Qur'an&Sunnah

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

Section V06/P251–V06/P253

> قوله تعالى : ( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ) فيه مسألة واحدة : وهي جواز لعن الكافرين وإن كانوا من أولاد الأنبياء وأن شرف النسب لا يمنع إطلاق اللعنة في حقهم ومعنى ( على لسان داود وعيسى بن مريم ) أي لعنوا في الزبور والإنجيل فإن الزبور لسان داود والإنجيل لسان عيسى أي لعنهم الله في الكتابين وقد تقدم اشتقاقهما قال مجاهد وقتادة وغيرهما لعنهم مسخهم قردة وخنازير قال أبو مالك : الذين لعنوا على لسان داود مسخوا قردة والذين لعنوا على لسان عيسى مسخوا خنازير وقال بن عباس : الذين لعنوا على لسان داود أصحاب السبت والذين لعنوا على لسان عيسى الذين كفروا بالمائدة بعد نزولها وروي نحوه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقيل لعن الأسلاف والأخلاف ممن كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم على لسان داود وعيسى لأنهما أعلما أن محمدا صلى الله عليه وسلم نبي مبعوث فلعنا من يكفر به قوله تعالى : ( ذلك بما عصوا ) ذلك في موضع رفع بالابتداء أي ذلك اللعن بما عصوا أي بعصيانهم ويجوز أن يكون على إضمار مبتدأ أي الأمر ذلك ويجوز أن يكون في موضع نصب أي فعلنا ذلك بهم لعصيانهم واعتدائهم < < المائدة : ( 79 ) كانوا لا يتناهون . . . . . > > < > ( المائده 79 ) < > قوله تعالى : ( كانو لا يتناهون عن منكر فعلوه ) فيه مسئلتان : الأولى قوله تعالى : ( كانوا لا يتناهون ) أي لا ينهى بعضهم بعضا : ( لبئس ما كانوا يفعلون ) ذم لتركهم النهي وكذا من بعدهم يذم من فعل فعلهم خرج أبو داود عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن أول ما دخل النقص على بني اسرائيل كان الرجل أول ما يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال : ( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ) إلى قوله ( فاسقون ) ثم قال : ( كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطرنه على الحق ولتقصرنه على الحق قصرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض وليلعننكم كما لعنهم ( وخرجه الترمذي أيضا ومعنى لتأطرنه لتردنه الثانية : قال بن عطية : والإجماع منعقد على أن النهي عن المنكر فرض لمن أطاقه وأمن الضرر على نفسه وعلى المسلمين فإن خاف فينكر بقلبه ويهجر ذا المنكر ولا يخالطه وقال حذاق أهل العلم : وليس من شرط الناهي أن يكون سليما عن معصية بل ينهى العصاة بعضهم بعضا وقال بعض الأصوليين : فرض على الذين يتعاطون الكئوس أن ينهي بعضهم بعضا واستدلوا بهذه الآية قالوا : لأن قوله : ( كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ) يقتضي اشتراكهم في الفعل وذمهم على ترك التناهي وفي الآية دليل على النهي عن مجالسة المجرمين وأمر بتركهم وهجرانهم وأكد ذلك بقوله في الإنكار على اليهود : ( ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا ) ( وما ) من قوله : ( ما كانوا ) يجوز أن تكون في موضع نصب وما بعدها نعت لها التقدير لبئس شيئا كانوا يفعلونه أو تكون في موضع رفع وهي بمعنى الذي < < المائدة : ( 80 ) ترى كثيرا منهم . . . . . > > < > ( المائده 80 ) <

Section V06/P253–V06/P254

> قوله تعالى : ( ترى كثيرا منهم ) أي من اليهود قيل : كعب بن الأشرف وأصحابه وقال مجاهد : يعني المنافقين ( يتولون الذين كفروا ) أي المشركين وليسوا على دينهم ( لبئس ما قدمت له أنفسهم ) أي سولت وزينت وقيل : المعنى لبئس ما قدموا لأنفسهم ومعادهم ( أن سخط الله عليهم ) ( أن ) في موضع رفع على إضمار مبتدأ كقولك بئس رجلا زيد وقيل : بدل من ( ما ) في قوله ( لبئس ) على أن تكون ( ما ) نكرة فتكون رفعا أيضا ويجوز أن تكون في موضع نصب بمعنى لأن سخط الله عليهم : ( وفي العذاب هم خالدون ) ابتداء وخبر < < المائدة : ( 81 ) ولو كانوا يؤمنون . . . . . > > < > ( المائده 81 ) < > قوله تعالى : ( ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم اولياء ) يدل بهذا على أن من اتخذ كافرا وليا فليس بمؤمن إذا اعتقد اعتقاده ورضي أفعاله ( ولكن كثيرا منهم فاسقون ) أي خارجون عن الإيمان بنبيهم لتحريفهم أو عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم لنفاقهم < < المائدة : ( 82 ) لتجدن أشد الناس . . . . . > > < > ( المائده 82 ) <

Section V06/P254–V06/P257

> قوله تعالى : ( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود ) اللام لام قسم ودخلت النون على قول الخليل وسيبويه فرقا بين الحال والمستقبل ( عداوة ) نصب على البيان وكذا ( ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ) وهذه الآية نزلت في النجاشي وأصحابه لما قدم عليهم المسلمون في الهجرة الأولى حسب ما هو مشهور في سيرة بن إسحاق وغيره خوفا من المشركين وفتنتهم وكانوا ذوي عدد ثم هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد ذلك فلم يقدروا على الوصول إليه حالت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرب فلما كانت وقعة بدر وقتل الله فيها صناديد الكفار قال كفار قريش : إن ثأركم بأرض الحبشة فاهدوا إلى النجاشي وابعثوا إليه رجلين من ذوي رأيكم لعله يعطيكم من عنده فتقتلونهم بمن قتل منكم ببدر فبعث كفار قريش عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة بهدايا فسمع النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري وكتب معه إلى النجاشي فقدم على النجاشي فقرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين وأرسل إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم ثم أمر جعفر أن يقرأ عليهم القرآن فقرأ سورة مريم فقاموا تفيض أعينهم من الدمع فهم الذين أنزل الله فيهم ( ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ) وقرأ إلى الشاهدين رواه أبو داود قال : حدثنا محمد بن سلمة المرادي قال حدثنا بن وهب قال أخبرني يونس عن بن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام وعن سعيد بن المسيب وعن عروة بن الزبير أن الهجرة الأولى هجرة المسلمين إلى أرض الحبشة وساق الحديث بطوله وذكر البيهقي عن بن إسحاق قال قدم على النبي صلى الله عليه وسلم عشرون رجلا وهو بمكة أو قريب من ذلك من النصارى حين ظهر خبره من الحبشة فوجدوه في المسجد فكلموه وسألوه ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة فلما فرغوا من مسألتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أرادوا دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله عز وجل وتلا عليهم القرآن فلما سمعوه فاضت أعينهم من الدمع ثم استجابوا له وآمنوا به وصدقوه وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره فلما قاموا من عنده اعترضهم أبو جهل في نفر من قريش فقالوا : خيبكم الله من ركب بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم فتأتونهم بخبر الرجل فلم تظهر مجالستكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال لكم ما نعلم ركبا أحمق منكم أو كما قال لهم فقالوا : سلام عليكم لا نجاهلكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا نألوا أنفسنا خيرا فيقال : إن النفر النصارى من أهل نجران ويقال : إن فيهم نزلت هؤلاء الآيات الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون القصص إلى قوله لا نبتغي الجاهلين القصص وقيل : إن جعفرا وأصحابه قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في سبعين رجلا عليهم ثياب الصوف فيهم اثنان وستون من الحبشة وثمانية من أهل الشام وهم بحيراء الراهب وإدريس وأشرف وأبرهة وثمامة وقثم ودريد وأيمن فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة يس إلى آخرها فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا وقالوا : ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى فنزلت فيهم ( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ) يعني وفد النجاشي وكانوا أصحاب الصوامع وقال سعيد بن جبير : وأنزل الله فيهم أيضا ( الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون القصص ) إلى قوله ( أولئك يؤتون أجرهم مرتين القصص ) إلى آخر الآية وقال مقاتل والكلبي : كانوا أربعين رجلا من أهل نجران من بني الحرث بن كعب واثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية وستون من أهل الشام وقال قتادة : نزلت في ناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم آمنوا به فأثنى الله عليهم قوله تعالى : ( ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا ) واحد ( القسيسين ) قس وقسيس قاله قطرب والقسيس العالم وأصله من قس إذا تتبع الشيء فطلبه قال الراجز : يصبحن عن قس الأذى غوافلا وتقسست أصواتهم بالليل تسمعتها والقس النميمة والقس أيضا رئيس من رؤساء النصارى في الدين والعلم وجمعه قسوس وكذلك القسيس مثل الشر والشرير فالقسيسون هم الذين يتبعون العلماء والعباد ويقال في جمع قسيس مكسرا : قساوسة أبدل من إحدى السينين واوا وقساوسة أيضا كمهالبة والأصل قساسسة فأبدلوا إحدى السينات واوا لكثرتها ولفظ القسيس إما أن يكون عربيا وإما أن يكون بلغة الروم ولكن خلطته العرب بكلامهم فصار من لغتهم إذ ليس في الكتاب ما ليس من لغة العرب كما تقدم وقال أبو بكر الأنباري : حدثنا أبي حدثنا نصر بن داود حدثنا أبو عبيد قال : حدثت عن معاوية بن هشام عن نصير الطائي عن الصلت عن حامية بن رباب قال : قلت لسلمان ( بأن منهم قسيسين ورهبانا ) فقال : دع القسيسين في الصوامع والمحراب أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ( بأن منهم صديقين ورهبانا ) وقال عروة بن الزبير : ضيعت النصارى الإنجيل وأدخلوا فيه ما ليس منه وكانوا أربعة نفر الذين غيروه لوقاس ومرقوس ويحنس ومقبوس وبقي قسيس على الحق وعلى الإستقامة فمن كان على دينه وهديه فهو قسيس قوله تعالى : ( ورهبانا ) الرهبان جمع راهب كركبان وراكب قال النابغة لو أنها عرضت لأشمط راهب عبد الإله صرورة متعبد لرنا لرؤيتها وحسن حديثها ولخاله رشدا وإن لم يرشد والفعل منه رهب الله يرهبه أي خافه رهبا ورهبا ورهبة والرهبانية والترهب التعبد في صومعة قال أبو عبيد : وقد يكون ( رهبان ) للواحد والجمع قال الفراء : ويجمع ( رهبان ) إذا كان للمفرد رهابنة ورهابين كقربان وقرابين قال جرير في الجمع : رهبان مدين لو رأوك تنزلوا والعصم من شعف العقول الفادر الفادر المسن من الوعول ويقال : العظيم وكذلك الفدور والجمع فدر وفدور وموضعها المفدرة قاله الجوهري وقال آخر في التوحيد : لو أبصرت رهبان دير في الجبل لانحدر الرهبان يسعى ويصل من الصلاة والرهابة على وزن السحابة عظم في الصدر مشرف على البطن مثل اللسان وهذا المدح لمن آمن منهم بمحمد صلى الله عليه وسلم دون من أصر على كفره ولهذا قال : ( وأنهم لا يستكبرون ) أي عن الأنقياد إلى الحق < <

Section V06/P257–V06/P259

المائدة : ( 83 ) وإذا سمعوا ما . . . . . > > < > ( المائده 83 ) < > قوله تعالى : ( وإذا ما سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع ) أي بالدمع وهو في موضع الحال وكذا يقولون ) وقال امرؤ القيس : ففاضت دموع العين مني صبابة على النحر حتى بل دمعي محملي وخبر مستفيض إذا كثر وانتشر كفيض الماء عن الكثرة وهذه أحوال العلماء يبكون ولا يصعقون ويسألون ولا يصيحون ويتحازنون ولا يتموتون كما قال تعالى : الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله الزمر وقال : إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وفي الأنفال يأتي بيان هذا المعنى إن شاء الله تعالى وبين الله سبحانه في هذه الآيات أن أشد الكفار تمردا وعتوا وعداوة للمسلمين اليهود ويضاهيهم المشركون وبين أن أقربهم مودة النصارى والله أعلم قوله تعالى : ( فاكتبنا مع الشاهدين ) أي مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين يشهدون بالحق من قوله عز وجل : وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس عن بن عباس وبن جريج وقال الحسن : الذين يشهدون بالإيمان وقال أبو علي : الذين يشهدون بتصديق نبيك وكتابك ومعنى ( فاكتبنا ) اجعلنا فيكون بمنزلة ما قد كتب ودون < < المائدة : ( 84 ) وما لنا لا . . . . . > > < > ( المائده 84 ) < > قوله تعالى : ( وما لنا لانؤمن بالله وما جاءنا من الحق ) بين استبصارهم في الدين أي يقولون وما لنا لا نؤمن أي وما لنا تاركين الإيمان ف نؤمن ) في موضع نصب على الحال ( ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين ) أي مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم بدليل قوله : أن الأرض يرثها عبادي الصالحون يريد أمة محمد صلى الله عليه وسلم وفي الكلام إضمار أي نطمع أن يدخلنا ربنا الجنة وقيل : ( مع ) بمعنى في كما تذكر في بمعنى ( مع ) تقول : كنت فيمن لقي الأمير أي مع من لقي الأمير والطمع يكون مخففا وغير مخفف يقال : طمع فيه طمعا وطماعة وطماعية مخفف فهو طمع < < المائدة : ( 85 ) فأثابهم الله بما . . . . . > > < > ( المائده 85 : 86 ) < > قوله تعالى : ( فأثابهم الله بما قالوا جنات ) دليل على إخلاص إيمانهم وصدق مقالهم فأجاب الله سؤالهم وحقق طمعهم وهكذا من خلص إيمانه وصدق يقينه يكون ثوابه الجنة ثم قال : ( والذين كفروا ) من اليهود والنصارى ومن المشركين ( وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم ) والجحيم النار الشديدة الاتقاد يقال : حجم فلان النار إذا شدد إيقادها ويقال أيضا لعين الأسد : حجمة لشدة اتقادها ويقال ذلك للحرب قال الشاعر : والحرب لا يبقي لجا حمها التخيل والمراح إلا الفتى الصبار في النجدات والفرس الوقاح < < المائدة : ( 87 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( المائده 87 ) <

Section V06/P259–V06/P262

> قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا ) فيه خمس مسائل : الأولى أسند الطبري إلى بن عباس أن الآية نزلت بسبب رجل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني إذا أصبت من اللحم انتشرت وأخذتني شهوتي فحرمت اللحم فأنزل الله هذه الآية وقيل : إنها نزلت بسبب جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو بكر وعلي وبن مسعود وعبد الله بن عمر وأبو ذر الغفاري وسالم مولى أبي حذيفة والمقداد بن الأسود وسلمان الفارسي ومعقل بن مقرن رضي الله عنهم اجتمعوا في دار عثمان بن مظعون واتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم ولا الودك ولا يقربوا النساء والطيب ويلبسوا المسوح ويرفضوا الدنيا ويسيحوا في الأرض ويترهبوا ويجبوا المذاكير فأنزل الله تعالى هذه الآية والأخبار بهذا المعنى كثيرة وإن لم يكن فيها ذكر النزول وهي الثانية خرج مسلم عن أنس أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر فقال بعضهم : لا أتزوج النساء وقال بعضهم لا آكل اللحم وقال بعضهم : لا أنام على الفراش فحمد الله وأثنى عليه فقال : ( ما بال أقوام قالوا كذا وكذا لكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ( وخرجه البخاري عن أنس أيضا ولفظه قال : جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا : وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر الله له من ذنبه ما تقدم وما تأخر فقال أحدهم : أما أنا فإني أصلي الليل أبدا وقال آخر : أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر وقال آخر : أما أنا فأعتزل النساء ولا أتزوج أبدا فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ( وخرجا عن سعد بن أبي وقاص قال : أراد عثمان بن مظعون أن يتبتل فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم ولو أجاز له ذلك لاختصينا وخرج الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه في مسنده قال حدثنا أبو المغيرة قال حدثنا معان بن رفاعة قال حدثني علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية من سراياه قال : فمر رجل بغار فيه شيء من الماء فحدث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار فيقوته ما كان فيه من ماء ويصيب ما حوله من البقل ويتخلى عن الدنيا قال : لو أني أتيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فإن أذن لي فعلت وإلا لم أفعل فأتاه فقال : يا نبي الله إني مررت بغار فيه ما يقوتني من الماء والبقل فحدثتني نفسي بأن أقيم فيه وأتخلى عن الدنيا قال : فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ( إني لم أبعث باليهودية ولا النصرانية ولكني بعثت بالحنيفية السمحة والذي نفس محمد بيده لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة الثالثة قال علماؤنا رحمة الله عليهم في هذه الآية وما شابهها والأحاديث الواردة في معناها رد على غلاة المتزهدين وعلى أهل البطالة من المتصوفين إذ كل فريق منهم قد عدل عن طريقه وحاد عن تحقيقه قال الطبري : لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم شيء مما أحل الله لعباده المؤمنين على نفسه من طيبات المطاعم والملابس والمناكح إذا خاف على نفسه بإحلال ذلك بها بعض العنت والمشقة ولذلك رد النبي صلى الله عليه وسلم التبتل على بن مظعون فثبت أنه لا فضل في ترك شيء مما أحله الله لعباده وأن الفضل والبر إنما هو في فعل ما ندب عباده إليه وعمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنه لأمته واتبعه على منهاجه الأئمة الراشدون إذ كان خير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإذا كان كذلك تبين خطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان إذا قدر على لباس ذلك من حله وآثر أكل الخشن من الطعام وترك اللحم وغيره حذرا من عارض الحاجة إلى النساء قال الطبري : فإن ظن ظان أن الخير في غير الذي قلنا لما في لباس الخشن وأكله من المشقة على النفس وصرف ما فضل بينهما من القيمة إلى أهل الحاجة فقد ظن خطأ وذلك أن الأولى بالإنسان صلاح نفسه وعونه لها على طاعة ربها ولا شيء أضر للجسم من المطاعم الرديئة لأنها مفسدة لعقله ومضعفة لأدواته التي جعلها الله سببا إلى طاعته وقد جاء رجل إلى الحسن البصري فقال : إن لي جارا لا يأكل الفالوذج فقال : ولم قال : يقول لا يؤدي شكره فقال الحسن : أفيشرب الماء البارد فقال : نعم فقال : إن جارك جاهل فإن نعمة الله عليه في الماء البارد أكثر من نعمته عليه في الفالوذج قال بن العربي قال علماؤنا : هذا إذا كان الدين قواما ولم يكن المال حراما فأما إذا فسد الدين عند الناس وعم الحرام فالتبتل أفضل وترك اللذات أولى وإذا وجد الحلال فحال النبي صلى الله عليه وسلم أفضل وأعلى قال المهلب : إنما نهى صلى الله عليه وسلم عن التبتل والترهب من أجل أنه مكاثر بأمته الأمم يوم القيامة وأنه في الدنيا مقاتل بهم طوائف الكفار وفي آخر الزمان يقاتلون الدجال فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكثر النسل الرابعة قوله تعالى : ( ولا تعتدوا ) قيل : المعنى لا تعتدوا فتحلوا ما حرم الله فالنهيان على هذا تضمنا الطرفين أي لا تشددوا فتحرموا حلالا ولا تترخصوا فتحلوا حراما قاله الحسن البصري وقيل : معناه التأكيد لقوله : ( تحرموا ) قاله السدي وعكرمة وغيرهما أي لا تحرموا ما أحل الله وشرع والأول أولى والله أعلم الخامسة من حرم على نفسه طعاما أو شرابا أو أمة له أو شيئا مما أحل الله فلا شيء عليه ولا كفارة في شيء من ذلك عند مالك إلا أنه إن نوى بتحريم الأمة عتقها صارت حرة وحرم عليه وطؤها إلا بنكاح جديد بعد عتقها وكذلك إذا قال لامرأته أنت علي حرام فإنه تطلق عليه ثلاثا وذلك أن الله تعالى قد أباح له أن يحرم امرأته عليه بالطلاق صريحا وكناية وحرام من كنايات الطلاق وسيأتي ما للعلماء فيه في سورة التحريم إن شاء الله تعالى وقال أبو حنيفة : إن من حرم شيئا صار محرما عليه وإذا تناوله لزمته الكفارة وهذا بعيد والآية ترد عليه وقال سعيد بن جبير : لغو اليمين تحريم الحلال وهو معنى قول الشافعي على ما يأتي < <

Section V06/P262–V06/P263

المائدة : ( 88 ) وكلوا مما رزقكم . . . . . > > < > ( المائده 88 ) < > قوله تعالى : ( وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ) فيه مسألة واحدة : الأكل في هذه الآية عبارة عن التمتع بالأكل والشرب واللباس والركوب ونحو ذلك وخص الأكل بالذكر لأنه أعظم المقصود وأخص الانتفاعات بالإنسان وسيأتي بيان حكم الأكل والشرب واللباس في الأعراف إن شاء الله تعالى وأما شهوة الأشياء الملذة ومنازعة النفس إلى طلب الأنواع الشهية فمذاهب الناس في تمكين النفس منها مختلفة فمنهم من يرى صرف النفس عنها وقهرها عن اتباع شهواتها أحرى ليذل له قيادها ويهون عليه عنادها فإنه إذا أعطاها المراد يصير أسير شهواتها ومنقادا بانقيادها حكي أن أبا حازم كان يمر على الفاكهة فيشتهيها فيقول : موعدك الجنة وقال آخرون : تمكين النفس من لذاتها أولى لما فيه من ارتياحها ونشاطها بإدراك إرادتها وقال آخرون : بل التوسط في ذلك أولى لأن في إعطائها ذلك مرة ومنعها أخرى جمع بين الأمرين وذلك النصف من غير شين وتقدم معنى الاعتداء والرزق في البقرة والحمد لله < < المائدة : ( 89 ) لا يؤاخذكم الله . . . . . > > < > ( المائده 89 ) <

Section V06/P263–V06/P284

> فيه سبع وأربعون مسألة : الأولى قوله تعالى : ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ) تقدم معنى اللغو في البقرة ومعنى ( في أيمانكم ) أي من أيمانكم والأيمان جمع يمين وقيل : ويمين فعيل من اليمن وهو البركة سماها الله تعالى بذلك لأنها تحفظ الحقوق ويمين تذكر وتؤنث وتجمع أيمان وأيمن قال زهير : فتجمع أيمن منا ومنكم الثانية واختلف في سبب نزول هذه الآية فقال بن عباس : سبب نزولها القوم الذين حرموا طيبات المطاعم والملابس والمناكح على أنفسهم حلفوا على ذلك فلما نزلت لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم قالوا : كيف نصنع بأيماننا فنزلت هذه الآية والمعنى على هذا القول إذا أتيتم باليمين ثم ألغيتموها أي أسقطتم حكمها بالتكفير وكفرتم فلا يؤاخذكم الله بذلك وإنما يؤاخذكم بما أقمتم عليه فلم تلغوه أي فلم تكفروا فبان بهذا أن الحلف لا يحرم شيئا وهو دليل الشافعي على أن اليمين لا يتعلق بها تحريم الحلال وأن تحريم الحلال لغو كما أن تحليل الحرام لغو مثل قول القائل : استحللت شرب الخمر فتقتضي الآية على هذا القول أن الله تعالى جعل تحريم الحلال لغوا في أنه لا يحرم فقال : ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ) أي بتحريم الحلال وروي أن عبد الله بن رواحة كان له أيتام وضيف فانقلب من شغله بعد ساعة من الليل فقال : أعشيتم ضيفي فقالوا : انتظرناك فقال : لا والله لا آكله الليلة فقال ضيفه : وما أنا بالذي يأكل وقال أيتامه : ونحن لا نأكل فلما رأى ذلك أكل وأكلوا ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال له : ( أطعت الرحمن وعصيت الشيطان ( فنزلت الآية الثالثة الأيمان في الشريعة على أربعة أقسام : قسمان فيهما الكفارة وقسمان لا كفارة فيهما خرج الدارقطني في سننه حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز حدثنا خلف بن هشام حدثنا عبثر عن ليث عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال : ألايمان أربعة يمينان يكفران ويمينان لا يكفران فاليمينان اللذان يكفران فالرجل الذي يحلف والله لا أفعل كذا وكذا فيفعل والرجل يقول والله لأفعلن كذا وكذا فلا يفعل واليمينان اللذان لا يكفران فالرجل يحلف والله ما فعلت كذا وكذا وقد فعل والرجل يحلف لقد فعلت كذا وكذا ولم يفعله قال بن عبد البر : وذكر سفيان الثوري في جامعه وذكره المروزي عنه أيضا قال سفيان : الأيمان أربعة يمينان يكفران وهو أن يقول الرجل والله لا أفعل فيفعل أو يقول والله لأفعلن ثم لا يفعل ويمينان لا يكفران وهو أن يقول الرجل والله ما فعلت وقد فعل أو يقول والله لقد فعلت وما فعل قال المروزي : أما اليمينان الأوليان فلا اختلاف فيهما بين العلماء على ما قال سفيان وأما اليمينان الأخريان فقد اختلف أهل العلم فيهما فإن كان الحالف حلف على أنه لم يفعل كذا وكذا أو أنه قد فعل كذا وكذا عند نفسه صادقا يرى أنه على ما حلف عليه فلا إثم عليه ولا كفارة عليه في قول مالك وسفيان الثوري وأصحاب الرأي وكذلك قال أحمد وأبو عبيد وقال الشافعي لا إثم عليه وعليه الكفارة قال المروزي : وليس قول الشافعي في هذا بالقوي قال : وإن كان الحالف على أنه لم يفعل كذا وكذا وقد فعل متعمدا للكذب فهو آثم ولا كفارة عليه في قول عامة العلماء مالك وسفيان الثوري وأصحاب الرأي وأحمد بن حنبل وأبي ثور وأبي عبيد وكان الشافعي يقول يكفر قال : وقد روي عن بعض التابعين مثل قول الشافعي قال المروزي : أميل إلى قول مالك وأحمد قال : فأما يمين اللغو الذي اتفق عامة العلماء على أنها لغو فهو قول الرجل : لا والله وبلى والله في حديثه وكلامه غير منعقد لليمين ولا مريدها قال الشافعي : وذلك عند اللجاج والغضب والعجلة الرابعة قوله تعالى : ( ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ) مخفف القاف من العقد والعقد على ضربين حسي كعقد الحبل وحكمي كعقد البيع قال الشاعر : قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا فاليمين المنعقدة منفعلة من العقد وهي عقد القلب في المستقبل ألا يفعل ففعل أو ليفعلن فلا يفعل كما تقدم فهذه التي يحلها الاستثناء والكفارة على ما يأتي وقريء ( عاقدتم ) بألف بعد العين على وزن فاعل وذلك لا يكون إلا من اثنين في الأكثر وقد يكون الثاني من حلف لأجله في كلام وقع معه أو يكون المعنى بما عاقدتم عليه الأيمان لأن عاقد قريب من معنى عاهد فعدى بحرف الجر لما كان في معنى عاهد وعاهد يتعدى إلى مفعولين الثاني منهما بحرف جر قال الله تعالى : ومن أوفى بما عاهد عليه الله الفتح وهذا كما عديت ناديتم إلى الصلاة بإلى وبابها أن تقول ناديت زيدا وناديناه من جانب الطور الأيمن مريم لكن لما كانت بمعنى دعوت عدي بإلى قال الله تعالى : ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله فصلت ثم اتسع في قوله تعالى : ( عاقدتم عليه الأيمان ) فحذف حرف الجر فوصل الفعل إلى المفعول فصار عاقدتموه ثم حذفت الهاء كما حذفت من قوله تعالى : فاصدع بما تؤمر الحجر أو يكون فاعل بمعنى فعل كما قال تعالى : قاتلهم الله أي قتلهم وقد تأتي المفاعلة في كلام العرب من واحد بغير معنى ( فاعلت ) كقولهم : سافرت وظاهرت وقرئ ( عقدتم ) بتشديد القاف قال مجاهد : معناه تعمدتم أي قصدتم وروي عن بن عمر أن التشديد يقتضي التكرار فلا تجب عليه الكفارة إلا إذا كرر وهذا يرده ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني ( فذكر وجوب الكفارة في اليمين التي لم تتكرر قال أبو عبيد : التشديد يقتضي التكرير مرة بعد مرة ولست آمن أن يلزم من قرأ بتلك القراءة ألا توجب عليه كفارة في اليمين الواحدة حتى يرددها مرارا وهذا قول خلاف الإجماع روى نافع أن بن عمر كان إذا حنث من غير أن يؤكد اليمين أطعم عشرة مساكين فإذا وكد اليمين أعتق رقبة قيل لنافع : ما معنى وكد اليمين قال : أن يحلف على الشيء مرارا الخامسة اختلف في اليمين الغموس هل هي يمين منعقدة أم لا فالذي عليه الجمهور أنها يمين مكر وخديعة وكذب فلا تنعقد ولا كفارة فيها وقال الشافعي : هي يمين منعقدة لأنها مكتسبة بالقلب معقودة بخبر مقرونة باسم الله تعالى وفيها الكفارة والصحيح الأول قال بن المنذر : وهذا قول مالك بن أنس ومن تبعه من أهل المدينة وبه قال الأوزاعي ومن وافقه من أهل الشام وهو قول الثوري وأهل العراق وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وأصحاب الحديث وأصحاب الرأي من أهل الكوفة قال أبو بكر : وقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه ( وقوله : ( فليكفر عن يمينه ويأتي الذي هو خير ( يدل على أن الكفارة إنما تجب فيمن حلف على فعل يفعله مما يستقبل فلا يفعله أو على فعل ألا يفعله فيما يستقبل فيفعله وفي المسألة قول ثان وهو أن يكفر وإن أثم وعمد الحلف بالله كاذبا هذا قول الشافعي قال أبو بكر : ولا نعلم خبرا يدل على هذا القول والكتاب والسنة دالان على القول الأول قال الله تعالى : ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس قال بن عباس : هو الرجل يحلف ألا يصل قرابته فجعل الله له مخرجا في التكفير وأمره ألا يعتل بالله وليكفر عن يمينه والأخبار دالة على أن اليمين التي يحلف بها الرجل يقتطع بها مالا حراما هي أعظم من أن يكفرها ما يكفر اليمين قال بن العربي : الآية وردت بقسمين : لغو ومنعقدة وخرجت على الغالب في أيمان الناس فدع ما بعدها يكون مائة قسم فإنه لم تعلق عليه كفارة قلت : خرج البخاري عن عبد الله بن عمرو قال : جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ما الكبائر قال : ( الإشراك بالله ( قال : ثم ماذا قال : ( عقوق الوالدين ( قال : ثم ماذا قال : ( اليمين الغموس ( قلت وما اليمين الغموس قال : ( التي يقتطع بها مال امريء مسلم هو فيها كاذب ( وخرج مسلم عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من اقتطع حق امريء مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة ( فقال رجل : وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله قال : ( وإن كان قضيبا من أراك ( ومن حديث عبد الله بن مسعود فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امريء مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان ( فنزلت إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا إلى آخر الآية ولم يذكر كفارة فلو أوجبنا عليه كفارة لسقط جرمه ولقي الله وهو عنه راض ولم يستحق الوعيد المتوعد عليه وكيف لا يكون ذلك وقد جمع هذا الحالف الكذب واستحلال مال الغير والاستخفاف باليمين بالله تعالى والتهاون بها وتعظيم الدنيا فأهان ما عظمه الله وعظم ما حقره الله وحسبك ولهذا قيل : إنما سميت اليمين الغموس غموسا لأنها تغمس صاحبها في النار السادسة الحالف بألا يفعل على بر ما لم يفعل فإن فعل حنث ولزمته الكفارة لوجود المخالفة منه وكذلك إذا قال إن فعلت وإذا حلف بأن ليفعلن فإنه في الحال على حنث لوجود المخالفة فإن فعل بر وكذلك إن قال إن لم أفعل السابعة قول الحالف : لأفعلن وإن لم أفعل بمنزلة الأمر وقوله : لا أفعل وإن فعلت بمنزلة النهي ففي الأول لا يبر حتى يفعل جميع المحلوف عليه : مثاله لآكلن هذا الرغيف فأكل بعضه لا يبر حتى يأكل جميعه : لأن كل جزء منه محلوف عليه فإن قال : والله لآكلن مطلقا فإنه يبر بأقل جزء مما يقع عليه الاسم لإدخال ماهية الأكل في الوجود وأما في النهي فإنه يحنث بأقل ما ينطلق عليه الاسم لأن مقتضاه ألا يدخل فرد من أفراد المنهي عنه في الوجود فإن حلف ألا يدخل دارا فأدخل إحدى رجليه حنث والدليل عليه أنا وجدنا الشارع غلظ جهة التحريم بأول الاسم في قوله تعالى : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم فمن عقد على امرأة ولم يدخل بها حرمت على أبيه وابنه ولم يكتف في جهة التحليل بأول الاسم فقال : ( لا حتى تذوقي عسيلته ( الثامنة المحلوف به هو الله سبحانه وأسماؤه الحسنى كالرحمن والرحيم والسميع والعليم والحليم ونحو ذلك من أسمائه وصفاته العليا كعزته وقدرته وعلمه وإرادته وكبريائه وعظمته وعهده وميثاقه وسائر صفات ذاته لأنها يمين بقديم غير مخلوق فكان الحالف بها كالحالف بالذات روى الترمذي والنسائي وغيرهما أن جبريل عليه السلام لما نظر إلى الجنة ورجع إلى الله تعالى قال : وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها وكذلك قال في النار : وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها وخرجا أيضا وغيرهما عن بن عمر قال : كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم ( لا ومقلب القلوب ( وفي رواية ( لا ومصرف القلوب ( وأجمع أهل العلم على أن من حلف فقال : والله أو بالله أو تالله فحنث أن عليه الكفارة قال بن المنذر : وكان مالك والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور وإسحاق وأصحاب الرأي يقولون : من حلف باسم من أسماء الله وحنث فعليه الكفارة وبه نقول ولا أعلم في ذلك خلافا قلت : قد نقل في باب ذكر الحلف بالقرآن وقال يعقوب : من حلف بالرحمن فحنث فلا كفارة عليه قلت : والرحمن من أسمائه سبحانه مجمع عليه ولا خلاف فيه التاسعة واختلفوا في وحق الله وعظمة الله وقدرة الله وعلم الله ولعمر الله وايم الله فقال مالك : كلها أيمان تجب فيها الكفارة وقال الشافعي : في وحق الله وجلال الله وعظمة الله وقدرة الله يمين إن نوى بها اليمين وإن لم يرد اليمين فليست بيمين لأنه يحتمل وحق الله واجب وقدرته ماضية وقال في أمانة الله : ليست بيمين ولعمر الله وأيم الله إن لم يرد بها اليمين فليست بيمين وقال أصحاب الرأي إذا قال : وعظمة الله وعزة الله وجلال الله وكبرياء الله وأمانة الله فحنث فعليه الكفارة وقال الحسن في وحق الله : ليست بيمين ولا كفارة فيها وهو قول أبي حنيفة حكاه عنه الرازي وكذلك عهد الله وميثاقه وأمانته ليست بيمين وقال بعض أصحابه : هي يمين وقال الطحاوي : ليست بيمين وكذا إذا قال : وعلم الله لم يكن يمينا في قول أبي حنيفة وخالفه صاحبه أبو يوسف فقال : يكون يمينا قال بن العربي : والذي أوقعه في ذلك أن العلم قد ينطلق على المعلوم وهو المحدث فلا يكون يمينا وذهل عن أن القدرة تنطلق على المقدور فكل كلام له في المقدور فهو حجتنا في المعلوم قال بن المنذر : وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( وأيم الله أن كان لخليقا للإمارة ( في قصة زيد وابنه أسامة وكان بن عباس يقول : وأيم الله وكذلك قال بن عمر وقال إسحاق : إذا أراد بأيم الله يمينا كانت يمينا بالأرادة وعقد القلب العاشرة واحتلفوا في الحلف بالقرآن فقال بن مسعود : عليه بكل آية يمين وبه قال الحسن البصري وبن المبارك وقال أحمد : ما أعلم شيئا يدفعه وقال أبو عبيد : يكون يمينا واحدة وقال أبو حنيفة : لا كفارة عليه وكان قتادة : يحلف بالمصحف وقال أحمد وإسحاق لا نكره ذلك الحادية عشرة لاتنعقد اليمين بغير الله تعالى وأسمائه وصفاته وقال أحمد بن حنبل : إذا حلف بالنبي صلى الله عليه وسلم انعقدت يمينه لأنه حلف بما لا يتم الإيمان إلا به فتلزمه الكفارة كما لو حلف بالله وهذا يرده ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أدرك عمر بن الخطاب في ركب وعمر يحلف بأبيه فناداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إلا أن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ( وهذا حصر في عدم الحلف بكل شيء سوى الله تعالى وأسمائه وصفاته كما ذكرنا ومما يحقق ذلك ما رواه أبو داود والنسائي وغيرهما عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد ولا تحلفوا إلا بالله ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون ( ثم ينتقض عليه بمن قال : وآدم وإبراهيم فإنه لا كفارة عليه وقد حلف بما لا يتم الإيمان إلا به الثانية عشرة روى الأئمة واللفظ لمسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من حلف منكم فقال في حلفه باللات فليقل لا إله إلا الله ومن قال لصاحبه تعال أقامرك فليتصدق ( وخرج النسائي عن مصعب بن سعد عن أبيه قال : كنا نذكر بعض الأمر وأنا حديث عهد بالجاهلية فحلفت باللات والعزى فقال لي بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بئس ما قلت : وفي رواية قلت هجرا فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال : ( قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وأنفث عن يسارك ثلاثا وتعوذ بالله من الشيطان ثم لا تعد ( قال العلماء : فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من نطق بذلك أن يقول بعده لا إله إلا الله تكفيرا لتلك اللفظة وتذكيرا من الغفلة وإتماما للنعمة وخص اللات بالذكر لأنها أكثر ما كانت تجري على ألسنتهم وحكم غيرها من أسماء آلهتهم حكمها إذ لا فرق بينها وكذا من قال لصاحبه : تعال أقامرك فليتصدق فالقول فيه كالقول في اللات لأنهم كانوا اعتادوا المقامرة وهي من أكل المال بالباطل الثالثة عشرة قال أبو حنيفة في الرجل يقول : هو يهودي أو نصراني أو بريء من الإسلام أو من النبي أو من القرآن أو أشرك بالله أو أكفر بالله : إنها يمين تلزم فيها الكفارة ولا تلزم فيما إذا قال : واليهودية والنصرانية والنبي والكعبة وإن كانت على صيغة الإيمان ومتمسكة ما رواه الدارقطني عن أبي رافع أن مولاته أرادت أن تفرق بينه وبين امرأته فقالت : هي يوما يهودية ويوما نصرانية وكل مملوك لها حر وكل مال لها في سبيل الله وعليها مشى إلى بيت الله إن لم تفرق بينهما فسألت عائشة وحفصة وبن عمر وبن عباس وأم سلمة فكلهم قال لها : أتريدين أن تكوني مثل هاروت وماروت وأمروها أن تكفر عن يمينها وتخلي بينهما وخرج أيضا عنه قال : قالت مولاتي لأفرقن بينك وبين امرأتك وكل مال لها في رتاج الكعبة وهي يوما يهودية ويوما نصرانية ويوما مجوسية إن لم أفرق بينك وبين امرأتك قال : فانطلقت إلى أم المؤمنين أم سلمة فقلت : إن مولاتي تريد أن تفرق بيني وبين امرأتي فقالت انطلق إلى مولاتك فقل لها : إن هذا لا يحل لك قال : فرجعت إليها قال ثم أتيت بن عمر فأخبرته فجاء حتى انتهى إلى الباب فقال : ها هنا هاروت وماروت فقالت : إني جعلت كل مال لي في رتاج الكعبة قال : فمم تأكلين قالت : وقلت أنا يوما يهودية ويوما نصرانية ويوما مجوسية فقال : إن تهودت قتلت وإن تنصرت قتلت وأن تمجست قتلت قالت : فما تأمرني قال : تكفرين عن يمينك وتجمعين بين فتاك وفتاتك وأجمع العلماء على أن الحالف إذا قال : أقسم بالله أنها يمين واختلفوا إذا قال أقسم أو أشهد ليكونن كذا وكذا ولم يقل بالله فإنها تكون أيمانا عند مالك إذا أراد بالله وإن لم يرد بالله لم تكن أيمانا تكفر وقال أبو حنيفة والأوزاعي والحسن والنخعي : هي أيمان في الموضعين وقال الشافعي : لا تكون أيمانا حتى يذكر اسم الله تعالى هذه رواية المزنى عنه وروى عنه الربيع مثل قول مالك الرابعة عشرة إذا قال : أقسمت عليك لتفعلن فإن أراد سؤاله فلا كفارة فيه وليست بيمين وإن أراد اليمين كان ما ذكرناه آنفا الخامسة عشرة من حلف بما يضاف إلى الله تعالى مما ليس بصفة كقوله : وخلق الله ورزقه وبيته لا شيء عليه لأنها أيمان غير جائزة وحلف بغير الله تعالى السادسة عشرة إذا انعقدت اليمين حلتها الكفارة أو الاستثناء وقال بن الماجشون : الاستثناء بدل عن الكفارة وليست حلا لليمين قال بن القاسم : هي حل لليمين وقال بن العربي : وهو مذهب فقهاء الأمصار وهو الصحيح وشرطه أن يكون متصلا منطوقا به لفظا لما رواه النسائي وأبو داود عن بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من حلف فاستثنى فإن شاء مضى وإن شاء ترك عن غير حنث ( فإن نواه من غير نطق أو قطعه من غير عذر لم ينفعه وقال محمد بن المؤاز : يكون الاستثناء مقترنا باليمين اعتقادا ولو بآخر حرف قال : فإن فرغ منها واستثنى لم ينفعه ذلك لأن اليمين فرغت عارية من الاستثناء فورودها بعده لا يؤثر كالتراخي وهذا يرده الحديث ( من حلف فاستثنى والفاء للتعقيب وعليه جمهور أهل العلم وأيضا فإن ذلك يؤدي إلى ألا تنحل يمين ابتديء عقدها وذلك باطل وقال بن خويز منداد : واختلف أصحابنا متى استثنى في نفسه تخصيص ما حلف عليه فقال بعض أصحابنا : يصح استثناؤه وقد ظلم المحلوف له وقال بعضهم : لا يصح حتى يسمع المحلوف له وقال بعضهم : يصح إذا حرك به لسانه وشفتيه وإن لم يسمع المحلوف له قال بن خويز منداد وإنما قلنا يصح استثناؤه في نفسه فلأن الأيمان تعتبر بالنيات وإنما قلنا لا يصح ذلك حتى يحرك به لسانه وشفتيه فإن من لم يحرك به لسانه وشفتيه لم يكن متكلما والاستثناء من الكلام يقع بالكلام دون غيره وإنما قلنا لا يصح بحال فلأن ذلك حق للمحلوف له وإنما يقع على حسب ما يستوفيه له الحاكم فلما لم تكن اليمين على اختيار الحالف بل كانت مستوفاة منه وجب ألا يكون له فيها حكم وقال بن عباس : يدرك الاستثناء اليمين بعد سنة وتابعه على ذلك أبو العالية والحسن وتعلق بقوله تعالى : والذين لا يدعون مع الله إلها آخر الفرقان الآية فلما كان بعد عام نزل ( إلا من تاب مريم ) وقال مجاهد : من قال بعد سنتين إن شاء الله أجزأه وقال سعيد بن جبير : إن استثنى بعد أربعة أشهر أجزأه وقال طاوس له أن يستثني ما دام في مجلسه وقال قتادة : إن استثنى قبل أن يقوم أو يتكلم فله ثنياه وقال أحمد بن حنبل وإسحاق : يستثنى ما دام في ذلك الأمر وقال عطاء : له ذلك قدر حلب الناقة الغزيرة السابعة عشرة قال بن العربي : أما ما تعلق به بن عباس من الآية فلا متعلق له فيها لأن الآيتين كانتا متصلتين في علم الله تعالى وفي لوحه وإنما تأخر نزولها لحكمة علم الله ذلك فيها أما أنه يتركب عليها فرع حسن وهو أن الحالف إذا قال والله لا دخلت الدار وأنت طالق إن دخلت الدار واستثنى في يمينه الأول إن شاء الله في قلبه واستثنى في اليمين الثانية في قلبه أيضا ما يصلح للاستثناء الذي يرفع اليمين لمدة أو سبب أو مشيئة أحد ولم يظهر شيئا من الاستثناء إرهابا على المحلوف له فإن ذلك ينفعه ولا تنعقد اليمينان عليه وهذا في الطلاق ما لم تحضره البينة فإن حضرته بينة لم تقبل منه دعواه الاستثناء وإنما يكون ذلك نافعا له إذا جاء مستفتيا قلت : وجه الاستثناء أن الله تعالى أظهر الآية الأولى وأخفى الثانية فكذلك الحالف إذا حلف إرهابا وأخفى الاستثناء والله أعلم قال بن العربي : وكان أبو الفضل المراغي يقرأ بمدينة السلام وكانت الكتب تأتي إليه من بلده فيضعها في صندوق ولا يقرأ منها واحدا مخافة أن يطلع فيها على ما يزعجه ويقطع به عن طلبه فلما كان بعد خمسة أعوام وقضى غرضا من الطلب وعزم على الرحيل شد رحله وأبرز كتبه وأخرج تلك الرسائل فقرأ فيها ما لو أن واحدا منها يقرؤه بعد وصوله ما تمكن بعده من تحصيل حرف من العلم فحمد الله ورحل على دابة قماشه وخرج إلى باب الحلبة طريق خراسان وتقدمه الكري بالدابة وأقام هو على فامي يبتاع منه سفرته فبينما هو يحاول ذلك معه إذ سمعه يقول لفامي آخر : أما سمعت العالم يقول يعني الواعظ أن بن عباس يجوز الاستثناء ولو بعد سنة لقد اشتغل بذلك بالي منذ سمعته فظللت فيه متفكرا ولو كان ذلك صحيحا لما قال الله تعالى لأيوب : وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث ص وما الذي يمنعه من أن يقول : قل إن شاء الله فلما سمعه يقول ذلك قال : بلد يكون فيه الفاميون بهذا الحظ من العلم وهذه المرتبة أخرج عنه إلى المراغة لا أفعله أبدا واقتفى أثر الكري وحلله من الكراء وأقام بها حتى مات الثامنة عشرة الاستثناء إنما يرفع اليمين بالله تعالى إذ هي رخصة من الله تعالى ولا خلاف في هذا واختلفوا في الاستثناء في اليمين بغير الله فقال الشافعي وأبو حنيفة : الاستثناء يقع في كل يمين كالطلاق والعتاق وغير ذلك كاليمين بالله تعالى قال أبو عمر : ما أجمعوا عليه فهو الحق وإنما ورد التوقيف بالاستثناء في اليمين بالله عز وجل لا في غير ذلك التاسعة عشرة قوله تعالى : ( فكفارته ) اختلف العلماء في تقديم الكفارة على الحنث هل تجزئ أم لا بعد اجماعهم على أن الحنث قبل الكفارة مباح حسن وهو عندهم اولى على ثلاثة أقوال : أحدها يجزئ مطلقا وهو مذهب أربعة عشر من الصحابة وجمهور الفقهاء وهو مشهور مذهب مالك وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يجزئ بوجه وهي رواية أشهب عن مالك وجه الجواز ما رواه أبو موسى الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير ( خرجه أبو داود ومن جهة المعنى أن اليمين سبب الكفارة لقوله تعالى : ( ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ) فأضاف الكفارة إلى اليمين والمعاني تضاف إلى أسبابها وأيضا فإن الكفارة بدل عن البر فيجوز تقديمها قبل الحنث ووجه المنع ما رواه مسلم عن عدي بن حاتم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من حلف على يمين ثم رأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير ( زاد النسائي ( وليكفر عن يمينه ( ومن جهة المعنى أن الكفارة إنما هي لرفع الإثم وما لم يحنث لم يكن هناك ما يرفع فلا معنى لفعلها وكان معنى قوله تعالى : ( إذا حلفتم ) أي إذا حلفتم وحنثتم وأيضا فإن كل عبادة فعلت قبل وجوبها لم تصح اعتبارا بالصلوات وسائر العبادات وقال الشافعي : تجزئ بالإطعام والعتق والكسوة ولا تجزئ بالصوم لأن عمل البدن لا يقدم قبل وقته ويجزئ في غير ذلك تقديم الكفارة وهو القول الثالث الموفية عشرين ذكر الله سبحانه في الكفارة الخلال الثلاث فخير فيها وعقب عند عدمها بالصيام وبدأ بالطعام لأنه كان الأفضل في بلاد الحجاز لغلبة الحاجة إليه وعدم شبعهم ولا خلاف في أن كفارة اليمين على التخيير قال بن العربي : والذي عندي أنها تكون بحسب الحال فإن علمت محتاجا فالطعام أفضل لأنك إذا أعتقت لم تدفع حاجتهم وزدت محتاجا حادي عشر إليهم وكذلك الكسوة تليه ولما علم الله الحاجة بدأ بالمقدم المهم الحادية والعشرون قوله تعالى : ( إطعام عشرة مساكين ) لابد عندنا وعند الشافعي من تمليك المساكين ما يخرج لهم ودفعه إليهم حتى يتملكوه ويتصرفوا فيه لقوله تعالى : وهو يطعم ولا يطعم وفي الحديث : أطعم رسول الله صلى الله عليه وسلم الجد السدس ولأنه أحد نوعي الكفارة فلم يجز فيها إلا التمليك أصله الكسوة وقال أبو حنيفة : لو غداهم وعشاهم جاز وهو اختيار بن الماجشون من علمائنا قال بن الماجشون : إن التمكين من الطعام إطعام قال الله تعالى : ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا الإنسان فبأي وجه أطعمه دخل في الآية الثانية والعشرون قوله تعالى : ( من أوسط ما تطعمون أهليكم ) قد تقدم في البقرة أن الوسط بمعنى الأعلى والخيار وهو هنا منزلة بين منزلتين ونصفا بين طرفين ومنه الحديث ( خير الأمور أوسطها ( وخرج بن ماجة حدثنا محمد بن يحيى حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا سفيان بن عيينة عن سليمان بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال : كان الرجل يقوت أهله قوتا فيه سعة وكان الرجل يقوت أهله قوتا فيه شدة فنزلت ( من أوسط ما تطعمون أهليكم ) وهذا يدل على أن الوسط ما ذكرناه وهو ما كان بين شيئين الثالثة والعشرون الإطعام عند مالك مد لكل واحد من المساكين العشرة إن كان بمدينة النبي صلى الله عليه وسلم وبه قال الشافعي وأهل المدينة قال سليمان بن يسار : أدركت الناس وهم إذا أعطوا في كفارة اليمين أعطوا مدا من حنطة بالمد الأصغر ورأوا ذلك مجزئا عنهم وهو قول بن عمر وبن عباس وزيد بن ثابت وبه قال عطاء بن أبي رباح واختلف إذا كان بغيرها فقال بن القاسم : يجزئه المد بكل مكان وقال بن المواز : أفتى بن وهب بمصر بمد ونصف وأشهب بمد وثلث قال : وإن مدا وثلثا لوسط من عيش الأمصار في الغداء والعشاء وقال أبو حنيفة : يخرج من البر نصف صاع ومن التمر والشعير صاعا على حديث عبد الله بن ثعلبة بن صعير عن أبيه قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا فأمر بصدقة الفطر صاع من تمر أو صاع من شعير عن كل رأس أو صاع بر بين اثنين وبه أخذ سفيان وبن المبارك وروي عن علي وعمر وبن عمر وعائشة رضي الله عنهم وبه قال سعيد بن المسيب وهو قول عامة فقهاء العراق لما رواه بن عباس قال : كفر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصاع من تمر وأمر الناس بذلك فمن لم يجد فنصف صاع من بر ( من أوسط ما تطعمون أهليكم ) خرجه بن ماجة في سننه الرابعة والعشرون لا يجوز أن يطعم غنيا ولا ذا رحم تلزمه نفقته وإن كان ممن لا تلزمه نفقته فقد قال مالك : لا يعجبني أن يطعمه ولكن إن فعل وكان فقيرا أجزأه فإن أطعم غنيا جاهلا بغناه ففي المدونة وغير كتاب لا يجزئ وفي الأسدية أنه يجريء الخامسة والعشرون ويخحرج الرجل مما يأكل قال بن العربي : وقد زلت هنا جماعة من العلماء فقالوا : إنه إذا كان يأكل الشعير ويأكل الناس البر فليخرج مما يأكل الناس وهذا سهو بين فإن المكفر إذا لم يستطع في خاصة نفسه إلا الشعير لم يكلف أن يعطى لغيره سواه وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( صاعا من طعام صاعا من شعير ( ففصل ذكرهما ليخرج كل أحد فرضه مما يأكل وهذا مما لا خفاء فيه السادسة والعشرون قال مالك : إن غدى عشرة مساكين وعشاهم أجزأه وقال الشافعي : لا يجوز أن يطعمهم جملة واحدة لأنهم يختلفون في الأكل ولكن يعطي كل مسكين مدا وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه : لا يجزئ إطعام العشرة وجبة واحدة يعني غداء دون عشاء أو عشاء دون غداء حتى يغديهم ويعشيهم قال أبو عمر : وهو قول أئمة الفتوى بالأمصار السابعة والعشرون قال بن حبيب : ولا يجزئ الخبز قفارا بل يعطى معه إدامه زيتا أو كشكا أوكامخا أو ما تيسر قال بن العربي : هذه زيادة ما أراها واجبة أما أنه يستحب له أن يطعم مع الخبز السكر نعم واللحم وأما تعيين الإدام للطعام فلا سبيل إليه لأن اللفظ لا يتضمنه قلت : نزول الآية في الوسط يقتضي الخبز والزيت أو الخل وما كان في معناه من الجبن والكشك كما قال بن حبيب والله أعلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( نعم الإدام الخل ( وقال الحسن البصري إن أطعمهم خبزا ولحما أو خبزا وزيتا مرة واحدة في اليوم حتى يشبعوا أجزأه وهو قول بن سيرين وجابر بن زيد ومكحول وروي ذلك عن أنس بن مالك الثامنة والعشرون لا يجوز عندنا دفع الكفارة إلى مسكين واحد وبه قال الشافعي وأصحاب أبي حنيفة يمنعون صرف الجميع إلى واحد دفعة واحدة ويختلفون فيما إذا صرف الجميع في يوم واحد بدفعات مختلفة فمنهم من أجاز ذلك وإنه إذا تعدد الفعل حسن أن يقال في الفعل الثاني لا يمنع من الذي دفعت إليه أولا فإن اسم المسكين يتناوله وقال آخرون : يجوز دفع ذلك إليه في أيام وإن تعدد الأيام يقوم مقام أعداد المساكين وقال أبو حنيفة : يجزئه ذلك لأن المقصود من الآية التعريف بقدر ما يطعم فلو دفع ذلك القدر لواحد أجزأه ودليلنا نص الله تعالى على العشرة فلا يجوز العدول عنهم وأيضا فإن فيه أحياء جماعة من المسلمين وكفايتهم يوما واحدا فيتفرغون فيه لعبادة الله تبارك وتعالى ولدعائه فيغفر للمكفر بسبب ذلك والله أعلم التاسعة والعشرون قوله تعالى : ( فكفارته ) الضمير على الصناعة النحوية عائد على ( ما ) ويحتمل في هذا الموضوع أن تكون بمعنى الذي ويحتمل أن تكون مصدرية أو يعود على إثم الحنث وإن لم يجر له ذكر صريح ولكن المعنى يقتضيه الموفية ثلاثين قوله تعالى : ( أهليكم ) هو جمع أهل على السلامة وقرأ جعفر بن محمد الصادق : ( أهاليكم ) وهذا جمع مكسر قال أبو الفتح : أهال بمنزلة ليال واحدها أهلات وليلات والعرب تقول : أهل وأهلة قال الشاعر : وأهلة ود قد تبريت ودهم وأبليتهم في الجهد حمدي ونائلي يقول : تعرضت لودهم قاله بن السكيت الحادية والثلاثون قوله تعالى : ( أو كسوتهم ) قرئ بكسر الكاف وضمها هما لغتان مثل إسوة وأسوة وقرأ سعيد بن جبير ومحمد بن السميقع اليماني : ( أو كإسوتهم ) يعني كإسوة أهلك والكسوة في حق الرجال الثوب الواحد الساتر لجميع الجسد فأما في حق النساء فأقل ما يجزئهن فيه الصلاة وهو الدرع والخمار وهكذا حكم الصغار قال بن القاسم في العتبية : تكسى الصغيرة كسوة كبيرة والصغير كسوة كبير قياسا على الطعام وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي : أقل ما يقع عليه الاسم وذلك ثوب واحد وفي رواية أبي الفرج عن مالك وبه قال إبراهيم النخعي ومغيرة : ما يستر جميع البدن بناء على أن الصلاة لا تجزئ في أقل من ذلك وروي عن سلمان رضي الله عنه أنه قال : نعم الثوب التبان أسنده الطبري وقال الحكم بن عتيبة تجزئ عمامة يلف بها رأسه وهو قول الثوري قال بن العربي : وما كان أحرصني على أن يقال : أنه لا يجزئ إلا كسوة تستر عن أذى الحر والبرد كما أن عليه طعاما يشبعه من الجوع فأقول به وأما القول بمئزر واحد فلا أدريه والله يفتح لي ولكم في المعرفة بعونه قلت : قد راعى قوم معهود الزي والكسوة المتعارفة فقال بعضهم : لا يجزئ الثوب الواحد إلا إذا كان جامعا مما قد يتزيا به كالكساء والملحفة وقال أبو حنيفة وأصحابه : الكسوة في كفارة اليمين لكل مسكين ثوب وإزار أو رداء أو قميص أو قباء أو كساء وروي عن أبي موسى الأشعري أنه أمر أن يكسى عنه ثوبين ثوبين وبه قال الحسن وبن سيرين وهذا معنى ما اختاره بن العربي والله أعلم الثانية والثلاثون لاتجزيء القيمة عن الطعام والكسوة وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة : تجزئ وهو يقول : تجزئ القيمة في الزكاة فكيف في الكفارة قال بن العربي : وعمدته أن الغرض سد الخلة ورفع الحاجة فالقيمة تجزئ فيه قلنا : إن نظرتم إلى سد الخلة فأين العبادة وأين نص القرآن على الأعيان الثلاثة والانتقال بالبيان من نوع إلى نوع الثالثة والثلاثون إذا دفع الكسوة إلى ذمي أو إلى عبد لم يجزه وقال أبو حنيفة : يجزئه لأنه مسكين يتناوله لفظ المسكنة ويشتمل عليه عموم الآية قلنا : هذا يخصه بأن يقول جزء من المال يجب إخراجه للمساكين فلا يجوز دفعه للكافر أصله الزكاة وقد اتفقنا على أنه لا يجوز دفعه للمرتد فكل دليل خص به المرتد فهو دليلنا في الذمي والعبد ليس بمسكين لاستغنائه بنفقة سيده فلا تدفع إليه كالغني الرابعة والثلاثون قوله تعالى : ( أو تحرير رقبة ) التحرير الإخراج من الرق ويستعمل في الأسر والمشقات وتعب الدنيا ونحوها ومنه قول أم مريم : إني نذرت لك ما في بطني محررا أي من شغوب الدنيا ونحوها ومن ذلك قول الفرزدق بن غالب : أبني غدانة إنني حررتكم فوهبتكم لعطية بن جعال أي حررتكم من الهجاء وخص الرقبة من الإنسان إذ هو العضو الذي يكون فيه الغل والتوثق غالبا من الحيوان فهو موضع الملك فأضيف التحرير إليها الخامسة والثلاثون لا يجوز عندنا إلا إعتاق رقبة مؤمنة كاملة ليس فيها شرك لغيره ولا عتاقة بعضها ولا عتق إلى أجل ولا كتابة ولا تدبير ولا تكون أم ولد ولا من يعتق عليه إذا ملكه ولا يكون بها من الهرم والزمانة ما يضر بها في الاكتساب سليمة غير معيبة خلافا لداود في تجويزه اعتاق المعيبة وقال أبو حنيفة : يجوز عتق الكافرة لأن مطلق اللفظ يقتضيها ودليلنا أنها قربة واجبة فلا يكون الكافر محلا لها كالزكاة وأيضا فكل مطلق في القرآن من هذا فهو راجع إلى المقيد في عتق الرقبة في القتل الخطأ وإنما قلنا : لا يكون فيها شرك لقوله تعالى : ( فتحرير رقبة ) وبعض الرقبة ليس برقبة وإنما قلنا لا يكون فيها عقد عتق لأن التحرير يقتضي ابتداء عتق دون تنجيز عتق مقدم وإنما قلنا : سليمة لقوله تعالى : ( فتحرير رقبة ) والإطلاق يقتضي تحرير رقبة كاملة والعمياء ناقصة وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ( ما من مسلم يعتق امرءا مسلما إلا كان فكاكه من النار كل عضو منه بعضو منها حتى الفرج بالفرج ( وهذا نص وقد روي في الأعور قولان في المذهب وكذلك في الأصم والخصي السادسة والثلاثون من أخرج مالا ليعتق رقبة في كفارة فتلف كانت الكفارة باقية عليه بخلاف مخرج المال في الزكاة ليدفعه إلى الفقراء أو ليشتري به رقبة فتلف لم يكن عليه غيره لامتثال الأمر السابعة والثلاثون اختلفوا في الكفارة إذا مات الحالف فقال الشافعي وأبو ثور : كفارات الأيمان تخرج من رأس مال الميت وقال أبو حنيفة : تكون في الثلث وكذلك قال مالك إن أوصى بها الثامنة والثلاثون من حلف وهو موسر فلم يكفر حتى أعسر أو حنث وهو معسر فلم يكفر حتى أيسر أو حنث وهو عبد فلم يكفر حتى عتق فالمراعاة في ذلك كله بوقت التكفير لا وقت الحنث التاسعة والثلاثون روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( والله لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي فرض الله ( اللجاج في اليمين هو المضي على مقتضاه وإن لزم من ذلك حرج ومشقة وترك ما فيه منفعة عاجلة أو آجلة فإن كان شيء من ذلك فالأولى به تحنيث نفسه وفعل الكفارة ولا يعتل باليمين كما ذكرناه في قوله تعالى : ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم وقال عليه السلام : ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير ( أي الذي هو أكثر خيرا الموفية أربعين روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اليمين على نية المستحلف ( قال العلماء : معناه أن من وجبت عليه يمين في حق وجب عليه فحلف وهو ينوي غيره لم تنفعه نيته ولا يخرج بها عن إثم تلك اليمين وهو معنى قوله في الحديث الآخر : ( يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك ( وروي ( يصدقك به صاحبك ( خرجه مسلم أيضا قال مالك : من حلف لطالبه في حق له عليه واستثنى في يمينه أو حرك لسانه أو شفتيه أو تكلم به لم ينفعه استثناؤه ذلك لأن النية نية المحلوف له لأن اليمين حق له وإنما تقع على حسب ما يستوفيه له الحاكم لا على اختيار الحالف لأنها مستوفاة منه هذا تحصيل مذهبه وقوله الحادية والأربعون قوله تعالى : ( فمن لم يجد ) معناه لم يجد في ملكه أحد هذه الثلاثة من الإطعام أو الكسوة أو عتق الرقبة بإجماع فإذا عدم هذه الثلاثة الأشياء صام والعدم يكون بوجهين إما بمغيب المال عنه أو عدمه فالأول أن يكون في بلد غير بلده فإن وجد من يسلفه لم يجزه الصوم وإن لم يجد من يسلفه فقد اختلف فيه فقيل : ينتظر إلى بلده قال بن العربي : وذلك لا يلزمه بل يكفر بالصيام لأن الوجوب قد تقرر في الذمة والشرط من العدم قد تحقق فلا وجه لتأخير الأمر فليكفر مكانه لعجزه عن الأنواع الثلاثة لقوله تعالى : ( فمن لم يجد ) وقيل : من لم يكن له فضل عن رأس ماله الذي يعيش به فهو الذي لم يجد وقيل : هو من لم يكن له إلا قوت يومه وليلته وليس عنده فضل يطعمه وبه قال الشافعي واختاره الطبري وهو مذهب مالك وأصحابه وروي عن بن القاسم أن من تفضل عنه نفقة يومه فإنه لا يصوم قال بن القاسم في كتاب بن مزين : إنه إن كان للحانث فضل عن قوت يومه أطعم إلا أن يخاف الجوع أو يكون في بلد لا يعطف عليه فيه وقال أبو حنيفة : إذا لم يكن عنده نصاب فهو غير واجد وقال أحمد وإسحاق : إذا كان عنده قوت يوم وليلة أطعم ما فضل عنه وقال أبو عبيد : إذا كان عنده قوت يومه وليلته وعياله وكسوة تكون لكفايتهم ثم يكون بعد ذلك مالكا لقدر الكفارة فهو عندنا واجد قال بن المنذر : قول أبي عبيد حسن الثانية والأربعون قوله تعالى : ( فصيام ثلاثة أيام ) قرأها بن مسعود ( متتابعات ) فيقيد بها المطلق وبه قال أبو حنيفة والثوري وهو أحد قولي الشافعي واختاره المزني قياسا على الصوم في كفارة الظهار واعتبارا بقراءة عبد الله وقال مالك والشافعي في قوله الآخر : يجزئه التفريق لأن التتابع صفة لا تجب إلا بنص أو قياس على منصوص وقد عدما الثالثة والأربعون من أفطر في يوم من أيام الصيام ناسيا فقال مالك : عليه القضاء وقال الشافعي : لا قضاء عليه على ما تقدم بيانه في الصيام في البقرة الرابعة والأربعون هذه الكفارة التي نص الله عليها لازمة للحر المسلم باتفاق واختلفوا فيما يجب منها على العبد إذا حنث فكان سفيان الثوري والشافعي وأصحاب الرأي يقولون : ليس عليه إلا الصوم لا يجزئه غير ذلك واختلف فيه قول مالك فحكى عنه بن نافع أنه قال : لا يكفر العبد بالعتق لأنه لا يكون له الولاء ولكن يكفر بالصدقة إن أذن له سيده وأصوب ذلك أن يصوم وحكى بن القاسم عنه أنه قال : إن أطعم أو كسا بإذن السيد فما هو بالبين وفي قلبي منه شيء الخامسة والأربعون قوله تعالى : ( ذلك كفارة أيمانكم ) أي تغطية أيمانكم وكفرت الشيء غطيته وسترته وقد تقدم ولا خلاف أن هذه الكفارة في اليمين بالله تعالى وقد ذهب بعض التابعين إلى أن كفارة اليمين فعل الخير الذي حلف في تركه وترجم بن ماجه في سننه من قال كفارتها تركها حدثنا علي بن محمد حدثنا عبد الله بن نمير عن حارثة بن أبي الرجال عن عمرة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من حلف في قطيعة رحم أو فيما لايصلح فبره ألا يتم على ذلك ( وأسند عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( : من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليتركها فإن تركها كفارتها ( قلت : ويعتضد هذا بقصة الصديق رضي الله عنه حين حلف ألا يطعم الطعام وحلفت امرأته ألا تطعمه حتى يطعمه وحلف الضيف أو الأضياف ألا يطعمه أو لا يطعموه حتى يطعمه فقال أبو بكر : كان هذا من الشيطان فدعا بالطعام فأكل وأكلوا خرجه البخاري وزاد مسلم قال : فلما أصبح غدا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله بروا وحنثت قال : فأخبره قال : ( بل أنت أبرهم وأخيرهم ( قال : ولم تبلغني كفارة السادسة والأربعون واختلفوا في كفارة غير اليمين بالله عز وجل فقال مالك : من حلف بصدقة ماله أخرج ثلثه وقال الشافعي : عليه كفارة يمين وبه قال إسحاق وأبو ثور وروي عن عمر وعائشة رضي الله عنهما وقال الشعبي وعطاء وطاوس : لا شيء عليه وأما اليمين بالمشي إلى مكة فعليه أن يفي به عند مالك وأبي حنيفة وتجزئه كفارة يمين عند الشافعي وأحمد بن حنبل وأبي ثور وقال بن المسيب والقاسم بن محمد : لا شيء عليه قال بن عبد البر : أكثر أهل العلم بالمدينة وغيرها يوجبون في اليمين بالمشي إلى مكة كفارة مثل كفارة اليمين بالله عز وجل وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين وجمهور فقهاء المسلمين وقد أفتى به بن القاسم ابنه عبد الصمد وذكر له أنه قول الليث بن سعد والمشهور عن بن القاسم أنه لا كفارة عنده في المشي إلى مكة إلا بالمشي لمن قدر عليه وهو قول مالك وأما الحالف بالعتق فعليه عتق من حلف عليه بعتقه في قول مالك والشافعي وغيرهما وروي عن بن عمر وبن عباس وعائشة أنه يكفر كفارة يمين ولا يلزمه العتق وقال عطاء : يتصدق بشيء قال المهدوي : وأجمع من يعتمد على قوله من العلماء على أن الطلاق لازم لمن حلف به وحنث السابعة والأربعون قوله تعالى : ( واحفظوا أيمانكم ) أي بالبدار إلى ما لزمكم من الكفارة إذا حنثتم وقيل : أي بترك الحلف فإنكم إذا لم تحلفوا لم تتوجه عليكم هذه التكليفات ( لعلكم تشكرون ) تقدم معنى ( الشكر ) و ( لعل ) في البقرة والحمد لله < <

Section V06/P284

المائدة : ( 90 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( المائده 90 : 92 ) <

Section V06/P284–V06/P292

> فيه سبع عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا ) خطاب لجميع المؤمنين بترك هذه الأشياء إذ كانت شهوات وعادات تلبسوا بها في الجاهلية وغلبت على النفوس فكان نفي منها في نفوس كثير من المؤمنين قال بن عطية : ومن هذا القبيل هوى الزجر بالطير وأخذ الفأل في الكتب ونحوه مما يصنعه الناس اليوم وأما الخمر فكانت لم تحرم بعد وإنما نزل تحريمها في سنة ثلاث بعد وقعة أحد وكانت وقعة أحد في شوال سنة ثلاث من الهجرة وتقدم اشتقاقها وأما ( الميسر ) فقد مضى في البقرة القول فيه وأما الأنصاب فقيل : هي الأصنام وقيل : هي النرد والشطرنج ويأتي بيانهما في سورة يونس عند قوله تعالى : فماذا بعد الحق إلا الضلال يونس وأما الأزلام فهي القداح وقد مضى في أول السورة القول فيها ويقال : كانت في البيت عند سدنة البيت وخدام الأصنام يأتي الرجل إذا أراد حاجة فيقبض منها شيئا فإن كان عليه أمرني ربي خرج إلى حاجته على ما أحب أو كره الثانية تحريم الخمر كان بتدريج ونوازل كثيرة فإنهم كانوا مولعين بشربها وأول ما نزل في شأنها يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس أي في تجارتهم فلما نزلت هذه الآية تركها بعض الناس وقالوا : لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير ولم يتركها بعض الناس وقالوا : نأخذ منفعتها ونترك إثمها فنزلت هذه الآية لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى فتركها بعض الناس وقالوا : لا حاجة لنا فيما يشغلنا عن الصلاة وشربها بعض الناس في غير أوقات الصلاة حتى نزلت : ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس ) الآية فصارت حراما عليهم حتى صار يقول بعضهم : ما حرم الله شيئا أشد من الخمر وقال أبو ميسرة : نزلت بسبب عمر بن الخطاب فإنه ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم عيوب الخمر وما ينزل بالناس من أجلها ودعا الله في تحريمها وقال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت هذه الآيات فقال عمر : انتهينا انتهينا وقد مضى في البقرة والنساء وروى أبو داود عن بن عباس قال : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ويسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس نسختها التي في المائدة ( إنما الخمر والميسر والأنصاب ) وفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص أنه قال : نزلت في آيات من القرآن وفيه قال : وأتيت على نفر من الأنصار فقالوا : تعال نطعمك ونسقيك خمرا وذلك قبل أن تحرم الخمر قال : فأتيتهم في حش والحش البستان فإذا رأس جزور مشوي عندهم وزق من خمر قال : فأكلت وشربت معهم قال : فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم فقلت : المهاجرون خير من الأنصار قال : فأخذ رجل لحيي جمل فضربني به فجرح أنفي وفي رواية ففزره وكان أنف سعد مفزورا فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فأنزل الله تعالى في يعني نفسه شأن الخمر ( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ) الثالثة هذه الأحاديث تدل على أن شرب الخمر كان إذ ذاك مباحا معمولا به معروفا عندهم بحيث لا ينكر ولا يغير وأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر عليه وهذا ما لا خلاف فيه يدل عليه آية النساء لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى على ما تقدم وهل كان يباح لهم شرب القدر الذي يسكر حديث حمزة ظاهر فيه حين بقر خواصر ناقتي علي رضي الله عنهما وجب أسنمتهما فأخبر علي بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فجاء إلى حمزة فصدر عن حمزة للنبي صلى الله عليه وسلم من القول الجافي المخالف لما يجب عليه من احترام النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره وتعزيره ما يدل على أن حمزة كان قد ذهب عقله بما يسكر ولذلك قال الراوي : فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ثمل ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على حمزة ولا عنفه لا في حال سكره ولا بعد ذلك بل رجع لما قال حمزة : وهل أنتم إلا عبيد لأبي على عقبيه القهقري وخرج عنه وهذا خلاف ما قاله الأصوليون وحكوه فإنهم قالوا : إن السكر حرام في كل شريعة لأن الشرائع مصالح العباد لا مفاسدهم وأصل المصالح العقل كما أن أصل المفاسد ذهابه فيجب المنع من كل ما يذهبه أو يشوشه إلا أنه يحتمل حديث حمزة أنه لم يقصد بشربه السكر لكنه أسرع فيه فغلبه والله أعلم الرابعة قوله تعالى : ( رجس ) قال بن عباس في هذه الآية : ( رجس ) سخط وقد يقال للنتن والعذرة والأقذار رجس والرجز بالزاي العذاب لا غير والركس العذرة لا غير والرجس يقال للامرين ومعنى ( من عمل الشيطان ) أي بحمله عليه وتزيينه وقيل : هو الذي كان عمل مباديء هذه الأمور بنفسه حتى اقتدى به فيها الخامسة قوله تعالى : ( فاجتنبوه ) يريد أبعدوه واجعلوه ناحية فأمر الله تعالى باجتناب هذه الأمور واقترنت بصيغة الأمر مع نصوص الأحاديث وإجماع الأمة فحصل الاجتناب في جهة التحريم فبهذا حرمت الخمر ولا خلاف بين علماء المسلمين أن سورة المائدة نزلت بتحريم الخمر وهي مدنية من آخر ما نزل وورد التحريم في الميتة والدم ولحم الخنزير في قوله تعالى : قل لا أجد وغيرها من الآي خبرا وفي الخمر نهيا وزجرا وهو أقوى التحريم وأوكده روى بن عباس قال : لما نزل تحريم الخمر مشي اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم إلى بعض وقالوا حرمت الخمر وجعلت عدلا للشرك يعني أنه قرنها بالذبح للأنصاب وذلك شرك ثم علق ( لعلكم تفلحون ) فعلق الفلاح بالأمر وذلك يدل على تأكيد الوجوب والله اعلم السادسة فهم الجمهور من تحريم الخمر واستخباث الشرع لها وإطلاق الرجس عليها والأمر باجتنابها الحكم بنجاستها وخالفهم في ذلك ربيعة والليث بن سعد والمزني صاحب الشافعي وبعض المتأخرين من البغداديين والقرويين فرأوا أنها طاهرة وأن المحرم إنما هو شربها وقد استدل سعيد بن الحداد القروي على طهارتها بسفكها في طرق المدينة قال : ولو كانت نجسة لما فعل ذلك الصحابة رضوان الله عليهم ولنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه كما نهى عن التخلي في الطرق والجواب أن الصحابة فعلت ذلك لأنه لم يكن لهم سروب ولا آبار يريقونها فيها إذ الغالب من أحوالهم أنهم لم يكن لهم كنف في بيوتهم وقالت عائشة رضي الله عنها إنهم كانوا يتقذرون من اتخاذ الكنف في البيوت ونقلها إلى خارج المدينة فيه كلفة ومشقة ويلزم منه تأخير ما وجب على الفور وأيضا فإنه يمكن التحرز منها فإن طرق المدينة كانت واسعة ولم تكن الخمر من الكثرة بحيث تصير نهرا يعم الطريق كلها بل إنما جرت في مواضع يسيرة يمكن التحرز عنها هذا مع ما يحصل في ذلك من فائدة شهرة إراقتها في طرق المدينة ليشيع العمل على مقتضى تحريمها من إتلافها وأنه لا ينتفع بها وتتابع الناس وتوافقوا على ذلك والله أعلم فإن قيل : التنجيس حكم شرعي ولا نص فيه ولا يلزم من كون الشيء محرما أن يكون نجسا فكم من محرم في الشرع ليس بنجس قلنا : قوله تعالى : ( رجس ) يدل على نجاستها فإن الرجس في اللسان النجاسة ثم لو التزمنا ألا نحكم بحكم إلا حتى نجد فيه نصا لتعطلت الشريعة فإن النصوص فيها قليلة فأي نص يوجد على تنجيس البول والعذرة والدم والميتة وغير ذلك وإنما هي الظواهر والعمومات والأقيسة وسيأتي في سورة الحج ما يوضح هذا المعنى إن شاء الله تعالى السابعة قوله : ( فاجتنبوه ) يقتضي الاجتناب المطلق الذي لا ينتفع معه بشيء بوجه من الوجوه لا بشرب ولا بيع ولا تخليل ولا مداواة ولا غير ذلك وعلى هذا تدل الأحاديث الواردة في الباب روى مسلم عن بن عباس أن رجلا أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم راوية خمر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هل علمت أن الله حرمها ( قال : لا قال : فسار رجلا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بم ساررته ( قال : أمرته ببيعها فقال : ( إن الذي حرم شربها حرم بيعها ( قال ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها فهذا حديث يدل على ما ذكرناه إذ لو كان فيها منفعة من المنافع الجائزة لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال في الشاة الميتة : ( هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به ( الحديث الثامنة أجمع المسلمون على تحريم بيع الخمر والدم وفي ذلك دليل على تحريم بيع العذرات وسائر النجاسات وما لا يحل أكله ولذلك والله أعلم كره مالك بيع زبل الدواب ورخص فيه بن القاسم لما فيه من المنفعة والقياس ما قاله مالك وهو مذهب الشافعي وهذا الحديث شاهد بصحة ذلك التاسعة ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الخمر لا يجوز تخليلها لأحد ولو جاز تخليلها ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع الرجل أن يفتح المزادة حتى يذهب ما فيها لأن الخل مال وقد نهى عن إضاعة المال ولا يقول أحد فيمن أراق خمرا على مسلم أنه أتلف له مالا وقد أراق عثمان بن أبي العاص خمرا ليتيم واستؤذن صلى الله عليه وسلم في تخليلها فقال : ( لا ( ونهى عن ذلك ذهب إلى هذا طائفة من العلماء من أهل الحديث والرأي وإليه مال سحنون بن سعيد وقال آخرون : لا بأس بتخليل الخمر ولا بأس بأكل ما تخلل منها بمعالجة آدمي أو غيرها وهو قول الثوري والأوزاعي والليث بن سعد والكوفيين وقال أبو حنيفة : إن طرح فيها المسك والملح فصارت مربى وتحولت عن حال الخمر جاز وخالفه محمد بن الحسن في المربى وقال : لا تعالج الخمر بغير تحويلها إلى الخل وحده قال أبو عمر : احتج العراقيون في تخليل الخمر بأبي الدرداء وهو يروى عن أبي إدريس الخولاني عن أبي الدرداء من وجه ليس بالقوي أنه كان يأكل المربى منه ويقول : دبغته الشمس والملح وخالفه عمر بن الخطاب وعثمان بن أبي العاص في تخليل الخمر وليس في رأي أحد حجة مع السنة وبالله التوفيق وقد يحتمل أن يكون المنع من تخليلها كان في بدء الإسلام عند نزول تحريمها لئلا يستدام حبسها لقرب العهد بشربها إرادة لقطع العادة في ذلك وإذا كان كذلك لم يكن في النهي عن تخليلها حينئذ والأمر بإراقتها ما يمنع من أكلها إذا خللت وروى أشهب عن مالك قال : إذا خلل النصراني خمرا فلا بأس بأكله وكذلك إن خللها مسلم واستغفر الله وهذه الرواية ذكرها بن عبد الحكم في كتابه والصحيح ما قاله مالك في رواية بن القاسم وبن وهب أنه لا يحل لمسلم أن يعالج الخمر حتى يجعلها خلا ولا يبيعها ولكن ليهريقها العاشرة لم يختلف قول مالك وأصحابه أن الخمر إذا تخللت بذاتها أن أكل ذلك الخل حلال وهو قول عمر بن الخطاب وقبيصة وبن شهاب وربيعة وأحد قولي الشافعي وهو تحصيل مذهبه عند أكثر أصحابه الحادية عشرة ذكر بن خويز منداد أنها تملك ونزع إلى ذلك بأنه يمكن أن يزال بها الغصص ويطفأ بها حريق وهذا نقل لا يعرف لمالك بل يخرج هذا على قول من يرى أنها طاهرة ولو جاز ملكها لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإراقتها وأيضا فإن الملك نوع نفع وقد بطل بإراقتها والحمد لله الثانية عشرة هذه الآية تدل على تحريم اللعب بالنرد والشطرنج قمارا أو غير قمار لأن الله تعالى لما حرم الخمر أخبر بالمعنى الذي فيها فقال : ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ) الآية ثم قال : ( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء ) الآية فكل لهو دعا قليله إلى كثير وأوقع العداوة والبغضاء بين العاكفين عليه وصد عن ذكر الله وعن الصلاة فهو كشرب الخمر وأوجب أن يكون حراما مثله فإن قيل : إن شرب الخمر يورث السكر فلا يقدر معه على الصلاة وليس في اللعب بالنرد والشطرنج هذا المعنى قيل له : قد جمع الله تعالى بين الخمر والميسر في التحريم ووصفهما جميعا بأنهما يوقعان العداوة والبغضاء بين الناس ويصدان عن ذكر الله وعن الصلاة ومعلوم أن الخمر إن أسكرت فالميسر لا يسكر ثم لم يكن عند الله افتراقهما في ذلك يمنع من التسوية بينهما في التحريم لأجل ما اشتركا فيه من المعاني وأيضا فإن قليل الخمر لا يسكر كما أن اللعب بالنرد والشطرنج لا يسكر ثم كان حراما مثل الكثير فلا ينكر أن يكون اللعب بالنرد والشطرنج حراما مثل الخمر وإن كان لا يسكر وأيضا فإن ابتداء اللعب يورث الغفلة فتقوم تلك الغفلة المستولية على القلب مكان السكر فإن كانت الخمر إنما حرمت لأنها تسكر فتصد بالإسكار عن الصلاة فليحرم اللعب بالنرد والشطرنج لأنه يغفل ويلهي فيصد بذلك عن الصلاة والله أعلم الثالثة عشرة مهدى الراوية يدل على أنه كان لم يبلغه الناسخ وكان متمسكا بالإباحة المتقدمة فكان ذلك دليلا على أن الحكم لا يرتفع بوجود الناسخ كما يقوله بعض الأصوليين بل ببلوغه كما دل عليه هذا الحديث وهو الصحيح لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوبخه بل بين له الحكم ولأنه مخاطب بالعمل بالأول بحيث لو تركه عصى بلا خلاف وإن كان الناسخ قد حصل في الوجود وذلك كما وقع لأهل قباء إذ كانوا يصلون إلى بيت المقدس إلى أن أتاهم الآتي فأخبرهم بالناسخ فمالوا نحو الكعبة وقد تقدم في سورة البقرة والحمد لله وتقدم فيها ذكر الخمر واشتقاقها والميسر وقد مضى في صدر هذه السورة القول في الأنصاب والأزلام والحمد لله الرابعة عشرة قوله تعالى : ( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ) الآية أعلم الله تعالى عباده أن الشيطان إنما يريد أن يوقع العداوة والبغضاء بيننا بسبب الخمر وغيره فحذرنا منها ونهانا عنها روى أن قبيلتين من الأنصار شربوا الخمر وانتشوا فعبث بعضهم ببعض فلما صحوا رأى بعضهم في وجه بعض آثار ما فعلوا وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن فجعل بعضهم يقول : لو كان أخي بي رحيما ما فعل بي هذا فحدثت بينهم الضغائن فأنزل الله : ( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء ) الآية الخامسة عشرة قوله تعالى : ( ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ) يقول : إذا سكرتم لم تذكروا الله ولم تصلوا وإن صليتم خلط عليكم كما فعل بعلي وروى : بعبد الرحمن كما تقدم في النساء وقال عبيد الله بن عمر : سئل القاسم بن محمد عن الشطرنج أهي ميسر وعن النرد أهو ميسر فقال : كل ما صد عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر قال أبو عبيد : تأول قوله تعالى : ( ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ) السادسة عشرة قوله تعالى : ( فهل أنتم منتهون ) لما علم عمر رضي الله عنه أن هذا وعيد شديد زائد على معنى انتهوا قال : انتهينا وأمر النبي صلى الله عليه وسلم مناديه أن ينادي في سكك المدينة إلا أن الخمر قد حرمت فكسرت الدنان وأريقت الخمر حتى جرت في سكك المدينة السابعة عشرة قوله تعالى : ( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا ) تأكيد للتحريم وتشديد في الوعيد وامتثال للأمر وكف عن المنهي عنه وحسن عطف ( وأطيعوا الله ) لما كان في الكلام المتقدم معنى انتهوا وكرر ( وأطيعوا ) في ذكر الرسول تأكيدا ثم حذر في مخالفة الأمر وتوعد من تولى بعذاب الآخرة فقال : ( فإن توليتم ) أي خالفتم ( فإنما على رسولنا البلاغ المبين ) في تحريم ما أمر بتحريمه وعلى المرسل أن يعاقب أو يثيب بحسب ما يعصى أو يطاع < <

Section V06/P292

المائدة : ( 93 ) ليس على الذين . . . . . > > < > ( المائده 93 ) <

Section V06/P292–V06/P298

> فيه تسع مسائل : الأولى قال بن عباس والبراء بن عازب وأنس بن مالك إنه لما نزل تحريم الخمر قال قوم من الصحابة : كيف بمن مات منا وهو يشربها ويأكل الميسر ونحو هذا فنزلت الآية روى البخاري عن أنس قال : كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة فنزل تحريم الخمر فأمر مناديا ينادي فقال أبو طلحة : أخرج فانظر ما هذا الصوت قال : فخرجت فقلت : هذا مناد ينادي ألا إن الخمر قد حرمت فقال : اذهب فاهرقها وكان الخمر من الفضيخ قال : فجرت في سكك المدينة فقال بعض القوم قتل قوم وهي في بطونهم فأنزل الله عز وجل : ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ) الآية الثانية هذه الآية وهذا الحديث نظير سؤالهم عمن مات إلى القبلة الأولى فنزلت وما كان الله ليضيع إيمانكم ومن فعل ما أبيح له حتى مات على فعله لك يكن له ولا عليه شيء لا إثم ولا مؤاخذة ولا ذم ولا أجر ولا مدح لأن المباح مستوى الطرفين بالنسبة إلى الشرع وعلى هذا فما كان ينبغي أن يتخوف ولا يسأل عن حال من مات والخمر في بطنه وقت إباحتها فإما أن يكون ذلك القائل غفل عن دليل الإباحة فلم يخطر له أو يكون لغلبة خوفه من الله تعالى وشفقته على إخوانه المؤمنين توهم مؤاخذة ومعاقبة لأجل شرب الخمر المتقدم فرفع الله ذلك التوهم بقوله : ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ) الآية الثالثة هذا الحديث في نزول الآية فيه دليل واضح على أن نبيذ التمر إذا أسكر خمر وهو نص ولا يجوز الاعتراض عليه لأن الصحابة رحمهم الله هم أهل اللسان وقد عقلوا أن شرابهم ذلك خمر إذ لم يكن لهم شراب ذلك الوقت بالمدينة غيره وقد قال الحكمي : لنا خمر وليست خمر كرم ولكن من نتاج الباسقات كرام في السماء ذهبن طولا وفات ثمارها أيدي الجناة ومن الدليل الواضح على ذلك ما رواه النسائي : أخبرنا القاسم بن زكريا أخبرنا عبيد الله عن شيبان عن الأعمش عن محارب بن دثار عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الزبيب والتمر هو الخمر ( وثبت بالنقل الصحيح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وحسبك به عالما باللسان والشرع خطب على منبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا أيها الناس ألا إنه قد نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من خمسة : من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير والخمر ما خامر العقل وهذا أبين ما يكون في معنى الخمر يخطب به عمر بالمدينة على المنبر بمحضر جماعة الصحابة وهم أهل اللسان ولم يفهموا من الخمر إلا ما ذكرناه وإذا ثبت هذا بطل مذهب أبي حنيفة والكوفيين القائلين بأن الخمر لا تكون إلا من العنب وما كان من غيره لا يسمى خمرا ولا يتناوله اسم الخمر وإنما يسمى نبيذا وقال الشاعر : تركت النبيذ لأهل النبيذ وصرت حليفا لمن عابه شراب يدنس عرض الفتى ويفتح للشر أبوابه الرابعة قال الإمام أبو عبد الله المازري : ذهب جمهور العلماء من السلف وغيرهم إلى أن كل ما يسكر نوعه حرم شربه قليلا كان أو كثيرا نيئا كان أو مطبوخا ولا فرق بين المستخرج من العنب أو غيره وإن من شرب شيئا من ذلك حد فأما المستخرج من العنب المسكر النيء فهو الذي انعقد الإجماع على تحريم قليله وكثيره ولو نقطة منه وأما ما عدا ذلك فالجمهور على تحريمه وخالف الكوفيون في القليل مما عدا ما ذكر وهو الذي لا يبلغ الإسكار وفي المطبوخ المستخرج من العنب فذهب قوم من أهل البصرة إلى قصر التحريم على عصير العنب ونقيع الزبيب النيء فأما المطبوخ منهما والنيء والمطبوخ مما سواهما فحلال ما لم يقع الإسكار وذهب أبو حنيفة إلى قصر التحريم على المعتصر من ثمرات النخيل والأعناب على تفصيل فيرى أن سلافة العنب يحرم قليلها وكثيرها إلا أن تطبخ حتى ينقص ثلثاها وأما نقيع الزبيب والتمر فيحل مطبوخهما وإن مسته النار مسا قليلا من غير اعتبار بحد وأما النيء منه فحرام ولكنه مع تحريمه إياه لا يوجب الحد فيه وهذا كله ما لم يقع الإسكار فإن وقع الإسكار استوى الجميع قال شيخنا الفقيه الإمام أبو العباس أحمد رضي الله عنه : العجب من المخالفين في هذه المسألة فإنهم قالوا : إن القليل من الخمر المعتصر من العنب حرام ككثيره وهو مجمع عليه فإذا قيل لهم : فلم حرم القليل من الخمر وليس مذهبا للعقل فلا بد أن يقال : لأنه داعية إلى الكثير أو للتعبد فحينئذ يقال لهم : كل ما قدرتموه في قليل الخمر هو بعينه موجود في قليل النبيذ فيحرم أيضا إذ لا فارق بينهما إلا مجرد الاسم إذا سلم ذلك وهذا القياس هو أرفع أنواع القياس لأن الفرع فيه مساو للأصل في جميع أوصافه وهذا كما يقوله في قياس الأمة على العبد في سراية العتق ثم العجب من أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله فإنهم يتوغلون في القياس ويرجحونه على إخبار الآحاد ومع ذلك فقد تركوا هذا القياس الجلي المعضود بالكتاب والسنة وإجماع صدور الأمة لأحاديث لا يصح شيء منها على ما قد بين عللها المحدثون في كتبهم وليس في الصحاح شيء منها وسيأتي في سورة النحل تمام هذه المسألة إن شاء الله تعالى الخامسة قوله تعالى : ( طعموا ) أصل هذه اللفظة في الأكل يقال : طعم الطعام وشرب الشراب لكن قد تجوز في ذلك فيقال : لم أطعم خبزا ولا ماء ولا نوما قال الشاعر : نعاما بوجرة صعر الخدود لا تطعم النوم إلا صياما وقد تقدم القول في البقرة في قوله تعالى : ومن لم يطعمه بما فيه الكفاية السادسة قال بن خويز منداد : تضمنت هذه الآية تناول المباح والشهوات والانتفاع بكل لذيذ من مطعم ومشرب ومنكح وإن بولغ فيه وتنوهي في ثمنه وهذه الآية نظير قوله تعالى : ( لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ) ونظير قوله : قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق السابعة قوله تعالى : ( إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين ) فيه أربعة أقوال : الأول إنه ليس في ذكر التقوى تكرار والمعنى اتقوا شربها وآمنوا بتحريمها والمعنى الثاني دام اتقاؤهم وإيمانهم والثالث على معنى الإحسان إلى الاتقاء والثاني اتقوا قبل التحريم في غيرها من المحرمات ثم اتقوا بعد تحريمها شربها ثم اتقوا فيما بقي من أعمالهم وأحسنوا العمل الثالث اتقوا الشرك وآمنوا بالله ورسوله والمعنى الثاني ثم اتقوا الكبائر وازدادوا إيمانا ومعنى الثالث ثم اتقوا الصغائر وأحسنوا أي تنفلوا وقال محمد بن جرير : الاتقاء الأول هو الاتقاء بتلقي أمر الله بالقبول والتصديق والدينونة به والعمل والاتقاء الثاني الاتقاء بالثبات على التصديق والثالث الاتقاء بالإحسان والتقرب بالنوافل الثامنة قوله تعالى : ( ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين ) دليل على أن المتقي المحسن أفضل من المتقي المؤمن الذي عمل الصالحات فضله بأجر الاحسان التاسعة قد تأول هذه الآية قدامة بن مظعون الجمحي من الصحابة رضي الله عنهم وهو ممن هاجر إلى أرض الحبشة مع أخويه عثمان وعبد الله ثم هاجر إلى المدينة وشهد بدرا وعمر وكان ختن عمر بن الخطاب خال عبد الله وحفصة وولاه عمر بن الخطاب على البحرين ثم عزله بشهادة الجارود سيد عبد القيس عليه بشرب الخمر روى الدارقطني قال حدثنا أبو الحسن علي بن محمد المصري حدثنا يحيى بن أيوب العلاف حدثني سعيد بن عفير حدثني يحيى بن فليح بن سليمان قال حدثني ثور بن زيد عن عكرمة عن بن عباس : أن الشراب كانوا يضربون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأيدي والنعال والعصي حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانوا في خلافة أبي بكر أكثر منهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أبو بكر يجلدهم أربعين حتى توفي ثم كان عمر من بعده يجلدهم كذلك أربعين حتى أتي برجل من المهاجرين الأولين وقد شرب فأمر به أن يجلد فقال لم تجلدني بيني وبينك كتاب الله فقال عمر : وفي أي كتاب الله تجد ألا أجلدك فقال له : إن الله تعالى يقول في كتابه : ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ) الآية فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها فقال عمر : ألا تردون عليه ما يقول فقال بن عباس : إن هؤلاء الآيات أنزلنا عذرا لمن غبر وحجة على الناس لأن الله تعالى يقول : يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر الآية ثم قرأ حتى أنفذ الآية الأخرى فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات الآية فإن الله قد نهاه أن يشرب الخمر فقال عمر : صدقت ماذا ترون فقال علي رضي الله عنه : إنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذي وإذا هذى افترى وعلى المفتري ثمانون جلدة فأمر به عمر فجلد ثمانين جلدة وذكر الحميدي عن أبي بكر البرقاني عن بن عباس قال : لما قدم الجارود من البحرين قال : يا أمير المؤمنين إن قدامة بن مظعون قد شرب مسكرا وإني إذا رأيت حقا من حقوق الله حق علي أن أرفعه إليك فقال عمر : من يشهد على ما تقول فقال : أبو هريرة فدعا عمر أبا هريرة فقال : علام تشهد يا أبا هريرة فقال : لم أره حين شرب ورأيته سكران يقيء فقال عمر : لقد تنطعت في الشهادة ثم كتب عمر إلى قدامة وهو بالبحرين يأمره بالقدوم عليه فلما قدم قدامة والجارود بالمدينة كلم الجارود عمر فقال : أقم على هذا كتاب الله فقال عمر للجارود : أشهيد أنت أم خصم فقال الجارود : أنا شهيد قال : قد كنت أديت الشهادة ثم قال لعمر : إني أنشدك الله فقال عمر : أما والله لتملكن لسانك أو لأسوءنك فقال الجارود أما والله ما ذلك بالحق أن يشرب بن عمك وتسوءني فأوعده عمر فقال أبو هريرة وهو جالس : يا أمير المؤمنين إن كنت في شك من شهادتنا فسل بنت الوليد امرأة بن مظعون فأرسل عمر إلى هند ينشدها بالله فأقامت هند على زوجها الشهادة فقال عمر : يا قدامة إني جالدك فقال قدامة : والله لو شربت كما يقولون ما كان لك أن تجلدني يا عمر قال : ولم يا قدامة قال : لأن الله سبحانه يقول : ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ) الآية إلى ( المحسنين ) فقال عمر : أخطأت التأويل يا قدامة إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم الله ثم أقبل عمر على القوم فقال : ما ترون في جلد قدامة فقال القوم : لا نرى أن تجلده ما دام وجعا فسكت عمر عن جلده ثم أصبح يوما فقال لأصحابه : ما ترون في جلد قدامة فقال القوم : لا نرى أن تجلده ما دام وجعا فقال عمر : إنه والله لأن يلقي الله تحت السوط أحب إلي أن ألقي الله وهو في عنقي والله لأجلدنه ائتوني بسوط فجاءه مولاه أسلم بسوط رقيق صغير فأخذه عمر فمسحه بيده ثم قال لأسلم : أخذتك دقرارة أهلك ائتوني بسوط غير هذا قال : فجاءه أسلم بسوط تام فأمر عمر بقدامة فجلد فغاضب قدامة عمر وهجره فحجا وقدامة مهاجر لعمر حتى قفلوا عن حجهم ونزل عمر بالسقيا ونام بها فلما استيقظ عمر قال : عجلوا علي بقدامة انطلقوا فأتوني به فوالله لأرى في النوم أنه جاءني آت فقال : سالم قدامة فإنه أخوك فلما جاؤوا قدامة أبى أن يأتيه فأمر عمر بقدامة أن يجر إليه جرا حتى كلمه عمر واستغفر له فكان أول صلحهما قال أيوب بن أبي تميمة : لم يحد أحد من أهل بدر في الخمر غيره قال بن العربي : فهذا يدلك على تأويل الآية وما ذكر فيه عن بن عباس من حديث الدارقطني وعمر في حديث البرقاني وهو صحيح وبسطه أنه لو كان من شرب الخمر واتقى الله في غيره ما حد على الخمر أحد فكان هذا من أفسد تأويل وقد خفي على قدامة وعرفه من وفقه الله كعمر وبن عباس رضي الله عنهما قال الشاعر : وإن حراما لا أرى الدهر باكيا على شجوة إلا بكيت على عمر وروي عن علي رضي الله عنه أن قوما شربوا بالشام وقالوا : هي لنا حلال وتأولوا هذه الآية فأجمع علي وعمر على أن يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا ذكره الكيا الطبري < <

Section V06/P298–V06/P301

المائدة : ( 94 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( المائده 94 ) < > فيه ثمان مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ليبلونكم الله ) أي ليختبرنكم والابتلاء الاختبار وكان الصيد أحد معايش العرب العاربة وشائعا عند الجميع منهم مستعملا جدا فابتلاهم الله فيه مع الإحرام والحرم كما ابتلى بني اسرائيل في ألا يعتدوا في السبت وقيل : إنها نزلت عام الحديبية أحرم بعض الناس مع النبي صلى الله عليه وسلم ولم يحرم بعضهم فكان إذا عرض صيد اختلف فيه أحوالهم وأفعالهم واشتبهت أحكامه عليهم فأنزل الله هذه الآية بيانا لأحكام أحوالهم وأفعالهم ومحظورات حجهم وعمرتهم الثانية اختلف العلماء من المخاطب بهذه الآية على قولين : أحدهما أنهم المحلون قاله مالك الثاني أنهم المحرمون قاله بن عباس وتعلق بقوله تعالى : ( ليبلونكم ) فإن تكليف الامتناع الذي يتحقق به الابتلاء هو مع الاحرام قال بن العربي : وهذا لا يلزم فإن التكليف يتحقق في المحل بما شرط له من أمور الصيد وما شرع له من وصفه في كيفية الاصطياد والصحيح أن الخطاب في الآية لجميع الناس محلهم ومحرمهم لقوله تعالى : ( ليبلونكم الله ) أي ليكلفنكم والتكليف كله ابتلاء وإن تفاضل في الكثرة والقلة وتباين في الضعف والشدة الثالثة قوله تعالى : ( بشيء من الصيد ) يريد ببعض الصيد فمن للتبعيض وهو صيد البر خاصة ولم يعم الصيد كله لأن للبحر صيدا قاله الطبري وغيره وأراد بالصيد المصيد لقوله : ( تناله أيديكم ) الرابعة قوله تعالى : ( تناله أيديكم ورماحكم ) بيان لحكم صغار الصيد وكباره وقرأ بن وثاب والنخعي : ( يناله ) بالياء منقوطة من تحت قال مجاهد : الأيدي تنال الفراخ والبيض وما لا يستطيع أن يفر والرماح تنال كبار الصيد وقال بن وهب قال مالك قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ) وكل شيء يناله الإنسان بيده أو برمحه أو بشيء من سلاحه فقتله فهو صيد كما قال الله تعالى الخامسة خص الله تعالى الأيدي بالذكر لأنها عظم التصرف في الاصطياد وفيها تدخل الجوارح والحبالات وما عمل باليد من فخاخ وشباك وخص الرماح بالذكر لأنها عظم ما يجرح به الصيد وفيها يدخل السهم ونحوه وقد مضى القول فيما يصاد به من الجوارح والسهام في أول السورة بما فيه الكفاية والحمد لله السادسة ما وقع في الفخ والحبالة فلربها فإن ألجأ الصيد إليها أحد ولولاها لم يتهيأ له أخذه فربها فيه شريكه وما وقع في الجبح المنصوب في الجبل من ذباب النحل فهو كالحبالة والفخ وحمام الأبرجة ترد على أربابها إن استطيع ذلك وكذلك نحل الجباح وقد روي عن مالك وقال بعض أصحابه : إنه ليس على من حصل الحمام أو النحل عنده أن يرده ولو ألجأت الكلاب صيدا فدخل في بيت أحد أو داره فهو للصائد مرسل الكلاب دون صاحب البيت ولو دخل في البيت من غير اضطرار الكلاب له فهو لرب البيت السابعة احتج بعض الناس على أن الصيد للآخذ لا للمثير بهذه الآية لأن المثير لم تنل يده ولا رمحه بعد شيئا وهو قول أبي حنيفة الثامنة كره مالك صيد أهل الكتاب ولم يحرمه لقوله تعالى : ( تناله أيديكم ورماحكم ) يعني أهل الإيمان لقوله تعالى في صدر الآية : ( يا أيها الذين آمنوا ) فخرج عنهم أهل الكتاب وخالفه جمهور أهل العلم لقوله تعالى : وطعام الذين أوتو الكتاب حل لكم وهو عندهم مثل ذبائحهم وأجاب علماؤنا بأن الآية إنما تضمنت أكل طعامهم والصيد باب آخر فلا يدخل في عموم الطعام ولا يتناوله مطلق لفظه قلت : هذا بناء على أن الصيد ليس مشروعا عندهم فلا يكون من طعامهم فيسقط عنا هذا الإلزام فأما إن كان مشروعا عندهم في دينهم فيلزمنا أكله لتناول اللفظ له فإنه من طعامهم والله أعلم < <

Section V06/P301

المائدة : ( 95 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( المائده 95 ) <

Section V06/P301–V06/P304

> فيه ثلاثون مسألة : الاولى قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا ) هذا خطاب عام لكل مسلم ذكر وأنثى وهذا النهي هو الابتلاء المذكور في قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد ) الآية وروي أن أبا اليسر واسمه عمرو بن مالك الأنصاري كان محرما عام الحديبية بعمرة فقتل حمار وحش فنزلت فيه ( لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ) الثانية قوله تعالى : ( لا تقتلوا الصيد ) القتل هو كل فعل يفيت الروح وهو أنواع : منها النحر والذبح والخنق والرضخ وشبهه فحرم الله تعالى على المحرم في الصيد كل فعل يكون مفيتا للروح الثالثة من قتل صيدا أو ذبحه فأكل منه فعليه جزاء واحد لقتله دون أكله وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة : عليه جزاء ما أكل يعني قيمته وخالفه صاحباه فقالا : لا شيء عليه سوى الاستغفار لأنه تناول الميتة كما لو تناول ميتة أخرى ولهذا لو أكلها محرم آخر لا يلزمه إلا الاستغفار وحجة أبي حنيفة أنه تناول محظور إحرامه لأن قتله كان من محظورات الإحرام ومعلوم أن المقصود من القتل هو التناول فإذا كان ما يتوصل به إلى المقصود محظور إحرامه موجبا عليه الجزاء فما هو المقصود كان أولى الرابعة لا يجوز عندنا ذبح المحرم للصيد لنهي الله سبحانه المحرم عن قتله وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي : ذبح المحرم للصيد ذكاة وتعلق بأنه ذبح صدر من أهله وهو المسلم مضاف إلى محله وهو الأنعام فأفاد مقصوده من حل الأكل أصله ذبح الحلال قلنا : قولكم ذبح صدر من أهله فالمحرم ليس بأهل لذبح الصيد إذ الأهلية لا تستفاد عقلا وإنما يفيدها الشرع وذلك بإذنه في الذبح أو بنفيها وذلك بنهيه عن الذبح والمحرم منهي عن ذبح الصيد لقوله : ( لا تقتلوا الصيد ) فقد انتفت الأهلية بالنهي وقولكم أفاد مقصوده فقد اتفقنا على أن المحرم إذا ذبح الصيد لا يحل له أكله وإنما يأكل منه غيره عندكم فإذأ كان الذبح لا يفيد الحل للذابح فأولى وأحرى ألا يفيده لغيره لأن الفرع تبع للأصل في أحكامه فلا يصح أن يثبت له ما لا يثبت لأصله الخامسة قوله تعالى : ( الصيد ) مصدر عومل معاملة الأسماء فأوقع على الحيوان المصيد ولفظ الصيد هنا عام في كل صيد بري وبحري حتى جاء قوله تعالى : ( وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ) فأباح صيد البحر إباحة مطلقة على ما يأتي بيانه في الآية بعد هذا إن شاء الله تعالى السادسة اختلف العلماء في خروج السباع من صيد البر وتخصيصها منه فقال مالك : كل شيء لا يعدو من السباع مثل الهر والثعلب والضبع وما أشبهها فلا يقتله المحرم وإن قتله فداه قال : وصغار الذئاب لا أرى أن يقتلها المحرم فإن قتلها فداها وهي مثل فراخ الغربان ولا بأس بقتل كل ما عدا على الناس في الأغلب مثل الأسد والذئب والنمر والفهد وكذلك لا بأس عليه بقتل الحيات والعقارب والفأرة والغراب والحدأة قال إسماعيل : إنما ذلك لقوله عليه السلام : ( خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم ( الحديث فسماهن فساقا ووصفهن بأفعالهن لأن الفاسق فاعل للفسق والصغار لا فعل لهن ووصف الكلب بالعقور وأولاده لا تعقر فلا تدخل في هذا النعت قال القاضي إسماعيل : الكلب العقور مما يعظم ضرره على الناس قال : ومن ذلك الحية والعقرب لأنه يخاف منهما وكذلك الحدأة والغراب لأنهما يخطفان اللحم من أيدي الناس قال بن بكير : إنما أذن في قتل العقرب لأنها ذات حمة وفي الفأرة لقرضها السقاء والحذاء اللذين بهما قوام المسافر وفي الغراب لوقوعه على الظهر ونقبه عن لحومها وقد روي عن مالك أنه قال : لا يقتل الغراب ولا الحدأة إلا أن يضرا قال القاضي إسماعيل : واختلف في الزنبور فشبهه بعضهم بالحية والعقرب قال : ولولا أن الزنبور لا يبتدئ لكان أغلظ على الناس من الحية والعقرب ولكنه ليس في طبعه من العداء ما في الحية والعقرب وإنما يحمى الزنبور إذا أوذي قال : فإذا عرض الزنبور لأحد فدفعه عن نفسه لم يكن عليه شيء في قتله وثبت عن عمر بن الخطاب إباحة قتل الزنبور وقال مالك : يطعم قاتله شيئا وكذلك قال مالك فيمن قتل البرغوث والذباب والنمل ونحوه وقال أصحاب الرأي : لا شيء على قاتل هذه كلها وقال أبو حنيفة : لا يقتل المحرم من السباع إلا الكلب العقور والذئب خاصة سواء ابتدأه أو ابتدأهما وإن قتل غيره من السباع فداه قال : فإن ابتدأه غيرهما من السباع فقتله فلا شيء عليه قال : ولا شيء عليه في قتل الحية والعقرب والغراب والحدأة هذه جملة قول أبي حنيفة وأصحابه إلا زفر وبه قال الأوزاعي والثوري والحسن واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم خص دواب بأعيانها وأرخص للمحرم في قتلها من أجل ضررها فلا وجه أن يزاد عليها إلا أن يجمعوا على شيء فيدخل في معناها قلت : العجب من أبي حنيفة رحمه الله يحمل التراب على البر بعلة الكيل ولا يحمل السباع العادية على الكلب بعلة الفسق والعقر كما فعل مالك والشافعي رحمهما الله وقال زفر بن الهذيل : لا يقتل إلا الذئب وحده ومن قتل غيره وهو محرم فعليه الفدية سواء ابتدأه أو لم يبتدئه لأنه عجماء فكان فعله هدرا وهذا رد للحديث ومخالفة له وقال الشافعي : كل ما لا يؤكل لحمه فللمحرم أن يقتله وصغار ذلك وكباره سواء إلا السمع وهو المتولد بين الذئب والضبع قال : وليس في الرخمة والخنافس والقردان والحلم وما لا يؤكل لحمه شيء لأن هذا ليس من الصيد لقوله تعالى : ( وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ) فدل أن الصيد الذي حرم عليهم ما كان لهم قبل الإحرام حلالا حكى عنه هذه الجملة المزني والربيع فإن قيل : فلم تفدى القملة وهي تؤذي ولا تؤكل قيل له : ليس تفدى إلا على ما يفدى به الشعر والظفر ولبس ما ليس له لبسه لأن في طرح القملة إماطة الأذى عن نفسه إذا كانت في رأسه ولحيته فكأنه أماط بعض شعره فأما إذا ظهرت فقتلت فإنها لا تؤذي وقول أبي ثور في هذا الباب كقول الشافعي قاله أبو عمر السابعة روى الأئمة عن بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور ( اللفظ للبخاري وبه قال أحمد وإسحاق وفي كتاب مسلم عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحديا ( وبه قالت طائفة من أهل العلم قالوا : لا يقتل من الغربان إلا الأبقع خاصة لأنه تقييد مطلق وفي كتاب أبي داود عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( ويرمي الغراب ولا يقتله ( وبه قال مجاهد وجمهور العلماء على القول بحديث بن عمر والله أعلم وعند أبي داود والترمذي : والسبع العادي وهذا تنبيه على العلة الثامنة قوله تعالى : ( وأنتم حرم ) عام في النوعين من الرجال والنساء الأحرار والعبيد يقال : رجل حرام وامرأة حرام وجمع ذلك حرم كقولهم : قذال وقذل وأحرم الرجل دخل في الحرم كما يقال : أسهل دخل في السهل وهذا اللفظ يتناول الزمان والمكان وحالة الإحرام بالاشتراك لا بالعموم يقال : رجل حرام إذا دخل في الأشهر الحرم أو في الحرم أو تلبس بالإحرام إلا أن تحريم الزمان خرج بالإجماع عن أن يكون معتبرا وبقي تحريم المكان وحالة الإحرام على أصل التكليف قاله بن العربي

Section V06/P304–V06/P316

التاسعة حرم المكان حرمان حرم المدينة وحرم مكة وزاد الشافعي الطائف فلا يجوز عنده قطع شجره ولا صيد صيده ومن فعل ذلك فلا جزاء عليه فأما حرم المدينة فلا يجوز فيه الاصطياد لأحد ولا قطع الشجر كحرم مكة فإن فعل أثم ولا جزاء عليه عند مالك والشافعي وأصحابهما وقال بن أبي ذئب : عليه الجزاء وقال سعد : جزاؤه أخذ سلبه وروي عن الشافعي وقال أبو حنيفة : صيد المدينة غير محرم وكذلك قطع شجرها واحتج له بعض من ذهب مذهبه بحديث سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من وجدتموه يصيد في حدود المدينة أو يقطع شجرها فخذوا سلبه ( وأخذ سعد سلب من فعل ذلك قال : وقد اتفق الفقهاء على أنه لا يؤخذ سلب من صاد في المدينة فدل ذلك على أنه منسوخ واحتج لهم الطحاوي أيضا بحديث أنس ما فعل النفير فلم ينكر صيده وإمساكه وهذا كله لا حجة فيه أما الحديث الأول فليس بالقوي ولو صح لم يكن في نسخ أخذ السلب ما يسقط ما صح من تحريم المدينة فكم من محرم ليس عليه عقوبة في الدنيا وأما الحديث الثاني فيجوز أن يكون صيد في غير الحرم وكذلك حديث عائشة أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحش فإذا خرج لعب واشتد وأقبل وأدبر فإذا أحس برسول الله صلى الله عليه وسلم ربض فلم يترمرم كراهية أن يؤذيه ودليلنا عليهم ما رواه مالك عن بن شهاب عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال : لو رأيت الظباء ترتع بالمدينة ما ذعرتها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما بين لا بتيها حرام ( فقول أبي هريرة ما ذعرتها دليل على أنه لا يجوز ترويع الصيد في حرم المدينة كما لا يجوز ترويعه في حرم مكة وكذلك نزع زيد بن ثابت النهس وهو طائر من يد شرحبيل بن سعد كان صاده بالمدينة دليل على أن الصحابة فهموا مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريم صيد المدينة فلم يجيزوا فيها الاصطياد ولا تملك ما يصطاد ومتعلق بن أبي ذئب قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح : ( اللهم إن إبراهيم حرم مكة وإني أحرم المدينة مثل ما حرم به مكة ومثله معه لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها ( ولأنه حرم منع الاصطياد فيه فتعلق الجزاء به كحرم مكة قال القاضي عبد الوهاب : وهذا قول أقيس عندي على أصولنا لا سيما أن المدينة عند أصحابنا أفضل من مكة وأن الصلاة فيها أفضل من الصلاة في المسجد الحرام ومن حجة مالك والشافعي في ألا يحكم عليه بجزاء ولا أخذ سلب في المشهور من قول الشافعي عموم قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح : ( المدينة حرم ما بين عير إلى ثور فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا ( فأرسل صلى الله عليه وسلم الوعيد الشديد ولم يذكر كفارة وأما ما ذكر عن سعد فذلك مذهب له مخصوص به لما روي عنه في الصحيح أنه ركب إلى قصره بالعقيق فوجد عبدا يقطع شجرا أو يخبطه فسلبه فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم أو عليهم ما أخذ من غلامهم فقال : معاذ الله أن أرد شيئا نفلنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى أن يرد عليهم فقوله : نفلنيه ظاهره الخصوص والله أعلم العاشرة قوله تعالى : ( ومن قتله منكم متعمدا ) ذكر الله سبحانه المتعمد ولم يذكر المخطيء والناسي والمتعمد هنا هو القاصد للشيء مع العلم بالإحرام والمخطيء هو الذي يقصد شيئا فيصيب صيدا والناسي هو الذي يتعمد الصيد ولا يذكر إحرامه واختلف العلماء في ذلك على خمسة أقوال : الأول ما أسنده الدارقطني عن بن عباس قال : إنما التكفير في العمد وإنما غلظوا في الخطأ لئلا يعودوا الثاني أن قوله : ( متعمدا ) خرج على الغالب فألحق به النادر كأصول الشريعة الثالث أنه لا شيء على المخطيء والناسي وبه قال الطبري وأحمد بن حنبل في إحدى روايتيه وروي عن بن عباس وسعيد بن جبير وبه قال طاوس وأبو ثور وهو قول داود وتعلق أحمد بأن قال : لما خص الله سبحانه المتعمد بالذكر دل على أن غيره بخلافه وزاد بأن قال : الأصل براءة الذمة فمن ادعى شغلها فعليه الدليل الرابع أنه يحكم عليه في العمد والخطأ والنسيان قاله بن عباس وروي عن عمر وطاوس والحسن وإبراهيم والزهري وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم قال الزهري : وجب الجزاء في العمد بالقرآن وفي الخطأ والنسيان بالسنة قال بن العربي : إن كان يريد بالسنة الآثار التي وردت عن بن عباس وعمر فنعما هي وما أحسنها أسوة الخامس أن يقتله متعمدا لقتله ناسيا لإحرامه وهو قول مجاهد لقوله تعالى بعد ذلك : ( ومن عاد فينتقم الله منه ) قال : ولو كان ذاكرا لإحرامه لوجبت عليه العقوبة لأول مرة قال : فدل على أنه أراد متعمدا لقتله ناسيا لإحرامه قال مجاهد : فإن كان ذاكرا لإحرامه فقد حل ولا حج له لارتكابه محظور إحرامه فبطل عليه كما لو تكلم في الصلاة أو أحدث فيها قال : ومن أخطأ فذلك الذي يجزئه ودليلنا على مجاهد أن الله سبحانه أوجب الجزاء ولم يذكر الفساد ولا فرق بين أن يكون ذاكرا للإحرام أو ناسيا له ولا يصح اعتبار الحج بالصلاة فإنهما مختلفان وقد روي عنه أنه لا حكم عليه في قتله متعمدا ويستغفر الله وحجه تام وبه قال بن زيد ودليلنا على داود أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الضبع فقال : ( هي صيد ( وجعل فيها إذا أصابها المحرم كبشا ولم يقل عمدا ولا خطأ وقال بن بكير من علمائنا : قوله سبحانه : ( متعمدا ) لم يرد به التجاوز عن الخطأ وإنما أراد ( متعمدا ) ليبين أنه ليس كابن آدم الذي لم يجعل في قتله متعمدا كفارة وأن الصيد فيه كفارة ولم يرد به إسقاط الجزاء في قتل الخطأ والله أعلم الحادية عشرة فإن قتله في إحرامه مرة بعد مرة حكم عليه كلما قتله في قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم لقول الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم ) فالنهي دائم مستمر عليه ما دام محرما فمتى قتله فالجزاء لأجل ذلك لازم له وروي عن بن عباس قال : لا يحكم عليه مرتين في الإسلام ولا يحكم عليه إلا مرة واحدة فإن عاد ثانية فلا يحكم عليه ويقال له : ينتقم الله منك لقوله تعالى : ( ومن عاد فينتقم الله منه ) وبه قال الحسن وإبراهيم ومجاهد وشريح ودليلنا عليهم ما ذكرناه من تمادي التحريم في الإحرام وتوجه الخطاب عليه في دين الإسلام الثانية عشرة قوله تعالى : ( فجزاء مثل ما قتل من النعم ) فيه أربع قراءات ( فجزاء مثل ) برفع جزاء وتنوينه و ( مثل ) على الصفة والخبر مضمر التقدير فعليه جزاء مماثل واجب أو لازم من النعم وهذه القراءة تقتضي أن يكون المثل هو الجزاء بعينه و ( جزاء ) بالرفع غير منون و ( مثل ) بالإضافة أي فعليه جزاء مثل ما قتل و ( مثل ) مقحمة كقولك أنا أكرم مثلك وأنت تقصد أنا أكرمك ونظير هذا قوله تعالى : أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات التقدير كمن هو في الظلمات وقوله ليس كمثله شيء الشورى أي ليس كهو شيء وهذه القراءة تقتضي أن يكون الجزاء غير المثل إذ الشيء لا يضاف إلى نفسه وقال أبو علي : إنما يجب عليه جزاء المقتول لا جزاء مثل المقتول والإضافة توجب جزاء المثل لا جزاء المقتول وهو قول الشافعي على ما يأتي وقوله : ( من النعم ) صفة لجزاء على القراءتين جميعا وقرأ الحسن ( من النعم ) بإسكان العين وهي لغة وقرأ عبد الرحمن ( فجزاء ) بالرفع والتنوين ( مثل ) بالنصب قال أبو الفتح : ( مثل ) منصوبة بنفس الجزاء والمعنى أن يجزى مثل ما قتل وقرأ بن مسعود والأعمش ( فجزاؤه مثل ) بإظهار ( هاء ) ويحتمل أن يعود على الصيد أو على الصائد القاتل الثالثة عشرة الجزاء إنما يجب بقتل الصيد لا بنفس أخذه كما قال تعالى وفي المدونة : من اصطاد طائرا فنتف ريشه ثم حبسه حتى نسل ريشه فطار قال : لا جزاء عليه قال وكذلك لو قطع يد صيد أو رجله أو شيئا من أعضائه وسلمت نفسه وصح ولحق بالصيد فلا شيء عليه وقيل : عليه من الجزاء بقدر ما نقصه ولو ذهب ولم يدر ما فعل فعليه جزاؤه ولو زمن الصيد ولم يلحق بالصيد أو تركه محوفا عليه فعليه جزاؤه كاملا عشرة ما يجزى من الصيد شيئان : دواب وطير فيجزي ما كان من الدواب بنظيره في الخلقة والصورة ففي النعامة بدنة وفي حمار الوحش وبقرة الوحش بقرة وفي الظبي شاة وبه قال الشافعي وأقل ما يجزئ عند مالك ما استيسر من الهدي وكان أضحية وذلك كالجذع من الضأن والثني مما سواه وما لم يبلغ جزاؤه ذلك ففيه إطعام أو صيام وفي الحمام كله قيمته إلا حمام مكة فإن في الحمامة منه شاة اتباعا للسلف في ذلك والدبسي والفواخت والقمري وذوات الأطواق كله حمام وحكى بن عبد الحكم عن مالك أن في حمام مكة وفراخها شاة قال وكذلك حمام الحرم قال : وفي حمام الحل حكومة وقال أبو حنيفة : إنما يعتبر المثل في القيمة دون الخلقة فيقوم الصيد دراهم في المكان الذي قتله فيه أو في أقرب موضع إليه إن كان لا يباع الصيد في موضع قتله فيشتري بتلك القيمة هديا إن شاء أو يشتري بها طعاما ويطعم المساكين كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعا من شعير أو صاعا من تمر وأما الشافعي فإنه يرى المثل من النعم ثم يقوم المثل كما في المتلفات يقوم المثل وتؤخذ قيمة المثل كقيمة الشيء فإن المثل هو الأصل في الوجوب وهذا بين وعليه تخرج قراءة الأضافة ( فجزاء مثل ) احتج أبو حنيفة فقال : لو كان الشبه من طريق الخلقة معتبرا في النعامة بدنة وفي الحمار بقرة وفي الظبي شاة لما أوقفه على عدلين يحكمان به لأن ذلك قد علم فلا يحتاج إلى الارتياء والنظر وإنما يفتقر إلى العدول والنظر ما تشكل الحال فيه ويضطرب وجه النظر عليه ودليلنا عليه قول الله تعالى : ( فجزاء مثل ما قتل من النعم ) الآية فالمثل يقتضي بظاهره المثل الخلقي الصوري دون المعنى ثم قال : ( من النعم ) فبين جنس المثل ثم قال : ( يحكم به ذوا عدل منكم ) وهذا ضمير راجع إلى مثل من النعم لأنه لم يتقدم ذكر لسواه يرجع الضمير عليه ثم قال : ( هديا بالغ الكعبة ) والذي يتصور فيه الهدي مثل المقتول من النعم فأما القيمة فلا يتصور أن تكون هديا ولا جرى لها ذكر في نفس الآية فصح ما ذكرناه والحمد لله وقولهم : لو كان الشبه معتبرا لما أوقفه على عدلين فالجواب أن اعتبار العدلين إنما وجب للنظر في حال الصيد من صغر وكبر وما لا جنس له مما له جنس وإلحاق ما لم يقع عليه نص بما وقع عليه النص الخامسة عشرة من أحرم من مكة فأغلق باب بيته على فراخ حمام فماتت فعليه في كل فرخ شاة قال مالك : وفي صغار الصيد مثل ما في كباره وهو قول عطاء ولا يفدى عند مالك شيء بعناق ولا جفرة قال مالك : وذلك مثل الدية الصغير والكبير فيها سواء وفي الضب عنده واليربوع قيمتهما طعاما ومن أهل المدينة من يخالفه في صغار الصيد وفي اعتبار الجذع والثني ويقول بقول عمر : في الأرنب عناق وفي اليربوع جفرة رواه مالك موقوفا وروى أبو الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( في الضبع إذا أصابه المحرم كبش وفي الظبي شاة وفي الأرنب عناق وفي اليربوع جفرة ( قال : والجفرة التي قد ارتعت وفي طريق آخر قلت لأبي الزبير : وما الجفرة قال : التي قد فطمت ورعت خرجه الدارقطني وقال الشافعي : في النعامة بدنة وفي فرخها فصيل وفي حمار الوحش بقرة وفي سخله عجل لأن الله تعالى حكم بالمثلية في الخلقة والصغر والكبر متفاوتان فيجب اعتبار الصغير فيه والكبير كسائر المتلفات قال بن العربي : وهذا صحيح وهو اختيار علمائنا قالوا : ولو كان الصيد أعور أو أعرج أو كسيرا لكان المثل على صفته لتتحقق المثلية فلا يلزم المتلف فوق ما أتلف ودليلنا قوله تعالى : ( فجزاء مثل ما قتل من النعم ) ولم يفصل بين صغير وكبير وقوله : ( هديا ) يقتضي ما يتناوله اسم الهدي لحق الإطلاق وذلك يقتضي الهدي التام والله أعلم السادسة عشرة في بيض النعامة عشر ثمن البدنة عند مالك وفي بيض الحمامة المكية عنده عشر ثمن الشاة قال بن القاسم : وسواء كان فيها فرخ أو لم يكن ما لم يستهل الفرخ بعد الكسر فإن استهل فعليه الجزاء كاملا كجزاء الكبير من ذلك الطير قال بن المواز : بحكومة عدلين وأكثر العلماء يرون في بيض كل طائر القيمة روى عكرمة عن بن عباس عن كعب بن عجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في بيض نعام أصابه محرم بقدر ثمنه خرجه الدارقطني وروي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( في كل بيضة نعام صيام يوم أو إطعام مسكين السابعة عشرة وأما ما لا مثل له كالعصافير والفيلة فقيمة لحمه أو عدله من الطعام دون ما يراد له من الأغراض لأن المراعي فيما له مثل وجوب مثله فإن عدم المثل فالقيمة قائمة مقامه كالغصب وغيره ولأن الناس قائلان أي على مذهبين معتبر للقيمة في جميع الصيد ومقتصر بها على ما لا مثل له من النعم فقد تضمن ذلك الإجماع على اعتبار القيمة فيما لا مثل له وأما الفيل فقيل : فيه بدنة من الهجان العظام التي لها سنامان وهي بيض خراسانية فإذا لم يوجد شيء من هذه الإبل فينظر إلى قيمته طعاما فيكون عليه ذلك والعمل فيه أن يجعل الفيل في مركب وينظر إلى منتهى ما ينزل المركب في الماء ثم يخرج الفيل ويجعل في المركب طعام حتى ينزل إلى الحد الذي نزل والفيل فيه وهذا عدله من الطعام وأما أن ينظر إلى قيمته فهو يكون له ثمن عظيم لأجل عظامه وأنيابه فيكثر الطعام وذلك ضرر الثامنة عشرة قوله تعالى : ( يحكم به ذوا عدل منكم ) روى مالك عن عبد الملك بن قريب عن محمد بن سيرين أن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب فقال : إني أجريت أنا وصاحب لي فرسين نستبق إلى ثغرة ثنية فأصبنا ظبيا ونحن محرمان فماذا ترى فقال عمر لرجل إلى جنبه : تعال حتى أحكم أنا وأنت فحكما عليه بعنز فولى الرجل وهو يقول : هذا أمير المؤمنين لا يستطيع أن يحكم في ظبي حتى دعا رجلا يحكم معه فسمع عمر بن الخطاب قول الرجل فدعاه فسأله هل تقرأ سورة المائدة فقال : لا قال : هل تعرف الرجل الذي حكم معي فقال : لا فقال عمر رضي الله عنه : لو أخبرتني أنك تقرأ سورة المائدة لأوجعتك ضربا ثم قال : إن الله سبحانه يقول في كتابه ( يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة ) وهذا عبد الرحمن بن عوف التاسعة عشرة إذا اتفق الحكمان لزم الحكم وبه قال الحسن والشافعي وإن اختلفا نظر في غيرهما وقال محمد بن المواز : لا يأخذ بأرفع من قوليهما لأنه عمل بغير تحكيم وكذلك لا ينتقل عن المثل الخلقي إذا حكما به إلى الطعام لأنه أمر قد لزم قاله بن شعبان وقال بن القاسم : إن أمرهما أن يحكما بالجزاء من المثل ففعلا فأراد أن ينتقل إلى الطعام جاز وقال بن وهب رحمه الله في العتبية : من السنة أن يخير الحكمان من أصاب الصيد كما خيره الله في أن يخرج ( هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ) فإن اختار الهدي حكما عليه بما يريانه نظيرا لما أصاب ما بينهما وبين أن يكون عدل ذلك شاة لأنها أدنى الهدي وما لم يبلغ شاة حكما فيه بالطعام ثم خير في أن يطعمه أو يصوم مكان كل مد يوما وكذلك قال مالك في المدونة الموفية عشرين ويستأنف الحكم في كل ما مضت فيه حكومة أو لم تمض ولو اجتزأ بحكومة الصحابة رضي الله عنهم فيما حكموا به من جزاء الصيد كان حسنا وقد روي عن مالك أنه ما عدا حمام مكة وحمار الوحش والظبي والنعامة لا بد فيه من الحكومة ويجتزأ في هذه الأربعة بحكومة من مضى من السلف رضي الله عنهم الحادية والعشرون لا يجوز أن يكون الجاني أحد الحكمين وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي في أحد قوليه : يكون الجاني أحد الحكمين وهذا تسامح منه فإن ظاهر الآية يقتضي جانيا وحكمين فحذف بعض العدد إسقاط للظاهر وإفساد للمعنى لأن حكم المرء لنفسه لا يجوز ولو كان ذلك جائزا لاستغنى بنفسه عن غيره لأنه حكم بينه وبين الله تعالى فزيادة ثان إليه دليل على استئناف الحكم برجلين الثانية والعشرون إذا اشترك جماعة محرمون في قتل صيد فقال مالك وأبو حنيفة : على كل واحد جزاء كامل وقال الشافعي : عليهم كلهم كفارة واحدة لقضاء عمر وعبد الرحمن وروى الدارقطني أن موالي لابن الزبير أحرموا إذ مرت بهم ضبع فحذفوها بعصيهم فأصابوها فوقع في أنفسهم فأتوا بن عمر فذكروا له فقال : عليكم كلكم كبش قالوا : أو على كل واحد منا كبش قال : إنكم لمعزز بكم عليكم كلكم كبش قال اللغويون : لمعزز بكم أي لمشدد عليكم وروي عن بن عباس في قوم أصابوا ضبعا قال : عليهم كبش يتخارجونه بينهم ودليلنا قول الله سبحانه : ( ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم ) وهذا خطاب لكل قاتل وكل واحد من القاتلين للصيد قاتل نفسا على التمام والكمال بدليل قتل الجماعة بالواحد ولولا ذلك ما وجب عليهم القصاص وقد قلنا بوجوبه إجماعا منا ومنهم فثبت ما قلناه الثالثة والعشرون قال أبو حنيفة : إذا قتل جماعة صيدا في الحرم وكلهم محلون عليهم جزاء واحد بخلاف ما لو قتله المحرمون في الحل والحرم فإن ذلك لا يختلف وقال مالك : على كل واحد منهم جزاء كامل بناء على أن الرجل يكون محرما بدخوله الحرم كما يكون محرما بتلبيته بالإحرام وكل واحد من الفعلين قد أكسبه صفة تعلق بها نهي فهو هاتك لها في الحالتين وحجة أبي حنيفة ما ذكره القاضي أبو زيد الدبوسي قال : السر فيه أن الجناية في الإحرام على العبادة وقد ارتكب كل واحد منهم محظور إحرامه وإذا قتل المحلون صيدا في الحرم فإنما أتلفوا دابة محرمة بمنزلة ما لو أتلف جماعة دابة فإن كل واحد منهم قاتل دابة ويشتركون في القيمة قال بن العربي : وأبو حنيفة أقوى منا وهذا الدليل يستهين به علماؤنا وهو عسير الانفصال علينا الرابعة والعشرون قوله تعالى : ( هديا بالغ الكعبة ) المعنى أنهما إذا حكما بالهدي فإنه يفعل به ما يفعل بالهدي من الإشعار والتقليد ويرسل من الحل إلى مكة وينحر ويتصدق به فيها لقوله : ( هديا بالغ الكعبة ) ولم يرد الكعبة بعينها فإن الهدي لا يبلغها إذ هي في المسجد وإنما أراد الحرم ولا خلاف في هذا وقال الشافعي : لا يحتاج الهدي إلى الحل بناء على أن الصغير من الهدي يجب في الصغير من الصيد فإنه يبتاع في الحرم ويهدى فيه الخامسة والعشرون قوله تعالى : ( أو كفارة طعام مساكين ) الكفارة إنما هي عن الصيد لا عن الهدي قال بن وهب قال مالك : أحسن ما سمعت في الذي يقتل الصيد فيحكم عليه فيه أنه يقوم الصيد الذي أصاب فينظر كم ثمنه من الطعام فيطعم لكل مسكين مدا أو يصوم مكان كل مد يوما وقال بن القاسم عنه : إن قوم الصيد دراهم ثم قومها طعاما أجزأه والصواب الأول وقال عبد الله بن عبد الحكم مثله قال عنه : وهو في هذه الثلاثة بالخيار أي ذلك فعل أجزأه موسرا كان أو معسرا وبه قال عطاء وجمهور الفقهاء لأن ( أو ) للتخيير قال مالك : كل شيء في كتاب الله في الكفارات كذا أو كذا فصاحبه مخير في ذلك أي ذلك أحب أن يفعل فعل وروي عن بن عباس أنه قال : إذا قتل المحرم ضبيا أو نحوه فعليه شاة تذبح بمكة فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين فإن لم يجد فعليه صيام ثلاثة أيام وإن قتل إيلا أو نحوه فعليه بقرة فإن لم يجد أطعم عشرين مسكينا فإن لم يجد صام عشرين يوما وإن قتل نعامة أو حمارا فعليه بدنة فإن لم يجد فإطعام ثلاثين مسكينا فإن لم يجد فصيام ثلاثين يوما والطعام مد مد لشبعهم وقاله إبراهيم النخعي وحماد بن سلمة قالوا : والمعنى ( أو كفارة طعام ) إن لم يجد الهدي وحكى الطبري عن بن عباس أنه قال : إذا أصاب المحرم الصيد حكم عليه بجزائه فإن وجد جزاءه ذبحه وتصدق به وإن لم يكن عنده جزاؤه قوم جزاؤه بدراهم ثم قومت الدراهم حنطة ثم صام مكان كل نصف صاع يوما وقال : إنما أريد بالطعام تبيين أمر الصيام فمن لم يجد طعاما فإنه يجد جزاءه وأسنده أيضا عن السدي ويعترض هذا القول بظاهر الآية فإنه ينافره السادسة والعشرون اختلف العلماء في الوقت الذي يعتبر فيه المتلف فقال قوم : يوم الإتلاف وقال آخرون : يوم القضاء وقال آخرون : يلزم المتلف أكثر القيمتين من يوم الإتلاف إلى يوم الحكم قال بن العربي : واختلف علماؤنا كاختلافهم والصحيح أنه تلزمه القيمة يوم الإتلاف والدليل على ذلك أن الوجود كان حقا للمتلف عليه فإذا أعدمه المتلف لزمه إيجاده بمثله وذلك في وقت العدم السابعة والعشرون أما الهدي فلا خلاف أنه لا بد له من مكة لقوله تعالى : ( هديا بالغ الكعبة ) وأما الإطعام فاختلف فيه قول مالك هل يكون بمكة أو بموضع الإصابة وإلى كونه بمكة ذهب الشافعي وقال عطاء : ما كان من دم أو طعام فبمكة ويصوم حيث يشاء وهو قول مالك في الصوم ولا خلاف فيه قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب : ولا يجوز إخراج شيء من جزاء الصيد بغير الحرم إلا الصيام وقال حماد وأبو حنيفة : يكفر بموضع الإصابة مطلقا وقال الطبري : يكفر حيث شاء مطلقا فأما قول أبي حنيفة فلا وجه له في النظر ولا أثر فيه وأما من قال يصوم حيث شاء فلأن الصوم عبادة تختص بالصائم فتكون في كل موضع كصيام سائر الكفارات وغيرها وأما وجه القول بأن الطعام يكون بمكة فلأنه بدل عن الهدي أو نظير له والهدي حق لمساكين مكة فلذلك يكون بمكة بدله أو نظيره وأما من قال إنه يكون بكل موضع فاعتبار بكل طعام وفدية فإنها تجوز بكل موضع والله أعلم الثامنة والعشرون قوله تعالى : ( أو عدل ذلك صياما ) العدل والعدل بفتح العين وكسرها لغتان وهما المثل قاله الكسائي وقال الفراء : عدل الشيء بكسر العين مثله من جنسه وبفتح العين مثله من غير جنسه ويؤثر هذا القول عن الكسائي تقول : عندي عدل دراهمك من الدراهم وعندي عدل دراهمك من الثياب والصحيح عن الكسائي أنهما لغتان وهو قول البصريين ولا يصح أن يماثل الصيام الطعام في وجه أقرب من العدد قال مالك : يصوم عن كل مد يوما وإن زاد على شهرين أو ثلاثة وبه قال الشافعي وقال يحيى بن عمر من أصحابنا : إنما يقال كم من رجل يشبع من هذا الصيد فيعرف العدد ثم يقال : كم من الطعام يشبع هذا العدد فإن شاء أخرج ذلك الطعام وإن شاء صام عدد أمداده وهذا قول حسن احتاط فيه لأنه قد تكون قيمة الصيد من الطعام قليلة فبهذا النظر يكثر الإطعام ومن أهل العلم من لا يرى أن يتجاوز في صيام الجزاء شهرين قالوا : لأنها أعلى الكفارات واختاره بن العربي وقال أبو حنيفة رحمه الله : يصوم عن كل مدين يوما اعتبارا بفدية الأذى التاسعة والعشرون قوله تعالى : ( ليذوق وبال أمره ) الذوق هنا مستعار كقوله تعالى : ذق إنك أنت العزيز الكريم الدخان وقال : فأذاقها الله لباس الجوع والخوف وحقيقة الذوق إنما هي في حاسة اللسان وهي في هذا كله مستعارة ومنه الحديث : ( ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا ( الحديث والوبال سوء العاقبة والمرعى الوبيل هو الذي يتأذى به بعد أكله وطعام وبيل إذا كان ثقيلا ومنه قوله : عقيلة شيخ كالوبيل يلندد وعبر بأمره عن جميع حاله الموفية ثلاثين قوله تعالى : ( عفا الله عما سلف ) يعني في جاهليتكم من قتلكم الصيد قاله عطاء بن أبي رباح وجماعة معه وقيل : قبل نزول الكفارة ( ومن عاد ) يعني للمنهي ( فينتقم الله منه ) أي بالكفارة وقيل : المعنى ( فينتقم الله منه ) يعني في الآخرة إن كان مستحلا ويكفر في ظاهر الحكم وقال شريح وسعيد بن جبير : يحكم عليه في أول مرة فإذا عاد لم يحكم عليه وقيل له : اذهب ينتقم الله منك أي ذنبك أعظم من أن يكفر كما أن اليمين الفاجرة لا كفارة لها عند أكثر أهل العلم لعظم إثمها والمتورعون يتقون النقمة بالتكفير وقد روي عن بن عباس : يملأ ظهره سوطا حتى يموت وروي عن زيد بن أبي المعلى : أن رجلا أصاب صيدا وهو محرم فتجوز عنه ثم عاد فأنزل الله عز وجل نارا من السماء فأحرقته وهذه عبرة للأمة وكف للمعتدين عن المعصية قوله سبحانه : ( والله عزيز ذو انتقام ) ( عزيز ) أي منيع في ملكه ولا يمتنع عليه ما يريده ( ذو انتقام ) ممن عصاه إن شاء < <

Section V06/P316

المائدة : ( 96 ) أحل لكم صيد . . . . . > > < > ( المائده 96 ) <

Section V06/P316–V06/P323

> فيه ثلاث عشرة مسألة : قوله تعالى : ( أحل لكم صيد البحر ) هذا حكم بتحليل صيد البحر وهو كل ما صيد من حيتانه والصيد هنا يراد به المصيد وأضيف إلى البحر لما كان منه بسبب وقد مضى القول في البحر في البقرة والحمد لله و ( متاعا ) نصب على المصدر أي متعتم به متاعا الثاتية قوله تعالى : ( وطعامه ) الطعام لفظ مشترك يطلق على كل ما يطعم ويطلق على مطعوم خاص كالماء وحده والبر وحده والتمر وحده واللبن وحده وقد يطلق على النوم كما تقدم وهو هنا عبارة عما قذف به البحر وطفا عليه أسند الدارقطني عن بن عباس في قول الله عز وجل : ( أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة ) الآية صيده ما صيد وطعامه ما لفظ البحر وروي عن أبي هريرة مثله وهو قول جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين وروي عن بن عباس طعامه ميتة وهو في ذلك المعنى وروي عنه أنه قال : طعامه ما ملح منه وبقي وقاله معه جماعة وقال قوم : طعامه ملحه الذي ينعقد من مائه وسائر ما فيه من نبات وغيره الثالثة قال أبو حنيفة : لا يؤكل السمك الطافي ويؤكل ما سواه من السمك ولا يؤكل شيء من حيوان البحر إلا السمك وهو قول الثوري في رواية أبي إسحاق الفزاري عنه وكره الحسن أكل الطافي من السمك وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كرهه وروي عنه أيضا أنه كره أكل الجرى وروي عنه أكل ذلك كله وهو أصح ذكره عبد الرزاق عن الثوري عن جعفر بن محمد عن علي قال : الجراد والحيتان ذكى فعلي مختلف عنه في أكل الطافي من السمك ولم يختلف عن جابر أنه كرهه وهو قول طاوس ومحمد بن سيرين وجابر بن زيد واحتجوا بعموم قوله تعالى : ( حرمت عليكم الميتة ) وبما رواه أبو داود والدارقطني عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( كلوا ما حسر عنه البحر وما ألقاه وما وجدتموه ميتا أو طافيا فوق الماء فلا تأكلوه ( قال الدارقطني : تفرد به عبد العزيز بن عبيد الله عن وهب بن كيسان عن جابر وعبد العزيز ضعيف لا يحتج به وروى سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه قال الدارقطني : لم يسنده عن الثوري غير أبي أحمد الزبيري وخالفه وكيع والعدنيان وعبد الرزاق ومؤمل وأبو عاصم وغيرهم رووه عن الثوري موقوفا وهو الصواب وكذلك رواه أيوب السختياني وعبيد الله بن عمر وبن جريج وزهير وحماد بن سلمة وغيرهم عن أبي الزبير موقوفا قال أبو داود : وقد أسند هذا الحديث من وجه ضعيف عن بن أبي ذئب عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الدارقطني : وروي عن إسماعيل بن أمية وبن أبي ذئب عن أبي الزبير مرفوعا ولا يصح رفعه رفعه يحيى بن سليم عن إسماعيل بن أمية ووقفه غيره وقال مالك والشافعي وبن أبي ليلى والأوزاعي والثوري في رواية الأشجعي : يؤكل كل ما في البحر من السمك والدواب وسائر ما في البحر من الحيوان وسواء اصطيد أو وجد ميتا واحتج مالك ومن تابعه بقوله عليه الصلاة والسلام في البحر : ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ( وأصح ما في هذا الباب من جهة الإسناد حديث جابر في الحوت الذي يقال له : العنبر وهو من أثبت الأحاديث خرجه الصحيحان وفيه : فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له فقال : ( هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا ( فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله لفظ مسلم وأسند الدارقطني عن بن عباس أنه قال أشهد على أبي بكر أنه قال : السمكة الطافية حلال لمن أراد أكلها وأسند عنه أيضا أنه قال : أشهد على أبي بكر أنه أكل السمك الطافي على الماء وأسند عن أبي أيوب أنه ركب البحر في رهط من أصحابه فوجدوا سمكة طافية على الماء فسألوه عنها فقال : أطيبة هي لم تتغير قالوا : نعم قال : فكلوها وارفعوا نصيبي منها وكان صائما وأسند عن جبلة بن عطية أن أصحاب أبي طلحة أصابوا سمكة طافية فسألوا عنها أبا طلحة فقال : اهدوها إلي وقال عمر بن الخطاب : الحوت ذكي والجراد ذكي كله رواه عنه الدارقطني فهذه الآثار ترد قول من كره ذلك وتخصص عموم الآية وهو حجة للجمهور إلا أن مالكا كان يكره خنزير الماء من جهة اسمه ولم يحرمه وقال : أنتم تقولون خنزيرا وقال الشافعي : لا بأس بخنزير الماء وقال الليث : ليس بميتة البحر بأس قال : وكذلك كلب الماء وفرس الماء قال : ولا يؤكل إنسان الماء ولا خنزير الماء الرابعة اختلف العلماء في الحيوان الذي يكون في البر والبحر هل يحل صيده للمحرم أم لا فقال مالك وأبو مجلز وعطاء وسعيد بن جبير وغيرهم : كل ما يعيش في البر وله فيه حياة فهو صيد البر إن قتله المحرم وداه وزاد أبو مجلز في ذلك الضفادع والسلاحف والسرطان الضفادع وأجناسها حرام عند أبي حنيفة ولا خلاف عن الشافعي في أنه لا يجوز أكل الضفدع واختلف قوله فيما له شبه في البر مما لا يؤكل كالخنزير والكلب وغير ذلك والصحيح أكل ذلك كله لأنه نص على الخنزير في جواز أكله وهو له شبه في البر مما لا يؤكل ولا يؤكل عنده التمساح ولا القرش والدلفين وكل ما له ناب لنهيه عليه السلام عن أكل كل ذي ناب قال بن عطية : ومن هذه أنواع لا زوال لها من الماء فهي لا محالة من صيد البحر وعلى هذا خرج جواب مالك في الضفادع في المدونة فإنه قال : الضفادع من صيد البحر وروي عن عطاء بن أبي رباح خلاف ما ذكرناه وهو أنه يراعي أكثر عيش الحيوان سئل عن بن الماء أصيد بر هو أم صيد بحر فقال حيث يكون أكثر فهو منه وحيث يفرخ فهو منه وهو قول أبي حنيفة والصواب في بن الماء أنه صيد بر يرعى ويأكل الحب قال بن العربي : الصحيح في الحيوان الذي يكون في البر والبحر منعه لأنه تعارض فيه دليلان دليل تحليل ودليل تحريم فيغلب دليل التحريم أحتياطا والله أعلم الخامسة قوله تعالى : ( وللسيارة ) فيه قولان : أحدهما للمقيم والمسافر كما جاء في حديث أبي عبيدة أنهم أكلوه وهم مسافرون وأكل النبي صلى الله عليه وسلم وهو مقيم فبين الله تعالى أنه حلال لمن أقام كما أحله لمن سافر الثاني أن السيارة هم الذين يركبونه كما جاء في حديث مالك والنسائي : أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ بماء البحر فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ( قال بن العربي قال علماؤنا : فلو قال له النبي صلى الله عليه وسلم ( نعم ( لما جاز الوضوء به إلا عند خوف العطش لأن الجواب مرتبط بالسؤال فكان يكون محالا عليه ولكن النبي صلى الله عليه وسلم ابتدأ تأسيس القاعدة وبيان الشرع فقال : ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ( قلت : وكان يكون الجواب مقصورا عليهم لا يتعدى لغيرهم لولا ما تقرر من حكم الشريعة أن حكمه على الواحد حكمه على الجميع إلا ما نص بالتخصيص عليه كقوله لأبي بردة في العناق : ( ضح بها ولن تجزئ عن أحد غيرك ( السادسة قوله تعالى : ( وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ) التحريم ليس صفة للأعيان وإنما يتعلق بالأفعال فمعنى قوله : ( وحرم عليكم صيد البر ) أي فعل الصيد وهو المنع من الاصطياد أو يكون الصيد بمعنى المصيد على معنى تسمية المفعول بالفعل كما تقدم وهو الأظهر لإجماع العلماء على أنه لا يجوز للمحرم قبول صيد وهب له ولا يجوز له شراؤه ولا اصطياده ولا استحداث ملكه بوجه من الوجوه ولا خلاف بين علماء المسلمين في ذلك لعموم قوله تعالى : ( وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ) ولحديث الصعب بن جثامة على ما يأتي السابعة اختلف العلماء فيما يأكله المحرم من الصيد فقال مالك والشافعي وأصحابهما وأحمد وروي عن إسحاق وهو الصحيح عن عثمان بن عفان : إنه لا بأس بأكل المحرم الصيد إذا لم يصد له ولا من أجله لما رواه الترمذي والنسائي والدارقطني عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم ( قال أبو عيسى : هذا أحسن حديث في الباب وقال النسائي : عمرو بن أبي عمرو ليس بالقوي في الحديث وإن كان قد روى عنه مالك فإن أكل من صيد صيد من أجله فداه وبه قال الحسن بن صالح والأوزاعي واختلف قول مالك فيما صيد لمحرم بعينه والمشهور من مذهبه عند أصحابه أن المحرم لا يأكل مما صيد لمحرم معين أو غير معين ولم يأخذ بقول عثمان لأصحابه حين أتي بلحم صيد وهو محرم : كلوا فلستم مثلي لأنه صيد من أجلي وبه قالت طائفة من أهل المدينة وروي عن مالك وقال أبو حنيفة وأصحابه : أكل الصيد للمحرم جائز على كل حال إذا اصطاده الحلال سواء صيد من أجله أو لم يصد لظاهر قوله تعالى : ( لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ) فحرم صيده وقتله على المحرمين دون ما صاده غيرهم واحتجوا بحديث البهزي واسمه زيد بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم في حمار الوحش العقير أنه أمر أبا بكر فقسمه في الرفاق من حديث مالك وغيره وبحديث أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه ( إنما هي طعمة أطعمكموها الله ( وهو قول عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان في رواية عنه وأبي هريرة والزبير بن العوام ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير وروي عن علي بن أبي طالب وبن عباس وبن عمر أنه لا يجوز للمحرم أكل صيد على حال من الأحوال سواء صيد من أجله أو لم يصد لعموم قوله تعالى : ( وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ) قال بن عباس : هي مبهمة وبه قال طاوس وجابر بن زيد أبو الشعثاء وروي ذلك عن الثوري وبه قال إسحاق واحتجوا بحديث الصعب بن جثامة الليثي أنه أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فلما أن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في وجهي قال : ( إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم ( خرجه الأئمة واللفظ لمالك قال أبو عمر : وروي بن عباس من حديث سعيد بن جبير ومقسم وعطاء وطاوس عنه أن الصعب بن جثامة أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم لحم حمار وحش وقال سعيد بن جبير في حديثه : عجز حمار وحش فرده يقطر دما كأنه صيد في ذلك الوقت وقال مقسم في حديثه : رجل حمار وحش وقال عطاء في حديثه : أهدى له عضد صيد فلم يقبله وقال : ( إنا حرم ( وقال طاوس في حديثه : عضدا من لحم صيد حدث به إسماعيل عن علي بن المديني عن يحيى بن سعيد عن بن جريج عن الحسن بن مسلم عن طاوس عن بن عباس إلا أن منهم من يجعله عن بن عباس عن زيد بن أرقم قال إسماعيل : سمعت سليمان بن حرب يتأول هذا الحديث على أنه صيد من أجل النبي صلى الله عليه وسلم قولهم في الحديث : فرده يقطر دما كأنه صيد في ذلك الوقت قال إسماعيل : إنما تأول سليمان هذا الحديث لأنه يحتاج إلى تأويل فأما رواية مالك فلا تحتاج إلى التأويل لأن المحرم لا يجوز له أن يمسك صيدا حيا ولا يذكيه قال إسماعيل : وعلى تأويل سليمان بن حرب تكون الأحاديث المرفوعة كلها غير مختلفة فيها إن شاء الله تعالى الثامنة إذا أحرم وبيده صيد أو في بيته عند أهله فقال مالك : إن كان في يده فعليه إرساله وإن كان في أهله فليس عليه إرساله وهو قول أبي حنيفة وأحمد بن حنبل وقال الشافعي في أحد قوليه : سواء كان في يده أو في بيته ليس عليه أن يرسله وبه قال أبو ثور وروي عن مجاهد وعبد الله بن الحرث مثله وروي عن مالك وقال بن أبي ليلى والثوري والشافعي في القول الآخر : عليه أن يرسله سواء كان في بيته أو في يده فإن لم يرسله ضمن وجه القول بإرساله قوله تعالى : ( وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ) وهذا عام في الملك والتصرف كله ووجه القول بإمساكه : أنه معنى لا يمنع من ابتداء الإحرام فلا يمنع من استدامة ملكه أصله النكاح التاسعة فإن صاده الحلال في الحل فأدخله الحرم جاز له التصرف فيه بكل نوع من ذبحه وأكل لحمه وقال أبو حنيفة : لا يجوز ودليلنا أنه معنى يفعل في الصيد فجاز في الحرم للحلال كالإمساك والشراء ولا خلاف فيها العاشرة إذا دل المحرم حلا على صيد فقتله الحلال اختلف فيه فقال مالك والشافعي وأبو ثور : لا شيء عليه وهو قول بن الماجشون وقال الكوفيون وأحمد وإسحاق وجماعة من الصحابة والتابعين عليه الجزاء لأن المحرم التزم بإحرامه ترك التعرض فيضمن بالدلالة كالمودع إذا دل سارقا على سرقة الحادية عشرة واختلفوا في المحرم إذا دل محرما آخر فذهب الكوفيون وأشهب من أصحابنا إلى أن على كل واحد منهما جزاء وقال مالك والشافعي وأبو ثور : الجزاء على المحرم القاتل لقوله تعالى : ( ومن قتله منكم متعمدا ) فعلق وجوب الجزاء بالقتل فدل على انتفائه بغيره ولأنه دال فلم يلزمه بدلالته غرم كما لو دل الحلال في الحرم على صيد في الحرم وتعلق الكوفيون وأشهب بقوله عليه السلام في حديث أبي قتادة : ( هل أشرتم أو أعنتم ( وهذا يدل على وجوب الجزاء والأول أصح والله أعلم الثانية عشرة إذا كانت شجرة نابتة في الحل وفرعها في الحرم فأصيب ما عليه من الصيد ففيه الجزاء لأنه أخذ في الحرم وإن كان أصلها في الحرم وفرعها في الحل فاختلف علماؤنا فيما أخذ عليه على قولين : الجزاء نظرا إلى الأصل ونفيه نظرا إلى الفرع الثالثة عشرة قوله تعالى : ( واتقوا الله الذي إليه تحشرون ) تشديد وتنبيه عقب هذا التحليل والتحريم ثم ذكر بأمر الحشر والقيامة مبالغة في التحذير والله أعلم < <

Section V06/P323

المائدة : ( 97 ) جعل الله الكعبة . . . . . > > < > ( المائده 97 ) <

Section V06/P323–V06/P326

> فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( جعل الله الكعبة ) جعل هنا بمعنى خلق وقد تقدم وقد سميت الكعبة كعبة لأنها مربعة وأكثر بيوت العرب مدورة وقيل : إنما سميت كعبة لنتوئها وبروزها فكل ناتئ بارز كعب مستديرا كان أو غير مستدير ومنه كعب القدم وكعوب القناة وكعب ثدي المرأة إذا ظهر في صدرها والبيت سمي بذلك لأنها ذات سقف وجدار وهي حقيقة البيتية وإن لم يكن بها ساكن وسماه سبحانه حراما بتحريمه إياه قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس ( وقد تقدم أكثر هذا مستوفى والحمد لله الثانية قوله تعالى : ( قياما للناس ) أي صلاحا ومعاشا لأمن الناس بها وعلى هذا يكون ( قياما ) بمعنى يقومون بها وقيل : ( قياما ) أي يقومون بشرائعها وقرأ بن عامر وعاصم ( قيما ) وهما من ذوات الواو فقلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها وقد قيل : ( قوام ) قال العلماء : والحكمة في جعل الله تعالى هذه الأشياء قياما للناس أن الله سبحانه خلق الخلق على سليقة الآدمية من التحاسد والتنافس والتقاطع والتدابر والسلب والغارة والقتل والثأر فلم يكن بد في الحكمة الإلهية والمشيئة الأولية من كاف يدوم معه الحال ووازع يحمد معه المآل قال الله تعالى : إني جاعل في الأرض خليفة فأمرهم الله سبحانه بالخلافة وجعل أمورهم إلى واحد يزعهم عن التنازع ويحملهم على التآلف من التقاطع ويرد الظالم عن المظلوم ويقرر كل يد على ما تستولي عليه روى بن القاسم قال حدثنا مالك أن عثمان بن عفان رضي الله عنه كان يقول : ما يزع الإمام أكثر مما يزع القرآن ذكره أبو عمر رحمه الله وجور السلطان عاما واحدا أقل أذاية من كون الناس فوضى لحظة واحدة فأنشأ الله سبحانه الخليفة لهذه الفائدة لتجرى على رأيه الأمور ويكف الله به عادية الجمهور فعظم الله سبحانه في قلوبهم البيت الحرام وأوقع في نفوسهم هيبته وعظم بينهم حرمته فكان من لجأ إليه معصوما به وكان من اضطهد محميا بالكون فيه قال الله تعالى : أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم العنكبوت قال العلماء : فلما كان موضعا مخصوصا لا يدركه كل مظلوم ولا يناله كل خائف جعل الله الشهر الحرام ملجأ آخر وهي : الثالثة وهو اسم جنس والمراد الأشهر الثلاثة بإجماع من العرب فقرر الله في قلوبهم حرمتها فكانوا لا يروعون فيها سربا أي نفسا ولا يطلبون فيها دما ولا يتوقعون فيها ثأرا حتى كان الرجل يلقى قاتل أبيه وابنه وأخيه فلا يؤذيه واقتطعوا فيها ثلث الزمان ووصلوا منها ثلاثة متوالية فسحة وراحة ومجالا للسياحة في الأمن والاستراحة وجعلوا منها واحدا منفردا في نصف العام دركا للاحترام وهو شهر رجب الأصم ويسمى مضر وإنما قيل له : رجب الأصم لأنه كان لا يسمع فيه صوت الحديد ويسمى منصل الأسنة لأنهم كانوا ينزعون فيه الأسنة من الرماح وهو شهر قريش وله يقول عوف بن الأحوص : وشهر بني أمية والهدايا إذا سيقت مضرجها الدماء وسماه النبي صلى الله عليه وسلم شهر الله أي شهر آل الله وكان يقال لأهل الحرم : آل الله ويحتمل أن يريد شهر الله لأن الله متنه وشدده إذ كان كثير من العرب لا يراه وسيأتي في براءة أسماء الشهور إن شاء الله ثم يسر لهم الإلهام وشرع على ألسنة الرسل الكرام الهدي والقلائد وهي : الرابعة فكانوا إذا أخذوا بعيرا أشعروه دما أو علقوا عليه نعلا أو فعل ذلك الرجل بنفسه من التقليد على ما تقدم بيانه أول السورة لم يروعه أحد حيث لقيه وكان الفيصل بينه وبين من طلبه أو ظلمه حتى جاء الله بالإسلام وبين الحق بمحمد عليه السلام فانتظم الدين في سلكه وعاد الحق إلى نصابه فأسندت الأمامة إليه وانبنى وجوبها على الخلق عليه وهو قوله سبحانه : وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض الآية وقد مضى في البقرة أحكام الأمامة فلا معنى لإعادتها الخامسة قوله تعالى : ( ذلك لتعلموا ) ( ذلك ) إشارة إلى جعل الله هذه الأمور قياما والمعنى فعل الله ذلك لتعلموا أن الله يعلم تفاصيل أمور السماوات والأرض ويعلم مصالحكم أيها الناس قبل وبعد فانظروا لطفه بالعباد على حال كفرهم < <

Section V06/P326

المائدة : ( 98 ) اعلموا أن الله . . . . . > > < > ( المائده 98 ) < > قوله تعالى : ( اعلموا أن الله شديد العقاب ) تخويف ( وأن الله غفور رحيم ) ترجية وقد تقدم هذا المعنى < < المائدة : ( 99 ) ما على الرسول . . . . . > > < > ( المائده 99 ) < > قوله تعالى : ( ما على الرسول إلا البلاغ ) أي ليس له الهداية والتوفيق ولا الثواب وإنما عليه البلاغ وفي هذا رد على القدرية كما تقدم وأصل البلاغ البلوغ وهو الوصول بلغ يبلغ بلوغا وأبلغه إبلاغا وتبلغ تبلغا وبالغه مبالغة وبلغه تبليغا ومنه البلاغة لأنها إيصال المعنى إلى النفس في حسن صورة من اللفظ وتبالغ الرجل إذا تعاطى البلاغة وليس ببليغ وفي هذا بلاغ أي كفاية لأنه يبلغ مقدار الحاجة ( والله يعلم ما تبدون ) أي تظهرونه يقال : بدا السر وأبداه صاحبه بيديه ( وما تكتمون ) أي ما تسرونه وتخفونه في قلوبكم من الكفر والنفاق < < المائدة : ( 100 ) قل لا يستوي . . . . . > > < > ( المائده 100 ) <

Questions