Qur'an&Sunnah

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

Section V06/P132–V06/P135

> فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق ) الآية وجه اتصال هذه الآية بما قبلها التنبيه من الله تعالى على أن ظلم اليهود ونقضهم المواثيق والعهود كظلم بن آدم لأخيه المعنى : إن هم هؤلاء اليهود بالفتك بك يا محمد فقد قتلوا قبلك الأنبياء وقتل قابيل هابيل والشر قديم أي ذكرهم هذه القصة فهي قصة صدق لا كالأحاديث الموضوعة وفي ذلك تبكيت لمن خالف الإسلام وتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم واختلف في ابني آدم فقال الحسن البصري : ليسا لصلبه كانا رجلين من بني إسرائيل ضرب الله بهما المثل في إبانة حسد اليهود وكان بينهما خصومة فتقربا بقربانين ولم تكن القرابين إلا في بني إسرائيل قال بن عطية : وهذا وهم وكيف يجهل صورة الدفن أحد من بني إسرائيل حتى يقتدي بالغراب والصحيح أنهما ابناه لصلبه هذا قول الجمهور من المفسرين وقاله بن عباس وبن عمر وغيرهما وهما قابيل وهابيل وكان قربان قابيل حزمة من سنبل لأنه كان صاحب زرع واختارها من أردإ زرعه ثم إنه وجد فيها سنبلة طيبة ففركها وأكلها وكان قربان هابيل كبشا لأنه كان صاحب غنم أخذه من أجود غنمه ( فتقبل ) فرفع إلى الجنة فلم يزل يرعى فيها إلى أن فدي به الذبيح عليه السلام قاله سعيد بن جبير وغيره فلما تقبل قربان هابيل لأنه كان مؤمنا قال له قابيل حسدا : لأنه كان كافرا أتمشى على الأرض يراك الناس أفضل مني ( لأقتلنك ) وقيل : سبب هذا القربان أن حواء عليها السلام كانت تلد في كل بطن ذكرا وأنثى إلا شيثا عليه السلام فإنها ولدته منفردا عوضا من هابيل على ما يأتي واسمه هبة الله لأن جبريل عليه السلام قال لحواء لما ولدته : هذا هبة الله لك بدل هابيل وكان آدم يوم ولد شيث بن ثلاثين ومائة سنة وكان يزوج الذكر من هذا البطن الأنثى من البطن الآخر ولا تحل له أخته توءمته فولدت مع قابيل أختا جميلة واسمها إقليمياء ومع هابيل أختا ليست كذلك واسمها ليوذا فلما أراد آدم تزويجهما قال قابيل : أنا أحق بأختي فأمره آدم فلم يأتمر وزجره فلم ينزجر فاتفقوا على التقريب قاله جماعة من المفسرين منهم بن مسعود وروي أن آدم حضر ذلك والله أعلم وقد روى في هذا الباب عن جعفر الصادق : أن آدم لم يكن يزوج ابنته من ابنه ولو فعل ذلك آدم لما رغب عنه النبي صلى الله عليه وسلم ولا كان دين آدم إلا دين النبي صلى الله عليه وسلم وأن الله تعالى لما أهبط آدم وحواء إلى الأرض وجمع بينهما ولدت حواء بنتا فسماها عناقا فبغت وهي أول من بغي على وجه الأرض فسلط الله عليها من قتلها ثم ولدت لآدم قابيل ثم ولدت له هابيل فلما أدرك قابيل أظهر الله له جنية من ولد الجن يقال لها : جمالة في صورة إنسية وأوحى الله إلى آدم أن زوجها من قابيل فزوجها منه فلما أدرك هابيل أهبط الله إلى آدم حورية في صفة إنسية وخلق لها رحما وكان اسمها بزلة فلما نظر إليها هابيل أحبها فأوحى الله إلى آدم أن زوج بزلة من هابيل ففعل فقال قابيل : يا أبت ألست أكبر من أخي قال : نعم قال : فكنت أحق بما فعلت به منه فقال له آدم : يا بني إن الله قد أمرني بذلك وإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء فقال : لا والله ولكنك آثرته علي فقال آدم : فقربا قربانا فأيكما يقبل قربانه فهو أحق بالفضل قلت : هذه القصة عن جعفر ما أظنها تصح وأن القول ما ذكرناه من أنه كان يزوج غلام هذا البطن لجارية تلك البطن والدليل على هذا من الكتاب قوله تعالى : يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء وهذا كالنص ثم نسخ ذلك حسبما تقدم بيانه في سورة البقرة وكان جميع ما ولدته حواء أربعين من ذكر وأنثى في عشرين بطنا أولهم قابيل وتوأمته إقليمياء وآخرهم عبد المغيث ثم بارك الله في نسل آدم قال بن عباس : لم يمت آدم حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفا وما روى عن جعفر من قوله : فولدت بنتا وأنها بغت فيقال : مع من بغت أمع جني تسول لها ومثل هذا يحتاج إلى نقل صحيح يقطع العذر وذلك معدوم والله أعلم الثانية وفي قول هابيل : ( إنما يتقبل الله من المتقين ) كلام قبله محذوف لأنه لما قال له قابيل : لأقتلنك قال له : ولم تقتلني وأنا لم أجن شيئا ولا ذنب لي في قبول الله قرباني أما إني اتقيته وكنت علي لاحب الحق وإنما يتقبل الله من المتقين قال بن عطية : المراد بالتقوى هنا اتقاء الشرك بإجماع أهل السنة فمن اتقاه وهو موحد فأعماله التي تصدق فيها نيته مقبولة وأما المتقي الشرك والمعاصي فله الدرجة العليا من القبول والختم بالرحمة علم ذلك بإخبار الله تعالى لا أن ذلك يجب على الله تعالى عقلا وقال عدي بن ثابت وغيره : قربان متقي هذه الأمة الصلاة قلت : وهذا خاص في نوع من العبادات وقد روى البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله تبارك وتعالى قال من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته < <

Section V06/P135

المائدة : ( 28 ) لئن بسطت إلي . . . . . > > < > ( المائده 28 : 29 ) <

Section V06/P135–V06/P137

> فيه مسئلتان : الأولى قوله تعالى : ( لئن بسطت إلي يدك ) الآية أي لئن قصدت قتلي فأنا لا أقصد قتلك فهذا استسلام منه وفي الخبر : ( إذا كانت الفتنة فكن كخير ابني آدم ( وروى أبو داود عن سعد بن أبي وقاص قال قلت يا رسول : إن دخل علي بيتي وبسط يده إلي ليقتلني قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كن كخير ابني آدم ( وتلا هذه الآية : لئن بسطت إلي يدك لتقتلني قال مجاهد : كان الفرض عليهم حينئذ ألا يستل أحد سيفا وألا يمتنع ممن يريد قتله قال علماؤنا : وذلك مما يجوز ورود التعبد به إلا أن في شرعنا يجوز دفعه إجماعا وفي وجوب ذلك عليه خلاف والأصح وجوب ذلك لما فيه من النهي عن المنكر وفي الحشوية قوم لا يجوزون للمصول عليه الدفع واحتجوا بحديث أبي ذر وحمله العلماء على ترك القتال في الفتنة وكف اليد عند الشبهة على ما بيناه في كتاب التذكرة وقال عبد الله بن عمرو وجمهور الناس : كان هابيل أشد قوة من قابيل ولكنه تحرج قال بن عطية : وهذا هو الأظهر ومن ها هنا يقوى أن قابيل إنما هو عاص لا كافر لأنه لو كان كافرا لم يكن للتحرج هنا وجه وإنما وجه التحرج في هذا أن المتحرج يأبى أن يقاتل موحدا ويرضى بأن يظلم ليجازى في الآخرة ونحو هذا فعل عثمان رضي الله عنه وقيل : المعنى لا أقصد قتلك بل أقصد الدفع عن نفسي وعلى هذا قيل : كان نائما فجاء قابيل ورضخ رأسه بحجر على ما يأتي ومدافعة الإنسان عمن يريد ظلمه جائزة وإن أتى على نفس العادي وقيل : لئن بدأت بقتلي فلا أبدأ بالقتل وقيل : أراد لئن بسطت إلي يدك ظلما فما أنا بظالم إني أخاف الله رب العالمين الثانية قوله تعالى : ( إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك ) قيل : معناه معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار ( قيل : يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال : ( إنه كان حريصا على قتل صاحبه ( وكأن هابيل أراد أني لست بحريص على قتلك فالإثم الذي كان يلحقني لو كنت حريصا على قتلك أريد أن تحمله أنت مع إثمك في قتلي وقيل : المعنى بإثمي الذي يختص بي فيما فرطت أي يؤخذ من سيئاتي فتطرح عليك بسبب ظلمك لي وتبوء بإثمك في قتلك وهذا يعضده قوله عليه الصلاة والسلام : ( يؤتى يوم القيامة بالظالم والمظلوم فيؤخذ من حسنات الظالم فتزاد في حسنات المظلوم حتى ينتصف فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فتطرح عليه ( أخرجه مسلم بمعناه وقد تقدم ويعضده قوله تعالى : وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وهذا بين لا إشكال فيه وقيل : المعنى إني أريد ألا تبوء بإثمي وإثمك كما قال تعالى : وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم أي لئلا تميد بكم وقوله تعالى : يبين الله لكم أن تضلوا أي لئلا تضلوا فحذف لا قلت : وهذا ضعيف لقوله عليه السلام : ( لا تقتل نفس ظلما إلا كان على بن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل ( فثبت بهذا أن إثم القتل حاصل ولهذا قال أكثر العلماء : إن المعنى ترجع بإثم قتلي وإثمك الذي عملته قبل قتلي قال الثعلبي : هذا قول عامة أكثر المفسرين وقيل : هو استفهام أي أو إني أريد على جهة الإنكار كقوله تعالى : وتلك نعمة أي أو تلك نعمة وهذا لأن إرادة القتل معصية حكاه القشيري وسئل أبو الحسن بن كيسان : كيف يريد المؤمن أن يأثم أخوه وأن يدخل النار فقال : إنما وقعت الإرادة بعد ما بسط يده إليه بالقتل والمعنى : لئن بسطت إلي يدك لتقتلني لأمتنعن من ذلك مريدا للثواب فقيل له : فكيف قال : بإثمي وإثمك وأي إثم له إذا قتل فقال : فيه ثلاثة أجوبة أحدها أن تبوء بإثم قتلي وإثم ذنبك الذي من أجله لم يتقبل قربانك ويروى هذا القول عن مجاهد والوجه الآخر أن تبوء بإثم قتلي وإثم اعتدائك علي لأنه قد يأثم بالاعتداء وإن لم يقتل والوجه الثالث أنه لو بسط يده إليه أثم فرأى أنه إذا أمسك عن ذلك فإثمه يرجع على صاحبه فصار هذا مثل قولك : المال بينه وبين زيد أي المال بينهما فالمعنى أن تبوء بإثمنا وأصل باء رجع إلى المباءة وهي المنزل وباءوا بغضب من الله أي رجعوا وقد مضى في البقرة مستوفى وقال الشاعر : ألا تنتهى عنا ملوك وتتقى محارمنا لا يبؤ الدم بالدم أي لا يرجع الدم بالدم في القود ( فتكون من أصحاب النار ) دليل على أنهم كانوا في ذلك الوقت مكلفين قد لحقهم الوعد والوعيد وقد استدل بقول هابيل لأخيه قابيل : فتكون من أصحاب النار على أنه كان كافرا لأن لفظ أصحاب النار إنما ورد في الكفار حيث وقع في القرآن وهذا مردود هنا بما ذكرناه عن أهل العلم في تأويل الآية ومعنى من أصحاب النار مدة كونك فيها والله أعلم < <

Section V06/P137

المائدة : ( 30 ) فطوعت له نفسه . . . . . > > < > ( المائده 30 ) <

Section V06/P137–V06/P140

> فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فطوعت له نفسه ) أي سؤلت وسهلت نفسه عليه الأمر وشجعته وصورت له أن قتل أخيه طوع سهل له يقال : طاع السيء يطوع أي سهل وانقاد وطوعه فلان له أي سهله قال الهروي : طوعت وأطاعت واحد يقال طاع له كذا إذا أتاه طوعا وقيل طاوعته نفسه في قتل أخيه فنزع الخافض فانتصب وروي أنه جهل كيف يقتله فجاء إبليس بطائر أو حيوان غيره فجعل يشدخ رأسه بين حجرين ليقتدي به قابيل ففعل قاله بن جريج ومجاهد وغيرهما وقال بن عباس وبن مسعود : وجده نائما فشدخ رأسه بحجر وكان ذلك في ثور جبل بمكة قاله بن عباس وقيل : عند عقبة حراء حكاه محمد بن جرير الطبري وقال جعفر الصادق : بالبصرة في موضع المسجد الأعظم وكان لهابيل يوم قتله قابيل عشرون سنة ويقال : إن قابيل كان يعرف القتل بطبعه لأن الإنسان وإن لم ير القتل فإنه يعلم بطبعه أن النفس فانية ويمكن إتلافها فأخذ حجرا فقتله بأرض الهند والله أعلم ولما قتله ندم فقعد يبكي عند رأسه إذ أقبل غرابان فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر ثم حفر له حفرة فدفنه ففعل القاتل بأخيه كذلك والسوءة يراد بها العورة وقيل : يراد بها جيفة المقتول ثم إنه هرب إلى أرض عدن من اليمن فأتاه إبليس وقال : إنما أكلت النار قربان أخيك لأنه كان يعبد النار فانصب أنت أيضا نارا تكون لك ولعقبك فبنى بيت نار فهو أول من عبد النار فيما قيل والله أعلم وروي عن بن عباس أنه لما قتله وآدم بمكة اشتاك الشجر وتغيرت الأطعمة وحمضت الفواكه وملحت المياه واغبرت الأرض فقال آدم عليه السلام : قد حدث في الأرض حدث فأتى الهند فإذا قابيل قد قتل هابيل وقيل : إن قابيل هو الذي انصرف إلى آدم فلما وصل إليه قال له : أين هابيل فقال : لا أدري كأنك وكلتني بحفظه فقال له آدم : أفعلتها والله إن دمه لينادي اللهم العن أرضا شربت دم هابيل فروي أنه من حينئذ ما شربت أرض دما ثم إن آدم بقي مائة سنة لم يضحك حتى جاءه ملك فقال له : حياك الله يا آدم وبياك فقال : ما بياك قال : أضحكك قاله مجاهد وسالم بن أبي الجعد ولما مضى من عمر آدم مائة وثلاثون سنة وذلك بعد قتل هابيل بخمس سنين ولدت له شيئا وتفسيره هبة الله أي خلفا من هابيل وقال مقاتل : كان قبل قتل قابيل هابيل السباع والطيور تستأنس بآدم فلما قتل قابيل هابيل هربوا فلحقت الطيور بالهواء والوحوش بالبرية ولحقت السباع بالغياض وروي أن آدم لما تغيرت الحال قال تغيرت البلاد ومن عليها فوجه الأرض مغبر قبيح تغير كل ذي طعم ولون وقل بشاشة الوجه المليح في أبيات كثيرة ذكرها الثعلبي وغيره قال بن عطية : هكذا هو الشعر بنصب بشاشة وكف التنوين قال القشيري وغيره قال بن عباس : ما قال آدم الشعر وإن محمدا والأنبياء كلهم في النهي عن الشعر سواء لكن لما قتل هابيل رثاه آدم وهو سرياني فهي مرثية بلسان السريانية أوصى بها إلى إبنه شيث وقال : إنك وصيي فاحفظ مني هذا الكلام ليتوارث فحفظت منه إلى زمان يعرب بن قحطان فترجم عنه يعرب بالعربية وجعله شعرا الثانية روي من حديث أنس قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن يوم الثلاثاء فقال : ( يوم الدم فيه حاضت حواء وفيه قتل بن آدم أخاه ( وثبت في صحيح مسلم وغيره عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تقتل نفس ظلما إلا كان على بن آدم الأول كفل من دمها لأنه كان أول من سن القتل ( وهذا نص على التعليل وبهذا الإعتبار يكون على إبليس كفل من معصية كل من عصى بالسجود لأنه أول من عصى به وكذلك كل من أحدث في دين الله ما لا يجوز من البدع والأهواء قال صلى الله عليه وسلم : ( من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن في الأسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ( وهذا نص في الخير والشر وقال صلى الله عليه وسلم : ( إن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون ( وهذا كله صريح ونص صحيح في معنى الآية وهذا ما لم يتب الفاعل من تلك المعصية لأن آدم عليه السلام كان أول من خالف في أكل ما نهي عنه ولا يكون عليه شيء من أوزار من عصى بأكل ما نهي عنه ولا شربه ممن بعده بالإجماع لأن آدم تاب من ذلك وتاب الله عليه فصار كمن لم يجن ووجه آخر فإنه أكل ناسيا على الصحيح من الأقوال كما بيناه في البقرة والناسي غير آثم ولا مؤاخذ الثالثة تضمنت هذه الآية البيان عن حال الحاسد حتى إنه قد يحمله حسده على إهلاك نفسه بقتل أقرب الناس إليه قرابة وأمسه به رحما وأولاهم بالحنو عليه ودفع الأذية عنه الرابعة قوله تعالى : ( فأصبح من الخاسرين ) أي ممن خسر حسناته وقال مجاهد : علقت إحدى رجلي القاتل بساقها إلى فخذها من يومئذ إلى يوم القيامة ووجهه إلى الشمس حيثما دارت عليه في الصيف حظيرة من نار وعليه في الشتاء حظيرة من ثلج قال بن عطية : فإن صح هذا فهو من خسرانه الذي تضمنه قوله تعالى : فأصبح من الخاسرين وإلا فالخسران يعم خسران الدنيا والآخرة قلت : ولعل هذا يكون عقوبته على القول بأنه عاص لا كافر فيكون المعنى فأصبح من الخاسرين أي في الدنيا والله أعلم < <

Section V06/P140

المائدة : ( 31 ) فبعث الله غرابا . . . . . > > < > ( المائده 31 ) <

Section V06/P140–V06/P144

> فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ) قال مجاهد : بعث الله غرابين فاقتتلا حتى قتل أحدهما صاحبه ثم حفر فدفنه وكان بن آدم هذا أول من قتل وقيل : إن الغراب بحث الأرض على طعمه ليخفيه إلى وقت الحاجة إليه لأنه من عادة الغراب فعل ذلك فتنبه قابيل بذلك على مواراة أخيه وروي أن قابيل لما قتل هابيل جعله في جراب ومشى به يحمله في عنقه مائة سنة قاله مجاهد وروى بن القاسم عن مالك أنه حمله سنة واحدة وقاله بن عباس وقيل : حتى أروح ولا يدري ما يصنع به إلى أن اقتدى بالغراب كما تقدم وفي الخبر عن أنس قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( امتن الله على بن آدم بثلاث بعد ثلاث بالريح بعد الروح فلولا أن الريح يقع بعد الروح ما دفن حميم حميما وبالدود في الجثة فلولا أن الدود يقع في الجثة لاكتنزتها الملوك وكانت خيرا لهم من الدراهم والدنانير وبالموت بعد الكبر وإن الرجل ليكبر حتى يمل نفسه ويمله أهله وولده وأقرباؤه فكان الموت أستر له ( وقال قوم : كان قابيل يعلم الدفن ولكن ترك أخاه بالعراء استخفافا به فبعث الله غرابا يبحث التراب على هابيل ليدفنه فقال عند ذلك : ( يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين ) حيث رأى إكرام الله لهابيل بأن قيض له الغراب حتى واراه ولم يكن ذلك ندم توبة وقيل : إنما ندمه كان على فقده لا على قتله وإن كان فلم يكن موفيا شروطه أو ندم ولم يستمر ندمه فقال بن عباس : ولو كانت ندامته على قتله لكانت الندامة توبة منه ويقال : أن آدم وحواء أتيا قبره وبكيا أياما عليه ثم أن قابيل كان على ذروة جبل فنطحه ثور فوقع إلى السفح وقد تفرقت عروقه ويقال : دعا عليه آدم فانخسفت به الأرض ويقال : أن قابيل استوحش بعد قتل هابيل ولزم البرية وكان لا يقدر على ما يأكله إلا من الوحش فكان إذا ظفر به وقذه حتى يموت ثم يأكله قال بن عباس : فكانت الموقوذة حراما من لدن قابيل بن آدم وهو أول من يساق من الآدميين إلى النار وذلك قوله تعالى ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس فصلت الآية فإبليس رأس الكافرين من الجن وقابيل رأس الخطيئة من الإنس على ما يأتي بيانه في حم فصلت إن شاء الله تعالى وقد قيل : إن الندم في ذلك الوقت لم يكن توبة والله بكل ذلك أعلم وأحكم وظاهر الآية أن هابيل هو أول ميت من بني آدم ولذلك جهلت سنة المواراة وكذلك حكى الطبرى عن بن إسحاق عن بعض أهل العلم بما في كتب الأوائل وقوله يبحث معناه يفتش التراب بمنقاره ويثيره ومن هذا سميت سورة براءة البحوث لانها فتشت عن المنافقين ومن ذلك قول الشاعر : ان الناس غطوني تغطيت عنهم وان بحثوني كان فيهم مباحث وفي المثل : لا تكن كالباحث على الشفرة قال الشاعر : فكانت كعنز السوء قامت برجلها إلى مدية مدفونة تستثيرها الثانية بعث الله الغراب حكمة ليرى بن آدم كيفية المواراة وهو معنى قوله تعالى : ثم أماته فأقبره عبس فصار فعل الغراب في المواراة سنة باقية في الخلق فرضا على جميع الناس على الكفاية من فعله منهم سقط فرضه عن الباقين وأخص الناس به الأقربون الذين يلونه ثم الجيرة ثم سائر المسلمين وأما الكفار فقد روى أبو داود عن علي قال : قلت للنبي صلى الله عليه وسلم إن عمك الشيخ الضال قد مات قال : ( اذهب فوار أباك التراب ثم لا تحدثن شيئا حتى تأتيني ( فذهبت فواريته وجئته فأمرني فاغتسلت ودعا لي الثالثة ويستحب في القبر سعته وإحسانه لما رواه بن ماجة عن هشام بن عامر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( احفروا وأوسعوا وأحسنوا ( وروي عن الأدرع السلمي قال : جئت ليلة أحرس النبي صلى الله عليه وسلم فإذا رجل قراءته عالية فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله : هذا مراء قال : فمات بالمدينة ففرغوا من جهازه فحملوا نعشه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ارفقوا به رفق الله به إنه كان يحب الله ورسوله ( قال : وحضر حفرته فقال : ( أوسعوا له وسع الله عليه ( فقال بعض أصحابه : يا رسول الله لقد حزنت عليه فقال : ( أجل إنه كان يحب الله ورسوله ( أخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن زيد بن الحباب عن موسى بن عبيدة عن سعيد بن أبي سعيد قال أبو عمر بن عبد البر : أدرع السلمي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا واحدا وروى عنه سعيد بن أبي سعيد المقبري وأما هشام بن عامر بن أمية بن الحسحاس بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار الأنصاري كان يسمى في الجاهلية شهابا فغير النبي صلى الله عليه وسلم اسمه فسماه هشاما واستشهد أبوه عامر يوم أحد سكن هشام البصرة ومات بها ذكر هذا في كتاب الصحابة الرابعة ثم قيل : اللحد أفضل من الشق فإنه الذي اختاره الله لرسوله صلى الله عليه وسلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما توفي كان بالمدينة رجلان أحدهما يلحد والآخر لا يلحد فقالوا : أيهما جاء أول عمل عمله فجاء الذي يلحد فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكره مالك في الموطأ عن هشام بن عروة عن أبيه وأخرجه بن ماجة عن أنس بن مالك وعائشة رضي الله عنهما والرجلان هما أبو طلحة وأبو عبيدة وكان أبو طلحة يلحد وأبو عبيدة يشق واللحد هو أن يحفر في جانب القبر إن كانت تربة صلبة يوضع فيه الميت ثم يوضع عليه اللبن ثم يهال التراب قال سعد بن أبي وقاص في مرضه الذي هلك فيه : ألحدوا لي لحدا وانصبوا علي اللبن نصبا كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه مسلم وروى بن ماجة وغيره عن بن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اللحد لنا والشق لغيرنا ( الخامسة روى بن ماجة عن سعيد بن المسيب قال : حضرت بن عمر في جنازة فلما وضعها في اللحد قال : بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أخذ في تسوية اللبن على اللحد قال : اللهم أجرها من الشيطان ومن عذاب القبر اللهم جاف الأرض عن جنبيها وصعد روحها ولقها منك رضوانا قلت يا بن عمر أشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم أم قلته برأيك قال : إني إذا لقادر على القول بل شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وروي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة ثم أتى قبر الميت فحثا عليه من قبل رأسه ثلاثا فهذا ما تعلق في معنى الآية من الأحكام والأصل في يا ويلتى يا ويلتي ثم أبدل من الياء ألف وقرأ الحسن على الأصل بالياء والأول أفصح لأن حذف الياء في النداء أكثر وهي كلمة تدعو بها العرب عند الهلاك قاله سيبويه وقال الأصمعي : ويل بعد وقرأ الحسن : أعجزت بكسر الجيم قال النحاس : وهي لغة شاذة إنما يقال عجزت المرأة إذا عظمت عجيزتها وعجزت عن الشيء عجزا ومعجزة ومعجزة والله أعلم < <

Section V06/P144

المائدة : ( 32 ) من أجل ذلك . . . . . > > < > ( المائده 32 ) <

Section V06/P144–V06/P146

> قوله تعالى : ( من أجل ذلك ) أي من جراء ذلك القاتل وجريرته وقال الزجاج : أي من جنايته يقال : أجل الرجل على أهله شرا يأجل أجلا إذا جنى مثل أخذ يأخذ أخذا قال الخنوت وأهل خباء صالح كنت بينهم قد احتربوا في عاجل أنا آجله أي جانيه وقيل : أنا جاره عليهم وقال عدي بن زيد : أجل أن الله قد فضلكم فوق من أحكأ صلبا بإزار وأصله الجر ومنه الأجل لأنه وقت يجر إليه العقد الأول ومنه الآجل نقيض العاجل وهو بمعنى يجر إليه أمر متقدم ومنه أجل بمعنى نعم لأنه انقياد إلى ما جر إليه ومنه الإجل للقطيع من بقر الوحش لأن بعضه ينجر إلى بعض قاله الرماني وقرأ يزيد بن القعقاع أبو جعفر : من أجل ذلك بكسر النون وحذف الهمزة وهي لغة والأصل من أجل ذلك فألقيت كسرة الهمزة على النون وحذفت الهمزة ثم قيل : يجوز أن يكون قوله : من أجل ذلك متعلقا بقوله : من النادمين فالوقف على قوله : من أجل ذلك ويجوز أن يكون متعلقا بما بعده وهو ( كتبنا ) ف من أجل ابتداء كلام والتمام من النادمين وعلى هذا أكثر الناس أي من سبب هذه النازلة كتبنا وخص بني إسرائيل بالذكر وقد تقدمتهم أمم قبلهم كان قتل النفس فيهم محظورا لأنهم أول أمة نزل الوعيد عليهم في قتل الأنفس مكتوبا وكان قبل ذلك قولا مطلقا فغلظ الأمر على بني إسرائيل بالكتاب بحسب طغيانهم وسفكهم الدماء ومعنى ( بغير نفس ) أي بغير أن يقتل نفسا فيستحق القتل وقد حرم الله القتل في جميع الشرائع إلا بثلاث خصال : كفر بعد إيمان أو زنى بعد إحصان أو قتل نفس ظلما وتعديا ( أو فساد في الأرض ) أي شرك وقيل : قطع طريق وقرأ الحسن أو فسادا بالنصب على تقدير حذف فعل يدل عليه أول الكلام تقديره أو أحدث فسادا والدليل عليه قوله : من قتل نفسا بغير نفس لأنه من أعظم الفساد وقرأ العامة فساد بالجر على معنى أو بغير فساد ( فكأنما قتل الناس جميعا ) اضطرب لفظ المفسرين في ترتيب هذا التشبيه لأجل أن عقاب من قتل جميعا أكثر من عقاب من قتل واحدا فروى عن بن عباس أنه قال : المعنى من قتل نبيا أو إمام عدل فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياه بأن شد عضده ونصره فكأنما أحيا الناس جميعا وعنه أيضا أنه قال : المعنى من قتل نفسا واحدة وانتهك حرمتها فهو مثل من قتل الناس جميعا ومن ترك قتل نفس واحدة وصان حرمتها واستحياها خوفا من الله فهو كمن أحيا الناس جميعا وعنه أيضا المعنى فكأنما قتل الناس جميعا عند المقتول ومن أحياها واستنقذها من هلكة فكأنما أحيا الناس جميعا عند المستنقذ وقال مجاهد : المعنى أن الذي يقتل النفس المؤمنة متعمدا جعل الله جزاءه جهنم وغضب عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما يقول : لو قتل الناس جميعا لم يزد على ذلك ومن لم يقتل فقد حيى الناس منه وقال بن زيد : المعنى أن من قتل نفسا فيلزمه من القود والقصاص ما يلزم من قتل الناس جميعا قال : ومن أحياها أي من عفا عمن وجب له قتله وقاله الحسن أيضا أي هو العفو بعد المقدرة وقيل : المعنى أن من قتل نفسا فالمؤمنون كلهم خصماؤه لأنه قد وتر الجميع ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا أي يجب على الكل شكره وقيل : جعل إثم قاتل الواحد إثم قاتل الجميع وله أن يحكم بما يريد وقيل : كان هذا مختصا ببني إسرائيل تغليظا عليهم قال بن عطية : وعلى الجملة فالتشبيه على ما قيل واقع كله والمنتهك في واحد ملحوظ بعين منتهك الجميع ومثاله رجلان حلفا على شجرتين ألا يطعما من ثمرهما شيئا فطعم أحدهما واحدة من ثمر شجرته وطعم الآخر ثمر شجرته كلها فقد استويا في الحنث وقيل : المعنى أن من استحل واحدا فقد استحل الجميع لأنه أنكر الشرع وفي قوله تعالى : ( ومن أحياها ) تجوز فإنه عبارة عن الترك والإنقاذ من هلكة وإلا فالإحياء حقيقة الذي هو الاختراع إنما هو لله تعالى وإنما هذا الإحياء بمنزلة قول نمرود اللعين : أنا أحيي وأميت فسمى الترك أحياء ثم أخبر الله عن بني إسرائيل أنهم جاءتهم الرسل بالبينات وأن أكثرهم مجاوزون الحد وتاركون أمر الله < <

Section V06/P146

المائدة : ( 33 ) إنما جزاء الذين . . . . . > > < > ( المائده 33 : 34 ) <

Section V06/P146–V06/P157

> فيه خمس عشرة مسألة : الأولى اختلف الناس في سبب نزول هذه الآية فالذي عليه الجمهور أنها نزلت في العرنيين روى الأئمة واللفظ لأبي داود عن أنس بن مالك : أن قوما من عكل أو قال من عرينة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتووا المدينة فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بلقاح وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها فانطلقوا فلما صحوا قتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم واستاقوا النعم فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم خبرهم من أول النهار فأرسل في آثارهم فما ارتفع النهار حتى جيء بهم فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون قال أبو قلابة : فهؤلاء قوم سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله وفي رواية : فأمر بمسامير فأحميت فكحلهم وقطع أيديهم وأرجلهم وما حسمهم وفي رواية : فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبهم قافة فأتي به قال : فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك : ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا ) الآية وفي رواية قال أنس : فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه عطشا حتى ماتوا وفي البخاري قال جرير بن عبد الله في حديثه : فبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من المسلمين حتى أدركناهم وقد أشرفوا على بلادهم فجئنا بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال جرير : فكانوا يقولون الماء ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( النار ( وقد حكى أهل التواريخ والسير : أنهم قطعوا يدي الراعي ورجليه وغرزوا الشوك في عينيه حتى مات وأدخل المدينة ميتا وكان اسمه يسار وكان نوبيا وكان هذا الفعل من المرتدين سنة ست من الهجرة وفي بعض الروايات عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرقهم بالنار بعد ما قتلهم وروي عن بن عباس والضحاك : أنها نزلت بسبب قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فنقضوا العهد وقطعوا السبيل وأفسدوا في الأرض وفي مصنف أبي داود عن بن عباس قال : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله إلى قوله غفور رحيم نزلت هذه الآية في المشركين فمن أخذ منهم قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد الذي أصابه وممن قال : إن الآية نزلت في المشركين عكرمة والحسن وهذا ضعيف يرده قوله تعالى : قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف الأنفال وقوله عليه الصلاة والسلام : ( الإسلام يهدم ما قبله ( أخرجه مسلم والصحيح الأول لنصوص الأحاديث الثابتة في ذلك وقال مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي : الآية نزلت فيمن خرج من المسلمين يقطع السبيل ويسعى في الأرض بالفساد قال بن المنذر : قول مالك صحيح قال أبو ثور محتجا لهذا القول : وفي الآية دليل على أنها نزلت في غير أهل الشرك وهو قوله جل ثناؤه : ( إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ) وقد أجمعوا على أن أهل الشرك إذا وقعوا في أيدينا فأسلموا أن دماءهم تحرم فدل ذلك على أن الآية نزلت في أهل الإسلام وحكى الطبري عن بعض أهل العلم : أن هذه الآية نسخت فعل النبي صلى الله عليه وسلم في العرنيين فوقف الأمر على هذه الحدود وروى محمد بن سيرين قال : كان هذا قبل أن تنزل الحدود يعني حديث أنس ذكره أبو داود وقال قوم منهم الليث بن سعد : ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم بوفد عرينة نسخ إذ لا يجوز التمثيل بالمرتد قال أبو الزناد : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قطع الذين سرقوا لقاحه وسمل أعينهم بالنار عاتبه الله عز وجل في ذلك فأنزل الله تعالى في ذلك إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا الآية أخرجه أبو داود قال أبو الزناد : فلما وعظ ونهي عن المثلة لم يعد وحكى عن جماعة أن هذه الآية ليست بناسخة لذلك الفعل لأن ذلك وقع في مرتدين لاسيما وقد ثبت في صحيح مسلم وكتاب النسائي وغيرهما قال : إنما سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاة فكأن هذا قصاصا وهذه الآية في المحارب المؤمن قلت : وهذا قول حسن وهو معنى ما ذهب إليه مالك والشافعي ولذلك قال الله تعالى : إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ومعلوم أن الكفار لا تختلف أحكامهم في زوال العقوبة عنهم بالتوبة بعد القدرة كما تسقط قبل القدرة والمرتد يستحق القتل بنفس الردة دون المحاربة ولا ينفى ولا تقطع يده ولا رجله ولا يخلى سبيله بل يقتل إن لم يسلم ولا يصلب أيضا فدل أن ما اشتملت عليه الآية ما عني به المرتد وقال تعالى في حق الكفار : قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف الأنفال وقال في المحاربين : إلا الذين تابوا الآية وهذا بين وعلى ما قررناه في أول الباب لا إشكال ولا لوم ولا عتاب إذ هو مقتضى الكتاب قال الله تعالى : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم فمثلوا فمثل بهم إلا أنه يحتمل أن يكون العتاب إن صح على الزيادة في القتل وذلك تكحيلهم بمسامير محماة وتركهم عطاشى حتى ماتوا والله أعلم وحكى الطبري عن السدي : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمل أعين العرنيين وإنما أراد ذلك فنزلت الآية ناهية عن ذلك وهذا ضعيف جدا فإن الأخبار الثابتة وردت بالسمل في صحيح البخاري : فأمر بمسامير فأحميت فكحلهم ولا خلاف بين أهل العلم أن حكم هذه الآية مترتب في المحاربين من أهل الإسلام وإن كانت نزلت في المرتدين أو اليهود وفي قوله تعالى : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله استعارة ومجاز إذ الله سبحانه وتعالى لا يحارب ولا يغالب لما هو عليه من صفات الكمال ولما وجب له من التنزيه عن الأضداد والأنداد والمعنى : يحاربون أولياء الله فعبر بنفسه العزيزة عن أوليائه إكبارا لإذايتهم كما عبر بنفسه عن الفقراء الضعفاء في قوله : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا حثا على الاستعطاف عليهم ومثله في صحيح السنة ( استطعمتك فلم تطعمني ( الحديث أخرجه مسلم وقد تقدم في البقرة الثانية واختلف العلماء فيمن يستحق اسم المحاربة فقال مالك : المحارب عندنا من حمل على الناس في مصر أو في برية وكابرهم عن أنفسهم وأموالهم دون نائرة ولا ذحل ولا عداوة قال بن المنذر : اختلف عن مالك في هذه المسألة فأثبت المحاربة في المصر مرة ونفى ذلك مرة وقالت طائفة : حكم ذلك في المصر أو في المنازل والطرق وديار أهل البادية والقرى سواء وحدودهم واحدة وهذا قول الشافعي وأبي ثور قال بن المنذر : كذلك هو لأن كلا يقع عليه اسم المحاربة والكتاب على العموم وليس لأحد أن يخرج من جملة الآية قوما بغير حجة وقالت طائفة : لا تكون المحاربة في المصر إنما تكون خارجا عن المصر هذا قول سفيان الثوري وإسحاق والنعمان والمغتال كالمحارب وهو الذي يحتال في قتل إنسان على أخذ ماله وإن لم يشهر السلاح لكن دخل عليه بيته أو صحبه في سفر فأطعمه سما فقتله فيقتل حدا لا قودا الثالثة واختلفوا في حكم المحارب فقالت طائفة : يقام عليه بقدر فعله فمن أخاف السبيل وأخذ المال قطعت يده ورجله من خلاف وإن أخذ المال وقتل قطعت يده ورجله ثم صلب فإذا قتل ولم يأخذ المال قتل وإن هو لم يأخذ المال ولم يقتل نفي قاله بن عباس وروي عن أبي مجلز والنخعي وعطاء الخرساني وغيرهم وقال أبو يوسف : إذا أخذ المال وقتل صلب وقتل على الخشبة قال الليث : بالحربة مصلوبا وقال أبو حنيفة : إذا قتل قتل وإذا أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف وإذا أخذ المال وقتل فالسلطان مخير فيه إن شاء قطع يده ورجله وإن شاء لم يقطع وقتله وصلبه قال أبو يوسف : القتل يأتي على كل شيء ونحوه قول الأوزاعي وقال الشافعي : إذا أخذ المال قطعت يده اليمنى وحسمت ثم قطعت رجله اليسرى وحسمت وخلي لأن هذه الجناية زادت على السرقة بالحرابة وإذا قتل قتل وإذا أخذ المال وقتل قتل وصلب وروي عنه أنه قال : يصلب ثلاثة أيام قال : وإن حضر وكثر وهيب وكان ردءا للعدو حبس وقال أحمد : إن قتل قتل وإن أخذ المال قطعت يده ورجله كقول الشافعي وقال قوم : لا ينبغي أن يصلب قبل القتل فيحال بينه وبين الصلاة والأكل والشرب وحكي عن الشافعي : أكره أن يقتل مصلوبا لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المثلة وقال أبو ثور : الإمام مخير على ظاهر الآية وكذلك قال مالك وهو مروي عن بن عباس وهو قول سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز ومجاهد والضحاك والنخعي كلهم قال : الإمام مخير في الحكم على المحاربين يحكم عليهم بأي الأحكام التي أوجبها الله تعالى من القتل والصلب أو القطع أو النفي بظاهر الآية قال بن عباس : ما كان في القرآن أو فصاحبه بالخيار وهذا القول أشعر بظاهر الآية فإن أهل القول الأول الذين قالوا إن أو للترتيب وإن اختلفوا فإنك تجد أقوالهم أنهم يجمعون عليه حدين فيقولون : يقتل ويصلب ويقول بعضهم : يصلب ويقتل ويقول بعضهم : تقطع يده ورجله وينفى وليس كذلك الآية ولا معنى أو في اللغة قاله النحاس واحتج الأولون بما ذكره الطبري عن أنس بن مالك أنه قال : سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام عن الحكم في المحارب فقال : من أخاف السبيل وأخذ المال فاقطع يده للأخذ ورجله للإخافة ومن قتل فاقتله ومن جمع ذلك فاصلبه قال بن عطية : وبقي النفي للمخيف فقط والمخيف في حكم القاتل ومع ذلك فمالك يرى فيه الأخذ بأيسر العذاب والعقاب إستحسانا الرابعة قوله تعالى : ( أو ينفوا من الأرض ) أختلف في معناه فقال السدي : هو أن يطلب أبدا بالخيل والرجل حتى يؤخذ فيقام عليه حد الله أو يخرج من دار الإسلام هربا ممن يطلبه عن بن عباس وأنس بن مالك ومالك بن أنس والحسن والسدي والضحاك وقتادة وسعيد بن جبير والربيع بن أنس والزهري حكاه الرماني في كتابه وحكي عن الشافعي أنهم يخرجون من بلد إلى بلد ويطلبون لتقام عليهم الحدود وقاله الليث بن سعد والزهري أيضا وقال مالك أيضا : ينفى من البلد الذي أحدث فيه هذا إلى غيره ويحبس فيه كالزاني وقال مالك أيضا والكوفيون : نفيهم سجنهم فينفى من سعة الدنيا إلى ضيقها فصار كأنه إذا سجن فقد نفي من الأرض إلا من موضع استقراره واحتجوا بقول بعض أهل السجون في ذلك : خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا إذا جاءنا السجان يوما لحاجة عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا حكى مكحول أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أول من حبس في السجون وقال : أحبسه حتى أعلم منه التوبة ولا أنفيه من بلد إلى بلد فيؤذيهم والظاهر أن الأرض في الآية هي أرض النازلة وقد تجنب الناس قديما الأرض التي أصابوا فيها الذنوب ومنه الحديث ( الذي ناء بصدره نحو الأرض المقدسة ( وينبغي للإمام إن كان هذا المحارب مخوف الجانب يظن أنه يعود إلى حرابة أو إفساد أن يسجنه في البلد الذي يغرب إليه وإن كان غير مخوف الجانب فظن أنه لا يعود إلى جناية سرح قال بن عطية : وهذا صريح مذهب مالك أن يغرب ويسجن حيث يغرب وهذا على الأغلب في أنه مخوف ورجحه الطبري وهو الواضح لأن نفيه من أرض النازلة هو نص الآية وسجنه بعد بحسب الخوف منه فإن تاب وفهمت حاله سرح الخامسة قوله تعالى ( أو ينفوا من الأرض ) النفي أصله الإهلاك ومنه الإثبات والنفي فالنفي الإهلاك بالإعدام ومنه النفاية لردي المتاع ومنه النفي لما تطاير من الماء عن الدلو قال الراجز : كأن متنيه من النفي مواقع الطير على الصفي السادسة قال بن خويز منداد : ولا يراعى المال الذي يأخذه المحارب نصابا كما يراعى في السارق وقد قيل : يراعى في ذلك النصاب ربع دينار قال بن العربي قال الشافعي وأصحاب الرأي : لا يقطع من قطاع الطريق إلا من أخذ قدر ما تقطع فيه يد السارق وقال مالك : يحكم عليه بحكم المحارب وهو الصحيح فإن الله تعالى وقت على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام القطع في السرقة في ربع دينار ولم يوقت في الحرابة شيئا بل ذكر جزاء المحارب فاقتضى ذلك توفية الجزاء لهم على المحاربة عن حبة ثم إن هذا قياس أصل على أصل وهو مختلف فيه وقياس الأعلى بالأدنى والأدنى بالأسفل وذلك عكس القياس وكيف يصح أن يقاس المحارب على السارق وهو يطلب خطف المال فإن شعر به فر حتى إن السارق إذا دخل بالسلاح يطلب المال فإن منع منه أو صيح عليه وحارب عليه فهو محارب يحكم عليه بحكم المحارب قال القاضي بن العربي : كنت في أيام حكمي بين الناس إذا جاءني أحد بسارق وقد دخل الدار بسكين يحبسه على قلب صاحب الدار وهو نائم وأصحابه يأخذون مال الرجل حكمت فيهم بحكم المحاربين فأفهموا هذا من أصل الدين وارتفعوا إلى يفاع العلم عن حضيض الجاهلين قلت : اليفع أعلى الجبل ومنه غلام يفعه إذا ارتفع إلى البلوغ والحضيض الحفرة في أسفل الوادي كذا قال أهل اللغة السابعة ولا خلاف في أن الحرابة يقتل فيها من قتل وإن لم يكن المقتول مكافئا للقاتل وللشافعي قولان : أحدهما أنها تعتبر المكافأة لأنه قتل فاعتبر فيه المكافأة كالقصاص وهذا ضعيف لأن القتل هنا ليس على مجرد القتل وإنما هو على الفساد العام من التخويف وسلب المال قال الله تعالى : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا فأمر تعالى بإقامة الحدود على المحارب إذا جمع شيئين محاربة وسعيا في الأرض بالفساد ولم يخص شريفا من وضيع ولا رفيعا من دنيء الثامنة وإذا خرج المحاربون فاقتتلوا مع القافلة فقتل بعض المحاربين ولم يقتل بعض قتل الجميع وقال الشافعي : لا يقتل إلا من قتل وهذا أيضا ضعيف فإن من حضر الوقيعة شركاء في الغنيمة وإن لم يقتل جميعهم وقد اتفق معنا على قتل الردء وهو الطليعة فالمحارب أولى التاسعة إذا أخاف المحاربون السبيل وقطعوا الطريق وجب على الإمام قتالهم من غير أن يدعوهم ووجب على المسلمين التعاون على قتالهم وكفهم عن أذى المسلمين فإن انهزموا لم يتبع منهم مدبرا إلا أن يكون قد قتل وأخذ مالا فإن كان كذلك اتبع ليؤخذ ويقام عليه ما وجب لجنايته ولا يدفف منهم على جريح إلا أن يكون قد قتل فإن أخذوا ووجد في أيديهم مال لأحد بعينه رد إليه أو إلى ورثته وإن لم يوجد له صاحب جعل في بيت المال وما أتلفوه من مال لأحد غرموه ولا دية لمن قتلوا إذا قدر عليهم قبل التوبة فإن تابوا وجاءوا تائبين وهي : العاشرة لم يكن للإمام عليهم سبيل وسقط عنهم ما كان حدا لله وأخذوا بحقوق الآدميين فاقتص منهم من النفس والجراح وكان عليهم ما أتلفوه من مال ودم لأوليائه في ذلك ويجوز لهم العفو والهبة كسائر الجناة من غير المحاربين هذا مذهب مالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي وإنما أخذ ما بأيديهم من الأموال وضمنوا قيمة ما استهلكوا لأن ذلك غصب فلا يجوز ملكه لهم ويصرف إلى أربابه أو يوقفه الإمام عنده حتى يعلم صاحبه وقال قوم من الصحابة والتابعين : لا يطلب من المال إلا بما وجد عنده وأما ما استهلكه فلا يطلب به وذكر الطبري ذلك عن مالك من رواية الوليد بن مسلم عنه وهو الظاهر من فعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه بحارثة بن بدر الغداني فإنه كان محاربا ثم تاب قبل القدرة عليه فكتب له بسقوط الأموال والدم عنه كتابا منشورا قال بن خويز منداد : واختلفت الرواية عن مالك في المحارب إذا أقيم عليه الحد ولم يوجد له مال هل يتبع دينا بما أخذ أو يسقط عنه كما يسقط عن السارق والمسلم والذمي في ذلك سواء الحادية عشرة وأجمع أهل العلم على أن السلطان ولي من حارب فإن قتل محارب أخا امرئ أو أباه في حال المحاربة فليس إلى طالب الدم من أمر المحارب شيء ولا يجوز عفو ولي الدم والقائم بذلك الإمام جعلوا ذلك بمنزلة حد من حدود الله تعالى قلت : فهذه جملة من أحكام المحاربين جمعنا غررها واجتلبنا دررها ومن أغرب ما قيل في تفسيرها وهي : الثانية عشرة تفسير مجاهد لها قال مجاهد : المراد بالمحاربة في هذه الآية الزنى والسرقة وليس بصحيح فإن الله سبحانه بين في كتابه وعلى لسان نبيه أن السارق تقطع يده وأن الزاني يجلد ويغرب إن كان بكرا ويرجم إن كان ثيبا محصنا وأحكام المحارب في هذه الآية مخالف لذلك اللهم إلا أن يريد إخافة الطريق بإظهار السلاح قصدا للغلبة على الفروج فهذا أفحش المحاربة وأقبح من أخذ الأموال وقد دخل هذا في معنى قوله تعالى : ( ويسعون في الأرض فسادا ) الثالثة عشرة قال علماؤنا : ويناشد اللص بالله تعالى فإن كف ترك وإن أبى قوتل فإن أنت قتلته فشر قتيل ودمه هدر روى النسائي عن أبي هريرة أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أرأيت إن عدي على مالي قال : ( فانشد بالله ( قال : فإن أبوا علي قال : ( فأنشد بالله ( قال : فإن أبوا علي قال : ( فأنشد بالله ( قال : فإن أبوا علي قال : ( فقاتل فإن قتلت ففي الجنة وإن قتلت ففي النار ( وأخرجه البخاري ومسلم وليس فيه ذكر المناشدة عن أبي هريرة قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي قال : ( فلا تعطه مالك ( قال : أرأيت إن قاتلني قال : ( فقاتله ( قال : أرأيت إن قتلني قال : ( فأنت شهيد ( قال : فإن قتلته قال : ( هو في النار ( قال بن المنذر : وروينا عن جماعة من أهل العلم أنهم رأوا قتال اللصوص ودفعهم عن أنفسهم وأموالهم هذا مذهب بن عمر والحسن البصري وإبراهيم النخعي وقتادة ومالك والشافعي واحمد وإسحاق والنعمان وبهذا يقول عوام أهل العلم إن للرجل أن يقاتل عن نفسه وأهله وماله إذا أريد ظلما للأخبار التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخص وقتا دون وقت ولا حالا دون حال إلا السلطان فإن جماعة أهل الحديث كالمجتمعين على أن من لم يمكنه أن يمنع عن نفسه وماله إلا بالخروج على السلطان ومحاربته أنه لا يحاربه ولا يخرج عليه للأخبار الدالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي فيها الأمر بالصبر على ما يكون منهم من الجور والظلم وترك قتالهم والخروج عليهم ما أقاموا الصلاة قلت : وقد اختلف مذهبنا إذا طلب الشيء الخفيف كالثوب والطعام هل يعطونه أو يقاتلون وهذا الخلاف مبني على أصل وهو هل الأمر بقتالهم لأنه تغيير منكر أو هو من باب دفع الضرر وعلى هذا أيضا ينبني الخلاف في دعوتهم قبل القتال والله أعلم الرابعة عشرة قوله تعالى : ( ذلك لهم خزي في الدنيا ) لشناعة المحاربة وعظم ضررها وإنما كانت المحاربة عظيمة الضرر لأن فيها سد سبيل الكسب على الناس لأن أكثر المكاسب وأعظمها التجارات وركنها وعمادها الضرب في الأرض كما قال عز وجل : وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله المزمل فإذا أخيف الطريق انقطع الناس عن السفر واحتاجوا إلى لزوم البيوت فانسد باب التجارة عليهم وانقطعت أكسابهم فشرع الله على قطاع الطريق الحدود المغلظة وذلك الخزي في الدنيا ردعا لهم عن سوء فعلهم وفتحا لباب التجارة التي أباحها لعباده لمن أرادها منهم ووعد فيها بالعذاب العظيم في الآخرة وتكون هذه المعصية خارجة عن المعاصي ومستثناة من حديث عبادة في قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( فمن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة والله أعلم ويحتمل أن يكون الخزي لمن عوقب وعذاب الآخرة لمن سلم في الدنيا ويجري هذا الذنب مجرى غيره ولا خلود لمؤمن في النار على ما تقدم ولكن يعظم عقابه لعظم الذنب ثم يخرج إما بالشفاعة وإما بالقبضة ثم إن هذا الوعيد مشروط الإنفاذ بالمشيئة كقوله تعالى : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء أما إن الخوف يغلب عليهم بحسب الوعيد وكبر المعصية الخامسة عشرة قوله تعالى : ( إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ) استثنى جل وعز التائبين قبل أن يقدر عليهم وأخبر بسقوط حقه عنهم بقوله : ( فاعلموا أن الله غفور رحيم ) أما القصاص وحقوق الآدميين فلا تسقط ومن تاب بعد القدرة فظاهر الآية أن التوبة لا تنفع وتقام الحدود عليه كما تقدم وللشافعي قول أنه يسقط كل حد بالتوبة والصحيح من مذهبه أن ما تعلق به حق الآدمي قصاصا كان أو غيره فإنه لا يسقط بالتوبة قبل القدرة عليه وقيل : أراد بالاستثناء المشرك إذا تاب وآمن قبل القدرة عليه فإنه تسقط عنه الحدود وهذا ضعيف لأنه إن آمن بعد القدرة عليه لم يقتل أيضا بالإجماع وقيل : إنما لا يسقط الحد عن المحاربين بعد القدرة عليهم والله أعلم لأنهم متهمون بالكذب في توبتهم والتصنع فيها إذا نالتهم يد الإمام أو لأنه لما قدر عليهم صاروا بمعرض أن ينكل بهم فلم تقبل توبتهم كالمتلبس بالعذاب من الأمم قبلنا أو من صار إلى حال الغرغرة فتاب فأما إذا تقدمت توبتهم القدرة عليهم فلا تهمة وهي نافعة على ما يأتي بيانه في سورة يونس فأما الشراب والزناة والسراق إذا تابوا وأصلحوا وعرف ذلك منهم ثم رفعوا إلى الإمام فلا ينبغي له أن يحدهم وإن رفعوا إليه فقالوا تبنا لم يتركوا وهم في هذه الحال كالمحاربين إذا غلبوا والله أعلم < <

Section V06/P157–V06/P158

المائدة : ( 35 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( المائده 35 : 36 ) < > قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ) الوسيلة هي القربة عن أبي وائل والحسن ومجاهد وقتادة وعطاء والسدي وبن زيد وعبد الله بن كثير وهي فعيلة من توسلت إليه أي تقربت قال عنترة : إن الرجال لهم إليك وسيلة أن يأخذوك تكحلي وتخصبي والجمع الوسائل قال : إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا وعاد التصافي بيننا والوسائل ويقال : منه سلت أسأل أي طلبت وهما يتساولان أي يطلب كل واحد من صاحبه فالأصل الطلب والوسيلة القربة التي ينبغي أن يطلب بها والوسيلة درجة في الجنة وهي التي جاء الحديث الصحيح بها في قوله عليه الصلاة والسلام : ( فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة < < المائدة : ( 37 ) يريدون أن يخرجوا . . . . . > > < > ( المائده 37 ) < > قال يزيد الفقير : قيل لجابر بن عبد الله إنكم يا أصحاب محمد تقولون إن قوما يخرجون من النار والله تعالى يقول : ( وما هم بخارجين منها ) فقال جابر : إنكم تجعلون العام خاصا والخاص عاما إنما هذا في الكفار خاصة فقرأت الآية كلها من أولها إلى آخرها فإذا هي في الكفار خاصة و ( مقيم ) معناه دائم ثابت لا يزول ولا يحول قال الشاعر : فإن لكم بيوم الشعب مني عذابا دائما لكم مقيما < < المائدة : ( 38 ) والسارق والسارقة فاقطعوا . . . . . > > < > ( المائده 38 ) <

Section V06/P158–V06/P173

> فيه سبع وعشرون مسألة : الأولى قوله تعالى : ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) الآية لما ذكر تعالى أخذ الأموال بطريق السعي في الأرض والفساد ذكر حكم السارق من غير حراب على ما يأتي بيانه أثناء الباب وبدأ سبحانه بالسارق قبل السارقة عكس الزنى على ما نبينه آخر الباب وقد قطع السارق في الجاهلية وأول من حكم بقطعه في الجاهلية الوليد بن المغيرة فأمر الله بقطعه في الإسلام فكان أول سارق قطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام من الرجال الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف ومن النساء مرة بنت سفيان بن عبد الأسد من بني مخزوم وقطع أبو بكر يد اليمنى الذي سرق العقد وقطع عمر يد بن سمرة أخي عبد الرحمن بن سمرة ولا خلاف فيه وظاهر الآية العموم في كل سارق وليس كذلك لقوله عليه السلام ( لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا ( فبين أنه إنما أراد بقوله ( والسارق والسارقة ) بعض السراق دون بعض فلا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار أو فيما قيمته ربع دينار وهذا قول عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي رضي الله عنهم وبه قال عمر بن عبد العزيز والليث والشافعي وأبو ثور وقال مالك : تقطع اليد في ربع دينار أو في ثلاثة دراهم فإن سرق درهمين وهو ربع دينار لانحطاط الصرف لم تقطع يده فيهما والعروض لا تقطع فيها إلا أن تبلغ ثلاثة دراهم قل الصرف أو كثر فجعل مالك الذهب والورق كل واحد منهما أصلا بنفسه وجعل تقويم العروض بالدراهم في المشهور وقال أحمد وإسحاق : إن سرق ذهبا فربع دينار وإن سرق غير الذهب والفضة فكانت قيمته ربع دينار أو ثلاثة دراهم من الورق وهذا نحو ما صار إليه مالك في القول الآخر والحجة للأول حديث بن عمر أن رجلا سرق حجفة فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بها فقومت بثلاثة دراهم وجعل الشافعي حديث عائشة رضي الله عنها في الربع دينار أصلا رد إليه تقويم العروض لا بالثلاثة دراهم على غلاء الذهب ورخصه وترك حديث بن عمر لما رآه والله أعلم من اختلاف الصحابة في المجن الذي قطع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فابن عمر يقول : ثلاثة دراهم وبن عباس يقول : عشرة دراهم وأنس يقول : خمسة دراهم وحديث عائشة في الربع دينار حديث صحيح ثابت لم يختلف فيه عن عائشة إلا أن بعضهم وقفه ورفعه من يجب العمل بقوله لحفظه وعدالته قاله أبو عمر وغيره وعلى هذا فإن بلغ العرض المسروق ربع دينار بالتقويم قطع سارقه وهو قول إسحاق فقف على هذين الاصلين فهما عمدة الباب وهما أصح ما قيل فيه وقال أبو حنيفة وصاحباه والثوري : لا تقطع يد السارق إلا في عشرة دراهم كيلا أو دينار ذهبا عينا أو وزنا ولا يقطع حتى يخرج بالمتاع من ملك الرجل وحجتهم حديث بن عباس قال : قوم المجن الذي قطع فيه النبي صلى الله عليه وسلم بعشرة دراهم ورواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : كان ثمن المجن يومئذ عشرة دراهم أخرجهما الدارقطني وغيره وفي المسألة قول رابع وهو ما رواه الدارقطني عن عمر قال : لا تقطع الخمس إلا في خمس وبه قال سليمان بن يسار وبن أبي ليلى وبن شبرمة وقال أنس بن مالك : قطع أبو بكر رحمه الله في مجن قيمته خمسة دراهم وقول خامس : وهو أن اليد تقطع في أربعة دراهم فصاعدا روي عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري وقول سادس : وهو أن اليد تقطع في درهم فما فوقة قاله عثمان البتي وذكر الطبري أن عبد الله بن الزبير قطع في درهم وقول سابع : وهو أن اليد تقطع في كل ماله قيمة على ظاهر الآية هذا قول الخوارج وروي عن الحسن البصري وهي إحدى الروايات الثلاث عنه والثانية كما روي عن عمر والثالثة حكاها قتادة عنه أنه قال : تذاكرنا القطع في كم يكون على عهد زياد فاتفق رأينا على درهمين وهذه أقوال متكافئة والصحيح منها ما قدمناه لك فإن قيل : قد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده ( وهذا موافق لظاهر الآية في القطع في القليل والكثير فالجواب أن هذا خرج مخرج التحذير بالقليل عن الكثير كما جاء في معرض الترغيب بالقليل مجرى الكثير في قوله عليه السلام : ( من بنى لله مسجدا ولو مثل مفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة وقيل ( إن ذلك مجاز من وجه آخر وذلك إنه إذا ضري بسرقة القليل سرق الكثير فقطعت يده وأحسن من هذا ما قاله الأعمش وذكره البخاري في آخر الحديث كالتفسير قال : كانوا يرون أنه بيض الحديد والحبل كانوا يرون أنه منها ما يساوي دراهم قلت : كحبال السفينة وشبه ذلك والله أعلم الثانية اتفق جمهور الناس على أن القطع لا يكون إلا على من أخرج من حرز ما يجب فيه القطع وقال الحسن بن أبي الحسن : إذا جمع الثياب في البيت قطع وقال الحسن بن أبي الحسن أيضا في قول آخر مثل قول سائر أهل العلم فصار اتفاقا صحيحا والحمد لله الحزر هو ما نصب عادة لحفظ أموال الناس وهو يختلف في كل شيء بحسب حاله على ما يأتي بيانه قال بن المنذر : ليس في هذا الباب خبر ثابت لا مقال فيه لأهل العلم وإنما ذلك كالإجماع من أهل العلم وحكي عن الحسن وأهل الظاهر أنهم لم يشترطوا الحرز وفي الموطأ لمالك عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل فإذا آواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن ( قال أبو عمر : هذا حديث يتصل معناه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وغيره وعبد الله هذا ثقة عند الجميع وكان أحمد يثني عليه وعن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الثمر المعلق فقال : ( من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه ومن خرج بشيء منه فعليه القطع ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة ( وفي رواية ( وجلدات نكال ( بدل ( والعقوبة ( قال العلماء : ثم نسخ الجلد وجعل مكانه القطع قال أبو عمر : قوله ( غرامة مثليه ( منسوخ لا أعلم أحدا من الفقهاء قال به إلا ما جاء عن عمر في دقيق حاطب بن أبي بلتعة خرجه مالك ورواية عن أحمد بن حنبل والذي عليه الناس في الغرم بالمثل لقوله تعالى : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم وروى أبو داود عن صفوان بن أمية قال : كنت نائما في المسجد على خميصة لي ثمن ثلاثين درهما فجاء رجل فاختلسها مني فأخذ الرجل فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم فأمر به ليقطع قال : فأتيته فقلت أتقطعه من أجل ثلاثين درهما أنا أبيعه وأنسئه ثمنها قال : ( فهلا كان هذا قبل أن تأتيني به ( ومن جهة النظر أن الأموال خلقت مهيأة للانتفاع بها للخلق أجمعين ثم الحكمة الأولية حكمت فيها بالاختصاص الذي هو الملك شرعا وبقيت الأطماع متعلقة بها والآمال محومة عليها فتكفها المروءة والديانة في أقل الخلق ويكفها الصون والحرز عن أكثرهم فإذا أحرزها مالكها فقد اجتمع فيها الصون والحرز الذي هو غاية الإمكان للانسان فإذا هتكا فحشت الجريمة فعظمت العقوبة وإذا هتك أحد الصونين وهو الملك وجب الضمان والأدب الرابعة فإذا اجتمع جماعة فاشتركوا في إخراج نصاب من حرزه فلا يخلو إما أن يكون بعضهم ممن يقدر على إخراجه أو لا إلا بتعاونهم فإذا كان الأول فاختلف فيه علماؤنا على قولين : أحدهما يقطع فيه والثاني لا يقطع فيه وبه قال أبو حنيفة والشافعي قالا : لا يقطع في السرقة المشتركون إلا بشرط أن يجب لكل واحد من حصته نصاب لقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا ( وكل واحد من هؤلاء لم يسرق نصابا فلا قطع عليهم ووجه القطع في إحدى الروايتين أن الإشتراك في الجناية لا يسقط عقوبتها كالإشتراك في القتل قال بن العربي : وما أقرب ما بينهما فإنا إنما قتلنا الجماعة بالواحد صيانة للدماء لئلا يتعاون على سفكها الأعداء فكذلك في الأموال مثله لا سيما وقد ساعدنا الشافعي على أن الجماعة إذا اشتركوا في قطع يد رجل قطعوا ولا فرق بينهما وإن كان الثاني وهو مما لا يمكن إخراجه إلا بالتعاون فإنه يقطع جميعهم بالإتفاق من العلماء ذكره بن العربي فإن اشتركوا في السرقة بأن نقب واحد الحرز وأخرج آخر فإن كانا متعاونين قطعا وإن انفرد كل منهما بفعله دون اتفاق بينهما بأن يجيء آخر فيخرج فلا قطع على واحد منهما وإن تعاونا في النقب وانفرد أحدهما بالإخراج فالقطع عليه خاصة وقال الشافعي : لا قطع لأن هذا نقب ولم يسرق والآخر سرق من حرز مهتوك الحرمة وقال أبو حنيفة : إن شارك في النقب ودخل وأخذ قطع ولا يشترط في الإشتراك في النقب التحامل على آلة واحدة بل التعاقب في الضرب تحصل به الشركة السادسة ولو دخل أحدهما فأخرج المتاع إلى باب الحرز فأدخل الآخر يده فأخذه فعليه القطع ويعاقب الأول وقال أشهب : : يقطعان وإن وضعه خارج الحرز فعليه القطع لا على الأخذ وإن وضعه في وسط النقب فأخذه الآخر والتقت أيديهما في النقب قطعا جميعا السابعة والقبر والمسجد حرز فيقطع النباش عند الأكثر وقال أبو حنيفة : لا قطع عليه لأنه سرق من غير حرز مالا معرضا للتلف لا مالك له لأن الميت لا يملك ومنهم من ينكر السرقة لأنه ليس فيه ساكن وإنما تكون السرقة بحيث تتقى الأعين ويتحفظ من الناس وعلى نفي السرقة عول أهل ما وراء النهر وقال الجمهور : هو سارق لأنه تدرع الليل لباسا واتقى الأعين وقصد وقتا لا ناظر فيه ولا مار عليه فكان بمنزلة ما لو سرق في وقت بروز الناس للعيد وخلو البلد من جميعهم وأما قولهم : إن القبر غير حرز فباطل لأن حرز كل شيء بحسب حاله الممكنة فيه وأما قولهم : إن الميت لا يملك فباطل أيضا لأنه لا يجوز ترك الميت عاريا فصارت هذه الحاجة قاضية بأن القبر حرز وقد نبه الله تعالى عليه بقوله : ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا المرسلات ليسكن فيها حيا ويدفن فيها ميتا وأما قولهم : إنه عرضة للتلف فكل ما يلبسه الحي أيضا معرض للتلف والإخلاق بلباسه إلا أن أحد الأمرين أعجل من الثاني وقد روى أبو داود عن أبي ذر قال : دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( كيف أنت إذا أصاب الناس موت يكون البيت فيه بالوصيف ( يعني القبر قلت : الله ورسوله أعلم قال : ( عليك بالصبر ( قال حماد : فبهذا قال من قال تقطع يد السارق لأنه دخل على الميت بيته وأما المسجد فمن سرق حصره قطع رواه عيسى عن بن القاسم وإن لم يكن للمسجد باب ورآها محرزة وإن سرق الأبواب قطع أيضا وروي عن بن القاسم أيضا إن كانت سرقته للحصر نهارا لم يقطع وإن كان تسور عليها ليلا قطع وذكر عن سحنون إن كانت حصره خيط بعضها إلى بعض قطع وإلا لم يقطع قال أصبغ : يقطع سارق حصر المسجد وقناديله وبلاطه كما لو سرق بابه مستسرا أو خشبة من سقفه أو من جوائزه وقال أشهب في كتاب محمد : لا قطع في شيء من حصر المسجد وقناديله وبلاطه الثامنة واختلف العلماء هل يكون غرم مع القطع أم لا فقال أبو حنيفة : لا يجتمع الغرم مع القطع بحال لأن الله سبحانه قال : ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله ) ولم يذكر غرما وقال الشافعي : يغرم قيمة السرقة موسرا كان أو معسرا وتكون دينا عليه إذا أيسر أداه وهو قول أحمد وإسحاق وأما علماؤنا مالك وأصحابه فقالوا : إن كانت العين قائمة ردها وإن تلفت فإن كان موسرا غرم وإن كان معسرا لم يتبع به دينا ولم يكن عليه شيء وروى مالك مثل ذلك عن الزهري قال الشيخ أبو إسحاق : وقد قيل إنه يتبع بها دينا مع القطع موسرا كان أو معسرا قال : وهو قول غير واحد من علمائنا من أهل المدينة واستدل على صحته بأنهما حقان لمستحقين فلا يسقط أحدهما الآخر كالدية والكفارة ثم قال : وبهذا أقول واستدل القاضي أبو الحسن للمشهور بقوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أقيم على السارق الحد فلا ضمان عليه ( وأسنده في كتابه وقال بعضهم : إن الإتباع بالغرم عقوبة والقطع عقوبة ولا تجتمع عقوبتان وعليه عول القاضي عبد الوهاب والصحيح قول الشافعي ومن وافقه قال الشافعي : يغرم السارق ما سرق موسرا كان أو معسرا قطع أو لم يقطع وكذلك إذا قطع الطريق قال : ولا يسقط الحد لله ما أتلف للعباد وأما ما احتج به علماؤنا من الحديث ( إذا كان معسرا ( فبه احتج الكوفيون وهو قول الطبري ولا حجة فيه رواه النسائي والدارقطني عن عبد الرحمن بن عوف قال أبو عمر : هذا حديث ليس بالقوي ولا تقوم به حجة وقال بن العربي : وهذا حديث باطل وقال الطبري : القياس أن عليه غرم ما استهلك ولكن تركنا ذلك اتباعا للأثر في ذلك قال أبو عمر : ترك القياس لضعيف الأثر غير جائز لأن الضعيف لا يوجب حكما التاسعة واختلف في قطع يد من سرق المال من الذي سرقه فقال علماؤنا : يقطع وقال الشافعي : لا يقطع لأنه سرق من غير مالك ومن غير حرز وقال علماؤنا : حرمة المالك عليه باقية لم تنقطع عنه ويد السارق كلا يد كالغاصب لو سرق منه المال المغصوب قطع فإن قيل : اجعلوا حرزه كلا حرز قلنا : الحرز قائم والملك قائم ولم يبطل الملك فيه فيقولوا لنا أبطلوا الحرز العاشرة واختلفوا إذا كرر السرقة بعد القطع في العين المسروقة فقال الأكثر : يقطع وقال أبو حنيفة : لا قطع عليه وعموم القرآن يوجب عليه القطع وهو يرد قوله وقال أبو حنيفة أيضا في السارق يملك الشيء المسروق بشراء أو هبة قبل القطع : فإنه لا يقطع والله تعالى يقول : ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) فإذا وجب القطع حقا لله تعالى لم يسقطه شيء الحادية عشرة قرأ الجمهور ( والسارق ) بالرفع قال سيبويه : المعنى وفيما فرض عليكم السارق والسارقة وقيل الرفع فيهما على الابتداء والخبر ( فاقطعوا أيديهما ) وليس القصد إلى معين إذ لو قصد معينا لوجب النصب تقول : زيدا اضربه بل هو كقولك : من سرق فاقطع يده قال الزجاج : وهذا القول هو المختار وقريء ( والسارق ) بالنصب فيهما على تقدير اقطعوا السارق والسارقة وهو اختيار سيبويه لأن الفعل بالأمر أولى قال سيبويه رحمه الله تعالى : الوجه في كلام العرب النصب كما تقول : زيدا اضربه ولكن العامة أبت إلا الرفع يعني عامة القراء وجلهم فأنزل سيبويه النوع السارق منزلة الشخص المعين وقرأ بن مسعود ( والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم ) وهو يقوي قراءة الجماعة والسرق والسرقة بكسر الراء فيهما هو اسم الشيء المسروق والمصدر من سرق يسرق سرقا بفتح الراء قاله الجوهري وأصل هذا اللفظ إنما هو أخذ الشيء في خفية من الأعين ومنه استرق السمع وسارقه النظر قال بن عرفة : السارق عند العرب هو من جاء مستترا إلى حرز فأخذ منه ما ليس له فإن أخذ من ظاهر فهو مختلس ومستلب ومنتهب ومحترس فإن تمنع بما في يده فهو غاصب قلت : وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وأسوأ السرقة الذي يسرق صلاته ( قالوا : وكيف يسرق صلاته قال : ( لا يتم ركوعها ولا سجودها ( خرجه الموطأ وغيره فسماه سارقا وإن كان ليس سارقا من حيث هو موضع الاشتقاق فإنه ليس فيه مسارقة الأعين غالبا الثانية عشرة قوله تعالى : ( فاقطعوا ) القطع معناه الإبانة والإزالة ولا يجب إلا بجمع أوصاف تعتبر في السارق وفي الشيء المسروق وفي الموضع المسروق منه وفي صفته فأما ما يعتبر في السارق فخمسة أوصاف وهي البلوغ والعقل وأن يكون غير مالك للمسروق منه وألا يكون له عليه ولاية فلا يقطع العبد وماله لسيده ولم يقطع أحد بأخذ مال عبده لأنه آخذ لماله وسقط قطع العبد بإجماع الصحابة وبقول الخليفة : غلامكم سرق متاعكم وذكر الدارقطني عن بن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ليس على العبد الآبق إذا سرق قطع ولا على الذمي ( قال : لم يرفعه غير فهد بن سليمان والصواب أنه موقوف وذكر بن ماجة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا سرق العبد فبيعوه ولو بنش ( أخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة عن أبي عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة قال بن ماجة : وحدثنا جبارة بن المغلس حدثنا حجاج بن تميم عن ميمون بن مهران عن بن عباس أن عبدا من رقيق الخمس سرق من الخمس فرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقطعه وقال : ( مال الله سرق بعضه بعضا ( وجبارة بن المغلس متروك قاله أبو زرعة الرازي ولا قطع على صبي ولا مجنون ويجب على الذمي والمعاهد والحربي إذا دخل بأمان وأما ما يعتبر في الشيء المسروق فاربعة أوصاف وهي النصاب وقد مضى القول فيه وأن يكون مما يتمول ويتملك ويحل بيعه وإن كان مما لا يتمول ولا يحل بيعه كالخمر والخنزير فلا يقطع فيه باتفاق حاشا الحر الصغير عند مالك وبن القاسم وقيل : لا قطع عليه وبه قال الشافعي وأبو حنيفة لأنه ليس بمال وقال علماؤنا : هو من أعظم المال ولم يقطع السارق في المال لعينه وإنما قطع لتعلق النفوس به وتعلقها بالحر أكثر من تعلقها بالعبد وإن كان مما يجوز تملكه ولا يجوز بيعه كالكلب المأذون في اتخاذه ولحوم الضحايا ففي ذلك اختلاف بين بن القاسم وأشهب قال بن القاسم : ولا يقطع سارق الكلب وقال أشهب : ذلك في المنهي عن اتخاذه فأما المأذون في اتخاذه فيقطع سارقه قال : ومن سرق لحم أضحية أو جلدها قطع إذا كان قيمة ذلك ثلاثة دراهم وقال بن حبيب قال أصبغ : إن سرق الأضحية قبل الذبح قطع وأما إن سرقها بعد الذبح فلا يقطع وإن كان مما يجوز اتخاذ أصله وبيعه فصنع منه ما لا يجوز استعماله كالطنبور والملاهي من المزمار والعود وشبهه من آلات اللهو فينظر فإن كان يبقى منها بعد فساد صورها وإذهاب المنفعة المقصودة بها ربع دينار فأكثر قطع وكذلك الحكم في أواني الذهب والفضة التي لا يجوز استعمالها ويؤمر بكسرها فإنما يقوم ما فيها من ذهب أو فضة دون صنعة وكذلك الصليب من ذهب أو فضة والزيت النجس إن كانت قيمته على نجاسته نصابا قطع فيه الوصف الثالث ألا يكون للسارق فيه ملك كمن سرق ما رهنه أو ما استأجره ولا شبهة ملك على اختلاف بين علمائنا وغيرهم في مراعاة شبهة ملك كالذي يسرق من المغنم أو من بيت المال لأن له فيه نصيبا وروي عن علي رضي الله عنه أنه أتى برجل سرق مغفرا من الخمس فلم ير عليه قطعا وقال : له فيه نصيب وعلى هذا مذهب الجماعة في بيت المال وقيل : يجب عليه القطع تعلقا بعموم لفظ آية السرقة وأن يكون مما تصح سرقته كالعبد الصغير والأعجمي الكبير لأن ما لا تصح سرقته كالعبد الفصيح فإنه لا يقطع فيه وأما ما يعتبر في الموضع المسروق منه فوصف واحد وهو الحرز لمثل ذلك الشيء المسروق وجملة القول فيه أن كل شيء له مكان معروف فمكانه حرزه وكل شيء معه حافظ فحافظه حرزه فالدور والمنازل والحوانيت حرز لما فيها غاب عنها أهلها أو حضروا وكذلك بيت المال حرز لجماعة المسلمين والسارق لا يستحق فيه شيئا وإن كان قبل السرقة ممن يجوز أن يعطيه الإمام وإنما يتعين حق كل مسلم بالعطية ألا ترى أن الإمام قد يجوز أن يصرف جميع المال إلى وجه من وجوه المصالح ولا يفرقه في الناس أو يفرقه في بلد دون بلد آخر ويمنع منه قوما دون قوم ففي التقدير أن هذا السارق ممن لا حق له فيه وكذلك المغانم لا تخلو : أن تتعين بالقسمة فهو ما ذكرناه في بيت المال أو تتعين بنفس التناول لمن شهد الوقعة فيجب أن يراعى قدر ما سرق فإن كان فوق حقه قطع وإلا لم يقطع الرابعة عشرة وظهور الدواب حرز لما حملت وأفنية الحوانيت حرز لما وضع فيها في موقف البيع وإن لم يكن هناك حانوت كان معه أهله أم لا سرقت بليل أو نهار وكذلك موقف الشاة في السوق مربوطة أو غير مربوطة والدواب على مرابطها محرزة كان معها أهلها أم لا فإن كانت الدابة بباب المسجد أو في السوق لم تكن محرزة إلا أن يكون معها حافظ ومن ربطها بفنائه أو اتخذ موضعا مربطا لدوابه فإنه حرز لها والسفينة حرز لما فيها وسواء كانت سائبة أو مربوطة فإن سرقت السفينة نفسها فهي كالدابة إن كانت سائبة فليست بمحرزة وإن كان صاحبها ربطها في موضع وأرساها فيه فربطها حرز وهكذا إن كان معها أحد حيثما كانت فهي محرزة كالدابة بباب المسجد معها حافظ إلا أن ينزلوا بالسفينة في سفرهم منزلا فيربطوها فهو حرز لها كان صاحبها معها أم لا الخامسة عشرة ولا خلاف أن الساكنين في دار واحدة كالفنادق التي يسكن كل رجل بيته على حدة يقطع من سرق منهم من بيت صاحبه إذا أخذ وقد خرج بسرقته إلى قاعة الدار وإن لم يدخل بها بيته ولا خرج بها من الدار ولا خلاف في أنه لا يقطع من سرق منهم من قاعة الدار شيئا وإن أدخله بيته أو أخرجه من الدار لأن قاعتها مباحة للجميع للبيع والشراء إلا أن تكون دابة في مربطها أو ما يشبهها من المتاع السادسة عشرة ولا يقطع الأبوان بسرقة مال ابنهما لقوله عليه السلام : ( أنت ومالك لأبيك ( ويقطع في سرقة مالهما لأنه لا شبهة له فيه وقيل : لا يقطع وهو قول بن وهب وأشهب لأن الابن ينبسط في مال أبيه في العادة ألا ترى أن العبد لا يقطع في مال سيده فلأن لا يقطع ابنه في ماله أولى واختلفوا في الجد فقال مالك وبن القاسم : لا يقطع وقال أشهب : يقطع وقول مالك أصح لأنه أب قال مالك : أحب إلى ألا يقطع الاجداد من قبل الأب والأم وإن لم تجب لهم نفقة قال بن القاسم وأشهب : ويقطع من سواهما من القرابات قال بن القاسم : ولا يقطع من سرق من جوع إصابه وقال أبو حنيفه : لا قطع على أحد من ذوي المحارم مثل العمة والخالة والأخت وغيرهم وهو قول الثوري وقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق : يقطع من سرق من هؤلاء وقال أبو ثور يقع كل سارق سرق ما تقطع فيه اليد إلا أن يجمعوا على شيء فيسلم للإجماع والله أعلم السابعة عشرة واختلفوا في سارق المصحف فقال الشافعي وأبو يوسف وأبو ثور : يقطع إذا كانت قيمته ما تقطع فيه اليد وبه قال بن القاسم وقال النعمان : لا يقطع من سرق مصحفا قال بن المنذر : يقطع سارق المصحف واختلفوا في الطرار يطر النفقة من الكم فقالت طائفة : يقطع من طر من داخل الكم أو من خارج وهو قول مالك والأوزاعي وأبي ثور ويعقوب وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن وإسحاق : إن كانت الدراهم مصرورة في ظاهر كمه فطرها فسرقها لم يقطع وإن كانت مصرورة إلى داخل الكم فأدخل يده فسرقها قطع وقال الحسن : يقطع قال بن المنذر : يقطع على أي جهة طر الثامنة عشرة واختلفوا في قطع اليد في السفر وإقامة الحدود في أرض الحرب فقال مالك والليث بن سعد : تقام الحدود في أرض الحرب ولا فرق بين دار الحرب والإسلام وقال الأوزاعي : يقيم من غزا على جيش وإن لم يكن أمير مصر من الأمصار الحدود في عسكره غير القطع وقال أبو حنيفة : إذا غزا الجند أرض الحرب وعليهم أمير فإنه لا يقيم الحدود في عسكره إلا أن يكون إمام مصر أو الشام أو العراق أو ما أشبهه فيقيم الحدود في عسكره استدل الأوزاعي ومن قال بقوله بحديث جنادة بن أبي أمية قال : كنا مع بسر بن أرطاة في البحر فأتي بسارق يقال له مصدر قد سرق بختية فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا تقطع الأيدي في الغزو ( ولولا ذلك لقطعته بسر هذا يقال ولد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وكانت له أخبار سوء في جانب علي وأصحابه وهو الذي ذبح طفلين لعبد الله بن العباس ففقدت أمهما عقلها فهامت على وجهها فدعا عليه علي رضي الله عنه أن يطيل الله عمره ويذهب عقله فكان كذلك قال يحيى بن معين : كان بسر بن أرطاة رجل سوء استدل من قال بالقطع بعموم القرآن وهو الصحيح إن شاء الله تعالى وأولى ما يحتج به لمن منع القطع في أرض الحرب والحدود : مخافة أن يلحق ذلك بالشرك والله أعلم التاسعة عشرة فإذا قطعت اليد أو الرجل فإلى أين تقطع فقال الكافة : تقطع من الرسغ والرجل من المفصل ويحسم الساق إذا قطع وقال بعضهم : يقطع إلى المرفق وقيل : إلى المنكب لأن اسم اليد يتناول ذلك وقال علي رضي الله عنه : تقطع الرجل من شطر القدم ويترك له العقب وبه قال أحمد وأبو ثور قال بن المنذر : وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقطع يد رجل فقال : ( احسموها ( وفي إسناده مقال واستحب ذلك جماعة منهم الشافعي وأبو ثور وغيرهما وهذا أحسن وهو أقرب إلى البرء وأبعد من التلف الموفية عشرين لا خلاف أن اليمنى هي التي تقطع أولا ثم اختلفوا إن سرق ثانية فقال مالك وأهل المدينة والشافعي وأبو ثور وغيرهم : تقطع رجله اليسرى ثم في الثالثة يده اليسرى ثم في الرابعة رجله اليمنى ثم إن سرق خامسة يعزر ويحبس وقال أبو مصعب من علمائنا : يقتل بعد الرابعة واحتج بحديث خرجه النسائي عن الحارث بن حاطب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بلص فقال : ( اقتلوه ( فقالوا : يا رسول الله إنما سرق قال : ( اقتلوه ( قالوا : يا رسول إنما سرق قال : ( اقطعوا يده ( قال : ثم سرق فقطعت رجله ثم سرق على عهد أبي بكر رضي الله عنه حتى قطعت قوائمه كلها ثم سرق أيضا الخامسة فقال أبو بكر رضي الله عنه : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بهذا حين قال : ( اقتلوه ( ثم دفعه إلى فتية من قريش ليقتلوه منهم عبد الله بن الزبير وكان يحب الإمارة فقال : أمروني عليكم فأمروه عليهم فكان إذا ضرب ضربوه حتى قتلوه وبحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بسارق في الخامسة فقال : ( اقتلوه ( قال جابر : فانطلقنا به فقتلناه ثم اجتررناه فرميناه في بئر ورمينا عليه الحجارة رواه أبو داود وخرجه النسائي وقال : هذا حديث منكر وأحد رواته ليس بالقوي ولا أعلم في هذا الباب حديثا صحيحا قال بن المنذر : ثبت عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أنهما قطعا اليد بعد اليد والرجل بعد الرجل وقيل : تقطع في الثانية رجله اليسرى ثم لا قطع في غيرها ثم إذا عاد عزر وحبس وروي عن علي بن أبي طالب وبه قال الزهري وحماد بن أبي سليمان وأحمد بن حنبل قال الزهري : لم يبلغنا في السنة إلا قطع اليد والرجل وقال عطاء : تقطع يده اليمنى خاصة ولا يعود عليه القطع : ذكره بن العربي وقال : أما قول عطاء فإن الصحابة قالوا قبله خلافه الحادية والعشرون واختلفوا في الحاكم يأمر بقطع يد السارق اليمنى فتقطع يساره فقال قتادة : قد أقيم عليه الحد ولا يزاد عليه وبه قال مالك : إذا أخطأ القاطع فقطع شماله وبه قال أصحاب الرأي استحسانا وقال أبو ثور : على الحزاز الدية لأنه أخطأ وتقطع يمينه إلا أن يمنع بإجماع قال بن المنذر : ليس يخلو قطع يسار السارق من أحد معنيين إما أن يكون القاطع عمد ذلك فعليه القود أو يكون أخطأ فديته على عاقلة القاطع وقطع يمين السارق يجب ولا يجوز إزالة ما أوجب الله سبحانه بتعدي معتد أو خطأ مخطيء وقال الثوري في الذي يقتص منه في يمينه فيقدم شماله فتقطع قال : تقطع يمينه أيضا قال بن المنذر : وهذا صحيح وقالت طائفة : تقطع يمينه إذا بريء وذلك أنه هو أتلف يساره ولا شيء على القاطع في قول أصحاب الرأي وقياس قول الشافعي وتقطع يمينه إذا برئت وقال قتادة والشعبي : لا شيء على القاطع وحسبه ما قطع منه الثانية والعشرون وتعلق يد السارق في عنقه قال عبد الله بن محيريز سألت فضالة عن تعليق يد السارق في عنقه أمن السنة هو فقال : جيء رسول الله بسارق فقطعت يده ثم أمر بها فعلقت في عنقه أخرجه الترمذي وقال : حديث حسن غريب وأبو داود والنسائي الثالثة والعشرون إذا وجب حد السرقة فقتل السارق رجلا فقال مالك : يقتل ويدخل القطع فيه وقال الشافعي : يقطع ويقتل لأنهما حقان لمستحقين فوجب أن يوفي لكل واحد منهما حقه وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى وهو إختيار بن العربي الرابعة والعشرون قوله تعالى : ( أيديهما ) لما قال ( أيديهما ) ولم يقل يديهما تكلم علماء اللسان في ذلك قال بن العربي : وتابعهم الفقهاء على ما ذكروه حسن ظن بهم فقال الخليل بن أحمد والفراء : كل شيء يوجد من خلق الإنسان إذا أضيف إلى اثنين جمع تقول : هشمت رءوسهما وأشبعت بطونهما وإن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما التحريم ولهذا قال : ( فاقطعوا أيديهما ) ولم يقل يديهما والمراد فاقطعوا يمينا من هذا ويمينا من هذا ويجوز في اللغة فاقطعوا يديهما وهو الأصل وقد قال الشاعر فجمع بين اللغتين : ومهمهين قذفين مرتين ظهراهما مثل ظهور الترسين وقيل : فعل هذا لإنه لا يشكل وقال سيبويه : إذا كان مفردا قد يجمع إذا أردت به التثنية وحكي عن العرب وضعا رحالهما ويريد به رحلي راحلتيهما قال بن العربي : وهذا بناء على أن اليمين وحدها هي التي تقطع وليس كذلك بل تقطع الأيدي والأرجل فيعود قوله ( أيديهما ) إلى أربعة وهي جمع في الاثنين وهما تثنية فيأتي الكلام على فصاحته ولو قال : فاقطعوا أيديهم لكان وجها لأن السارق والسارقة لم يرد بهما شخصين خاصة وإنما هما اسما جنس يعمان ما لا يحصى الخامسة والعشرون قوله تعالى : ( جزاء بما كسبا ) مفعول من أجله وإن شئت كان مصدرا وكذا ( نكالا من الله ) يقال : نكلت به إذا فعلت به ما يوجب أن ينكل به عن ذلك الفعل ( والله عزيز ) لا يغالب ( حكيم ) فيما يفعله وقد تقدم السادسة والعشرون قوله تعالى : <

Section V06/P173–V06/P175

> ( المائده 39 ) < > ( فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح ) شرط وجوابه ( فإن الله يتوب عليه ) ومعنى ( من بعد ظلمه ) من بعد السرقة فإن الله يتجاوز عنه والقطع لا يسقط بالتوبة وقال عطاء وجماعة : يسقط بالتوبة قبل القدرة على السارق وقاله بعض الشافعية وعزاه إلى الشافعي قولا وتعلقوا بقول الله تعالى : ( إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ) وذلك استثناء من الوجوب فوجب حمل جميع الحدود عليه وقال علماؤنا : هذا بعينه دليلنا لأن الله سبحانه وتعالى لما ذكر حد المحارب قال : ( إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ) وعطف عليه حد السارق وقال فيه : ( فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه ) فلو كان مثله في الحكم ما غاير الحكم بينهما قال بن العربي : ويا معشر الشافعية سبحان الله أين الدقائق الفقهية والحكم الشرعية التي تستنبطونها من غوامض المسائل ألم تروا إلى المحارب المستبد بنفسه المعتدي بسلاحه الذي يفتقر الإمام معه إلى الإيجاف بالخيل والركاب كيف أسقط جزاءه بالتوبة استنزالا عن تلك الحالة كما فعل بالكافر في مغفرة جميع ما سلف إستئلافا على الإسلام فأما السارق والزاني وهما في قبضة المسلمين وتحت حكم الإمام فما الذي يسقط عنهم حكم ما وجب عليهم أو كيف يجوز أن يقال : يقاس على المحارب وقد فرقت بينهما الحكمة والحالة هذا ما لا يليق بمثلكم يا معشر المحققين وإذا ثبت أن الحد لا يسقط بالتوبة فالتوبة مقبولة والقطع كفارة له ( وأصلح ) أي كما تاب عن السرقة تاب عن كل ذنب وقيل : ( وأصلح ) أي ترك المعصية بالكلية فأما من ترك السرقة بالزني أو التهود بالتنصر فهذا ليس بتوبة وتوبة الله على العبد أن يوفقه للتوبة وقيل : أن تقبل منه التوبة السابعة والعشرون يقال : بدأ الله بالسارق في هذه الآية قبل السارقة وفي الزني بالزانية قبل الزاني ما الحكمة في ذلك فالجواب أن يقال : لما كان حب المال على الرجال أغلب وشهوة الاستمتاع على النساء أغلب بدأ بهما في الموضعين هذا أحد الوجوه في المرأة على ما يأتي بيانه في سورة النور من البداية بها على الزاني إن شاء الله ثم جعل الله حد السرقة قطع اليد لتناول المال ولم يجعل حد الزنى قطع الذكر مع مواقعة الفاحشة به لثلاثة معان : أحدها أن للسارق مثل يده التي قطعت فإن انزجر بها اعتاض بالثانية وليس للزاني مثل ذكره إذا قطع فلم يعتض بغيره لو انزجر بقطعه الثاني إن الحد زجر للمحدود وغيره وقطع اليد في السرقة ظاهر : وقطع الذكر في الزنى باطن الثالث إن قطع الذكر فيه إبطال للنسل وليس في قطع اليد إبطاله والله أعلم < < المائدة : ( 40 ) ألم تعلم أن . . . . . > > < > ( المائده 40 ) < > قوله تعالى : ( ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض ) الآية خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وغيره أي لا قرابة بين الله تعالى وبين أحد توجب المحاباة حتى يقول قائل : نحن أبناء الله وأحباؤه والحدود تقام على كل من يقارف موجب الحد وقيل : أي له أن يحكم بما يريد فلهذا فرق بين المحارب وبين السارق غير المحارب وقد تقدم نظائر هذه الآية والكلام فيها فلا معنى لإعادتها والله الموفق هذا ما يتعلق بآية السرقة من بعض أحكام السرقة والله أعلم < < المائدة : ( 41 ) يا أيها الرسول . . . . . > > < > ( المائده 41 ) <

Section V06/P175–V06/P181

> فيه ثمان مسائل : الأولى قوله تعالى : ( يا أيها الرسول لا يحزنك ) الآية في سبب نزولها ثلاثة أقوال : قيل : نزلت في بني قريظة والنضير قتل قرظي نضيريا وكان بنو النضير إذا قتلوا من بني قريظة لم يقيدوهم وإنما يعطونهم الدية على ما يأتي بيانه فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحكم بالتسوية بين القرظي والنضيري فساءهم ذلك ولم يقبلوا وقيل إنها نزلت في شأن أبي لبابة حين أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة فخانه حين أشار إليهم أنه الذبح وقيل : إنها نزلت في زنى اليهوديين وقصة الرجم وهذا أصح الأقوال رواه الأئمة مالك والبخاري ومسلم والترمذي وأبو داود قال أبو داود عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم : ( ائتوني بأعلم رجلين منكم ( فجاؤوا بابني صوريا فنشدهما الله تعالى ( كيف تجدان أمر هذين في التوراة ( قالا : نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها كالمرود في المكحلة رجما قال : ( فما يمنعكما أن ترجموهما ( قالا : ذهب سلطاننا فكرهنا القتل فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بالشهود فجاؤوا فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمهما وفي غير الصحيحين عن الشعبي عن جابر بن عبد الله قال : زنى رجل من أهل فدك فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود بالمدينة أن سلوا محمدا عن ذلك فإن أمركم بالجلد فخذوه وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوه فسألوه فدعا بابن صوريا وكان عالمهم وكان أعور فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنشدك الله كيف تجدون حد الزاني في كتابكم ( فقال بن صوريا : فأما إذ ناشدتني الله فإنا نجد في التوراة أن النظر زنية والاعتناق زنية والقبلة زنية فإن شهد أربعة بأنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة فقد وجب الرجم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( هو ذاك ( وفي صحيح مسلم عن البراء بن عازب قال : مر على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محمما مجلودا فدعاهم فقال : ( هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ( قالوا : نعم فدعا رجلا من علمائهم فقال : ( أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ( قال : لا ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك نجده الرجم ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد قلنا : تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه ( فأمر به فرجم فأنزل الله تعالى : ( يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ) إلى قوله : ( إن أوتيتم هذا فخذوه ) يقول : ائتوا محمدا فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا فأنزل الله عز وجل ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) في الكفار كلها هكذا في هذه الرواية ( مر على النبي صلى الله عليه وسلم ( وفي حديث بن عمر : أتي بيهودي ويهودية قد زنيا فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء يهود قال : ( ما تجدون في التوراة على من زنى ( الحديث وفي رواية أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل وامرأة قد زنيا وفي كتاب أبي داود من حديث بن عمر قال : أتى نفر من اليهود فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القف فأتاهم في بيت المدراس فقالوا : يا أبا القاسم إن رجلا منا زنى بامرأة فاحكم بيننا ولا تعارض في شيء من هذا كله وهي كلها قصة واحدة وقد ساقها أبو داود من حديث أبي هريرة سياقة حسنة فقال : زنى رجل من اليهود وامرأة فقال بعضهم لبعض : اذهبوا بنا إلى هذا النبي فأنه نبي بعث بالتخفيفات فإن أفتى بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله وقلنا فتيا نبي من أنبيائك قال : فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد في أصحابه فقالوا : يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا فلم يكلمهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى أتى بيت مدراسهم فقام على الباب فقال : ( أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن ( فقالوا : يحمم وجهه ويجبه ويجلد والتجبية أن يحمل الزانيان على حمار وتقابل أقفيتهما ويطاف بهما قال : وسكت شاب منهم فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم سكت ألظ به النشدة فقال : اللهم إذ نشدتنا فإنا نجد في التوراة الرجم وساق الحديث إلى أن قال قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( فإني أحكم بما في التوراة ( فأمر بهما فرجما الثانية والحاصل من هذه الروايات أن اليهود حكمت النبي صلى الله عليه وسلم فحكم عليهم بمقتضى ما في التوراة واستند في ذلك إلى قول ابني صوريا وأنه سمع شهادة اليهود وعمل بها وأن الإسلام ليس شرطا في الإحصان فهذه مسائل أربع فإذا ترافع أهل الذمة إلى الإمام فإن كان ما رفعوه ظلما كالقتل والعدوان والغصب حكم بينهم ومنعهم منه بلا خلاف وأما إذا لم يكن كذلك فالإمام مخير في الحكم بينهم وتركه عند مالك والشافعي غير أن مالكا رأى الأعراض عنهم أولى فإن حكم حكم بينهم بحكم الإسلام وقال الشافعي : لا يحكم بينهم في الحدود وقال أبو حنيفة : يحكم بينهم على كل حال وهو قول الزهري وعمر بن عبد العزيز والحكم وروي عن بن عباس وهو أحد قولي الشافعي لقوله تعالى : ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) على ما يأتي بيانه بعد احتج مالك بقوله تعالى : ( فإن جاءوك فاحكم بينهم أو اعرض عنهم ) وهي نص في التخيير قال بن القاسم : إذا جاء الأساقفة والزانيان فالحاكم مخير لأن إنفاذ الحكم حق للأساقفة والمخالف يقول : لا يلتفت إلى الأساقفة قال بن العربي : وهو الأصح لأن مسلمين لو حكما بينهما رجلا لنفذ ولم يعتبر رضا الحاكم فالكتابيون بذلك أولى وقال عيسى عن بن القاسم : لم يكونوا أهل ذمة إنما كانوا أهل حرب قال بن العربي : وهذا الذي قاله عيسى عنه إنما نزع به لما رواه الطبري وغيره : أن الزانيين كانا من أهل خيبر أو فدك وكانوا حربا لرسول الله صلى الله عليه وسلم واسم المرأة الزانية بسرة وكانوا بعثوا إلى يهود المدينة يقولون لهم اسألوا محمدا عن هذا فإن أفتاكم بغير الرجم فخذوه منه واقبلوه وإن أفتاكم به فاحذروه الحديث قال بن العربي : وهذا لو كان صحيحا لكان مجيئهم بالزانيين وسؤالهم عهدا وأمانا وإن لم يكن عهد وذمة ودار لكان له حكم الكف عنهم والعدل فيهم فلا حجة لرواية عيسى في هذا وعنهم أخبر الله تعالى بقوله : ( سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك ) ولما حكموا النبي صلى الله عليه وسلم نفذ الحكم عليهم ولم يكن لهم الرجوع فكل من حكم رجلا في الدين وهي : الثالثة فأصله هذه الآية قال مالك : إذا حكم رجل رجلا فحكمه ماض وإن رفع إلى قاض أمضاه إلا أن يكون جورا بينا وقال سحنون : يمضيه إن رآه صوابا قال بن العربي : وذلك في الأموال والحقوق التي تختص بالطالب فأما الحدود فلا يحكم فيها إلا السلطان والضابط أن كل حق اختص به الخصمان جاز التحكيم فيه ونفذ تحكيم المحكم فيه وتحقيقه أن التحكيم بين الناس إنما هو حقهم لا حق الحاكم بيد أن الاسترسال على التحكيم خرم لقاعدة الولاية ومؤد إلى تهارج الناس كتهارج الحمر فلا بد من فاصل فأمر الشرع بنصب الوالي ليحسم قاعدة الهرج وأذن في التحكيم تخفيفا عنه وعنهم في مشقة الترافع لتتم المصلحتان وتحصل الفائدة وقال الشافعي وغيره : التحكيم جائز وإنما هو فتوى وقال بعض العلماء : إنما كان حكم النبي صلى الله عليه وسلم على اليهود بالرجم إقامة لحكم كتابهم لما حرفوه وأخفوه وتركوا العمل به ألا ترى أنه قال : ( اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه ( وأن ذلك كان حين قدم المدينة ولذلك استثبت ابني صوريا عن حكم التوراة واستحلفهما على ذلك وأقوال الكفار في الحدود وفي شهادتهم عليها غير مقبولة بالإجماع لكن فعل ذلك على طريق إلزامهم ما التزموه وعملوا به وقد يحتمل أن يكون حصول طريق العلم بذلك الوحي أو ما ألقى الله في روعه من تصديق ابني صوريا فيما قالاه من ذلك لا قولهما مجردا فبين له النبي صلى الله عليه وسلم وأخبر بمشروعية الرجم ومبدؤه ذلك الوقت فيكون أفاد بما فعله إقامة حكم التوراة وبين أن ذلك حكم شريعته وأن التوراة حكم الله سبحانه لقوله تعالى : ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا ) وهو من الأنبياء وقد قال عنه أبو هريرة : ( فإني أحكم بما في التوراة ( والله أعلم الرابعة والجمهور على رد شهادة الذمي لأنه ليس من أهلها فلا تقبل على مسلم ولا على كافر وقد قبل شهادتهم جماعة من التابعين وغيرهم إذا لم يوجد مسلم على ما يأتي بيانه آخر السورة فإن قيل : فقد حكم بشهادتهم ورجم الزانيين : فالجواب أنه إنما نفذ عليهم ما علم أنه حكم التوراة وألزمهم العمل به على نحو ما عملت به بنو إسرائيل إلزاما للحجة عليهم وإظهارا لتحريفهم وتغييرهم فكان منفذا لا حاكما وهذا على التأويل الأول وعلى ما ذكر من الاحتمال فيكون ذلك خاصا بتلك الواقعة إذ لم يسمع في الصدر الأول من قبل شهادتهم في مثل ذلك والله أعلم الخامسة قوله تعالى : ( لا يحزنك ) قرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي والباقون بفتح الياء وضم الزاي والحزن والحزن خلاف السرور وحزن الرجل بالكسر فهو حزن وحزين وأحزنه غيره وحزنه أيضا مثل أسلكه وسلكه ومحزون بني عليه قال اليزيدي : حزنه لغة قريش وأحزنه لغة تميم وقد قرئ بهما واحتزن وتحزن بمعنى والمعنى في الآية تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم : أي لا يحزنك مسارعتهم إلى الكفر فإن الله قد وعدك النصر عليهم السادسة قوله تعالى : ( من الذين قالوا آمنا بأفواههم ) وهم المنافقون ( ولم تؤمن قلوبهم ) أي لم يضمروا في قلوبهم الإيمان كما نطقت به ألسنتهم ( ومن الذين هادوا ) يعني يهود المدينة ويكون هذا تمام الكلام ثم ابتدأ فقال : ( سماعون للكذب ) أي هم سماعون ومثله طوافون عليكم وقيل الابتداء من قوله : ( ومن الذين هادوا ) أي ومن الذين هادوا قوم سماعون للكذب أي قابلون لكذب رؤسائهم من تحريف التوراة وقيل : أي يسمعون كلامك يا محمد ليكذبوا عليك فكان فيهم من يحضر النبي صلى الله عليه وسلم ثم يكذب عليه عند عامتهم ويقبح صورته في أعينهم وهو معنى قوله : ( سماعون لقوم آخرين لم يأتوك ) وكان في المنافقين من يفعل هذا قال الفراء : ويجوز سماعين وطوافين كما قال : ملعونين أينما ثقفوا وكما قال : إن المتقين في جنات ونعيم الطور ثم قال : فاكهين آخذين وقال سفيان بن عيينة : إن الله سبحانه ذكر الجاسوس في القرآن بقوله : ( سماعون لقوم آخرين لم يأتوك ) ولم يعرض النبي صلى الله عليه وسلم لهم مع علمه بهم لأنه لم يكن حينئذ تقررت الأحكام ولا تمكن الإسلام وسيأتي حكم الجاسوس في الممتحنة إن شاء الله تعالى السابعة قوله تعالى : ( يحرفون الكلم من بعد مواضعه ) أي يتأولونه على غير تأويله بعد أن فهموه عنك وعرفوا مواضعه التي أرادها الله عز وجل وبين أحكامه فقالوا شرعه ترك الرجم وجعلهم بدل رجم المحصن جلد أربعين تغييرا لحكم الله عز وجل و ( يحرفون ) في موضع الصفة لقوله ( سماعون ) وليس بحال من الضمير الذي في ( يأتوك ) لأنهم إذا لم يأتوا لم يسمعوا والتحريف إنما هو ممن يشهد ويسمع فيحرف والمحرفون من اليهود بعضهم لا كلهم ولذلك كان حمل المعنى على ( من الذين هادوا ) فريق سماعون أشبه ( يقولون ) في موضع الحال من المضمر في ( يحرفون ) ( إن أوتيتم هذا فخذوه ) أي إن أتاكم محمد صلى الله عليه وسلم بالجلد فاقبلوا وإلا فلا الثامنة قوله تعالى : ( ومن يرد الله فتنته ) أي ضلالته في الدنيا وعقوبته في الآخرة ( فلن تملك له من الله شيئا ) أي فلن تنفعهم ( أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ) بيان منه عز وجل أنه قضى عليهم بالكفر ودلت الآية على أن الضلال بمشيئة الله تعالى ردا على من قال خلاف ذلك على ما تقدم أي لم يرد الله أن يطهر قلوبهم من الطبع عليها والختم كما طهر قلوب المؤمنين ثوابا لهم ( لهم في الدنيا خزي ) قيل : هو فضيحتهم حين أنكروا الرجم ثم أحضرت التوراة فوجد فيها الرجم وقيل : خزيهم في الدنيا أخذ الجزية والذل والله أعلم < <

Section V06/P181

المائدة : ( 42 ) سماعون للكذب أكالون . . . . . > > < > ( المائده 42 ) <

Section V06/P181–V06/P186

> فيه مسئلتان : الأولى قوله تعالى : ( سماعون للكذب ) كرره تأكيدا وتفخيما وقد تقدم الثانية قوله تعالى : ( أكالون للسحت ) على التكثير والسحت في اللغة أصله الهلاك والشدة قال الله تعالى فيسحتكم بعذاب وقال الفرزدق وعض زمان يا بن مروان لم يدع من المال إلا مسحتا أو مجلف كذا الرواية أو مجلف بالرفع عطفا على المعنى لأن معنى لم يدع لم يبق ويقال للحالق : أسحت أي استأصل وسمي المال الحرام سحتا لأنه يسحت الطاعات أي يذهبها ويستأصلها وقال الفراء : أصله كلب الجوع يقال : رجل مسحوت المعدة أي أكول فكان بالمسترشي وآكل الحرام من الشره إلى ما يعطى مثل الذي بالمسحوت المعدة من النهم وقيل : سمي الحرام سحتا لأنه يسحت مروءة الإنسان قلت : والقول الأول أولى لأن بذهاب الدين تذهب المروءة ولا مروءة لمن لا دين له قال بن مسعود وغيره : السحت الرشا وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : رشوة الحاكم من السحت وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( كل لحم نبت بالسحت فالنار أولى به ( قالوا : يا رسول الله وما السحت قال : ( الرشوة في الحكم ( وعن بن مسعود أيضا أنه قال : السحت أن يقضي الرجل لأخيه حاجة فيهدي إليه هدية فيقبلها وقال بن خويز منداد : من السحت أن يأكل الرجل بجاهه وذلك أن يكون له جاه عند السلطان فيسأله إنسان حاجة فلا يقضيها إلا برشوة يأخذها ولا خلاف بين السلف أن أخذ الرشوة على إبطال حق أو ما لا يجوز سحت حرام وقال أبو حنيفة : إذا ارتشى الحاكم انعزل في الوقت وإن لم يعزل وبطل كل حكم حكم به بعد ذلك قلت : وهذا لا يجوز أن يختلف فيه إن شاء الله لأن أخذ الرشوة منه فسق والفاسق لا يجوز حكمه والله أعلم وقال عليه الصلاة والسلام : ( لعن الله الراشي والمرتشي ( وعن علي رضي الله عنه أنه قال : السحت الرشوة وحلوان الكاهن والاستجعال في القضية وروي عن وهب بن منبه أنه قيل له : الرشوة حرام في كل شيء فقال : لا إنما يكره من الرشوة أن ترشي لتعطى ما ليس لك أو تدفع حقا قد لزمك فأما أن ترشي لتدفع عن دينك ودمك ومالك فليس بحرام قال أبو الليث السمرقندي الفقيه : وبهذا نأخذ لا بأس بأن يدفع الرجل عن نفسه وماله بالرشوة وهذا كما روي عن عبد الله بن مسعود أنه كان بالحبشة فرشا دينارين وقال : إنما الإثم على القابض دون الدافع قال المهدوي ومن جعل كسب الحجام ومن ذكر معه سحتا فمعناه أنه يسحت مروءة آخذه قلت : الصحيح في كسب الحجام أنه طيب ومن أخذ طيبا لا تسقط مروءته ولا تنحط مرتبته وقد روى مالك عن حميد الطويل عن أنس أنه قال : احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم حجمه أبو طيبة فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بصاع من تمر وأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه قال بن عبد البر : هذا يدل على أن كسب الحجام طيب لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجعل ثمنا ولا جعلا ولا عوضا لشيء من الباطل وحديث أنس هذا ناسخ لما حرمه النبي صلى الله عليه وسلم من ثمن الدم وناسخ لما كرهه من إجارة الحجام وروى البخاري وأبو داود عن بن عباس قال : احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطى الحجام أجره ولو كان سحتا لم يعطه والسحت والسحت لغتان قرئ بهما قرأ أبو عمرو وبن كثير والكسائي بضمتين والباقون بضم السين وحدها وروى العباس بن الفضل عن خارجة بن مصعب عن نافع ( أكالون للسحت ) بفتح السين وإسكان الحاء وهذا مصدر من سحته يقال : أسحت وسحت بمعنى واحد وقال الزجاج : سحته ذهب به قليلا قليلا قوله تعالى : ( فإن جاءوك فاحكم بينهم أو اعرض عنهم ) هذا تخيير من الله تعالى ذكره القشيري وتقدم معناه أنهم كانوا أهل موادعة لا أهل ذمة فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وادع اليهود ولا يجب علينا الحكم بين الكفار إذا لم يكونوا أهل ذمة بل يجوز الحكم إن أردنا فأما أهل الذمة فهل يجب علينا الحكم بينهم إذا ترافعوا إلينا قولان للشافعي وإن ارتبطت الخصومة بمسلم يجب الحكم قال المهدوي : أجمع العلماء على أن الحاكم أن يحكم بين المسلم والذمي واختلفوا في الذميين فذهب بعضهم إلى أن الآية محكمة وأن الحاكم مخير روي ذلك عن النخعي والشعبي وغيرهما وهو مذهب مالك والشافعي وغيرهما سوى ما روي عن مالك في ترك إقامة الحد على أهل الكتاب في الزنى فإنه إن زنى المسلم بالكتابية حد ولا حد عليها فإن كان الزانيان ذميين فلا حد عليهما وهو مذهب أبي حنيفة ومحمد بن الحسن وغيرهما وقد روي عن أبي حنيفة أيضا أنه قال : يجلدان ولا يرجمان وقال الشافعي وأبو يوسف وأبو ثور وغيرهم : عليهما الحد إن أتيا راضيين بحكمنا قال بن خويز منداد : ولا يرسل الإمام إليهم إذا استعدى بعضهم على بعض ولا يحضر الخصم مجلسه إلا أن يكون فيما يتعلق بالمظالم التي ينتشر منها الفساد كالقتل ونهب المنازل وأشباه ذلك فأما الديون والطلاق وسائر المعاملات فلا يحكم بينهم إلا بعد التراضي والاختيار له ألا يحكم ويردهم إلى حكامهم فإن حكم بينهم حكم بحكم الإسلام وأما اجبارهم على حكم المسلمين فيما ينتشر منه الفساد فليس على الفساد عاهدناهم وواجب قطع الفساد عنهم منهم ومن غيرهم لأن في ذلك حفظ أموالهم ودمائهم ولعل في دينهم استباحة ذلك فينتشر منه الفساد بيننا ولذلك منعناهم أن يبيعوا الخمر جهارا وأن يظهروا الزنى وغير ذلك من القاذورات لئلا يفسد بهم سفهاء المسلمين وأما الحكم فيما يختص به دينهم من الطلاق والزنى وغيره فليس يلزمهم أن يتدينوا بديننا وفي الحكم بينهم بذلك إضرار بحكامهم وتغيير ملتهم وليس كذلك الديون والمعاملات لأن فيها وجها من المظالم وقطع الفساد والله أعلم وفي الآية قول ثان : وهو ما روي عن عمر بن عبد العزيز والنخعي أيضا أن التخيير المذكور في الآية منسوخ بقوله تعالى : ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) وأن على الحاكم أن يحكم بينهم وهو مذهب عطاء الخرساني وأبي حنيفة وأصحابه وغيرهم وروي عن عكرمة أنه قال : ( فإن جاءوك فاحكم بينهم أو اعرض عنهم ) نسختها آية أخرى ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) وقال مجاهد : لم ينسخ من المائدة إلا آيتان قوله : ( فاحكم بينهم أو اعرض عنهم ) نسختها ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) وقوله : لا تحلوا شعائر الله نسختها فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وقال الزهري : مضت السنة أن يرد أهل الكتاب في حقوقهم ومواريثهم إلى أهل دينهم إلا أن يأتوا راغبين في حكم الله فيحكم بينهم بكتاب الله قال السمرقندي : وهذا القول يوافق قول أبي حنيفة أنه لا يحكم بينهم ما لم يتراضوا بحكمنا وقال النحاس في الناسخ والمنسوخ له قوله تعالى : ( فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ) منسوخ لأنه إنما نزل أول ما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة واليهود فيها يومئذ كثير وكان الأدعى لهم والأصلح أن يردوا إلى أحكامهم فلما قوي الإسلام أنزل الله عز وجل ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) وقاله بن عباس ومجاهد وعكرمة والزهري وعمر بن عبد العزيز والسدي وهو الصحيح من قول الشافعي قال في كتاب الجزية : ولا خيار له إذا تحاكموا إليه لقوله عز وجل حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون قال النحاس : وهذا من أصح الاحتجاجات لأنه إذا كان معنى قوله : وهم صاغرون أن تجرى عليهم أحكام المسلمين وجب ألا يردوا إلى أحكامهم فإذا وجب هذا فالآية منسوخة وهو أيضا قول الكوفيين أبي حنيفة وزفر وأبي يوسف ومحمد لا اختلاف بينهم إذا تحاكم أهل الكتاب إلى الإمام أنه ليس له أن يعرض عنهم غير أن أبا حنيفة قال : إذا جاءت المرأة والزوج فعليه أن يحكم بينهما بالعدل وإن جاءت المرأة وحدها ولم يرض الزوج لم يحكم وقال الباقون : يحكم فثبت أن قول أكثر العلماء أن الآية منسوخة مع ما ثبت فيها من توقيف بن عباس ولو لم يأت الحديث عن بن عباس لكان النظر يوجب أنها منسوخة لأنهم قد أجمعوا أن أهل الكتاب إذا تحاكموا إلى الإمام فله أن ينظر بينهم وأنه إذا نظر بينهم مصيب عند الجماعة وألا يعرض عنهم فيكون عند بعض العلماء تاركا فرضا فاعلا ما لايحل له ولا يسعه قال النحاس : ولمن قال بأنها منسوخة من الكوفيين قول آخر منهم من يقول : على الإمام إذا علم من أهل الكتاب حدا من حدود الله عز وجل أن يقيمه وإن لم يتحاكموا إليه ويحتج بأن قول الله عز وجل : ( وأن احكم بينهم ) يحتمل أمرين : أحدهما وأن احكم بينهم إذا تحاكموا إليك والآخر وأن احكم بينهم وإن لم يتحاكموا إليك إذا علمت ذلك منهم قالوا : فوجدنا في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ما يوجب إقامة الحق عليهم وإن لم يتحاكموا إلينا فأما ما في كتاب الله فقوله تعالى : يا أيها الذين أمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله وأما ما في السنة فحديث البراء بن عازب قال : مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم بيهودي قد جلد وحمم فقال : ( أهكذا حد الزاني عندكم ( فقالوا : نعم فدعا رجلا من علمائهم فقال : ( سألتك بالله أهكذا حد الزاني فيكم ( فقال : لا ألحديث وقد تقدم قال النحاس : فاحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بينهم ولم يتحاكموا إليه في هذا الحديث فإن قال قائل : ففي حديث مالك عن نافع عن بن عمر أن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم قيل له : ليس في حديث مالك أيضا أن اللذين زنيا رضيا بالحكم وقد رجمهما النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو عمر بن عبد البر لو تدبر من احتج بحديث البراء لم يحتج لأن في درج الحديث تفسير قوله عز وجل : ( إن أتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ) يقول : إن افتاكم بالجلد والتحميم فخذوه وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا دليل على أنهم حكموه وذلك بين في حديث بن عمر وغيره فإن قال قائل : ليس في حديث بن عمر أن الزانيين حكما رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا رضيا بحكمه قيل له : حد الزاني حق من حقوق الله تعالى على الحاكم إقامته ومعلوم أن اليهود كان لهم حاكم يحكم بينهم ويقيم حدودهم عليهم وهو الذي حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم والله أعلم قوله تعالى : ( وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ) روى النسائي عن بن عباس قال كان قريظة والنضير وكان النضير أشرف من قريظة وكان إذا قتل رجل من قريظة رجلا من النضير قتل به وإذا قتل رجل من النضير رجلا من قريظة ودى مائة وسق من تمر فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل رجل من النضير رجلا من قريظة فقالوا : ادفعوه إلينا لنقتله فقالوا : بيننا وبينكم النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت : ( وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ) النفس بالنفس ونزلت : ( أفحكم الجاهلية يبغون ) < <

Section V06/P186–V06/P187

المائدة : ( 43 ) وكيف يحكمونك وعندهم . . . . . > > < > ( المائده 43 ) < > قوله تعالى : ( وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ) قال الحسن : هو الرجم وقال قتادة : هو القود ويقال : هل يدل قوله تعالى : ( فيها حكم الله ) على أنه لم ينسخ الجواب قال أبو علي : نعم لأنه لو نسخ لم يطلق عليه بعد النسخ أنه حكم الله كما لا يطلق أن حكم الله تحليل الخمر أو تحريم السبت وقوله تعالى : ( وما أولئك بالمؤمنين ) أي بحكمك أنه من عند الله وقال أبو علي : إن من طلب غير حكم الله من حيث لم يرض به فهو كافر وهذه حالة اليهود < < المائدة : ( 44 ) إنا أنزلنا التوراة . . . . . > > < > ( المائده 44 ) <

Section V06/P187–V06/P190

> قوله تعالى : ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ) أي بيان وضياء وتعريف أن محمدا صلى الله عليه وسلم حق ( هدى ) في موضع رفع بالابتداء ونور ) عطف عليه ( يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا ) قيل : المراد بالنبيين محمد صلى الله عليه وسلم وعبر عنه بلفظ الجمع وقيل : كل من بعث من بعد موسى بإقامة التوراة وأن اليهود قالت : إن الأنبياء كانوا يهودا وقالت النصارى : كانوا نصارى فبين الله عز وجل كذبهم ومعنى ( أسلموا ) صدقوا بالتوراة من لدن موسى إلى زمان عيسى عليهما السلام وبينهما ألف نبي ويقال : أربعة آلاف ويقال : أكثر من ذلك كانوا يحكمون بما في التوراة وقيل : معنى ( أسلموا ) خضعوا وانقادوا لأمر الله فيما بعثوا به وقيل : أي يحكم بها النبيون الذين هم على دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم والمعنى واحد ومعنى ( للذين هادوا ) على الذين هادوا فاللام بمعنى على وقيل : المعنى يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا وعلهم فحذف عليهم ( والذين أسلموا ) ها هنا نعت فيه معنى المدح مثل ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ( هادوا ) أي تابوا من الكفر وقيل : فيه تقديم وتأخير أي إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون والربانيون والأحبار أي ويحكم بها الربانيون وهم الذين يسوسون الناس بالعلم ويربونهم بصغاره قبل كباره عن بن عباس وغيره وقد تقدم في آل عمران وقال أبو رزين : الربانيون العلماء الحكماء والأحبار قال بن عباس : هم الفقهاء والحبر والحبر الرجل العالم وهو مأخوذ من التحبير وهو التحسين فهم يحبرون العلم أي يبينونه ويزينونه وهو محبر في صدورهم قال مجاهد : الربانيون فوق العلماء والألف واللام للمبالغة قال الجوهري : والحبر والحبر واحد أحبار اليهود وبالكسر أفصح : لأنه يجمع على أفعال دون الفعول قال الفراء : هو حبر بالكسر يقال ذلك للعالم وقال الثوري : سألت الفراء لم سمى الحبر حبرا فقال : يقال للعالم حبر وحبر فالمعنى مداد حبر ثم حذف كما قال : واسأل القرية أي أهل القرية قال : فسألت الأصمعي فقال ليس هذا بشيء إنما سمي حبرا لتأثيره يقال : على أسنانه حبر أي صفرة أو سواد وقال أبو العباس : سمي الحبر الذي يكتب به حبرا لأنه يحبر به أي يحقق به وقال أبو عبيد : والذي عندي في واحد الأحبار الحبر بالفتح ومعناه العالم بتحبير الكلام والعلم وتحسينه قال : وهكذا يرويه المحدثون كلهم بالفتح والحبر الذي يكتب به وموضعه المحبرة بالكسر والحبر أيضا الأثر والجمع حبور عن يعقوب ( بما استحفظوا من كتاب الله ) أي استودعوا من علمه والباء متعلقة بالربانيين والأحبار ) كأنه قال : والعلماء بما استحفظوا أو تكون متعلقة ب ( يحكم ) أي يحكمون بما استحفظوا ( وكانوا عليه شهداء ) أي على الكتاب بأنه من عند الله بن عباس : شهداء على حكم النبي صلى الله عليه وسلم أنه في التوراة ( فلا تخشوا الناس ) أي في إظهار صفة محمد صلى الله عليه وسلم وإظهار الرجم ( واخشون ) أي في كتمان ذلك فالخطاب لعلماء اليهود وقد يدخل بالمعنى كل من كتم حقا وجب عليه ولم يظهره وتقدم معنى ( ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ) مستوفى قوله تعالى : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) و ( الظالمون ) و ( الفاسقون ) نزلت كلها في الكفار ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث البراء وقد تقدم وعلى هذا المعظم فأما المسلم فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة وقيل : فيه إضمار أي ومن لم يحكم بما أنزل الله ردا للقرآن وجحدا لقول الرسول عليه الصلاة والسلام فهو كافر قاله بن عباس ومجاهد فالآية عامة على هذا قال بن مسعود والحسن : هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار أي معتقدا ذلك ومستحلا له فأما من فعل ذلك وهو معتقد أنه راكب محرم فهو من فساق المسلمين وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له وقال بن عباس في رواية : ومن لم يحكم بما أنزل الله فقد فعل فعلا يضاهي أفعال الكفار وقيل : أي ومن لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر فأما من حكم بالتوحيد ولم يحكم ببعض الشرائع فلا يدخل في هذه الآية والصحيح الأول إلا أن الشعبي قال : هي في اليهود خاصة واختاره النحاس قال : ويدل على ذلك ثلاثة أشياء منها أن اليهود قد ذكروا قبل هذا في قوله ( للذين هادوا ) فعاد الضمير عليهم ومنها أن سياق الكلام يدل على ذلك ألا ترى أن بعده ( وكتبنا عليهم ) فهذا الضمير لليهود بإجماع وأيضا فإن اليهود هم الذين أنكروا الرجم والقصاص فإن قال قائل : ( من ) إذا كانت للمجازاة فهي عامة إلا أن يقع دليل على تخصيصها قيل له : ( من ) هنا بمعنى الذي مع ما ذكرناه من الأدلة والتقدير : واليهود الذين لم يحكموا بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون فهذا من أحسن ما قيل في هذا ويروى أن حذيفة سئل عن هذه الآيات أهي في بني اسرائيل قال : نعم هي فيهم ولتسلكن سبيلهم حذو النعل بالنعل وقيل : ( الكافرون ) للمسلمين و ( الظالمون ) لليهود و ( الفاسقون ) للنصارى وهذا اختيار أبي بكر بن العربي قال : لأنه ظاهر الآيات وهو اختيار بن عباس وجابر بن زيد وبن أبي زائدة وبن شبرمة والشعبي أيضا قال طاوس وغيره : ليس بكفر ينقل عن الملة ولكنه كفر دون كفر وهذا يختلف إن حكم بما عنده على أنه من عند الله فهو تبديل له يوجب الكفر وإن حكم به هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين قال القشيري : ومذهب الخوارج أن من ارتشى وحكم بغير حكم الله فهو كافر وعزي هذا إلى الحسن والسدي وقال الحسن أيضا : أخذ الله عز وجل على الحكام ثلاثة أشياء : ألا يتبعوا الهوى وألا يخشوا الناس ويخشوه وألا يشتروا بأياته ثمنا قليلا < <

Section V06/P190

المائدة : ( 45 ) وكتبنا عليهم فيها . . . . . > > < > ( المائده 45 ) <

Questions