Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
> فيه ثلاثون مسألة : الأولى قوله تعالى : ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ) بين تعالى أنه سوى بين النفس والنفس في التوراة فخالفوا ذلك فضلوا فكانت دية النضيري أكثر وكان النضيري لا يقتل بالقرظي ويقتل به القرظي فلما جاء الإسلام راجع بنو قريظة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه فحكم بالاستواء فقالت بنو النضير : قد حططت منا فنزلت هذه الآية و ( كتبنا ) بمعنى فرضنا وقد تقدم وكان شرعهم القصاص أو العفو وما كان فيهم الدية كما تقدم في البقرة بيانه وتعلق أبو حنيفة وغيره بهذه الآية فقال : يقتل المسلم بالذمي لأنه نفس بنفس وقد تقدم في البقرة بيان هذا وقد روى أبو داود والترمذي والنسائي عن علي رضي الله عنه أنه سئل هل خصك رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء فقال : لا إلا ما في هذا وأخرج كتابا من قراب سيفه وإذا فيه : ( المؤمنون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم ولا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده ( وأيضا فإن الآية إنما جاءت للرد على اليهود في المفاضلة بين القبائل وأخذهم من قبيلة رجلا برجل ومن قبيلة أخرى رجلا برجلين وقالت الشافعية : هذا خبر عن شرع من قبلنا وشرع من قبلنا ليس شرعا لنا وقد مضى في البقرة في الرد عليهم ما يكفي فتأمله هناك ووجه رابع وهو أنه تعالى قال : ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ) وكان ذلك مكتوبا على أهل التوراة وهم ملة واحدة ولم يكن لهم أهل ذمة كما للمسلمين أهل ذمة لأن الجزية فيء وغنيمة أفاءها الله على المؤمنين ولم يجعل الفيء لأحد قبل هذه الأمة ولم يكن نبي فيما مضى مبعوثا إلا إلى قومه فأوجبت الآية الحكم على بني إسرائيل إذ كانت دماؤهم تتكافأ فهو مثل قول الواحد منا في دماء سوى المسلمين النفس بالنفس إذ يشير إلى قوم معينين ويقول : إن الحكم في هؤلاء أن النفس منهم بالنفس فالذي يجب بحكم هذه الآية على أهل القرآن أن يقال لهم فيما بينهم على هذا الوجه : النفس بالنفس وليس في كتاب الله ما يدل على أن النفس بالنفس مع اختلاف الملة الثانية قال أصحاب الشافعي وأبو حنيفة : إذا جرح أو قطع الأذن أو اليد ثم قتل فعل ذلك به لأن الله تعالى قال : ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين ) فيؤخذ منه ما أخذ ويفعل به كما فعل وقال علماؤنا : إن قصد به المثلة فعل به مثله وإن كان ذلك في أثناء مضاربته ومدافعته قتل بالسيف وإنما قالوا ذلك في المثلة يجب لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمل أعين العرنيين حسبما تقدم بيانه في هذه السورة الثالثة قوله تعالى : ( والعين بالعين ) قرأ نافع وعاصم والأعمش وحمزة بالنصب في جميعها على العطف ويجوز تخفيف ( أن ) ورفع الكل بالابتداء والعطف وقرأ بن كثير وبن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر بنصب الكل إلا الجروح وكان الكسائي وأبو عبيد يقرءان ( والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح ) بالرفع فيها كلها قال أبو عبيد : حدثنا حجاج عن هارون عن عباد بن كثير عن عقيل عن الزهري عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص ) والرفع من ثلاث جهات بالابتداء والخبر وعلى المعنى على موضع ( أن النفس ) لأن المعنى قلنا لهم : النفس بالنفس والوجه الثالث قاله الزجاج يكون عطفا على المضمر في النفس لأن الضمير في النفس في موضع رفع لأن التقدير أن النفس هي مأخوذة بالنفس فالأسماء معطوفة على هي قال بن المنذر : ومن قرأ بالرفع جعل ذلك ابتداء كلام حكم في المسلمين وهذا أصح القولين وذلك أنها قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ( والعين بالعين ) وكذا ما بعده والخطاب للمسلمين أمروا بهذا ومن خص الجروح بالرفع فعلى القطع مما قبلها والاستئناف بها كأن المسلمين أمروا بهذا خاصة وما قبله لم يواجهوا به الرابعة هذه الآية تدل على جريان القصاص فيما ذكر وقد تعلق بن شبرمة بعموم قوله : ( والعين بالعين ) على أن اليمنى تفقأ باليسرى وكذلك على العكس وأجرى ذلك في اليد اليمنى واليسرى وقال : تؤخذ الثنية بالضرس والضرس بالثنية لعموم قوله تعالى : ( والسن بالسن ) والذين خالفوه وهم علماء الأمة قالوا : العين اليمنى هي المأخوذة باليمنى عند وجودها ولا يتجاوز ذلك إلى اليسرى مع الرضا وذلك يبين لنا أن المراد بقوله : ( والعين بالعين ) استيفاء ما يماثله من الجاني فلا يجوز له أن يتعدى إلى غيره كما لا يتعدى من الرجل إلى اليد في الأحوال كلها وهذا لا ريب فيه الخامسة وأجمع العلماء على أن العينين إذا أصيبتا خطأ ففيهما الدية وفي العين الواحدة نصف الدية وفي عين الأعور إذا فقئت الدية كاملة روي ذلك عن عمر وعثمان وبه قال عبد الملك بن مروان والزهري وقتادة ومالك والليث بن سعد وأحمد وإسحاق وقيل : نصف الدية روى ذلك عن عبد الله بن المغفل ومسروق والنخعي وبه قال الثوري والشافعي والنعمان قال بن المنذر : وبه نقول لأن في الحديث ( في العينين الدية ( ومعقول إذا كان كذلك أن في إحداهما نصف الدية قال بن العربي : وهو القياس الظاهر ولكن علماؤنا قالوا : إن منفعة الأعور ببصره كمنفعة السالم أو قريب من ذلك فوجب عليه مثل ديته السادسة واختلفوا في الأعور يفقأ عين صحيح فروي عن عمر وعثمان وعلي أنه لا قود عليه وعليه الدية كاملة وبه قال عطاء وسعيد بن المسيب وأحمد بن حنبل وقال مالك : إن شاء اقتص فتركه أعمى وإن شاء أخذ الدية كاملة : دية عين الأعور وقال النخعي : إن شاء اقتص وإن شاء أخذ نصف الدية وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري : عليه القصاص وروي ذلك عن علي أيضا وهو قول مسروق وبن سيرين وبن معقل واختاره بن المنذر وبن العربي لأن الله تعالى قال : ( والعين بالعين ) وجعل النبي صلى الله عليه وسلم في العينين الدية ففي العين نصف الدية والقصاص بين صحيح العين والأعور كهيئته بين سائر الناس ومتعلق أحمد بن حنبل أن في القصاص منه أخذ جميع البصر ببعضه وذلك ليس بمساواة وبما روي عن عمر وعثمان وعلي في ذلك ومتمسك مالك أن الأدلة لما تعارضت خير المجنى عليه قال بن العربي : والأخذ بعموم القرآن أولى فإنه أسلم عند الله تعالى السابعة واختلفوا في عين الأعور التي لا يبصر بها فروي عن زيد بن ثابت أنه قال : فيها مائة دينار وعن عمر بن الخطاب أنه قال : فيها ثلث ديتها وبه قال إسحاق وقال مجاهد : فيها نصف ديتها وقال مسروق والزهري ومالك والشافعي وأبو ثور والنعمان : فيها حكومة قال بن المنذر : وبه نقول لأنه الأقل مما قيل الثامنة وفي إبطال البصر من العينين مع بقاء الحدقتين كمال الدية ويستوي فيه الأعمش والأخفش وفي إبطاله من إحداهما مع بقائها النصف قال بن المنذر وأحسن ما قيل في ذلك ما قاله علي بن أبي طالب : أنه أمر بعينه الصحيحة فغطيت وأعطى رجل بيضة فانطلق بها وهو ينظر حتى انتهى نظره ثم أمر بخط عند ذلك ثم أمر بعينه الأخرى فغطيت وفتحت الصحيحة وأعطى رجل بيضة فانطلق بها وهو ينظر حتى انتهى نظره ثم خط عند ذلك ثم أمر به فحول إلى مكان آخر ففعل به مثل ذلك فوجده سواء فأعطى ما نقص من بصره من مال الآخر وهذا على مذهب الشافعي وهو قول علمائنا وهي : التاسعة ولا خلاف بين أهل العلم على أن لا قود في بعض البصر إذ غير ممكن الوصول إليه وكيفية القود في العين أن تحمى مرآة ثم توضع على العين الأخرى قطنة ثم تقرب المرآة من عينه حتى يسيل إنسانها روي عن علي رضي الله عنه ذكره المهدوي وبن العربي واختلف في جفن العين فقال زيد بن ثابت : فيه ربع الدية وهو قول الشعبي والحسن وقتادة وأبي هاشم والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وروي عن الشعبي أنه قال : في الجفن الأعلى ثلث الدية وفي الجفن الأسفل ثلثا الدية وبه قال مالك العاشرة قوله تعالى : ( والأنف بالأنف ) جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( وفي الأنف إذا أوعب جدعا الدية ( قال بن المنذر : وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على القول به والقصاص من الأنف إذا كانت الجناية عمدا كالقصاص من سائر الأعضاء على كتاب الله تعالى واختلفوا في كسر الأنف فكان مالك يرى في العمد منه القود وفي الخطأ الاجتهاد وروى بن نافع أنه لا دية للأنف حتى يستأصله من أصله قال أبو إسحاق التونسي : وهذا شاذ والمعروف الأول وإذا فرعنا على المعروف ففي بعض المارن من الدية بحسابه من المارن قال بن المنذر : وما قطع من الأنف فبحسابه روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز والشعبي وبه قال الشافعي قال أبو عمر : واختلفوا في المارن إذا قطع ولم يستأصل الأنف فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم إلى أن في ذلك الدية كاملة ثم إن قطع منه شيء بعد ذلك ففيه حكومة قال مالك : الذي فيه الدية من الأنف أن يقطع المارن وهو دون العظم قال بن القاسم : وسواء قطع المارن من العظم أو استؤصل الأنف من العظم من تحت العينين إنما فيه الدية كالحشفة فيها الدية : وفي استئصال الذكر الدية الحادية عشرة قال بن القاسم : وإذا خرم الأنف أو كسر فبريء على عثم ففيه الاجتهاد وليس فيه دية معلومة وإن بريء على غير عثم فلا شيء فيه قال : وليس الأنف إذا خرم فبريء على غير عثم كالموضحة تبرأ على غير عثم فيكون فيها ديتها لأن تلك جاءت بها السنة وليس في خرم الأنف أثر قال : والأنف عظم منفرد ليس فيه موضحة واتفق مالك والشافعي وأصحابهما على أن لا جائفة فيه ولا جائفة عندهم إلا فيما كان في الجوف والمارن مالان من الأنف وكذلك قال الخليل وغيره قال أبو عمر : وأظن روثته مارنه وأرنبته طرفه وقد قيل : الأرنبة والروثة والعرتمة طرف الأنف والذي عليه الفقهاء مالك والشافعي والكوفيون ومن تبعهم في الشم إذا نقص أو فقد حكومة الثانية عشرة قوله تعالى : ( والأذن بالأذن ) قال علماؤنا رحمة الله عليهم في الذي يقطع أذني رجل : عليه حكومة وإنما تكون عليه الدية في السمع ويقاس في نقصانه كما يقاس في البصر وفي إبطاله من إحداهما نصف الدية ولو لم يكن يسمع إلا بها بخلاف العين العوراء فيها الدية كاملة على ما تقدم وقال أشهب : إن كان السمع إذا سئل عنه قيل إن أحد السمعين يسمع ما يسمع السمعان فهو عندي كالبصر وإذا شك في السمع جرب بأن يصاح به من مواضع عدة يقاس ذلك فإن تساوت أو تقاربت أعطى بقدر ما ذهب من سمعه ويحلف على ذلك قال أشهب : ويحسب له ذلك على سمع وسط من الرجال مثله فإن اختبر فاختلف قوله لم يكن له شيء وقال عيسى بن دينار : إذا اختلف قوله عقل له الأقل مع يمينه الثالثة عشرة قوله تعالى : ( والسن بالسن ) قال بن المنذر : وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أقاد من سن وقال : ( كتاب الله القصاص ( وجاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( في السن خمس من الإبل ( قال بن المنذر : فبظاهر هذا الحديث نقول لا فضل للثنايا منها على الأنياب والأضراس والرباعيات لدخولها كلها في ظاهر الحديث وبه يقول الأكثر من أهل العلم وممن قال بظاهر الحديث ولم يفضل شيئا منها على شيء عروة بن الزبير وطاوس والزهري وقتادة ومالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق والنعمان وبن الحسن وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وبن عباس ومعاوية وفيه قول ثان رويناه عن عمر بن الخطاب أنه قضى فيما أقبل من الفم بخمس فرائض خمس فرائض وذلك خمسون دينارا قيمة كل فريضة عشرة دنانير وفي الأضراس ببعير بعير وكان عطاء يقول : في السن والرباعيتين والنابين خمس خمس وفيما بقي بعيران بعيران أعلى الفم وأسفله سواء والأضراس سواء قال أبو عمر : أما ما رواه مالك في موطئه عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن عمر قضى في الأضراس ببعير بعير فإن المعنى في ذلك أن الأضراس عشرون ضرسا والأسنان إثنا عشر سنا : أربع ثنايا وأربع رباعيات وأربع أنياب فعلى قول عمر تصير الدية ثمانين بعيرا في الأسنان خمسة خمسة وفي الأضراس بعير بعير وعلى قول معاوية في الأضراس والأسنان خمسة أبعرة خمسة أبعرة تصير الدية ستين ومائة بعير وعلى قول سعيد بن المسيب بعيرين بعيرين في الأضراس وهي عشرون ضرسا يجب لها أربعون وفي الأسنان خمسة أبعرة خمسة أبعرة فذلك ستون وهي تتمة المائة بعير وهي الدية كاملة من الإبل والاختلاف بينهم أنما هو في الأضراس لا في الأسنان قال أبو عمر : واختلاف العلماء من الصحابة والتابعين في ديات الأسنان وتفضيل بعضها على بعض كثير جدا والحجة قائمة لما ذهب إليه الفقهاء مالك وأبو حنيفة والثوري بظاهر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وفي السن خمس من الإبل والضرس سن من الأسنان روى بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( الأصابع سواء والأسنان سواء الثنية والضرس سواء هذه وهذه سواء ( وهذا نص أخرجه أبو داود وروى أبو داود أيضا عن بن عباس قال : جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابع اليدين والرجلين سواء قال أبو عمر : على هذه الآثار جماعة فقهاء الأمصار وجمهور أهل العلم أن الأصابع في الدية كلها سواء وأن الأسنان في الدية كلها سواء الثنايا والأضراس والأنياب لا يفضل شيء منها على شيء على ما في كتاب عمرو بن حزم ذكر الثوري عن أزهر بن محارب قال : اختصم إلى شريح رجلان ضرب أحدهما ثنية الآخر وأصاب الآخر ضرسه فقال شريح : الثنية وجمالها والضرس ومنفعته سن بسن قوما قال أبو عمر : على هذا العمل اليوم في جميع الأمصار والله أعلم الرابعة عشرة فإن ضرب سنه فاسودت ففيها ديتها كاملة عند مالك والليث بن سعد وبه قال أبو حنيفة وروي عن زيد بن ثابت وهو قول سعيد بن المسيب والزهري والحسن وبن سيرين وشريح وروى عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أن فيها ثلث ديتها وبه قال أحمد وإسحاق وقال الشافعي وأبو ثور : فيها حكومة قال بن العربي : وهذا عندي خلاف يؤول إلى وفاق فإنه إن كان سوادها أذهب منفعتها وإنما بقيت صورتها كاليد الشلاء والعين العمياء فلا خلاف في وجوب الدية ثم إن كان بقي من منفعتها شيء أو جميعها لم يجب إلا بمقدار ما نقص من المنفعة حكومة وما روي عن عمر رضي الله عنه فيها ثلث ديتها لم يصح عنه سندا ولا فقها الخامسة عشرة واختلفوا في سن الصبي يقلع قبل أن يثغر فكان مالك والشافعي وأصحاب الرأي يقولون : إذا قلعت سن الصبي فنبتت فلا شيء على القالع إلا إن مالكا والشافعي قالا : إذا نبتت ناقصة الطول عن التي تقاربها أخذ له من أرشها بقدر نقصها وقالت طائفة : فيها حكومة وروي ذلك عن الشعبي وبه قال النعمان قال بن المنذر يستأنى بها إلى الوقت ألذي يقول أهل المعرفة أنها لا تنبت فإذا كان ذلك كان فيها قدرها تاما على ظاهر الحديث وإن نبتت رد الأرش وأكثر من يحفظ عنه من أهل العلم يقولون : يستأنى بها سنة روي ذلك عن علي وزيد وعمر بن عبد العزيز وشريح والنخعي وقتادة ومالك وأصحاب الرأي ولم يجعل الشافعي لهذا مدة معلومة السادسة عشرة إذا قلع سن الكبير فأخذ ديتها ثم نبتت فقال مالك لا يرد ما أخذ وقال الكوفيون : يرد إذا نبتت وللشافعي قولان : يرد ولا يرد لأن هذا نبات لم تجر به عادة ولا يثبت الحكم بالنادر هذا قول علمائنا تمسك الكوفيون بأن عوضها قد نبت فيرد أصله سن الصغير قال الشافعي : ولو جنى عليها جان آخر وقد نبتت صحيحة كان فيها أرشها تاما قال بن المنذر : هذا أصح القولين لأن كل واحد منهما قالع سن وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم في السن خمسا من الإبل السابعة عشرة فلو قلع رجل سن رجل فردها صاحبها فالتحمت فلا شيء فيها عندنا وقال الشافعي : ليس له أن يردها من قبل أنها نجسة وقاله بن المسيب وعطاء ولو ردها أعاد كل صلاة صلاها لأنها ميتة وكذلك لو قطعت إذنه فردها بحرارة الدم فالتزقت مثله وقال عطاء : يجبره السلطان على قلعها لأنها ميتة ألصقها قال بن العربي : وهذا غلط وقد جهل من خفي عليه أن ردها وعودها بصورتها لا يوجب عودها بحكمها لأن النجاسة كانت فيها للإنفصال وقد عادت متصلة وأحكام الشريعة ليست صفات للأعيان وإنما هي أحكام تعود إلى قول الله سبحانه فيها وإخباره عنها قلت : ما حكاه بن العربي عن عطاء خلاف ما حكاه بن المنذر عنه قال بن المنذر : واختلفوا في السن تقلع قودا ثم ترد مكانها فتنبت فقال عطاء الخرساني وعطاء بن أبي رباح لا بأس بذلك وقال الثوري وأحمد وإسحاق : تقلع لأن القصاص للشين وقال الشافعي : ليس له أن يردها من قبل أنها نجسة ويجبره السلطان على القلع الثامنة عشرة فلو كانت له سن زائدة فقلعت ففيها حكومة وبه قال فقهاء الأمصار وقال زيد بن ثابت فيها ثلث الدية قال بن العربي : وليس في التقدير دليل فالحكومة أعدل قال بن المنذر : ولا يصح ما روي عن زيد وقد روي عن علي أنه قال : في السن إذا كسر بعضها أعطى صاحبها بحساب ما نقص منه وهذا قول مالك والشافعي وغيرهما قلت : وهنا انتهى ما نص الله عز وجل عليه من الأعضاء ولم يذكر الشفتين واللسان وهي : التاسعة عشرة فقال الجمهور : وفي الشفتين الدية وفي كل واحدة منهما نصف الدية لا فضل للعليا منهما على السفلى وروي عن زيد بن ثابت وسعيد بن المسيب والزهري : في الشفة العليا ثلث الدية وفي الشفة السفلى ثلثا الدية وقال بن المنذر : وبالقول الأول أقول للحديث المرفوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( وفي الشفتين الدية ( ولأن في اليدين الدية ومنافعهما مختلفة وما قطع من الشفتين فبحساب ذلك وأما اللسان فجاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( في اللسان الدية ( وأجمع أهل العلم من أهل المدينة وأهل الكوفة وأصحاب الحديث وأهل الرأي على القول به قاله بن المنذر الموفية عشرين واختلفوا في الرجل يجني على لسان الرجل فيقطع من اللسان شيئا ويذهب من الكلام بعضه فقال أكثر أهل العلم : ينظر إلى مقدار ما ذهب من الكلام من ثمانية وعشرين حرفا فيكون عليه من الدية بقدر ما ذهب من كلامه وإن ذهب الكلام كله ففيه الدية هذا قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي وقال مالك : ليس في اللسان قود لعدم الإحاطة باستيفاء القود فإن أمكن فالقود هو الأصل الحادية والعشرون واختلفوا في لسان الأخرس يقطع فقال الشعبي ومالك وأهل المدينة والثوري وأهل العراق والشافعي وأبو ثور والنعمان وصاحباه : فيه حكومة قال بن المنذر : وفيه قولان شاذان : أحدهما قول النخعي أن فيه الدية والآخر قول قتادة أن فيه ثلث الدية قال بن المنذر : والقول الأول أصح لأنه الأقل مما قيل قال بن العربي : نص الله سبحانه على أمهات الأعضاء وترك باقيها للقياس عليها فكل عضو فيه القصاص إذا أمكن ولم يخش عليه الموت وكذلك كل عضو بطلت منفعته وبقيت صورته فلا قود فيه وفيه الدية لعدم إمكان القود فيه الثامنة والعشرون قوله تعالى : ( والجروح قصاص ) أي مقاصة وقد تقدم في البقرة ولا قصاص في كل مخوف ولا فيما لا يوصل إلى القصاص فيه إلا بأن يخطئ الضارب أو يزيد أو ينقص ويقاد من جراح العمد إذا كان مما يمكن القود منه وهذا كله في العمد فأما الخطأ فالدية وإذا كانت الدية في قتل الخطأ فكذلك في الجراح وفي صحيح مسلم عن أنس أن أخت الربيع أم حارثة جرحت إنسانا فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( القصاص القصاص ( فقالت أم الربيع : يا رسول الله أيقتص من فلانة والله لا يقتص منها فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( سبحان الله يا أم الربيع القصاص كتاب الله ( قالت : لا والله لا يقتص منها أبدا قال فما زالت حتى قبلوا الدية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره ( قلت : المجروح في هذا الحديث جارية والجرح كسر ثنيتها أخرجه النسائي عن أنس أيضا أن عمته كسرت ثنية جارية فقضى نبي الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص فقال أخوها أنس بن النضر : أتكسر ثنية فلانة لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها قال : وكانوا قبل ذلك سألوا أهلها العفو والأرش فلما حلف أخوها وهو عم أنس وهو الشهيد يوم أحد رضي القوم بالعفو فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره ( وخرجه أبو داود أيضا وقال سمعت أحمد بن حنبل قيل له : كيف يقتص من السن قال : تبرد قلت : ولا تعارض بين الحديثين فإنه يحتمل أن يكون كل واحد منهما حلف فبر الله قسمهما وفي هذا ما يدل على كرامات الأولياء على ما يأتي بيانه في قصة الخضر إن شاء الله تعالى فنسأل الله التثبت على الإيمان بكراماتهم وإن ينظمنا في سلكهم من غير محنة ولا فتنة الثالثة والعشرون أجمع العلماء على أن قوله تعالى : ( والسن بالسن ) أنه في العمد فمن أصاب سن أحد عمدا ففيه القصاص على حديث أنس واختلفوا في سائر عظام الجسد إذا كسرت عمدا فقال مالك : عظام الجسد كلها فيها القود إلا ما كان مخوفا مثل الفخذ والصلب والمأمومة والمنقلة والهاشمة ففي ذلك الدية وقال الكوفيون لا قصاص في عظم يكسر ما خلا السن لقوله تعالى : ( والسن بالسن ) وهو قول الليث والشافعي قال الشافعي : لا يكون كسر ككسر أبدا فهو ممنوع قال الطحاوي : اتفقوا على أنه لا قصاص في عظم الرأس فكذلك في سائر العظام والحجة لمالك حديث أنس في السن وهي عظم فكذلك سائر العظام إلا عظما أجمعوا على أنه لا قصاص فيه لخوف ذهاب النفس منه قال بن المنذر : ومن قال لا قصاص في عظم فهو مخالف للحديث والخروج إلى النظر غير جائز مع وجود الخبر قلت : ويدل على هذا أيضا قوله تعالى : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم وقوله : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به وما أجمعوا عليه فغير داخل في الآي والله أعلم وبالله التوفيق الرابعة والعشرون قال أبو عبيد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الموضحة وما جاء عن غيره في الشجاج قال الأصمعي وغيره : دخل كلام بعضهم في بعض أول الشجاج الحارصة وهي : التي تحرص الجلد يعني التي تشقه قليلا ومنه قيل : حرص القصار الثوب إذا شقه وقد يقال لها : الحرصة أيضا ثم الباضعة وهي : التي تشق اللحم تبضعه بعد الجلد ثم المتلاحمة وهي : التي أخذت في الجلد ولم تبلغ السمحاق والسمحاق : جلدة أو قشرة رقيقة بين اللحم والعظم وقال الواقدي : هي عندنا الملطى وقال غيره : هي الملطاة قال : وهي التي جاء فيها الحديث ( يقضى في الملطاة بدمها ( ثم الموضحة وهي : التي تكشط عنها ذلك القشر أو تشق حتى يبدو وضح العظم فتلك الموضحة قال أبو عبيد : وليس في شيء من الشجاج قصاص إلا في الموضحة خاصة لأنه ليس منها شيء له حد ينتهي إليه سواها وأما غيرها من الشجاج ففيها ديتها ثم الهاشمة وهي التي تهشم العظم ثم المنقلة بكسر القاف حكاه الجوهري وهي التي تنقل العظم أي تكسره حتى يخرج منها فراش العظام مع الدواء ثم الآمة ويقال لها المأمومة وهي التي تبلغ أم الرأس يعني الدماغ قال أبو عبيد ويقال في قوله : ( ويقضي في الملطاة بدمها ( أنه إذا شج الشاج حكم عليه للمشجوج بمبلغ الشجة ساعة شج ولا يستأني بها قال : وسائر الشجاج عندنا يستأنى بها حتى ينظر إلى ما يصير أمرها ثم يحكم فيها حينئذ قال أبو عبيد : والأمر عندنا في الشجاج كلها والجراحات كلها إنه يستأنى بها حدثنا هشيم عن حصين قال قال عمر بن عبد العزيز : ما دون الموضحة خدوش وفيها صلح وقال الحسن البصري : ليس فيما دون الموضحة قصاص وقال مالك : القصاص فيما دون الموضحة الملطى والدامية والباضعة وما أشبه ذلك وكذلك قال الكوفيون وزادوا السمحاق حكاه بن المنذر وقال أبو عبيد : الدامية : التي تدمى من غير أن يسيل منها دم والدامعة : أن يسيل منها دم وليس فيا دون الموضحة قصاص وقال الجوهري والدامية الشجة التي تدمى ولا تسيل وقال علماؤنا : الدامية هي التي تسيل الدم ولا قصاص فيما بعد الموضحة من الهاشمة للعظم والمنقلة على خلاف فيها خاصة والآمة هي البالغة إلى أم الرأس والدامغة الخارقة لخريطة الدماغ وفي هاشمة الجسد القصاص إلا ما هو مخوف كالفخذ وشبهه وأما هاشمة الرأس فقال بن القاسم : لا قود فيها لأنها لا بد تعود منقلة وقال أشهب : فيها القصاص إلا أن تنقل فتصير منقلة لا قود فيها وأما الأطراف فيجب القصاص في جميع المفاصل إلا المخوف منها وفي معنى المفاصل إبعاض المارن والأذنين والذكر والأجفان والشفتين لأنها تقبل التقدير وفي اللسان روايتان والقصاص في كسر العظام إلا ما كان متلفا كعظام الصدر والعنق والصلب والفخذ وشبهه وفي كسر عظام العضد القصاص وقضى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم في رجل كسر فخذ رجل أن يكسر فخذه وفعل ذلك عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد بمكة وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه فعله وهذا مذهب مالك على ما ذكرنا وقال : إنه الأمر المجمع عليه عندهم والمعمول به في بلادنا في الرجل يضرب الرجل فيتقيه بيده فيكسرها يقاد منه الخامسة والعشرون قال العلماء : الشجاج في الرأس والجراح في البدن وأجمع أهل العلم على أن فيما دون الموضحة أرش فيما ذكر بن المنذر واختلفوا في ذلك الأرش وما دون الموضحة شجاج خمس : الدامية والدامعة والباضعة والمتلاحمة والسمحاق فقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي في الدامية حكومة وفي الباضعة حكومة وفي المتلاحمة حكومة وذكر عبد الرزاق عن زيد بن ثابت قال : في الدامية بعير وفي الباضعة بعيران وفي المتلاحمة ثلاثة أبعرة من الإبل وفي السمحاق أربع وفي الموضحة خمس وفي الهاشمة عشر وفي المنقلة خمس عشرة وفي المأمومة ثلث الدية وفي الرجل يضرب حتى يذهب عقله الدية كاملة أو يضرب حتى يغن ولا يفهم الدية كاملة أو حتى يبح ولا يفهم الدية كاملة وفي جفن العين ربع الدية وفي حلمة الثدي ربع الدية قال بن المنذر : وروي عن علي في السمحاق مثل قول زيد وروي عن عمر وعثمان أنهما قالا فيها نصف الموضحة وقال الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز والنخعي فيها حكومة وكذلك قال مالك والشافعي وأحمد ولا يختلف العلماء أن الموضحة فيها خمس من الإبل على ما في حديث عمرو بن حزم وفيه : وفي الموضحة خمس وأجمع أهل العلم على أن الموضحة تكون في الرأس والوجه واختلفوا في تفضيل موضحة الوجه على موضحة الرأس فروي عن أبي بكر وعمر أنهما سواء وقال بقولهما جماعة من التابعين وبه يقول الشافعي وإسحاق وروي عن سعيد بن المسيب تضعيف موضحة الوجه على موضحة الرأس وقال أحمد : موضحة الوجه أحرى أن يزاد فيها وقال مالك : المأمومة والمنقلة والموضحة لا تكون إلا في الرأس والوجه ولا تكون المأمومة إلا في الرأس خاصة إذا وصل إلى الدماغ قال : والموضحة ما تكون في جمجمة الرأس وما دونها فهو من العنق ليس فيه موضحة قال مالك : والأنف ليس من الرأس وليس فيه موضحة وكذلك اللحي الأسفل ليس فيه موضحة وقد اختلفوا في الموضحة في غير الرأس والوجه فقال أشهب وبن القاسم : ليس في موضحة الجسد ومنقلته ومأمومته إلا الاجتهاد وليس فيها أرش معلوم قال بن المنذر : هذا قول مالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وبه نقول وروي عن عطاء الخرساني أن الموضحة إذا كانت في جسد الانسان فيها خمس وعشرون دينارا قال أبو عمر : واتفق مالك والشافعي وأصحابهما أن من شج رجلا مأمومتين أو موضحتين أو ثلاث مأمومات أو موضحات أو أكثر في ضربة واحدة أن فيهن كلهن وإن انخرقت فصارت واحدة دية كاملة وأما الهاشمة فلا دية فيها عندنا بل حكومة قال بن المنذر : ولم أجد في كتب المدنيين ذكر الهاشمة بل قد قال مالك فيمن كسر أنف رجل إن كان خطأ ففيه الاجتهاد وكان الحسن البصري لا يوقت في الهاشمة شيئا وقال أبو ثور : إن اختلفوا فيه ففيها حكومة قال بن المنذر : النظر يدل على هذا إذ لا سنة فيها ولا إجماع وقال القاضي أبو الوليد الباجي : فيها ما في الموضحة فإن صارت منقلة فخمسة عشر وإن صارت مأمومة فثلث الدية قال بن المنذر : ووجدنا أكثر من لقيناه وبلغنا عنه من أهل العلم يجعلون في الهاشمة عشرا من الإبل وروينا هذا القول عن زيد بن ثابت وبه قال قتادة وعبيد الله بن الحسن والشافعي وقال الثوري وأصحاب الرأي : فيها ألف درهم ومرادهم عشر الدية وأما المنقلة فقال بن المنذر : جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( في المنقلة خمس عشرة من الإبل ( وأجمع أهل العلم على القول به قال بن المنذر : وقال كل من يحفظ عنه من أهل العلم أن المنقلة هي التي تنقل منها العظام وقال مالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي وهو قول قتادة وبن شبرمة أن المنقلة لا قود فيها وروينا عن بن الزبير وليس بثابت عنه أنه أقاد من المنقلة قال بن المنذر : والأول أولى لأني لا أعلم أحدا خالف في ذلك وأما المأمومة فقال بن المنذر : جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( في المأمومة ثلث الدية ( وأجمع عوام أهل العلم على القول به ولا نعلم أحدا خالف ذلك إلا مكحولا فإنه قال : إذا كانت المأمومة عمدا ففيها ثلثا الدية وإذا كانت خطأ ففيها ثلث الدية وهذا قول شاذ وبالقول الأول أقول واختلفوا في القود من المأمومة فقال كثير من أهل العلم : لا قود فيها وروي عن بن الزبير أنه أقص من المأمومة فأنكر ذلك الناس وقال عطاء : ما علمنا أحدا أقاد منها قبل بن الزبير وأما الجائفة ففيها ثلث الدية على حديث عمرو بن حزم ولا خلاف في ذلك إلا ما روي عن مكحول أنه قال : إذا كانت عمدا ففيها ثلثا الدية وإن كانت خطأ ففيها ثلث الدية والجائفة كل ما خرق إلى الجوف ولو مدخل إبرة فإن نفذت من جهتين فهي عندهم جائفتان وفيها من الدية الثلثان قال أشهب : وقد قضى أبو بكر الصديق رضي الله عنه في جائفة نافذة من الجنب الآخر بدية جائفتين وقال عطاء ومالك والشافعي وأصحاب الرأي كلهم يقولون : لا قصاص في الجائفة قال بن المنذر : وبه نقول السادسة والعشرون واختلفوا في القود من اللطمة وشبهها فذكر البخاري عن أبي بكر وعلي وبن الزبير وسويد بن مقرن رضي الله عنهم أنهم أقادوا من اللطمة وشبهها وروي عن عثمان وخالد بن الوليد مثل ذلك وهو قول الشعبي وجماعة من أهل الحديث وقال الليث : إن كانت اللطمة في العين فلا قود فيها للخوف على العين ويعاقبه السلطان وإن كانت على الخد ففيها القود وقالت طائفة : لا قصاص في اللطمة روي هذا عن الحسن وقتادة وهو قول مالك والكوفيين والشافعي واحتج مالك في ذلك فقال : ليس لطمة المريض الضعيف مثل لطمة القوي وليس العبد الأسود يلطم مثل الرجل ذي الحالة والهيئة وإنما في ذلك كله الاجتهاد لجهلنا بمقدار اللطمة السابعة والعشرون واختلفوا في القود من ضرب السوط فقال الليث والحسن : يقاد منه ويزاد عليه للتعدي وقال بن القاسم : يقاد منه ولا يقاد منه عند الكوفيين والشافعي إلا أن يجرح قال الشافعي إن جرح السوط ففيه حكومة وقال بن المنذر : وما أصيب به من سوط أو عصا أو حجر فكان دون النفس فهو عمد وفيه القود وهذا قول جماعة من أصحاب الحديث وفي البخاري وأقاد عمر من ضربة بالدرة وأقاد علي بن أبي طالب من ثلاثة أسواط واقتص شريح من سوط وخموش وقال بن بطال : وحديث لد النبي صلى الله عليه وسلم لأهل البيت حجة لمن جعل القود في كل ألم وإن لم يكن جرح الثامنة والعشرون واختلفوا في عقل جراحات النساء ففي الموطأ عن مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول : تعاقل المرأة الرجل إلى ثلث دية الرجل إصبعها كإصبعه وسنها كسنه وموضحتها كموضحته ومنقلتها كمنقلته قال بن بكير قال مالك : فإذا بلغت ثلث دية الرجل كانت على النصف من دية الرجل قال بن المنذر : روينا هذا القول عن عمر وزيد بن ثابت وبه قال سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير والزهري وقتادة وبن هرمز ومالك وأحمد بن حنبل وعبد الملك بن الماجشون وقالت طائفة : دية المرأة على النصف من دية الرجل فيما قل أو كثر روينا هذا القول عن علي بن أبي طالب وبه قال الثوري والشافعي وأبو ثور والنعمان وصاحباه واحتجوا بأنهم لما أجمعوا على الكثير وهو الدية كان القليل مثله وبه نقول التاسعة والعشرون قال القاضي عبد الوهاب : وكل ما فيه جمال منفرد عن منفعة أصلا ففيه حكومة كالحاجبين وذهاب شعر اللحية وشعر الرأس وثديي الرجل وأليته وصفة الحكومة أن يقوم المجنى عليه لو كان عبدا سليما ثم يقوم مع الجناية فما نقص من ثمنه جعل جزءا من ديته بالغا ما بلغ وحكاه بن المنذر عن كل من يحفظ عنه من أهل العلم قال : ويقبل فيه قول رجلين ثقتين من أهل المعرفة وقيل : بل يقبل قول عدل واحد والله سبحانه أعلم فهذه جمل من أحكام الجراحات والأعضاء تضمنها معنى هذه الآية فيها لمن اقتصر عليها كفاية والله الموفق للهداية بمنه وكرمه الموفية ثلاثين قوله تعالى : ( فمن تصدق به فهو كفارة له ) شرط وجوابه أي تصدق بالقصاص فعفا فهو كفارة له أي لذلك المتصدق وقيل : هو كفارة للجارح فلا يؤاخذ بجنايته في الآخرة لأنه يقوم مقام أخذ الحق منه وأجر المتصدق عليه وقد ذكر بن عباس القولين وعلى الأول أكثر الصحابة ومن بعدهم وروي الثاني عن بن عباس ومجاهد وعن إبراهيم النخعي والشعبي بخلاف عنهما والأول أظهر لأن العائد فيه يرجع إلى مذكور وهو ( من ) وعن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم ( ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيهبه إلا رفعه الله به درجة وحط عنه به خطيئة ( قال بن العربي : والذي يقول إنه إذا عفا عنه المجروح عفا الله عنه لم يقم عليه دليل فلا معنى له < <
المائدة : ( 46 ) وقفينا على آثارهم . . . . . > > < > ( المائده 46 : 47 ) < > قوله تعالى : ( وقفينا على آثارهم بعيسى بن مريم ) أي جعلنا عيسى يقفو آثارهم أي آثار النبيين الذين أسلموا ( مصدقا لما بين يديه ) يعني التوراة فإنه رأى التوراة حقا ورأى وجوب العمل بها إلى أن يأتي ناسخ ( مصدقا ) نصب على الحال من عيسى ( فيه هدى ) في موضع رفع بالابتداء ( ونور ) عطف عليه ( ومصدقا ) فيه وجهان يجوز أن يكون لعيسى وتعطفه على مصدقا الأول ويجوز أن يكون حالا من الإنجيل ويكون التقدير : وآتيناه الإنجيل مستقرا فيه هدى ونور ومصدقا ( وهدى وموعظة ) عطف على ( مصدقا ) أي هاديا وواعظا ( للمتقين ) وخصهم لأنهم المنتفعون بهما ويجوز رفعهما على العطف على قوله : ( فيه هدى ونور ) قوله تعالى : ( وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ) قرأ الأعمش وحمزة بنصب الفعل على أن تكون اللام لام كي والباقون بالجزم على الأمر فعلى الأول تكون اللام متعلقة بقوله : ( وآتيناه ) فلا يجوز الوقف أي وآتيناه الإنجيل ليحكم أهله بما أنزل الله فيه ومن قرأه على الأمر فهو كقوله : ( وأن احكم بينهم ) فهو إلزام مستأنف يبتدأ به أي ليحكم أهل الإنجيل أي في ذلك الوقت فأما الآن فهو منسوخ وقيل : هذا أمر للنصارى الآن بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فإن في الإنجيل وجوب الإيمان به والنسخ إنما يتصور في الفروع لا في الأصول قال مكي : والاختيار الجزم لأن الجماعة عليه ولأن ما بعده من الوعيد والتهديد يدل على أنه إلزام من الله تعالى لأهل الإنجيل قال النحاس : والصواب عندي أنهما قراءتان حسنتان لأن الله عز وجل لم ينزل كتابا إلا ليعمل بما فيه وأمر بالعمل بما فيه فصحتا جميعا < < المائدة : ( 48 ) وأنزلنا إليك الكتاب . . . . . > > < > ( المائده 48 ) <
> قوله تعالى : ( وأنزلنا إليك الكتاب ) الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم و ( الكتاب ) القرآن ( بالحق ) أي هو بالأمر بالحق ( مصدقا ) حال ( لما بين يديه من الكتاب ) أي من جنس الكتب ) أي عاليا عليها ومرتفعا وهذا يدل على تأويل من يقول بالتفضيل أي في كثرة الثواب على ما تقدمت إليه الإشارة في الفاتحة وهو اختيار بن الحصار في كتاب شرح السنة له وقد ذكرنا ما ذكره في كتابنا في شرح الأسماء الحسنى والحمد لله وقال قتادة : المهيمن معناه الشاهد وقيل : الحافظ وقال الحسن : المصدق ومنه قول الشاعر : إن الكتاب مهيمن لنبينا والحق يعرفه ذوو الألباب وقال بن عباس : ( ومهيمنا عليه ) أي مؤتمنا عليه قال سعيد بن جبير : القرآن مؤتمن على ما قبله من الكتب وعن بن عباس والحسن أيضا : المهيمن الأمين قال المبرد : أصله مؤيمن أبدل من الهمزة هاء كما قيل في أرقت الماء هرقت وقال الزجاج أيضا وأبو علي وقد صرف فقيل : هيمن يهيمن هيمنة وهو مهيمن بمعنى كان أمينا الجوهري : هو من آمن غيره من الخوف وأصله أأمن فهو مؤأمن بهمزتين قلبت الهمزة الثانية ياء كراهة لاجتماعهما فصار مؤتمن ثم صيرت الأولى هاء كما قالوا : هراق الماء وأراقه يقال منه : هيمن على الشيء يهيمن إذا كان له حافظا فهو مهيمن عن أبي عبيد وقرأ مجاهد وبن محيصن : ( ومهيمنا عليه ) بفتح الميم قال مجاهد : أي محمد صلى الله عليه وسلم مؤتمن على القرآن قوله تعالى : ( فاحكم بينهم بما أنزل الله ) يوجب الحكم فقيل : هذا نسخ للتخيير في قوله : ( فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ) وقيل : ليس هذا وجوبا والمعنى : فاحكم بينهم إن شئت إذ لا يجب علينا الحكم بينهم إذا لم يكونوا من أهل الذمة وفي أهل الذمة تردد وقد مضى الكلام فيه وقيل : أراد فاحكم بين الخلق فهذا كان واجبا عليه ) يعني لا تعمل بأهوائهم ومرادهم على ما جاءك من الحق يعني لا تترك الحكم بما بين الله تعالى من القرآن من بيان الحق وبيان الأحكام والأهواء جمع هوى ولا يجمع أهوية وقد تقدم في البقرة فنهاه عن أن يتبعهم فيما يريدونه وهو يدل على بطلان قول من قال : تقوم الخمر على من أتلفها عليهم لأنها ليست مالا لهم فتكون مضمونة على متلفها لأن إيجاب ضمانها على متلفها حكم بموجب أهواء اليهود وقد أمرنا بخلاف ذلك ومعنى ( عما جاءك ) على ما جاءك ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) يدل على عدم التعلق بشرائع الأولين والشرعة والشريعة الطريقة الظاهرة التي يتوصل بها إلى النجاة والشريعة في اللغة : الطريق الذي يتوصل منه إلى الماء والشريعة ما شرع الله لعباده من الدين وقد شرع لهم يشرع شرعا أي سن والشارع الطريق الأعظم والشرعة أيضا الوتر والجمع شرع وشرع وشراع جمع الجمع عن أبي عبيد فهو مشترك والمنهاج الطريق المستمر وهو النهج والمنهج أي البين قال الراجز : من يك ذا شك فهذا فلج ماء رواء وطريق نهج وقال أبو العباس محمد بن يزيد : الشريعة ابتداء الطريق والمنهاج الطريق المستمر وروي عن بن عباس والحسن وغيرهما ( شرعة ومنهاجا ) سنة وسبيلا ومعنى الآية أنه جعل التوراة لأهلها والإنجيل لأهله والقرآن لأهله وهذا في الشرائع والعبادات والأصل التوحيد لا اختلاف فيه روي معنى ذلك عن قتادة وقال مجاهد : الشرعة والمنهاج دين محمد عليه السلام وقد نسخ به كل ما سواه قوله تعالى : ( ولو شاء الله لجعلكم واحدة ) أي لجعل شريعتكم واحدة فكنتم على الحق فبين أنه أراد بالاختلاف إيمان قوم وكفر قوم ( ولكن ليبلوكم فيما آتاكم ) في الكلام حذف تتعلق به لام كي أي ولكن جعل شرائعكم مختلفة ليختبركم والابتلاء الاختبار قوله تعالى : ( فاستبقوا الخيرات ) أي سارعوا إلى الطاعات وهذا يدل على أن تقديم الواجبات أفضل من تأخيرها وذلك لا اختلاف فيه في العبادات كلها إلا في الصلاة في أول الوقت فإن أبا حنيفة يرى أن الأولى تأخيرها وعموم الآية دليل عليه قاله الكيا وفيه دليل على أن الصوم في السفر أولى من الفطر وقد تقدم جميع هذا في البقرة ( إلي مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ) أي بما اختلفتم فيه وتزول الشكوك < <
المائدة : ( 49 ) وأن احكم بينهم . . . . . > > < > ( المائده 49 ) < > قوله تعالى : ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) تقدم الكلام فيها وأنها ناسخة للتخيير قال بن العربي : وهذه دعوى عريضة فإن شروط النسخ أربعة : منها معرفة التاريخ بتحصيل المتقدم والمتأخر وهذا مجهول من هاتين الآيتين فامتنع أن يدعي أن واحدة منهما ناسخة للأخرى وبقي الأمر على حاله قلت : قد ذكرنا عن أبي جعفر النحاس أن هذه الآية متأخرة في النزول فتكون ناسخة إلا أن يقدر في الكلام ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) إن شئت لأنه قد تقدم ذكر التخيير له فآخر الكلام حذف التخيير منه لدلالة الأول عليه لأنه معطوف عليه فحكم التخيير كحكم المعطوف عليه فهما شريكان وليس الآخر بمنقطع مما قبله إذ لا معنى لذلك ولا يصح فلا بد من أن يكون قوله : ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) معطوفا على ما قبله من قوله : ( وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ) ومن قوله : ( فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ) فمعنى ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) أي احكم بذلك إن حكمت واخترت الحكم فهو كله محكم غير منسوخ لأن الناسخ لا يكون مرتبطا بالمنسوخ معطوفا عليه فالتخيير للنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك محكم غير منسوخ قاله مكي رحمه الله ( وأن احكم ) في موضع نصب عطفا على الكتاب أي وأنزلنا إليك أن احكم بينهم بما أنزل الله أي بحكم الله الذي أنزله إليك في كتابه ( واحذرهم أن يفتنوك ) ( أن ) بدل من الهاء والميم في ( واحذرهم ) وهو بدل اشتمال أو مفعول من أجله أي من أجل أن يفتنوك وعن بن إسحاق قال بن عباس : اجتمع قوم من الأحبار منهم بن صوريا وكعب بن أسد وبن صلوبا وشأس بن عدي وقالوا : أذهبوا بنا إلى محمد فلعلنا نفتنه عن دينه فإنما هو بشر فأتوه فقالوا : قد عرفت يا محمد أنا أحبار اليهود وإن اتبعناك لم يخالفنا أحد من اليهود وإن بيننا وبين قوم خصومة فنحاكمهم إليك فاقض لنا عليهم حتى نؤمن بك فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية وأصل الفتنة الاختبار حسبما تقدم ثم يختلف معناها فقوله تعالى هنا ( يفتنوك ) معناه يصدوك ويردوك وتكون الفتنة بمعنى الشرك ومنه قوله : والفتنة أكبر من القتل وقوله : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة الأنفال وتكون الفتنة بمعنى العبرة كقوله : لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ولا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين وتكون الفتنة الصد عن السبيل كما في هذه الآية وتكرير ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) للتأكيد أو هي أحوال وأحكام أمره أن يحكم في كل واحد بما أنزل الله وفي الآية دليل على جواز النسيان على النبي صلى الله عليه وسلم لأنه قال : ( أن يفتنوك ) وإنما يكون ذلك عن نسيان لا عن تعمد وقيل : الخطاب له والمراد غيره وسيأتي بيان هذا في الأنعام إن شاء الله تعالى ومعنى ( عن بعض ما أنزل الله إليك ) عن كل ما أنزل الله إليك والبعض يستعمل بمعنى الكل قال الشاعر : أو يعتبط بعض النفوس حمامها ويروى : أو يرتبط أراد كل النفوس وعليه حملوا قوله تعالى : ( ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه الزخرف ) قال بن العربي : والصحيح أن ( بعض ) على حالها في هذه الآية وأن المراد به الرجم أو الحكم الذي كانوا أرادوه ولم يقصدوا أن يفتنوه عن الكل والله أعلم قوله تعالى : ( فإن تولوا ) أي فإن أبوا حكمك وأعرضوا عنه ( فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ) أي يعذبهم بالجلاء والجزية والقتل وكذلك كان وإنما قال : ( ببعض ) لأن المجازاة بالبعض كانت كافية في التدمير عليهم ( وإن كثيرا من الناس لفاسقون ) يعني اليهود < <
المائدة : ( 50 ) أفحكم الجاهلية يبغون . . . . . > > < > ( المائده 50 ) < > فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( أفحكم الجاهلية يبغون ) ( أفحكم ) نصب ب ( يبغون ) والمعنى : أن الجاهلية كانوا يجعلون حكم الشريف خلاف حكم الوضيع كما تقدم في غير موضع وكانت اليهود تقيم الحدود على الضعفاء الفقراء ولا يقيمونها على الأقوياء الأغنياء فضارعوا الجاهلية في هذا الفعل الثانية روى سفيان بن عيينة عن بن أبي نجيح عن طاوس قال : كان إذا سألوه عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض يقرأ هذه الآية ( أفحكم الجاهلية يبغون ) فكان طاوس يقول : ليس لأحد أن يفضل بعض ولده على بعض فإن فعل لم ينفذ وفسخ وبه قال أهل الظاهر وروي عن أحمد بن حنبل مثله وكرهه الثوري وبن المبارك وإسحاق فإن فعل ذلك أحد نفذ ولم يرد وأجاز ذلك مالك والثوري والليث والشافعي وأصحاب الرأي واستدلوا بفعل الصديق في نحله عائشة دون سائر ولده وبقوله عليه السلام : ( فارجعه ( وقوله : ( فاشهد على هذا غيري ( واحتج الأولون بقوله عليه السلام لبشير : ( ألك ولد سوى هذا ( قال نعم فقال : ( أكلهم وهبت له مثل هذا ( فقال لا قال : ( فلا تشهدني إذا فإني لا أشهد على جور ( في رواية ( ؤإني لا أشهد إلا على حق ( قالوا : وما كان جورا وغير حق فهو باطل لا يجوز وقوله : ( أشهد على هذا غيري ( ليس إذنا في الشهادة وإنما هو زجر عنها لأنه عليه السلام قد سماه جورا وامتنع من الشهادة فيه فلا يمكن أن يشهد أحد من المسلمين في ذلك بوجه وأما فعل أبي بكر فلا يعارض به قول النبي صلى الله عليه وسلم ولعله قد كان نحل أولاده نحلا يعادل ذلك فإن قيل : الأصل تصرف الإنسان في ماله مطلقا قيل له : الأصل الكلي والواقعة المعينة المخالفة لذلك الأصل لا تعارض بينهما كالعموم والخصوص وفي الأصول أن الصحيح بناء العام على الخاص ثم إنه ينشأ عن ذلك العقوق الذي هو أكبر الكبائر وذلك محرم وما يؤدي إلى المحرم فهو ممنوع ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : ( اتقوا الله وأعدلوا بين أولادكم ( قال النعمان : فرجع أبي فرد تلك الصدقة والصدقة لا يعتصرها الأب بالإنفاق وقوله : ( فارجعه ( محمول على معنى فاردده والرد ظاهر في الفسخ كما قال عليه السلام : ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ( أي مردود مفسوخ وهذا كله ظاهر قوي وترجيح جلي في المنع الثالثة قرأ بن وثاب والنخعي ( أفحكم ) بالرفع على معنى يبغونه فحذف الهاء كما حذفها أبو النجم في قوله : قد أصبحت أم الخيار تدعي علي ذنبا كله لم أصنع فيمن روى ( كله ) بالرفع ويجوز أن يكون التقدير : أفحكم الجاهلية حكم يبغونه فحذف الموصوف وقرأ الحسن وقتادة والأعرج والأعمش ( أفحكم ) بنصب الحاء والكاف وفتح الميم وهي راجعة إلى معنى قراءة الجماعة إذ ليس المراد نفس الحكم وإنما المراد الحكم فكأنه قال : أفحكم حكم الجاهلية يبغون وقد يكون الحكم والحاكم في اللغة واحدا وكأنهم يريدون الكاهن وما أشبهه من حكام الجاهلية فيكون المراد بالحكم الشيوع والجنس إذ لا يراد به حاكم بعينه وجاز وقوع المضاف جنسا كما جاز في قولهم : منعت مصر إردبها وشبهه وقرأ بن عامر ( تبغون ) بالتاء الباقون بالياء وقوله تعالى : ( ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ) هذا استفهام على جهة الإنكار بمعنى : لا أحد أحسن فهذا ابتداء وخبر وحكما نصب على البيان لقوله ( لقوم يوقنون ) أي عند قوم يوقنون < < المائدة : ( 51 ) يا أيها الذين . . . . . > > <
> ( المائده 51 ) < > فيه مسئلتان : الأولى ( اليهود والنصارى أولياء ) مفعولان ل تتخذوا وهذا يدل على قطع الموالاة شرعا وقد مضى في آل عمران بيان ذلك ثم قيل : المراد به المنافقون المعنى يا أيها الذين آمنوا بظاهرهم وكانوا يوالون المشركين ويخبرونهم بأسرار المسلمين وقيل : نزلت في أبي لبابة عن عكرمة قال السدي : نزلت في قصة يوم أحد حين خاف المسلمون حتى هم قوم منهم أن يوالوا اليهود والنصارى وقيل : نزلت في عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبي بن سلول فتبرأ عبادة رضي الله عنه من موالاة اليهود وتمسك بها بن أبي وقال : إني أخاف أن تدور الدوائر ( بعضهم أولياء بعض ) مبتدأ وخبره وهو يدل على إثبات الشرع الموالاة فيما بينهم حتى يتوارث اليهود والنصارى بعضهم من بعض الثانية قوله تعالى : ( ومن يتولهم منكم ) أي يعضدهم على المسلمين ( فإنه منهم ) بين تعالى أن حكمه كحكمهم وهو يمنع إثبات الميراث للمسلم من المرتد وكان الذي تولاهم بن أبي ثم هذا الحكم باق إلى يوم القيامة في قطع المولاة وقد قال تعالى : ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار هود وقال تعالى في آل عمران لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين آل عمران وقال تعالى : لا تتخذوا بطانة من دونكم وقد مضى القول فيه وقيل : إن معنى ( بعضهم أولياء بعض ) أي في النصر ( ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) شرط وجوابه أي لأنه قد خالف الله تعالى ورسوله كما خالفوا ووجبت معاداته كما وجبت معاداتهم ووجبت له النار كما وجبت لهم فصار منهم أي من أصحابهم < < المائدة : ( 52 ) فترى الذين في . . . . . > > < > ( المائده 52 : 53 ) < > قوله تعالى : ( فترى الذين في قلوبهم مرض ) شك ونفاق وقد تقدم في البقرة والمراد بن أبي وأصحابه ( يسارعون فيهم ) أي في موالاتهم ومعاونتهم ( يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ) أي يدور الدهر علينا إما بقحط فلا يميروننا ولا يفضلوا علينا وإما أن يظفر اليهود بالمسلمين فلا يدوم الأمر لمحمد صلى الله عليه وسلم وهذا القول أشبه بالمعنى كأنه من دارت تدور أي نخشى أن يدور الأمر ويدل عليه قوله عز وجل : ( فعسى الله أن يأتي بالفتح ) وقال الشاعر : يرد عنك القدر المقدورا ودائرات الدهر أن تدورا يعني دول الدهر الدائرة من قوم إلى قوم واختلف في معنى الفتح فقيل : الفتح الفصل والحكم عن قتادة وغيره قال بن عباس : أتى الله بالفتح فقتلت مقاتلة بني قريظة وسبيت ذراريهم وأجلي بنو النضير وقال أبو علي : هو فتح بلاد المشركين على المسلمين وقال السدي : يعني بالفتح فتح مكة ( أو أمر من عنده ) قال السدي : هو الجزية الحسن : إظهار أمر المنافقين والإخبار بأسمائهم والأمر بقتلهم وقيل : الخصب والسعة للمسلمين ( فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ) أي فيصبحوا نادمين على توليهم الكفار إذا رأوا نصر الله للمؤمنين وإذا عاينوا عند الموت فبشروا بالعذاب قوله تعالى : ( ويقول الذين آمنوا ) وقرأ أهل المدينة وأهل الشام : ( يقول ) بغير واو وقرأ أبو عمرو وبن أبي إسحاق : ( ويقول ) بالواو والنصب عطفا على ( أن يأتي ) عند أكثر النحويين التقدير : فعسى الله أن يأتي بالفتح وأن يقول وقيل : هو عطف على المعنى لأن معنى ( عسى الله أن يأتي بالفتح ) وعسى أن يأتي الله بالفتح إذ لا يجوز عسى زيد أن يأتي ويقوم عمرو لأنه لا يصح المعنى إذا قلت : وعسى زيد أن يقوم عمرو ولكن لو قلت : عسى أن يقوم زيد ويأتي عمرو كان جيدا فإذا قدرت التقديم في أن يأتي إلى جنب عسى حسن لأنه يصير التقدير : عسى أن يأتي وعسى أن يقوم ويكون من باب قوله : ورأيت زوجك في الوغى متقلدا سيفا ورمحا وفيه قول ثالث وهو أن تعطفه على الفتح كما قال الشاعر : للبس عباءة وتقر عيني ويجوز أن يجعل ( أن يأتي ) بدلا من اسم الله جل ذكره فيصير التقدير : عسى أن يأتي الله ويقول الذين آمنوا وقرأ الكوفيون : ( ويقول الذين آمنوا ) بالرفع على القطع من الأول ( أهؤلاء ) إشارة إلى المنافقين ( أقسموا بالله ) حلفوا واجتهدوا في الإيمان ( إنهم لمعكم ) أي قالوا إنهم ويجوز ( أنهم ) نصب ب ( أقسموا ) أي قال المؤمنون لليهود على جهة التوبيخ : أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم أنهم يعينونكم على محمد ويحتمل أن يكون من المؤمنين بعضهم لبعض أي هؤلاء الذين كانوا يحلفون أنهم مؤمنون فقد هتك الله اليوم سترهم ( حبطت أعمالهم ) بطلت بنفاقهم ( فأصبحوا خاسرين ) أي خاسرين الثواب وقيل : خسروا في موالاة اليهود فلم تحصل لهم ثمرة بعد قتل اليهود وإجلائهم < <
المائدة : ( 54 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( المائده 54 ) < > فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( من يرتد منكم عن دينه ) شرط وجوابه ( فسوف ) وقراءة أهل المدينة والشام ( من يرتدد ) بدالين الباقون ( من يرتد ) وهذا من إعجاز القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم : إذ أخبر عن ارتدادهم ولم يكن ذلك في عهده وكان ذلك غيبا فكان على ما أخبر بعد مدة وأهل الردة كانوا بعد موته صلى الله عليه وسلم قال بن إسحاق : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب إلا ثلاثة مساجد مسجد المدينة ومسجد مكة ومسجد جواثى وكانوا في ردتهم على قسمين : قسم نبذ الشريعة كلها وخرج عنها وقسم نبذ وجوب الزكاة واعترف بوجوب غيرها قالوا نصوم ونصلي ولا نزكي فقاتل الصديق جميعهم وبعث خالد بن الوليد إليهم بالجيوش فقاتلهم وسباهم على ما هو مشهور من أخبارهم الثانية قوله تعالى : ( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ) في موضع النعت قال الحسن وقتادة وغيرهما : نزلت في أبي بكر الصديق وأصحابه وقال السدي : نزلت في الأنصار وقيل : هي إشارة إلى قوم لم يكونوا موجودين في ذلك الوقت وأن أبا بكر قاتل أهل الردة بقوم لم يكونوا وقت نزول الآية وهم أحياء من اليمن من كندة وبجيلة ومن أشجع وقيل : إنها نزلت في الأشعريين ففي الخبر أنها لما نزلت قدم بعد ذلك بيسير سفائن الأشعريين وقبائل اليمن من طريق البحر فكان لهم بلاء في الإسلام في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت عامة فتوح العراق في زمن عمر رضي الله عنه على يدي قبائل اليمن هذا أصح ما قيل في نزولها والله أعلم وروى الحاكم أبو عبد الله في المستدرك بإسناده : أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى أبي موسى الأشعري لما نزلت هذه الآية فقال : ( هم قوم هذا ( قال القشيري : فأتباع أبي الحسن من قومه لأن كل موضع أضيف فيه قوم إلى نبي أريد به الأتباع الثالثة قوله تعالى : ( أذلة على المؤمنين ) ( أذلة ) نعت لقوم وكذلك ( أعزة ) أي يرأفون بالمؤمنين ويرحمونهم ويلينون لهم من قولهم : دابة ذلول أي تنقاد سهلة وليس من الذل في شيء ويغلظون على الكافرين ويعادونهم قال بن عباس : هم للمؤمنين كالوالد للولد والسيد للعبد وهم في الغلظة على الكفار كالسبع على فريسته قال الله تعالى : أشداء على الكفار رحماء بينهم الفتح ويجوز ( أذلة ) بالنصب على الحال أي يحبهم ويحبونه في هذا الحال وقد تقدمت معنى محبة الله تعالى لعباده ومحبتهم له الرابعة قوله تعالى : ( يجاهدون في سبيل الله ) في موضع الصفة أيضا ( ولا يخافون لومة لائم ) بخلاف المنافقين يخافون الدوائر فدل بهذا على تثبيت إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم لأنهم جاهدوا في الله عز وجل في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاتلوا المرتدين بعده ومعلوم أن من كانت فيه هذه الصفات فهو ولي لله تعالى وقيل : الآية عامة في كل من يجاهد الكفار إلى قيام الساعة والله أعلم ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ) ابتداء وخبر ( والله واسع عليم ) أي واسع الفضل عليم بمصالح خلقه < < المائدة : ( 55 ) إنما وليكم الله . . . . . > > < > ( المائده 55 ) <
> فيه مسئلتان : الأولى قوله تعالى : ( إنما وليكم الله ورسوله ) قال جابر بن عبد الله قال عبد الله بن سلام للنبي صلى الله عليه وسلم : إن قومنا من قريظة والنضير قد هجرونا وأقسموا ألا يجالسونا ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل فنزلت هذه الآية فقال : رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء ( والذين ) علم في جميع المؤمنين وقد سئل أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم عن معنى ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ) هل هو علي بن أبي طالب فقال : علي من المؤمنين يذهب إلى أن هذا لجميع المؤمنين قال النحاس : وهذا قول بين لأن ( الذين ) لجماعة وقال بن عباس : نزلت في أبي بكر رضي الله عنه وقال في رواية أخرى : نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقاله مجاهد والسدي وحملهم على ذلك قوله تعالى : ( الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) وهي : المسألة الثانية وذلك أن سائلا سأل في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يعطه أحد شيئا وكان علي في الصلاة في الركوع وفي يمينه خاتم فأشار إلى السائل بيده حتى أخذه قال الكيا الطبري : وهذا يدل على أن العمل القليل لا يبطل الصلاة فإن التصدق بالخاتم في الركوع عمل جاء به في الصلاة ولم تبطل به الصلاة وقوله : ( ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) يدل على أن صدقة التطوع تسمى زكاة فإن عليا تصدق بخاتمه في الركوع وهو نظير قوله تعالى : وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون الروم وقد انتظم الفرض والنفل فصار اسم الزكاة شاملا للفرض والنفل كاسم الصدقة وكاسم الصلاة ينتظم الأمرين قلت : فالمراد على هذا بالزكاة التصدق بالخاتم وحمل لفظ الزكاة على التصدق بالخاتم فيه بعد لأن الزكاة لا تأتي إلا بلفظها المختص بها وهو الزكاة المفروضة على ما تقدم بيانه في أول سورة البقرة وأيضا فإن قبله ( يقيمون الصلاة ) ومعنى يقيمون الصلاة يأتون بها في أوقاتها بجميع حقوقها والمراد صلاة الفرض ثم قال : ( وهم راكعون ) أي النفل وقيل : أفرد الركوع بالذكر تشريفا وقيل : المؤمنون وقت نزول الآية كانوا بين متمم للصلاة وبين راكع وقال بن خويز منداد قوله تعالى : ( ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) تضمنت جواز العمل اليسير في الصلاة وذلك أن هذا خرج مخرج المدح وأقل ما في باب المدح أن يكون مباحا وقد روي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أعطى السائل شيئا وهو في الصلاة وقد يجوز أن يكون هذه صلاة تطوع وذلك أنه مكروه في الفرض ويحتمل أن يكون المدح متوجها على اجتماع حالتين كأنه وصف من يعتقد وجوب الصلاة والزكاة فعبر عن الصلاة بالركوع وعن الإعتقاد للوجوب بالفعل كما تقول : المسلمون هم المصلون ولا تريد أنهم في تلك الحال مصلون ولا يوجه المدح حال الصلاة فإنما يريد من يفعل هذا الفعل ويعتقده < < المائدة : ( 56 ) ومن يتول الله . . . . . > > < > ( المائده 56 ) <
> قوله تعالى : ( ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا ) أي من فوض أمره إلى الله وامتثل أمر رسوله ووالى المسلمين فهو من حزب الله وقيل : أي ومن يتولى القيام بطاعة الله ونصرة رسوله والمؤمنين ( فإن حزب الله هم الغالبون ) قال الحسن : حزب الله جند الله وقال غيره : أنصار الله قال الشاعر : وكيف أضوى وبلال حزبي أي ناصري والمؤمنون حزب الله فلا جرم غلبوا اليهود بالسبي والقتل والإجلاء وضرب الجزية والحزب الصنف من الناس وأصله من النائبة من قولهم : حزبه كذا أي نابه فكأن المحتزبين مجتمعون كاجتماع أهل النائبة عليها وحزب الرجل أصحابه والحزب الورد ومنه الحديث ( فمن فاته حزبه من الليل ( وقد حزبت القرآن والحزب الطائفة وتخربوا اجتمعوا والأحزاب : الطوائف التي تجتمع على محاربة الأنبياء وحزبه أمر أي أصابه < < المائدة : ( 57 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( المائده 57 ) < > فيه مسألتان : الأولى روي عن بن عباس رضي الله عنه أن قوما من اليهود والمشركين ضحكوا من المسلمين وقت سجودهم فأنزل الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا ) إلى آخر الآيات وتقدم معنى الهزؤ في البقرة ( من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء ) قرأه أبو عمرو والكسائي بالخفض بمعنى ومن الكفار قال الكسائي : وفي حرف أبي رحمه الله ( ومن الكفار ) و ( من ) ها هنا لبيان الجنس والنصب أوضح وأبين قاله النحاس وقيل : هو معطوف على أقرب العاملين منه وهو قوله : ( من الذين أوتوا الكتاب ) فنهاهم الله أن يتخذوا اليهود والمشركين أولياء وأعلمهم أن الفريقين اتخذوا دين المؤمنين هزوا ولعبا ومن نصب عطف على ( الذين ) الأول في قوله : ( لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا والكفار أولياء ) أي لا تتخذوا هؤلاء وهؤلاء أولياء فالموصوف بالهزؤ واللعب في هذه القراءة اليهود لا غير والمنهي عن اتخاذهم أولياء اليهود والمشركون وكلاهما في القراءة بالخفض موصوف بالهزؤ واللعب قال مكي : ولولا اتفاق الجماعة على النصب لاخترت الخفض لقوته في الإعراب وفي المعنى والتفسير والقرب من المعطوف عليه وقيل : المعنى لا تتخذوا المشركين والمنافقين أولياء بدليل قولهم : إنما نحن مستهزئون والمشركون كلهم كفار لكن يطلق في الغالب لفظ الكفار على المشركين فلهذا فصل ذكر أهل الكتاب من الكافرين الثانية قال بن خويز منداد هذه الآية مثل قوله تعالى : ( لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ) ولا تتخذوا بطانة من دونكم تضمنت المنع من التأييد والانتصار بالمشركين ونحو ذلك وروى جابر : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد الخروج إلى أحد جاءه قوم من اليهود فقالوا : نسير معك فقال عليه الصلاة والسلام : ( إنا لا نستعين على أمرنا بالمشركين ( وهذا هو الصحيح من مذهب الشافعي وأبو حنيفة جوز الانتصار بهم على المشركين للمسلمين وكتاب الله تعالى يدل على خلاف ما قالوه مع ما جاء من السنة في ذلك والله أعلم < < المائدة : ( 58 ) وإذا ناديتم إلى . . . . . > > < > ( المائده 58 ) <
> فيه اثنتا عشرة مسألة : الأولى قال الكلبي : كان إذا أذن المؤذن وقام المسلمون إلى الصلاة قالت اليهود : قد قاموا لا قاموا وكانوا يضحكون إذا ركع المسلمون وسجدوا وقالوا في حق الأذان : لقد ابتدعت شيئا لم نسمع به فيما مضى من الأمم فمن أين لك صياح مثل صياح العير فما أقبحه من صوت وما أسمجه من أمر وقيل : إنهم كانوا إذا أذن المؤذن للصلاة تضاحكوا فيما بينهم وتغامزوا على طريق السخف والمجون تجهيلا لأهلها وتنفيرا للناس عنها وعن الداعي إليها وقيل : إنهم كانوا يرون المنادي إليها بمنزلة اللاعب الهازيء بفعلها جهلا منهم بمنزلتها فنزلت هذه الآية ونزل قوله سبحانه : ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا فصلت والنداء الدعاء برفع الصوت وقد يضم مثل الدعاء والرغاء وناداه مناداة ونداء أي صاح به وتنادوا أي نادى بعضهم بعضا وتنادوا أي جلسوا في النادي وناداه جالسه في النادي وليس في كتاب الله تعالى ذكر الأذان إلا في هذه الآية أما أنه ذكر في الجمعة على الاختصاص الثانية قال العلماء : ولم يكن الأذان بمكة قبل الهجرة وإنما كانوا ينادون : الصلاة جامعة فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم وصرفت القبلة إلى الكعبة أمر بالأذان وبقي : الصلاة جامعة للأمر يعرض وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أهمه أمر الأذان حتى أريه عبد الله بن زيد وعمر بن الخطاب وأبو بكر الصديق رضي الله عنهم وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم سمع الأذان ليلة الإسراء في السماء وأما رؤيا عبد الله بن زيد الخزرجي الأنصاري وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما فمشهورة وإن عبد الله بن زيد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ليلا طرقه به وأن عمر رضي الله عنه قال : إذا أصبحت أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالا فأذن بالصلاة أذان الناس اليوم وزاد بلال في الصبح : الصلاة خير من النوم فأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وليست فيما أري الأنصاري ذكره بن سعد عن بن عمر وذكر الدارقطني رحمه الله أن الصديق رضي الله عنه أري الأذان وأنه أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلالا بالأذان قبل أن يخبره الأنصاري ذكره في كتاب المدبج له في حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي بكر الصديق وحديث أبي بكر عنه الثالثة واختلف العلماء في وجوب الأذان والإقامة فأما مالك وأصحابه فإن الأذان عندهم إنما يجب في المساجد للجماعات حيث يجتمع الناس وقد نص على ذلك مالك في موطئه واختلف المتأخرون من أصحابه على قولين : أحدهما سنة مؤكدة واجبة على الكفاية في المصر وما جرى مجرى مصر من القرى وقال بعضهم : هو فرض على الكفاية وكذلك اختلف أصحاب الشافعي وحكى الطبري عن مالك قال : إن ترك أهل مصر الأذان عامدين أعادوا الصلاة قال أبو عمر : ولا أعلم اختلافا في وجوب الأذان جملة على أهل المصر لأن الأذان هو العلامة الدالة المفرقة بين دار الإسلام ودار الكفر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية قال لهم : ( إذا سمعتم الأذان فأمسكوا وكفوا وإن لم تسمعوا الأذان فأغيروا أو قال فشنوا الغارة ( وفي صحيح مسلم قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغير إذا طلع الفجر فإن سمع أذانا أمسك وإلا أغار الحديث وقال عطاء ومجاهد والأوزاعي وداود : الأذان فرض ولم يقولوا على الكفاية وقال الطبري : الأذان سنة وليس بواجب وذكر عن أشهب عن مالك : إن ترك الأذان مسافر عمدا فعليه إعادة الصلاة وكره الكوفيون أن يصلي المسافر بغير أذان ولا إقامة قالوا : وأما ساكن المصر فيستحب له أن يؤذن ويقيم فإن استجزأ بأذان الناس وإقامتهم أجزأه وقال الثوري : تجزئه الإقامة عن الأذان في السفر وإن شئت أذنت وأقمت وقال أحمد بن حنبل : يؤذن المسافر على حديث مالك بن الحويرث وقال داود : الأذان واجب على كل مسافر في خاصته والإقامة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث ولصاحبه : ( إذا كنتما في سفر فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما خرجه البخاري وهو قول أهل الظاهر قال بن المنذر ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمالك بن الحويرث ولابن عم له إذا سافرتما فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما ( قال بن المنذر : فالأذان والإقامة واجبان على كل جماعة في الحضر والسفر لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالأذان وأمره على الوجوب قال أبو عمر : واتفق الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور والطبري على أن المسافر إذا ترك الأذان عامدا أو ناسيا أجزأته صلاته وكذلك لو ترك الإقامة عندهم وهم أشد كراهة لتركه الإقامة واحتج الشافعي في أن الأذان غير واجب وليس فرضا من فروض الصلاة بسقوط الأذان للواحد عند الجمع بعرفة والمزدلفة وتحصيل مذهب مالك في الأذان في السفر كالشافعي سواء الرابعة واتفق مالك والشافعي وأصحابهما على أن الأذأن مثنى والإقامة مرة مرة إلا أن الشافعي يربع التكبير الأول وذلك محفوظ من روايات الثقات في حديث أبي محذورة وفي حديث عبد الله بن زيد قال : وهي زيادة يجب قبولها وزعم الشافعي أن أذان أهل مكة لم يزل في آل أبي محذورة كذلك إلى وقته وعصره قال أصحابه : وكذلك هو الآن عندهم وما ذهب إليه مالك موجود أيضا في أحاديث صحاح في أذان أبي محذورة وفي أذان عبد الله بن زيد والعمل عندهم بالمدينة على ذلك في آل سعد القرظي إلى زمانهم واتفق مالك والشافعي على الترجيع في الأذأن وذلك رجوع المؤذن إذا قال : أشهد أن لا إله إلا الله مرتين أشهد أن محمدا رسول الله مرتين رجع فمد من صوته جهده ولا خلاف بين مالك والشافعي في الإقامة إلا قوله : قد قامت الصلاة فإن مالكا يقولها مرة والشافعي مرتين وأكثر العلماء على ما قال الشافعي وبه جاءت الآثار وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن حي : الأذان والإقامة جميعا مثنى مثنى والتكبير عندهم في أول الأذان وأول الإقامة الله أكبر أربع مرات ولا ترجيع عندهم في الأذان وحجتهم في ذلك حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن عبد الله بن زيد جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله رأيت في المنام كأن رجلا قام وعليه بردان أخضران على جذم حائط فأذن مثنى وأقام مثنى وقعد بينهما قعدة فسمع بلال بذلك فقام وأذن مثنى وقعد قعدة وأقام مثنى رواه الأعمش وغيره عن عمرو بن مرة عن بن أبي ليلى وهو قول جماعة التابعين والفقهاء بالعراق قال أبو إسحاق السبيعي : كان أصحاب علي وعبد الله يشفعون الأذان والإقامة فهذا أذان الكوفيين متوارث عندهم به العمل قرنا بعد قرن أيضا كما يتوارث الحجازيون فأذانهم تربيع التكبير مثل المكيين ثم الشهادة بأن لا إله إلا الله مرة واحدة وأشهد أن محمدا رسول الله مرة واحدة ثم حي على الصلاة مرة ثم حي على الفلاح مرة ثم يرجع المؤذن فيمد صوته ويقول : أشهد أن لا إله إلا الله الأذان كله مرتين مرتين إلى آخره قال أبو عمر : ذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وداود بن علي ومحمد بن جرير الطبري إلى إجازة القول بكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وحملوه على الإباحة والتخيير قالوا : كل ذلك جائز لانه قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جميع ذلك وعمل به أصحابه فمن شاء قال : الله أكبر مرتين في أول الأذان ومن شاء قال ذلك أربعا ومن شاء رجع في أذانه ومن شاء لم يرجع ومن شاء ثنى الإقامة ومن شاء أفردها إلا قوله : قد قامت الصلاة فإن ذلك مرتان مرتان على كل حال الخامسة واختلفوا في التثويب لصلاة الصبح وهو قول المؤذن : الصلاة خير من النوم فقال مالك والثوري والليث : يقول المؤذن في صلاة الصبح بعد قوله : حي على الفلاح مرتين الصلاة خير من النوم مرتين وهو قول الشافعي بالعراق وقال بمصر : لا يقول ذلك وقال أبو حنيفة وأصحابه : يقوله بعد الفراغ من الأذان إن شاء وقد روي عنهم أن ذلك في نفس الأذان وعليه الناس في صلاة الفجر قال أبو عمر : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي محذورة أنه أمره أن يقول في أذان الصبح : الصلاة خير من النوم وروى عنه أيضا ذلك من حديث عبد الله بن زيد وروي عن أنس أنه قال : من السنة أن يقال في الفجر : الصلاة خير من النوم وروي عن بن عمر أنه كان يقوله وأما قول مالك في الموطأ أنه بلغه أن المؤذن جاء إلى عمر بن الخطاب يؤذنه بصلاة الصبح فوجده نائما فقال : الصلاة خير من النوم فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح فلا أعلم أن هذا روى عن عمر من جهة يحتج بها وتعلم صحتها وإنما فيه حديث هشام بن عروة عن رجل يقال له إسماعيل فاعرفه ذكر بن أبي شيبة حدثنا عبدة بن سليمان عن هشام بن عروة عن رجل يقال له إسماعيل قال : جاء المؤذن يؤذن عمر بصلاة الصبح فقال : الصلاة خير من النوم فأعجب به عمر وقال للمؤذن : أقرها في أذانك قال أبو عمر : والمعنى فيه عندي انه قال له : نداء الصبح موضع القول بها لا ها هنا كأنه كره أن يكون منه نداء آخر عند باب الأمير كما أحدثه الأمراء بعد قال أبو عمر : وإنما حملني على هذا التأويل وإن كان الظاهر من الخبر خلافه لأن التثويب في صلاة الصبح أشهر عند العلماء والعامة من أن يظن بعمر رضي الله عنه أنه جهل شيئا سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر به مؤذنيه بالمدينة بلالا وبمكة أبا محذورة فهو محفوظ معروف في تأذين بلال وأذان أبي محذورة في صلاة الصبح للنبي صلى الله عليه وسلم مشهور عند العلماء روى وكيع عن سفيان عن عمران بن مسلم عن سويد بن غفلة أنه أرسل إلى مؤذنه إذا بلغت : حي على الفلاح فقل : الصلاة خير من النوم فإنه أذان بلال ومعلوم أن بلالا لم يؤذن قط لعمر ولا سمعه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة بالشام إذ دخلها السادسة وأجمع أهل العلم على أن من السنة ألا يؤذن للصلاة إلا بعد دخول وقتها إلا الفجر فإنه يؤذن لها قبل طلوع الفجر في قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وحجتهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي بن أم مكتوم ( وقال أبو حنيفة والثوري ومحمد بن الحسن : لا يؤذن لصلاة الصبح حتى يدخل وقتها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث وصاحبه : ( إذا حضرت الصلاة فأذنا ثم أقيما وليؤمكما أكبركما ( وقياسا على سائر الصلوات وقالت طائفة من أهل الحديث : إذا كان للمسجد مؤذنان أذن أحدهما قبل طلوع الفجر والآخر بعد طلوع الفجر السابعة واختلفوا في المؤذن يؤذن ويقيم غيره فذهب مالك وأبو حنيفة وأصحابهما إلى أنه لا بأس بذلك لحديث محمد بن عبد الله بن زيد عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره إذ رأى النداء في النوم أن يلقيه على بلال فأذن بلال ثم أمر عبد الله بن زيد فأقام وقال الثوري والليث والشافعي : من أذن فهو يقيم لحديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن زياد بن نعيم عن زياد بن الحرث الصدائي قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان أول الصبح أمرني فأذنت ثم قام إلى الصلاة فجاء بلال ليقيم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن أخا صداء أذن ومن أذن فهو يقيم ( قال أبو عمر عبد الرحمن بن زياد هو الإفريقي وأكثرهم يضعفونه وليس يروي هذا الحديث غيره والأول أحسن إسنادا إن شاء الله تعالى وإن صح حديث الإفريقي فإن من أهل العلم من يوثقه ويثني عليه فالقول به أولى لأنه نص في موضع الخلاف وهو متأخر عن قصة عبد الله بن زيد مع بلال والآخر فالآخر من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى أن يتبع ومع هذا فإني أستحب إذا كان المؤذن واحدا راتبا أن يتولى الإقامة فإن أقامها غيره فالصلاة ماضية بإجماع والحمد لله الثامنة وحكم المؤذن أن يترسل في أذانه ولا يطرب به كما يفعله اليوم كثير من الجهال بل وقد أخرجه كثير من الطغام والعوام عن حد الإطراب فيرجعون فيه الترجيعات ويكثرون فيه التقطيعات حتى لا يفهم ما يقول ولا بما به يصول روى الدارقطني من حديث بن جريج عن عطاء عن بن عباس قال : كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذن يطرب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الأذان سهل سمح فإن كان أذانك سهلا سمحا وإلا فلا تؤذن ( ويستقبل في أذانه القبلة عند جماعة من العلماء ويلوي رأسه يمينا وشمالا في حي على الصلاة حي على الفلاح عند كثير من أهل العلم قال أحمد : لا يدور إلا أن يكون في منارة يريد أن يسمع الناس وبه قال إسحاق والأفضل أن يكون متطهرا التاسعة ويستحب لسامع الأذان أن يحكيه إلى آخر التشهدين وإن أتمه جاز لحديث أبي سعيد وفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم الله أكبر الله أكبر ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله قال أشهد أن لا إله إلا الله ثم قال أشهد أن محمدا رسول الله قال أشهد أن محمدا رسول الله ثم قال حي على الصلاة قال لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال حي على الفلاح قال لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال الله أكبر الله أكبر قال الله أكبر الله أكبر ثم قال لا إله إلا الله قال لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة ( وفيه عن سعد بن أبي وقاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من قال حين يسمع المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله رضيت بالله ربا وبمحمد رسولا وبالإسلام دينا غفر له ما تقدم من ذنبه ( العاشرة وأما فضل الأذان والمؤذن فقد جاءت فيه أيضا آثار صحاح منها ما رواه مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع التأذين ( الحديث وحسبك أنه شعار الإسلام وعلم على الإيمان كما تقدم وأما المؤذن فروى مسلم عن معاوية قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة ( وهذه إشارة إلى الأمن من هول ذلك اليوم والله أعلم والعرب تكنى بطول العنق عن أشراف القوم وساداتهم كما قال قائلهم : طوال أنضية الأعناق واللمم وفي الموطأ عن أبي سعيد الخدري سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة ( وفي سنن بن ماجة عن بن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أذن محتسبا سبع سنين كتبت له براءة من النار ( وفيه عن بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من أذن ثنتي عشرة سنة وجبت له الجنة وكتب له بتأذينه في كل يوم ستون حسنة ولكل إقامة ثلاثون حسنة ( قال أبو حاتم : هذا الإسناد منكر والحديث صحيح وعن عثمان بن أبي العاص قال : كان آخر ما عهد إلي النبي صلى الله عليه وسلم ( ألا أتخذ مؤذنا يأخذ على أذانه أجرا ( حديث ثابت الحادية عشرة واختلفوا في أخذ الأجرة على الأذان فكره ذلك القاسم بن عبد الرحمن وأصحاب الرأي ورخص فيه مالك وقال : لا بأس به وقال الأوزاعي : ذلك مكروه ولا بأس بأخذ الرزق على ذلك من بيت المال وقال الشافعي : لا يرزق المؤذن إلا من خمس الخمس سهم النبي صلى الله عليه وسلم قال بن المنذر : لا يجوز أخذ الأجرة على الأذان وقد استدل علماؤنا بأخذ الأجرة بحديث أبي محذورة وفيه نظر أخرجه النسائي وبن ماجة وغيرهما قال : خرجت في نفر فكنا ببعض الطريق فأذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعنا صوت المؤذن ونحن عنه متنكبون فصرخنا نحكيه نهزأ به فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إلينا قوما فأقعدونا بين يديه فقال : ( أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع ( فأشار إلي القوم كلهم وصدقوا فأرسل كلهم وحبسني وقال لي : ( قم فأذن ( فقمت ولا شيء أكره إلي من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا مما يأمرني به فقمت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فألقى علي رسول الله صلى الله عليه وسلم التأذين هو بنفسه فقال : ( قل الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله ثم قال لي ارفع فمد صوتك أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ( ثم دعاني حين قضيت التأذين فأعطاني صرة فيها شيء من فضة ثم وضع يده على ناصية أبي محذورة ثم أمرها على وجهه ثم على ثدييه ثم على كبده حتى بلغت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم سرة أبي محذورة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بارك الله لك وبارك عليك ( فقلت : يا رسول الله مرني بالتأذين بمكة قال ( قد أمرتك ( فذهب كل شيء كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كراهية وعاد ذلك كله محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقدمت على عتاب بن أسيد عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لفظ بن ماجة الثانية عشرة قوله تعالى : ( ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ) أي أنهم بمنزلة من لا عقل له يمنعه من القبائح روي أن رجلا من النصارى وكان بالمدينة إذا سمع المؤذن يقول : أشهد أن محمدا رسول الله قال : حرق الكاذب فسقطت في بيته شرارة من نار وهو نائم فتعلقت بالبيت فأحرقته وأحرقت ذلك الكافر معه فكانت عبرة للخلق والبلاء موكل بالمنطق وقد كانوا يمهلون مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى يستفتحوا فلا يؤخروا بعد ذلك ذكره بن العربي < <
المائدة : ( 59 ) قل يا أهل . . . . . > > < > ( المائده 59 : 60 ) <
> قوله تعالى : ( قل يأهل الكتاب هل تنقمون منا ) قال بن عباس رضي الله عنه : جاء نفر من اليهود فيهم أبو ياسر بن أخطب ورافع بن أبي رافع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه عمن يؤمن به من الرسل عليهم السلام فقال : ( نؤمن بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل إلى قوله : ونحن له مسلمون ( فلما ذكر عيسى عليه السلام جحدوا نبوته وقالوا : والله ما نعلم أهل دين أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم ولا دينا شرا من دينكم فنزلت هذه الآية وما بعدها وهي متصلة بما سبقها من إنكارهم الأذان فهو جامع للشهادة لله بالتوحيد ولمحمد بالنبوة والمتناقض دين من فرق بين أنبياء الله لا دين من يؤمن بالكل ويجوز إدغام اللام في التاء لقربها منها و ( تنقمون ) معناه تسخطون وقيل : تكرهون وقيل : تنكرون والمعنى متقارب يقال : نقم من كذا ينقم ونقم ينقم والأول أكثر قال عبد الله بن قيس الرقيات : ما نقموا من بني أمية إلا أنهم يحلمون إن غضبوا وفي التنزيل وما نقموا منهم البروج ويقال : نقمت على الرجل بالكسر فأنا ناقم إذا عتبت عليه يقال : ما نقمت عليه الإحسان قال الكسائي : نقمت بالكسر لغة ونقمت الأمر أيضا ونقمته إذا كرهته وانتقم الله منه أي عاقبه والاسم منه النقمة والجمع نقمات ونقم مثل كلمة وكلمات وكلم وإن شئت سكنت القاف ونقلت حركتها إلى النون فقلت : نقمة والجمع نقم مثل نعمة ونعم ( إلا أن آمنا بالله ) في موضع نصب ب ( تنقمون ) و ( تنقمون ) بمعنى تعيبون أي هل تنقمون منا إلا إيماننا بالله وقد علمتم أنا على الحق ( وأن أكثركم فاسقون ) أي في ترككم الإيمان وخروجكم عن امتثال أمر الله فقيل هو مثل قول القائل : هل تنقم مني إلا أني عفيف وأنك فاجر وقيل : أي لأن أكثركم فاسقون تنقمون منا ذلك قوله تعالى : ( قل هل أنبئكم بشر من ذلك ) أي بشر من نقمكم علينا وقيل : بشر ما تريدون لنا من المكروه وهذا جواب قولهم : ما نعرف دينا شرا من دينكم ( مثوبة ) نصب على البيان وأصلها مفعولة فألقيت حركة الواو على الثاء فسكنت الواو وبعدها واو ساكنة فحذفت إحداهما لذلك ومثله مقولة ومجوزة ومضوفة على معنى المصدر كما قال الشاعر : وكنت إذا جاري دعا لمضوفة أشمر حتى ينصف الساق مئزري وقيل : مفعلة كقولك مكرمة ومعقلة ( من لعنه الله ) ( من ) في موضع رفع كما قال : ( بشر من ذلكم النار الحج ) والتقدير : هو لعن من لعنه الله ويجوز أن يكون في موضع نصب بمعنى : قل هل أنبئكم بشر من ذلك من لعنه الله ويجوز أن يكون في موضع خفض على البدل من شر والتقدير : هل أنبئكم بمن لعنه الله والمراد اليهود وقد تقدم القول في الطاغوت أي وجعل منهم من عبد الطاغوت والموصول محذوف عند الفراء وقال البصريون : لا يجوز حذف الموصول والمعنى من لعنه الله وعبد الطاغوت وقرأ بن وثاب والنخعي ( أنبئكم ) بالتخفيف وقرأ حمزة : ( عبد الطاغوت ) بضم الباء وكسر التاء جعله اسما على فعل كعضد فهو بناء للمبالغة والكثرة كيقظ وندس وحذر وأصله الصفة ومنه قول النابغة من وحش وجرة موشي أكارعه طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد بضم الراء ونصبه ب ( جعل ) أي جعل منهم عبدا للطاغوت وأضاف عبد إلى الطاغوت فخفضه وجعل بمعنى خلق والمعني : وجعل منهم من يبالغ في عبادة الطاغوت وقرأ الباقون بفتح الباء والتاء وجعلوه فعلا ماضيا وعطفوه على فعل ماض وهو غضب ولعن والمعنى عندهم من لعنه الله ومن عبد الطاغوت أو منصوبا ب ( جعل ) أي جعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت ووحد الضمير في عبد حملا على لفظ ( من ) دون معناها وقرأ أبي وبن مسعود ( وعبدوا الطاغوت ) على المعنى بن عباس : ( وعبد الطاغوت ) فيجوز أن يكون جمع عبد كما يقال : رهن ورهن وسقف وسقف ويجوز أن يكون جمع عباد كما يقال : مثال ومثل ويجوز أن يكون جمع عبد كرغيف ورغف ويجوز أن يكون جمع عابد كبازل وبزل والمعنى : وخدم الطاغوت وعن بن عباس أيضا ( وعبد الطاغوت ) جعله جمع عابد كما يقال : شاهد وشهد وغايب وغيب وعن أبي واقد : وعباد الطاغوت للمبالغة جمع عابد أيضا كعامل وعمال وضارب وضراب وذكر محبوب أن البصريين قرؤوا : ( وعباد الطاغوت ) جمع عابد أيضا كقائم وقيام ويجوز أن يكون جمع عبد وقرأ أبو جعفر الرؤاسي ( وعبد الطاغوت ) على المفعول والتقدير : وعبد الطاغوت فيهم وقرأ عون العقيلي وبن بريدة : ( وعابد الطاغوت ) على التوحيد وهو يؤدى عن جماعة وقرأ بن مسعود أيضا ( وعبد الطاغوت ) وعنه أيضا وأبي ( وعبدت الطاغوت ) على تأنيث الجماعة كما قال تعالى قالت الأعراب الحجرات وقرأ عبيد بن عمير : ( وأعبد الطاغوت ) مثل كلب وأكلب فهذه اثنا عشر وجها قوله تعالى : ( أولئك شر مكانا ) لأن مكانهم النار وأما المؤمنون فلا شر في مكانهم وقال الزجاج : أولئك شر مكانا على قولكم النحاس : ومن أحسن ما قيل فيه : أولئك الذين لعنهم الله شر مكانا في الآخرة من مكانكم في الدنيا لما لحقكم من الشر وقيل : أولئك الذين لعنهم الله شر مكانا من الذين نقموا عليكم وقيل : أولئك الذين نقموا عليكم شر مكانا من الذين لعنهم الله ولما نزلت هذه الآية قال المسلمون لهم : يا إخوة القردة والخنازير فنكسوا رؤوسهم افتضاحا وفيهم يقول الشاعر : فلعنة الله على اليهود إن اليهود إخوة القرود < <
المائدة : ( 61 ) وإذا جاؤوكم قالوا . . . . . > > < > ( المائده 61 : 63 ) < > قوله تعالى : ( وإذا جاءوكم قالوا آمنا ) الآية هذه صفة المنافقين والمعنى أنهم لم ينتفعوا بشيء مما سمعوه بل دخلوا كافرين وخرجوا كافرين ( والله أعلم بما كانوا يكتمون ) أي من نفاقهم وقيل : المراد اليهود الذين قالوا : آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار إذا دخلتم المدينة واكفروا آخره إذا رجعتم إلى بيوتكم يدل عليه ما قبله من ذكرهم وما يأتي قوله تعالى : ( وترى كثيرا منهم ) يعني من اليهود ( يسارعون في الإثم والعدوان ) أي يسابقون في المعاصي والظلم ( وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون ) قوله تعالى : ( لولا ينهاهم الربانيون والأحبار ) ( لولا ) بمعنى أفلا ( ينهاهم ) يزجرهم ( الربانيون ) علماء النصارى ( والأحبار ) علماء اليهود قاله الحسن وقيل : الكل في اليهود لأن هذه الآيات فيهم ثم وبخ علماءهم في تركهم نهيهم فقال : ( لبئس ما كانوا يصنعون ) كما وبخ من يسارع في الإثم بقوله : ( لبئس ما كانوا يعملون ) ودلت الآية على أن تارك النهي عن المنكر كمرتكب المنكر فالآية توبيخ للعلماء في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد مضى القول في هذا المعنى في البقرة وآل عمران وروى سفيان بن عيينة قال : حدثني سفيان بن سعيد عن مسعر قال بلغني أن ملكا أمر أن يخسف بقرية فقال : يا رب فيها فلان العابد فأوحى الله تعالى إليه : أن به فابدأ فإنه لم يتمعر وجهه في ساعة قط وفي صحيح الترمذي : ( إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده ( وسيأتي والصنع بمعنى العمل إلا أنه يقتضي الجودة يقال : سيف صنيع إذا جود عمله < < المائدة : ( 64 ) وقالت اليهود يد . . . . . > > < > ( المائده 64 ) <
> قال عكرمة : إنما قال هذا فنحاص بن عازوراء لعنه الله وأصحابه وكان لهم أموال فلما كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم قل مالهم فقالوا : إن الله بخيل ويد الله مقبوضة عنا في العطاء فالآية خاصة في بعضهم وقيل : لما قال قوم هذا ولم ينكر الباقون صاروا كأنهم بأجمعهم قالوا هذا وقال الحسن : المعنى يد الله مقبوضة عن عذابنا وقيل : إنهم لما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم في فقر وقلة مال وسمعوا من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ورأوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يستعين بهم في الديات قالوا : إن إله محمد فقير وربما قالوا : بخيل وهذا معنى قولهم : ( يد الله مغلولة ) فهو على التمثيل كقوله : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ويقال للبخيل : جعد الأنامل ومقبوض الكف وكز الأصابع ومغلول اليد قال الشاعر : كانت خراسان أرضا إذ يزيد بها وكل باب من الخيرات مفتوح فاستبدلت بعده جعدا أنامله كأنما وجهه بالخل منضوح واليد في كلام العرب تكون للجارحة كقوله تعالى : وخذ بيدك ضغثا وهذا محال على الله تعالى وتكون للنعمة تقول العرب : كم يد لي عند فلان أي كم من نعمة لي قد أسديتها له وتكون للقوة قال الله عز وجل واذكر عبدنا داود ذا الأيد ص أي ذا القوة وتكون للملك والقدرة قال الله تعالى قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء وتكون بمعنى الصلة قال الله تعالى مما عملت أيدينا أنعاما يس أي مما عملنا نحن وقال : أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح أي الذي له عقدة النكاح وتكون بمعنى التأييد والنصرة ومنه قوله عليه السلام : ( يد الله مع القاضي حتى يقضي والقاسم حتى يقسم ( وتكون لإضافة الفعل إلى المخبر عنه تشريفا له وتكريما قال الله تعالى : يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ص فلا يجوز أن يحمل على الجارحة لأن الباري جل وتعالى واحد لا يجوز عليه التبعيض ولا على القوة والملك والنعمة والصلة لأن الإشتراك يقع حينئذ بين وليه آدم وعدوه إبليس ويبطل ما ذكر من تفضيله عليه لبطلان معنى التخصيص فلم يبق إلا أن تحمل على صفتين تعلقتا بخلق آدم تشريفا له دون خلق إبليس تعلق القدرة بالمقدور لا من طريق المباشرة ولا من حيث المماسة ومثله ما روي أنه عز اسمه وتعالى علاه وجده أنه كتب التوراة بيده وغرس دار الكرامة بيده لأهل الجنة وغير ذلك تعلق الصفة بمقتضاها قوله تعالى : ( غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا ) حذفت الضمة من الياء لثقلها أي غلت في الآخرة ويجوز أن يكون دعاء عليهم وكذا ( ولعنوا بما قالوا ) والمقصود تعليمنا كما قال : لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله الفتح علمنا الاستثناء كما علمنا الدعاء على أبي لهب بقوله : تبت يدا أبي لهب المسد وقيل : المراد أنهم أبخل الخلق فلا ترى يهوديا غير لئيم وفي الكلام على هذا القول إضمار الواو أي قالوا : يد الله مغلولة وغلت أيديهم واللعن الإبعاد وقد تقدم قوله تعالى : ( بل يداه مبسوطتان ) ابتداء وخبر أي بل نعمته مبسوطة فاليد بمعنى النعمة قال بعضهم : هذا غلط لقوله : ( بل يداه مبسوطتان ) فنعم الله تعالى أكثر من أن تحصى فكيف تكون بل نعمتاه مبسوطتان وأجيب بأنه يجوز أن يكون هذا تثنية جنس لا تثنية واحد مفرد فيكون مثل قوله عليه السلام : ( مثل المنافق كالشاة العائرة بين الغنمين ( فأحد الجنسين نعمة الدنيا والثاني نعمة الآخرة وقيل : نعمتا الدنيا النعمة الظاهرة والنعمة الباطنة كما قال وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة لقمان وروى بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيه : ( النعمة الظاهرة ما حسن من خلقك والباطنة ما ستر عليك من سيء عملك ( وقيل : نعمتاه المطر والنبات اللتان النعمة بهما ومنهما وقيل : إن النعمة للمبالغة كقول العرب : لبيك وسعديك وليس يريد الاقتصار على مرتين وقد يقول القائل : ما لي بهذا الأمر يد أي قوة قال السدي معنى قوله ( يداه ) قوتاه بالثواب والعقاب بخلاف ما قالت اليهود : إن يده مقبوضة عن عذابهم وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله تعالى قال لي أنفق أنفق عليك ( وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يمين الله ملأى لا يغيضها سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق مذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه قال وعرشه على الماء وبيده الأخرى القبض يرفع ويخفض ( السح الصب الكثير ويغيض ينقص ونظير هذا الحديث قوله جل ذكره : والله يقبض ويبسط وأما هذه الآية ففي قراءة بن مسعود ( بل يداه مبسوطتان المائدة ) حكاه الأخفش وقال يقال : يد بسطة أي منطلقة منبسطة ( ينفق كيف يشاء ) أي يرزق كما يريد ويجوز أن تكون اليد في هذه الآية بمعنى القدرة أي قدرته شاملة فإن شاء وسع وإن شاء قتر ( وليزيدن كثيرا منهم ) لام قسم ( ما أنزل إليك من ربك ) أي بالذي أنزل إليك ( طغيانا وكفرا ) أي إذا نزل شيء من القرآن فكفروا ازداد كفرهم ( وألقينا بينهم ) قال مجاهد : أي بين اليهود والنصارى لأنه قال قبل هذا : لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء وقيل : أي ألقينا بين طوائف اليهود كما قال : تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى الحشر فهم متباغضون غير متفقين فهم أبغض خلق الله إلى الناس ( كلما أوقدوا نارا للحرب ) يريد اليهود و ( كلما ) ظرف أي كلما جمعوا وأعدوا شتت الله جمعهم وقيل : إن اليهود لما أفسدوا وخالفوا كتاب الله التوراة أرسل الله عليهم بختنصر ثم أفسدوا فأرسل عليهم بطرس الرومي ثم أفسدوا فأرسل عليهم المجوس ثم أفسدوا فبعث الله عليهم المسلمين فكانوا كلما استقام أمرهم شتتهم الله فكلما أوقدوا نارا أي أهاجوا شرا وأجمعوا أمرهم على حرب النبي صلى الله عليه وسلم ( أطفأها الله ) وقهرهم ووهن أمرهم فذكر النار مستعار قال قتادة : أذلهم الله عز وجل فلقد بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم وهم تحت أيدي المجوس ثم قال جل وعز : ( ويسعون في الأرض فسادا ) أي يسعون في إبطال الإسلام وذلك من أعظم الفساد والله أعلم وقيل : المراد بالنار هنا نار الغضب أي كلما أوقدوا نار الغضب في أنفسهم وتجمعوا بأبدانهم وقوة النفوس منهم باحتدام نار الغضب أطفاها الله حتى يضعفوا وذلك بما جعله من الرعب نصرة بين يدي نبيه صلى الله عليه وسلم < <
المائدة : ( 65 ) ولو أن أهل . . . . . > > < > ( المائده 65 : 66 ) < > قوله تعالى : ( ولو أن اهل الكتاب ) ( أن ) في موضع رفع وكذا ( ولو أنهم أقاموا التوراة ) ( آمنوا ) صدقوا ( واتقوا ) أي الشرك والمعاصي ( لكفرنا عنهم ) اللام جواب ( لو ) وكفرنا غطينا وقد تقدم وإقامة التوراة والإنجيل العمل بمقتضاهما وعدم تحريفهما وقد تقدم هذا المعنى في البقرة مستوفى ( وما أنزل إليهم من ربهم ) أي القرآن وقيل : كتب أنبيائهم ( لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ) قال بن عباس وغيره : يعني المطر والنبات وهذا يدل على أنهم كانوا في جدب وقيل : المعنى لوسعنا عليهم في أرزاقهم وأكلوا أكلا متواصلا وذكر فوق وتحت للمبالغة فيما يفتح عليهم من الدنيا ونظير هذه الآية ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب الطلاق وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا الجن ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض فجعل تعالى التقى من أسباب الرزق كما في هذه الآيات ووعد بالمزيد لمن شكر فقال : لئن شكرتم لأزيدنكم إبراهيم ثم أخبر تعالى أن منهم مقتصدا وهم المؤمنون منهم كالنجاشي وسلمان وعبد الله بن سلام اقتصدوا فلم يقولوا في عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام إلا ما يليق بهما وقيل : أراد بالاقتصاد قوما لم يؤمنوا ولكنهم لم يكونوا من المؤذين المستهزئين والله أعلم والاقتصاد الاعتدال في العمل وهو من القصد والقصد إتيان الشيء تقول : قصدته وقصدت له وقصدت إليه بمعنى ( ساء ما يعملون ) أي بئس شيء عملوه كذبوا الرسل وحرفوا الكتب وأكلوا السحت < < المائدة : ( 67 ) يا أيها الرسول . . . . . > > < > ( المائده 67 ) <
> فيه مسئلتان : الأولى قوله تعالى : ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ) قيل : معناه أظهر التبليغ لأنه كان في أول الإسلام يخفيه خوفا من المشركين ثم أمر بإظهاره في هذه الآية وأعلمه الله أنه يعصمه من الناس وكان عمر رضي الله عنه أول من أظهر إسلامه وقال : لا نعبد الله سرا وفي ذلك نزلت : يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين الأنفال فدلت الآية على رد قول من قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من أمر الدين تقية وعلى بطلانه وهم الرافضة ودلت على أنه صلى الله عليه وسلم لم يسر إلى أحد شيئا من أمر الدين لأن المعنى بلغ جميع ما أنزل إليك ظاهرا ولولا هذا ما كان في قوله عز وجل : ( وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ) فائدة وقيل : بلغ ما أنزل إليك من ربك في أمر زينب بنت جحش الأسدية رضي الله عنها وقيل غير هذا والصحيح القول بالعموم قال بن عباس : المعنى بلغ جميع ما أنزل إليك من ربك فإن كتمت شيئا منه فما بلغت رسالته وهذا تأديب للنبي صلى الله عليه وسلم وتأديب لحملة العلم من أمته ألا يكتموا شيئا من أمر شريعته وقد علم الله تعالى من أمر نبيه أنه لا يكتم شيئا من وحيه وفي صحيح مسلم عن مسروق عن عائشة أنها قالت : من حدثك أن محمدا صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من الوحي فقد كذب والله تعالى يقول : ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ) وقبح الله الروافض حيث قالوا : إنه صلى الله عليه وسلم كتم شيئا مما أوحى الله إليه كان بالناس حاجة إليه الثانية قوله تعالى : ( والله يعصمك من الناس ) دليل على نبوته لأن الله عز وجل أخبر أنه معصوم ومن ضمن سبحانه له العصمة فلا يجوز أن يكون قد ترك شيئا مما أمره الله به وسبب نزول هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان نازلا تحت شجرة فجاء أعرابي فاخترط سيفه وقال للنبي صلى الله عليه وسلم : من يمنعك مني فقال : ( الله ( فذعرت يد الأعرابي وسقط السيف من يده وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه ذكره المهدوي وذكره القاضي عياض في كتاب الشفاء قال : وقد رويت هذه القصة في الصحيح وأن غورث بن الحارث صاحب القصة وأن النبي صلى الله عليه وسلم عفا عنه فرجع إلى قومه وقال : جئتكم من عند خير الناس وقد تقدم الكلام في هذا المعنى في هذه السورة عند قوله : إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم مستوفى وفي النساء أيضا في ذكر صلاة الخوف وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة قبل نجد فأدركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في واد كثير العضاة فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة فعلق سيفه بغصن من أغصانها قال : وتفرق الناس في الوادي يستظلون بالشجر قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن رجلا أتاني وأنا نائم فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي فلم أشعر إلا والسيف صلتا في يده فقال لي من يمنعك مني قال قلت الله ثم قال في الثانية من يمنعك مني قال قلت الله قال فشام السيف فها هو ذا جالس ( ثم لم يعرض له رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال بن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لما بعثني الله برسالته ضقت بها ذرعا وعرفت أن من الناس من يكذبني فأنزل الله هذه الآية ( وكان أبو طالب يرسل كل يوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا من بني هاشم يحرسونه حتى نزل ( والله يعصمك من الناس ) فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( يا عماه إن الله قد عصمني من الجن والإنس فلا أحتاج إلى من يحرسني ( قلت : وهذا يقتضي أن ذلك كان بمكة وأن الآية مكية وليس كذلك وقد تقدم أن هذه السورة مدنية بإجماع ومما يدل على أن هذه الآية مدنية ما رواه مسلم في الصحيح عن عائشة قالت : سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمه المدينة ليلة فقال : ( ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة ( قالت : فبينا نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح فقال : ( من هذا ( قال : سعد بن أبي وقاص فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما جاء بك ( فقال : وقع في نفسي خوف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أحرسه فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نام وفي غير الصحيح قالت : فبينما نحن كذلك سمعت صوت السلاح فقال : ( من هذا ( فقالوا : سعد وحذيفة جئنا نحرسك فنام صلى الله عليه وسلم حتى سمعت غطيطه ونزلت هذه الآية فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من قبة أدم وقال : ( إنصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله ( وقرأ أهل المدينة : ( رسالاته ) على الجمع وأبو عمرو وأهل الكوفة : ( رسالته ) على التوحيد قال النحاس : والقراءتان حسنتان والجمع أبين لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه الوحي شيئا فشيئا ثم يبينه والإفراد يدل على الكثرة فهي كالمصدر والمصدر في أكثر الكلام لا يجمع ولا يثنى لدلالته على نوعه بلفظه كقوله : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ( إن الله لا يهدي القوم الكافرين ) أي لا يرشدهم وقد تقدم وقيل : أبلغ أنت فأما الهداية فإلينا نظيره ما على الرسول إلا البلاغ والله أعلم < <
المائدة : ( 68 ) قل يا أهل . . . . . > > < > ( المائده 68 ) < > فيه ثلاث مسائل : الأولى قال بن عباس : جاء جماعة من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : ألست تقر أن التوراة حق من عند الله قال : ( بلى ( فقالوا : فإنا نؤمن بها ولا نؤمن بما عداها فنزلت الآية أي لستم على شيء من الدين حتى تعملوا بما في الكتابين من الإيمان بمحمد عليه السلام والعمل بما يوجبه ذلك منهما وقال أبو علي : ويجوز أن يكون ذلك قبل النسخ لهما الثانية قوله تعالى : ( وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا ) أي يكفرون به فيزدادون كفرا على كفرهم والطغيان تجاوز الحد في الظلم والغلو فيه وذلك أن الظلم منه صغيرة ومنه كبيرة فمن تجاوز منزلة الصغيرة فقد طغى ومنه قوله تعالى كلا إن الإنسان ليطغى العلق أي يتجاوز الحد في الخروج عن الحق الثالثة قوله تعالى : ( فلا تأس على القوم الكافرين ) أي لا تحزن عليهم أسي يأسى أسى إذا حزن قال : وانحلبت عيناه من فرط الأسى وهذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وليس بنهي عن الحزن لأنه لا يقدر عليه ولكنه تسلية ونهي عن التعرض للحزن وقد مضى هذا المعنى في آخر آل عمران مستوفى < < المائدة : ( 69 ) إن الذين آمنوا . . . . . > > < > ( المائده 69 ) < > تقدم الكلام في هذا كله فلا معنى لإعادته ( والذين هادوا ) معطوف وكذا ( والصابئون ) معطوف على المضمر في ( هادوا ) في قول الكسائي والأخفش قال النحاس : سمعت الزجاج يقول وقد ذكر له قول الأخفش والكسائي : هذا خطأ من جهتين إحداهما أن المضمر المرفوع يقبح العطف عليه حتى يؤكد والجهة الأخرى أن المعطوف شريك المعطوف عليه فيصير المعنى أن الصابئين قد دخلوا في اليهودية وهذا محال وقال الفراء : إنما جاز الرفع في ( والصابئون ) لأن ( إن ) ضعيفة فلا تؤثر إلا في الاسم دون الخبر ( والذين ) هنا لا يتبين فيه الإعراب فجرى على جهة واحدة الأمران فجاز رفع الصابئين رجوعا إلى أصل الكلام قال الزجاج : وسبيل ما يتبين فيه الإعراب وما لا يتبين فيه الإعراب واحد وقال الخليل وسيبويه : الرفع محمول على التقديم والتأخير والتقدير : إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والصابئون والنصارى كذلك وأنشد سيبويه وهو نظيره : وإلا فاعلموا أنا وأنتم بغاة ما بقينا في شقاق وقال ضابيء البرجمي : فمن يك أمسى بالمدينة رحله فإني وقيار بها لغريب وقيل : ( إن ) بمعنى ( نعم ) فالصابئون مرتفع بالابتداء وحذف الخبر لدلالة الثاني عليه فالعطف يكون على هذا التقدير بعد تمام الكلام وانقضاء الاسم والخبر وقال قيس الرقيات بكر العواذل في الصبا ح يلمنني وألومهنه ويقلن شيب قد علا ك وقد كبرت فقلت إنه قال الأخفش : ( إنه ) بمعنى ( نعم ) وهذه الهاء ) أدخلت للسكت < < المائدة : ( 70 ) لقد أخذنا ميثاق . . . . . > > < > ( المائده 70 ) <
> قوله تعالى : ( لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا ) قد تقدم في البقرة معنى الميثاق وهو ألا يعبدوا إلا الله وما يتصل به والمعنى في هذه الآية لا تأس على القوم الكافرين فإنا قد أعذرنا إليهم وأرسلنا الرسل فنقضوا العهود وكل هذا يرجع إلى ما افتتحت به السورة وهو قوله : ( أوفوا بالعقود ) ( كلما جاءهم ) أي اليهود ( رسول بما لاتهوى أنفسهم ) ولا يوافق هواهم ( فريقا كذبوا وفريقا يقتلون ) أي كذبوا فريقا وقتلوا فريقا فمن كذبوه عيسى ومن مثله من الأنبياء وقتلوا زكريا ويحيى وغيرهما من الأنبياء وإنما قال : ( يقتلون ) لمراعاة رأس الآية وقيل : أراد فريقا كذبوا وفريقا قتلوا وفريقا يكذبون وفريقا يقتلون فهذا دأبهم وعادتهم فاختصر وقيل : فريقا كذبوا لم يقتلوهم وفريقا قتلوهم فكذبوا و ( يقتلون ) نعت لفريق والله أعلم < < المائدة : ( 71 ) وحسبوا ألا تكون . . . . . > > < > ( المائده 71 ) < > قوله تعالى : ( وحسبوا ألا تكون فتنة ) المعنى ظن هؤلاء الذين أخذ عليهم الميثاق أنه لا يقع من الله عز وجل ابتلاء واختبار بالشدائد اغترارا بقولهم : نحن أبناء الله وأحباؤه وإنما اغتروا بطول الإمهال وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ( تكون ) بالرفع ونصب الباقون فالرفع على أن حسب بمعنى علم وتيقن و ( أن ) مخففة من الثقيلة ودخول ( لا ) عوض من التخفيف وحذف الضمير لأنهم كرهوا أن يليها الفعل وليس من حكمها أن تدخل عليه ففصلوا بينهما ب لا ) ومن نصب جعل ( أن ) ناصبة للفعل وبقي حسب على بابه من الشك وغيره قال سيبويه : حسبت ألا يقول ذلك أي حسبت أنه قال ذلك وإن شئت نصبت قال النحاس : والرفع عند النحويين في حسب وأخواتها أجود كما قال : ألا زعمت بسباسة اليوم أنني كبرت وألا يشهد اللهو أمثالي وإنما صار الرفع أجود لأن حسب وأخواتها بمنزلة العلم لأنه شيء ثابت قوله تعالى : ( فعموا ) أي عن الهدى ( وصموا ) أي عن سماع الحق لأنهم لم ينتفعوا بما رأوه ولا سمعوه ( ثم تاب الله عليهم ) في الكلام إضمار أي أوقعت بهم الفتنة فتابوا فتاب الله عليهم بكشف القحط أو بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم يخبرهم بأن الله يتوب عليهم إن آمنوا فهذا بيان ( تاب الله عليهم ) أي يتوب عليهم إن آمنوا وصدقوا لا أنهم تابوا على الحقيقة ( ثم عموا وصموا كثير منهم ) أي عمي كثير منهم وصم بعد تبين الحق لهم بمحمد عليه الصلاة والسلام فارتفع ( كثير ) على البدل من الواو وقال الأخفش سعيد : كما تقول رأيت قومك ثلثيهم وإن شئت كان على إضمار مبتدأ أي العمي والصم كثير منهم وإن شئت كان التقدير العمي والصم منهم كثير وجواب رابع أن يكون على لغة من قال : أكلوني البراغيث وعليه قول الشاعر : ولكن ديافي أبوه وأمه بحوران يعصرن السليط أقاربه ومن هذا المعنى قوله : ( وأسروا النجوى الذين ظلموا ) ويجوز في غير القرآن ( كثيرا ) بالنصب يكون نعتا لمصدر محذوف < < المائدة : ( 72 ) لقد كفر الذين . . . . . > > < > ( المائده 72 ) <
> قوله تعالى : ( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم ) هذا قول اليعقوبية فرد الله عليهم ذلك بحجة قاطعة مما يقرون به فقال : ( وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم ) أي إذا كان المسيح يقول : يا رب ويا الله فكيف يدعو نفسه أم كيف يسألها هذا محال ( إنه من يشرك بالله ) قيل : وهو من قول عيسى وقيل : ابتداء كلام من الله تعالى والإشراك أن يعتقد معه موجدا وقد مضى في آل عمران القول في اشتقاق المسيح فلا معنى لإعادته ( وما للظالمين من أنصار ) < < المائدة : ( 73 ) لقد كفر الذين . . . . . > > < > ( المائده 73 : 74 ) < > قوله تعالى : ( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ) أي أحد ثلاثة ولا يجوز فيه التنوين عن الزجاج وغيره وفيه للعرب مذهب آخر يقولون : رابع ثلاثة فعلى هذا يجوز الجر والنصب لأن معناه الذي صير الثلاثة أربعة بكونه منهم وكذلك إذا قلت : ثالث اثنين جاز التنوين وهذا قول فرق النصارى من الملكية والنسطورية واليعقوبية لأنهم يقولون أب وبن وروح القدس إله واحد ولا يقولون ثلاثة آلهة وهو معنى مذهبهم وإنما يمتنعون من العبارة وهي لازمة لهم وما كان هكذا صح أن يحكى بالعبارة اللازمة وذلك أنهم يقولون : إن الابن إله والأب إله وروح القدس إله وقد تقدم القول في هذا في النساء فأكفرهم الله بقولهم هذا وقال : ( وما من إله إلا إله واحد ) أي أن الإله لا يتعدد وهم يلزمهم القول بثلاثة آلهة كما تقدم وإن لم يصرحوا بذلك لفظا وقد مضى في البقرة معنى الواحد و ( من ) زائدة ويجوز في غير القرآن ( إلها واحدا ) على الاستثناء وأجاز الكسائي الخفض على البدل قوله تعالى : ( وإن لم ينتهوا ) أي يكفوا عن القول بالتثليث ليمسنهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة ( أفلا يتوبون ) تقرير وتوبيخ أي فليتوبوا إليه وليسألوه ستر ذنوبهم والمراد الكفرة منهم وإنما خص الكفرة بالذكر لأنهم القائلون بذلك دون المؤمنين < < المائدة : ( 75 ) ما المسيح ابن . . . . . > > < > ( المائده 75 ) <
> قوله تعالى : ( ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ) ابتداء وخبر أي ما المسيح وإن ظهرت الآيات على يديه فإنما جاء بها كما جاءت بها الرسل فإن كان إلها فليكن كل رسول إلها فهذا رد لقولهم واحتجاج عليهم ثم بالغ في الحجة فقال : ( وأمه صديقة ) ابتداء وخبر ( كانا يأكلان الطعام ) أي أنه مولود مربوب ومن ولدته النساء وكان يأكل الطعام مخلوق محدث كسائر المخلوقين ولم يدفع هذا أحد منهم فمتى يصلح المربوب لأن يكون ربا وقولهم : كان يأكل بناسوته لا بلاهوته فهذا منهم مصير إلى الاختلاط ولا يتصور اختلاط إله بغير إله ولو جاز اختلاط القديم بالمحدث لجاز أن يصير القديم محدثا ولو صح هذا في حق عيسى لصح في حق غيره حتى يقال : اللاهوت مخالط لكل محدث وقال بعض المفسرين في قوله : ( كانا يأكلان الطعام ) إنه كناية عن الغائط والبول وفي هذا دلالة على أنهما بشران وقد استدل من قال : إن مريم عليها السلام لم تكن نبية بقوله تعالى : ( وأمه صديقة ) قلت : وفيه نظر فإنه يجوز أن تكون صديقة مع كونها نبية كإدريس عليه السلام وقد مضى في آل عمران ما يدل على هذا والله أعلم وإنما قيل لها صديقة لكثرة تصديقها بآيات ربها وتصديقها ولدها فيما أخبرها به عن الحسن وغيره والله أعلم قوله تعالى : ( أنظر كيف نبين لهم الآيات ) أي الدلالات ( ثم انظر أنى يؤفكون ) أي كيف يصرفون عن الحق بعد هذا البيان يقال : أفكه يأفكه إذا صرفه وفي هذا رد على القدرية والمعتزلة < < المائدة : ( 76 ) قل أتعبدون من . . . . . > > < > ( المائده 76 ) < > قوله تعالى : ( قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا ) زيادة في البيان وإقامة حجة عليهم أي أنتم مقرون أن عيسى كان جنينا في بطن أمه لا يملك لأحد ضرا ولا نفعا وإذ أقررتم أن عيسى كان في حال من الأحوال لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا ينفع ولا يضر فكيف اتخذتموه إلها ( والله هو السميع العليم ) أي لم يزل سميعا عليما يملك الضر والنفع ومن كانت هذه صفته فهو الإله على الحقيقة والله أعلم < < المائدة : ( 77 ) قل يا أهل . . . . . > > < > ( المائده 77 ) < > قوله تعالى : ( قل يأهل الكتاب لاتغلوا في دينكم غير الحق ) أي لا تفرطوا كما أفرطت اليهود والنصارى في عيسى غلو اليهود قولهم في عيسى ليس ولد رشدة وغلو النصارى قولهم : أنه إله والغلو مجاوزة الحد وقد تقدم في النساء بيانه قوله تعالى : ( ولا تتبعوا أهواء قوم ) ألاهواء جمع هوى وقد تقدم في البقرة وسمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه في النار ( قد ضلوا من قبل ) قال مجاهد والحسن : يعني اليهود ( وأضلوا كثيرا ) أي أضلوا كثيرا من الناس ( وضلوا عن سواء السبيل ) أي عن قصد طريق محمد صلى الله عليه وسلم وتكرير ضلوا على معنى أنهم ضلوا من قبل وضلوا من بعد والمراد الأسلاف الذين سنوا الضلالة وعملوا بها من رؤساء اليهود والنصارى < < المائدة : ( 78 ) لعن الذين كفروا . . . . . > > < > ( المائده 78 ) <
Questions
- What is tawhid, the Islamic belief in the oneness of God?
- What do Muslims believe about the prophets?
- What is zakat, and who is required to pay it?
- What does Islam teach about halal and haram food?
- What is the meaning of Surah al-Fatiha?
- What does the Qur'an say about the purpose of life?
- What is ikhlas (sincerity), and why does it matter?