Qur'an&Sunnah

Eş'arî — el-İbâne an Usûli'd-Diyâne (Eş'arî)

Sección V01/P010

الإبانة عن أصول الديانة لأبي الحسن الأشعري المتوفي سنة 324 ه 935 م بسم الله الرحمن الرحيم وهو حسبي ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم قال الشيخ الإمام العالم أبو الحسن علي بن اسماعيل ابن علي بن أبي بشر الأشعري البصري رحمه الله - 1 الحمدلله الواحد الأحد العزيز الماجد المتفرد بالتوحيد والمنفرد بالتمجيد الذي لا تبلغه صفات العبيد ليس له مثل ولا نديد وهو المبدئ المعيد الفعال لما يريد جل عن اتخاذ الصواحب والأولاد وتقدس عن ملابسة الأجناس والأرجاس ليست له صورة تقال ولا حد يضرب له مثال لم يزل بصفاته أولا قديرا ولا يزال عالما خبيرا استوفى الأشياء علمه ونفذت فيها إرادته فلم تعزب عليه خفيات الأمور ولم تغيره سوالف صروف الدهور ولم يلحقه في خلق شىء مما خلق كلال ولا تعب ولا مسه لغوب ولا نصب خلق الأشياء بقدرته ودبرها بمشيئته وقهرها بجبروته وذللها بعزته فذل لعظمته المتكبرون واستكان لعز ربوبيته المتعظمون وانقطع دون الرسوخ في علمه العالمون وذلت له الرقاب وحارت في ملكوته فطن ذوى الألباب وقامت بكلمته السموات السبع واستقرت الأرض المهاد وثبتت الجبال الرواسى وجرت الرياح اللواقح وسار في جو السماء السحاب وقامت على حدودها البحار وهو الله الواحد القهار - 2 فنحمده كما حمد نفسه وكما هو أهله ومستحقه وكما حمد الحامدون من جميع خلقه ونستعينه إستعانة من فوض الأمر إليه وأقر أنه لا منجى ولا ملجأ إلا إليه ونستغفره استغفار مقر بذنبه معترف بخطيئته ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارا بوحدانيته وإخلاصا لربوبيته وأنه العالم بما تظن الضمائر وتنطوي عليه السرائر وما تخفيه النفوس وما تجن البحار وما تواريه الأسراب وما تفيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار لا توارى عنه كلمة ولا تغيب عنه غائبة وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين من الآية 59 6 ويعلم ما يعمل العاملون وما ينقلب إليه المنقلبون 3 ونستهديه بالهدى ونسأله التوفيق لمجانبة الردى 4 ونشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله ونبيه وأمينه وصفيه أرسله إلى خلقه بالنور الساطع والسراج اللامع والحجج الظاهرة والبراهين والآيات الباهرة والأعاجيب القاهرة فبلغ رسالة ربه ونصح لأمتة وجاهد في الله حق جهاده حتى تمت كلمة الله عز وجل وظهر أمره وإنقاد الناس إلى الحق خاضعين حتى أتاه اليقين لا وانيا ولا مقصرا فصلوات الله عليه من قائد إلى هدى مبين وعلى أهل بيته الطيبين وعلى أصحابه المنتخبين وعلى أزواجه أمهات المؤمنين عرفنا الله به الشرائع والأحكام والحلال والحرام وبين لنا به شريعة الإسلام حتى انجلت عنا طخياء الظلم وانحسرت عنا به الشبهات وانكشفت عنا به الغيابات وظهرت لنا به البينات وجاءنا بكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد من الآية 41 42 41 جمع فيه علم الأولين والآخرين وأكمل به الفرائض والدين فهو صراط الله المستقيم وحبل الله المتين فمن تمسك به نجا ومن خالفه ضل وغوى وفي الجهل تردى وحشنا الله في كتابه على التمسك بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فقال عز وجل وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا من الآية 7 59 وقال عز وجل فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم من الآية 63 24 وقال تعالى ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم من الآية 83 4 وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول من الآية 59 4 يقول إلى كتاب الله وسنة رسوله : وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى وقال تعالى قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي من الآية 15 10

Sección V01/P010–V01/P016

وقال إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا من الآية 51 24 فأمرهم أن يسمعوا قوله ويطيعوا أمره ويحذروا مخالفته وقال وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول من الآية 92 5 فأمرهم بطاعة رسوله كما أمرهم بطاعته ودعاهم إلى التمسك بسنة نبيه كما أمرهم بالعمل بكتابه 5 فنبذ كثير ممن غلبت عليهم شقوته واستحوذ عليهم الشيطان سنن نبي الله صلى الله عليه وسلم وراء ظهورهم ومالوا إلى أسلاف لهم قلدوهم دينهم ودانوا بديانتهم وأبطلوا سنن نبي الله عليه الصلاة والسلام ودفعوها وأنكروها وجحدوها افتراء منهم على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين من الآية 14 6 أوصيكم عباد الله بتقوى الله وأحذركم الدنيا فإنها حلوة حضرة تغر أهلها وتخدع ساكنها قال الله تعالى واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض الآية من الآية 45 18 من كان فيها في حيرة أعقبته بعدها عبرة ومن أعطته من سرائها بطنا أعقبته من ضرائها ظهرا غرارة غرور ما فيها فانية فان ما فيها كما حكم عليها ربها بقوله تعالى كل من عليها فان 26 55 فاعملوا رحمكم الله للحياة الدائمة ولخلود الأبد فإن الدنيا تنقضي على أهلها وتبقى الأعمال قلائد في رقاب أهلها واعملوا إنكم ميتون ثم إنكم من بعد موتكم إلى ربكم راجعون ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى من الآية 31 53 فكونوا بطاعة ربكم عاملين وعما نهاكم منتهين فصل في قول أهل الزيغ والبدع 6 أما بعد فإن كثيرا من الزائغين عن الحق من المعتزلة وأهل القدر مالت بهم أهواؤهم إلى تقليد رؤسائهم ومن مضى من أسلافهم فتأولوا القرآن على آرائهم تأويلا لم ينزل به الله سلطانا ولا أوضح به برهانا ولا نقلوه عن رسول رب العالمين ولا عن السلف المتقدمين 7 وخالفوا روايات الصحابة رضي الله عنهم عن نبي الله صلى الله عليه وسلم في رؤية الله عز وجل بالأبصار وقد جاءت في ذلك الروايات من الجهات المختلفات وتواترت بها الآثار وتتابعت بها الأخبار 8 وأنكروا شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم للمذنبين ودفعوا الروايات في ذلك عن السلف المتقدمين 9 وجحدوا عذاب القبر وأن الكفار في قبورهم يعذبون وقد أجمع على ذلك الصحابة والتابعون رضي الله عنهم أجمعين 10 ودانوا بخلق القرآن نظيرا لقول إخوانهم من المشركين الذين قالوا إن هذا إلا قول البشر 25 74 11 وأثبتوا أن العباد يخلقون الشر نظيرا لقول المجوس الذين اثبتوا خالقين أحدهما الخير والأخر يخلق الشر وزعمت القدرية أن الله تعالى يخلق الخير والشيطان يخلق الشر 12 وزعموا أن الله تعالى يشاء ما لا يكون ويكون مالا يشاء خلافا لما أجمع عليه المسلمون من أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وردا لقول الله تعالى وما تشاؤون إلا أن يشاء الله من الآية 30 76 فأخبر تعالى أنا لا نشاء شيئا إلا وقد شاء الله أن نشاءه ولقوله ولو شاء الله ما اقتتلوا من الآية 253 2 ولقوله تعالى ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها من الآية 13 32 ولقوله تعالى فعال لما يريد من الآية 107 11 ولقوله تعالى مخبرا عن نبيه شعيب صلى الله عليه وسلم أنه قال وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما من الآية 89 7 ولهذا سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مجوس هذه الأمة لأنهم دانوا بديانة المجوس وضاهوا أقاويلهم وزعموا أن للخير والشر خالقين كما زعمت المجوس ذلك وأنه يكون من الشرور ما لا يشاء الله كما قالت المجوس وأنهم يملكون الضر والنفع لأنفسهم من دون الله عز وجل ردا لقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله 188 7 وإعراضا عن القرآن وعما أجمع عليه أهل الإسلام

Sección V01/P016–V01/P021

13 وزعموا أنهم منفردون بالقدرة على أعمالهم دون ربهم فأثبتوا لأنفسهم الغنى عن الله عز وجل ووصفوا أنفسهم بالقدرة على ما لم يصفوا الله عز وجل بالقدرة عليه كما أثبت المجوس لعنهم الله للشيطان من القدرة على الشر ما لم يثبتوا لله عز وجل فكانوا مجوس هذه الأمة إذ دانوا بديانة المجوس وتمسكوا بأقاويلهم ومالوا إلى أضاليلهم 14 وقنطوا الناس من رحمة الله وايسوهم من روحه وحكموا على العصاة بالنار والخلود فيها خلافا لقول الله تعالى ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء من الآية 48 4 15 وزعموا أن من دخل النار لا يخرج منها خلافا لما جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل يخرج قوما من النار بعد أن امتحشوا فيها وصاروا حمما 16 ودفعوا أن يكون لله وجه مع قوله عز وجل ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام 27 55 17 وأنكروا أن له يدان مع قوله سبحانه لما خلقت بيدي من الآية 75 38 18 وأنكروا أن يكون له عينان مع قوله سبحانه تجري بأعيننا من الآية 14 54 19 وأنكروا أن يكون له سبحانه علم مع قوله أنزله بعلمه من الآية 166 4 20 وأنكروا أن يكون له قوة مع قوله سبحانه ذو القوة المتين من الآية 58 51 21 ونفوا ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا وغير ذلك مما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 22 وكذلك جميع أهل البدع من الجهمية والمرجئة والحرورية أهل الزيغ فيما ابتدعوا خالفوا الكتاب والسنة وما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضى الله عنهم أجمعين وأجمعت عليه الأمة كفعل المعتزلة والقدرية وأنا ذاكر ذلك بابا بابا وشيئا شيئا إن شاء الله تعالى وبه المعونة فصل في إبانة قول أهل الحق والسنة 23 فإن قال لنا قائل قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافعة والمرجئة فعرفونا قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون قيل له 24 قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها التمسك بكتاب الله ربنا عز وجل وبسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وما روى عن السادة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ونحن بذلك معتصمون وبما كان يقول به أبو عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون ولما خالف قوله مخالفون لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق ودفع به الضلال وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين وزيع الزائغين وشك الشاكين فرحمة الله عليه من إمام مقدم وجليل معظم وكبير مفهم 25 وجملة قولنا أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله وبما جاءوا به من عندالله وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نرد من ذلك شيئا وأن الله عز وجل إله واحد لا إله إلا هو فرد صمد لم يتخذ صاحبة ولا ولدا وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق 26 وأن الجنة والنار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور 7 22 27 وأن الله تعالى استوى على العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده استواء منزها عن الممارسة والإستقرار والتمكن والحلول والإنتقال لا يحمله العرش بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ومقهورون في قبضته وهو فوق العرش وفوق كل شىء إلى تخوم الثرى فوقية لا تزيده قربا إلى العرش والسماء بل هو رفيع الدرجات عن العرش كما أنه رفيع الدرجات عن الثرى وهو مع ذلك قريب من كل موجود وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد وهو على كل شيء شهيد 28 وأن له سبحانه وجها بلا كيف كما قال ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام 27 55 29 وأن له سبحانه يدين بلا كيف كما قال سبحانه خلقت بيدي من الآية 75 38 وكما قال بل يداه مبسوطتان من الآية 64 5

Sección V01/P021–V01/P026

30 وأن له سبحانه عينين بلا كيف كما قال سبحانه تجري بأعيننا من الآية 14 54 31 وأن من زعم أن أسماء الله غيره كان ضالا 23 وأن الله علما كما قال أنزله بعلمه من الآية 166 4 وكما قال وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه من الآية 11 35 33 ونثبت لله السمع والبصر ولا ننفى ذلك كما نفته المعتزلة والجهمية والخوارج 24 ونثبت أن لله قوة كما قال أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة من الآية 15 41 35 ونقول إن كلام الله غير مخلوق وأنه سبحانه لم يخلق شيئا إلا وقد قال له كن كما قال إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون 40 16 36 وأنه لا يكون في الأرض شىء من خير أو شر إلا ماشاء الله وأن الأشياء تكون بمشيئة الله عز وجل وأن أحدا لا يستطيع أن يفعل شيئا قبل أن يفعله ولا يستغنى عن الله ولا يقدر على الخروج من علم الله عز وجل 37 وأنه لا خالق إلا الله وأن أعمال العباد مخلوقة لله مقدرة كما قال سبحانه والله خلقكم وما تعملون 96 37 وأن العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئا وهم يخلقون كما قال هل من خالق غير الله من الآية 3 35 وكما قال لا يخلقون شيئا وهم يخلقون من الآية 20 16 وكما قال سبحانه أفمن يخلق كمن لا يخلق 17 16 وكما قال أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون 35 52 وهذا في كتاب الله كثير وأن الله وفق المؤمنين لطاعته ولطف بهم ونظر لهم وأصلحهم وهداهم وأضل الكافرين ولم يهدهم ولم يلطف بهم بالإيمان كما زعم أهل الزيغ والطغيان ولو لطف بهم وأصلحهم لكانوا صالحين ولو هداهم لكانوا مهتدين 38 وإن الله يقدر أن يصلح الكافرين ويلطف بهم حتى يكونوا مؤمنين ولكنه أراد أن يكونوا كافرين كما علم وخذلهم وطبع على قلوبهم 39 وأن الخير والشر بقضاء الله وقدره وإنا نؤمن بقضاء الله وقدره خيره وشره حلوه ومره ونعلم أن ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا وأن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا 40 وأن العباد لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا إلا بإذن الله كما قال عز وجل قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله 188 7 41 ونلجىء أمورنا إلى الله ونثبت الحاجة والفقر في كل وقت إليه سبحانه وتعالى ونقول إن كلام الله غير مخلوق وأن من قال بخلق القرآن فهو كافر 42 وندين بأن الله يرى في الآخرة بالأبصار كا يرى القمر ليلة البدر يراه المؤمنون كما جاءت الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول إن الكافرين محجوبون عنه إذا رآه المؤمنون في الجنة كما قال سبحانه كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون 15 83 وإن موسى صلى الله عليه وسلم سأل الله عز وجل الرؤية في الدنيا وأن الله تعالى تجلى للجبل فجعله دكا فأعلم بذلك موسى أنه لا يراه في الدنيا 43 وندين بأن لا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب يرتكبه ما لم يسجله كالزنا والسرقة وشرب الخمر كما دانت بذلك الخوارج وزعمت أنهم كافرون ونقول إن من عمل كبيرة من هذه الكبائر مثل الزنا والسرقة وما أشبهها مستحلا لها غير معتقد لتحريمها كان كافرا ونقول إن الإسلام أوسع من الإيمان وليس كل إسلام إيمانا 44 وندين الله عز وجل بأنه يقلب القلوب بين أصبعين من أصابعه وأنه سبحانه يضع السموات على اصبع والأرضين على اصبع كما جاءت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير تكييف 45 وندين بأن لا ننزل أحدا من أهل التوحيد والمتمسكين بالإيمان جنة ولا نارا إلا من شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة ونرجو الجنة للمذنبين ونخاف عليهم أن يكونوا بالنار معذبين أجارنا الله منها بشفاعة سيدنا وحبيبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم

Sección V01/P026–V01/P032

46 ونقول إن الله عز وجل يخرج قوما من النار بعد أن امتحشوا بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم تصديقا لما جاءت به الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 47 ونؤمن بعذاب القبر وبالحوض وأن الميزان حق والصراط حق والبعث بعد الموت حق وأن الله عز وجل يوقف العباد في الموقف ويحاسب المؤمنين وأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ونسلم الروايات الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي رواها الثقات عدل عن عدل حتى تنتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم 48 وندين بحب السلف الذين اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونثنى عليهم بما أثنى الله به عليهم ونتولاهم أجمعين 49 ونقول إن الإمام الفاضل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبوبكر الصديق رضى الله عنه وأن الله سبحانه وتعالى أعز به الدين وأظهره على المرتدين وقدمه المسلمون بالإمامة كما قدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة وسموه بأجمعهم خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم عمر بن الخطاب رضى الله عنه ثم عثمان بن عفان رضى الله عنه وأن الذين قتلوه قتلوه ظلما وعدوانا ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنه فهؤلاء الأئمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلافتهم خلافة النبوة 50 ونشهد بالجنة للعشرة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بها ونتولى سائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونكف عما شجر بينهم 51 وندين بأن الأئمة الأربعة خلفاء راشدون مهديون فضلاء لا يوازنهم في الفضل غيرهم 52 ونصدق بجميع الروايات التي يثبتها أهل النقل عن النزول إلى سماء الدنيا وأن الرب عز وجل يقول هل من سائل هل من مستغفر وسائر ما نقلوه و أثبتوه خلافا لما قال أله الزيغ والتضليل ونقول فيما اختلفنا فيه على كتاب ربنا عز وجل وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين وما كان في معناه ولا نبتدع في دين الله ما لم يأذن لنا ولا نقول على الله مالا نعلم 53 ونقول إن الله عز وجل يجيء يوم القيامة كما قال سبحانه وجاء ربك والملك صفا صفا 22 89 وأن الله مقرب من عباده كيف شاء بلا كيف كما قال تعالى ونحن أقرب إليه من حبل الوريد من الآية 16 50 وكما قال سبحانه ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى 8 9 53 54 ومن ديننا أن نصلى الجمعة والأعياد وسائر الصلوات والجماعات خلف كل بر وفاجر كما روى أن عبدالله بن عمر رضى الله عنهم كان يصلي خلف الحجاج 55 وأن المسح على الخفين سنة في الحضر والسفر خلافا لقول من أنكر ذلك 56 ونرى الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح والإقرار بإمامتهم وتضليل من رأى الخروج عليهم إذا ظهر منهم ترك الاستقامة 57 وندين بإنكار الخروج بالسيف وترك القتال في الفتنة ونقر بخروج الدجال أعاذنا الله من فتنته كما جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 58 ونؤمن بعذاب القبر ومنكر ونكير عليهم الصلاة والسلام ومساءلتهما المدفونين في القبور 59 ونصدق بحديث المعراج وتصحيح كثير من الرؤيا في المنام نقر أن لذلك تفسيرا 60 ونرى الصدقة على موتى المسلمين والدعاء لهم ونؤمن بأن الله ينفعهم بذلك 61 ونصدق بأن في الدنيا سحرة وسحرا وأن السحر كائن موجود في الدنيا وندين بالصلاة على من مات من أهل القبلة برهم وفاجرهم وتوارثهم 62 ونقر أن الجنة والنار مخلوقتان وأن من مات وقتل فبأجله مات وقتل 63 وأن الأرزاق من قبل الله سبحانه يرزقها عباده حلالا وحراما وأن الشيطان يوسوس الإنسان ويشككه ويخبطه خلافا للمعتزلة والجهمية كما قال تعالى الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس من الآية 275 2 وكما قال من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس 4 5 6 114 ونقول إن الصالحين يجوز أن يخصهم الله تعالى بآيات يظهرها عليهم

Sección V01/P032–V01/P039

64 وقولنا في أطفال المشركين أن الله تعالى يؤجج لهم في الآخرة نارا ثم يقول لهم اقتحموها كما جاءت بذلك الرواية 65 وندين الله عز وجل بأنه يعلم ما العباد عاملون وإلى ما هم صائرون وما كان وما يكون وما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون وبطاعة الأئمة ونصيحة المسلمين 66 ونرى مفارقة كل داعية إلى بدعة ومجانبة أهل الأهواء 67 وسنحتج لما ذكرناه من قولنا وما بقى منه مما لم نذكره بابا بابا وشيئا شيئا إن شاء الله عز وجل الباب الأول الكلام في إثبات رؤية الله سبحانه بالأبصار في الآخرة 68 قال الله تعالى وجوه يومئذ ناضرة 22 75 يعنى مشرقة إلى ربها ناظرة 23 75 يعنى رائية وليس يخلو النظر من وجوه نحن ذاكروها إما أن يكون الله سبحانه عنى نظر الإعتبار كقوله تعالى أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت 17 88 أو يكون عنى نظر الأنتظار كقوله تعالى ما ينظرون إلا صيحة واحدة من الآية 49 36 أو يكون عنى نظر التعطف كقوله تعالى ولا ينظر إليهم يوم القيامة من الآية 77 3 أو يكون عنى نظر الرؤية فلا يجوز أن يكون الله عز وجل عنى نظر التفكير والإعتبار لأن الآخرة ليست بدار اعتبار ولا يجوز أن يكون عنى نظر الانتظار لأن النظر إذا ذكر مع ذكر الوجه فمعناه نظر العينين اللتين في الوجه كما إذا ذكر أهل اللسان نظر القلب فقالوا أنظر في هذا الأمر بقلبك لم يكن معناه نظر العينين وكذلك إذا ذكر النظر مع الوجه لم يكن معناه نظر الانتظار الذي يكون للقلب وأيضا فإن نظر الانتظار لا يكون في الجنة لأن الانتظار معه تنغيص وتكدير وأهل الجنة في ما لا عين رأت ولا أذن سمعت من العيش السليم والنعيم المقيم وإذا كان هذا هكذا لم يجز أن يكونوا منتظرين لأنهم كلما خطر ببالهم شيء أتوا به مع خطوره ببالهم وإذا كان ذلك كذلك فلا يجوز أن يكون الله عز وجل أراد نظر التعطف لأن الخلق لا يجوز أن يتعطفوا على خالقهم وإذا فسدت الأقسام الثلاثة صح القسم الرابع من أقسام النظر وهو أن معنى قوله إلى ربها ناظرة أنها رائية ترى ربها عز وجل 69 ومما يبطل قول المعتزلة أن الله عز وجل أراد بقوله إلى ربها ناظرة نظر الإنتظار أنه قال إلى ربها ناظرة ونظر الإنتظار لا يكون مقرونا بقوله إلى لأنه لا يجوز عند العرب أن يقولوا في نظر الانتظار إلى ألا ترى أن الله تعالى لما قال ما ينظرون إلا صيحة واحدة من الآية 49 36 لم يقل إلى إذ كان معناه الانتظار وقال عز وجل مخبرا عن بلقيس فناظرة بم يرجع المرسلون من الآية 35 27 فلما أرادت الانتظار لم تقل إلى وقال أمرؤ القيس فإنكما إن تنظراني ساعة من الدهر تنفعني لدى أم جندب فلما أراد الانتظار لم يقل إلى فلما قال سبحانه إلى ربها ناظرة 23 75 علمنا أنه لم يرد الانتظار وإنما أراد نظر الرؤية لما قرن النظر بذكر الوجه وقرن الله عز وجل النظر بذكر الوجة أراد نظر العينين اللتين في الوجه كما قال قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها 144 2 فذكر الوجه وإنما أراد تقلب عينيه نحو السماء ينظر نزول الملك عليه يصرف الله تعالى له عن قبلة بيت المقدس إلى القبلة 70 فإن قيل لم قلتم إن قوله تعالى إلى ربها ناظرة إنما أراد إلى ثواب ربها ناظرة قيل له ثواب الله غيره والله سبحانه وتعالى قال إلى ربها ناظرة 23 75 ولم يقل إلى غيره ناظرة والقرآن العزيز على ظاهره وليس لنا أن نزيله عن ظاهره إلا بحجة وإلا فهو على ظاهره ألا ترى أن الله عز وجل لما قال صلوا لي واعبدوني لم يجز أن يقول قائل إنه أراد غيره ويزيل الكلام عن ظاهره فلذلك لما قال إلى ربها ناظرة لم يجز لنا أن نزيل القرآن عن ظاهره بغير حجة

Sección V01/P039–V01/P046

ثم يقول للمعتزلة إن جاز لكم أن تزعموا أن قول الله تعالى إلى ربها ناظرة إنما أراد به أنها إلى غيره ناظرة فلم لا جاز لغيركم أن يقول إن قول الله سبحانه وتعالى لا تدركه الأبصار 103 6 أراد بها لا تدرك غيره ولم يرد أنها لا تدركه وهذا مما لا يقدرون على الفرق فيه 71 ودليل آخر ومما يدل على أن الله تعالى يرى بالأبصار قول موسى صلى الله عليه وسلم رب أرني أنظر إليك من الآية 143 7 ولا يجوز ان يكون موسى صلوات الله عليه وسلامه وقد ألبسه الله جلباب النبيين وعصمه بما عصم به المرسلين قد سأل ربه ما يستحيل عليه فإذا لم يجز ذلك على موسى صلى الله عليه وسلم علمنا أنه لم يسأل ربه مستحيلا وأن الرؤية جائزة على ربنا تعالى 72 ولو كانت الرؤية مستحيلة على ربنا تعالى كما زعمت المعتزلة ولم يعلم ذلك موسى صلى الله عليه وسلم وعلموه هم لكانوا على قولهم أعلم بالله من موسى صلى الله عليه وسلم وهذا مما لا يدعيه مسلم فإن قال قائل ألستم تعلمون حكم الله في الظهار اليوم ولم يكن نبي الله صلى الله عليه وسلم يعلم ذلك قبل أن ينزل قيل له لم يكن يعلم نبي الله صلى الله عليه وسلم ذلك قيل أن يلزم الله العباد حكم الظهار فلما ألزمهم الحكم به أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم قبلهم ثم أعلم نبي الله صلى الله عليه وسلم عباد الله ذلك ولم يأت عليه وقت لزمه حكمه فلم يعلم صلى الله عليه وسلم وأنتم زعمتم أن موسى صلى الله عليه وسلم وقت لزمه علمه وعلمتموه أنتم الآن لزمكم بجهلكم أنكم بما لزمكم العلم به الآن أعلم من موسى صلى الله عليه وسلم بما لزمه العلم به وهذا خروج عن دين المسلمين 73 ودليل آخر مما يدل على جواز رؤية الله تعالى بالأبصار قوله تعالى لموسى صلى الله عليه وسلم فإن استقر مكانه فسوف تراني من الآية 143 7 فلما كان الله تعالى قادرا على أن يجعل الجبل مستقرا كان قادرا على الأمر الذي لو فعله لرآه موسى صلى الله عليه وسلم فدل ذلك على أن الله تعالى قادر أن يرى عباده نفسه وأنه جائز رؤيته فإن قال قائل فلم لا قلتم إن قول الله تعالى فإن استقر مكانه فسوف تراني من الآية 143 7 تبعيد الرؤية قيل له لو أراد الله عز وجل تبعيد الرؤية لقرن الكلام بما يستحيل وقوعه ولم يقرنه بما يجوز وقوعه فلما قرنه باستقرار الجبل وذلك أمر مقدور لله سبحانه وتعالى دل ذلك على أنه جائز أن يرى الله تعالى ألا ترى أن الخنساء لما أرادت تبعيد صلحها لمن كان حربا لأخيها قرنت الكلام بأمر مستحيل فقالت ولا أصالح قوما كنت حربهم حتى تعود بياضا حلكة القارى والله تعالى إنما خاطب العرب بلغتها وما نجده مفهوما في كلامها ومعقولا في خطابها فلما قرن الرؤية بأمر مقدور جائز علمنا أن رؤية الله بالأبصار جائزة غير مستحيلة 74 دليل آخر قال الله عز وجل للذين أحسنوا الحسنى وزيادة 16 10 قال أهل التأويل النظر إلى الله عز وجل ولم ينعم الله تعالى على أهل الجنة بأفضل من نظرهم إليه ورؤيتهم له وقال تعالى ولدينا مزيد من الآية 35 50 قيل النظر إلى الله عز وجل وقال تعالى تحيتهم يوم يلقونه سلام من الآية 44 33 وإذا لقيه المؤمنون رأوه وقال تعالى كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون 15 83 فحجبهم عن رؤيته ولا يحجب عنها المؤمنين فصل 75 فإن قال قائل فما معنى قوله تعالى لا تدركه الأبصار من الآية 103 6 قيل له يحتمل ان يكون لا تدركه في الدنيا وتدركه في الآخرة لأن رؤية الله تعالى أفضل اللذات وأفضل اللذات تكون في أفضل الدارين

Sección V01/P046–V01/P051

ويحتمل أن يكون الله تعالى أراد بقوله لا تدركه الأبصار من الآية 103 6 يعنى لا تدركه أبصار الكافرين المكذبين وذلك أن كتاب الله يصدق بعضه بعضا فلما قال في آية إن الوجوه تنظر إليه يوم القيامة وقال في آية أخرى إن الأبصار لا تدركه علمنا أنه إنما أراد أبصار الكافرين لا تدركه مسألة والجواب عنها 76 فإن قال قائل قد استكبر الله تعالى سؤال السائلين له أن يرى بالأبصار فقال يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة من الآية 153 4 فيقال لهم إن بني إسرائيل سألوا رؤية الله عز وجل على طريق الإنكار لنبوة موسى صلى الله عليه وسلم وترك الإيمان به حتى يروا الله لأنهم قالوا لن نؤمن بك حتى نرى الله جهرة فلما سألوه الرؤية على طريق ترك الإيمان بموسى صلى الله عليه وسلم حتى يريهم الله نفسه استعظم الله سؤالهم من غير أن تكون الرؤية مستحيلة عليهم كما استعظم سؤال أهل الكتاب أن ينزل عليهم كتابا من السماء من غير أن يكون ذلك مستحيلا ولكن لأنهم أبوا أن يؤمنوا بنبي الله حتى ينزل عليهم من السماء كتابا 77 دليل آخر ومما يدل على إثبات رؤية الله تعالى بالأبصار رواية الجماعات من الجهات المختلفة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضارون في رؤيته والرؤية إذا أطلقت إطلاقا ومثلت برؤية العيان لم يكن معناها إلا رؤية العيان ورويت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرق مختلفة عديدة عدة رواتها أكثر من عدة خبر الرجم ومن عدة من روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا وصية لوارث ومن عدة رواة المسح على الخفين ومن عدة رواة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها وإذا كان الرجم ما ذكرناه سننا عند المعتزلة كانت الرؤية أولى أن تكون سنة لكثرة رواتها ونقلتها كذا يرويها خلف عن سلف والحديث لا حجة فيه لأنه عندما سأل سائل النبي صلى الله عليه وسلم عن رؤية الله عز وجل في الدنيا وقال له هل رأيت ربك فقال نورانيا أراه والعين لا تدرك في الدنيا الأنوار المخلوقة على حقائقها لأن الإنسان لو حدق ينظر إلى عين الشمس فأدام النظر إلى عينها لذهب أكثر نور بصره فإذا كان الله سبحانه حكم في الدنيا بأن لا تقوم العين بالنظر إلى عين الشمس فأحرى أن لا يثبت البصر للنظر إلى الله تعالى في الدنيا إلا أن يقويه الله تعالى فرؤية الله تعالى في الدنيا قد اختلف فيها وقد روى عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل تراه العيون في الآخرة وما روى عن أحد منهم أن الله تعالى لا تراه العيون في الآخرة فلما كانوا على هذا مجتمعين وبه قائلين وإن كانوا في رؤيته تعالى في الدنيا مختلفين ثبتت في الآخرة إجماعا وإن كانت في الدنيا محتلفا فيها ونحن إنما قصدنا إلى اثبات رؤية الله تعالى في الآخرة على أن هذه الرواية على المعتزلة لا لهم لأنهم ينكرون أن الله نور في الحقيقة فإذا احتجوا بخبر هم له تاركون وعنه منحرفون كانوا محجوجين 78 دليل آخر ومما يدل على رؤية الله تعالى بالأبصار أنه ليس موجود إلا وجائز أن بريناه الله عز وجل وإنما لا يجوز أن يرى المعدوم فلما كان ألله عز وجل موجودا مثبتا كان غير مستحيل أن يرينا نفسه عز وجل وإنما أراد من نفى رؤية الله عز وجل بالأبصار التعطيل فلما لم يمكنهم أن يظهروا التعطيل صراحا أظهروا ما يؤول بهم إلى التعطيل والجحود تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا

Sección V01/P051–V01/P056

79 دليل آخر ومما يدل على رؤية الله سبحانه بالأبصار أن الله تعالى يرى الأشياء وإذا كان للأشياء رائيا فلا يرى الأشياء من لا يرى نفسه وإذا كان لنفسه رائيا فجائز أن يرينا نفسه وذلك أن من لم يعلم نفسه لا يعلم الأشياء فلما كان الله تعالى عالما بالأشياء كان عالما بنفسه فكذلك من لا يرى نفسه لا يرى الأشياء ولما كان الله عز وجل رائيا للأشياء كان رائيا لنفسه وإذا كان رائيا لها فجائز أن يرينا نفسه كما أنه لما كان عالما بنفسه جاز أن يعلمناها وقد قال تعالى 3 إنني معكما أسمع وأرى من الآية 46 20 فأخبر أنه يسمع كلا منهما ويراهما ومن زعم أن الله عز وجل لا يجوز أن يرى بالأبصار يلزمه أن لا يجوز ان يكون الله عز وجل رائيا ولا عالما ولا قادرا لأن العالم والقادر الرائي جائز أن يرى مسألة فإن قال قائل قول النبي صلى الله عليه وسلم ترون ربكم يعنى تعلمون ربكم اضطرارا قيل له إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه هذا على سبيل البشارة فقال فكيف بكم إذا رأيتم الله سبحانه ولا يجوز أن يبشرهم بأمر يشركهم فيه مع الكفار على أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ترون ربكم وليس يعنى رؤية دون رؤية بل ذلك عام في رؤية العين ورؤية القلب 80 دليل آخر إن المسلمين اتفقوا على أن الجنة فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من العيش السليم والنعم المقيم وليس نعيم في الجنة أفضل من رؤية الله تعالى بالأبصار وأكثر من عبدالله تعالى عبده للنظر إلى وجهه الكريم أرانا الله إياه بفضله فإذا لم يكن بعد رؤية الله عز وجل أفضل من رؤية نبيه صلى الله عليه وسلم وكانت رؤية نبي الله أفضل لذات الجنة كانت رؤية الله عز وجل أفضل من رؤية نبيه صلى الله عليه وسلم وإذا كان ذلك كذلك لم يحرم الله أنبياءه المرسلين وملائكته المقربين وجماعة المؤمنين والصديقين النظر إلى وجهه الكريم وذلك أن الرؤية لا تؤثر في المرئى لأن رؤية الرائي تقوم به فإذا كان هذا هكذا وكانت الرؤية غير مؤثرة في المرئى لم توجب تشبيها ولا انقلابا عن حقيقة ولم يستحل على الله عز وجل أن يرى عباده المؤمنين نفسه في جنانه 81 مسألة في الرؤية احتجت المعتزلة في أن الله عز وجل لا يرى بالأبصار بقوله تعالى لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار من الآية 103 6 قالوا فلما عطف الله عز وجل بقوله وهو يدرك الأبصار على قوله لا تدركه الأبصار وكان قوله وهو يدرك الأبصار على العموم أنه يدركها في الدنيا والآخرة وأنه يراها في الدنيا والآخرة كان قوله لا تدركه الأبصار دليلا على أنه لا تراه الأبصار في الدنيا والآخرة وكان في العموم كقوله وهو يدرك الأبصار لأن أحد الكلامين معطوف على الآخر قيل لهم فيجب إذا كان عموم القولين واحدا وكانت الأبصار أبصار العيون وأبصار القلوب لأن الله تعالى قال فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور 46 22 وقال أولي الأيدي والأبصار 45 38 أي فهي بالأبصار فأراد أبصار القلوب وهي التي يفضل بها المؤمنون الكافرين ويقول أهل اللغة فلان بصير بصناعته يريدون بصر العلم ويقولون قد أبصرته بقلبي كما يقولون قد أبصرته بعيني فإذا كان البصر بصر العين وبصر القلب لم أوحبوا علينا أن يكون قوله تعالى لا تدركه الأبصار في العموم كقوله وهو يدرك الأبصار لأن أحد الكلامين معطوف على الآخر وجب عليهم بحجتهم أن الله تعالى لا يدرك بأبصار العيون ولا بأبصار القلوب لأن قوله لا تدركه الأبصار في العموم كقوله وهو يدرك الأبصار وإذا لم يكن عندهم هكذا فقد وجب أن يكون قوله تعالى لا تدركه الأبصار أخص من قوله وهو يدرك الأبصار وانتقض احتجاجهم

Sección V01/P056–V01/P062

وقيل لهم إنكم زعمتم أنه لو كان قوله لا تدركه الأبصار خاصا في وقت دون وقت لكان قوله وهو يدرك الأبصار خاصا في وقت دون وقت وكان قوله ليس كمثله شيء من الآية 11 42 وقوله لا تأخذه سنة ولا نوم من الآية 255 2 وقوله لا يظلم الناس شيئا من الآية 44 10 في وقت دون وقت فإن جعلتم قوله تعالى لا تدركه الأبصار من الآية 103 6 خاصا رجع احتجاجكم عليكم وقيل لكم إذا كان قوله لا تدركه الأبصار خاصا ولم يجب خصوص هذه الآيات فما أنكرتم أن يكون قوله عز وجل لا تدركه الأبصار إنما أراد في الدنيا دون الآخرة وكما أن قوله لا تدركه الأبصار أراد بعض الأبصار دون بعض ولا يوجب ذلك تخصيص هذه الآيات التي عارضتمونا بها فإن قالوا قوله تعالى لا تدركه الأبصار يوجب أن لايدرك بها في الدنيا والآخرة وليس ينفى ذلك أن نراه بقلوبنا ونبصره بها ولا ندركه بها قيل لهم فما أنكرتم أن يكون لا تدركه بإبصار العيون لا يوجب إذا لم ندركه بها أن لا نراه فرؤيتنا له بالعيون وإبصارنا له بها ليس بإدراك له بها كما أن إبصارنا له بالقلوب ورؤيتنا له بها ليس بإدراك له بها فإن قالوا رؤية البصر هي إدراك البصر قيل لهم ما الفرق بينكم وبين من قال إن رؤية القلب وإبصاره هو إدراكه وإحاطته فإذا كان علم القلب بالله عز وجل وإبصار القلب له رؤيته إياه ليس بإحاطة ولا إدراك فما أنكرتم أن يكون رؤية العيون وإبصارها لله عز وجل ليس بإحاطة ولا إدراك 82 مسألة ويقال لهم إذا كان قول الله سبحانه لا تدركه الأبصار في العموم كقوله وهو يدرك الأبصار لأن أحد الكلامين معطوف على الآخر فخبرونا أليس الأبصار والعيون لا تدركه رؤية ولا لمسا ولا ذوقا ولا على وجه من الوجوه فمن قولهم نعم فيقال لهم أخبرونا عن قوله تعالى وهو يدرك الأبصار أتزعمون أنه يدركها لمسا وذوقا بأن يلمسها فمن قولهم لا فيقال لهم فقد انتقض قولكم إن قوله وهو يدرك الأبصار في العموم كقوله لا تدركه الأبصار مسألة إذا قال قائل منهم إن البصر في الحقيقة هو بصر العين لا بصر القلب قيل له ولم زعمت هذا وقد سمى أهل اللغة بصر القلب بصرا كما سموا بصر العين بصرا وإن جاز لك ما قلته جاز لغيركم أن يزعم أن البصر في الحقيقة هو بصر القلب دون العين وإذا لم نجز هذا فقد وجب أن البصر نصر العين وبصر القلب 84 مسألة ويقال لهم حدثونا عن قول الله عز وجل وهو يدرك الأبصار ما معناه فإن قالوا معنى يدرك الأبصار أنه يعلمها قيل لهم وإذا كان أحد الكلامين معطوفا على الآخر وكان قوله تعالى وهو يدرك الأبصار معناه يعلمها فقد وجب أن يكون قوله تعالى لا تدركه الأبصار لا تعلمه وهذا نفى للعلم لا لرؤية الإبصار فإن قالوا معنى قوله تعالى وهو يدرك الأبصار أنه يراها رؤية ليس معناها العلم قيل لهم فالأبصار التي في العيون يجوز أن ترى فإن قالوا نعم نقضوا قولهم إنا لا نرى بالبصر إلا من جنس ما نرى الساعة فإن جاز أن يرى الله وكل ما ليس من جنس المرئيات وهو الإبصار الذي في العين فلم لا يجوز أن يرى نفسه وإن لم يكن من جنس المرئيات ولم لا يجوز أن يرينا نفسه وإن لم يكن من جنس المرئيات ويقال لهم حدثونا إذا رأينا شيئا فبصرنا يراه أو إنما يراه الرائي دون البصر فمن قولهم إنه محال أن يرى البصر الذى في العين فيقال لهم الآية تنفى أن تراه الأبصار ولا تنفى أن يراه المبصرون وإنما قال الله لا تدركه الأبصار فهذا يدل على أن المبصرين لا يرونه على ظاهر الآية الشريفة الباب الثاني الكلام في أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق

Sección V01/P062–V01/P066

85 إن سأل سائل عن الدليل على أن القرآن كلام الله غير مخلوق قيل له الدليل على ذلك قوله تعالى ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره من الآية 25 30 وأمر الله كلامه وقوله فلما أمرهما بالقيام فقامتا لا يهويان كان قيامهما بأمره وقال عز وجل ألا له الخلق والأمر من الآية 54 7 فالخلق جميع ما خلق داخل فيه لأن الكلام إذا كان لفظه عاما فحقيقته أنه عام ولا يجوز لنا أن نزيل الكلام عن حقيقته بغير حجة ولا برهان فلما قال ألا له الخلق كان هذا في جميع الخلق ولما قال والأمر ذكر أمرا غير جميع الخلق مذل على ما وصفناه على أن أمر الله غير مخلوق فإن قال قائل أليس قد قال الله تعالى في كتابه من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل من الآية 98 2 قيل له نحن نخص القرآن بالإجماع وبالدليل فلما ذكر الله عز وجل نفسه وملائكته ولم يدخل في ذكر الملائكة جبريل وميكائيل وان كان من الملائكة ثم ذكرهما بعد ذلك كأنه قال الملائكة إلا جبريل وميكائيل ثم ذكرهم بعد ذكر الملائكة فقال وجبريل وميكال ولما قال ألا له الخلق والأمر من الآية 54 7 ولم يخص قوله الخلق دليل كان قوله ألا له الخلق في جميع الخلق ثم قال بعد ذكره الخلق والأمر فأبان الأمر من الخلق وأمر الله كلامه وهذا يوجب أن كلام الله غير مخلوق وقال سبحانه لله الأمر من قبل ومن بعد من الآية 4 30 يعنى من قبل أن يخلق الخلق ومن بعد ذلك وهذا يوجب أن الأمر غير مخلوق 86 دليل آخر ومما يدل من كتاب الله على أن كلامه غير مخلوق قوله سبحانه إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون 40 16 فلو كان القرآن مخلوقا لوجب أن يكون مقولا له كن فيكون ولو كان الله عز وجل قائلا للقول كن لكان للقول قولا وهذا يوجب أحد أمرين إما أن يؤول الأمر إلى أن قوله تعالى غير مخلوق أو يكون كل قول واقع بقول لا إلى غاية وذلك محال وإذا استحال ذلك صح وثبت أن لله عز وجل قولا غير مخلوق 87 سؤال فإن قال قائل قائل معنى قول الله أن يقول له كن فيكون إنما يكون فيكون قيل الظاهر أن يقول له ولا يجوز أن يكون قول الله للأشياء كلها كونى هو الأشياء لأن هذا يوجب أن تكون الأشياء كلها كلاما لله عز وجل ومن قال ذلك أعظم الفرية لأنه يلزمه أن يكون كل شىء في العالم من إنسان وفرس وحمار وغير ذلك كلام الله وفي هذا ما فيه فلما استحال ذلك صح أن قول الله للأشياء كونى غيرها وإذا كان غير المخلوقات فقد خرج كلام الله عز وجل عن أن يكون مخلوقا ويلزم من يثبت كلام الله مخلوقا أن يثبت الله غير متكلم ولا قائل وذلك فاسد كما يفسد أن يكون علم الله مخلوقا وأن يكون الله غير عالم فلما كان الله عز وجل لم يزل عالما إذ لم يجز أن يكون لم يزل بخلاف العلم موصوفا استحال أن يكون لم يزل بخلاف الكلام موصوفا لأن خلاف الكلام الذي لا يكون معه كلام سكوت أو آفة كما أن خلاف العلم الذي لا يكون معه علم جهل أو شك أو آفة ويستحيل أن يوصف ربنا جل وعلا بخلاف العلم وكذلك يستحيل أن يوصف بخلاف الكلام من السكوت والآفات فوجب لذلك أن يكون لم يزل متكلما كما وجب أن يكون لم يزل عالما 88 دليل آخر وقال الله تعالى قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي من الآية 109 18

Sección V01/P066–V01/P072

فلو كانت البحار مدادا للكتبة لنفدت البحار وتكسرت الأقلام ولم يلحق الفناء كلمات ربى كما لا يلحق الفناء علم الله تعالى ومن فنى كلامه لحقته الآفات وجرى عليه السكوت فلما لم يجز ذلك على ربنا سبحانه صح أنه لم يزل متكلما لأنه لو لم يكن متكلما وجب السكوت والآفات تعالى ربنا عن قول الجهمية علوا كبيرا فصل 89 وزعمت الجهمية كما زعمت النصارى أن كلمة الله تعالى حواها بطن مريم رضي الله عنها وزادت الجهمية عليهم فزعمت أن كلام الله مخلوق حل في شجرة كانت الشجرة حاوية له فلزمهم أن تكون الشجرة بذلك الكلام متكلمة ووجب عليهم أن مخلوقا من المخلوقين كلم موسى صلى الله عليه وسلم وأن الشجرة قالت يا موسى إننى أنا الله لا إله إلا أنا فأعبدوني فلو كان كلام الله مخلوقا في شجرة لكان المخلوق قال يا موسى إننى أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وقد قال تعالى ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين 13 32 وكلام الله من الله تعالى فلا يجوز أن يكون كلامه الذي هو منه مخلوقا في شجرة مخلوقة كما لا يجوز أن يكون علمه الذي هو منه مخلوقا في غيره تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا 90 مسألة ويقال لهم كما لا يجوز أن يخلق الله إرادته في بعض المخلوقات كذلك لا يجوز أن يخلق كلامه في بعض المخلوقات ولو كانت إرادة الله مخلوقة في بعض المخلوقات لكان ذلك المخلوق هو المريد بها وذلك يستحيل وكذلك يستحيل أن يخلق الله كلامه في مخلوق لأن هذا يوجب أن ذلك المخلوق متكلم به ويستحيل أن يكون كلام الله كلاما للمخلوق 91 دليل آخر ومما يبطل قولهم إن الله قال مخبرا عن المشركين أنهم قالوا إن هذا إلا قول البشر 25 74 يعنى القرآن فمن زعم أن القرآن مخلوق فقد جعله قولا للبشر وهذا ما أنكره الله على المشركين وأيضا فلو لم يكن الله متكلما حتى خلق الخلق ثم تكلم بعد ذلك لكانت الأشياء قد كانت لا عن أمره ولا عن قوله ولم يكن قائلا لها كونى وهذا رد للقرآن والخروج عما عليه جمهور أهل الإسلام فصل 92 واعلموا رحمكم الله أن قول الجهمية إن كلام الله مخلوق يلزمهم به أن يكون الله تعالى لم يزل كالأصنام التي لا تنطق ولا تتكلم لو كان لم يزل غير متكلم لأن الله تعالى يخبر عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه قال لقومه لما قالوا له أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم من الآية 62 21 قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون 63 21 فاحتج عليهم بأن الأصنام إذا لم تكن ناطقة متكلمة لم تكن آلهة وأن الاله لا يكون غير ناطق ولا متكلم فلما كانت الأصنام التي لا يستحيل أن يحييها الله وينطقها لا تكون آلهة فكيف يجوز أن يكون من يستحيل عليه الكلام في قدمه إلها تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وإذا لم يجز أن يكون الله سبحانه وتعالى في قدمه بمرتبة دون مرتبة الأصنام التي لا تنطق فقد وجب أن يكون الله لم يزل متكلما 93 دليل آخر وقد قال الله تعالى مخبرا عن نفسه أنه يقول لمن الملك اليوم من الآية 16 40 وجاءت الرواية أنه يقول هذا القول ولا يرد عليه أحد شيئا فيقول لله الواحد القهار من الآية 16 40 فإذا كان الله قائلا مع فناء الأشياء إذ لا إنسان ولا ملك ولا حي ولا جان ولا شجر ولا مدر فقد صح أن كلام الله خارج عن الخلق لأنه يوجد ولا شيء من المخلوقات موجود 94 دليل آخر وقد قال الله تعالى وكلم الله موسى تكليما 164 40 والتكليم هو المشافهة بالكلام ولا يجوز أن يكون كلام المتكلم حالا في غيره مخلوقا في شىء سواه كما لا يجوز ذلك في العلم

Sección V01/P072–V01/P075

95 دليل آخر وقال الله تعالى قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد سورة الإخلاص ورقمها 112 فكيف يكون القرآن مخلوقا وأسماء الله في القرآن هذا يوجب أن تكون أسماء الله مخلوقة ولو كانت أسماؤه مخلوقة لكانت وحدانيته مخلوقة وكذلك علمه وقدرته تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا 96 دليل آخر وقد قال الله تعالى تبارك اسم ربك من الآية 78 55 ولا يقال لمخلوق تبارك فدل هذا على أن أسماء الله غير مخلوقة وقال ويبقى وجه ربك من الآية 27 55 فكما لا يجوز أن يكون وجه ربنا مخلوقا فكذلك لا يجوز أن تكون أسماؤه مخلوقة 97 دليل آخر وقد قال الله تعالى شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط من الآية 18 3 ولا بد أن يكون شهد بهذه الشهادة وسمعها من نفسه لأنه إن كان سمعها من مخلوق فليست شهادة له وإذا كانت شهادة له وقد شهد بها فلا يخلو أن يكون شهد بها قبل كون المخلوقات أو بعد كون المخلوقات فإن كان شهد بها بعد كون المخلوقات فلم يسبق شهادته لنفسه بآلهية الخلق و كيف يكون ذلك كذلك وهذا يوجب أن التوحيد لم يكن يشهد به شاهد قبل الخلق ولو استحالت الشهادة بالوحدانية قبل كون الخلق لاستحال إثبات التوحيد ووجوده وأن يكون واحدا قبل الخلق لأن ما يستحيل الشهادة عليه فمستحيل وإن كانت شهادته لنفسه قبل الخلق بالتوحيد فقد بطل أن يكون كلام الله تعالى مخلوقا لأن كلام الله شهادته 98 دليل آخر ومما يدل عليه بطلان قول الجهمية وأن القرآن كلام الله غير مخلوق أن أسماء الله من القرآن وقد قال الله سبحانه سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى 1 2 87 ولا يجوز أن يكون اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى مخلوقا كما لا يجوز أن يكون جد ربنا من الآية 3 72 مخلوقا قال الله تعالى في سورة الجن وأنه تعالى جد ربنا من الآية 3 72 وكما لا يجوز أن تكون عظمته مخلوقة كذلك لا يجوز أن يكون كلامه مخلوقا 99 دليل آخر وقد قال الله تعالى وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء من الآية 51 42 فلو كان كان كلام الله لا يوجد إلا مخلوقا في شىء مخلوق لم يكن لاشتراط هذه الوجوه معنى لأن الكلام قد سمعه جميع الخلق ووجدوه بزعم الجهمية مخلوقا في غير الله تعالى وهذا يوجب إسقاط مرتبة النبيين صلوات الله عليهم أجمعين ويجب عليهم إذا زعموا أن كلام الله لموسى خلقه في شجرة أن يكون من سمع كلام الله عز وجل من ملك أو من نبي أتى به من عندالله أفضل مرتبة من سماع الكلام من موسى لأنهم سمعوه من نبي ولم يسمعه موسى من الله عز وجل وإنما سمعه من شجرة وأن يزعموا أن اليهودي إذا سمع كلام الله من النبي عليه الصلاة والسلام أفضل مرتبة في هذا المعنى من موسى صلى الله عليه وسلم لأن اليهودي سمعه من نبي من أنبياء الله وموسى سمعه مخلوقا في شجرة ولو كان مخلوقا في شجرة لم يكن مكلما لموسى من وراء حجاب لأن من حضر الشجرة من الجن والإنس قد سمعوا الكلام من ذلك المكان وكان سبيل موسى وغيره في ذلك سواء في أنه ليس كلام الله له من وراء حجاب 100 مسألة

Sección V01/P075–V01/P080

ثم يقال لهم إذا زعمتم إن معنى أن الله عز وجل كلم موسى أنه خلق كلاما كلمه به في الشجرة وقد خلق الله عندكم في الذراع كلاما لأن الذراع قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا تأكلني فإني مسمومة فيلزمكم أن ذلك الكلام الذي سمعه النبي صلى الله عليه وسلم كلام الله تعالى فإن استحال أن يكون الله تكلم بذلك الكلام المخلوق فما أنكرتم من أنه يستحيل أن يخلق الله عز وجل كلامه في شجرة لأن الكلام المخلوق لا يكون كلاما لله فإن كان كلام الله وكان معنى أن الله تكلم عندكم أنه خلق الكلام فيلزمكم أن يكون الله متكلما بالكلام الذي خلقه في الذراع فإن أجابوا إلى ذلك قيل لهم فالله تعالى على قولكم هو القائل لا تأكلني فإني مسمومة تعالى الله عن قولكم وإفترائكم عليه علوا كبيرا وإن قالوا لا يجوز أن يكون كلام الله مخلوقا في ذراع قيل لهم وكذلك لايجوز أن يكون كلام الله مخلوقا في شجرة 101 مسألة ثم يسألون عن الكلام الذي أنطق الله تعالى به الذئب لما أخبر عن نبوة النبي صلى الله عليه وسلم فيقال لهم إذا كان الله عز وجل يتكلم بكلام خلقه في غيره فما أنكرتم أن يكور الكلام الذي سمعه من الذئب كلاما لله ويكون إعجازه يدل على أنه كلام الله وفي هذا ما يجب عليهم أن الذئب لم يتكلم به وأنه كلام الله تعالى لأن كون الكلام من الذئب معجز كما أن كونه من الشجرة معجز فإن كان الذئب متكلما بذلك الكلام المنقول فما أنكرتم أن الشجرة متكلمة بالكلام إن كان خلق في الشجرة وأن يكون المخلوق فيه قال يا موسى إني أنا الله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا 102 مسألة ثم يقال لهم إذا كان كلام الله عز وجل مخلوقا في غيره عندكم فما يؤمنكم أن يكون كل كلام تسمعونه مخلوقا في شىء وهو حق أن يكون كلاما لله سبحانه فإن قالوا لا تكون الشجرة متكلمة لأن المتكلم لا يكون إلا حيا قيل لهم ولا يجوز خلق الكلام في شجرة لأن من خلق الكلام فيه لا يكون إلاحيا فإن جاز أن يخلق الكلام فيما ليس بحى فلم لا يجوز أن يتكلم من ليس بحى ويقال لهم لم لا قلتم إنه يقول من ليس بحى لأن الله عز وجل أخبر أن السموات والأرض قالتا أتينا طائعين من الآية 11 41 103 مسألة ثم يقال لهم أليس قد قال الله عز وجل لإبليس وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين 78 38 فلا بد من نعم قيل لهم فإذا كان كلام الله مخلوقا وكانت المخلوقات فانيات فيلزمكم إذا أفنى الله عز وجل الأشياء أن تكون اللعنة على إبليس قد فنيت فيكون إبليس غير ملعون وهذا ترك دين المسلمين ورد لقوله تعالى وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين 78 38 وإذا كانت اللعنة باقية على إبليس إلى يوم الدين وهو يوم الجزاء وهو يوم القيامة لأن الله تعالى قال مالك يوم الدين 4 1 يعنى يوم الجزاء ثم هي أبدا في النار واللعنة كلام الله وهو قوله عليك لعنتي فقد وجب أن يكون الله عز وجل لا يجوز عليه الفناء وأنه غير مخلوق لأن المخلوقات يجوز عليها العدم فإذا لم يجز ذلك على كلام الله عز وجل فهو غير مخلوق 104 مسألة ثم يقال لهم إذا كان غضب الله غير مخلوق وكذلك رضاه وسخطه فلم لا قلتم ان كلامه غير مخلوق ومن زعم أن غضب الله مخلوق لزمه أن غضب الله وسخطه على الكافرين يفنى وأن رضاه عن الملائكة والنبيين يفنى حتى لا يكون راضيا عن أوليائه ولا ساخطا عن أعدائه وهذا هو الخروج عن الإسلام 105 مسألة ويقال خبرونا عن قول الله تعالى إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون 40 16

Sección V01/P080–V01/P087

أتزعمون أن قوله للشىء كن مخلوق مرادا لله فإن قالوا لا قيل لهم فما أنكرتم أن يكون كلام الله الذي هو القرآن غير مخلوق كما زعمتم أن قول الله للشىء كن غير مخلوق وإن زعموا أن قول الله للشىء كن مخلوقا قيل لهم فإذا زعمتم أنه مخلوق مراد فقد فقد قال الله عز وجل إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون 40 16 فيلزمكم أن قوله تعالى للشىء كن قد قال له كن وفي هذا ما يجب أحد أمرين إما أن يكون قول الله لغيره كن غير مخلوق أو يكون لكل قول قول لا إلى غاية وذلك محال فإن قالوا إن لله قولا غير مخلوق قيل لهم فما أنكرتم أن تكون إرادة الله للإيمان غير مخلوقة ثم يقال لهم ما العلة التى إنما قلتم إن قول الله للشىء كن غير مخلوق فإن قالوا لأن القول لا يقال له كن فيقال لهم القرآن غير مخلوق لأنه قول الله والله لا يقول لقوله كن 106 مسألة على الجهمية ويقال لهم أليس لم يزل الله عالما بأوليائه وأعدائه فلا بد من نعم قيل لهم فهل تقولون إنه لم يزل مريدا للتفرقة بين أوليائه وأعدائه فإن قالوا نعم قيل لهم فإذا كانت إرادة الله لم تزل فهي غير مخلوقة وإذا كانت إرادته غير مخلوقة فلم لا قلتم إن كلامه غير مخلوق فإن قالوا لا نقول لم يزل مريدا للتفرقة بين أوليائه وأعدائه زعموا أن الله لا يريد التفرقة بين أوليائه وأعدائه ونسبوه سبحانه إلى النقص تعالى عن قول القدرية علوا كبيرا 107 مسألة ويقال لهم إن الشىء المخلوق إما أن يكون بدنا من الأبدان شخصا من الأشخاص أو يكون نعتا من نعوت الأشخاص فلا يجوز أن يكون كلام الله شخصا لأن الأشخاص يجوز عليها الأكل والشرب والنكاح ولا يجوز ذلك على كلام الله تعالى ولا يجوز أن يكون كلام الله نعتا لشخص مخلوق لأن النعوت لا تبقى طرفة عين لأنها لا تحتمل البقاء وهذا يوجب أن يكون كلام الله قد فنى ومضى فلما لم يجز أن يكون شخصا ولا نعتا لشخص لم يجز أن يكون مخلوقا على أن الأشخاص يجوز أن تموت فمن يثبت كلام الله شخصا مخلوقا لزمه أن يجوز الموت على كلام الله عز وجل وذلك ما لا يجوز وأيضا فلا يجوز أن يكون كلام الله مخلوقا في شخص مخلوق كما لا يجوز أن يكون نعتا لشخص مخلوق ولو كان مخلوقا في شخص وكلام الإنسان مفعولا فيه كما لا يمكن التفريق بين كلام الله وكلام الخلق إذا كانا مخلوقين في شخص مخلوق كما لا يجوز أن يكون علمه مخلوقا في شخص مخلوق 108 مسألة ويقال لهم أيضا لو كان كلام الله مخلوقا لكان جسما أو نعتا لجسم ولو كان جسما لجاز أن يكون متكلما والله قادر على قلبهما وفي هذا ما يلزمهم ويجب عليهم أن يجوزوا أن يقلب الله القرآن إنسانا أو جنيا أو شيطانا تعالى الله عز وجل أن يكون كلامه كذلك و لو كان نعتا لجسم كالنعوت فالله قادر على أن يجعلها أجساما لكان يجد على الجهمية أن يجوزوا أن يجعل الله القرآن جسما متجسدا يأكل ويشرب وأن يجعله إنسانا ويميته وهذا ما لا يجوز على كلام الله تعالى عن ذلك الباب الثالث في ذكر الرواية في القرآن 109 قال أبو بكر أتيت أنا والعباس بن عبدالعظيم العنبري أبا عبدالله أحمد بن حنبل فسأل العباس أبا عبدالله رحمه الله ورضي عنه فقال له قوم ها هنا قد حدثوا يقولون القرآن لا مخلوق ولا غير مخلوق فقال هؤلاء أضر من الجهمية على الناس ويلكم فإن لم تقولوا ليس بمخلوق فقولوا مخلوق قال أبو عبدالله هؤلاء قوم سوء فقال العباس ما تقول ياأبا عبدالله فقال الذي أعتقد وأذهب إليه ولا أشك فيه أن القرآن غير مخلوق ثم قال سبحان الله ومن يشك في هذا

Sección V01/P087–V01/P091

ثم تكلم أبو عبدالله مستعظما للشك في ذلك فقال سبحان الله أفي هذا شك قال الله تبارك وتعالى ألا له الخلق والأمر من الآية 54 7 وقال الرحمن علم القرآن خلق الإنسان 1 2 3 55 ففرق بين الإنسان وبين القرآن فقال علم خلق فجعل يعيدها علم خلق أي فرق بينهما قال أبو عبدالله والقرآن علم الله ألا تراه يقول علم القرآن والقرآن فيه أسماء الله عز وجل أي شيء يقولون لا يقولون إن أسماء الله غير مخلوقة لم يزل الله قديرا عليما عزيزا حكيما سميعا بصيرا لسنا نشك أن أسماء الله عز وجل غير مخلوقة لسنا نشك أن علم الله عز وجل غير مخلوق فالقرآن من علم الله وفيه أسماء الله فلا نشك أنه غير مخلوق وهو كلام الله عز وجل ولم يزل به متكلما ثم قال وأي كفر من هذا وأي كفر أشر من هذا إذا زعموا أن القرآن مخلوق فقد زعموا أن أسماء الله مخلوقة وأن علم الله مخلوق ولكن الناس يتهاونون بهذا ويقولون إنما يقولون القرآن مخلوق ويتهاونون به ويظنون أنه هين ولا يدرون ما فيه وهو الكفر وأنا أكره أن أبوح بهذا لكل أحد وهم يسألون وأنا أكره الكلام في هذا فبلغني أنهم يدعون أني أمسك فقلت له فمن قال القرآن مخلوق ولا يقول إن أسماء الله مخلوقة ولا علمه لم نرد على هذا أقول هو كافر فقال هكذا هو عندنا ثم قال أبو عبدالله نحن نحتاج أن نشك في هذا القرآن عندنا فيه أسماء الله وهو من علم الله فمن قال إنه مخلوق فهو عندنا كافر فجعلت أردد عليه فقال لي العباس وهو يسمع سبحان الله أما يكفيك دون هذا فقال أبو عبدالله بلى وذكر الحسين بن عبدالأول قال سمعت وكيعا يقول من قال القرآن مخلوق فهو مرتد يستتاب فإن تاب وإلا قتل وذكر محمد بن الصباح البزار قال حدثنا علي بن الحسين ابن شعبان قال سمعت ابن المبارك يقول إنا نستطيع أن نحكى كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكى كلام الجهمية قال محمد نقول نخاف أن نكفر ولا نعلم وذكر هارون بن إسحاق الهمداني عن أبي نعيم عن سليمان ابن عيسى القارى عن سفيان الثوري رضي الله عنه قال قال لي حماد بن أبي سليمان أبلغ أبا حنيفة المشرك أنى منه برىء قال سليمان ثم قال سفيان لأنه كان يقول القرآن مخلوق وحاشى الإمام الأعظم أبو حنيفة رضي الله عنه من هذا القول بل هو زور وباطل فإن أبا حنيفة من أفضل أهل السنة وذكر سفيان بن وكيع قال سمعت عمر ابن حماد بن أبي سليمان قال أخبرني أبي قال الكلام الذي أستتاب فيه ابن أبي ليلى أبا حنيفة وهو قوله القرآن مخلوق قال فتاب منه وطاف به في الخلق قال أبى فقلت له كيف صرت إلى هذا قال خفت والله أن يقدم على فأعطيته الثقية وذكر هارون بن إسحاق قال سمعت إسماعيل بن أبي الحكم يذكر عن عمر بن عبيد الطنافسى ان حماد يعنى ابن أبي سليمان بعث إلى أبي حنيفة أني برىء مما تقول إلا أن تتوب وكان عنده ابن أبي عقبة قال فقال أخبرني جارك أن أبا حنيفة دعاه إلى ما استتيب منه بعد ما استتيب وهذا كذب محض على أبي حنيفة رضي الله عنه وذكر عن أبي يوسف قال ناظرت أبا حنيفة رضي الله عنه شهرين حتى رجع عن خلق القرآن وقال سليمان بن حرب القرآن غير مخلول وأخذته من كتاب الله تعالى قال الله تعالى ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم من الآية 77 3 وكلام الله ونظره واحد يعنى غير مخلوق وذكر الحسين بن عبدالأول قال حدثنا محمد بن الحسن ابن أبي يزيد الهمذاني عن عمرو بن قيس عن أبي قيس المديني عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل كلام الله عز وجل على سائر الكلام كفضل الله على خلقه

Sección V01/P091–V01/P096

فهذا يثبت أن القرآن كلام الله عز وجل وما كان كلاما لله عز وجل لم يكن خلقا لله وقد بين الله أن القرآن كلامه بقوله عز وجل حتى يسمع كلام الله من الآية 6 9 ودل على ذلك في مواضع من كتابه العزيز وقد قال الله تعالى مخبرا أن الله كلم موسى تكليما وروى ابن وكيع عن الأعمش عن خيثمة عن عدى بن حاتم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مامنكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ومما يدل أن الله عز وجل متكلم وأن له كلاما ما رواه عفان قال ثنا حماد بن سلمة عن الأشعب الحراني عن شهرين حوشب قال فضل كلام الله عز وجل على سائر الكلام كفضل الله على خلقه وروى يعلى بن المنهال السعدى قال حدثنا إسحق ابن سليمان الرازي قال ثنا الجراح بن الضحاك الكندي عن علقمة ابن مرثل عن أبي عبدالرحمن السلمى عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه وقال إن فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه وذلك أنه منه وروى سعيد بن داود قال حدثنا أبو سفيان عن معمر عن قتادة قوله تعالى ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله الآية من الآية 27 31 وذكر هارون بن معروف قال حدثنا جرير عن منصور عن هلال بن أساف عن فروة بن نوأل وقال كنت جارا لخباب بن الارت فقال لي يا هذا تقرب إلى الله عز وجل بما استطعت فإنك لن تتقرب إلى الله بشيء أحب إليه من كلامه وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى قرآنا عربيا غير ذي عوج من الآية 28 39 قال غير مخلوق وروى الليث بن يحيى قال حدثني إبراهيم بن أبي الأشعث قال سمعت مؤمل بن إسماعيل يحدث عن الثوري قال من زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر وصحت الرواية عن جعفر بن محمد أن القرآن لا خالق ولا مخلوق وروى ذلك عن عمه زيد بن علي وعن جده على بن الحسين رضي الله عنهم أجمعين ومن قال إن القرآن مخلوق عند العلماء وحملة الآثار ونقلة الأخبار وهم لا يحصون كثرة ومنهم حماد والثورى وعبدالعزيز ابن أبي سلمة ومالك بن أنس رضي الله عنه والشافعي رضي الله عنه وأصحابه وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل ومالك رضي الله عنهم والليث بن سعد رضي الله عنه وسفيان ابن عيينة وهشام وعيسى بن يونس وجعفر ابن غياث وسعيد بن عامر وعبدالرحمن بن مهدى وأبو بكز ابن عياش ووكيع وأبو عاصم النبيل ويعلى بن عبيد ومحمد بن يوسف وبشر بن الفضل وعبدالله بن داود وسلام بن أبى مطيع وابن المبارك وعلي بن عاصم وأحمد بن يونس وأبو نعيم وقبيصة بن عقبة وسليمان بن داود وأبو عبيد القاسم ابن سلام ويزيد بن هارون وغيرهم ولو تتبعنا ذكر من يقول بذلك لطال الكلام وفيما ذكرنا من ذلك مقنع والحمد لله رب العالمين وقد احتججنا لصحة قولنا إن القرآن غير مخلوق من كتاب الله عز وجل وما تضمنه من البرهان وأوضحه من البيان ولم نجد أحدا ممن تحمل عنه الآثار وتنقل عنه الأخبار ويأتم به المؤتمرون من أهل العلم يقول بخلق القرآن وإنما قال ذلك رعاع الناس وجهال من جهالهم لا موقع لهم والحجاج الذي قدمناه في ذلك يأتي على كثير قولهم ودفع باطلهم والحمد لله على قوة الحق حمدا كثيرا الباب الرابع الكلام على من توقف في القرآن وقال لا أقول إنه مخلوق ولا أنه غير مخلوق 110 جواب يقال لهم لم زعمتم ذلك وقلتموه

Sección V01/P096–V01/P102

فإن قالوا قلنا ذلك لأن الله لم يقل في كتابه إنه مخلوق ولا قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أجمع المسلمون عليه ولم يقل في كتابه إنه غير مخلوق ولا قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أجمع عليه المسلمون فتوقفنا لذلك ولم نقل إنه مخلوق ولا إنه غير مخلوق يقال لهم فهل قال الله تعالى لكم في كتابه توقفوا فيه ولا تقولوا إنه غير مخلوق وقال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم توقفوا عن أن تقولوا إنه غير مخلوق وهل أجمع المسلمون على التوقف عن القول إنه غير مخلوق فإن قالوا نعم فقد بتهوا وإن قالوا لا قيل لهم فلا تقفوا عن أن تقولوا غير مخلوق بمثل الحجة التي بها ألزمتهم أنفسكم التوقف ثم يقال لههم ولم أبيتم أن يكون في كتاب الله ما يدل على أن القرآن غير مخلوق فإن قالوا لم نجده قيل لهم ولم زعمتم أنكم إذا لم تجدوه في القرآن فليس بموجود فيه ثم إنا نوجدهم ذلك ونتلو عليهم الآيات التي احتججنا بها في كتابنا هذا واستدللنا بها على أن القرآن غير مخلوق كقوله تعالى ألا له الخلق والأمر من الآية 54 7 وكقوله إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون من الآية 40 16 وكقوله قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي من الآية 109 18 وسائر ما احتججنا في ذلك من آي القرآن ويقال لهم يلزمكم أن تتوقفوا في كل ما اختلف الناس فيه ولا تقدموا في ذلك على قول فإن جاز لكم أن تقولوا ببعض تأويل المسلمين إذا دل على صحتها دليل فلم لا قلتم إن القرآن غير مخلوق بالحجج التي ذكرناها في كتابنا هذا قبل هذا الموضع 111 مسألة فإن قال قائل حدثونا أتقولون إن كلام الله في اللوح المحفوظ قيل له كذلك نقول لأن الله تعالى قال بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ 21 22 85 فالقرآن في اللوح المحفوظ وهو في صدور الذين أوتوا العلم قال الله تعالى بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من الآية 49 29 وهو متلو بالألسنة قال الله تبارك وتعالى لا تحرك به لسانك لتعجل به 16 75 والقرآن مكتوب في مصاحفنا في الحقيقة محفوظ في صدورنا في الحقيقة متلو بألسنتنا في الحقيقة مسموع لنا في الحقيقة كما قال تعالى فأجره حتى يسمع كلام الله من الآية 6 9 112 مسألة فإن قال قائل حدثونا عن اللفظ بالقرآن كيف تقولون فيه قيل القرآن يقرأ في الحقيقة ويتلى ولا يجوز أن يقال يلفظ به لأن القائل لا يجوز له أن يقول إن كلام الله ملفوظ به لأن العرب إذا قال قائلهم لفظت باللقمة من فمي فمعناه رميت بها وكلام الله تعالى لا يقال يلفظ به وإنما يقال يقرأ ويتلى ويكتب ويحفظ وإنما قال قوم لفظنا بالقرآن ليثبتوا أنه مخلوق ويزينوا بدعتهم وقولهم بخلقه ويدلسوا كفرهم على من لم يقف على معناهم فلما وقفنا على معناهم أنكرنا قولهم وكذا لا يجوز أن يقال إن شيئا من القرآن مخلوق لأن القرآن بكماله غير مخلوق 113 مسألة إن قال قائل أليس قد قال الله تعالى ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون من الآية 2 21 قيل له الذكر الذي عناه الله عز وجل ليس هو القرآن بل هو كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ووعظه إياهم وقد قال الله تعالى لنبيه وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين 55 51 وقد قال الله تعالى ذكرا رسولا نهاية آية 10 وبداية آية 11 65 فسمى الرسول ذكرا والرسول محدث وأيضا فإن الله تعالى قال ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون من الآية 2 21 يخبر أنه ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون ولم يقل ما يأتيهم ذكر إلا كان محدثا

Sección V01/P102–V01/P108

وإذا لم يقل هذا لم يوجب أن يكون القرآن محدثا ولو قال قائل ما يأتيهم رجل من التميميين يدعوهم إلى الحق إلا أعرضوا عنه لم يوجب هذا القول أنه لا يأتيهم رجل إلا كان تميميا فكذلك الحكم فيما سألونا عنه 114 مسألة فإن سألونا عن قول الله تعالى قرآنا عربيا من الآية 2 12 قيل لهم الله عز وجل أنزل وليس بمخلوق فإن قالوا فقد قال الله تعالى وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد من الآية 25 57 والحديد مخلوق قيل لهم الحديد جسم موات وليس يجب إذا كان القرآن منزلا أن يكون جسما مواتا فكذلك لا يجب إذا كان القرآن منزلا أن يكون مخلوقا وإن كان الحديد مخلوقا 115 مسألة ويقالهم قد أمرنا الله تعالى أن نستعيذ به وهو غير مخلوق وأمر أن نستعيذ بكلمات الله التامات وإذا لم نؤمر أن نستعيذ بمخلوق من المخلوقات وأمرنا أن نستعيذ بكلام الله فقد وجب أن كلام الله غير مخلوق الباب الخامس ذكر الاستواء على العرش 116 إن قال ما تقولون في الإستواء قيل له نقول إن الله عز وجل يستوى على عرشه استواء يليق به من غير طول استقرار كما قال الرحمن على العرش استوى 5 20 وقد قال تعالى إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه من الآية 10 35 وقال تعالى بل رفعه الله إليه من الآية 158 4 وقال تعالى يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه من الآية 5 32 وقال تعالى حاكيا عن فرعون لعنه الله هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا من الآيتين 37 40 كذب موسى عليه السلام في قوله إن الله سبحانه فوق السموات وقال تعالى أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض من الآية 16 67 فالسموات فوقها العرش فلما كان العرش فوق السموات قال أأمنتم من في السماء من الآية 14 67 لأنه مستو على العرش الذي فوق السموات وكل ماعلا فهو سماء والعرش أعلى السموات وليس إذا قال أأمنتم من في السماء من الآية 16 67 يعنى جميع السموات وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السموات ألا ترى الله تعالى ذكر السموات فقال تعالى وجعل القمر فيهن نورا من الآية 16 71 ولم يرد أن القمر يملؤهن جميعا وأنه فيهن جميعا ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء لأن الله تعالى مستو على العرش الذي هو فوق السموات فلولا أن الله عز وجل على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش كما لا يحطونها إذا دعو إلى الأرض فصل وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية إن معنى قول الله تعالى الرحمن على العرش استوى 5 20 أنه استولى وملك وقهر وأن الله تعالى في كل مكان وجحدوا أن يكون الله عز وجل مستو على عرشه كما قال أهل الحق وذهبوا في الاستواء إلى القدرة ولو كان هذا كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة لأن الله تعالى قادر على كل شيء والأرض فالله سبحانه قادر عليها وعلى الحشوش وعلى كل ما في العالم فلو كان الله مستويا على العرش بمعنى الإستيلاء وهو تعالى مسئول على الأشياء كلها لكان مستويا على العرش وعلى الأرض وعلى السماء وعلى الحشوش والأقدار لأنه قادر على الأشياء مستول عليها وإذا كان قادرا على الأشياء كلها لم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول إن الله تعالى مستو على الحشوش والأخلية تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا لم يجز أن يكون الإستواء على العرش الإستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها ووجب أن يكون معنى الإستواء يختص بالعرش دون الأشياء كلها وزعمت المعتزلة والحرورية والجهمية أن الله تعالى في كل مكان فلزمهم أنه في بطن مريم وفي الحشوش والأخلية وهذا خلاف الدين تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا 118 مسألة

Sección V01/P108–V01/P114

ويقال لهم إذا لم يكن مستويا على العرش بمعنى يخص العرش دون غيره كما قال ذلك أهل العلم ونقله الأخبار وحملة الآثار وكان الله عز وجل في كل مكان فهو تحت الأرض التي السماء فوقها وإذا كان تحت الأرض والأرض فوقه والسماء فوق الأرض وفي هذا ما يلزمكم أن تقولوا إن الله تحت التحت والأشياء فوقه وأنه فوق الفوق والأشياء تحته وفي هذا ما يجب أنه تحت ما هو فوقه وفوق ما هو تحته وهذا هو المحال المتناقض تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا 119 دليل آخر ومما يؤكد أن الله عز وجل مستو على عرشه دون الأشياء كلها ما نقله أهل الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم روى عفان قال ثنا حماد بن سلمة قال حدثنا عمرو بن ذينار عن نافع عن جبير عن أبيه رضي الله عنهم أجمعين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ينزل ربنا عز وجل كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول هل من سائل فأعطيه هل من مستغفر فأغفر له حتى يطلع الفجر روى عبيدالله بن بكر قال ثنا هشام بن أبي عبدالله عن يحيى بن كثير عن أبي جعفر أنه سمع أبا حفص يحدث أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بقى ثلث الليل ينزل الله تبارك وتعالى فيقول من ذا الذي يدعوني أستجيب له من ذا الذي يستكشف الضر فأكشفه عنه من ذا الذي يسترزقني فأرزقه حتى ينفجر الفجر وروى عبدالله بن بكر السهمي قال ثنا هشام بن أبي عبدالله عن يحيى بن كثير عن هلال بن أبي ميمونة قال ثنا عطاء بن يسار أن رفاعة الجهني حدثه قال فقلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كفا بالكديد أو قال بقديد حمد الله وأثنى عليه ثم قال إذ مضى ثلث الليل أو قال ثلثا الليل نزل الله عز وجل إلى السماء فيقول من ذا الذي يدعوني أستجيب له من ذا الذي يستغفرني أغفر له من ذا الذي يسألني أعطيه حتى ينفجر الفجر نزولا يليق بذاته من غير حركة وانتقال تعالى الله عن ذلك علوا كبير 120 دليل آخر قال الله تعالى يخافون ربهم من فوقهم من الآية 50 16 وقال تعالى تعرج الملائكة والروح إليه من الآية 4 70 وقال تعالى ثم استوى إلى السماء وهي دخان من الآية 11 41 وقال تعالى ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا من الآية 59 25 وقال تعالى ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع 4 32 فكل ذلك يدل على أنه تعالى في السماء مستو على عرشه والسماء بإجماع الناس ليست الأرض فدل على أنه تعالى منفرد بوحدانيته مستو على عرشه استواء منزها عن الحلول والإتحاد 121 دليل آخر قال الله تعالى وجاء ربك والملك صفا صفا 22 89 وقال تعالى هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة من الآية 210 2 وقال ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى 8 9 10 11 12 13 53 إلى قوله لقد رأى من آيات ربه الكبرى 18 53 وقال تعالى لعيسى بن مريم عليه السلام إني متوفيك ورافعك إلي وقال تعالى وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه من الآية 158 4 وأجمعت الأمة على أن الله سبحانه رفع عيسى صلى الله عليه وسلم إلى السماء ومن دعاء أهل الإسلام جميعا إذا هم رغبوا إلى الله تعالى في الأمر النازل بهم يقولون جميعا ياساكن السماء ومن خلفهم جميعا لا والذي احتجب بسبع سموات 122 دليل آخر قال الله عز وجل وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء من الآية 51 42