Teftâzânî — Şerhu'l-Makâsıd (Mâtürîdî/Eş'arî kelam)
ورابعها أن الإنسان يرى في الظلمة كأن نورا انفصل من عينه وأشرق على أنفه وإذا غمض عينيه على السراج يرى كأن خطوطا شعاعية اتصلت بين عينيه والسراج والجواب عن الكل أنها لا تدل على المطلوب أعني كون الإبصار بخروج الشعاع بل على أن في العين نورا ونحن لا ننكر أن في آلات الإبصار أجساما شعاعية مضيئة تسمى بالروح الباصرة يرتسم منها بين العين والمرئي مخروط وهمي يدرك المرئي من جهة زاويته التي عند الجليدية تشتد حركتها عند رؤية البعيد فيتحلل لطيفها ويفتقر إلى تلطيف إذا غلظ وتكثيف إذا ضعف ورق فوق ما ينبغي ويحدث منها في المقابل القابل أشعة وأضواء تكون قوتها فيما يحاذي مركز العين الذي هو بمنزلة الزاوية للمخروط الوهمي ولشدة استنارته تكون الصورة المنطبعة فيه أظهر وإدراكه أقوى وأكمل ويشبه أن يكون هذا مراد القائلين بخروج الشعاع تجوزا منهم على ما صرح به ابن سينا وإلا فهو باطل قطعا أما إذا أريد حقيقة الشعاع الذي هو من قبيل الأعراض فظاهر وإن أريد جسم شعاعي يتحرك من العين إلى المرئي فلأنا قاطعون بأنه يمتنع أن يخرج من العين جسم ينبسط في لحظة على نصف كرة العالم ثم إذا أطبق الجفن عاد إليها أو انعدم ثم إذا فتحه خرج مثله وهكذا وأن يتحرك الجسم الشعاعي من غير قاسر ولا إرادة إلى جميع الجهات وأن ينفذ في الأفلاك ويخرقها ليرى الكواكب وأن لا يتشوش بهبوب الرياح ولا يتصل بغير المقابل كما في الأصوات حيث تميلها الرياح إلى الجهات ولأنه يلزم أن يرى القمر قبل الثوابت بزمان يناسب تفاوت المسافة بينهما وليس كذلك بل ترى الأفلاك بما فيها من الكواكب دفعة وأيضا يلزم أن يرى ما في الخزف لكثرة المسام فيه بدليل الرشح دون ما في الزجاج أو الماء ولو كان رؤية ما فيهما من جهة المسام لوجب أن يكون بقدرها من غير أن يرى الشيء بمجموعه وبمثل هذه الأدلة والإمارات يمكن إبطال القول بأن الإبصار يتكيف الهواء بشعاع العين واتصاله بالمرئي قال هذا والقول بخروج الشعاع يريد أن علم المناظر والمرايا فن على حدة اعتنى به كثير من المحققين وبنوا الكلام فيه على خروج الشعاع بمعنى وقوعه من العين على المرئي كما يقع من الشمس والقمر وسائر الأجسام المضيئة على ما يقابلها على هيئة مخروط رأسه عند المضيء وقاعدته عند المرئي فيرى الشيء إذا بعد أصغر مما إذا قرب لأن المخروط يستدق فتضيق زواياه التي عند الباصرة وتضيق لذلك الدائرة التي عند المبصر وكلما ازداد الشيء بعدا ازدادت الزوايا والدائرة صغرا إلى أن ينتهي في البعد إلى حيث لا يمكن الإبصار ويرى الشيء في الماء أعظم منه في الهواء لأن الشعاع ينفذ في الهواء على استقامة وأما في الماء فبعضه ينفذ مستقيما وبعضه ينعطف على سطح الماء ثم ينفذ إلى المبصر فيرى بالامتداد الشعاعي النافذ مستقيما ومنعطفا معا من غير تمايز وذلك إذا قرب المرئي من سطح الماء وأما إذا بعد فيرى في موضعين لكون رؤيتها بالامتدادين المتمايزين وكذا إذا غمزنا إحدى العينين ونظرنا إلى القمر نراه قمرين لأن الامتداد الشعاعي الخارج منها ينحرف عن المحاذاة فلا يلتقي مؤدى الامتدادين في الحس المشترك على موضع واحد بل موضعين فيرى المرئي اثنين وهكذا في الأحوال وفيما إذا وضعنا السبابة والوسطى على العين مع اختلاف في الوضع ونظرنا إلى السراج فإنا نراه اثنين وكذا إذا نظرنا إلى الماء عند طلوع القمر فإنا نرى في الماء قمرا بالشعاع النافذ فيه وفي السماء قمرا بالشعاع المنعكس من سطح الماء إلى السماء ومن هذا القبيل رؤية الشيء في المرآة وذلك أن الشعاع الممتد من الباصرة إلى الجسم الصقيل ينعكس منه إلى جسم آخر وضعه من ذلك الصقيل كوضع الباصرة منه بشرط أن تكون جهته مخالفة لجهة الرائي وأما السبب في رؤية الشجر على شط النهر منتكسا فهو أن الشعاع إذا وقع على سطح الماء ينعكس منه إلى رأس الشجر من موضع أقرب إلى الرائي وإلى أسفله من موضع أبعد من الرائي إلى أن تتصل قاعدة الشجر بقاعدة عكسه والنفس لا تدرك الانعكاس لتعودها برؤية الأشياء عى استقامة الشعاع فتحسب الشعاع المنعكس نافذ في الماء فترى رأس الشجر أكثر نزولا في الماء لكونه أبعد منه وباقي أجزائه على الترتيب إلى قاعدة الشجر فيرى منتكسا وبيان ذلك بالتحقيق في علم المناظر ( قال وقد يشترط في الإبصار ) زعمت الفلاسفة وتبعهم المعتزلة أن الإبصار يتوقف على شرائط يمتنع حصوله بدونها ويجب حصوله معها أما الأول فلأنا نجد بالضرورة انتفاء الرؤية عند انتفاء شيء من تلك الشرائط ورد بأن العدم لا يدل على الامتناع وأما الثاني فلأنه لو جاز عدم الإبصار معها لجاز أن يكون بحضرتنا جبال شاهقة ورياض رائقة ونحن لانراها واللازم باطل قطعا ورد بأنه إن أريد باللازم إمكان ذلك في نفسه فلانم بطلانه وإن أريد الاحتمال والتجويز العقلي بحيث لا يكون انتفاؤه معلوما عند العقل على سبيل القطع فلانم لزومه فإن ذلك من العلوم العادية على ما سبق تحقيقه ومنهم من قال أن اشتراط هذه الشروط إنما هو عند تعلق النفس بالبدن هذا التعلق المخصوص أو كون الباصرة على هذا القدر من القوة لا على حد آخر فوقه كما في الآخرة قال أو في حكم المقابل يعني كما في رؤية الوجه في المرآة قال وأما الحواس الباطنة هي أيضا على حسب ما وجدناه خمس وإن احتمل إمكان غيرها وما يقال أنها إما مدركة وإما معينة على الإدراك والمدركة إما مدركة للصور أو للمعاني والمعينة إما حافظة للصور أو للمعاني وإما متصرفة فيها فوجه ضبط وجعل الحافظ والمتصرف مدركا باعتبار الإعانة على الإدراك إما الحس المشترك ويسمى باليونانية بنطاسيا أي لوح النفس فهي القوة التي تجتمع فيها صور المحسوسات الظاهرة بالتأدي إليها من طرق الحواس ويدل على وجودها وجوه
الأول أنا نحكم ببعض المحسوسات الظاهرة على البعض كما نحكم بأن هذا الأصفر هو هذا الحار أو هذا الحلو أو هذا المشموم وكل من الحواس الظاهرة لا يحضر عندها إلا نوع مدركاته فلا بد من قوة يحضر عندها جميع الأنواع ليصح الحكم بينها الثاني أن النائم أو المريض كالمبرسم يشاهد صورا جزئية لا تحقق لها في الخارج ولا في شيء من الحواس الظاهرة فلا بد من قوة بها المشاهدة الثالث أنا نشاهد القطرة العازلة بسرعة خطا مستقيما والشعلة الجوالة بسرعة خطا مستديرا أو ما ذاك إلا لأن لنا قوة غير البصر يرتسم فيها صورة القطرة والشعلة ويبقى قليلا على وجه يتصل به الارتسامات البصرية المتتالية بعضها ببعض بحيث يشاهد خطا للقطع بأنه لا ارتسام في البصر عند زوال المقابلة ومنع ذلك على ما ذكره الإمام مكابرة وإلى هذا أشار في المتن ما ذكر من ضرورة أنه لا يرتسم في البصر إلا المقابل أو ما هو في حكمه وأما قوله ومبناه على أن صور المحسوسات لا ترتسم في النفس فإشارة إلى جواب اعتراض آخر وهو أنه لا يلزم من عدم كون الارتسام في الباصرة كونه في قوة أخرى جسمانية لجواز أن يكون في النفس وكذا الصور التي يشاهدها المريض والنائم وصور المحسوسات المحكوم فيها بالبعض على البعض كهذه الصفرة والحرارة وغيرها ألا ترى أنا نحكم بالكلي على الجزئي كحكمنا بأن هذه الصفرة لون وزيد إنسان مع القطع بأن مدرك الكلي هو النفس فإذا كان الحكم بين الشيئين مستلزما لحضورهما عند الحاكم كان الجزئي حاضرا عند النفس مرتسما فيها كالكلي فلا يثبت الحس المشترك وتقرير الجواب أنا معترفون بأن مدرك الكليات والجزئيات جميعا والحاكم بينها هو النفس لكن الصور الجزئية لا ترتسم فيها لما سيجيء بل في آلتها فلا بد في الحكم بين محسوسين من آلة مشتركة وفيه نظر لجواز أن يكون حضورهما عند النفس وحكمها بينها لارتسامهما في البين كما أن الحكم في الكلي والجزئي يكون لارتسام الكلي في النفس والجزئي في الآلة فلا تثبت آلة مشتركة غاية الأمر أنه لا يكفي الحواس الظاهرة ليصح الحكم حالتي الغيبة والحضور بل يكون لكل حس ظاهر حس باطن ومن اعتراضات الإمام أنا نعلم قطعا أن الذوق أعني إدراك المذوقات ليس بالدماغ كما أنه ليس بالعصب وكذا اللمس والجواب أن المعلوم قطعا هو أن الدماغ ليس آلة للذوق أو للمس أو لا على وجه الاختصاص وأما أنه لا مدخل له فيه فلا كيف والآفة في الدماغ توجب اختلال الذوق واللمس بخلاف الآفة في العصب ومن ههنا يقال أن ابتداء الذوق في اللسان وتمامه في العصب الآتي إليه من الدماغ وكما له عند الحس المشترك وكذا في سائر الإحساسات قال ومنها الخيال استدل على ثبوتها ومغايرتها للحس المشترك بوجهين
الأول أن لصور المحسوسات قبولا عندنا وحفظا وهما فعلان مختلفان فلا بد لهما من مبدأين متغايرين لما تقرر من أن الواحد لا يكون مصدرا لأثرين ومبدأ القبول هو الحس المشترك فمبدأ الحفظ هو الخيال وإنما احتيج إلى الحفظ لئلا يختل نظام العالم فإنا إذا أبصرنا الشيء ثانيا فلو لم نعرف أنه هو المبصر أو لا لما حصل التمييز بين النافع والضار واعترض بأن الحفظ مسبوق بالقبول ومشروط به ضرورة فقد اجتمعا في قوة واحدة سميتموها الخيال وبأن الحس المشترك مبدأ لإدراكات مختلفة هي أنواع الإحساسات وبأن النفس تقبل الصور العقلية وتتصرف في البدن فبطل قولكم الواحد لا يكون مبدأ الأثرين وأجيب بأن الخيال لا بد أن يكون في محل جسماني فيجوز أن يكون قبوله لأجل المادة وحفظه لقوة الخيال كالأرض تقبل الشكل بمادتها وتحفظه بصورتها وكيفيتها أعني اليبوسة وبأن مبدائية الحس المشترك للإدراكات المختلفة إنما هي لاختلاف الجهات أعني طرق التأدية من الحواس الظاهرة وكذا إدراكات النفس وتصرفاتها من جهة قواها المختلفة ولا يخفى أن هذا الجواب يدفع أصل الاستدلال لجواز أن لا تكون إلا قوة واحدة لها القبول والحفظ بحسب اختلاف الجهات وكذا الجواب بأن القبول والإدراك من قبيل الانفعال دون الفعل فاجتماع القبول والحفظ وأنواع الإدراكات في شيء واحد لا يقدح في قولنا الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد الثاني أن الصور الحاضرة في الحس المشترك قد تزول بالكلية بحيث يحتاج إلى إحساس جديد وهو ا لنسيان وقد تزول لا بالكلية بل بحيث تحضر بأدنى التفات وهو الذهول فلولا أنها مخزونة حينئذ في قوة أخرى يستحضرها الحس المشترك من جهتها لما بقي فرق بين الذهول والنسيان واعترض بأنه يجوز أن لا تكون محفوظة إلا في الحس المشترك ويكون الحضور والإدراك بالتفات النفس والذهول بعدمه وأجيب بأنه لو كان كذلك لم يبق فرق بين المشاهدة والتخيل لأن كلا منهما حضور لصورة المحسوس في الحس المشترك من جهة الحواس بالتفات النفس ومعلوم أن تخيل المبصر ليس إبصارا ولا تخيل المذوق ذوقا وكذا البواقي بل المشاهدة ارتسام من جهة الحواس والتخيل من جهة الخيال وفيه نظر لجواز أن يكون الفرق عائدا إلى الحضور عند الحواس والغيبة عنها أو إلى قوة الارتسام وضعفه ولا يكون الإدراك والحفظ إلا في قوة واحدة قال وأضعف منهما الإبطال احتج الإمام على إبطال الخيال بأن من طاف في العالم ورأى البلاد والأشخاص الغير المعدودة فلو انطبعت صورها في الروح الدماغي فإما أن يحصل جميع تلك الصور في محل واحد فيلزم الاختلاط وعدم التمايز وإما أن يكون لكل صورة محل فيلزم ارتسام صورة في غاية العظم في جزء غاية الصغر والجواب أنه قياس للصور على الأعيان وهو باطل فإنه لا استحالة ولا استبعاد في توارد الصور على محل واحد مع تمايزها ولا في ارتسام صورة العظيم في المحل الصغير إنما ذلك في الأعيان الحالة في محلها حلول العرض في الموضوع أو الجسم في المكان ( قال ومنها الوهم ) هي القوة المدركة للمعاني الجزئية الموجودة في المحسوسات كالعداوة المعينة من زيد وقيد بذلك لأن مدركة العداوة الكلية من زيد هو النفس والمراد بالمعاني ما لا يدرك بالحواس الظاهرة فيقابل الصور أعني ما يدرك بها فلا يحتاج إلى تقييد المعاني بغير المحسوسة فإدراك تلك المعاني دليل على وجود قوة بها إدراكها وكونها مما لم يتأد من الحواس دليل على مغايرتها للحس المشترك وكونها جزئية دليل على مغايرتها للنفس الناطقة بناء على أنها لا تدرك الجزئيات بالذات هذا مع وجودها في الحيوانات العجم كإدراك الشاة معنى في الذئب بقي الكلام في أن القوة الواحدة لما جاز أن تكون آلة لإدراك أنواع المحسوسات لم لا يجوز أن تكون آلة لإدراك معانيها أيضا وأما إثبات ذلك بأنهم جعلوا من أحكام الوهم ما إذا رأينا شيأ أصفر فحكمنا بأنه عسل وحلو فيكون الوهم مدركا للصفرة والحلاوة والعسل جميعا ليصح الحكم وبأن مدرك عداوة الشخص مدرك له ضرورة فضعيف لأن الحاكم حقيقة هو النفس فيكون المجموع من الصور والمعاني حاضرا عندها بواسطة الآلات كل منها بآلتها الخاصة ولا يلزم كون محل الصور والمعاني قوة واحدة لكن يشكل هذا بأن مثل هذا الحكم قد يكون من الحيوانات العجم التي لا تعلم وجود النفس الناطقة لها قال ومنها الحافظة هي للوهم كالخيال للحس المشترك ووجه تغايرها أن قوة القبول غير قوة الحفظ والحافظة للمعاني غير الحافظ للصور ويسميها قوم ذاكرة إذ بها الذكر أعني ملاحظة المحفوظ بعد الذهول عنه ومتذكرة إذ بها التذكر أعني الاحتيال لاستعراض الصور بعد ما اندرست قال ومنها المتصرفة أي في الصور المأخوذة عن الحس والمعاني المدركة بالوهم بتركيب بعضها مع بعض وتفصيل بعضها عن بعض كتصور إنسان له رأسان أو لا رأس له وتصور العدو صديقا وبالعكس وهي دائما لا تسكن نوما ولا يقظة وبها يقتنص الحد الأوسط باستعراض مافي الحافظة وهي المحاكية للمدركات والهيئات المزاجية وينتقل إلى الضد والشبيه وليس من شأنها أن يكون عملها منتظما بل النفس هي التي تستعملها على أي نظام تريد إما بواسطة القوة الوهمية من غير تصرف عقلي وحينئذ تسمى متخيلة أو بواسطة القوة العقلية وحدها أو مع الوهمية وحينئذ تسمى مفكرة قال خاتمة مما علم بالتشريح أن للدماغ تجاويف ثلاثة أعظمها البطن الأول وأصغرها البطن الأوسط وهو كمنفذ من البطن المقدم إلى البطن المؤخر وقد دل اختلال الحس المشترك بآفة تعرض لمقدم البطن الأول من الدماغ دون غيره من أجزاء الدماغ على أنه محله وهكذا الدليل على كون الخيال في مؤخر البطن الأول وكون المتخيلة في البطن الأوسط وكون الوهم مقدم البطن الأخير وكون الحافظة في آخره وأما الدليل على تعدد هذه القوى فهو اختلاف الآثار مع ما تقرر عندهم من أن الواحد لا يكون مبدأ للكثير فإن قيل القاعدة على تقدير ثبوتها إنما هي في الواحد من جميع الوجوه فلم لا يجوز أن يكون مدرك الكل هو النفس الناطقة أو قوة واحدة باعتبار شرائط وآلات مختلفة قلنا كون المدرك هي النفس والقوى الجسمانية آلات لها مذهب جمع من المحققين إلا أنه يشكل بوجود الإدراكات للحيوانات العجم وأما كون المدرك قوة واحدة جسمانية وهذه المحال آلات لها فمما لا سبيل إليه إذ لا يعقل آلية العضو لقوة جسمانية لا تكون حالة فيه ولا يخفى صعوبة إثبات بعض المقدمات الموردة في المقامين أعني إثبات تعدد القوى وتعيين محالها وقد يقال في تعيين محالها بطريق الحكمة والغاية أن الحس المشترك ينبغي أن يكون في مقدم الدماغ ليكون قريبا من الحواس الظاهرة فيكون التأدي إليه سهلا والخيال خلفه لأن خزانة الشيء ينبغي أن تكون كذلك ثم ينبغي أن يكون الوهم بقرب الخيال لتكون الصور الجزئية بحذاء معانيها الجزئية والحافظة بعده لأنها خزانته والمتخيلة في الوسط لتكون قريبة من الصور والمعاني فيمكنها الأخذ منهما بسهولة ( قال وتردد ابن سينا ) يشير إلى ما قال في الشفاء يشبه أن تكون القوة الوهمية هي نفسها للتذكرة والمتخيلة والمفكرة وهي نفسها الحاكمة فتكون بذاتها حاكمة وبحركاتها وأفعالها متخيلة ومتذكرة فتكون متفكرة بما يعمل في الصور والمعاني ومتذكرة بما ينتهي إليه عملها وله تردد أيضا في أن الحافظة مع المتذكرة أعني المسترجعة لما غاب عن الحفظ من مخزونات الوهم قوتان أم قوة واحدة قال واقتصر الأطباء لما كان نظرهم مقصورا على حفظ صحة القوى وإصلاح اختلالها ولم يحتاجوا إلى معرفة الفرق بين القوى وتحقيق أنواعها بل إلى معرفة أفعالها ومواضعها وكانت الآفات العارضة لها قد تتجانس اقتصروا على قوة في البطن المقدم من الدماغ سموها الحس المشترك والخيال وأخرى في البطن الأوسط سموها المفكرة وهي الوهم وأخرى في البطن المؤخر سموها الحافظة والمتذكرة قال وأما المحركة لم يبسط الكلام في القوى المحركة بسطه في القوى المدركة لأن المباحث الكلامية لا تتعلق بهذه تعلقها بتلك والمراد بالمحركة أعم من الفاعلة للحركة والباعثة عليها وتسمى شوقية ونزوعية وتنقسم إلى شهوية وهي الباعثة على الحركة نحو ما يعتقد أو يظن نافعا وغضبية وهي الباعثة على الحركة نحو ما يعتقد أو يظن ضارا وأما الفاعلة فهي قوة من شأنها أن تبسط الفضل بإرحاء الأعصاب إلى خلاف جهة مبدأها لينبسط العضو المتحرك أي يزداد طولا وينتقص عرضا أو تقبضه بتمديد الأعصاب إلى جهة مبدأها لينقبض العضو المتحرك أي يزداد عرضا وينتقص طولا والعضلة عضو مركب من العصب ومن جسم شبيه بالعصب تنبت من أطراف العظام تسمى رباطا وعقبا ومن لحم احتشى به الفرج التي بين الأجزاء المنتفشة الحاصلة باشتباك العصب والرباط ومن غشاء تخللها والعصب جسم ينبت من الدماغ أو النخاع أبيض لدن لين في الانعطاف صلب في الانفصال ( قال وأما مبدأ الشوق ) قد يتوهم أن من القوى المحركة قوة أخرى هي مبدأ قريب للشوقية بعيد للفاعلة كالقوة التي ينبعث عنها شوق الألف بالشيء إلى مألوفه وشوق المحبوس إلى خلاصه وشوق النفس إلى الفعل الجميل فأشار إلى أن ذلك من قبيل القوى المدركة لأن مبدأ الشوق والنزوع تخيل أو تعقل قال ثم بعض هذه القوى يعني المدركة والمحركة قد تفقد في بعض أنواع الحيوان كالبصر في العقرب والخيال في الفراشة أو أشخاصه بحسب الخلقة كالأكمه ومن ولد مفقود بعض الحواس أو الحركات أو بحسب العارض كمن أصابه آفة أخلت ببعض إدراكاته أو حركاته قال المقالة الثانية فيما يتعلق بالمجردات وفيها فصلان
أولهما في النفس
والثاني في العقل لما عرفت من أن الجوهر المجرد إن تعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف فنفس وإلا فعقل وقد تطلق لفظ النفس على ما ليس بمجرد بل مادي كالنفس النباتية التي هي مبدأ أفاعيله من التغذية والتنمية والتوليد والنفس الحيوانية التي هي مبدأ الحس والحركة الإرادية وتجعل النفس الأرضية اسما لهما أو للنفس الناطقة الإنسانية فتفسر بأنها كمال أول لجسم طبيعي آلي ذي حياة بالقوة والمراد بالكمال ما يكمل به النوع في ذاته ويسمى كمال أول كهيئة السيف للحديد أو في صفاته ويسمى كمالا ثانيا كسائر ما يتبع النوع من العوارض مثل القطع للسيف والحركة للجسم والعلم للإنسان فإن قيل قد سبق أن الحركة كمال أول قلنا نعم بالنظر إلى ما هو بالقوة من حيث هو بالقوة فإنه أول ما يحصل له بعد مالم يكن وإما بالنظر إلى ذات الجسم فكمال ثان والمراد بالجسم ههنا الجنس أعني المأخوذ لا بشرط أن يكون وحده أو لا وحده بل مع تجويز أن يقارنه غيره وأن لا يقارنه لأنها الطبيعة الجنسية الناقصة التي إنما تتم وتكمل نوعا بانضمام الفصل إليه لا المأخوذ بشرط أن يكون وحده لأنها مادة متقدمة بالوجود على النوع غير محمولة عليه والنفس بالنسبة إليه صورة لا كمال يجعله نوعا بالفعل وقد سبق تحقيق ذلك في بحث الماهية وإنما أخذ الجسم في تعريف النفس لأنه اسم لمفهوم إضافي هو مبدأ صدور أفاعيل الحياة عن الجسم من غير نظر إلى كونه جوهرا أو عرضا مجردا أو ماديا فلا بد من أخذه في تعريف النفس لا من حيث ذاتها بل من حيث لها تلك العلاقة لها كالبناء في تعريف الباني والمراد بالطبيعي ما يقابل الصناعي وبالآلي ما يكون له قوى وآلات مثل الغاذية والنامية ونحو ذلك فخرج بالقيود السابقة الكمالات الثانية وكمالات المجردات والأعراض وهيئات المركبات الصناعية وبالآلي صور البسائط والمعدنيات إذ ليس فعلها بالآلات لا يقال قيد ذي حياة بالقوة مغن عن ذلك لأنا نقول ليس معناه أن يكون ذلك الجسم حيا ولا ان يصدر عنه جميع أفعال الحياة وإلا لم يصدق التعريف إلا على النفس الإنسانية دون النباتية والحيوانية بل أن يكون بحيث يمكن أن يصدر عنه بعض أفعال الأحياء وإن لم يتوقف على الحياة ولا خفاء في أن البسائط والمعدنيات كذلك وفائدة هذا القيد الاحتراز عن النفس السماوية عند من يرى أن النفس إنما هي للفلك الكلي وأن ما فيه من الكواكب والأفلاك الجزئية بمنزلة آلات له فتكون جسما آليا إلا أن ما يصدر عنه من التعقلات والحركات الإرادية التي هي من أفاعيل الحياة تكون دائما وبالعقل لا كأفاعيل النبات والحيوان من التغذية والتنمية وتوليد المثل والإدراك والحركة الإرادية والنطق أعني تعقل الكليات فإنها ليست دائمة بل قد تكون بالقوة وإما عند من يرى أن لكل كرة نفسا وأنها ليست من الأجسام الآلية فلا حاجة إلى هذا القيد ولهذا لم يذكره الأكثرون وذهب أبو البركات إلى أنه إنما يذكر عوض قولهم آلي فيقال كمال أول طبيعي لجسم ذي حياة بالقوة وعبارة القدماء كمال أول طبيعي لجسم آلي واحترزوا بطبيعي عن الكمالات الصناعية كالتشكيلات الحاصلة بفعل الإنسان ثم قال وقد يقال كمال أول لجسم طبيعي آلي بتأخير طبيعي وهو إما غلط في النقل وإما مقصود به المعنى الذي ذكرنا فظهر أن ما يقال من أن بعضهم رفع طبيعي بصفة الكمال ليس معناه أنه يرفع مع التأخير صفة الكمال ويخفض بعده آلي صفة لجسم فإنه في غاية القبح وكذا لو رفع آلي أيضا صفة لكمال مع ذكر ذي حياة صفة لجسم بل معناه أنه يقدم فيرفع على ما قال الإمام أن بعضهم جعل الطبيعي صفة للكمال فقال كمال أول طبيعي لجسم آلي فإن قيل فعلى ما ذكر من أن قيد ذي حياة بالقوة لإخراج النفس السماوية يكون قولنا كمال أول لجسم طبيعي آلي معنى شاملا للأرضية والسماوية صالحا لتعريفهما به وقد صرحوا بأن إطلاق النفس عليهما بمحض اشتراك اللفظ إذ اللفظ الأولي باعتبار أفعال مختلفة والثانية باعتبار فعل مستمر على نهج واحد وأنه لا يتناولهما رسم واحد إذ لو اقتصر على مبدائية فعل ما دخلت صور البسائط والعنصريات وإن اشترط القصد والإرادة خرجت النفس النباتية وإن اعتبر اختلاف الأفعال خرجت الفلكية قلنا مبنى هذا التصريح على المذهب الصحيح وهو أن لكل فلك نفسا وليس للنفوس السماوية اختلاف أفعال وآلات على أنه أيضا موضع نظر لما ذكر في الشفاء من أن النفس اسم لمبدأ صدور أفاعيل ليست على وتيرة واحدة عادمة للإرادة ولا خفاء في أنه معنى شامل لها صالح لتعريفهما على المذهبين لأن فعل النفس السماوية ليس على نهج واحد عادم للإرادة بل على أنهاج مختلفة على رأي وعلى نهج واحد مع الإرادة على الصحيح فإن قيل النفس كما أنها كمال للجسم من حيث أنه بها يتم ويتحصل نوعا كذلك هي صورة له من حيث أنها تقارن المادة فيحصل جوهر نباتي أو حيواني وقوة له من حيث أنها مبدأ صدور أفعاله فلم أؤثر في تعريفهما الكمال على الصورة والقوة وما ذكروا من أنا نجد بعض الأجسام يختص بصدور آثار مختلفة عنها فيقطع بأن ذلك ليس بجسميتها المشتركة بل لمبادىء خاصة نسميها نفسا بل ربما يشعر بأن الأولى ذكر القوة قلنا أما إيثاره على الصورة فلأنها بالحقيقة اسم لما يحل المادة فلا يتناول النفس الإنسانية المجردة إلا بتجوز أو تجديد اصطلاح ولأنها تقاس إلى المادة والكمال إلى النوع ففي تعريف المعنى الذي به يتحصل الجسم فيصير أحد الأنواع ومصدر الأفعال يكون المقيس إلى أمر هو نفس ذلك المتحصل أولى من المقيس إلى أمر بعيد لا يكون هو معه إلا بالقوة ولا ينتسب إليه شيء من الأفاعيل هذا ملخص كلام الشفاء وتقرير الإمام أن المقيس إلى النوع أولى لأن في الدلالة على النوع دلالة على المادة لكونها جزأ منه من غير عكس ولأن النوع أقرب إلى الطبيعة الجنسية من المادة وكان معناه أن النفس تقاس إلى الطبيعة الجنسية المبهمة الناقصة التي إنما تتحصل وتتم نوعا لما ينضاف إليها من الفصل بل النفس فتعريفها بالكمال المقيس إلى النوع الذي هو أقرب إلى الجنس من حيث أنهما متحدان في الوجود لا يتمايزان إلا في العقل بأن أخذ هذا مبهما وذاك متحصلا يكون أولى هذا وقد يتوهم مما ذكره الإمام أن النفس كمال بالقياس إلى أن الطبيعة الجنسية كانت ناقصة وبانضياف الفصل إليها كمل النوع أن الكمال يكون بالقياس إلى الطبيعة الجنسية على ما صرح به في المواقف وحينئذ يكون توسيط النوع وكونه أقرب إلى طبيعة الجنس مستدركا وهو فاسد على مالا يخفى واما إيثاره على القوة فلأنها لفظ مشترك بين مبدأ الفعل كالتحريك ومبدأ القبول والانفعال كالإحساس وكلاهما معتبر في العقل وفي الاقتصار على أحدهما مع أنه إخلال بما هو مدلول النفس استعمال للمشترك في التعريف وكذا في اعتبارهما جميعا ولأن الشيء إنما يكون نفسا بكونه مبدأ الآثار ومكمل النوع ولفظ القوة لا يدل إلا على الأول بخلاف لفظ الكمال ولا شك أن تعريف الشيء بما ينبئ عن جميع الجهات المعتبرة فيه يكون أولى ففي الجملة لما أمكن تفسير النفس بما يعم السماويات والأرضيات ثم تمييز كل بما يخصها وكان ذلك أقرب إلى الضبط أثره في المتن فإن قيل قد ذكروا أن للسماويات حسا وحركة وتعقلا كليا فعلى هذا لا يصلح ذلك مميز الحيوانية والإنسانية قلنا ذكر في الشفاء أن المراد بالحس ههنا ما يكون على طريق الانفعال وارتسام المثال وبالتعقل ما هو شأن العقل الهيولاني والعقل بالملكة وأمر السماويات ليس كذلك قال ثم مقتضى قواعدهم يعني أن مقتضى ما ذكروا من أن كل نفس مبدأ لآثار مخصوصة وأن لكل نوع من الأجسام صورة نوعية هي جوهر حال في المادة وأن البدن الإنساني يتم جسما خاصا ثم تتعلق به النفس الناطقة يقتضي أن يكون في الإنسان نفس هي مبدأ تعقل الكليات وكذا في كل حيوان بخواصه وأخرى مبدأ الحركات والإحساسات وأخرى مبدأ التغذية والتنمية وتوليد المثل لكن ذكر في شرح الإشارات وغيره أن ليس الأمر كذلك بل المركبات منها ما له صورة معدنية يقتصر فعلها على حفظ المواد المجتمعة من الاسطقسات المتضادة بكيفياتها المتداعية إلى الانفكاك لاختلاف ميولها إلى أمكنتها المختلفة ومنها ما له صورة يسمى نفسا نباتية يصدر عنها مع الحفظ المذكور جمع أجزاء أخر من الاسطقسات وإضافتها إلى مواد المركب وصرفها في وجوه التغذية والإنماء والتوليد ومنها ما له صورة يسمى نفسا حيوانية يصدر عنها مع الأفعال النباتية والحفظ المذكور الحس والحركة الإرادية ومنها ما له نفس مجردة يصدر عنها مع الأفعال السابقة كلها النطق وما يتبعه قال وأما عندنا يعني لما لم يثبت عند المتكلمين اختلاف أنواع الأجسام واستناد الآثار إليها ليحتاج إلى فصول منوعة ومبادي مختلفة بنوا إثبات النفس على الأدلة السمعية والتنبيهات العقلية مثل أن البدن وأعضاءه الظاهرة والباطنة دائما في التبدل والتحلل والنفس بحالها وأن الإنسان الصحيح العقل قد يغفل عن البدن وأجزائه ولا يغفل بحال عن وجود ذاته وأنه قدير ما يمانعه البدن مثل الحركة إلى العلو وبالجملة قد اختلفت كلمة الفريقين في حقيقة النفس فقيل هي النار السارية في الهيكل المحسوس وقيل الهواء وقيل الماء وقيل العناصر الأربعة والمحبة والغلبة أي الشهوة والغضب وقيل الإختلاط الأربعة وقيل الدم وقيل نفس كل شخص مزاجه الخاص وقيل جزء لا يتجزأ في القلب وكثير من المتكلمين على أنها الأجزاء الاصلية الباقية من أول العمر إلى آخره وكان هذا مراد من قال هي هذا الهيكل المحسوس والبنية المحسوسة أي التي من شأنها أن يحس بها وجمهورهم على أنها جسم مخالف بالماهية للجسم الذي يتولد منه الأعضاء نوراني علوي خفيف حي لذاته نافذ في جواهر الأعضاء سار فيها سريان ماء الورد في الورد والنار في الفحم لا يتطرق إليه تبدل ولا انحلال بقاؤه في الأعضاء حياة وانتقاله عنها إلى عالم الأرواح موت وقيل أنها أجسام لطيفة متكونة في القلب سارية في الأعضاء من طريق الشرايين أي العروق الضاربة أو متكونة في الدماغ نافذة في الأعصاب النابتة منه إلى جملة البدن واختيار المحققين من الفلاسفة وأهل الإسلام أنها جوهر مجرد في ذاته متعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف ومتعلقه أو لا وهو ما ذكره المتكلمون من الروح القلبي المتكون في جوفه الأيسر من بحار الغذاء ولطيفه ويفيده قوة بها تسري في جميع البدن فتفيد كل عضو قوة بها يتم نفعه من القوى المذكورة فيما سبق احتج القائلون بكونها من قبيل الأجسام بوجوه
الأول أن المدرك للكليات أعني النفس هو بعينه المدرك للجزئيات لأنا نحكم بالكلي على الجزئي كقولنا هذه الحرارة حرارة والحاكم بين الشيئين لا بد أن يتصورهما والمدرك للجزئيات جسم لأنا نعلم بالضرورة أنا إذا لمسنا النار كان المدرك لحرارتها هو العضو اللامس ولأن غير الإنسان من الحيوانات يدرك الجزئيات مع الاتفاق على أنا لا نثبت لها نفوسا مجردة ورد بأنا لا نسلم أن المدرك لهذه الحرارة هو العضو اللامس بل النفس بواسطته ونحن لا ننازع في أن المدرك للكليات والجزئيات هو النفس لكن للكليات بالذات وللجزئيات بالآلات وإذا لم يجعل العضو مدركا أصلا لا يلزم أن يكون الإدراك مرتين والإنسان مدركين على ما قيل ويمكن دفعه بأنه يستلزم إما إثبات النفوس المجردة للحيوانات الأخر وإما جعل إحساساتها للقوى والأعضاء وإحساسات الإنسان للنفس بواسطتها مع القطع بعدم التفاوت الثاني أن كل واحد منا يعلم قطعا أن المشار إليه بأنا وهو النفس متصف بأنه حاضر هناك وقائم وقاعد وماش وواقف ونحو ذلك من خواص الأجسام والمتصف بخاصة الجسم جسم وقريب من ذلك ما يقال أن للبدن إدراكات هي بعينها إدراكات المشار إليه بأنا أعني النفس مثل إدراك حرارة النار وبرودة الجمد وحلاوة العسل وغير ذلك من المحسوسات فلو كانت النفس مجردة أو مغايرة للبدن امتنع أن تكون صفتها عين صفته والجواب أن المشار إليه بأنا وإن كان هو النفس على الحقيقة لكن كثيرا ما يشار به إلى البدن أيضا لشدة ما بينهما من التعلق فحيث توصف بخواص الأجسام كالقيام والقعود وكإدراك المحسوسات عند من يجعل المدرك نفس الأعضاء والقوى لا النفس بواسطتها فالمراد به البدن وليس معنى هذا الكلام أنها لشدة تعلقها بالبدن واستغراقها في أحواله الغفل فيحكم عليها بما هو من خواص الأجسام على ما فهمه صاحب الصحائف ليلزم كونها في غاية الغفلة الثالث أنها لو كانت مجردة لكانت نسبتها إلى جميع الأبدان على السواء فلم تتعلق ببدن دون آخر وعلى تقدير التعلق جاز أن تنتقل من بدن إلى بدن آخر وحينئذ لم يصلح القطع بأن زيدا الآن هو الذي كان بالأمس ورد بأنا لا نسلم أن نسبتها إلى الكل على السواء بل لكل نفس بدن لا يليق بمزاجه واعتداله إلا تلك النفس الفائضة بحسب استعداده الحاصل باعتداله الخاص الرابع النصوص الظاهرة من الكتاب والسنة تدل على أنها تبقى بعد خراب البدن وتتصف بما هو من خواص الأجسام كالدخول في النار وعرضها عليها وكالترفرف حول الجنازة وككونها في قناديل من نور أو في جوف طيور خضر وامثال ذلك ولا خفاء في احتمال التأويل وكونها على طريق التمثيل ولهذا تمسك بها القائلون بتجرد النفوس زعما منهم أن مجرد مغايرتها للبدن يفيد ذلك وقد يستدل بأنها لا دليل على تجردها فيجب أن لا تكون مجردة لأن الشيء إنما يثبت بدليله وهو مع ابتنائه على القاعدة الواهية بعارض بأنه لا دليل على كونها جسما أو جسمانيا فيجب أن لا تكون كذلك قال احتجوا أي القائلون بتجرد النفس بوجوه
الأول أنها تكون حلا لأمور يمتنع حلولها في الماديات وكل ما هو كذلك يكون مجردا بالضرورة أما بيان كونها محلا لأمور هذا شأنها فلأنها تتعقلها وقد سبق أن التعلق إنما يكون بحلول الصورة وانطباع المثال والمادي لا يكون صورة لغير المادي ومثالا له وأما بيان تلك الأمور وامتناع حلولها في المادة فهو أن من جملة معقولاتها الواجب وإن لم يكن تعقله بالكنه والجواهر المجردة وإن لم نقل بوجودها في الخارج إذ ربما يعقل المعنى فيحكم بأنه موجودا وليس بموجود ولا خفاء في امتناع حلول صورة المجرد في المادي ومنها المعاني الكلية التي لا يمنع نفس تصورها الشركة كالإنسانية المتناولة لزيد وعمرو فإنها يمتنع اختصاصها بشيء من المقادير والأوضاع والكيفيات وغير ذلك ما لا ينفك عنه الشيء المادي في الخارج بل يجب تجردها عن جميع ذلك وإلا لم تكن متناولة لما ليس له ذلك والحاصل أن الحلول في المادي يستلزم الاختصاص بشيء من المقادير والأوضاع والكيفيات وغير ذلك والكلية تنافي ذلك فلو لم تكن النفس مجردة لم تكن محلا للصورة الكلية عاقلة لها واللازم باطل ومنها المعاني التي لا تقبل الانقسام كالوجود والوحدة والنقطة وغير ذلك وإلا لكان كل معقول مركبا من أجزاء غير متناهية بالفعل وهو محال ومع ذلك فالمط وهو وجود مالا ينقسم أصلا حاصل لأن الكثرة عبارة عن الوحدات وإذا كان من المعقولات ما هو واحد غير منقسم لزم أن يكون محله العاقل له غير جسم بل مجردا لأن الجسم والجسماني منقسم وانقسام المحل مستلزم لانقسام الحال فيما يكون الحلول لذات المحل كحلول السواد والحركة والمقدار في الجسم لا لطبيعة تلحقه كحلول النقطة في الخط لتناهيه وكحلول الشكل في السطح لكونه ذا نهاية واحدة أو أكثر وكحلول المحاذاة في الجسم من حيث وجود جسم آخر على وضع ما فيه وكحلول الوحدة في الأجزاء من حيث هي مجموع ومنها المعاني التي لا يمكن اجتماعها إلا في المجردات دون الجسم كالضدين وكعدة من الصور والأشكال فإنه لا تزاحم بينها في العقل بل نتصورها ونحكم فيما بينها بامتناع الاجتماع في محل واحد من المواد الخارجية حكما ضروريا وهذا الوجه من الاحتجاج يمكن أن يجعل وجوها أربعة بأن يقال لو كانت النفس جسما لما كانت عاقلة للمجردات أو للكليات أو للبسائط أو للمتمانعات والجواب أن مبنى هذا الاحتجاج على مقدمات غير مسلمة عند الخصم منها أن تعقل الشيء يكون بحلول صورته في الحال لا بمجرد إضافة بين العاقل والمعقول ومنها أن النفس لو لم تكن مجردة لكانت منقسمة ولم يجز أن تكون جوهرا وضعيا غير منقسم كالجزء الذي لا يتجزأ ومنها أن الشيء إذا كان مجردا كانت صورته الإدراكية مجردة يمتنع حلولها في المادي ولم يجز أن تكون حالة في جسم عاقل لكنها إذا وجدت في الخارج كانت ذلك الشيء المجرد ومنها أن صورة الشيء إذا اختصت بوضع ومقدار وكيفية لحلولها في جسم كذلك كان الشيء أيضا مختصا بذلك ولم يجز أن يكون في ذاته غير مختص بشيء من الأوضاع والكيفيات والمقادير ومنها أن الشيء إذا لم يقبل الانقسام كانت صورتها الحاصلة في العاقل كذلك ولم يجز أن تكون منقسمة بانقسام المحل العاقل مع كون الشيء غير منقسم لذاته ولا لحلوله في منقسم ومنها أن الشيئين إذا كانا بحيث يمتنع اجتماعهما في محل كالسواد والبياض كانت الصورتان الحاصلتان منهما في الجوهر العاقل كذلك وقد سبق أن صورة الشيء قد تخالفه في كثير من الأحكام ومنها أن اجتماعهما في العاقل لا يجوز أن يكون لقيام كل منهما بجزء منه ومنها أن انقسام المحل يستلزم انقسام الحال فيه لذاته ليمتنع حلول البسيط في العاقل الجسماني المنقسم البتة بناء على نفي الجزء الذي لا يتجزأ ولا يخفى أن بعض هذه المقدمات مما قامت عليه الحجة قال الثاني أي من الوجوه الاحتجاج على تجرد النفس أنها متصفة بصفات لا توجد للماديات وكل ما هو كذلك يكون مجردا بالضرورة بيان الأول أنها تدرك ذاتها وآلاتها وإدراكاتها ولا يلحقها بكثرة الإدراكات وضعف القوى البدنية ضعف وكلال بل ربما تصير أقوى وأقدر على الإدراك ولا شيء من القوى الجسمانية كذلك وهذا يمكن أن يجعل وجودها
أحدها أنها تدرك ذاتها وآلاتها وإدراكاتها والمدرك الجسماني ليس كذلك كالباصرة والسامعة والوهم والخيال لأنها إنما تعقل بتوسط آلة ولا يمكن توسط الآلة بين الشيء وذاته وآلته وإدراكاته وثانيهما أن النفس لا تضعف في التعقل عند ضعف البدن واعضائه وقواه بل تثبت علمه أو تزيد فإن الإنسان في سن الانحطاط يكون أجود تعقلا منه في سن النمو لما حصل له من التمرن على الإدراكات واستحضار صور المدركات وكذا عند توالي الأفكار المؤدية إلى العلوم مع ضعف الدماغ بكثرة الحركات وعند كسر سورة القوى البدنية بالرياضات فلو كان تعلقها بآلات بدنية لكانت تابعة لها في الضعف والكلال وثالثها أنها لو كانت من الماديات لوهنت بكثرة الأفعال والحركات لأن ذلك شأن القوى الجسمانية بحكم التجرية والقياس أيضا فإن صدور الأفعال عن القوى الجسمانية لا يكون إلا مع انفعال لموضوعاتها كتأثر الحواس عن المحسوسات في المدركة وكتحرك الأعضاء عند تحريك غيرها في المحركة والانفعال لا يكون إلا عن قاسر يقهر طبيعة المنفعل ويمنعه عن المقاومة فيوهنه وهم معترفون بأن الوجوه الثلاثة إقناعية لا برهانية لجواز أن تدرك بعض الجسمانيات ذاتها وإدراكاتها من غير توسط آلة وكذا لما هو آلة لها في سائر الإدراكات وأن يكون كمال القوة الجسمانية العاقلة يتعلق بقدر من الصحة والمزاج يبقى مع ضعف البدن أو بعضو لا يلحقه الاختلال أو يتأخر اختلاله وأن يكون حالها بخلاف حال سائر القوى في الكلال والانفعال قال الثالث لو كانت النفس الناطقة جوهرا ساريا في جسم أو عرضا حالا فيه لزم أن يكون تعقلها لذلك الجسم سواء كان تمام البدن أو بعض أعضائه كالقلب والدماغ دائما أو غير واقع أصلا واللازم باطل لأن البدن أو أعضاءه مما يعقل تارة ويغفل عنه أخرى بحكم الوجدان وجه اللزوم أنه إما أن يكفي في تعقل ذلك حضوره بنفسه أو لا بل يتوقف على حضور الصورة منه كإدراك الأمور الخارجة فإن كان الأول لزم الأول لوجوب وجود الحكم عند تمام العلة كإدراك النفس لذاتها ولصفاتها الحاصلة لها لا بالمقايسة إلى لغير ككونها مدركة لذاتها بخلاف ما يكون حصولها للنفس بعد المقايسة إلى الأشياء المغايرة لها ككونها مجردة عن المادة غير حاصلة في الموضوع فإنها لا تدركها دائما بل حال المقايسة فقط وإن كان الثالث لزم الثاني لأنه لو حصل لها تعقل ذلك الجسم في وقت دون وقت كان ذلك لحصول صورته لها بعد مالم تكن وإذ قد فرضنا النفس مادية حاصلة في ذلك الجسم لزم كون تلك الصورة حاصلة فيه فلزم في مادة معينة اجتماع صورتين لشيء واحد أعني الصورة المستمرة الوجود لذلك الجسم حالتي التعقل وعدمه والصورة المتحددة التي تحصل له حال تعقل النفس إياه وذلك محال لأن الصورتين متغايرتان ضرورة والأشخاص المتحددة الماهية يمتنع أن تتغاير من غير تغاير المواد وما يجري مجراها ومبنى هذا الاحتجاج على أن ليس الإدراك مجرد إضافة مخصوصة بين المدرك والمدرك بل لا بد من حضور صورة من المدرك عند المدرك وإلا لجاز أن لا يكون حصول الصورة العينية لذلك الجسم كافيا في تعقله ومع هذا لا يحتاج إلى انتزاع الصورة بل إلى حصول شرائط تلك الإضافة المخصوصة وأيضا لا تماثل بين الصورتين لأن المنتزعة حالة في النفس والأصلية في الجسم بل في مادته
ولو جعلنا مثلين من جهة كونهما صورة لشيء واحد من غير اختلاف إلا في كون إحداهما منتزعة قائمة بالنفس والأخرى اصلية قائمة بالمادة فاجتماع المثلين إنما يمتنع من جهة ارتفاع التمايز على ما سبق وههنا الامتياز باق وإن جعلا قائمين لشيء واحد لأن قيام المنتزعة بواسطة النفس بخلاف الأصلية على أن الحق أن قيامها بمادة الجسم وقيام المنتزعة بالجسم نفسه وأن ذلك إنما يلزم لو كان حلول النفس في ذلك الجسم حلول العرض في محله لا بطريق مداخلة الأجزاء ( قال ثم بنوا ) يشير إلى أن للأفلاك نفوسا مجردة لتعقل الكليات وقوى جسمانية لتخيل الجزئيات وذلك لأن حركاتها المستديرة ليست طبيعية لأن الحركة الطبيعية تكون عن حالة منافرة إلى حالة ملائمة فلو كانت طبيعية لزم في الوصول إلى كل نقطة أن يكون مطلوبا بالطبع من حيث الحركة إليها ومهروبا عنه بالطبع من حيث الحركة عنها وهو محال ولا يلزم ذلك في الحركة المستقيمة لأن الحركة إلى النقطة التي فيما بين المبدأ والمنتهى ليست لأن الوصول إليها مطلوب بالطبع بل لأن الوصول إلى المطلوب بالطبع أعني الحصول في الحيز لا يمكن بدون ذلك ولا كذلك حال المستديرة أما فيما لا ينقطع عند تمام دوره فظاهر وأما فيما ينقطع فلأن المطلوب بالطبع لو كان هو الوصول إلى نقطة الانقطاع لكان مقتضى طبع كل جزء من أجزاء الجسم الواحد البسيط شيئا آخر وهو الحيز الذي يقع فيه ذلك الجزء عند الانقطاع ولكان مقتضى الطبع إيثار الطريق الأطول على الأقصر ولا قسرية لأنها إنما تكون على خلاف الطبع فحيث لا طبع فلا قسر وعلى وفق القاسر فلا تختلف في الجهة والشرعة والبطؤ فتعين أن تكون إرادية مقرونة بالإدراك ولا يكفي لجزئياتها وخصوصياتها تعقل كلي لأن نسبته إلى الكل على السواء ولا إدراكات جزئية وتخيلات محضة لاستحالة دوامها على نظام واحد من غير انقطاع واختلاف كيف وقد ثبت لزوم تناهي القوى الجسمانية فإذن لا بد لتلك الحركات من إرادات وإدراكات جزئية وقد تقرر أن ذلك لا يمكن إلا بقوى جسمانية ومن إرادات وتعقلات كلية وقد تقرر أن ذلك لا يكون إلا للذات المجردة فثبت أن المباشر لتحريك الأفلاك قوى جسمانية هي بمنزلة النفوس الحيوانية لأبداننا ونفوس مجردة ذوات إرادات عقلية وتعقلات كلية هي بمنزلة نفوسنا الناطقة واعترض بعد تسليم انحصار الحركة في الطبيعية والقسرية والإرادية وأن التعقل الكلي لا يكون إلا للمجردات ولا الجزئي إلا بالجسمانيات بأنا لا نسلم لزوم كون المطلوب بالطبع متروكا بالطبع لم لا يجوز أن يكون المطلوب بالطبع نفس الحركة لا شيأ من الأيون والأوضاع التي تترك ولا نسلم أن القسر لا يكون إلا على خلاف الطبع وأن القاسر لا يكون إلا متشابها ليلزم تشابه الحركات وأن الكلي من الإرادة والإدراك لا يصلح مبدأ لخصوصيات الحركات لم لا يجوز أن تستند الحركات المتعاقبة إلى إرادات وإدراكات كلية متعاقبة لا إرادة وإدراك للحركة على الإطلاق وتحقيق ذلك ما أشار إليه ابن سينا في الإشارات من أن المطلوب بالحركة الوضعية لا يكون إلا الوضع المعين ويمتنع أن يكون موجودا لأن الحاصل لا يطلب وأن يكون في الحركة السرمدية جزئيا لأن الحركة المتوجهة إليه تنقطع عنده فمطلوب إرادة الفلك يجب أن يكون وضعا معينا مفروضا كليا تفرضه الإرادة وتتجه إليه بالحركة والتعين لا ينافي الكلية لأن كل واحد من كل كلي فله مع كليته تعين يمتاز به عن سائر آحاد ذلك الكلي واعلم أن المشهور من مذهب المشائيين والمذكور في النجاة والشفاء أن النفوس الفلكية قوى جسمانية منطبعة في المواد بمنزلة نفوسنا الحيوانية وصرح في الإشارات بأن لها نفوسا مجردة بمنزلة نفوسنا الناطقة فقال الإمام فيجب أن يكون لكل فلك نفس مجردة هي مبدأ الإرادة الكلية ونفس منطبعة هي مبدأ الإرادة الجزئية ورد عليه الحكيم المحقق بأن هذا مما لم يذهب إليه أحد وأن الجسم الواحد يمتنع أن يكون ذا نفسين أعني ذا ذاتين متباينتين هو آلة لهما بل الإرادات الجزئية تنبعث عن إرادة كلية ومبدؤهما نفس واحدة مجردة تدرك المعقولات بذاتها والجزئيات بجسم الفلك وتحرك الفلك بواسطة صورته النوعية التي هي باعتبار تحريكها قوة كما في نفوسنا وأبداننا بعينها ولا يخفى أن هذا مناقشة في اللفظ حيث سمى تلك الصورة والقوة نفسا قال المبحث الثاني ذهب جمع من قدماء الفلاسفة إلى أن النفوس الحيوانية والإنسانية متماثلة متحدة الماهية واختلاف الأفعال والإدراكات عائد إلى اختلافات الآلات وهذا لازم على القائلين بأنها أجسام والأجسام متماثلة لا تختلف إلا بالعوارض وأما القائلون بأن النفوس الإنسانية مجردة فذهب الجمهور منهم إلى أنها متحدة الماهية وإنما تختلف في الصفات والملكات لاختلاف الأمزجة والأدوات وذهب بعضهم إلى انها مختلفة بالماهية بمعنى أنها جنس تحته أنواع مختلفة تحت كل نوع أفراد متحدة الماهية متناسبة الأحوال بحسب ما يقتضيه الروح العلوي المسمى بالطباع التام لذلك النوع ويشبه أن يكون قوله عليه السلام الناس معادن كمعادن الذهب والفضة وقوله عليه السلام الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف إشارة إلى هذا وذكر الإمام في المطالب العالية أن هذا المذهب هو المختار عندنا وأما بمعنى أن يكون كل فرد منها مخالفا بالماهية لسائر الأفراد حتى لا يشترك منهم اثنان في الحقيقة فلم يقل به قائل تصريحا كذا ذكره أبو البركات في المعتبر احتج الجمهور بأن ما يعقل من النفس ويجعل حدا لها معنى واحد مثل الجوهر المجرد المتعلق بالبدن والحد تمام الماهية وهذا ضعيف لأن مجرد التحديد بحد واحد لا يوجب الوحدة النوعية إذ المعاني الجنسية أيضا كذلك كقولنا الحيوان جسم حساس متحرك بالإرادة وإن ادعى أن هذا مقول في جواب السؤال بما هو عن أي فرد واي طائفة تفرض فهو ممنوع بل ربما يحتاج إلى ضم مميز جوهري وقد يحتج بأنها متشاركة في كونها نفوسا بشرية فلو تخالفت بفصول مميزة لكانت من المركبات دون المجردات والجواب بعد تسليم كون النفسية من الذاتيات دون العرضيات أن التركيب العقلي من الجنس والفصل لا ينافي التجرد ولا يستلزم الجسمية واحتج الآخرون بأن اختلاف النفوس وصفاتها لو لم يكن لاختلاف ماهياتها بل لاختلاف الأمزجة والأحوال البدنية والأسباب الخارجية لكانت الأشخاص المتقاربة جدا في أحوال البدن والأسباب الخارجة متقاربة البتة في الملكات والأخلاق من الرحمة والقسوة والكرم والبخل والعفة والفجور وبالعكس واللازم باطل إذ كثيرا ما يوجد الأمر بخلاف ذلك بل ربما يوجد الإنسان الواحد قد تبدل مزاجه جدا وهو على غريزته الأولى ولا خفاء في أن هذا من الإقناعيات الضعيفة لجواز أن يكون ذلك لأسباب أخر لا نطلع على تفاصيلها قال واستنادها يعني أن النفوس الإنسانية سواء جعلناها مجردة أو مادية حادثة عندنا لكونها أثر القادر المختار وإنما الكلام في أن حدوثها قبل البدن لقوله عليه السلام خلق الله الأرواح قبل الأجساد بألفي عام أو بعده لقوله تعالى بعد ذكر أطوار البدن ثم أنشأناه خلقا آخر إشارة إلى إفاضة النفس ولا دلالة في الحديث مع كونه خبرا واحدا على أن المراد بالأرواح النفوس البشرية والجواهر العلوية ولا في الآية على أن المراد أحداث النفس أو أحداث تعلقها بالبدن وأما الفلاسفة فمنهم من جعلها قديمة لوجهين
أحدهما أنها لو كانت حادثة لم تكن أبدية واللازم باطل بالاتفاق على ما سيجيء وجه اللزوم أن كل حادث فاسد أي قابل للعدم ضرورة كونه مسبوقا بالعدم وقبول العدم ينافي الأبدية لأن معناها دوام الوجود فيما يستقبل ورد بأنه إن أريد أنه قابل للعدم اللاحق فنفس المدعي وإن أريد الأعم فلا ينافي دوام وجوده لدوام علنه وثانيهما أنها لو كانت حادثة لم تكن مجردة بل مادية لما مر من أن كل حادث مسبوق بالمادة والمدة ورد بمنع الملازمة فإن ما مر على تقدير تمامه لا يفيد لزوم مادة يحلها الحادث بل يحلهما أو يتعلق بها وهذا لا ينافي كونه مجردا في ذاته وذهب أرسطو وشيعته إلى أنها حادثة لوجوه الأول أنها لو كانت قديمة لكانت قبل التعلق بالبدن معطلة ولا معطل في الطبيعة وجه اللزوم ما سيجيء في بطال التناسخ ولا يلزم ذلك فيما بعد المفارقة عن البدن لأنها تكون ملتذة بكمالاتها أو متألمة برذائلها وجهالاتها فتكون في شغل شاغل ورد بعد تسليم أن لا تعطيل في الطبيعة وأن ليس للنفس قبل البدن إدراكات وكمالات ولا تعلق لجسم آخر بأن الترصد لاكتساب الكمال شغل فلا تكون معطلة الثاني أنها مشروطة بمزاج خاص في البدن يناسبه نفس خاص يفيض عليه لتمام الاستعداد في القابل وعموم القبض من الفاعل والمشروط بالحادث حادث بالضرورة فإن قيل فيلزم أن ينعدم عند انعدام المزاج ضرورة انتفاء المشروط عند انتفاء الشرط قلنا يجوز أن يكون المزاج شرطا لحدوثها لا لبقائها كما في كثير من المعدات ورد بمنع الصغرى لجواز أن يكون المشروط بالمزاج تعلقها بالبدن لا وجودها الثالث وهو العمدة في إثبات المطلوب أن النفوس لو كانت قديمة فإما أن تكون في الأزل واحدة أو متعددة لا سبيل إلى الأول لأنها بعد التعلق بالبدن إما أن تبقى على وحدتها وهو باطل بالاتفاق والضرورة للقطع باختلاف الأشخاص في العلوم والجهالات وإما أن تتكثر بالانقسام والتجزي وهو على المجرد محال أو بزوال الواحد وحصول الكثير وهو قول بالحدوث ولا إلى الثاني لأن تمايزها إما بذاتها فينحصر كل في شخص ولا يوجد نفسان متماثلان والخصم يوافقنا على بطلانه وإما بالعوارض وهو أيضا باطل لأن اختلاف العوارض إنما يكون عند تغاير المواد ومادة النفس هي البدن ولا بدن في الأزل لأن المركبات العنصرية حادثة وفاقا ولو سلم فالكلام في النفوس المتعلقة بالأبد أن الحادثة الهالكة فتمايزها في الأزل بأبدان قديمة لا تتصور إلا بالانتقال عنها إلى هذه الأبدان وهو تناسخ وقد ثبت بطلانه على ما سنشير إليه فإن قيل لم لا يجوز أن يكون تمايزها بما يحل فيها كالشعور بهوياتها مثلا قلنا لأن هذا إنما يتصور بعد التمايز ليكون الحال في هذه مغايرا للحال في تلك فتعليل التمايز بذلك دور فإن قيل لو صح ما ذكرتم لزم عدم تمايزها بعد مفارقة الأبدان واضمحلالها لانتفاء العوارض المادية قلنا ممنوع لجواز أن يبقى تمايزها بما حصل لكل من خواصها التي لا توجد في الأخرى وأقلها الشعور بهويتها واعترض بوجهين أحدهما أنا لا نسلم بطلان كون كل فرد من أفراد النفوس نوعا منحصرا في الشخص إذ لم تقم حجة على أنه يجب أن توجد نفسان متحدتان في الماهية
وثانيهما أنا لا نسلم امتناع أن يوجد جسم قديم تتعلق به النفس في الأزل ثم تنتقل منه إلى آخر وآخر على سبيل التناسخ كيف وعمدتهم الوثقى في إبطال التناسخ مبنية على حدوث النفس كما سيجيء فلو بنى إثبات الحدوث على بطلان التناسخ كان دورا فإن قيل نحن نبين امتناع تعين النفس بالعوارض البدنية بوجه لا يتوقف على بطلان التناسخ بأن نقول لو كان تعين هذه النفس بالعوارض المتعلقة بهذا البدن لما كانت متعينه قبله فلم تكن موجودة سواء كان التناسخ حقا لو باطلا قلنا الملازمة ممنوعة لجواز أن تكون قبل هذا البدن متعينة ببدن آخر معين وقبله بآخر وآخر لا إلى بداية فتكون موجودة بتعينات متعاقبة فلا بد من إبطال ذلك وقد يجاب عن الاعتراضين بأن الكلام إلزامي على من سلم تماثل النفوس وبطلان التناسخ قال ثم النفس ناطقة يعني أن كل نفس تعلم بالضرورة أن ليس معها في هذا البدن نفس أخرى تدبر أمره وأن ليس لها تدبير وتصرف في بدن آخر فالنفس مع البدن على التساوي ليس لبدن واحد إلا نفس واحدة ولا تتعلق نفس واحدة إلا ببدن واحد أما على سبيل الاجتماع فظاهر وإما على سبيل التبادل والانتقال من بدن إلى بدن آخر فلوجوه الأول أن النفس المتعلقة بهذا البدن لو كانت منتقلة إليه من بدن آخر لزم أن تتذكر شيئا من أحوال ذلك البدن لأن العلم والحفظ والتذكر من الصفات القائمة بجوهرها الذي لا يختلف باختلاف أحوال البدن واللازم باطل قطعا الثاني أنها لو تعلقت بعد مفارقة هذا البدن ببدن آخر لزم أن يكون عدد الأبدان الهالكة مساويا لعدد الأبدان الحادثة لئلا يلزم تعطل بعض النفوس أو اجتماع عدة منها على التعلق يبدو واحدا وتعلق واحدة منها بأبدان كثيرة معا لكنا نعلم قطعا بأنه قد يهلك في مثل الطوفان العام أبدان كثيرة لا يحدث مثلها إلا في إعصار متطاولة الثالث أنه لو انتقل نفس إلى بدن لزم أن تجتمع فيه نفسان منتقلة وحادثة لأن حدوث النفس عن العلة القديمة يتوقف على حصول الاستعداد في القابل أعني البدن وذلك بحصول المزاج الصالح وعند حصول الاستعداد في القابل يجب حدوث النفس لما تقرر من لزوم وجود المعلول عند تمام العلة لا يقال لا بد مع ذلك من عدم المانع ولعل تعلق المنتقلة مانع ويكون لها الأولوية في المنع بمالها من الكمال لأنا نقول لا دخل للكمال في اقتضاء التعلق بل ربما يكون الأمر بالعكس فإذن ليس منع الانتقال للحدوث أولى من منع الحدوث للانتقال واعترض على الوجوه الثلاثة بعد تسليم مقدماتها بأنها إنما تدل على أن النفس بعد مفارقة البدن لا تنتقل إلى بدن آخر إنساني ولا يدل على إنها لا تنتقل إلى حيوان آخر من البهائم والسباع وغيرهما على ما جوزه بعض التناسخية وسماه مسخا ولا إلى نبات على ما جوزه بعضهم وسماه فسخا ولا إلى جماد على ما جوزه آخر وسماه رسخا ولا إلى جرم سماوي على ما يراه بعض الفلاسفة وإنما قلنا بعد تسليم المقدمات لأنه ربما يعترض على الوجه الأول بمنع لزوم التذكر وإنما يلزم لو لم يكن التعلق بذلك البدن شرطا أو الاستغراق في تدبير البدن الآخر مانعا أو طول العهد منسيا وعلى الثاني بمنع لزوم التساوي وإنما يلزم لو كان التعلق ببدن آخر لازما البتة وعلى الفور وإما إذا كان جائزا أو لازما ولو بعد حين فلا لجواز أن لا تنتقل نفوس الهالكين الكثيرين أو تنتقل بعد حدوث الأبدان الكثيرة وماتوهم من التعطل مع أنه لا حجة على بطلانه فليس بلازم لأن الابتهاج بالكمالات أو التألم بالجهالات شغل وعلى الثالث بأنه مبني على حدوث النفس وكون فاعلها قديما موجبا لا حادثا أو قديما مختارا وكون الشرط هو المزاج الصالح دون غيره من الأحوال والأوضاع الحادثة وكون المزاج مع الفاعل تمام العلة بحيث لا مانع أصلا والكل في حيز المنع ( قال وغاية متشبثهم ) يعني ليس للتناسخية دليل يعتد به وغاية ما تمسكوا به في إثبات التناسخ على الإطلاق أن انتقال النفس بعد المفارقة إلى جسم آخر إنساني أو غيره وجوه
الأول أنها لو لم تتعلق لكانت معطلة ولا معطل في الوجود وكلتا المقدمتين ممنوعة الثاني أنها مجبولة على الاستكمال والاستكمال لا يكون إلا بالتعلق لأن ذلك شأن النفس وإلا لكانت عقلا لا نفسا ورد بأنه ربما كان الشيء طالبا لكماله ولا يحصل لزوال الأسباب والآلات بحيث لا يحصل لها البدل
الثالث أنها قديمة لما سبق من الأدلة فتكون متناهية العدد لامتناع وجود مالا يتناهى بالفعل بخلاف ما لا يتناهى من الحوادث كالحركات والأوضاع وما يستند إليها فإنها إنما تكون على سبيل التعاقب دون الاجتماع والأبدان مطلقا بل الأبدان الإنسانية خاصة غير متناهية لأنها من الحوادث المتعاقبة المستندة إلى ما لا يتناهى من الأدوار الفلكية وأوضاعها فلو لم تتعلق كل نفس إلا ببدن واحد لزم توزع ما يتناهى على مالا يتناهى وهو محال بالضرورة ورد بمنع قدم النفوس ومنع لزوم تناهي القدماء لو ثبت فإن الأدلة إنما تمت فيماله وضع وترتيب وضع لا يتناهى الأبدان وعللها ومنع لزوم أن يتعلق بكل بدن نفس وإن أريد الأبدان التي صارت إنسانا بالفعل اقتصر على منع لا تناهيها قال والذي ثبت قد يتوهم أن من شريعتنا القول بالتناسخ فإن مسخ أهل مائدة قردة وخنازير رد لنفوسهم إلى أبدان حيوانات آخر والمعاد الجسماني رد لنفوس الكل إلى أبدان آخر إنسانية للقطع بأن الأبدان المحشورة لا تكون الأبدان الهالكة بعينها لتبدل الصور والأشكال بلا نزاع والجواب أن المتنازع هو أن النفوس بعد مفارقتها الأبدان تتعلق في الدنيا بأبدان آخر للتدبير والتصرف والاكتساب لا أن تتبدل صور الأبدان كما في المسخ أو أن تجمع أجزاؤها الأصلية بعد التفرق فترد إليها النفوس كما في المعاد على الإطلاق وكما في إحياء عيسى عليه السلام بعض الأشخاص قال وما يحكيه بعضهم يعني أن القول بالتناسخ في الجملة أي تعلق بعض النفوس بأبدان آخر في الدنيا محكى عن كثير من الفلاسفة إلا أنه حكاية لا تعضدها شبهة فضلا عن حجة ومع ذلك فالنصوص القاطعة من الكتاب والسنة ناطقة بخلافها وذلك أنهم ينكرون المعاد الجسماني أعني حشر الأجساد وكون الجنة والنار داري ثواب وعقاب ولذات وآلام حسية ويجعلون المعاد عبارة عن مفارقة النفوس الأبدان والجنة عن ابتهاجها بكمالاتها والنار عن تعلقها بأبدان حيوانات آخر تناسبها فيما اكتسبت من الأخلاق وتمكنت فيها من الهيئات معذبة بما يلقى فيها من الذل والهوان مثلا تتعلق نفس الحريص بالخنزير والسارق بالفأر والمعجب بالطاووس والشرير بالكلب ويكون لها تدرج في ذلك بحسب الأنواع والأشخاص أي تنزل من بدن إلى بدن هو أدنى في تلك الهيئة المناسبة مثلا تبتدي نفس الحريص من التعلق ببدن الخنزير ثم إلى ما دونه في ذلك حتى تنتهي إلى النمل ثم تتصل بعالم العقول عند زوال تلك الهيئة بالكلية ثم إن من المنتمين من التناسخية إلى دين الإسلام يروجون هذا الرأي بالعبارات المهذبة والاستعارات المستعذبة ويصرفون إليه بعض الآيات الواردة في أصحاب النار اجتراء على الله وافتراء على ما هو دأب الملاحدة والزنادقة ومن يجري مجراهم من الغاوين المغوين الذين هم شياطين الإنس الذين يوحون إلى العوام والقاصرين من المحصلين زخرف القول غرورا فمن جملة ذلك ما قالوا في قوله تعالى كلما نضجت جلودهم أي بالفساد بدلناهم جلودا غيرها أي بالكون وفي قوله تعالى كلما أرادوا أن يخرجوا منها أي من دركات جهنم التي هي أبدان الحيوانات وكذا في قوله تعالى فهل إلى خروج من سبيل وقوله تعالى ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون وفي قوله تعالى وما من دابة في الأرض الآية معناه أنهم كانوا مثلكم في الخلق والمعايش والعلوم والصناعات فانتقلوا إلى أبدان هذه الحيوانات وفي قوله تعالى كونوا قردة خاسئين أي بعد المفارقة وفي قوله تعالى ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم أي على صور الحيوانات المنتكسة الرؤوس إلى غير ذلك من الآيات ومن نظر في كتب التفسير بل في سياق الآيات لا يخفى عليه فساد هذه الهذيانات وجوز بعض الفلاسفة تعلق النفوس المفارقة ببعض الأجرام السماوية للاستكمال وبعضهم على أن نفوس الكاملين تتصل بعالم المجردات ونفوس المتوسطين تتخلص إلى عالم المثل المعلقة في مظاهر الأجرام العلوية على اختلاف مراتبهم في ذلك ونفوس الأشقياء إلى هذا العالم في مظاهر الظلمانيات والصور المستكرهة بحسب اختلاف مراتبهم في الشقاوة فيبقى بعضهم في تلك الظلمات أبدا لكون الشقاوة في الغاية وبعضهم ينتقل بالتدريج إلى عالم الأنواع المجردة وستعرف معنى المثل المعلقة قال المبحث الثالث يعني أن فناء البدن لا يوجب فناء النفس المغايرة له مجردة كانت أو مادية أي جسما حالا فيه لأن كونها مدبرة له متصرفة فيه لا يقتضي فناءها بفنائه لكن مجرد ذلك لا يدل على كونها باقية البتة فلهذا احتيج في ذلك إلى دليل وهو عندنا النصوص من الكتاب والسنة وإجماع الأمة وهي من الكثرة والظهور بحيث لا تفتقر إلى الذكر وقد أورد الإمام في المطالب العالية من الشواهد العقلية والنقلية في هذا الباب ما يفضي ذكره إلى الإطناب وأما الفلاسفة فزعموا أنه يمتنع فناء النفس بوجهين
أحدهما أنها مستندة إلى علة قديمة إما بالاستقلال فتكون أزلية أبدية وإما بشرط حادث هو المزاج الصالح فلا تكون أزلية لكنها أبدية لأن ذلك شرط للحدوث دون البقاء وعليه منع ظاهر وثانيهما أنها لو كانت قابلة للفناء والفساد وهي باقية بالفعل لكان فيها فعل البقاء وقوة الفساد وهما متغايران ضرورة ويمتنع أن يكون محلهما واحدا لأن محل قبول الشيء يكون باقيا معه موصوفا به ومحال أن يكون الباقي بالفعل باقيا مع الفناء والفساد والنفس جوهر بسيط محل للبقاء بالفعل فيمتنع أن يكون بعينها محلا لقوة الفساد أو مشتملة عليه فلا تكون هي ولا شيء من المجردات قابلة للفناء والفساد وإنما يكون ذلك للصور والأعراض ويكون القابل هو المادة الباقية فإن قيل قوة الفناء هي إمكان العدم وهو أمر اعتباري لا يقتضي وجود محل أجيب بأن المراد الإمكان الاستعدادي الذي يجتمع مع وجود الشيء لا الإمكان الذاتي الاعتباري ورد هذا الدليل بأنا لا نسلم أن قوة قبول الأمر العدمي كالفناء مثلا يقتضي وجود محل لها يجتمع مع المقبول ولو سلم فقد سبق أن الحدوث أيضا يقتضي مادة ويكفي المادة التي تتعلق بها النفس من غير خلول فلم لا يكفي مثلها في قوة الفناء وقد يجاب بأن القوة الاستعدادية عرض فلا بد له من محل سواء كان استعداد القبول أمر وجودي أو عدمي ثم استعداد بدن الجنين بما له من اعتدال المزاج لأن يفيض عليه من المبدأ نفس تدبره معنى معقول وأما استعداده ببطلان ذلك المزاج لأن ينعدم ذلك المدبر فغير معقول بل غايته أن ينعدم ما بينهما من العلاقة وهو لا يقتضي الفناء ( قال المبحث الرابع ) لا نزاع في أن مدرك الكليات من الإنسان هو النفس وأما مدرك الجزئيات على وجه كونها جزئيات فعندنا النفس وعند الفلاسفة الحواس لنا وجوه الأول أن ما يشير إليه كل أحد بقوله أنا وهو معنى النفس يحكم بأن هذا الشخص من أفراد الإنسان الكلي وأنه ليس هذا الفرس وأن هذا اللون غير هذا الطعم وأن هذه الصورة الخيالية صورة زيد المحسوس إلى غير ذلك من الحكم بين الكلي والجزئي أو بين الجزئيات والحاكم بين الشيئين لا بد أن يدركهما فالمدرك من الإنسان لجميع الإدراكات شيء واحد الثاني أن نفس كل أحد تتصرف في بدنه الجزئي وتباشر أفعاله الجزئية وذلك يتوقف على إدراك تلك الجزئيات لأن الرأي الكلي نسبته إلى جميع الجزئيات على السواء ولأن كل عاقل يجد من نفسه أنه لا يحاول تدبير بدن كلي بل مقصوده تدبير بدنه الخاص الثالث أن كل أحد يعلم بالضرورة أنه واحد بالعدد يسمع ويبصر ويدرك المعقولات وإن كان يتوقف بعض هذه الإدراكات على استعمال الآلات وليست النفس سوى ذلك الواحد الذي يشير إليه كل أحد بقوله أنا أحتج الخصم بوجوه الأول أنا قاطعون بأن الإبصار للباصرة والسمع للسامعة وليسا فعلى قوة واحدة وهذا في التحقيق دعوى كون المطلوب ضروريا الثاني لو لم يكن الإبصار للباصرة والسمع للسامعة والذوق للذائقة وكذا جميع الحواس الظاهرة والباطنة لما كانت الآفة في محال هذه القوى توجب الآفة في هذه الأفعال كما لا توجبها الآفة في الأعضاء الأخر واللازم باطل بالتجربة الثالث أن إدراك المحسوسات الظاهرة لو كان للنفس لا للحواس لما توقف على حضور المحسوس عند الحاسة لأن حال النفس وإدراكاته لا تتفاوت بالغيبة والحضور الرابع لو كان التخيل للنفس لا لقوة جسمانية لما أمكن تخيل ذوات الأوضاع والمقادير لامتناع ارتسامها في المجرد وقد سبق أنه لا بد في الإدراك من الارتسام
الخامس لو لم يكن التخيل للقوة الجسمانية لم يحصل الامتياز بين المتيامن والمتياسر فيما إذا تخيلنا لا من الخارج مربعا مجنحا بمربعين متساويين في جميع الوجوه إلا في أن أحدهما على يمين المربع والآخر على يساره هكذا إذ ليس امتيازهما بالماهية ولوازمها وعوارضها كالمقدار والشكل والسواد والبياض وغير ذلك لفرض التساوي فيها بل بالمحل وليس المحل الخارجي لأن المفروض أنه لم يؤخذ من الخارج فتعين المحل الإدراكي والمجرد لا يصلح محلا لذلك فتعين الآلة الجسمانية ولا يخفى أنا إذا جعلنا القوى الجسمانية آلات للإحساس وإدراك الجزئيات والمدرك هو النفس على ما صرح به المتأخرون من الحكماء ارتفع نزاع الفريقين وظهر الجواب عن أدلتهم إلا أنه يرد إشكالات الأول أن غير الإنسان من الحيوانات يدرك المحسوسات فلو كان المدرك هو النفس المجردة كما في الإنسان لما صح ذلك إذ ليست لها نفوس ناطقة وفاقا والجواب أنه لو سلم ذلك يجوز أن يكون المدرك فيها هي القوى الجسمانية وفينا النفس بواسطة القوى وهذا معنى قولنا الاشتراك في اللوازم وهي الإحساسات لا يوجب الاشتراك في الملزوم وهو النفس المجردة الثاني أنه لو كان إدراك النفس للجزئيات بمعونة الآلات لما أدركت النفس هويتها لامتناع توسط الآلة في ذلك واللازم باطل بالضرورة والاتفاق والجواب أن المفتقر إلى توسط الآلة إدراك الجزئيات التي يمتنع ارتسام صورها في النفس المجردة وأما ما لا يفتقر إدراكها إلى ارتسام صورة كإدراك النفس ذاتها فلا يفتقر إلى توسط آلة الثالث أنها عند تعلقها بالبدن تتصوره بعينه إذ لا يكفي في ذلك تصور بدن كلي لأن نسبته إلى الكل على السواء وكانت قبل استعمال الآلات مدركة للجزئيات والجواب أن تعلقها بالبدن شوقي طبيعي بمقتضى المناسبة لا إرادي ليتوقف على تصور البدن بعينه
الرابع أنها عند قصد استعمال الآلات للإدراكات والتحريكات تتصورها بأعيانها من غير توسط آلة والجواب أنها تتصورها من حيث هي آلات لهذه النفوس حاصلة في هذا البدن المحسوس فيحصل التخصيص بهذه الإضافة ولا يلزم إدراكها من حيث كونها جزئيات في ذواتها كما إذا حاولنا سلوك طريق نعرفه بصفاته بحيث يتعين في الخارج وإن لم نشاهده بعينه ويجوز أن ندركها بعينها على سبيل التخيل فإن المتخيلات لا يجب أن تتأدى من طرق الحواس البتة بقي ههنا إشكال وهو أنه إذا كان المدرك للجزئيات هو النفس لكن بحصول الصورة في الآلة فإما أن تكون الصورة حاصلة في النفس أيضا على ما يشعر به قولهم ليس الإدراك بحصول الصورة في الآلة فقط بل بحصولها في النفس لحصولها في الآلة وبالحضور عند المدرك للحضور عند الحس من غير أن يكون هناك حضور مرتين وحينئذ يعود المحذور أعني ارتسام صورة الجزئي والمحسوس في المجرد وإما أن لا تكون الصورة حاصلة في النفس بل في الآلة فقط على ما هو الظاهر من كلامهم وليست الآلة إلا جزأ من جسم تديره النفس فلا بد من تحقيق أي حالة تحصل للنفس نسميها إدراكا وحضور الشيء عند النفس ولا يحصل بمجرد تحقق ذلك الشيء في نفسه وحصول صورته في مادته وأنها إن كانت إضافة مخصوصة فلم لا يكفي ذلك في إدراك الكليات من غير افتقار إلى حصول الصورة في النفس وبالجملة فقد جاز الإدراك من غير ارتسام صورة في المدرك فلم أوجبتم ذلك في إدراك الكليات مع أنكم تقولون الإدراك معنى واحد يختلف بالإضافة إلى الحس أو العقل قال تنبيه لما كان إدراك الجزئيات مشروطا عند الفلاسفة بحصول الصورة في الآلات فعند مفارقة النفس وبطلان الآلات لا تبقى مدركة للجزئيات ضرورة انتفاء المشروط بانتفاء الشرط وعندنا لما لم تكن الآلات شرطا في إدراك الجزئيات أما لأنه ليس بحصول الصورة لا في النفس ولا في الحس وأما لأنه لا يمتنع ارتسام صورة الجزئي في النفس بل الظاهر من قواعد الإسلام أنه يكون للنفس بعد المفارقة إدراكات متجددة جزئية واطلاع على بعض جزئيات أحوال الأحياء سيما الذين كان بينهم وبين الميت تفارق في الدنيا ولهذا ينتفع بزيارة القبور والاستعانة بنفوس الأخيار من الأموات في استنزال الخبرات واستدفاع الملمات فإن للنفس بعد المفارقة تعلقا ما بالبدن وبالتربة التي دفنت فيها فإذا زار الحي تلك التربة وتوجهت تلقاء نفس الميت حصل بين النفسين ملاقاة وإفاضات قال المبحث الخامس قد سبق أن لفظ القوة كما يطلق على مبدأ التغيير والفعل فكذا على مبدأ التغير والانفعال فقوة النفس باعتبار تأثرها عما فوقها من المبادي للاستكمال بالعلوم والإدراكات تسمى عقلا نظريا وباعتبار تأثيرها في البدن لتكميل جوهره وإن كان ذلك أيضا عائدا إلى تكميل النفس من جهة أن البدن آلة لها في تحصيل العلم والعمل يسمى عقلا علميا والمشهور أن مراتب النظري أربع لأنه إما كمال وإما استعداد نحو الكمال قوي أو متوسط أو ضعيف فالضعيف وهو محض قابلية النفس للإدراكات يسمى عقلا هيولانيا تشبيها بالهيولي الأولي الخالية في نفسها عن جميع الصور القابلة لها بمنزلة قوة الطفل للكتابة والمتوسط وهو استعدادها لتحصيل النظريات بعد حصول الضروريات يسمى عقلا بالملكة لما حصل لها من ملكة الانتقال إلى النظريات بمنزلة الأمي المستعد لتعلم الكتابة وتختلف مراتب الناس في ذلك اختلافا عظيما بحسب اختلاف درجات الاستعدادات والقوى وهو الاقتدار على استحضار النظريات متى شاءت من غير افتقار إلى كسب جديد لكونها مكتسبة مخزونة تحضر بمجرد الالتفات بمنزلة القادر على الكتابة حين لا يكتب وله أن يكتب متى شاء يسمى عقلا بالفعل لشدة قربه من الفعل وأما الكمال فهو أن تحصل النظريات مشاهدة بمنزلة الكاتب حين يكتب ويسمى عقلا مستفادا أي من خارج وهو العقل الفعال الذي يخرج نفوسنا من القوة إلى الفعل فيما له من الكمالات ونسبته إلينا نسبة الشمس إلى أبصارنا وتختلف عبارات القوم في أن المذكورات أسامي لهذه الاستعدادات والكمال أو للنفس باعتبار اتصافها بها أو لقوى في النفس هي مبادئها مثلا يقال تارة أن العقل الهيولاني هو استعداد النفس لقبول العلوم الضرورية وتارة أنه قوة استعدادية أو قوة من شأنها الاستعداد المحض وتارة أنه النفس في مبدأ الفطرة من حيث قابليتها للعلوم وكذا في البواقي وربما يقال أن العقل بالملكة هو حصول الضروريات من حيث تتأدى إلى النظريات وقال ابن سينا هو صورة المعقولات الأولى تتبعها القوة على كسب غيرها بمنزلة الضوء للإبصار والمستفاد هو المعقولات المكتسبة عند حصولها بالفعل وقال في كتاب المبدأ والمعاد أن العقل بالفعل والعقل المستفاد واحد بالذات مختلف بالاعتبار فإنه من جهة تحصيله للنظريات عقل بالفعل ومن جهة حصولها فيه بالفعل عقل مستفاد وربما قيل هو عقل بالفعل بالقياس إلى ذاته ومستفاد بالقياس إلى فاعله واختلفوا أيضا في أن المعتبر في المستفاد هو حضور النظريات الممكنة للنفس بحيث لا تغيب أصلا حتى قالوا أنه آخر المراتب البشرية وأول المنازل المكية وأنه يمتنع أو يستبعد جدا ما دامت النفس متعلقة بالبدن أو مجرد الحضور حتى يكون قبل العقل بالفعل بحسب الوجود على ما صرح به الإمام وإن كان بحسب الشرف هو الغاية والرئيس المطلق الذي يخذمه سائر القوى من الإنسانية والحيوانية والنباتية ولا يخفى أن هذا أشبه بما اتفقوا عليه من حصر المراتب في الأربع نعم حضور الكل بحيث لا يغيب أصلا هو كمال مرتبة المستفاد وذكر الإمام في بيان المراتب أن النفس إن خلت عن العلوم مع أنها قابلة لها سميت في تلك الحالة عقلا هيولانيا وإلا فإن حصلت الضروريات فقط سميت حينئذ عقلا بالملك وإن حصلت النظريات أيضا فإن لم تكن حاصلة بالفعل بل لها قوة الاستحضار بمجرد التوجه سميت النفس حينئذ عقلا بالفعل وإن كانت حاضرة سميت النفس عقلا مستفادا فالحالات أربع لا غير حالة الخلو وحالة حصول الضروريات وحالة حصول النظريات بدون الحضور وحالة حصولها مع الحضور والمراتب هي النفس باعتبارها وهو موافق لما قال ابن سينا أن النفس تكون عقلا بالملكة ثم عقلا بالفعل ثم عقلا مستفادا والمعنى أن حالتها مستفادة وأما ما ذكر في المواقف من أن العقل بالفعل هو ملكة استنباط النظريات من الضروريات أي ضرورة العقل بحيث متى شاء استحضر الضروريات واستنتج منها النظريات فلم نجده في كلام القوم قال وأما العملي يعني أنها قوة بها يتمكن الإنسان من استنباط الصناعات والتصرفات في موضوعاتها التي هي بمنزلة المواد كالخشب للنجار وتمييز مصالحه التي يجب الإتيان بها من المفاسد التي يجب الاجتناب عنها لينتظم بذلك أمر معاشه ومعاده وبالجملة هي مبدأ حركة بدن الإنسان إلى الأفاعيل الجزئية الخاصة بالرؤية على مقتضى آراء يخصها صلاحية ولها نسبة إلى القوة النزوعية ومنها يتولد الضحك والخجل والبكاء ونحوها ونسبة إلى الحواس الباطنة هي استعمالها في استخراج أمور مصلحة وصناعات وغيرها ونسبة إلى القوة النظرية وهي أن أفاعيله أعني أعماله الاختيارية ينبعث عن آراء جزئية تستند إلى آراء كلية تستنبط من مقدمات أولية أو تجريبية أو ذائعة أو ظنية تحكم بها لقوة النظرية مثلا يستنبط من قولنا بذل الدرهم جميل والفعل الجميل ينبغي أن يصدر عنا أن بذل الدرهم ينبغي أن يصدر عنا ثم نحكم بأن هذا الدرهم ينبغي أن أبذله لهذا المستحق فينبعث من ذلك شوق وإرادة إلى بذله فتقدم القوة المحركة على دفعه إلى المستحق قال ويتفرع على النظري يعني أن كمال القوة النظرية معرفة أعيان الموجودات وأحوالها وأحكامها كما هي أي على الوجه الذي هي عليه وفي نفس الأمر بقدر الطاقة البشرية وتسمى حكمة نظرية وكمال القوة العملية القيام بالأمور على ما ينبغي أي على الوجه الذي يرتضيه العقل الصحيح بقدر الطاقة البشرية وتسمى حكمة عملية وفسروا الحكمة على ما يشمل القسمين بأنها خروج النفس من القوة إلى الفعل في كمالها الممكن علما وعملا إلا أنه لما كثر الخلاف وفشا الباطل والضلال في شأن الكمال وفي كون الأشياء كما هي والأمور على ما ينبغي لزم الاقتداء في ذلك بمن ثبت بالمعجزات الباهرة أنهم على هدى من الله تعالى وكانت الحكمة الحقيقية هي الشريعة لكن لا بمعنى مجرد الأحكام العملية بل بمعنى معرفة النفس ما لها وما عليها والعمل بها على ما ذهب إليه أهل التحقيق من أن الحكمة المشار إليها في قوله تعالى ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا هو الفقه وأنه اسم للعلم والعمل جميعا وقد قسم الحكمة المفسرة بمعرفة الأشياء كما هي إلى النظرية والعملية لأنها إن كانت علما بالأمور المتعلقة لقدرتنا واختيارنا فعملية وغايتها العمل وتحصيل الخير وإلا فنظرية وغايتها إدراك الحق وكل منهما ينقسم بالقسمة الأولية إلى ثلاثة أقسام فالنظرية إلى الإلهي والرياضي والطبيعي والعملية إلى علم الأخلاق وعلم تدبير المنزل وعلم سياسة المدينة لأن النظرية إن كانت علما بأحوال الموجودات من حيث يتعلق بالمادة تصورا وقواما فهي العلم الطبيعي وإن كانت من حيث يتعلق بها قواما لا تصورا فالرياضي كالبحث عن الخطوط والسطوح وغيرهما مما يفتقر إلى المادة في الوجود لا في التصور وإن كانت من حيث لا يتعلق بها لا قواما ولا تصورا فالإلهي ويسمى العلم الأعلى وعلم ما بعد الطبيعة كالبحث عن الواجب والمجردات وما يتعلق بذلك واعترض صاحب المطارحات بأن في الإلهي ما يتعلق بالمادة في الجملة كالوحدة والكثرة والعلية والمعلولية وكثير من الأمور العامة وفي الرياضي ما قد يستغني عنها كالعدد وهو مدفوع بقيد الحيثية فإن العدد إذا اعتبر من حيث هو كان مستغنيا عن المادة ويبحث عنه في الإلهي وإذا اعتبر من حيث هو في الأوهام أو في الموجودات المادية متفرقة ومجتمعة فيبحث عن الجمع والتفريق والضرب والقسمة فهو علم العدد المعدود من أقسام الرياضي وإلى هذا أشار في الشفاء إلا أنه قد يناقش في اختصاص حيثية الجمع والتفريق والضرب والقسمة وبالجملة المباحث الحسابية تغير المجردات والحكمة العملية إن تعلقت بآراء ينتظم بها حال الشخص وزكاء نفسه فالحكمة الخلقية وإلا فإن تعلقت بانتظام المشاركة الإنسانية الخاصة فالحكمة المنزلية والعامة فالحكمة المدنية والسياسة قال وأصول الأخلاق للإنسان قوة شهوية هي مبدأ جذب المنافع ودفع المضار من المآكل والمشارب وغيرها وتسمى القوة البهيمية والنفس الأمارة وقوة عصبية هي مبدأ الإقدام على الأهوال والشوق إلى التسلط والترفع وتسمى القوة السبعية والنفوس اللوامة وقوة نطقية هي مبدأ إدراك الحقائق والشوق إلى النظر في العواقب والتمييز بين المصالح والمفاسد وتحدث من اعتدال حركة الأولى العفة وهي أن تكون تصرفات البهيمية على وفق اقتضاء النطقية لتسلم عن أن يستعبدها الهوى وتستخدمها اللذات ولها طرف إفراط هي الخلاعة والفجور أي الوقوع في ازدياد اللذات على ما ينبغي وطرف تفريط هو الخمود أي السكون عن طلب ما رخص فيه العقل والشرع من اللذات إيثارا لا خلقة ومن اعتدال حركة السبعية الشجاعة وهي انقيادها للنطقية ليكون إقدامها على حسب الرؤية من غير اضطراب في الأمور الهائلة ولها طرف إفراط هو التهور أي الإقدام على مالا ينبغي وتفريط وهو الجبن أي الحذر عما لا ينبغي ومن اعتدال حركة النطقية الحكمة وهي معرفة الحقائق على ما هي عليه بقدر الاستطاعة وطرف إفراطها الجريزة وهي استعمال الفكر فيما لا ينبغي ولا على ما ينبغي وطرف تفريطها الغباوة وهي تعطيل الفكر بالإرادة والوقوف عن اكتساب العلوم فالأوساط فضائل والأطراف رذائل وإذا امتزجت الفضائل حصل من اجتماعها حالة متشابهة هي العدالة فأصول الفضائل العفة والشجاعة والحكمة والعدالة ولكل منها شعب وفروع مذكورة في كتب الأخلاق وكذا الرذائل الست ( قال المبحث السادس ) إشارة إجمالية إلى بيان غرائب أحوال وأفعال تظهر من النفوس الإنسانية وهي عندنا بمحض خلق الله تعالى من غير تأثير للنفوس خلافا للفلاسفة والكلام في ذلك يترتب على ثلاثة أقسام
الأول فيما يتعلق بأفعالها والثاني فيما يتعلق بإدراكاتها الكائنة حالة النوم
والثالث فيما يتعلق بإدراكاتها الكائنة حالة اليقظة فالأول مثل المعجزات والكرامات من الأنبياء والأولياء والإصابة بالعين ممن له تلك الخاصية بلا اختياره ومثل السحر والعزائم ونحو ذلك مما يكون بمزاولة أفعال وأعمال مخصوصة وذلك لأن للنفس تأثيرا في البدن كما للجواهر العالية المجردة في عالم الكون والفساد وليس اقتصار تأثيرها على بدنها لانطباعها فيه بل لعلاقة عشقية بينهما فلا يبعد أن يكون لبعض النفوس قوة بها تقوى على التأثير في بدن آخر بل في حيوان آخر بل في أجسام أخر حتى تصير بمنزلة نفس ما للعالم أو لبعض الأجسام لا سيما الأجسام التي يحصل لها أولوية بها لمناسبتها لبدنها بوجه خاص فلا يبعد أن تحيل الهواء إلى الغيم فتحدث مطرا بقدر الحاجة أو أزيد كالطوفان وأن تفعل تحريكا وتسكينا وتكثيفا وتخلخلا يتبعها سحب ورياح وصواعق وزلازل ونبوع مياه وعيون ونحو ذلك وكذا إهلاك مدن وإزالة أمراض ودفع مؤذيات وغيرها وربما تكون النفس شريفة قوية تطلب خيرا وتدعو الله تعالى فتستحق بهيئتها واستعدادها ترجيحا لوجود بعض الممكنات فيوجد وأمثال هذه إذا صدرت عن نفوس خيرة شريفة فإن كانت مقرونة بدعوى النبوة فمعجزات وإلا فكرامات وقد يكون في بعض النفوس خاصية تحدث فيما أعجبها أذى ظاهرا وهو الإصابة بالعين وقد تستعين النفوس في إحداث الغرائب بمزاولة أعمال مخصوصة وهي السحر أو بقوى بعض الروحانيات وهي العزائم أو بالأجرام الفلكية وهي دعوة الكواكب أو بتمزيج القوى السماوية بالأرضية وهي الطلسمات أو بالخواص العنصرية وهي النيرنجات أو بالنسب الرياضية وهي الحيل الهندسية وقد يتركب بعض هذه مع بعض كجر الأثقال ونقل المياه والآلات الرقاصة والزمارة ونحو ذلك مما يستعان عليها بمجموع الخواص العنصرية والنسب الرياضية قال وقالوا في إدراكاتها المتعلقة بالنوم إشارة إلى القسم الثاني وبيان ذلك أن النفس لاشتغالها بالتفكر فيما تورد عليها الحواس قلما تفرغ للاتصال بالجواهر الروحانية فعند ركود الحواس بسبب انخناس الروح الحاملة لقوة الحس عنها تتصل النفس بتلك الجواهر وينطبع فيها ما فيها من صور الأشياء سيما ما هو أليق بتلك النفس من أحوالها وأحوال ما يقرب منها من الأهل والولد والمال والبلد وتلك الصور قد تكون جزئية في نفسها وقد تكون كلية تحاكيها المتخيلة بصور جزئية ثم تنطبع في الخيال وتنتقل إلى الحس المشترك فتصير مشاهدة فإن كانت الصورة المشاهدة باقية على حالها بحيث لا تفاوت فيما جعلته المتخيلة جزئية إلا بالكلية والجزئية كانت الرؤيا غنية عن التعبير وإلا فإن كانت هناك مناسبة يمكن الوقوف عليها كما إذا صور المعنى بصورة لازمه أو ضده مثلا فهي رؤيا تعبر ومعنى التعبير هو التحليل بالعكس لفعل التخيل حتى ينتهي إلى ما شاهدته النفس عند الاتصال بعالم الغيب فإن المتخيلة لما فيها من غريزة المحاكاة والانتقال تترك ما أخذت وتورد شبهه أو ضده أو مناسبه وربما تبدل ذلك إلى آخر وآخر وهكذا إلى حين اليقظة فالمعبر ينظر في الحاضر أنه صورة لأية صورة وتلك لآية صورة أخرى إلى أن ينتهي إلى الصورة التي أدركتها النفس وإن لم يكن هناك مناسبة توقف عليه فتلك الرؤيا تعد من أضغاث الأحلام وقد يقع ذلك بأسباب أخر مثل أن تبقى صورة المحسوس في الخيال فتنتقل في النوم إلى الحس المتشترك ومثل إن تألف المفكرة صورة فتنتقل منها عند النوم إلى الخيال ثم منه إلى الحس المشترك ومثل أن يتغير مزاج الروح الحامل للقوة المتخيلة فتتغير أفعالها بحسب تلك التغيرات فمن غلب على مزاجه الصفراء حاكته بالأشياء الصفراء والدم فبالحمراء والسوداء فبالسوداء والبلغهم فبالجمد والثلج ( قال وقالوا فيما يتعلق باليقظة ) هذا هو القسم الثالث وهو غرائب تتعلق بالإدراكات حالة اليقظة وذلك أن النفس قد تكون كاملة القوة فنفى بالمتجازيين فلا يمنعها الاشتغال بتدبير البدن عن الاتصال بالمبادي أي المجردات العلوية المفارقة والمتخيلة أيضا تكون قوية بحيث تقدر على استخلاص الحس المشترك عن الحواس الظاهرة فلا يبعد ان يقع لمثل هذه النفس في اليقظة اتصال بالمبادي فينطبع فيها صور بعض المغيات مما كان أو ليكون ثم يفيض الأثر إلى المتخيلة ثم ينتقل إلى الحس المشترك فربما يكون ذلك بسماع صوت لذيذ أو هائل وربما يرد مكتوبا على لوح أو تخاطبا من إنسان أو ملك أو جني أو هاتف غيب أو نحو ذلك وقد يكون مشاهدة صور مالا حضور له عند الحس إلا لشرف النفس كمال قوته بل الفساد في الآلات التي يستعملها العقل كما في المرض والجنون أو لاستيلاء أمر يدهش الحس ويحير الخيال كالعدو بسرعة وكتأمل شيء شاف مرعش للبصر مدهش إياه لشفيفه كسواد وبراق أو لغلبة خوف أو ظن أو وهم تعين التخيل وقد يكون ذلك بالرياضات المضعفة للقوى العليقة للنفس عن اتصالها بالمبادي الجاذبة إياها إلى جانب السفليات إلى غير ذلك من الأسباب المؤثرة عند الفلاسفة والعادية عندنا والخالق هو الله تعالى قال ووقوع بعض الغرائب ذهب جمهور الفلاسفة إلى أنه ليست لغير الإنسان من الحيوانات نفوس مجردة مدركة للكليات وبعضهم إلى أنا لا نعرف وجود النفس لها لعدم الدليل ولا نقطع بالانتفاء لقيام الاحتمال وما يتوهم من أنه لو كانت لها نفوس لكانت إنسانا لأن حقيقته النفس والبدن لا غير ليس بشيء لجواز اختلاف النفسين بالحقيقة وجواز التميز لفصول أخر لا يطلع على حقيقتها وذهب جمع من أهل النظر إلى ثبوت ذلك تمسكا بالعقول والمنقول أما المعقول فهو أنا نشاهد منها أفعالا غريبة تدل على أن لها إدراكات كلية وتصورات عقلية كالنحل في بناء بيوته المسدسة والانقياد لرئيس والنمل في إعداد الذخيرة والإبل والبغل والخيل والحمار في الاهتداء إلى الطريق في الليالي المظلمة والفيل في غرائب أحوال نشاهد منه وكثير من الطيور والحشرات في علاج أمراض تعرض لها إلى غير ذلك من الحيل العجيبة التي يعجز عنها كثير من العقلاء وأما المنقول فكقوله تعالى والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه وقوله تعالى وأوحى ربك إلى النحل الآية وقوله تعالى يا جبال أوبي معه والطير وقوله تعالى حكاية عن الهدهد أحطت بما لم تحط به الآية وحكاية عن النملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم الآية ( قال الفصل الثاني في العقل ) احتجت الفلاسفة على ثبوته بوجوه
أحدها أن المعلول الأول يجب أن يكون جوهرا مفارقا في ذاته وفعله وهو المراد بالعقل أما الجوهرية فلأن العرض لا يمكن بدون المحل فالمحل إما معلول للعلة الأولى أعني الواجب فيلزم صدور الكثير أعني العرض والمحل من الواحد الحقيقي وأما للعرض فيلزم تقدم الشيء على نفسه وأما المفارقة فلأنه لو كان جسما وهو مركب من المادة والصورة لزم المحال المذكور وإن كان مادة أو صورة وكل منهما لا يوجد بدون الآخر فلزم فاعلية أحدهما للآخر مح أما المادة فلأن شأنها القبول دون الفعل وأما الصورة فلأنها إنما تفعل بمشاركة المادة فيلزم تقدمها على نفسها وإن كانت نفسا أي مفارقا في ذاته لا فعله فالبدن الذي هو شرط الفاعلية إما معلول للواجب فيلزم الكثرة أو للنفس فيلزم تقدمه على نفسه فصار الحاصل أن لنا أمر أصح وجوده عن العلة الأولى وإيجاده للمعلول الثاني وما ذاك إلا العقل لأن الجسم لما فيه من الكثرة لا يصلح معلولا للعلة الأولى وغيره لا يصلح علة للمعلول الثاني لأن ما يصلح منه للعلية يفتقر في عليته إلى أمر خارج عن ذاته فإن كان معلولا له لزم تقدم الشيء على نفسه وإن كان معلولا للعلة الأولى لزم صدور الكثرة عنها
وثانيها أن علة أول الأجسام يجب أن تكون عقلا وإلا لكان إما واجبا فيلزم صدور الكثرة عنه وأما غيره فيلزم تقدم الشيء على نفسه أما إذا كان جسما أو عرضا قائما به فظاهر وأما إذا كان نفسا فلأن فعلها مشروط بالجسم وإلا لكان عقلا لا نفسا فذلك الجسم أما الجسم الأول فيتقدم على نفسه بمرتبة وأما الثاني والثالث فيتقدم بمراتب وأما إذا كان مادة أو صورة فلأن كلا منهما لا توجد بدون الأخرى ومجموعهما جسم فلو كان فاعل الجسم الأول أحدهما لكان قبل الجسم الأول جسم وفيه تقدم الشيء على نفسه بمرتبة أو بمراتب واعترض على الوجهين بمنع بعض المقدمات أي لا نسلم امتناع صدور الكثير عن الواحد وقد تكلمنا على دليله ولو سلم فلم لا يجوز أن يكون الواجب مختارا يصدر عنه الكثرة بواسطة الإرادة ولا نسلم أن أول ما يصدر عن الواجب يلزم أن يكون أحد الأمور المذكورة لم لا يجوز أن يكون صفة من صفات الواجب ثم يصدر المعلول الثاني والثالث عن تلك الصفة أو عن الذات بواسطتها ولا نسلم أن المعلول الأول يجب أن يكون موجدا لما بعده لجواز أن يكون واسطة وحينئذ يجوز أن يكون أول ما يصدر نفسا أو مادة أو صورة ثم يصدر بواسطته البدن أو الجزء الآخر من الجسم ولا نزاع في جواز صدور الكثير عن الواحد عند اختلاف الجهات والاعتبارات ولا نسلم أن البدن شرط لفاعلية النفس بل لإدراكاتها فإن قيل فتكون مستغنية عن المادة في الذات والفعل ولا نعني بالعقل سوى هذا قلنا المدعي إثبات جوهر مفارق في ذاته وفعله إيجادا كان أو إدراكا ويجوز أن يكون الصادر الأول مستغنيا في فعله الإيجادي دون الإدراكي فإن اشترط في النفس الاحتياج إلى المادة في الإدراك فقط كان هذا نفسا أو فيهما جميعا كان هذا غير العقل والنفس فلا يتم المطلوب ( قال الثالث ) أي ثالث وجوه الاحتجاج على ثبوت العقل أنه قد ثبت أن حركات الأفلاك إرادية فيكون المطلوب محسوسا أو معقولا والأول باطل لأن طلب المحسوس إما أن يكون للجذب أو للدفع وجذب الملائم شهوة ودفع المنافر غضب وهما على الفلك محال لأنه بسيط متشابه الأحوال لا يتغير من حالة غير ملائمة إلى حالة ملائمة فتعين الثاني وهو أن يكون المطلوب معقولا وذلك المطلوب معشوق لأن دوام الحركة إنما يكون لفرط طلب تقتضيه محبة مفرطة هي العشق فالعاشق الطالب إما أن يريد نيل ذاته أو نيل صفاته أو نيل شبه إحداهما وإ لا لما كان له تعلق بالمعشوق والأولان باطلان لأن الذات أو الصفة إما أن تنال في الجملة فيلزم انقطاع الحركة لامتناع طلب الحاصل وهو محال لأنها علة وجود الزمان وإما أن لا ينال أصلا فلا بد من اليأس عن حصول ما هذا شأنه ويلزم الانقطاع أو دوام طلب المحال على أن نيل الصفة محال لامتناع زوالها عن محلها فتعين الثالث وهو أن يكون ا لطلب لنيل شبه بالمعشوق ولا يجوز أن يكون شبها مستقرا وإلا يلزم الانقطاع أو طلب الحاصل بل شبها غير مستقر أي شبها بعد شبه بحيث ينقضي شبه ويحصل آخر ويجب أن يحفظ ذلك بتعاقب الأفراد لا إلى نهاية وإلا يلزم الانقطاع فيثبت أن المطلوب حصول مشابهات غير متناهية تحصل على التدريج في أوقات غير متناهية لئلا يلزم انقطاع الحركة فيكون المعشوق موجودا متصفا بصفات كمال غير متناهية بتحرك الفلك ويستخرج بحركته الأوضاع الممكنة من القوة إلى الفعل ويحصل له بكل وضع شبه بالمعشوق ا لذي هو بالفعل من كل الوجوه ولم يزل يزول وضع ويحصل آخر فيزول شبه ويحصل آخر ويحفظ كل منهما بتعاقب الأفراد والفلك يقبل منه الفيض بواسطة تلك المشابهات ولا يجوز أن يكون ذلك هو الواجب وإلا لم تختلف الحركات فتعين أن يكون عقلا ويثبت بذلك تعدد العقول والاعتراض عليه أنا لا نسلم وجوب دوام حركة السماء وامتناع انقطاعها ولا نسلم أن طلب المحسوس لا يكون إلا للجذب أو الدفع لم لا يجوز أن يكون لمعرفته أو التشبه به أو غير ذلك ولا نسلم استحالة الشهوة والغضب على الأفلاك ولا يلزم من تشابه أجزائها في الحقيقة تشابه أحوالها ولا نسلم أنه يلزم من عدم نيل ذات المعشوق أو حالة حصول اليأس ولا من نيله انقطاع الطلب لم لا يجوز أن يدوم الرجاء أو يكون المعشوق أو حاله أمرا غير قار يتحفظ نوعه بتعاقب الأفراد كما ذكرتم في الشبه ولا نسلم أن المعشوق الموصوف بصفات كمال غير متناهية هو العقل وإنما يلزم ذلك لو كان ذلك على الاجتماع دون التعاقب وبعض هذه وإن أمكن دفعه لكن لا يتم المطلوب إلا بدفع الكل قال المبحث الثاني في أحوالها يشير إلى إثبات أحكام تتفرع على إثبات العقول المجردة منها أنها عشرة بمعنى أنها ليست أقل من ذلك وأما في جانب الكثرة فالعلم عند الله تعالى كيف ولا قطع بانحصار الأفلاك الكلية في التسع بل يجوز أن يكون بين الفلك المحيط بالكل وفلك الثوابت أفلاك كثيرة وأن يكون كل من الثوابت في فلك ولو سلم فيجوز أن يكون لكل من الأفلاك الجزئية عقل يدبر أمره ويتشبه هو به بوجه لا يعلم كنهه إلا الله تعالى وحده وإنما تصير عشرة مع كون الأفلاك تسعة لأن الأول مصدر لفلك ونفس وعقل وهكذا إلى الآخر فتكون العقول الصادرة تسعة ومع الأول المصدر عشرة والعاشر الذي هو عقل الفلك الأخير يدبر أمر عالم العناصر بحسب الاستعدادات التي تحصل للمواد العنصرية من تجدد الأوضاع الفلكية والمراد بتدبير العقول التأثير وإفاضة الكمالات لا التصرف الذي للنفوس مع الأبدان ومنها أنها أزلية لما سبق من أن كل حادث مسبوق بمادة يحل فيها كالصور والأعراض أو يتعلق بها كالنفوس والعقول مبرأة عن ذلك ومنها أن كلا من العقول نوع ينحصر في شخص لأن تكثر أشخاص النوع الواحد لا يكون إلا بحسب المواد وما يكتنفها من الهيئات ومنها أن كمالاتها حاصلة بالفعل لأن خروج الشيء من القوة إلى الفعل لا يكون إلا بما له مادة تندرج في الاستعدادات بحسب تجدد المعدات من الأوضاع والحركات ومنها أنها عاقلة لذواتها ولجميع الكليات إما لذواتها فلأنها حاضرة بماهياتها عند ذواتها المجردة وهو معنى التعقل إذ لا يتصور في تعقل الشيء لنفسه حصول المثال المطابق وأما لغيرها فلأنها مجردة وكل مجرد يمكن أن يعقل لبراءته عن الشوائب المادية واللواحق الغريبة المانعة عن التعقل وكل ما يمكن أن يعقل فإنه يمكن أن يعقل مع غيره من الكليات لأن الصور العقلية ليست متعاندة بل متعاونة وكل ما يمكن أن يعقل مع غيره صح أن يقارنه من غير أن تتوقف صحة المقارنة على حصولهما في جوهر العاقل لأن ذلك متأخر عن صحة المقارنة ضرورة تقدم إمكان الشيء على حصوله فلو توقفت صحة المقارنة عليه لزم الدور فإذن صحة مقارنة المجردات وسائر الكليات ثابتة عند حصول المجرد في الأعيان فيثبت صحة تعقله إياها إذ لا معنى له سوى مقارنتها للمجرد وحضورها عنده وكل ما يصح للعقول المجردة فهو حاصل بالفعل لما مر فتكون عاقلة لذواتها ولجميع المعقولات ثم أنك خبير بابتناء هذه الفروع على مقدمات فلسفية غير مسلمة عند المتكلمين فلا حاجة إلى التنبيه قال وإنها مبادي يعني من أحوال العقول أنها مبادي لكمالات النفوس الفلكية بمعنى أن الموجب لتلك الحركة السرمدية هو العقل لا بطريق المباشرة وإلا لكان له تعلق بالجسم من طريق التصرف فيه فلم يكن عقلا بل بطريق الإفاضة على النفس المحركة بقوته التي لا تتناهى وبقبولها منه ذلك الفيض وتأثيرها تأثيرا غير متناه عن سبيل الوساطة دون المبدائية لامتناع صدور غير المتناهي عما يتعلق بالأجسام ما لم يكن مستمدا من مبدأ عقل غير متناهي القوة ومنها أن الأخير من العقول وهو المسمى بالعقل الفعال يعطي النفوس البشرية كمالاتها ويخرجها من القوة إلى الفعل في تعقلاتها ونسبته إلى النفوس نسبة الشمس إلى الإبصار بل أتم وهو كالخزانة للمعقولات إذا أقبلنا عليه قبلنا منه وإذا اشتغلنا عنه بجانب الحس انمحت عنا الصورة العقلية كالمرآة فإنها إذا حوذي بها صورة تمثلت فيها فإذا أعرض بها عنها زال ذلك التمثل وربما تمثل فيها غير تلك الصورة على حسب ما يحاذى بها فكذا النفس إذا أعرض بها عن جانب القدس إلى جانب الحس أو إلى شيء آخر من أمور القدس ومنها أن مبدأ النفوس كلها من حيث هي نفوس يجب أن يكون من العقول إذ لا يجوز أن يكون هو الواجب لأن النفوس لا تكون إلا مع الأجسام فلا تصدر عن الواحد الحقيقي ولا أن تكون من الأجسام وأجزائها وأحوالها لأنها إنما تفعل بمشاركة الوضع فلا تؤثر فيما لا وضع له ولا من النفوس لأن الكلام في المبدأ القريب الذي تستند إليه كلية النفوس وإن كان بعضها من البعض وبهذا يتبين أن المبدأ القريب لكلية الأجسام لا يجوز أن يكون هو الواجب ولا الجسم وأجزاؤه وأحواله ولا النفس لأنها من حيث هي نفس إنما تفعل بواسطة الجسم فتعين العقل ولا يخفى ضعف هذه بعض المقدمات وابتنائها على كون الصانع موجبا لا يصدر عنه إلا الواحد قال على ما قيل إشارة إلى ما ذكره الفلاسفة في ترتيب الوجود وكيفية صدور النفوس والأجسام عن العقول وقد سبق أن أول ما يصدر عن الواجب يجب أن يكون عقلا ولا شك أن له وجودا وإمكانا في نفسه ووجوبا بالغير وعلما بذلك وبمبدائه فقيل صدر عنه باعتبار وجوده عقل وباعتبار وجوبه بالغير نفس وباعتبار إمكانه فلك إسنادا للأشرف إلى الأشرف وهكذا من العقل الثاني عقل ونفس وفلك إلى آخر ما ثبت بالبرهان من وجود الأفلاك ثم تفويض تدبير عالم العناصر إلى العقل الأخير بمعونة الأوضاع والحركات وقيل صدر عن العقل الأول باعتبار إمكانه هيولي الفلك الأعظم وباعتبار وجوده صورته وباعتبار علمه بوجوب وجوده بعلته عقله وباعتبار علمه بعلته نفسه واعلم أنه لما ثبت عندهم امتناع صدور الكثير عن الواحد الحقيقي ذكروا طريقا في صدور الكثرة عن الواحد على أنه احتمال راجح في نظرهم من غير قطع به ولم يجعلوا الوجود والإمكان ونحو ذلك عللا مستقلة بل اعتبارات وحيثيات تختلف بها أحوال العلل الموجدة على ما قال في الشفاء نحن لا نمنع أن يكون عن شيء واحد ذات واحدة ثم يتبعها كثرة إضافية ليست في أول وجودها داخلة في مبدأ قوامها بل يجوز أن يكون الواحد يلزم عنه واحد ثم ذلك الواحد يلزمه حكم أو حال أو صفة أو معلول ويكون ذلك أيضا واحدا ثم يلزم عنه لذاته شيء وبمشاركة ذلك اللازم شيء فتنبع من هناك كثرة كلها تلزم ذاته فيجب أن يكون مثل هذه الكثرة هي العلة لإمكان وجود الكثرة معا عن المعلولات الأولى ثم العقول ليست متفقة الأنواع حتى يلزم اتفاق آثارها بأن يصدر عن كل منها عقل ونفس وفلك بل يجوز أن تنتهي سلسلة العقول إلى ما يكون مبدأ الهيولي العناصر وما يعرض لها من الصور والأعراض بحسب ما له من الحيثيات وما يحصل للمواد من الاستعدادات بخلاف الواجب فإنه ليس فيه كثرة حيثيات واعتبارات وأما السلوب والإضافات فإنما تعقل بعد ثبوت الغير فلو علل ثبوت الغير بها كان دورا ولم يقطعوا بأن العقول ليست فوق العشرة وأن حيثيات كل عقل تنحصر في الثلاث أو الأربع فلا يمتنع أن يكون مبدأفلك الثوابت عقولا كثيرة أو عقلا واحدا باعتبارات وحيثيات غير محصورة وبما ذكر يندفع اعتراضات