وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم الرعد والمراد الحلم عنهم وألا يعاجلهم بالانتقام فيكون عاما قاله الزمخشري وقال مطرف : وجدنا أنصح عباد الله لعباد الله الملائكة ووجدنا أغش عباد الله لعباد الله الشياطين وقد تقدم ( ألا إن الله هو الغفور الرحيم ) قال بعض العلماء : هيب وعظم جل وعز في الابتداء وألطف وبشر في الانتهاء < < الشورى : ( 6 ) والذين اتخذوا من . . . . . > > < > ( الشورى 6 ) <
> قوله تعالى : ( والذين اتخذوا من دونه أولياء ) يعني أصناما يعبدونها ( والله حفيظ عليهم ) أي يحفظ أعمالهم ليجازيهم بها ( وما أنت عليهم بوكيل ) وهذه منسوخة بآية السيف وفي الخبر : ( أطت السماء وحق لها أن تئط ( أي صوتت من ثقل سكانها لكثرتهم فهم مع كثرتهم لا يفترون عن عبادة الله وهؤلاء الكفار يشركون به < < الشورى : ( 7 ) وكذلك أوحينا إليك . . . . . > > < > ( الشورى 7 ) < > قوله تعالى : ( وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا ) أي وكما أوحينا إليك وإلى من قبلك هذه المعاني فكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا بيناه بلغة العرب قيل : أي أنزلنا عليك قرآنا عربيا بلسان قومك كما أرسلنا كل رسول بلسان قومه والمعنى واحد ( لتنذر أم القرى ) يعني مكة وقيل لمكة أم القرى لأن الأرض دحيت من تحتها ( ومن حولها ) من سائر الخلق ( وتنذر يوم الجمع ) أي بيوم الجمع وهو يوم القيامة ( لا ريب فيه ) لا شك فيه ( فريق في الجنة وفريق في السعير ) ابتداء وخبر وأجاز الكسائي النصب على تقدير : لتنذر فريقا في الجنة وفريقا في السعير < < الشورى : ( 8 ) ولو شاء الله . . . . . > > < > ( الشورى 8 ) < > قوله تعالى : ( ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ) قال الضحاك : أهل دين واحد أو أهل ضلالة أو أهل هدى ( ولكن يدخل من يشاء في رحمته ) قال أنس بن مالك : في الإسلام ( والظالمون ) رفع على الابتداء والخبر ( ما لهم من ولي ولا نصير ) عطف على اللفظ ويجوز ولا نصير بالرفع على الموضع ومن زائدة < < الشورى : ( 9 ) أم اتخذوا من . . . . . > > < > ( الشورى 9 ) < > قوله تعالى : ( أم اتخذوا ) أي بل اتخذوا ( من دونه أولياء ) يعني أصناما ( فالله هو الولي ) أي وليك يا محمد وولي من اتبعك لا ولي سواه ( وهو يحيي الموتى ) يريد عند البعث ( وهو على كل شيء قدير ) وغيره من الأولياء لا يقدر على شيء < < الشورى : ( 10 ) وما اختلفتم فيه . . . . . > > < > ( الشورى 10 ) < > قوله تعالى : ( وما اختلفتم فيه من شيء ) حكاية قول رسول الله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين أي وما خالفكم فيه الكفار من أهل الكتاب والمشركين من أمر الدين فقولوا لهم حكمه إلى الله لا إليكم وقد حكم أن الدين هو الإسلام لا غيره وأمور الشرائع إنما تتلقى من بيان الله ( ذلكم الله ربي ) أي الموصوف بهذه الصفات هو ربي وحده وفيه إضمار : أي قل لهم يا محمد ذلكم الله الذي يحيي الموتى ويحكم بين المختلفين هو ربي ( عليه توكلت ) اعتمدت ( وإليه أنيب ) أرجع < < الشورى : ( 11 ) فاطر السماوات والأرض . . . . . > > < > ( الشورى 11 ) <
> قوله تعالى : ( فاطر السماوات والأرض ) بالرفع على النعت لاسم الله أو على تقدير هو فاطر ويجوز النصب على النداء والجر على البدل من الهاء في عليه والفاطر : المبدع والخالق وقد تقدم ( جعل لكم من أنفسكم أزواجا ) قيل معناه إناثا وإنما قال : من أنفسكم لأنه خلق حواء من ضلع آدم وقال مجاهد : نسلا بعد نسل ( ومن الأنعام أزواجا ) يعني الثمانية التي ذكرها في الأنعام ذكور الإبل والبقر والضأن والمعز وإناثها ( يذرؤكم فيه ) أي يخلقكم وينشئكم فيه أي في الرحم وقيل : في البطن وقال الفراء وبن كيسان : فيه بمعنى به وكذلك قال الزجاج : معنى يذرؤكم فيه يكثركم به أي يكثركم يجعلكم أزواجا أي حلائل لأنهن سبب النسل وقيل : إن الهاء في فيه للجعل ودل عليه جعل فكأنه قال : يخلقكم ويكثركم في الجعل بن قتيبة : يذرؤكم فيه أي في الزوج أي يخلقكم في بطون الإناث وقال : ويكون فيه في الرحم وفيه بعد لأن الرحم مؤنثة ولم يتقدم لها ذكر ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) قيل : إن الكاف زائدة للتوكيد أي ليس مثله شيء قال : وصاليات ككما يؤثفين فأدخل على الكاف كافا تأكيدا للتشبيه وقيل : المثل زائدة للتوكيد وهو قول ثعلب : ليس كهو شيء نحو قوله تعالى : فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وفي حرف بن مسعود فإن آمنوا بما آمنتم به فقد اهتدوا قال أوس بن حجر : وقتلى كمثل جذوع النخيل يغشاهم مطر منهمر أي كجذوع والذي يعتقد في هذا الباب أن الله جل اسمه في عظمته وكبريائه وملكوته وحسنى أسمائه وعلي صفاته لا يشبه شيئا من مخلوقاته ولا يشبه به وإنما جاء مما أطلقه الشرع على الخالق والمخلوق فلا تشابه بينهما في المعنى الحقيقي إذ صفات القديم جل وعز بخلاف صفات المخلوق إذ صفاتهم لا تنفك عن الأغراض والأعراض وهو تعالى منزه عن ذلك بل لم يزل بأسمائه وبصفاته على ما بيناه في ( الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى ) وكفى في هذا قوله الحق : ليس كمثله شيء وقد قال بعض العلماء المحققين : التوحيد إثبات ذات غير مشبهة للذوات ولا معطلة من الصفات وزاد الواسطي رحمه الله بيانا فقال : ليس كذاته ذات ولا كاسمه اسم ولا كفعله فعل ولا كصفته صفة إلا من جهة موافقة اللفظ وجلت الذات القديمة أن يكون لها صفة حديثة كما استحال أن يكون للذات المحدثة صفة قديمة وهذا كله مذهب أهل الحق والسنة والجماعة رضي الله عنهم < < الشورى : ( 12 ) له مقاليد السماوات . . . . . > > < > ( الشورى 12 ) < > قوله تعالى : ( له مقاليد السماوات والأرض ) تقدم في الزمر بيانه النحاس : والذي يملك المفاتيح يملك الخزائن يقال للمفتاح : إقليد وجمعه على غير قياس كمحاسن والواحد حسن ( يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شيء عليم ) تقدم أيضا في غير موضع < < الشورى : ( 13 ) شرع لكم من . . . . . > > < > ( الشورى 13 : 14 ) <
> قوله تعالى : ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ) فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( شرع لكم من الدين ) أي الذي له مقاليد السماوات والأرض شرع لكم من الدين ما شرع لقوم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ثم بين ذلك بقوله تعالى : ( أن أقيموا الدين ) وهو توحيد الله وطاعته والإيمان برسله وكتبه وبيوم الجزاء وبسائر ما يكون الرجل بإقامته مسلما ولم يرد الشرائع التي هي مصالح الأمم على حسن أحوالها فإنها مختلفة متفاوتة قال الله تعالى : لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا وقد تقدم القول فيه ومعنى شرع أي نهج وأوضح وبين المسالك وقد شرع لهم يشرع شرعا أي سن والشارع : الطريق الأعظم وقد شرع المنزل إذا كان على طريق نافذ وشرعت الإبل إذا أمكنتها من الشريعة وشرعت الأديم إذا سلخته وقال يعقوب : إذا شققت ما بين الرجلين قال : وسمعته من أم الحمارس البكرية وشرعت في هذا الأمر شروعا أي خضت ( أن أقيموا الدين ) أن في محل رفع على تقدير والذي وصى به نوحا أن أقيموا الدين ويوقف على هذا الوجه على عيسى وقيل : هو نصب أي شرع لكم إقامة الدين وقيل : هو جر بدلا من الهاء في به كأنه قال : به أقيموا الدين ولا يوقف على عيسى على هذين الوجهين ويجوز أن تكون أن مفسرة مثل : أن امشوا فلا يكون لها محل من الإعراب الثانية قال القاضي أبو بكر بن العربي : ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث الشفاعة الكبير المشهور : ( ولكن ائتوا نوحا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض فيأتون نوحا فيقولون له أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض ( وهذا صحيح لا إشكال فيه كما أن آدم أول نبي بغير إشكال لأن آدم لم يكن معه إلا نبوة ولم تفرض له الفرائض ولا شرعت له المحارم وإنما كان تنبيها على بعض الأمور واقتصارا على ضرورات المعاش وأخذا بوظائف الحياة والبقاء واستقر المدى إلى نوح فبعثه الله بتحريم الأمهات والبنات والأخوات ووظف عليه الواجبات وأوضح له الآداب في الديانات ولم يزل ذلك يتأكد بالرسل ويتناصر بالأنبياء صلوات الله عليهم واحدا بعد واحد وشريعة إثر شريعة حتى ختمها الله بخير الملل ملتنا على لسان أكرم الرسل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فكان المعنى أوصيناك يا محمد ونوحا دينا واحدا يعنى في الأصول التي لا تختلف فيها الشريعة وهي التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج والتقرب إلى الله بصالح الأعمال والزلف إليه بما يرد القلب والجارحة إليه والصدق والوفاء بالعهد وأداء الأمانة وصلة الرحم وتحريم الكفر والقتل والزنى والأذية للخلق كيفما تصرفت والاعتداء على الحيوان كيفما دار واقتحام الدناءات وما يعود بخرم المروءات فهذا كله مشروع دينا واحدا وملة متحدة لم تختلف على ألسنة الأنبياء وإن اختلفت أعدادهم وذلك قوله تعالى : ( أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ) أي اجعلوه قائما يريد دائما مستمرا محفوظا مستقرا من غير خلاف فيه ولا اضطراب فمن الخلق من وفى بذلك ومنهم من نكث فمن نكث فإنما ينكث على نفسه واختلفت الشرائع وراء هذا في معان حسبما أراده الله مما اقتضت المصلحة وأوجبت الحكمة وضعه في الأزمنة على الأمم والله أعلم قال مجاهد : لم يبعث الله نبيا قط إلا وصاه بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإقرار لله بالطاعة فذلك دينه الذي شرع لهم وقاله الوالبي عن بن عباس وهو قول الكلبي وقال قتادة : يعني تحليل الحلال وتحريم الحرام وقال الحكم : تحريم الأمهات والأخوات والبنات وما ذكره القاضي يجمع هذه الأقوال ويزيد عليها وخص نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى بالذكر لأنهم أرباب الشرائع قوله تعالى : ( كبر على المشركين ) أي عظم عليهم ( ما تدعوهم إليه ) من التوحيد ورفض الأوثان قال قتادة : كبر على المشركين فاشتد عليهم شهادة أن لا إله إلا الله وضاق بها إبليس وجنوده فأبى الله عز وجل إلا أن ينصرها ويعليها ويظهرها على من ناوأها ثم قال : ( الله يجتبي إليه من يشاء أي يختار ) والاجتباء الاختيار أي يختار للتوحيد من يشاء ( ويهدي إليه من ينيب ) أي يستخلص لدينه من رجع إليه ( وما تفرقوا ) قال بن عباس : يعني قريشا ( إلا من بعد ما جاءهم العلم محمد صلى الله عليه وسلم وكانوا يتمنون أن يبعث إليهم نبي دليله قوله تعالى في سورة فاطر : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير يريد نبيا وقال في سورة البقرة : فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به على ما تقدم بيانه هناك وقيل : أمم الأنبياء المتقدمين فإنهم فيما بينهم اختلفوا لما طال بهم المدى فآمن قوم وكفر قوم وقال بن عباس أيضا : يعني أهل الكتاب دليله في سورة المنفكين : وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة البينة فالمشركون قالوا : لم خص بالنبوة واليهود حسدوه لما بعث وكذا النصارى ( بغيا بينهم ) أي بغيا من بعضهم على بعض طلبا للرياسة فليس تفرقهم لقصور في البيان والحجج ولكن للبغي والظلم والاشتغال بالدنيا ( ولولا كلمة سبقت من ربك ) في تأخير العقاب عن هؤلاء ( إلى أجل مسمى ) قيل : القيامة لقوله تعالى : بل الساعة موعدهم القمر وقيل : إلى الأجل الذي قضي فيه بعذابهم ( لقضي بينهم ) أي بين من آمن وبين من كفر بنزول العذاب ( وإن الذين أورثوا الكتاب ) يريد اليهود والنصارى ( من بعدهم ) أي من بعد المختلفين في الحق ( لفي شك منه مريب ) من الذي أوصى به الأنبياء والكتاب هنا التوراة والإنجيل وقيل : إن الذين أورثوا الكتاب قريش من بعدهم من بعد اليهود النصارى لفي شك من القرآن أو من محمد وقال مجاهد : معنى من بعدهم من قبلهم يعني من قبل مشركي مكة وهم اليهود والنصارى < <
الشورى : ( 15 ) فلذلك فادع واستقم . . . . . > > < > ( الشورى 15 ) < > قوله تعالى : ( فلذلك فادع واستقم ) لما جاز أن يكون الشك لليهود والنصارى أو لقريش قيل له : ( فلذلك فادع ) أي فتبينت شكهم فادع إلى الله أي إلى ذلك الدين الذي شرعه الله للأنبياء ووصاهم به فاللام بمعنى إلى كقوله تعالى : بأن ربك أوحى لها الزلزلة أي إليها وذلك بمعنى هذا وقد تقدم أول البقرة والمعنى فلهذا القرآن فادع وقيل : في الكلام تقديم وتأخير والمعنى كبر على المشركين ما تدعوهم إليه فلذلك فادع وقيل : إن اللام على بابها والمعنى : فمن أجل ذلك الذي تقدم ذكره فادع واستقم قال بن عباس : أي إلى القرآن فادع الخلق ( واستقم ) خطاب له عليه السلام قال قتادة : أي استقم على أمر الله وقال سفيان : أي استقم على القرآن وقال الضحاك : استقم على تبليغ الرسالة ( ولا تتبع أهواءهم ) أي لا تنظر إلى خلاف من خالفك ( وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم ) أي أن أعدل كقوله تعالى : وأمرت أن أسلم لرب العالمين وقيل : هي لام كي أي لكي أعدل قال بن عباس وأبو العالية : لأسوي بينكم في الدين فأومن بكل كتاب وبكل رسول وقال غيرهما : لأعدل في جميع الأحوال وقيل : هذا العدل هو العدل في الأحكام وقيل في التبليغ ( الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم ) قال بن عباس ومجاهد : الخطاب لليهود أي لنا ديننا ولكم دينكم قال : ثم نسخت بقوله : قاتلوا الذين لايؤمنون بالله ولا باليوم الآخر الآية قال مجاهد : ومعنى لا حجة بيننا وبينكم لا خصومة بيننا وبينكم وقيل : ليس بمنسوخ لأن البراهين قد ظهرت والحجج قد قامت فلم يبق إلا العناد وبعد العناد لا حجة ولا جدال قال النحاس : ويجوز أن يكون معنى لا حجة بيننا وبينكم على ذلك القول : لم يؤمر أن يحتج عليكم ويقاتلكم ثم نسخ هذا كما أن قائلا لو قال من قبل أن تحول القبلة : لا تصل إلى الكعبة ثم حول الناس بعد لجاز أن يقال نسخ ذلك ( الله يجمع بيننا ) يريد يوم القيامة ( وإليه المصير ) أي فهو يحكم بيننا إذا صرنا إليه ويجازي كلا بما كان عليه وقيل : إن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة وقد سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرجع عن دعوته ودينه إلى دين قريش على أن يعطيه الوليد نصف ماله ويزوجه شيبة بابنته < < الشورى : ( 16 ) والذين يحاجون في . . . . . > > < > ( الشورى 16 ) <
> قوله تعالى : ( والذين يحاجون في الله رجع إلى المشركين ( من بعد ما استجيب له ) قال مجاهد : من بعد ما أسلم الناس قال : وهؤلاء قد توهموا أن الجاهلية تعود وقال قتادة : الذين يحاجون في الله اليهود والنصارى ومحاجتهم قولهم نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم وكانوا يرون لأنفسهم الفضيلة بأنهم أهل كتاب وأنهم أولاد الأنبياء وكان المشركون يقولون : أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا فقال الله تعالى : والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم أي لا ثبات لها كالشيء الذي يزل عن موضعه والهاء في له يجوز أن يكون لله عز وجل أي من بعد ما وحدوا الله وشهدوا له بالوحدانية ويجوز أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم أي من بعد ما استجيب محمد صلى الله عليه وسلم في دعوته من أهل بدر ونصر الله المؤمنين يقال : دحضت حجته دحوضا بطلت وأدحضها الله والإدحاض : الإزلاق ومكان دحض ودحض أيضا ( بالتحريك ) أي زلق ودحضت رجله تدحض دحضا زلقت ودحضت الشمس عن كبد السماء زالت ( وعليهم غضب ) يريد في الدنيا ( ولهم عذاب شديد ) يريد في الآخرة عذاب دائم < < الشورى : ( 17 ) الله الذي أنزل . . . . . > > < > ( الشورى 17 ) < > قوله تعالى : ( الله الذي أنزل الكتاب ) يعني القرآن وسائر الكتب المنزلة ( بالحق ) أي بالصدق ( والميزان ) أي العدل قاله بن عباس وأكثر المفسرين والعدل يسمى ميزانا لأن الميزان آلة الإنصاف والعدل وقيل : الميزان ما بين في الكتب مما يجب على الإنسان أن يعمل به وقال قتادة : الميزان العدل فيما أمر به ونهى عنه وهذه الأقوال متقاربة المعنى وقيل : هو الجزاء على الطاعة بالثواب وعلى المعصية بالعقاب وقيل : إنه الميزان نفسه الذي يوزن به أنزله من السماء وعلم العباد الوزن به لئلا يكون بينهم تظالم وتباخس قال الله تعالى : لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط الحديد قال مجاهد : هو الذي يوزن به ومعنى أنزل الميزان هو إلهامه للخلق أن يعملوه ويعملوا به وقيل : الميزان محمد صلى الله عليه وسلم يقضي بينكم بكتاب الله ( وما يدريك لعل الساعة قريب ) فلم يخبره بها يحضه على العمل بالكتاب والعدل والسوية والعمل بالشرائع قبل أن يفاجئ اليوم الذي يكون فيه المحاسبة ووزن الأعمال فيوفى لمن أوفى ويطفف لمن طفف فلعل الساعة قريب أي منك وأنت لا تدري وقال : قريب ولم يقل قريبة لأن تأنيثها غير حقيقي لأنها كالوقت قاله الزجاج والمعنى : لعل البعث أو لعل مجيء الساعة قريب وقال الكسائي : قريب نعت ينعت به المذكر والمؤنث والجمع بمعنى ولفظ واحد قال الله تعالى : إن رحمة الله قريب من المحسنين قال الشاعر : وكنا قريبا والديار بعيدة فلما وصلنا نصب أعينهم غبنا < < الشورى : ( 18 ) يستعجل بها الذين . . . . . > > < > ( الشورى 18 ) < > قوله تعالى : ( يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ) يعني على طريق الاستهزاء ظنا منهم أنها غير آتية أو إيهاما للضعفة أنها لا تكون ( والذين آمنوا مشفقون منها ) أي خائفون وجلون لا ستقصارهم أنفسهم مع الجهد في الطاعة كما قال : والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون ( ويعلمون أنها الحق ) أي التي لا شك فيه ( ألا إن الذين يمارون في الساعة ) أي يشكون ويخاصمون في قيام الساعة ( لفي ضلال بعيد ) أي عن الحق وطريق الاعتبار إذ لو تذكروا لعلموا أن الذي أنشأهم من تراب ثم من نطفة إلى أن بلغوا ما بلغوا قادر على أن يبعثهم < <
الشورى : ( 19 ) الله لطيف بعباده . . . . . > > < > ( الشورى 19 ) < > قوله تعالى : ( الله لطيف بعباده ) قال بن عباس : حفي بهم وقال عكرمة : بار بهم وقال السدي : رفيق بهم وقال مقاتل : لطيف بالبر والفاجر حيث لم يقتلهم جوعا بمعاصيهم وقال القرظي : لطيف بهم في العرض والمحاسبة قال : غدا عند مولى الخلق للخلق موقف يسألهم فيه الجليل ويلطف وقال جعفر بن محمد بن علي بن الحسين : يلطف بهم في الرزق من وجهين : أحدهما أنه جعل رزقك من الطيبات والثاني أنه لم يدفعه إليك مرة واحدة فتبذره وقال الحسين بن الفضل : لطيف بهم في القرآن وتفصيله وتفسيره وقال الجنيد : لطيف بأوليائه حتى عرفوه ولو لطف بأعدائه لما جحدوه وقال محمد بن علي الكتاني : اللطيف بمن لجأ إليه من عباده إذا يئس من الخلق توكل عليه ورجع إليه فحينئذ يقبله ويقبل عليه وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الله تعالى يطلع على القبور الدوارس فيقول جل وعز امحت آثارهم واضمحلت صورهم وبقي عليهم العذاب وأنا اللطيف وأنا أرحم الراحمين خففوا عنهم العذاب فيخفف عنهم العذاب ( قال أبو علي الثقفي رضي الله عنه : أمر بأفناء القبور كأنني أخو فطنة والثوب فيه نحيف ومن شق فاه الله قدر رزقه وربي بمن يلجأ إليه لطيف وقيل : اللطيف الذي ينشر من عباده المناقب ويستر عليهم المثالب وعلى هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( يا من أظهر الجميل وستر القبيح ( وقيل : هو الذي يقبل القليل ويبذل الجزيل وقيل : هو الذي يجبر الكسير وييسر العسير وقيل : هو الذي لا يخاف إلا عدله ولا يرجى إلا فضله وقيل : هو الذي يبذل لعبده النعمة فوق الهمة ويكلفه الطاعة فوق الطاقة قال تعالى : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة لقمان وقال وما جعل عليكم في الدين من حرج يريد الله أن يخفف عنكم وقيل : هو الذي يعين على الخدمة ويكثر المدحة وقيل : هو الذي لا يعاجل من عصاه ولا يخيب من رجاه وقيل : هو الذي لا يرد سائله ولا يوئس آمله وقيل : هو الذي يعفو عمن يهفو وقيل : هو الذي يرحم من لا يرحم نفسه وقيل : هو الذي أوقد في أسرار العارفين من المشاهدة سراجا وجعل الصراط المستقيم لهم منهاجا وأجزل لهم من سحائب بره ماء ثجاجا وقد مضى في الأنعام قول أبي العالية والجنيد أيضا وقد ذكرنا جميع هذا في ( الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى ) عند اسمه اللطيف والحمد لله ( يرزق من يشاء ) ويحرم من يشاء وفي تفضيل قوم بالمال حكمة ليحتاج البعض إلى البعض كما قال : ليتخذ بعضهم بعضا سخريا فكان هذا لطفا بالعباد وأيضا ليمتحن الغني بالفقير والفقير بالغني كما قال : وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون الفرقان على ما تقدم بيانه ( وهو القوي العزيز ) < < الشورى : ( 20 ) من كان يريد . . . . . > > < > ( الشورى 20 ) <
> قوله تعالى : ( من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ) الحرث العمل والكسب ومنه قول عبد الله بن عمر : واحرث لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا ومنه سمي الرجل حارثا والمعنى : أي من طلب بما رزقناه حرثا لآخرته فأدى حقوق الله وأنفق في إعزاز الدين فإنما نعطيه ثواب ذلك للواحد عشرا إلى سبعمائة فأكثر ( ومن كان يريد حرث الدنيا ) أي طلب بالمال الذي آتاه الله رياسة الدنيا والتوصل إلى المحظورات فإنا لا نحرمه الرزق أصلا ولكن لا حظ له في الآخرة من ماله قال الله تعالى : من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا وقيل : نزد له في حرثه نوفقه للعبادة ونسهلها عليه وقيل : حرث الآخرة الطاعة أي من أطاع فله الثواب قيل : نزد له في حرثه أي نعطه الدنيا مع الآخرة وقيل : الآية في الغزو أي من أراد بغزوه الآخرة أوتي الثواب ومن أراد بغزوه الغنيمة أوتي منها قال القشيري : والظاهر أن الآية في الكافر يوسع له في الدنيا أي لا ينبغي له أن يغتر بذلك لأن الدنيا لا تبقي وقال قتادة : إن الله يعطي على نية الآخرة ما شاء من أمر الدنيا ولا يعطي على نية الدنيا إلا الدنيا وقال أيضا : يقول الله تعالى : ( من عمل لآخرته زدناه في عمله وأعطيناه من الدنيا ما كتبنا له ومن آثر دنياه على آخرته لم نجعل له نصيبا في الآخرة إلا النار ولم يصب من الدنيا إلا رزقا قد قسمناه له لا بد أن كان يؤتاه مع إيثار أو غير إيثار ( وروي جويبر عن الضحاك عن بن عباس قال : وقوله عز وجل : من كان يريد حرث الآخرة من كان من الأبرار يريد بعمله الصالح ثواب الآخرة نزد له في حرثه أي في حسناته ومن كان يريد حرث الدنيا أي من كان من الفجار يريد بعمله الحسن الدنيا نؤته منها ثم نسخ ذلك في سبحان : من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد والصواب أن هذا ليس بنسخ لأن هذا خبر والأشياء كلها بإرادة الله عز وجل ألا ترى أنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ( وقد قال قتادة ما تقدم ذكره وهو يبين لك أن لا نسخ وقد ذكرنا في هود أن هذا من باب المطلق والمقيد وأن النسخ لا يدخل في الأخبار والله المستعان مسألة : هذه الآية تبطل مذهب أبي حنيفة في قوله : إنه من توضأ تبردا أنه يجزيه عن فريضة الوضوء الموظف عليه فإن فريضة الوضوء من حرث الآخرة والتبرد من حرث الدنيا فلا يدخل أحدهما على الآخر ولا تجزى نيته عنه بظاهر هذه الآية قاله بن العربي < < الشورى : ( 21 ) أم لهم شركاء . . . . . > > < > ( الشورى 21 ) <
> قوله تعالى : ( أم لهم شركاء ) أي ألهم والميم صلة والهمزة للتقريع وهذا متصل بقوله : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا وقوله تعالى : الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان كانوا لا يؤمنون به فهل لهم آلهة شرعوا لهم الشرك الذي لم يأذن به الله وإذا استحال هذا فالله لم يشرع الشرك فمن أين يدينون به ( ولولا كلمة الفصل ) يوم القيامة حيث قال : بل الساعة موعدهم ( لقضي بينهم ) في الدنيا فعاجل الظالم بالعقوبة وأثاب الطائع ( وإن الظالمين ) أي المشركين ( لهم عذاب أليم ) في الدنيا القتل والأسر والقهر وفي الآخرة عذاب النار وقرأ بن هرمز وأن بفتح الهمزة على العطف ولولا كلمة والفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجواب لولا جائز ويجوز أن يكون موضع أن رفعا على تقدير : وجب أن الظالمين لهم عذاب أليم فيكون منقطعا مما قبله كقراءة الكسر فاعلمه < < الشورى : ( 22 ) ترى الظالمين مشفقين . . . . . > > < > ( الشورى 22 ) < > قوله تعالى : ( ترى الظالمين مشفقين ) أي خائفين ( مما كسبوا ) أي من جزاء ما كسبوا والظالمون ها هنا الكافرون بدليل التقسيم بين المؤمن والكافر ( وهو واقع بهم ) أي نازل بهم ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات ) الروضة : الموضع النزه الكثير الخضرة وقد مضى في الروم ( لهم ما يشاءون عند ربهم ) أي من النعيم والثواب الجزيل ( ذلك هو الفضل الكبير ) أي لا يوصف ولا تهتدي العقول إلى كنه صفته لأن الحق إذا قال كبير فمن ذا الذي يقدر قدره < < الشورى : ( 23 ) ذلك الذي يبشر . . . . . > > < > ( الشورى 23 ) <
> قوله تعالى : ( ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا ) قرئ يبشر من بشره ويبشر من أبشره ويبشر من بشره وفيه حذف أي يبشر الله به عباده المؤمنين ليتعجلوا السرور ويزدادوا منه وجدا في الطاعة قوله تعالى : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( قل لا أسألكم عليه أجرا ) أي قل يا محمد لا أسألكم على تبليغ الرسالة جعلا ( إلا المودة في القربى ) قال الزجاج : إلا المودة استثناء ليس من الأول أي إلا أن تودوني لقرابتي فتحفظوني والخطاب لقريش خاصة قاله بن عباس وعكرمة ومجاهد وأبو مالك والشعبي وغيرهم قال الشعبي : أكثر الناس علينا في هذه الآية فكتبنا إلى بن عباس نسأله عنها فكتب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أوسط الناس في قريش فليس بطن من بطونهم إلا وقد ولده فقال الله له : قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى إلا أن تودوني في قرابتي منكم أي تراعوا ما بيني وبينكم فتصدقوني ف القربى ها هنا قرابة الرحم كأنه قال : اتبعوني للقرابة إن لم تتبعوني للنبوة قال عكرمة : وكانت قريش تصل أرحامها فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم قطعته فقال : ( صلوني كما كنتم تفعلون ( فالمعنى على هذا : قل لا أسألكم عليه أجرا لكن أذكركم قرابتي على استثناء ليس من أول ذكره النحاس وفي البخاري عن طاوس عن بن عباس أنه سئل عن قوله تعالى : إلا المودة في القربى فقال سعيد بن جبير : قربى آل محمد فقال بن عباس : عجلت إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة فقال : إلا أن تصلوا ما بينكم من القرابة فهذا قول وقيل : القربى قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم أي لا أسألكم أجرا إلا أن تودوا قرابتي وأهل بيتي كما أمر بإعظامهم ذوي القربى وهذا قول علي بن حسين وعمرو بن شعيب والسدي وفي رواية سعيد بن جبير عن بن عباس : لما أنزل الله عز وجل : قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى قالوا : يا رسول الله من هؤلاء الذين نودهم قال : ( علي وفاطمة وأبناؤهما ( ويدل عليه أيضا ما روي عن علي رضي الله عنه قال : شكوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم حسد الناس لي فقال : ( أما ترضى أن تكون رابع أربعة أول من يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا وذريتنا خلف أزواجنا ( وعن النبي صلى الله عليه وسلم : ( حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها فأنا أجازيه عليها غدا إذا لقيني يوم القيامة ( وقال الحسن وقتادة : المعنى إلا أن يتوددوا إلى الله عز وجل ويتقربوا إليه بطاعته فالقربى على هذا بمعنى القربة يقال : قربة وقربى بمعنى كالزلفة والزلفى وروى قزعة بن سويد عن بن أبي نجيح عن مجاهد عن بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ( قل لا أسألكم على ما آتيتكم به أجرا إلا أن توادوا وتقربوا إليه بالطاعة ( وروى منصور وعوف عن الحسن قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى قال : يتوددون إلى الله عز وجل ويتقربون منه بطاعته وقال قوم : الآية منسوخة وإنما نزلت بمكة وكان المشركون يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية وأمرهم الله بمودة نبيه صلى الله عليه وسلم وصلة رحمه فلما هاجر آوته الأنصار ونصروه وأراد الله أن يلحقه بإخوانه من الأنبياء حيث قالوا : وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين الشعراء فأنزل الله تعالى : قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله سبأ فنسخت بهذه الآية وبقوله : قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين ص وقوله : أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وقوله : أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون الطور قاله الضحاك والحسين بن الفضل ورواه جويبر عن الضحاك عن بن عباس قال الثعلبي : وليس بالقوى وكفى قبحا بقول من يقول : إن التقرب إلى الله بطاعته ومودة نبيه صلى الله عليه وسلم وأهل بيته منسوخ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من مات على حب آل محمد مات شهيدا ومن مات على حب آل محمد جعل الله زوار في قبره الملائكة والرحمة ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه أيس اليوم من رحمة الله ومن مات على بغض آل محمد لم يرح رائحة الجنة ومن مات على بغض آل بيتي فلا نصيب له في شفاعتي ( قلت : وذكر هذا الخبر الزمخشري في تفسيره بأطول من هذا فقال : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من مات على حب آل محمد مات شهيدا ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمنا مستكمل الإيمان ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير ألا ومن مات على حب آل محمد يزف إلى الجنة كما تزف العروس إلى بيت زوجها ألا ومن مات على حب آل محمد فتح له في قبره بابان إلى الجنة ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه أيس من رحمة الله ألا ومن مات على بغض آل محمد مات كافرا ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة ( قال النحاس : ومذهب عكرمة ليست بمنسوخة قال : كانوا يصلون أرحامهم فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم قطعوه فقال : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تودوني وتحفظوني لقرابتي ولا تكذبوني ( قلت : وهذا هو معنى قول بن عباس في البخاري والشعبي عنه بعينه وعليه لا نسخ قال النحاس : وقول الحسن حسن ويدل على صحته الحديث المسند عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثنا أحمد بن محمد الأزدي قال أخبرنا الربيع بن سليمان المرادي قال أخبرنا أسد بن موسى قال حدثنا قزعة وهو بن يزيد البصري قال حدثنا عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا أسألكم على ما أنبئكم به من البينات والهدى أجرا إلا أن توادوا الله عز وجل وأن تتقربوا إليه بطاعته ( فهذا المبين عن الله عز وجل قد قال هذا وكذا قالت الأنبياء صلى الله عليهم قبله : إن أجري إلا على الله سبأ الثانية واختلفوا في سبب نزولها فقال بن عباس : لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كانت تنوبه نوائب وحقوق لا يسعها ما في يديه فقالت الأنصار : إن هذا الرجل هداكم الله به وهو بن أخيكم وتنوبه نوائب وحقوق لا يسعها ما في يديه فنجمع له ففعلوا ثم أتوه به فنزلت وقال الحسن : نزلت حين تفاخرت الأنصار والمهاجرون فقالت الأنصار نحن فعلنا وفخرت المهاجرون بقرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم روى مقسم عن بن عباس قال : سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فخطب فقال للأنصار : ( ألم تكونوا أذلاء فأعزكم الله بي ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله بي ألم تكونوا خائفين فأمنكم الله بي ألا تردون علي ( فقالوا : بم نجيبك قال : ( تقولون ألم يطردك قومك فآويناك ألم يكذبك قومك فصدقناك ( فعدد عليهم قال فجثوا على ركبهم فقالوا : أنفسنا وأموالنا لك فنزلت : قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى وقال قتادة : قال المشركون لعل محمدا فيما يتعاطاه يطلب أجرا فنزلت هذه الآية ليحثهم على مودته ومودة أقربائه قال الثعلبي : وهذا أشبه بالآية لأن السورة مكية قوله تعالى : ( ومن يقترف حسنة ) أي يكتسب وأصل القرف الكسب يقال : فلان يقرف لعياله أي يكسب والاقتراف الاكتساب وهو مأخوذ من قولهم رجل قرفة إذا كان محتالا وقد مضى في الأنعام القول فيه وقال بن عباس : ومن يقترف حسنة قال المودة لآل محمد صلى الله عليه وسلم ( نزد له فيها حسنا ) أي نضاعف له الحسنة بعشر فصاعدا ( إن الله غفور شكور ) قال قتادة : غفور للذنوب شكور للحسنات وقال السدي : غفور لذنوب آل محمد عليه السلام شكور لحسناتهم < <
الشورى : ( 24 ) أم يقولون افترى . . . . . > > < > ( الشورى 24 ) < > قوله تعالى : ( أم يقولون افترى على الله كذبا ) الميم صلة والتقدير أيقولون افترى واتصل الكلام بما قبل لأن الله تعالى لما قال : وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وقال : الله الذي أنزل الكتاب بالحق قال إتماما للبيان : أم يقولون افترى على الله كذبا يعني كفار قريش قالوا : إن محمدا اختلق الكذب على الله ( فإن يشإ يختم ) شرط وجوابه ( على قلبك ) قال قتادة : يطبع على قلبك فينسيك القرآن فأخبرهم الله أنه لو افترى عليه لفعل بمحمد ما أخبرهم به في هذه الآية وقال مجاهد ومقاتل : إن يشاء الله يربط على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يدخل قلبك مشقة من قولهم وقيل : المعنى إن يشأ يزل تمييزك وقيل المعنى لو حدثت نفسك أن تفتري على الله كذبا لطبع على قلبك قاله بن عيسى وقيل : فإن يشإ الله يختم على قلوب الكفار وعلى ألسنتهم وعاجلهم بالعقاب فالخطاب له والمراد الكفار ذكره القشيري ثم ابتدأ فقال : ( ويمح الله الباطل ) قال بن الأنباري : يختم على قلبك تام وقال الكسائي : فيه تقديم وتأخير مجازه : والله يمحو الباطل فحذف منه الواو في المصحف وهو في موضع رفع كما حذفت من قوله : سندع الزبانية العلق ويدع الإنسان ولأنه عطف على قوله : يختم على قلبك وقال الزجاج : قوله : أم يقولون افترى على الله كذبا تمام وقوله : ويمح الله الباطل احتجاج على من أنكر ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم أي لو كان ما أتى به باطلا لمحاه كما جرت به عادته في المفترين ( ويحق الحق ) أي الإسلام فيثبته ( بكلماته ) أي بما أنزله من القرآن ( إنه عليم بذات الصدور ) عام أي بما في قلوب العباد وقيل خاص والمعنى أنك لو حدثت نفسك أن تفتري على الله كذبا لعلمه وطبع على قلبك < < الشورى : ( 25 ) وهو الذي يقبل . . . . . > > < > ( الشورى 25 ) < > قوله تعالى : ( وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ) قال بن عباس : لما نزل قوله تعالى : قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى قال قوم في نفوسهم : ما يريد إلا أن يحثنا على أقاربه من بعده فأخبر جبريل النبي صلى الله عليه وسلم وأنهم قد اتهموه فأنزل : أم يقولون افترى على الله كذبا الآية فقال القوم : يا رسول الله فإنا نشهد أنك صادق ونتوب فنزلت : وهو الذي يقبل التوبة عن عباده قال بن عباس : أي عن أوليائه وأهل طاعته والآية عامة وقد مضى الكلام في معنى التوبة وأحكامها ومضى هذا اللفظ في براءة ( ويعفوا عن السيئات ) أي الشرك قبل الإسلام ( ويعلم ما تفعلون ) أي من الخير والشر وقرأ حمزة والكسائي وحفص وخلف بالتاء على الخطاب وهي قراءة بن مسعود وأصحابه الباقون بالياء على الخبر واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لأنه بين خبرين : الأول وهو الذي يقبل التوبة عن عباده والثاني ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات < < الشورى : ( 26 ) ويستجيب الذين آمنوا . . . . . > > < > ( الشورى 26 ) <
Questions
- What is tawhid, the Islamic belief in the oneness of God?
- What do Muslims believe about the prophets?
- What is zakat, and who is required to pay it?
- What does Islam teach about halal and haram food?
- What is the meaning of Surah al-Fatiha?
- What does the Qur'an say about the purpose of life?
- What is ikhlas (sincerity), and why does it matter?