Nevevî — el-Minhâc (Müslim şerhi)
1551 قوله ( ان رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع وفي رواية على أن يعتملوها من أموالهم ولرسول الله صلى الله عليه وسلم شطر ثمرها في هذه الأحاديث جواز المساقاه وبه قال مالك والثورى والليث والشافعى وأحمد وجميع فقهاء المحدثين وأهل الظاهر وجماهير العلماء وقال أبو حنيفة لا يجوز وتأويل هذه الأحاديث على أن خيبر فتحت عنوة وكان أهلها عبيدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فما أخذه فهو له وما تركه فهو له واحتج الجمهور بظواهر هذه الأحاديث وبقوله صلى الله عليه وسلم أقركم ما أقركم الله وهذا حديث صريح في أنهم لم يكونوا عبيدا قال القاضي وقد اختلفوا في خيبر هل فتحت عنوة أو صلحا أو بجلاء أهلها عنها بغير قتال أو بعضها صلحا وبعضها عنوة وبعضها جلاء عنه أهله أو بعضها صلحا وبعضها عنوة قال وهذا أصح الأقوال وهى رواية مالك ومن تابعه وبه قال بن عيينة قال وفي كل قول أثر مروى وفي رواية لمسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ظهر على خيبر أراد اخراج اليهود منها وكانت الأرض حين ظهر عليها لله ولرسوله وللمسلمين وهذا يدل لمن قال عنوة اذ حق المسلمين انما هو في العنوة وظاهر قول من قال صلحا أنهم صولحوا على كون الأرض للمسلمين والله أعلم واختلفوا فيما تجوز عليه المساقاة من الأشجار فقال داود يجوز على النخل خاصة وقال الشافعى على النخل والعنب خاصة وقال مالك تجوز على جميع الأشجار وهو قول للشافعى فأما داود فرآها رخصة فلم يتعد فيه المنصوص عليه وأما الشافعى فوافق داود في كونها رخصة لكن قال حكم العنب حكم النخل في معظم الأبواب وأما مالك فقال سبب الجواز الحاجة والمصلحة وهذا يشمل الجميع فيقاس عليه والله أعلم قوله ( بشطر ما يخرج منها ) فيه بيان الجزء المساقى عليه من نصف أو ربع أو غيرهما من الأجزاء المعلومة فلا يجوز على مجهول كقوله على أن لك بعض الثمر واتفق المجوزون للمساقاة على جوازها بما اتفق المتعاقدان عليه من قليل أو كثير قوله ( من ثمر أو زرع ) يحتج به الشافعى وموافقوه وهم الأكثرون في جواز المزارعة تبعا للمساقاة وإن كانت المزارعة عندهم لا تجوز منفردة فتجوز تبعا للمساقاة فيساقيه على النخل ويزارعه على الأرض كما جرى في خيبر وقال مالك لا تجوز المزارعة لا منفردة ولا تبعا الا ما كان من الأرض بين الشجر وقال أبو حنيفة وزفر المزارعة والمساقاة فاسدتان سواء جمعهما أو فرقهما ولو عقدتا فسختا وقال بن أبى ليلى وأبو يوسف ومحمد وسائر الكوفيين وفقهاء المحدثين وأحمد وبن خزيمة وبن شريح وآخرون تجوز المساقاة والمزارعة مجتمعتين وتجوز كل واحدة منهما منفردة وهذا هو الظاهر المختار لحديث خيبر ولا يقبل دعوى كون المزارعة في خيبر انما جازت تبعا للمساقاة بل جازت مستقلة ولأن المعنى المجوز للمساقاة موجود في المزارعة قياسا على القراض فإنه جائز بالاجماع وهو كالمزارعة في كل شيء ولأن المسلمين في جميع الأمصار والأعصار مستمرون على العمل بالمزارعة وأما الأحاديث السابقة في النهى عن المخابره فسبق الجواب عنها وأنها محمولة على ما اذا شرطا لكل واحد قطعة معينة من الأرض وقد صنف بن خزيمة كتابا في جواز المزارعة واستقصى فيه وأجاد وأجاب عن الأحاديث بالنهى والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( أقركم فيها على ذلك ما شئنا ) وفي رواية الموطأ أقركم ما أقركم الله قال العلماء وهو عائد إلى مدة العهد والمراد انما نمكنكم من المقام في خيبر ما شئنا ثم نخرجكم اذا شئنا لأنه صلى الله عليه وسلم كان عازما على اخراج الكفار من جزيرة العرب كما أمر به في آخر عمره وكما دل عليه هذا الحديث وغيره واحتج أهل الظاهر بهذا على جواز المساقاة مدة مجهولة وقال الجمهور لا تجوز المساقاة الا إلى مدة معلومة كالاجارة وتأولوا الحديث على ما ذكرناه وقيل جاز ذلك في أول الاسلام خاصة للنبى صلى الله عليه وسلم وقيل معناه أن لنا اخراجكم بعد انقضاء المدة المسماة وكانت سميت مدة ويكون المراد بيان أن المساقاة ليست بعقد دائم كالبيع والنكاح بل بعد انقضاء المدة تنقضى المساقاة فإن شئنا عقدنا عقدا آخر وإن شئنا أخرجناكم وقال أبو ثور اذا أطلقا المساقاة اقتضى ذلك سنة واحدة والله أعلم قوله ( على أن يعتملوها من أموالهم ) بيان لوظيفة عامل المساقاة وهو أن عليه كل ما يحتاج إليه في اصلاح الثمر واستزادته مما يتكرر كل سنة كالسقى وتنقية الأنهار واصلاح منابت الشجر وتلقيحه وتنحية الحشيش والقضبان عنه وحفظ الثمرة وجذابها ونحو ذلك وأما ما يقصد به حفظ الأصل ولا يتكرر كل سنة كبناء الحيطان وحفر الأنهار فعلى المالك والله أعلم قوله ( فكان يعطى أزواجه كل سنة مائة وسق ثمانين وسقا من تمر وعشرين وسقا من شعير ) قال العلماء هذا دليل على أن البياض الذى كان بخيبر الذى هو موضع الزرع أقل من الشجر وفي هذه الأحاديث دليل لمذهب الشافعى وموافقيه أن الأرض التى تفتح عنوة تقسم بين الغانمين الذين افتتحوها كما تقسم بينهم الغنيمة المنقولة بالاجماع لأن النبى صلى الله عليه وسلم قسم خيبر بينهم وقال مالك وأصحابه يقفها الامام على المسلمين كما فعل عمر رضى الله عنه في أرض سواد العراق وقال أبو حنيفة والكوفيون يتخير الامام بحسب المصلحة في قسمتها أو تركها في أيدى من كانت لهم بخراج يوظفه عليها وتصير ملكا لهم كأرض الصلح قوله ( وكان الثمر يقسم على السهمان في نصف خيبر فيأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمس ) هذا يدل على أن خيبر فتحت عنوة لأن السهمان كانت للغانمين وقوله يأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمس أى يدفعه إلى مستحقه وهم خمسة الأصناف المذكورة في قوله تعالى واعلموا أن ما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول فيأخذ لنفسه خمسا واحدا من الخمس ويصرف الأخماس الباقية من الخمس إلى الأصناف الأربعة الباقين واعلم أن هذه المعاملة مع أهل خيبر كانتا برضى الغانمين وأهل السهمان وقد اقتسم أهل السهمان بين المستحقين وسلم اليهم نفس الأرض حين أخذها من اليهود حين أجلاهم عنها قوله ( فأجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء ) هما ممدودتان وهما قريتان معروفتان وفي هذا دليل على أن مراد النبى صلى الله عليه وسلم بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب اخراجهم من بعضها وهو الحجاز خاصة لأن تيماء من جزيرة العرب لكنها ليست من الحجاز والله أعلم
1 ( باب فضل الغرس والزرع ) 1552 قوله صلى الله عليه وسلم ( ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة وما سرق منه له صدقة وما أكل السبع فهو له صدقة وما أكلت الطير فهو له صدقة ولا يرزؤه أحد الا كان له صدقة ) وفي رواية لا يغرس مسلم غرسا ولا يزرع زرعا فيأكل منه انسان ولا دابة ولا شئ الا كانت له صدقة وفي رواية الا كان له صدقة إلى يوم القيامة في هذه الأحاديث فضيلة الغرس وفضيلة الزرع وأن أجر فاعلى ذلك مستمر مادام الغراس والزرع وما تولد منه إلى يوم القيامة وقد اختلف العلماء في أطيب المكاسب وأفضلها فقيل التجارة وقيل الصنعة باليد وقيل الزراعة وهو الصحيح وقد بسطت ايضاحه في آخر باب الأطعمة من شرح المهذب وفي هذه الأحاديث أيضا أن الثواب والأجر في الآخرة مختص بالمسلمين وأن الانسان يثاب على ما سرق من ماله أو أتلفته دابة أو طائر ونحوهما وقوله صلى الله عليه وسلم ( ولا يرزؤه ) هو براء ثم زاى بعدها همزة أى ينقصه ويأخذ منه قوله في رواية الليث ( عن أبى الزبير عن جابر أن النبى صلى الله عليه وسلم دخل على أم مبشر الأنصارية في نخل لها ) هكذا هو في اكثر النسخ دخل علي ) أم مبشر وفي بعضها دخل على أم معبد أو أم مبشر قال الحافظ المعروف في رواية الليث أم مبشر بلا شك ووقع في رواية غيره أم معبد كما ذكره مسلم بعد هذه الرواية ويقال فيها أيضا أم بشير فحصل أنها يقال لها أم مبشر وأم معبد وأم بشير قيل اسمها الخليدة بضم الخاء ولم يصح وهى امرأة زيد بن حارثة أسلمت وبايعت قوله ( حدثنا أحمد بن سعيد بن إبراهيم حدثنا روح بن عبادة حدثنا زكريا بن إسحاق أخبرنى عمرو بن دينار أنه سمع جابر بن عبد الله قال أبو مسعود الدمشقى هكذا وقع في نسخ مسلم في هذا الحديث عمرو بن دينار والمعروف فيه أبو الزبير عن جابر قوله ( عن الأعمش عن أبى سفيان عن جابر زاد عمرو في روايته عن عمار وأبو بكر في روايته عن أبى معاوية فقالا عن أم مبشر ) إلى آخره هكذا وقع في نسخ مسلم وأبو بكر ووقع في بعضها وأبو كريب بدل أبي بكر قال القاضي قال بعضهم الصواب أبو كريب لأن أول الاسناد لأبى بكر بن أبى شيبة عن حفص بن غياث ولأبى كريب وإسحاق بن إبراهيم عن أبي معاوية فالراوي عن أبى معاوية هو أبو كريب لا أبو بكر وهذا واضح وبين والله تعالى أعلم 1 ( باب وضع الجوائح )
1554 قوله صلى الله عليه وسلم ( لو بعت من أخيك ثمرا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا بم تأخذ مال أخيك بغير حق ) وفى رواية عن أنس أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع النخل حتى تزهو فقلنا لأنس مازهوها قال تحمر وتصفر أرأيتك ان منع الله الثمرة بم تستحل مال أخيك وفي رواية عن أنس أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ان لم يثمرها الله فبم يستحل أحدكم مال أخيه وعن جابر أن النبى صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح وعن أبى سعيد قال أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تصدقوا عليه فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لغرمائه خذوا ما وجدتم وليس لكم الا ذلك اختلف العلماء في الثمرة اذا بيعت بعد بدو الصلاح وسلمها البائع إلى المشترى بالتخلية بينه وبينها ثم تلفت قبل أوان الجذاذ بآفة سماوية هل تكون من ضمان البائع أو المشترى فقال الشافعى في أصح قوليه وأبو حنيفة والليث بن سعد وآخرون هي في ضمان المشترى ولا يجب وضع الجائحة لكن يستحب وقال الشافعى في القديم وطائفة هي في ضمان البائع ويجب وضع الجائحة وقال مالك إن كانت دون الثلث لم يجب وضعها وإن كانت الثلث فأكثر وجب وضعها وكانت من ضمان البائع واحتج القائلون ) بوضعها بقوله أمر بوضع الجوائح وبقوله صلى الله عليه وسلم فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا ولأنها في معنى الباقية في يد البائع من حيث انه يلزمه سقيها فكأنها تلفت قبل القبض فكانت من ضمان البائع واحتج القائلون بأنه لا يجب وضعها بقوله في الرواية الأخرى في ثمار ابتاعها فكثر دينه فأمر النبى صلى الله عليه وسلم بالصدقه عليه ودفعه إلى غرمائه فلو كانت توضع لم يفتقر إلى ذلك وحملوا الأمر بوضع الجوائح على الاستحباب أو فيما بيع قبل بدو الصلاح وقد أشار في بعض هذه الروايات التى ذكرناها إلى شئ من هذا وأجاب الأولون عن قوله فكثر دينه إلى آخره بأنه يحتمل أنها تلفت بعد أوان الجذاذ وتفريط المشترى في تركها بعد ذلك على الشجر فإنها حينئذ تكون من ضمان المشترى قالوا ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث ليس لكم إلا ذلك ولو كانت الجوائح لا توضع لكان لهم طلب بقية الدين وأجاب الآخرون عن هذا بأن معناه ليس لكم الآن إلا هذا ولا تحل لكم مطالبته مادام معسرا بل ينظر إلى ميسرة والله أعلم وفي الرواية الأخيرة التعاون على البر والتقوى ومواساة المحتاج ومن عليه دين والحث على الصدقة عليه وأن المعسر لا تحل مطالبته ولا ملازمته ولا سجنه وبه قال الشافعى ومالك وجمهورهم وحكى عن بن شريح حبسه حتى يقضى الدين وإن كان قد ثبت اعساره وعن أبى حنيفة ملازمته وفيه أن يسلم إلى الغرماء جميع مال المفلس ما لم يقض دينهم ولا يترك للمفلس سوى ثيابه ونحوها وهذا المفلس المذكور قيل هو معاذ بن جبل رضى الله عنه قوله ( حدثنى محمد بن عباد حدثنا عبد العزيز بن محمد عن حميد عن أنس أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ان لم يثمرها الله فبم يستحل أحدكم مال أخيه قال الدارقطنى هذا وهم من محمد بن عباد أو من عبد العزيز في حال إسماعه محمدا لأن إبراهيم بن حمزة سمعه من عبد العزيز مفصولا مبينا أنه من كلام أنس وهو الصواب وليس من كلام النبى صلى الله عليه وسلم فأسقط محمد بن عباد كلام النبى صلى الله عليه وسلم وأتى بكلام أنس وجعله مرفوعا وهو خطأ 1554 قوله ( قال أبو إسحاق حدثنى عبد الرحمن بن بشر عن سفيان بهذا ) أبو إسحاق هذا هو إبراهيم بن محمد بن سفيان روى هذا الكتاب عن مسلم ومراده أنه علا برجل فصار في رواية هذا الحديث كشيخه مسلم بينه وبين سفيان بن عيينة واحد فقط والله أعلم
1 ( باب استحباب الوضع من الدين )
1557 قوله ( وحدثنى غير واحد من أصحابنا قالوا حدثنا إسماعيل بن أبى أويس قال وحدثنى أخى ) قال جماعة من الحفاظ هذا أحد الأحاديث المقطوعة في صحيح مسلم وهى اثنا عشر حديثا سبق بيانها في الفصول المذكورة في مقدمة هذا الشرح لأن مسلما لم ينكر من سمع منه هذا الحديث قال القاضي إذا قال الراوى حدثنى غير واحد أو حدثنى الثقة أو حدثنى بعض أصحابنا ليس هو من المقطوع ولا من المرسل ولا من المعضل عند أهل هذا الفن بل هو من باب الرواية عن المجهول وهذا الذى قاله القاضي هو الصواب لكن كيف كان فلا يحتج بهذا المتن من هذه الرواية لو لم يثبت من طريق آخر ولكن قد ثبت من طريق آخر فقد رواه البخارى في صحيحه عن إسماعيل بن أبى أويس ولعل مسلما أراد بقوله غير واحد البخارى وغيره وقد حدث مسلم عن إسماعيل هذا من غير واسطة في كتاب الحج وفي آخر كتاب الجهاد وروى مسلم أيضا عن أحمد بن يوسف الأزدى عن إسماعيل في كتاب اللعان وفي كتاب الفضائل والله أعلم قوله ( وفي هذا الباب قال مسلم بن الحجاج روى الليث بن سعد قال حدثنى جعفر بن ربيعة ) هذا أحد الأحاديث المقطوعة في صحيح مسلم ويسمى معلقا وسبق في التيمم مثله بهذا الاسناد وهذا الحديث المذكور هنا متصل عن الليث ورواه البخارى في صحيحه عن يحيى بن بكير عن الليث عن جعفر بن ربيعة بإسناده المذكور هنا ورواه النسائى عن الربيع بن سليمان عن شعيب بن الليث عن أبيه عن جعفر بن ربيعة قوله ( وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه ) أى يطلب منه ان يضع عنه بعض ) الدين ويرفق به في الاستيفاء والمطالبة وفي هذا الحديث دليل على أنه لا بأس بمثل هذا ولكن بشرط أن لا ينتهي إلى الإلحاح وإهانة النفس أو الإيذاء ونحو ذلك إلا من ضرورة والله أعلم قوله وحدثني غير واحد من أصحابنا قالوا حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال وحدثني أخي قال جماعة من الحفاظ هذا أحد الأحاديث المقطوعة في صحيح مسلم وهي اثنا عشر حديثا سبق بيانها في الفصول المذكورة في مقدمة هذا الشرح لأن مسلما لم ينكر من سمع منه هذا الحديث قال القاضي إذا قال الراوي حدثني غير واحد أو حدثني الثقة أو حدثني بعض أصحابنا ليس هو من المقطوع ولا من المرسل ولا من المعضل عند أهل هذا الفن بل هو من باب الرواية عن المجهول وهذا الذي قاله القاضي هو الصواب لكن كيف كان فلا يحتج بهذا المتن من هذه الرواية لو لم يثبت من طريق آخر ولكن قد ثبت من طريق آخر فقد رواه البخاري في صحيحه عن إسماعيل بن أبي أويس ولعل مسلما أراد بقوله غير واحد البخاري وغيره وقد حدث مسلم عن إسماعيل هذا من غير واسطة في كتاب الحج وفي آخر كتاب الجهاد وروى مسلم أيضا عن أحمد بن يوسف الأزدي عن إسماعيل في كتاب اللعان وفي كتاب الفضائل والله أعلم قوله وفي هذا الباب قال مسلم بن الحجاج روى الليث بن سعد قال حدثني جعفر بن ربيعة هذا أحد الأحاديث المقطوعة في صحيح مسلم ويسمى معلقا وسبق في التيمم مثله بهذا الإسناد وهذا الحديث المذكور هنا متصل عن الليث ورواه البخاري في صحيحه عن يحيى بن بكير عن الليث عن جعفر بن ربيعة بإسناده المذكور هنا ورواه النسائي عن الربيع بن سليمان عن شعيب بن الليث عن أبيه عن جعفر بن ربيعة قوله وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه أي يطلب منه أن يضع عنه بعض الدين ويرفق به في الاستيفاء والمطالبة وفي هذا الحديث دليل على انه لا بأس بمثل هذا ولكن بشرط أن لا ينتهى إلى الالحاح وإهانة النفس أو الايذاء ونحو ذلك الا من ضرورة والله أعلم 1558 قوله صلى الله عليه وسلم ( أين المتألى على الله لا يفعل المعروف قال أنا يا رسول الله وله ) أي ذلك أحب المتألى الحالف والألية اليمين وفي هذا كراهة الحلف على ترك الخير وانكار ذلك وأنه يستحب لمن حلف لا يفعل خيرا أن يحنث فيكفر عن يمينه وفيه الشفاعة إلى أصحاب الحقوق وقبول الشفاعة في الخير قوله ( تقاضى بن أبى حدرد دينا كان له عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فارتفعت أصواتهم ) معنى تقاضاه طالبه به وأراد قضاه وحدرد بفتح الحاء والراء وفي هذا الحديث جواز المطالبة بالدين في المسجد والشفاعة إلى صاحب الحق والاصلاح بين الخصوم وحسن التوسط بينهم وقبول الشفاعة في غير معصية وجواز الاشارة واعتمادها قوله فأشار إليه بيده أن ضع الشطر قوله ( كشف سجف حجرته ) هو بكسر السين وفتحها لغتان واسكان الجيم والله أعلم
1 ( باب من أدرك ما باعه عند المشترى وقد أفلس فله الرجوع فيه ) 1559 قوله ( حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس حدثنا زهير حدثنا يحيى بن سعيد أخبرنى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ان عمر بن عبد العزيز أخبره أن أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول ) هذا الاسناد فيه أربعة من التابعين يروى بعضهم عن بعض وهم يحيى بن سعيد الانصارى وأبو بكر بن محمد بن عمرو وعمر وأبو بكر بن عبد الرحمن ولهذا نظائر سبقت قوله صلى الله عليه وسلم ( من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به من غيره ) وفي رواية عن النبى صلى الله عليه وسلم في الرجل الذى يعدم ) اذا وجد عنده المتاع ولم يفرقه أنه لصاحبه الذى باعه اختلف العلماء فيمن اشترى سلعة فأفلس أو مات قبل أن يؤدى ثمنها ولا وفاء عنده وكانت السلعة باقية بحالها فقال الشافعى وطائفة بائعها بالخيار إن شاء بركها وضارب مع الغرماء بثمنها وإن شاء رجع فيها بعينها في صورة الافلاس والموت وقال أبو حنيفة لا يجوز له الرجوع فيها بل تتعين المضاربة وقال مالك يرجع في صورة الافلاس ويضارب في الموت واحتج الشافعى بهذه الأحاديث مع حديثه في الموت في سنن أبى داود وغيره وتأولها أبو حنيفة تأويلات ضعيفة مردودة وتعلق بشيء يروى عن علي وبن مسعود رضى الله عنهما وليس بثابت عنهما قوله ( حدثنا محمد بن المثنى حدثنا محمد بن جعفر وعبد الرحمن بن مهدى قالا حدثنا شعبة عن قتادة عن النضر بن أنس ثم قال وحدثنى زهير بن حرب حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا سعيد ) هكذا هو في جميع نسخ بلادنا في الإسناد الأول شعبة بضم الشين المعجمة وهو شعبة بن الحجاج وفي الثاني سعيد بفتح السين المهملة وهو سعيد بن أبي عروبة وكذا نقله القاضي عن رواية الجلودي قال ووقع في رواية بن ماهان في الثاني شعبة أيضا بضم الشين المعجمة قال والصواب الأول قوله ( وحدثني محمد بن أحمد بن أبي خلف وحجاج بن الشاعر قال حدثنا أبو سلمة الخزاعي قال حجاج منصور بن سلمة قال أخبرنا سليمان بن بلال ) هكذا هو في معظم نسخ بلادنا وأصولهم المحققة قال حجاج منصور بن سلمة ومعناه أن أبا سلمة الخزاعي هذا اسمه منصور بن سلمة فذكره محمد بن أحمد بن أبي خلف بكنيته وذكره حجاج باسمه وهذا صحيح وذكر القاضي عياض أنه وقع في معظم نسخ بلادهم ولعامة رواتهم قال حجاج حدثنا منصور بن سلمة فزاد لفظه حدثنا قال القاضي والصواب حذف لفظه حدثنا كما وقع لبعض الرواة قال ويمكن تأويل هذا الثاني على موافقة الأول على أن المراد أن محمد بن أحمد كناه وحجاج سماه 1 ( باب فضل أنظار المعسر والتجاوز ( في الاقتضاء من الموسر والمعسر ) )
1560 قوله ( كنت أداين الناس فآمر فتياني أن ينظروا المعسر ويتجوزوا عن الموسر ) قال الله تجوزوا عنه وفي رواية كنت أقبل الميسور وأتجاوز عن المعسور وفي رواية كنت أنظر المعسر وأتجوز في السكة أو في النقد وفي رواية وكان من خلقي الجواز فكنت أتيسر على الموسر وأنظر المعسر فقوله فتياني معناه غلماني كما صرح به في الرواية الأخرى والتجاوز والتجوز معناهما المسامحة في الاقتضاء والاستيفاء وقبول ما فيه نقص يسير كما قال وأتجوز في السكة وفي هذه الأحاديث فضل إنظار المعسر والوضع عنه إما كل الدين وإما بعضه من كثير أو قليل وفضل المسامحة في الاقتضاء وفي الاستيفاء سواء استوفى من موسر أو معسر وفضل الوضع من الدين وأنه لا يحتقر شيء من أفعال الخير فلعله سبب السعادة والرحمة وفيه جواز توكيل العبيد والإذن لهم في التصرف وهذا على قول من يقول شرع من قبلنا شرع لنا ) قوله ( الميسور والمعسور ) أي آخذ ما تيسر وأسامح بما تعسر قوله ( حدثنا أبو سعيد الأشج ) قال حدثنا أبو خالد الأحمر عن سعد بن طارق عن ربعي بن حراش عن حذيفة ) ثم قال في آخر الحديث فقال عقبة بن عامر الجهني وأبو مسعود الأنصاري هكذا سمعناه من في رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا هو في جميع النسخ فقال عقبة بن عامر وأبو مسعود قال الحفاظ هذا الحديث إنما هو محفوظ لأبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري وحده وليس لعقبة بن عامر فيه رواية قال الدارقطني والوهم في هذا الاسناد من أبي خالد الأحمر قال وصوابه عقبة بن عمر وأبو مسعود الأنصاري كذا رواه أصحاب أبي مالك سعد بن طارق وتابعهم نعيم بن أبي هند وعبد الملك بن عمير ومنصور وغيرهم عن ربعي عن حذيفة فقالوا في آخر الحديث فقال عقبة بن عمر وأبو مسعود وقد ذكر مسلم في هذا الباب حديث منصور ونعيم وعبد الملك والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر ) كرب بضم الكاف وفتح الراء جمع كربة ومعنى ينفس أي يمد ويؤخر المطالبة وقيل معناه يفرج عنه والله أعلم 1 ( باب تحريم مطل الغنى وصحة الحوالة واستحباب قبولها ( اذا أحيل على ملئ ) ) 1564 قوله صلى الله عليه وسلم ( مطل الغنى ظلم ) قال القاضي وغيره المطل منع قضاء ما استحق أداؤه فمطل الغنى ظلم وحرام ومطل غير الغنى ليس بظلم ولا حرام لمفهوم الحديث ولأنه معذور ولو كان غنيا ولكنه ليس متمكنا من الأداء لغيبة المال أو لغير ذلك جاز له التأخير إلى الامكان وهذا مخصوص من مطل الغنى أو يقال المراد بالغنى المتمكن من الأداء فلا يدخل هذا فيه قال بعضهم وفيه دلالة لمذهب مالك والشافعى والجمهور أن المعسر لايحل حبسه ولا ملازمته ولا مطالبته حتى يوسر وقد سبقت المسألة في باب المفلس وقد اختلف أصحاب مالك وغيرهم في أن المماطل هل يفسق وترد شهادته بمطلة مرة واحدة أم لا ترد شهادته حتى يتكرر ذلك منه ويصير عادة ومقتضى مذهبنا اشتراط التكرار وجاء في الحديث الآخر في غير مسلم لى الواجد يحل عرضه وعقوبته اللى بفتح اللام وتشديد الياء وهو المطل والواجد بالجيم الموسر قال العلماء يحل عرضه بأن يقول ظلمنى ومطلنى وعقوبته الحبس والتعزير قوله صلى الله عليه وسلم ) ( وإذا اتبع أحدكم على ملئ فليتبع ) هو بإسكان التاء في أتبع وفي فليتبع مثل أخرج فليخرج هذا هو الصواب المشهور في الروايات والمعروف في كتب اللغة وكتب غريب الحديث ونقل القاضي وغيره عن بعض المحدثين أنه يشددها في الكلمة الثانية والصواب الأول ومعناه وإذا أحيل بالدين الذى له على موسر فليحتل يقال منه تبعت الرجل لحقى أتبعه تباعه فأنا تبع وإذا طلبته قال الله تعالى ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا ثم مذهب أصحابنا والجمهور أنه اذا أحيل على ملى استحب له قبول الحوالة وحملوا الحديث على الندب وقال بعض العلماء القبول مباح لا مندوب وقال بعضهم واجب لظاهر الأمر وهو مذهب داود الظاهرى وغيره
1 ( باب تحريم بيع فضل الماء الذى يكون بالفلاة ويحتاج إليه ( لرعى الكلأ وتحريم منع بذله وتحريم بيع ضراب الفحل ) ) 1565 قوله ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع فضل الماء ) وفي رواية عن بيع ضراب الجمل وعن بيع الماء والأرض لتحرث وفي رواية لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ وفي رواية لا يباع فضل الماء ليباع به الكلأ أما النهى عن بيع فضل الماء ليمنع بها الكلأ فمعناه أن تكون لانسان بئر مملوكة له بالفلاة وفيها ماء فاضل عن حاجته ويكون هناك كلأ ) ليس عنده ماء الا هذه فلا يمكن أصحاب المواشى رعيه الا اذا حصل لهم السقى من هذه البئر فيحرم عليه منع فضل هذا الماء للماشية ويجب بذله لها بلا عوض لأنه اذا منع بذله امتنع الناس من رعى ذلك الكلأ خوفا على مواشيهم من العطش ويكون بمنعه الماء مانعا من رعى الكلأ وأما الرواية الأولى نهى عن بيع فضل الماء فهي محمولة على هذه الثانية التى فيها ليمنع به الكلأ ويحتمل أنه في غيره ويكون نهى تنزيه قال أصحابنا يجب بذل فضل الماء بالفلاة كما ذكرناه بشروط أحدها أن لا يكون ماء آخر يستغنى به والثانى أن يكون البذل لحاجة الماشية لا لسقى الزرع والثالث ان لا يكون مالكه محتاجا إليه واعلم أن المذهب الصحيح أن من تبع في ملكه ماء صار مملوكا له وقال بعض أصحابنا لا يملكه أما اذا أخذ الماء في إناء من الماء المباح فإنه يملكه هذا هو الصواب وقد نقل بعضهم الاجماع عليه وقال بعض أصحابنا لا يملكه بل يكون أخص به وهذا غلط ظاهر وأما قوله لا يباع فضل الماء ليباع به الكلأ فمعناه أنه اذا كان فضل ماء بالفلاة كما ذكرنا وهناك كلأ لا يمكن رعيه الا اذا تمكنوا من سقى الماشية من هذا الماء فيجب عليه بذل هذا الماء للماشية بلا عوض ويحرم عليه بيعه لأنه اذا باعه كأنه باع الكلأ المباح للناس كلهم الذى ليس مملوكا لهذا البائع وسبب ذلك أن أصحاب الماشية لم يبذلوا الثمن في الماء لمجرد إرادة الماء بل ليتوصلوا به إلى رعي الكلأ فمقصودهم تحصيل الكلأ فصار ببيع الماء كأنه باع الكلأ والله أعلم قال أهل اللغة الكلأ مهموز مقصور هو النبات سواء كان رطبا أو يابسا وأما الحشيش والهشيم فهو مختص باليابس وأما الخلى فمقصور غير مهموز والعشب مختص بالرطب ويقال له أيضا الرطب بضم الراء واسكان الطاء قوله ( نهى عن بيع الأرض لتحرث ) معناه نهى عن إجارتها للزرع وقد سبقت المسألة واضحة في باب كراء الأرض وذكرنا أن الجمهور يجوزون اجارتها بالدراهم والثياب ونحوها ويتأولون النهى تأويلين أحدهما أنه نهى تنزيه ليعتادوا إعارتها وإرفاق بعضهم بعضا والثانى أنه محمول على إجارتها على أن يكون لمالكها قطعة معينة من الزرع وحملة القائلون بمنع المزارعة على اجارتها بجزء مما يخرج منها والله أعلم قوله ( نهى عن ضراب الجمل ) معناه عن أجرة ضرابه وهو عسب الفحل المذكور في حديث آخر وهو بفتح العين واسكان السين المهملتين وبالباء الموحدة وقد اختلف العلماء في إجارة الفحل وغيره من الدواب للضراب فقال الشافعى وأبو حنيفة وأبو ثور وآخرون استئجاره لذلك باطل وحرام ولا يستحق فيه عوض ولو أنزاه المستأجر لا يلزمه المسمى من أجره ولا أجرة مثل ولا شئ من الأموال قالوا لأنه غرر مجهول وغير مقدور على تسليمه وقال جماعة من الصحابة والتابعين ومالك وآخرون يجوز استئجاره لضراب مدة معلومة أو لضربات معلومة لأن الحاجة تدعو إليه وهي منفعة مقصودة وحملوا النهى على التنزيه والحث على مكارم الأخلاق كما حملوا عليه ما قرنه به من النهى عن إجارة الأرض والله أعلم 1 ( باب تحريم ثمن الكلب وحلوان الكاهن ومهر البغى ( والنهى عن بيع السنور ) )
1567 قوله ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب ومهر البغى وحلوان الكاهن ) وفي الحديث الآخر شر الكسب مهر البغى وثمن الكلب وكسب الحجام وفي رواية ثمن الكلب خبيث ومهر البغى خبيث وكسب الحجام خبيث وفي الحديث الآخر سألت جابرا عن ثمن الكلب والسنور فقال زجر النبى صلى الله عليه وسلم عنه أما مهر البغى فهو ما تأخذه الزانية على الزنى وسماه مهرا لكونه على صورته وهو حرام بإجماع المسلمين وأما حلوان الكاهن فهو ما يعطاه على كهانته يقال منه حلوته حلوانا اذا أعطيته قال الهروى وغيره أصله من الحلاوة شبه بالشئ الحلو من حيث انه يأخذه سهلا بلا كلفة ولا في مقابلة مشقة يقال حلوته اذا أطعمته الحلو كما يقال عسلته اذا أطعمته العسل قال أبو عبيد ويطلق الحلوان أيضا على غير هذا وهو أن يأخذ الرجل مهر ابنته لنفسه وذلك عيب عند النساء قالت امرأه تمدح زوجها لا يأخذ الحلوان عن بناتنا قال البغوى من أصحابنا والقاضى عياض أجمع المسلمون على تحريم حلوان الكاهن لأنه عوض عن محرم ولأنه أكل المال بالباطل وكذلك أجمعوا على تحريم أجرة المغنية للغناء والنائحة للنوح وأما الذى جاء في غير صحيح مسلم من النهى عن كسب الاماء فالمراد به كسبهن بالزنى وشبهه لا بالغزل والخياطة ونحوهما وقال الخطابي قال بن الاعرابى ويقال حلوان الكاهن الشنع والصهميم قال الخطابى وحلوان العراف أيضا حرام قال والفرق بين الكاهن والعراف أن الكاهن إنما يتعاطى الأخبار عن الكائنات في مستقبل الزمان ويدعى معرفة الأسرار ) والعراف هو الذى يدعى معرفة الشئ المسروق ومكان الضالة ونحوهما من الأمور هكذا ذكره الخطابى في معالم السنن في كتاب البيوع ثم ذكره في آخر الكتاب أبسط من هذا فقال إن الكاهن هو الذى يدعى مطالعة علم الغيب ويخبر الناس عن الكوائن قال وكان في العرب كهنة يدعون أنهم يعرفون كثيرا من الأمور فمنهم من يزعم أن له رفقاء من الجن وتابعة تلقى إليه الأخبار ومنهم من كان يدعى أنه يستدرك الأمور بفهم أعطيه وكان منهم من يسمى عرافا وهو الذى يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها كالشئ يسرق فيعرف المظنون به السرقة وتتهم المرأه بالريبة فيعرف من صاحبها ونحو ذلك من الأمور ومنهم من كان يسمى المنجم كاهنا قال وحديث النهى عن اتيان الكهان يشتمل على النهى عن هؤلاء كلهم وعلى النهى عن تصديقهم والرجوع إلى قولهم ومنهم من كان يدعو الطبيب كاهنا وربما سموه عرافا فهذا غير داخل في النهى هذا آخر كلام الخطابى قال الامام أبو الحسن الماوردى من أصحابنا في آخر كتابه الأحكام السلطانية ويمنع المحتسب من يكتسب بالكهانة واللهو ويؤدب عليه الآخذ والمعطى والله أعلم وأما النهى عن ثمن الكلب وكونه من شر الكسب وكونه خبيثا فيدل على تحريم بيعه وأنه لا يصح بيعه ولا يحل ثمنه ولا قيمة على متلفه سواء كان معلما أم لا وسواء كان مما يجوز اقتناؤه أم لا وبهذا قال جماهير العلماء منهم أبو هريرة والحسن البصرى وربيعة والأوزاعى والحكم وحماد والشافعى وأحمد وداود وبن المنذر وغيرهم وقال أبو حنيفة يصح بيع الكلاب التى فيها منفعة وتجب القيمة على متلفها وحكى بن المنذر عن جابر وعطاء والنخعى جواز بيع كلب الصيد دون غيره وعن مالك روايات احداها لا يجوز بيعه ولكن تجب القيمة على متلفه والثانية يصح بيعه وتجب القيمة والثالثة لا يصح ولا تجب القيمة على متلفه دليل الجمهور هذه الأحاديث وأما الأحاديث الواردة في النهى عن ثمن الكلب الا كلب صيد وفي رواية الا كلبا ضاريا وأن عثمان غرم انسانا ثمن كلب قتله عشرين بعيرا وعن بن عمرو بن العاص التغريم في اتلافه فكلها ضعيفة بإتفاق أئمة الحديث وقد أوضحتها في شرح المهذب في باب ما يجوز بيعه وأما كسب الحجام وكونه خبيثا ومن شر الكسب ففيه دليل لمن يقول بتحريمه وقد اختلف العلماء في كسب الحجام فقال الأكثرون من السلف والخلف لا يحرم كسب الحجام ولا يحرم أكله لا على الحر ولا على العبد وهو المشهور من مذهب أحمد وقال في رواية عنه قال بها فقهاء المحدثين يحرم على الحر دون العبد واعتمدوا هذه الأحاديث وشبهها واحتج الجمهور بحديث بن عباس رضى الله عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجام أجره قالوا ولو كان حراما لم يعطه رواه البخارى ومسلم وحملوا هذه الأحاديث التى في النهى على التنزيه والارتفاع عن دنئ الاكساب والحث على مكارم الاخلاق ومعالى الأمور ولو كان حراما لم يفرق فيه بين الحر والعبد فإنه لا يجوز للرجل أن يطعم عبده مالا يحل وأما النهى عن ثمن السنور فهو محمول على أنه لا ينفع أو على أنه نهى تنزيه حتى يعتاد الناس هبته وإعارته والسماحة به كما هو الغالب فإن كان مما ينفع وباعه صح البيع وكان ثمنه حلالا هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة الا ما حكى بن المنذر وعن أبى هريرة وطاوس ومجاهد وجابر بن زيد أنه لا يجوز بيعه واحتجوا بالحديث وأجاب الجمهور عنه بأنه محمول على ما ذكرناه فهذا هو الجواب المعتمد وأما ما ذكره الخطابى وأبو عمرو بن عبد البر من أن الحديث في النهى عنه ضعيف فليس كما قالا بل الحديث صحيح رواه مسلم وغيره وقول بن عبد البر انه لم يروه عن أبى الزبير غير حماد بن سلمة غلط منه أيضا لأن مسلما قد رواه في صحيحه كما تروى من رواية معقل بن عبيد الله عن أبى الزبير فهذان ثقتان روياه عن أبى الزبير وهو ثقة أيضا والله أعلم
1 ( باب الامر بقتل الكلاب وبيان نسخه وبيان تحريم اقتنائها ( الا لصيد أو زرع أو ماشية ونحو ذلك ) )
1570 قوله ( ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب ) وفي رواية أمر بقتل الكلاب فأرسل في أقطار المدينة أن تقتل وفي رواية أنه كان يأمر بقتل الكلاب فتتبعت في المدينة وأطرافها فلا ندع كلبا الا قتلناه حتى انا لنقتل كلب المرية من أهل البادية يتبعها وفي رواية أمر بقتل الكلاب الا كلب صيد أو كلب غنم أو ماشية فقيل لابن عمر إن أبا هريرة يقول أو كلب زرع فقال بن عمر إن لأبى هريرة زرعا وفي رواية جابر أمرنا رسول الله بقتل الكلاب حتى ان المرأة تقدم من البادية بكلبها فتقتله ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتلها ) وقال عليكم بالأسود البهيم ذى النقطتين فإنه شيطان وفي رواية بن المفضل قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب ثم قال ما بالهم وبال الكلاب ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم وفي رواية له في كلب الغنم والصيد والزرع وفي حديث بن عمر من اقتنى كلبا الا كلب ماشية أو ضار نقص من عمله كل يوم قيراطان وفي رواية ينقص من أجره كل يوم قيراط وفي رواية أبى هريرة من اقتنى كلبا ليس بكلب صيد ولا ماشية ولا أرض فإنه ينقص من أجره قيرطان كل يوم وفي رواية له انتقص من أجره كل يوم قيراط وفي رواية سفيان بن أبى زهير من اقتنى كلبا لا يغنى عنه زرعا ولا ضرعا نقص من عمله كل يوم قيراط أجمع العلماء على قتل الكلب الكلب والكلب العقور واختلفوا في قتل مالا ضرر فيه فقال امام الحرمين من أصحابنا أمر النبى صلى الله عليه وسلم أولا بقتلها كلها ثم نسخ ذلك ونهى عن قتلها الا الأسود البهيم ثم استقر الشرع على النهى عن قتل جميع الكلاب التى لا ضرر فيها سواء الاسود وغيره ويستدل لما ذكره بحديث بن المغفل وقال القاضي عياض ذهب كثير من العلماء إلى الأخذ بالحديث في قتل الكلاب الا ما استثنى من كلب الصيد وغيره قال وهذا مذهب مالك وأصحابه قال واختلف القائلون بهذا هل كلب الصيد ونحوه منسوخ من العموم الأول في الحكم بقتل الكلاب وإن القتل كان عاما في الجميع أم كان مخصوصا بما سوى ذلك قال وذهب آخرون إلى جواز اتخاذ جميعها البهيم قال القاضي وعندى أن النهى أولا كان نهيا عاما عن اقتناء جميعها وأمر بقتل جميعها ثم نهى عن قتلها ما سوى الأسود ومنع الاقتناء في جميعها الا كلب صيد أو زرع أو ماشية وهذا الذى قاله القاضي هو ظاهر الأحاديث ويكون حديث بن المغفل مخصوصا بما سوى الأسود لأنه عام فيخص منه الأسود بالحديث الآخر وأما اقتناء الكلاب فمذهبنا أنه يحرم اقتناء الكلب بغير حاجة ويجوز اقتناؤه للصيد وللزرع وللماشية وهل يجوز لحفظ الدور والدروب ونحوها فيه وجهان أحدهما لا يجوز لظواهر الأحاديث فإنها مصرحة بالنهى الا لزرع أو صيد أو ماشية وأصحها يجوز قياسا على الثلاثة عملا بالعلة المفهومة من الاحاديث وهى الحاجة وهل يجوز اقتناء الجرو وتربيته للصيد أو الزرع أو الماشية فيه وجهان لأصحابنا أصحهما جوازه قوله ( قال بن عمران لأبى هريرة زرعا ) وقال سالم في الرواية الأخرى وكان أبو هريرة يقول أو كلب حرث وكان صاحب حرث قال العلماء ليس هذا توهينا لرواية أبى هريرة ولا شكا فيها بل معناه أنه لما كان صاحب زرع وحرث اعتنى بذلك وحفظه وأتقنه والعادة أن المبتلى بشئ يتقنه مالا يتقنه غيره ويتعرف من أحكامه مالا يعرفه غيره وقد ذكر مسلم هذه الزيادة وهى اتخاذه للزرع من رواية بن المغفل ومن رواية سفيان بن أبى زهير عن النبى صلى الله عليه وسلم وذكرها أيضا مسلم من رواية بن الحكم واسمه عبد الرحمن بن أبى نعم البجلى عن بن عمر فيحتمل أن بن عمر لما سمعها من أبى هريرة وتحققها عن النبى صلى الله عليه وسلم رواها عنه بعد ذلك وزادها في حديثه الذى كان يرويه بدونها ويحتمل أنه تذكر في وقت أنه سمعها من النبى صلى الله عليه وسلم فرواها ونسيها في وقت فتركها والحاصل أن أبا هريرة ليس منفردا بهذه الزيادة بل وافقة جماعة من الصحابة في روايتها عن النبى صلى الله عليه وسلم ولو انفرد بها لكانت مقبولة مرضية مكرمة 1572 قوله صلى الله عليه وسلم ( بالأسود البهيم ذى النقطتين ) فإنه شيطان معنى البهيم الخالص السواد وأما النقطتان فهما نقطتان معروفتان بيضاوان فوق عينيه وهذا مشاهد معروف وقوله صلى الله عليه وسلم ( فإنه شيطان ) احتج به أحمد بن حنبل وبعض أصحابنا في انه لا يجوز صيد الكلب الاسود البهيم ولا يحل اذا قتله لأنه شيطان وإنما حل صيد الكلب وقال الشافعى ومالك وجماهير العلماء يحل صيد الكلب الأسود كغيره وليس المراد بالحديث اخراجه عن جنس الكلاب ولهذا لو ولغ في اناء وغيره وجب غسله كما يغسل من ولوغ الكلب الأبيض 1573 قوله صلى الله عليه وسلم ( ما بالهم وبال الكلاب ) أى ما شأنهم أي ليتركوها قوله صلى الله عليه وسلم ( من اقتنى كلبا الا كلب ماشية أو ضارى ) هكذا هو في معظم النسخ ضارى بالياء وفي بعضها ضاريا بالألف بعد الياء منصوبا وفي الرواية الثانية من اقتنى كلبا الا كلب ضارية وذكر القاضي أن الأول روى ضارى بالياء وضار بحذفها وضاريا فاما ضاريا فهو ظاهر الاعراب وأما ضارى وضار فهما مجروران على العطف على ماشية ويكون من اضافة الموصوف إلى صفته كماء البارد ومسجد الجامع ومنه قوله تعالى بجانب الغربى ولدار الآخرة وسبق بيان هذا مرات ويكون ثبوت الياء في ضارى على اللغة القليلة في اثباتها في المنقوص من غير ألف ولام والمشهور حذفها وقيل ان لفظة ضار هنا صفة للرجل الصائد صاحب الكلاب المعتاد للصيد فسماه ضاريا استعارة كما في الرواية الأخرى الا كلب ماشية أو كلب صائد وأما رواية الا كلب ضارية فقالوا تقديره الا كلب ذى كلاب ضارية والضارى هو المعلم الصيد المعتاد له يقال منه ضرى الكلب يضرى كشرى يشرى ضرا وضراوة وأضراه صاحبه أى عوده ذلك وقد ضرى بالصيد اذا لهج به ومنه قول عمر رضى الله عنه ان للحم ضراوة كضراوة الخمر قال جماعة معناه ان له عادة ينزع اليها كعادة الخمر وقال الأزهرى معناه ان لأهله عادة في أكله كعادة شارب الخمر في ملازمته وكما أن من اعتاد الخمر لا يكاد يصبر عنها كذا من اعتاد اللحم قوله صلى الله عليه وسلم ( نقص من أجره ) وفي رواية من عمله كل يوم قيراطان وفي رواية قيراط فأما رواية عمله فمعناه من أجر عمله وأما القيراط هنا فهو مقدار معلوم عند الله تعالى والمراد نقص جزء من أجر عمله وأما اختلاف الرواية في قيراط وقيراطين فقيل يحتمل أنه في نوعين من الكلاب أحدهما أشد أذى من الآخر ولمعنى فيهما أو يكون ذلك مختلفا باختلاف المواضع فيكون القيراطان في المدينة خاصة لزيادة فضلها والقيراط في غيرها أو القيراطان في المدائن ونحوها من القرى والقيراط في البوادى أو يكون ذلك في زمنين فذكر القيراط أولا ثم زاد التغليظ فذكر القيراطين قال الروياني من أصحابنا في كتابه البحر اختلفوا في المراد بما ينقص منه فقيل ينقص مما مضى من عمله وقيل من مستقبله قال واختلفوا في محل نقص القيراطين فقيل ينقص قيراط من عمل النهار وقيراط من عمل الليل أو قيراط من عمل الفرض وقيراط من عمل النفل والله أعلم واختلف العلماء في سبب نقصان الأجر باقتناء الكلب فقيل لامتناع الملائكة من دخول بيته بسببه وقيل لما يلحق المارين من الأذى من ترويع الكلب لهم وقصده إياهم وقيل إن ذلك عقوبة له لاتخاذه ما نهى عن اتخاذه وعصيانه في ذلك وقيل لما يبتلى به من ولوغه في غفلة صاحبه ولا يغسله بالماء والتراب والله أعلم 1576 قوله صلى الله عليه وسلم ( من اقتنى كلبا لا يغني عنه زرعا ولا ضرعا ) المراد بالضرع الماشية كما في سائر الروايات ومعناه من اقتنى كلبا لغير زرع وماشية وقوله ( وفد عليهم سفيان بن أبي زهير الشنائي ) هكذا هو في معظم النسخ بشين معجمة مفتوحة ثم نون مفتوحة ثم همزة مكسورة منسوب إلى أزد شنوءة بشين مفتوحة ثم نون مضمومة ثم همزة ممدودة ثم هاء ووقع في بعض النسخ المعتمدة الشنوى بالواو وهو صحيح على إرادة التسهيل ورواه بعض رواة البخاري شنوى بضم النون على الأصل
1 ( باب حل أجرة الحجامة ) ذكر فيه الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجام أجره قال بن عباس ولو كان سحتا لم يعطه وقد سبق قريبا في باب تحريم ثمن الكلب بيان اختلاف العلماء في أجرة الحجامة وفي هذه ) الأحاديث إباحة نفس الحجامة وأنها من أفضل الأدوية وفيها اباحة التداوي وإباحة الأجرة على المعالجة بالتطبب وفيها الشفاعة إلى أصحاب الحقوق والديون في أن يخففوا منها وفيها جواز مخارجة العبد برضاه ورضاء سيده وحقيقة المخارجة أن يقول السيد لعبده تكتسب وتعطيني من الكسب كل يوم درهما مثلا والباقي لك أو في كل أسبوع كذا وكذا ويشترط رضاهما 1577 قوله ( حجمه أبو طيبة ) هو بطاء مهملة مفتوحة ثم ياء مثناة تحت ثم باء موحدة وهو عبد لبني بياضة اسمه نافع وقيل غير ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ( فلا تعذبوا صبيانكم بالغمز ) هو بغين معجمة مفتوحة ثم ميم ساكنة ثم زاي معناه لا تغمزوا حلق الصبي بسبب العذرة وهو وجع الحلق بل داووه بالقسط البحري وهو العود الهندي 1 ( باب تحريم بيع الخمر )
1578 قوله صلى الله عليه وسلم ( إن الله يعرض بالخمر ولعل الله سينزل فيها أمرا فمن كان عنده منها شيء فليبعه ولينتفع به ) قال فما لبثنا إلا يسيرا حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الله حرم الخمر فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشرب ولا يبع قال فاستقبل الناس بما كان عندهم منها في طريق المدينة فسفكوها ) يعني راقوها وفي هذا الحديث دليل على أن الأشياء قبل ورود الشرع لا تكليف فيها بتحريم ولا غيره وفي المسألة خلاف مشهور للأصوليين الأصح أنه لا حكم ولا تكليف قبل ورود الشرع لقوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) والثاني أن أصلها على التحريم حتى يرد الشرع بغير ذلك والثالث على الاباحة والرابع على الوقف وهذا الخلاف في غير التنفس ونحوه من الضروريات التي لا يمكن الاستغناء عنها فإنها ليست محرمة بلا خلاف الا على قول من يجوز تكليف ما لا يطاق وفي هذا الحديث أيضا بذل النصيحة للمسلمين في دينهم ودنياهم لأنه صلى الله عليه وسلم نصحهم في تعجيل الانتفاع بها ما دامت حلالا قوله صلى الله عليه وسلم ( فلا يشرب ولا يبع ) وفي الرواية الأخرى إن الذي حرم شربها حرم بيعها فيه تحريم بيع الخمر وهو مجمع عليه والعلة فيها عند الشافعي وموافقيه كونها نجسة أو ليس فيها منفعة مباحة مقصودة فيلحق بها جميع النجاسات كالسرجين وذرق الحمام وغيره وكذلك يلحق بها ماليس فيه منفعة مقصودة كالسباع التي لا تصلح للاصطياد والحشرات والحبة الواحدة من الحنطة ونحو ذلك فلا يجوز بيع شئ من ذلك وأما الحديث المشهور في كتب السنن عن أبن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه فمحمول على ما المقصود منه الأكل بخلاف ما المقصود منه غير ذلك كالعبد والبغل والحمار الأهلي فإن أكلها حرام وبيعها جائز بالاجماع قوله صلى الله عليه وسلم ( فمن أدركته هذه الآية ) أي أدركته حيا وبلغته والمراد بالآية قوله تعالى إنما الخمر والميسر الآية قوله ( فاستقبل الناس بما كان عندهم منها في طريق المدينة فسفكوها ) هذا دليل على تحريم تخليلها ووجوب المبادرة باراقتها وتحريم امساكها ولو جاز التخليل لبينه النبي صلى الله عليه وسلم لهم ونهاهم عن اضاعتها كما نصحهم وحثهم على الانتفاع بها قبل تحريمها حين توقع نزول تحريمها وكما نبه أهل الشاة الميتة على دباغ جلدها والانتفاع به وممن قال بتحريم تخليلها وأنها لا تطهر بذلك الشافعي وأحمد والثوري ومالك في أصح الروايتين عنه وجوزه الأوزاعي والليبث وأبو حنيفة ومالك في رواية عنه وأما إذا انقلبت بنفسها خلا فيظهر عند جميعهم الا ما حكي عن سحنون المالكي أنه قال لا يطهر قوله 1579 ( عن عبد الرحمن بن وعلة السبئى ) هو بسين مهملة مفتوحة ثم باء موحدة ثم همزة منسوب إلى سبأ وأما وعلة فبفتح الواو واسكان العين المهملة وسبق بيانه في آخر كتاب الطهارة في حديث الدباغ قوله صلى الله عليه وسلم للذي أهدى إليه الخمر ( هل علمت أن الله قد حرمها قال لا ) لعل السؤال كان ليعرف حاله فإن كان عالما بتحريمها أنكر عليه هديتها وامساكها وحملها وعزره على ذلك فلما أخبره أنه كان جاهلا بذلك عذره والظاهر أن هذه القضية كانت على قرب تحريم الخمر قبل اشتهار ذلك وفي هذا أن من ارتكب معصية جاهلا تحريمها لا إثم عليه ولا تعزيز قوله ( فسار أنسانا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم بم ساررته فقال أمرته ببيعها ) المسارر الذي خاطبه النبي صلى الله عليه وسلم هو الرجل الذي أهدى الزاوية كذا جاء مبينا في غير هذه الرواية وأنه رجل من دوس قال القاضي وغلط بعض الشارحين فظن أنه رجل آخر وفيه دليل لجواز سؤال الانسان عن بعض أسرار الانسان فإن كان مما يجب كتمانه كتمه والا فيذكره قوله ( ففتح المزاد ) هكذا وقع في أكثر النسخ المزاد بحذف الهاء في آخرها وفي بعضها المزادة بالهاء وقال في أول الحديث أهدى راوية وهي مي قال أبو عبيد هما بمعنى وقال بن السكيت إنما يقال لها مزادة وأما الراوية فإسم للبعير خاصة والمختار قول أبي عبيد وهذا الحديث يدل لأبي عبيد فإنه سماها راوية ومزاده قالوا سميت راوية لأنها تروى صاحبها ومن معه والمزادة لأنه يتزود فيها الماء في السفر وغيره وقيل لأنه يزاد فيها جلد ليتسع وفي قوله ففتح المراد دليل لمذهب الشافعي والجمهور أن أواني الخمر لا تكسر ولا تشق بل يراق ما فيها وعن مالك روايتان احداهما كالجمهور والثانية يكسر الاناء ويشق السقاء وهذا ضعيف لا أصل له وأما حديث أبي طلحة أنهم كسروا الدنان فإنما فعلوا ذلك بأنفسهم من غير أمر النبي صلى الله عليه وسلم قولها ( لما أنزلت 1580 الآيات من آخر سورة البقرة في الربا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقترأهن على الناس ثم حرم التجارة في الخمر ) قال القاضي وغيره تحريم الخمر هو في سورة المائدة وهي نزلت قبل آية الربا بمدة طويلة فإن آية الربا آخر مانزل أو من آخر ما نزل فيحتمل أن يكون هذا النهي عن التجارة متأخرا عن تحريمها ويحتمل أنه أخبر بتحريم التجارة حين حرمت الخمر ثم أخبر به مرة أخرى بعد نزول آية الربا توكيدا ومبالغة في اشاعته ولعله حضر المجلس من لم يكن بلغه تحريم التجارة فيها قبل ذلك والله أعلم
1 ( باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام ) 1581 قوله ( عن جابر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح وهو بمكة أن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والاصنام فقال يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فقال لا هو حرام ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك قاتل الله اليهود إن الله عز وجل لما حرم عليهم شحومها آجملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه ) يقال أجمل الشحم وجمله أي أذابه وأما قوله صلى الله عليه وسلم لا هو حرام فمعناه لا تبيعوها فإن بيعها حرام والضمير في هو يعود إلى البيع لا إلى الانتفاع هذا هو الصحيح عند الشافعي وأصحابه أنه يجوز الانتفاع بشحم الميتة في طلى السفن والاستصباح بها وغير ذلك مما ليس بأكل ولا في بدن الآدمي وبهذا قال أيضا عطاء بن أبي رباح ومحمد بن جرير الطبري وقال الجمهور لا يجوز الانتفاع به في شيء أصلا لعموم النهي عن الانتفاع بالميتة الا ماخص وهو الجلد المدبوغ وأما الزيت والسمن ونحوهما من الأدهان التي أصابتها نجاسة فهل يجوز الاستصباح بها ونحوه من الاستعمال في غير الأكل وغير البدن أو يجعل من الزيت صابون أو يطعم العسل المتنجس للنحل أو يطعم الميتة لكلابه أو يطعم الطعام النجس لدوابه ) فيه خلاف بين السلف الصحيح من مذهبنا جواز جميع ذلك ونقله القاضي عياض عن مالك وكثير من الصحابة والشافعي والثوري وأبي حنيفة وأصحابه والليث بن سعد قال وروى نحوه عن علي وبن عمر وأبي موسى والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر قال واجاز أبوحنيفة وأصحابه والليث وغيرهم بيع الزيت النجس إذا بينه وقال عبد الملك بن الماجشون وأحمد بن حنبل وأحمد بن صالح لا يجوز الانتفاع بشيء من ذلك كله في شيء من الأشياء والله أعلم قال العلماء وفي عموم تحريم بيع الميتة أنه يحرم بيع جثة الكافر إذا قتلناه وطلب الكفار شراءه أو دفع عوض عنه وقد جاء في الحديث أن نوفل بن عبد الله المخزومي قتله المسلمون يوم الخندق فبذل الكفار في جسده عشرة آلاف درهم للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يأخذها ودفعه إليهم وذكر الترمذي حديثا نحو هذا قال أصحابنا العلة في منع بيع الميتة والخمر والخنزير النجاسة فيتعدى إلى كل نجاسة والعلة في الأصنام كونها ليس فيها منفعة مباحة فإن كانت بحيث إذا كسرت ينتفع برضاضها ففي صحة بيعها خلاف مشهور لأصحابنا منهم من منعه لظاهر النهى واطلاقه ومنهم من جوزه اعتمادا على الانتفاع وتأول الحديث على مالم ينتفع برضاضه أو على كراهة التنزيه في الأصنام خاصة وأما الميتة والخمر والخنزير فأجمع المسلمون على تحريم بيع كل واحد منها والله أعلم قال القاضي تضمن هذا الحديث أن مالا يحل أكله والانتفاع به لا يجوز بيعه ولا يحل أكل ثمنه كما في الشحوم المذكورة في الحديث فاعترض بعض اليهود والملاحدة بأن الابن إذا ورث من أبيه جارية كان الأب وطئها فإنها تحرم على الابن ويحل له بيعها بالإجماع وأكل ثمنها قال القاضي وهذا تمويه على من لا علم عنده لأن جارية الأب لم يحرم على الابن منها غير الإستمتاع على هذا الولد دون غير من الناس ويحل لهذا الابن الانتفاع بها في جميع الأشياء سوى الاستمتاع ويحل لغيره الاستمتاع وغيره بخلاف الشحوم فإنها محرمة المقصود منها وهو الأكل منها على جميع اليهود وكذلك شحوم الميتة محرمة الاكل على كل أحد وكان ما عدا الأكل تابعا له بخلاف موطوت الأب والله أعلم 1 ( باب الربا )
مقصور وهو من ربا يربو فيكتب بالألف وتثنيته ربوان وأجاز الكوفيون كتبه وتثنيته بالياء لسبب الكسرة في أوله وغلطهم البصريون قال العلماء وقد كتبوه في المصحف بالواو وقال الفراء إنما كتبوه بالواو لأن أهل الحجاز تعلموا الخط من أهل الحيرة ولغتهم الربو فعلموهم صورة الخط على لغتهم قال وكذا قرأها أبو سماك العدوى بالواو وقرأ حمزة والكسائي بالامالة بسبب كسرة الراء وقرأ الباقون بالتفخيم لفتحة الياء قال ويجوز كتبه بالألف والواو والياء وقال أهل اللغة والرماء بالميم والمد هو الربا وكذلك الربية بضم الراء والتخفيف لغة في الربا وأصل الربا الزيادة يقال ربا الشيء يربو إذا زاد وأربى الرجل وأرمى عامل بالربا وقد أجمع المسلمون على تحريم الربا في الجملة وإن اختلفوا في ضابطه وتفاريعه قال الله تعالى وأحل الله البيع وحرم الربا والأحاديث فيه كثيرة مشهورة ونص النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث على تحريم الربا في ستة أشياء الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح فقال أهل الظاهر لا ربا في غير هذه الستة بناء على أصلهم في نفي القياس قال جميع العلماء سواهم لا يختص بالستة بل يتعدى إلى ما في معناها وهو ما يشاركها في العلة واختلفوا في العلة التي هي سبب تحريم الربا في الستة فقال الشافعي العلة في الذهب والفضة كونهما جنس الأثمان فلا يتعدى الربا منهما إلى غيرهما من الموزونات وغيرها لعدم المشاركة قال والعلة في الاربعة الباقية كونها مطعومة فيتعدى الربا منها إلى كل مطعوم وأما مالك فقال في الذهب والفضة كقول الشافعي رضي الله عنه وقال في الأربعة العلة فيها كونها تدخر للقوت وتصلح له فعداه إلى الزبيب لأنه كالتمر وإلى القطنية لأنها في معنى البر والشعير وأما أبو حنيفة فقال العلة في الذهب والفضة الوزن وفي الأربعة الكيل فيتعدى إلى كل موزون من نحاس وحديد وغيرهما وإلى كل مكيل كالجص والأشنان وغيرهما وقال سعيد بن المسيب وأحمد والشافعي في القديم العلة في الاربعة كونها مطعومة موزونة أو مكيلة بشرط الأمرين فعلى هذا لا ربا في البطيخ والسفرجل ونحوه مما لا يكال ولا يوزن وأجمع العلماء على جواز بيع الربوي بربوي لا يشاركه في العلة متفاضلا ومؤجلا وذلك كبيع الذهب بالحنطة وبيع الفضة بالشعير وغيره من المكيل وأجمعوا على أنه لا يجوز بيع الربوي بجنسه وأحدهما مؤجل وعلى أنه لا يجوز التفاضل إذا بيع بجنسه حالا كالذهب بالذهب وعلى أنه لا يجوز التفرق قبل التقابض إذا باعه بجنسه أو بغير جنسه مما يشاركه في العلة كالذهب بالفضة والحنطة بالشعير وعلى أنه يجوز التفاضل عند اختلاف الجنس إذا كان يدا بيد كصاع حنطة بصاعي شعير ولا خلاف بين العلماء في شيء من هذا إلا ما سنذكره إن شاء الله تعالى عن بن عباس في تخصيص الربا بالنسيئة قال العلماء وإذا بيع الذهب بذهب أو الفضة بفضة سميت مراطلة وإذا بيعت الفضة بذهب سمى صرفا لصرفه عن مقتضى البياعات من جواز الفاضل والتفرق قبل القبض والتأجيل وقيل من صريفهما وهو تصويتهما في الميزان والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( لا تبيعوا الذهب 1584 بالذهب ولا الورق بالورق إلا سواء بسواء ) قال العلماء هذا يتناول جميع أنواع الذهب والورق من جيد ورديء وصحيح ومكسور وحلى وتبر وغير ذلك وسواء الخالص والمخلوط بغيره وهذا كله مجمع عليه قوله صلى الله عليه وسلم ( ولا تشفوا بعضها على بعض ) هو بضم التاء وكسر الشين المعجمة وتشديد الفاء أي لا تفضلوا والشف بكسر الشين ويطلق أيضا على النقصان فهو من الأضداد يقال شف الدرهم بفتح الشين يشف بكسرها إذا زاد وإذا نقص وأشفه غيره يشفه قوله صلى الله عليه وسلم ( ولا تبيعوا منها غائبا بناجز ) المراد بالناجز الحاضر وبالغائب المؤجل وقد أجمع العلماء على تحريم بيع الذهب بالذهب أو بالفضة مؤجلا وكذلك الحنطة بالحنطة أو بالشعير وكذلك كل شيئين اشتركا في علة الربا أما إذا باع دينارا بدينار كلاهما في الذمة ثم أخرج كل واحد الدينار أو بعث من أحضر له دينارا من بيته وتقابضا في المجلس فيجوز بلا خلاف عند أصحابنا لأن الشرط أن لا يتفرقا بلا قبض وقد حصل ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في الرواية التي بعد هذه ولا تبيعوا شيئا غائبا منها بناجز إلا يدا بيد وأما قول القاضي عياض أنفق العلماء على أنه لا يجوز بيع أحدهما بالآخر إذا كان أحدهما مؤجلا أو غاب عن المجلس فليس كما قال فإن الشافعي وأصحابه وغيرهم متفقون على جواز الصور التي ذكرتها والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( وزنا بوزن مثلا بمثل سواء بسواء ) يحتمل أن يكون الجمع بين هذه الألفاظ توكيدا ومبالغة في الايضاح قوله صلى الله عليه وسلم ( الورق بالذهب ربا إلا هاء وهاء ) 1586 فيه لغتان المد والقصر والمد أفصح وأشهر وأصله هاك فأبدلت المدة من الكاف ومعناه خذ هذا ويقول صاحبه مثله والمدة مفتوحة ويقال بالكسر أيضا ومن قصره قال وزنه وزن خف يقال للواحد ها كخف والاثنين هاءا كخافا وللجمع هاؤا كخافوا والمؤنثة هاك ومنهم من لا يثنى ولا يجمع على هذه اللغة ولا يغيرها في التأنيث بل يقول في الجميع ها قال السيرافي كأنهم جعلوها صوتا كصه ومن ثنى وجمع قال للمؤنثة هاك وها لغتان ويقال في لغة هاء بالمد وكسر الهمزة للذكر وللأنثى هاتي بزيادة ثاء وأكثر أهل اللغة ينكرون ها بالقصر وغلط الخطابي وغيره المحدثين في رواية القصر وقال الصواب المد والفتح وليست بغلط بل هي صحيحة كما ذكرنا وإن كانت قليلة قال القاضي وفيه لغة أخرى هاءك بالمد والكاف قال العلماء ومعناه التقابض ففيه اشتراط التقابض في بيع الربوي بالربوي إذا اتفقا فى علة الربا سواء اتفق جنسهما كذهب بذهب أم اختلف كذهب بفضة ونبه صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بمختلف الجنس على متفقه واستدل أصحاب مالك بهذا على أنه يشترط التقابض عقب العقد حتى لو أخره عن العقد وقبض في المجلس لا يصح عندهم ومذهبنا صحة القبض في المجلس وأن تأخر عن العقد يوما أو أياما واكثر مالم يتفرقا وبه قال أبو حنيفة وآخرون وليس في هذا الحديث حجة لاصحاب مالك وأما ما ذكره في هذا الحديث أن طلحة بن عبد الله رضي الله عنه اراد أن يصارف صاحب الذهب فيأخذ الذهب ويؤخر دفع الدراهم إلى مجيء الخادم فإنما قاله لانه ظن جوازه كسائر البياعات وما كان بلغة حكم المسألة فأبلغه اياه عمر رضي الله عنه فترك المصارفة قوله صلى الله عليه وسلم 1587 ( البر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد ) فإذا اختلفت هذه الاصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد هذا دليل ظاهر في أن البر والشعير صنفان وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة والثوري وفقهاء المحدثين وآخرين وقال مالك والليث والاوزاعي ومعظم علماء المدينة والشام من المتقدمين أنها صنف واحد وهو محكى عن عمر وسعيد وغيرهما من السلف رضي الله عنهم واتفقوا على أن الدخن صنف والذرة صنف والارز صنف الا الليث بن سعد وبن وهب فقالا هذه الثلاثة صنف واحد قوله صلى الله عليه وسلم ( فمن زاد أو ازداد فقد أربى ) معناه فقد فعل الربا المحرم فدافع الزيادة وآخذها عاصيان مربيان قوله ( فرد الناس ) ما أخذوا هذا دليل على أن البيع المذكور باطل قوله ( أن عبادة بن الصامت قال لنحدثن بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كره معاوية ) أو قال وأن رغم يقال رغم بكسر الغين وفتحها ومعناه ذلك وصار كاللاصق بالرغام وهو التراب وفي هذا الاهتمام بتبليغ السنن ونشر العلم وان كرهه من كرهه لمعنى وفيه القول بالحق وان كان المقول له كبيرا قوله صلى الله عليه وسلم ( يدا بيد ) حجة للعلماء كافة في وجوب التقابض وان اختلف الجنس وجوز إسماعيل بن عليه التقرق عند اختلاف الجنس وهو محجوج بالأحاديث والاجماع ولعله لم يبلغه الحديث فلو بلغه لما خالفه قوله ( أخبرنا سليمان الربعي ) هو بفتح الراء والباء الموحدة منسوب إلى بنى ربيعة 1588 قوله صلى الله عليه وسلم ( إلا ما اختلفت ألوانه ) يعنى أجناسه كما صرح به في الأحاديث الباقية قوله ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الورق بالذهب دينا ) يعني مؤجلا أما إذا باعه بعوض في الذمة حال فيجوز كما سبق قوله ( أمرنا أن نشتري الفضة بالذهب كيف شئنا ) 1590 يعني سواء ومتفاضلا وشرطه أن يكون حالا ويتقابضا في المجلس قوله ( سمع علي بن رباح ) هو بضم العين على المشهور وقيل بفتحها وقيل يقال بالوجهين فالفتح إسم والضم لقب قوله ( عن فضالة بن عبيد قال اشتريت يوم خيبر قلادة باثنى عشر دينارا فيها ذهب وخرز ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثنى عشر دينارا فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال لا تباع حتى تفصل ) هكذا هو في نسخ معتمدة قلادة باثنى عشر دينارا وفي كثير من النسخ قلادة فيها اثنى عشر دينارا ونقل القاضي أنه وقع لمعظم شيوخهم قلادة فيها اثنى عشر دينارا وأنه وجده عند أصحاب الحافظ أبي على الغساني مصلحة قلادة باثنى عشر دينارا قال وهذا له وجه حسن وبه يصح الكلام هذا كلام القاضي والصواب ما ذكرناه أولا باثنى عشر وهو الذي أصلحه صاحب أبي علي الغساني واستحسنه القاضي والله أعلم وفي هذا الحديث انه لا يجوز بيع ذهب مع غيره بذهب حتى يفصل فيباع الذهب بوزنه ذهبا ويباع الآخر بما أراد وكذا لا تباع فضة مع غيرها بفضة وكذا الحنطة مع غيرها بحنطة والملح مع غيره بملح وكذا سائر الربويات بل لا بد من فصلها وسواء كان الذهب في الصورة المذكورة أولا قليلا أو كثيرا وكذلك باقي الربويات وهذه هي المسألة المشهورة في كتب الشافعي وأصحابه وغيرهم المعروفة بمسألة مدعجوة وصورتها باع مدعجوة ودرهما بمدى عجوة أو بدرهمين لا يجوز لهذا الحديث وهذا منقول عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وابنه وجماعة من السلف وهو مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق ومحمد بن عبد الحكم المالكي وقال أبو حنيفة والثوري والحسن بن صالح يجوز بيعه باكثر مما فيه من الذهب ولا يجوز بمثله ولا بدونه وقال مالك وأصحابه وآخرون يجوز بيع السيف المحلي بذهب وغيره مما هو في معناه مما فيه ذهب فيجوز بيعه بالذهب إذا كان الذهب في المبيع تابعا لغيره وقدروه بأن يكون الثلث فما دونه وقال حماد بن أبي سليمان يجوز بيعه بالذهب مطلقا سواء باعه بمثله من الذهب أو أقل أو أكثر وهذا غلط مخالف لصريح الحديث واحتج أصحابنا بحديث القلادة وأجابت الحنفية بأن الذهب كان فيها أكثر من أثنى عشر دينارا وقد اشتراها باثنى عشر دينارا قالوا ونحن لا نجيز هذا وإنما نجيز البيع إذا باعها بذهب أكثر مما فيها فيكون ما زاد من الذهب المنفرد في مقابلة الخرز ونحوه مما هو مع الذهب المبيع فيصير كعقدين وأجاب الطحاوي بأنه إنما نهى عنه لأنه كان في بيع الغنائم لئلا يغبن المسلمون في بيعها قال أصحابنا وهذان الجوابان ضعيفان لا سيما جواب الطحاوي فإنه دعوى مجردة قال أصحابنا ودليل صحة قولنا وفساد التأويلين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يباع حتى يفصل وهذا صريح في اشتراط فصل احدهما عن الآخر في البيع وانه لافرق بين ان يكون الذهب المبيع قليلا أو كثيرا وأنه لا فرق بين بيع الغنائم وغيرها والله أعلم قوله ( عن الجلاح أبي كثير ) هو بضم الجيم وتخفيف اللام وآخره حاء مهملة قوله ( كنا نبايع اليهود الأوقية الذهب بالدينارين والثلاثة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنا بوزن ) يحتمل أن مراده كانوا يتبايعون الأوقية من ذهب وخرز وغيره بدينارين أو ثلاثة وإلا فالأوقية وزن أربعين درهما ومعلوم أن أحدا لا يبتاع هذا القدر من ذهب خالص بدينارين أو ثلاثة وهذا سبب مبايعة الصحابة على هذا الوجه ظنوا جوازه لاختلاط الذهب بغيره فبين النبي صلى الله عليه وسلم أنه حرام حتى يميز ويباع الذهب بوزنه ذهبا ووقع هنا في النسخ الوقية الذهب وهي لغة قليلة والأشهر الأوقية بالهمز في أوله وسبق بيانها مرات قوله ( فطارت لي ولأصحابي قلادة ) أي حصلت لنا من الغنيمة قوله ( واجعل ذهبك في كفة ) هي بكسر الكاف قال أهل اللغة كفة الميزان وكل مستدير بكسر الكاف وكفة الثوب والصائد بضمها وكذلك كل مستطيل وقيل بالوجهين فيهما معا 1592 قوله ( ان معمر بن عبد الله أرسل غلامه بصاع قمح ليبيعه ويشتري بثمنه شعيرا فباعه بصاع وزيادة فقال له معمر رده ولا تأخذه إلا مثلا بمثل واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم الطعام مثلا بمثل قال وكان طعامنا يومئذ الشعير فقيل له أنه ليس بمثله فقال أني أخاف أن يضارع ) معنى يضارع يشابه ويشارك ومعناه أخاف أن يكون في معنى المماثل فيكون له حكمه في تحريم الربا واحتج مالك بهذا الحديث في كون الحنطة والشعير صنفا واحدا لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا ومذهبنا ومذهب الجمهور أنهما صنفان يجوز التفاضل بينهما كالحنطة مع الأرز ودليلنا ما سبق عند قوله صلى الله عليه وسلم فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم مع ما رواه أبو داود والنسائي في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا بأس ببيع البر بالشعير والشعير أكثرهما يدا بيد وأما حديث معمر هذا فلا حجة فيه لأنه لم يصرح بأنهما جنس واحد وإنما خاف من ذلك فتورع عنه احتياطا قوله ( قدم بتمر جنيب فقال له 1593 رسول الله صلى الله عليه وسلم اكل تمر خيبر هكذا قال لا والله يارسول الله انا لنشتري الصاع بالصاعين من الجمع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفعلوا ولكن مثلا بمثل أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا وكذلك الميزان ) أما الجنيب فبجيم مفتوحة ثم نون مكسورة ثم مثناة تحت ثم موحدة وهو نوع من التمر من أعلاه وأما الجمع فبفتح الجيم واسكان الميم وهو تمر رديء وقد فسره في الرواية الأخيرة بأنه الخلط من التمر ومعناه مجموع من أنواع مختلفة وهذا الحديث محمول على أن هذا العامل الذي باع صاعا بصاعين لم يعلم تحريم هذا لكونه كان في أوائل تحريم الربا أو لغير ذلك واحتج بهذا الحديث أصحابنا وموافقوهم في أن مسألة العينة ليست بحرام وهي الحيلة التي يعملها بعض الناس توصلا إلى مقصود الربا بأن يريد أن يعطيه مائة درهم بمائتين فيبيعه ثوبا بمائتين ثم يشتريه منه بمائة وموضع الدلالة من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا ولم يفرق بين أن يشتري من المشتري أو من غيره فدل على أنه لا فرق وهذا كله ليس بحرام عند الشافعي وآخرين وقال مالك وأحمد هو حرام وأما قوله صلى الله عليه وسلم وكذا الميزان فيستدل به الحنفية لأنه ذكر في هذا الحديث الكيل والميزان وأجاب أصحابنا وموافقوهم بأن معناه وكذلك الميزان لا يجوز التفاصل فيه فيما كان ربويا موزونا قوله صلى الله عليه وسلم ( أوه عين الربا ) 1594 قال أهل اللغة هي كلمة توجع وتحزن ومعنى عين الربا أنه حقيقة الربا المحرم وفي هذه الكلمة لغات الفصيحة المشهورة في الروايات أوه بهمزة مفتوحة وواو مفتوحة مشددة وهاء ساكنة ويقال بنصب الهاء منونة ويقال أوه باسكان الواو وكسر الهاء منونة وغير منونة ويقال أو بتشديد الواو مكسورة منونة بلا هاء ويقال آه بمد الهمزة وتنوين الهاء ساكنه من غير واو قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد لمن اشترى صاعا بصاعين ( هذا الربا فردوه ) هذا دليل على أن المقبوض ببيع فاسد يجب رده على بائعه وإذا رده استرد الثمن فإن قيل فلم يذكر في الحديث السابق أنه صلى الله عليه وسلم أمر برده فالجواب أن الظاهر أنها قضية واحدة وأمر فيها برده فبعض الرواة حفظ ذلك وبعضهم لم يحفظه فقبلنا زيادة الثقة ولو ثبت أنهما قضيتان لحملت الأولى على أنه أيضا أمر به وإن لم يبلغنا ذلك ولو ثبت أنه لم يأمر به مع أنهما قضيتان لحملناها على أنه جهل بائعه ولا يمكن معرفته فصار مالا ضائعا لمن عليه دين بقيمته وهو التمر الذي قبضه عوضا فحصل أنه لا اشكال في الحديث ولله الحمد قوله ( سألت بن عباس 1594 عن الصرف فقال أيدا بيد قلت نعم قال لا بأس به ) وفي رواية سألت بن عمر وبن عباس عن الصرف فلم يريا به بأسا قال فسألت أبا سعيد الخدري فقال ما زاد فهو ربا فأنكرت ذلك لقولهما فذكر أبو سعيد حديث نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع صاعين بصاع وذكرت رجوع بن عمر وبن عباس عن إباحته إلى منعه وفي الحديث الذي بعده أن بن عباس قال حدثني أسامة 1596 أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الربا في النسيئة وفي رواية إنما الربا في النسيئة وفي رواية لا ربا فيما كان يدا بيد معنى ما ذكره أولا عن بن عمر وبن عباس أنهما كانا يعتقدان أنه لا ربا فيما كان يدا بيد وأنه يجوز بيع درهم بدرهمين ودينار بدينارين وصاع تمر بصاعين من التمر وكذا الحنطة وسائر الربويات كانا يريان جواز بيع الجنس بعضه ببعض متفاضلا وأن الربا لا يحرم في شيء من الأشياء إلا إذا كان نسيئة وهذا معنى قوله أنه سألهما عن الصرف فلم يريا به بأسا يعني الصرف متفاضلا كدرهم بدرهمين وكان معتمدهما حديث أسامة بن زيد إنما الربا في النسيئة ثم رجع بن عمر وبن عباس عن ذلك وقالا بتحريم بيع الجنس بعضه ببعض متفاضلا حين بلغهما حديث أبي سعيد كما ذكره مسلم من رجوعهما صريحا وهذه الأحاديث التي ذكرها مسلم تدل على أن بن عمر وبن عباس لم يكن بلغهما حديث النهي عن التفاضل في غير النسيئة فلما بلغهما رجعا إليه وأما حديث أسامة لا ربا إلا في النسيئة فقد قال قائلون بأنه منسوخ بهذه الأحاديث وقد أجمع المسلمون على ترك العمل بظاهره وهذا يدل على نسخه وتأوله آخرون تأويلات أحدها أنه محمول على غير الربويات وهو كبيع الدين بالدين مؤجلا بأن يكون له عنده ثوب موصوف فيبيعه بعبد موصوف مؤجلا فإن باعه به حالا جاز الثاني أنه محمول على الأجناس المختلفة فإنه لا ربا فيها من حيث التفاضل بل يجوز تفاضلها يدا بيد الثالث أنه مجمل وحديث عبادة بن الصامت وأبي سعيد الخدري وغيرهما مبين فوجب العمل بالمبين وتنزيل المجمل عليه هذا جواب الشافعي رحمه الله قوله ( حدثنا هقل ) هو بكسر الهاء واسكان القاف قوله ( سأل شباك إبراهيم ) هو بشين معجمة مكسورة ثم باء موحدة مخففة قوله ( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1598 آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء ) هذا تصريح بتحريم كتابة المبايعة بين المترابيين والشهادة عليهما وفيه تحريم الاعانة على الباطل والله أعلم
1 ( باب أخذ الحلال وترك الشبهات )
1599 قوله صلى الله عليه وسلم ( الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس إلى آخره ) أجمع العلماء على عظم وقع هذا الحديث وكثرة فوائده وأنه أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام قال جماعة هو ثلث الإسلام وأن الإسلام يدور عليه وعلى حديث الأعمال بالنية وحديث من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه وقال أبو داود السختياني يدور على أربعة أحاديث هذه الثلاثة وحديث لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه وقيل حديث ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد مافي ايدي الناس يحبك الناس قال العلماء وسبب عظم موقعه أنه صلى الله عليه وسلم نبه فيه على اصلاح المطعم والمشرب والملبس وغيرها وأنه ينبغي ترك المشتبهات فإنه سبب لحماية دينه وعرضه وحذر من مواقعة الشبهات وأوضح ذلك بضرب المثل بالحمى ثم بين أهم الأمور وهو مراعاة القلب فقال صلى الله عليه وسلم ألا وان في الجسد مضغة إلى آخره فبين صلى الله عليه وسلم أن بصلاح القلب يصلح باقي الجسد وبفساده يفسد باقيه وأما قوله صلى الله عليه وسلم الحلال بين والحرام بين فمعناه أن الأشياء ثلاثة أقسام حلال بين واضح لا يخفى حله كالخبز والفواكه والزيت والعسل والسمن ولبن مأكول اللحم وبيضه وغير ذلك من المطعومات وكذلك الكلام والنظر والمشي وغير ذلك من التصرفات فيها حلال بين واضح لا شك في حله وأما الحرام البين فكالخمر والخنزير والميتة والبول والدم المسفوح وكذلك الزنى والكذب والغيبة والنميمة والنظر إلى الأجنبية وأشباه ذلك وأما المشتبهات فمعناه أنها ليست بواضحة الحل ولا الحرمة فلهذا لا يعرفها كثير من الناس ولا يعلمون حكمها وأما العلماء فيعرفون حكمها بنص أو قياس أو استصحاب أو غير ذلك فإذا تردد الشيء بين الحل والحرمة ولم يكن فيه نص ولا إجماع اجتهد فيه المجتهد فألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي فإذا الحقه به صار حلالا وقد يكون دليله غير خال عن الاحتمال البين فيكون الورع تركه ويكون داخلا في قوله صلى الله عليه وسلم فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه وما لم يظهر للمجتهد فيه شيء وهو مشتبه فهل يؤخذ بحله أم بحرمته أم يتوقف فيه ثلاثة مذاهب حكاها القاضي عياض وغيره والظاهر أنها مخرجة على الخلاف المذكور في الأشياء قبل ورود الشرع وفيه أربعة مذاهب الأصح أنه لا يحكم بحل ولا حرمه ولا إباحة ولا غيرها لأن التكليف عند أهل الحق لا يثبت إلا بالشرع والثاني أن حكمها التحريم والثالث الإباحة والرابع التوقف والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( فقد استبرأ لدينه وعرضه ) أي حصل له البراءة لدينة من الذم الشرعي وصان عرضه عن كلام الناس فيه قوله صلى الله عليه وسلم ( إن لكل ملك حمى وإن حمى الله محارمه ) معناه أن الملوك من العرب وغيرهم يكون لكل ملك منهم حمى يحميه عن الناس ويمنعهم دخوله فمن دخله أوقع به العقوبة ومن احتاط لنفسه لا يقارب ذلك الحمى خوفا من الوقوع فيه ولله تعالى أيضا حمى وهي محارمه أي المعاصي التي حرمها الله كالقتل والزنا والسرقة والقذف والخمر والكذب والغيبة والنميمة واكل المال بالباطل وأشباه ذلك فكل هذا حمى الله تعالى من دخله بارتكابه شيئا من المعاصي استحق العقوبة ومن قاربه يوشك أن يقع فيه فمن احتاط لنفسه لم يقاربه ولا يتعلق بشئ يقربه من المعصية فلا يدخل في شئ من الشبهات قوله صلى الله عليه وسلم ( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ) قال أهل اللغة يقال صلح الشئ وفسد بفتح اللام والسين وضمهما والفتح أفصح وأشهر والمضغة القطعة من اللحم سميت بذلك لأنها تمضغ في الفم لصغرها قالوا المراد تصغير القلب بالنسبة إلى باقي الجسد مع أن صلاح الجسد وفساده تابعان للقلب وفي هذا الحديث التأكيد على السعي في صلاح القلب وحمايته من الفساد واحتج بهذا الحديث على أن العقل في القلب لا في الرأس وفيه خلاف مشهور مذهب أصحابنا وجماهير المتكلمين أنه في القلب وقال أبو حنيفة هو في الدماغ وقد يقال في الرأس وحكوا الأول أيضا عن الفلاسفة والثاني عن الأطباء قال المازري واحتج القائلون بأنه في القلب بقوله تعالى أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها وقوله تعالى إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب وبهذا الحديث فإنه صلى الله عليه وسلم جعل صلاح الجسد وفساده تابعا للقلب مع أن الدماغ من جملة الجسد فيكون صلاحه وفساده تابعا للقلب فعلم أنه ليس محلا للعقل واحتج القائلون بأنه في الدماغ بأنه إذا فسد الدماغ فسد العقل ويكون من فساد الدماغ الصرع في زعمهم ولا حجة لهم في ذلك لأن الله سبحانه وتعالى أجرى العادة بفساد العقل عند فساد الدماغ مع أن العقل ليس فيه ولا امتناع من ذلك قال المازري لا سيما على أصولهم في الاشتراك الذي يذكرونه بين الدماغ والقلب وهم يجعلون بين رأس المعدة والدماغ اشتراكا والله أعلم قوله ( عن النعمان بن بشير قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وأهوى النعمان بأصبعيه إلى أذنيه ) هذا تصريح بسماع النعمان عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا هو الصواب الذي قاله أهل العراق وجماهير العلماء قال القاضي وقال يحيى بن معين أن أهل المدينة لا يصحون سماع النعمان من النبي صلى الله عليه وسلم وهذه حكاية ضعيفة أو باطلة والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ) يحتمل وجهين أحدهما أنه من كثرة تعاطيه الشبهات يصادف الحرام وان لم يتعمده وقد يأثم بذلك إذا نسب إلى تقصير والثاني أنه يعتاد التساهل ويتمرن عليه ويجسر على شبهة ثم شبهه أغلظ منها ثم أخرى اغلظ وهكذا حتى يقع في الحرام عمدا وهذا نحو قول السلف المعاصي بريد الكفر أي تسوق إليه عافانا الله تعالى من الشر قوله صلى الله عليه وسلم ( يوشك أن يقع فيه ) يقال أوشك يوشك بضم الياء وكسر الشين أي يسرع ويقرب قوله أتم من حديثهم وأكبر هو بالباء الموحدة وفي كثير من النسخ بالمثلثة والله أعلم
1 ( باب بيع البعير واستثناء ركوبه )
فيه حديث جابر وهو حديث مشهور احتج به أحمد ومن وافقه في جواز بيع الدابة ويشترط البائع لنفسه ركوبها وقال مالك يجوز ذلك إذا كانت مسافة الركوب قريبة وحمل هذا الحديث على هذا وقال الشافعي وابو حنيفة وآخرون لا يجوز ذلك سواء قلت المسافة أو كثرت ولا ينعقد البيع واحتجوا بالحديث السابق في النهي عن بيع الثنيا وبالحديث الآخر في النهي عن بيع وشرط وأجابوا عن حديث جابر بأنها قضية عين تتطرق إليهااحتم الات قالوا ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يعطيه الثمن ولم يرد حقيقة البيع قالوا ويحتمل أن الشرط لم يكن ) في نفس العقد وإنما يضر الشرط إذا كان في نفس العقد ولعل الشرط كان سابقا فلم يؤثر ثم تبرع صلى الله عليه وسلم باركابه قوله صلى الله عليه وسلم ( بعنيه بوقيه ) هكذا هو في النسخ بوقيه وهي لغة صحيحة سبقت مرارا ويقال أوقية وهي أشهر وفيه أنه لا بأس بطلب البيع من مالك السلعة وإن لم يعرضها للبيع قوله ( واستثنيت عليه حملانه ) هو بضم الحاء أي الحمل عليه قوله صلى الله عليه وسلم ( أتراني ما كستك ) قال أهل اللغة المماكسة هي المكالمة في النقص من الثمن وأصلها النقص ومنه مكس الظالم وهو ما ينتقصه ويأخذه من أموال الناس قوله ( فبعته بوقية ) وفي رواية بخمس أواق وزادني أوقية وفي بعضها بأوقيتين ودرهم أو درهمين وفي بعضها بأوقية ذهب وفي بعضها بأربعة دنانير وذكر البخاري أيضا اختلاف الروايات وزاد بثمانمائة درهم وفي رواية بعشرين دينارا وفي رواية أحسبه بأربع أواق قال البخاري وقول الشعبي بوقية أكثر قال القاضي عياض قال أبو جعفر الداودي أوقية الذهب قدرها معلوم وأوقية الفضة أربعون درهما قال وسبب اختلاف هذه الروايات أنهم رووا بالمعنى وهو جائز فالمراد وقية ذهب كما فسره في رواية سالم بن أبي الجعد عن جابر ويحمل عليها رواية من روى أوقية مطلقة وأما من روى خمس أواق فالمراد خمس أواق من الفضة وهي بقدر قيمة أوقية الذهب في ذلك الوقت فيكون الاخبار بأوقية الذهب عما وقع به العقد وعن أواق الفضة عما حصل به الايفاء ولا يتغير الحكم ويحتمل أن يكون هذا كله زيادة على الأوقية كما قال فما زال يزيدني وأما رواية أربعة دنانير فموافقة أيضا لأنه يحتمل أن تكون أوقية الذهب حينئذ وزن أربعة دنانير وأما رواية أوقيتين فيحتمل أن احداهما وقع بها البيع والأخرى زيادة كما قال وزادني أوقية وقوله ودرهم أو درهمين موافق لقوله وزادني قيراطا وأما رواية عشرين دينارا فمحمولة على دنانير صغار كانت لهم ورواية أربع أواق شك فيها الراوي فلا اعتبار بها والله أعلم قوله ( على أن لي فقار ظهره ) هو بفاء مفتوحة ثم قاف وهي خرازاته أي مفاصل عظامه واحدتها فقارة قوله ( فقلت له يا رسول الله اني عروس ) هكذا يقال للرجل عروس كما يقال ذلك للمرأة لفظها واحد لكن يختلفان في الجمع فيقال رجل عروس ورجال عرس بضم العين والراء وامرأة عروس ونسوة عرائس قوله صلى الله عليه وسلم ( أفلا تزوجت بكرا تلاعبها وتلاعبك سبق شرحه في كتاب النكاح وضبط لفظه والخلاف في معناه مع شرح ما يتعلق به قوله ( فإن لرجل على أوقية ذهب فهو لك بها قال قد أخذته به ) هذا قد يحتج به أصحابنا في اشتراط الايجاب والقبول في البيع وأنه لا ينعقد بالمعاطاة ولكن الأصح المختار انعقاده بالمعاطاة وهذا لا يمنع انعقاده بالمعاطاة فإنه لم ينه فيه عن المعاطاة والقائل بالمعاطاة يجوز هذا فلا يرد عليه ولأن المعاطاة إنما تكون إذا حضر العوضان فاعطى وأخذ فأما إذا لم يحضر العوضان أو أحدهما فلا بد من لفظ وفي هذا دليل لأصح الوجهين عند أصحابنا وهو انعقاد البيع بالكناية لقوله صلى الله عليه وسلم قد أخذته به مع قول جابر هو لك وهذان اللفظان كناية قوله صلى الله عليه وسلم لبلال ( أعطه أوقية من ذهب وزده ) فيه جواز الوكالة في قضاء الديون وأداء الحقوق وفيه استحباب الزيادة في أداء الدين وارجاح الوزن قوله ( فأخذه أهل الشام يوم الحرة ) يعني حرة المدينة كان قتال ونهب من أهل الشام هناك سنة ثلاث وستين من الهجرة قوله ( فبعته منه بخمس أواق ) هكذا هو في جميع النسخ فبعته منه وهو صحيح جائز في العربية يقال بعته وبعت منه وقد كثر ذكر نظائره في الحديث وقد أوضحته في تهذيب اللغات قوله ( حدثنا عقبة بن مكرم العمى ) هو مكرم بضم الميم واسكان الكاف وفتح الراء وأما العمى فبتشديد الميم منسوب إلى بني العم من تميم قوله ( عن أبي المتوكل الناجي ) هو بالنون والجيم منسوب إلى بني ناجية وهم من بني أسامة بن لؤي وقال أبو علي الغساني هم اولاد ناجية امرأة كانت تحت أسامة بن لؤي قوله ( فلما قدم صرار ) هو بصاد مهملة مفتوحة ومكسورة والكسر أفصح واشهر ولم يذكر الا كثرون غيره قال القاضي وهو عند الدارقطني والخطابي وغيرهما وعند أكثر شيوخنا صرار بصاد مهملة مكسورة وتخفيف الراء وهو موضع قريب من المدينة قال وقال الخطابي هي بئر قديمة على الثلاثة اميال من المدينة على طريق العراق قال القاضي والاشبه عندي أنه موضع لا بئر قال وضبطه بعض الرواة في مسلم وبعضهم في البخاري ضرار بكسر الضاد المعجمة وهو خطأ ووقع في بعض النسخ المعتمدة فلما قدم صرار غير مصروف والمشهور صرفه قوله ( أمر ببقرة فذبحت ) فيه أن السنة في البقر الذبح لا النحر ولو عكس جاز وأما قوله في الرواية الأخرى امر ببقرة فنحرت فالمراد بالنحر الذبح جمعا بين الروايتين قوله ( أمرني أن آتي المسجد فأصلى ركعتين ) فيه أنه يستحب للقادم من السفر أن يبدأ بالمسجد فيصلي فيه ركعتين وفيه أن نافلة النهار يستحب كونها ركعتين ركعتين كصلاة الليل وهو مذهبنا ومذهب الجمهور وسبق بيانه في كتاب الصلاة واعلم أن في حديث جابر هذا فوائد كثيرة احداها هذه المعجزة الظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في انبعاث جمل جابر واسراعه بعد اعيائه الثانية جواز طلب البيع ممن لم يعرض سلعته للبيع الثالثة جواز المماكسة في البيع وسبق تفسيرها الرابعة استحباب سؤال الرجل الكبير أصحابه عن أحوالهم والإشارة عليهم بمصالحهم الخامسة استحباب نكاح البكر السادسة استحباب ملاعبة الزوجين السابعة فضيلة جابر في أنه ترك حظ نفسه من نكاح البكر واختار مصلحة اخواته بنكاح ثيب تقوم بمصالحهن الثامنة استحباب الابتداء بالمسجد وصلاة ركعتين فيه عند القدوم من السفر التاسعة استحباب الدلالة على الخير العاشرة استحباب ارجاح الميزان فيما يدفعه الحادية عشر أن أجرة وزن الثمن على البائع الثانية عشرة التبرك بآثار الصالحين لقوله لا تفارقه زيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثالثة عشرة جواز تقدم بعض الجيش الراجعين باذن الأمير الرابعة عشرة جواز الوكالة في أداء الحقوق ونحوها وفيه غير ذلك مما سبق والله أعلم
1 ( باب جواز اقتراض الحيوان واستحباب توفيته خيرا مما عليه ) 1600 قوله ( عن أبي رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استسلف من رجل بكرا فقدمت عليه ابل من ابل الصدقة فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره فرجع إليه أبو رافع فقال ما أجد فيها الا خيارا رباعيا فقال أعطه اياه فإن خيار الناس أحسنهم قضاء ) وفي رواية أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم اشتروا له سنا فاعطوه اياه فقالوا انا لا نجد الا سنا هو خير من سنة قال فاشتروه فأعطوه اياه فإن من خيركم أو خيركم أحسنكم قضاء وفي رواية له استقرض رسول الله صلى الله عليه وسلم سنا فأعطاه سنا ) فوقه وقال خياركم محاسنكم قضاء أما البكر من الابل فبفتح الباء وهو الصغير كالغلام من الآدميين والأنثى بكرة وقلوص وهي الصغيرة كالجارية فإذا استكمل ست سنين ودخل في السابعة والقى رباعية بتخفيف الياء فهو رباع والأنثى رباعية بتخفيف الياء وأعطاه رباعيا بتخفيفها وقوله صلى الله عليه وسلم خياركم محاسنكم قضاء قالوا معناه ذوو المحاسن سماهم بالصفة قال القاضي وقيل هو جمع محسن بفتح الميم وأكثر ما يجيء أحاسنكم جمع أحسن وفي هذا الحديث جواز الاقتراض والاستدانة وإنما اقترض النبي صلى الله عليه وسلم للحاجة وكان صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من المغرم وهو الدين وفيه جواز اقتراض الحيوان وفيه ثلاثة مذاهب الشافعي ومالك وجماهير العلماء من السلف والخلف أنه يجوز قرض جميع الحيوان الا الجارية لمن يملك وطأها فإنه لا يجوز ويجوز اقراضها لمن لا يملك وطأها كمحارمها والمرأة والخنثى والمذهب الثاني مذهب المزني وبن جرير وداود أنه يجوز قرض الجارية وسائر الحيوان لكل واحد والثالث مذهب أبي حنيفة والكوفيين أنه لا يجوز قرض شيء من الحيوان وهذه الأحاديث ترد عليهم ولا تقبل دعواهم النسخ بغير دليل وفي هذه الأحاديث جواز السلم في الحيوان وحكمه حكم القرض وفيها أنه يستحب لمن عليه دين من قرض وغيره أن يرد أجود من الذي عليه وهذا من السنة ومكارم الأخلاق وليس هو من قرض جر منفعة فإنه منهي عنه لأن المنهي عنه ما كان مشروطا في عقد القرض ومذهبنا أنه يستحب الزيادة في الآداء عما عليه ويجوز للمقرض أخذها سواء زاد في الصفة أو في العدد بأن أقرضه عشرة فأعطاه أحد عشر ومذهب مالك أن الزيادة في العدد منهي عنها وحجة أصحابنا عموم قوله صلى الله عليه وسلم خيركم أحسنكم قضاء قوله ( فقدمت عليه ابل الصدقة إلى آخره ) هذا مما يستشكل فيقال فكيف قضى من ابل الصدقة أجود من الذي يستحقه الغريم مع أن الناظر في الصدقات لا يجوز تبرعه منها والجواب أنه صلى الله عليه وسلم اقترض لنفسه فلما جاءت ابل الصدقة اشترى منها بعيرا رباعيا ممن استحقه فملكه النبي صلى الله عليه وسلم بثمنه وأوفاه متبرعا بالزيادة من ماله ويدل على ما ذكرناه رواية أبي هريرة التي قدمناها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال اشتروا له سنا فهذا هو الجواب المعتمد وقد قيل فيه أجوبة غيره منها أن المقترض كان بعض المحتاجين إقترض لنفسه فأعطاه من الصدقة حين جاءت وأمره بالقضاء قوله 1601 ( كان لرجل على النبي صلى الله عليه وسلم حق فأغلظ له فهم به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم أن لصاحب الحق مقالا ) فيه أنه يحتمل من صاحب الدين الكلام المعتاد في المطالبة وهذا الاغلاظ المذكور محمول على تشدد في المطالبة ونحو ذلك من غير كلام فيه قدح أو غيره مما يقتضي الكفر ويحتمل أن القائل الذي له الدين كان كافرا من اليهود أو غيرهم والله أعلم 1 ( باب جواز بيع الحيوان بالحيوان من جنسه متفاضلا )