İbn Hacer — Fethu'l-Bârî (Buhârî şerhi)
6928 قوله كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية تقدم بهذا السند والمتن في تفسير سورة البقرة وعلى هذا فالمراد باهل الكتاب اليهود لكن الحكم عام فيتناول النصارى قوله لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم هذا لا يعارض حديث الترجمة فإنه نهى عن السؤال وهذا نهي عن التصديق والتكذيب فيحمل الثاني على ما إذا بدأهم أهل الكتاب بالخبر وقد تقدم توجيه النهي عن التصديق والتكذيب في تفسير سورة البقرة الحديث الثاني 6929 قوله حدثنا إبراهيم هو بن سعد بن إبراهيم المذكور قريبا قوله كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء تقدم شرحه في كتاب الشهادات ووقع في رواية عكرمة عن بن عباس عند بن أبي شيبة عن كتبهم قوله وكتابكم الذي أنزل على رسوله أحدث كذا وقع مختصرا هنا وتقدم بلفظ أحدث الكتب ووقع في رواية عكرمة وعندكم كتاب الله أحدث الكتب عهدا بالله وتقدم توجيه أحدث ويأتي وقوله لا ينهاكم اه استفهام محذوف الأداة بدليل ما تقدم في الشهادات أو لا ينهاكم وقوله عن مسألتهم في رواية الكشميهني عن مساءلتهم بضم أوله بوزن المفاعلة 1 ( قوله باب كراهية الاختلاف ولبعضهم الخلاف ) أي في الأحكام الشرعية أو أعم من ذلك وسقطت هذه الترجمة لابن بطال فصار حديثها من جملة باب النهي للتحريم ووجهه بان الأمر بالقيام عند الاختلاف في القرآن للندب لا لتحريم القراءة عند الاختلاف والأولى ما وقع عند الجمهور وبه جزم الكرماني فقال في آخر حديث عبد الله بن مغفل هذا آخر ما أريد إيراده في الجامع من مسائل أصول الفقه 6930 قوله حدثنا إسحاق هو بن راهويه كما جزم به أبو نعيم في المستخرج وقوله في آخره قال أبو عبد الله سمع عبد الرحمن يعني بن مهدي المذكور في السند سلاما يعني بتشديد اللام وهو بن أبي مطيع وأشار بذلك إلى ما أخرجه في فضائل القرآن عن عمرو بن علي عن عبد الرحمن قال حدثنا سلام بن أبي مطيع ووقع هذا الكلام للمستملي وحده 6931 قوله وقال يزيد بن هارون الخ وصلة الدارمي عن يزيد بن هارون لكن قال عن همام ثم أخرجه عن أبي النعمان عن هارون الأعور وتقدم في آخر فضائل القرآن بيان الاختلاف على أبي عمران في سند هذا الحديث مع شرح الحديث وقال الكرماني مات يزيد بن هارون سنة ست ومائتين فالظاهر ان رواية البخاري عنه تعليق انتهى وهذا لا يتوقف فيه من اطلع على ترجمة البخاري فإنه لم يرحل من بخارى الا بعد موت يزيد بن هارون بمدة قوله في حديث بن عباس واختلف أهل البيت اختصموا كذا لأبي ذر وهو تفسير لاختلفوا ولغيره واختصموا بالواو العاطفة وكذا تقدم في آخر المغازي 6932 قوله قال عبيد الله هو بن عبد الله بن عتبة هو موصول بالسند المذكور وقد تقدم بيان ذلك في كتاب العلم وفي أواخر المغازي في باب الوفاة النبوية 1 ( قوله باب نهي النبي صلى الله عليه وسلم على التحريم )
أي النهي الصادر منه محمول على التحريم وهو حقيقة فيه قوله الا ما تعرف إباحته أي بدلالة السياق أو قرينه الحال أو قيام الدليل على ذلك قوله وكذلك امره أي يحرم مخالفته لوجوب امتثاله ما لم يقم الدليل على إرادة الندب أو غيره قوله نحو قوله حين أحلوا أي في حجة الوداع لما أمرهم ففسخوا الحج إلى العمرة وتحللوا من العمرة والمراد بالأمر صيغة افعل والنهي لا تفعل وأختلفوا في قول الصحابي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا أو نهانا عنه فالراجح عند أكثر السلف ان لا فرق وقد انهى بعض الأصوليين صيغة الأمر إلى سبعة عشر وجها والنهي إلى ثمانية أوجه ونقل القاضي أبو بكر بن الطيب عن مالك والشافعي ان الأمر عندهما على الإيجاب والنهي على التحريم حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك وقال بن بطال هذا قول الجمهور وقال كثير من الشافعية وغيرهم الأمر على الندب والنهي على الكراهة حتى يقوم دليل الوجوب في الأمر ودليل التحريم في النهي وتوقف كثير منهم وسبب توقفهم ورود صيغة الأمر للايجاب والندب والاباحة والارشاد وغير ذلك وحجة الجمهور ان من فعل ما أمر به استحق الحمد وان من تركه استحق الذم وكذا بالعكس في النهي وقول الله تعالى فليحذر الذين يخالفون عن امره ان تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم يشمل الأمر والنهي ودل الوعيد فيه على تحريمه فعلا وتركا قوله أصيبوا من النساء هو اذن لهم في جماع نسائهم إشارة إلى المبالغة في الاحلال إذ الجماع يفسد النسك دون غيره من محرمات الإحرام ووقع في رواية حماد بن زيد عن بن جريج في كتاب الشركة فأمرنا فجعلناها عمرة وان نحل إلى نسائنا ثم ذكر في الباب أحاديث الأول قوله وقالت أم عطية نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا تقدم موصولا في كتاب الجنائز وبينه وبين حديث جابر فرق من جهة اختلاف السببين فالقصة التي في رواية جابر كانت إباحة بعد حظر فلا تدل على الوجوب للقرينة المذكورة لكن أراد جابر التاكيد في ذلك والقصة التي في حديث أم عطية نهي بعد إباحة فكان ظاهرا في التحريم فأرادت ان تبين لهم انه لم يصرح لهم بالتحريم والصحابي أعرف بالمراد من غيره وقد تقدم شرح ذلك مستوفى في كتاب الجنائز الحديث الثاني 6933 قوله حدثنا المكي بن إبراهيم عن بن جريج قال عطاء وقال جابر قال أبو عبد الله وقال محمد بن بكر حدثنا بن جريج أخبرني عطاء سمعت جابر بن عبد الله اما قوله وقال جابر فهو معطوف على شيء محذوف يظهر مما تقدم في باب من أهل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كاهلال النبي صلى الله عليه وسلم من كتاب الحج وفي باب بعث علي إلى اليمن من اواخر المغازي بهذين السندين معلقا وموصولا ولفظه أمر النبي صلى الله عليه وسلم عليا ان يقيم على احرامه فذكر هذه القصة ثم قال وقال جابر اهللنا بالحج خالصا واما التعليق فوصله الإسماعيلي من الطريق المذكورة عن محمد بن بكر وخرجه أيضا من طريق يحيى القطان عن بن جريج وأفادت رواية محمد بن بكر التصريح بسماع عطاء من جابر وقوله في اناس معه فيه التفات ونسق الكلام ان يقول معي ووقع كذلك في رواية يحيى القطان وقوله اهللنا بالحج خالصا ليس معه عمرة هو محمول على ما كانوا ابتدؤا به ثم وقع الإذن بإدخال العمرة على الحج وبفسخ الحج إلى العمرة فصاروا على ثلاثة انحاء مثل ما قالت عائشة منا من أهل بحج ومنا من أهل بعمرة ومنا من جمع وقد تقدم ذلك مشروحا في كتاب الحج وقوله وقال عطاء عن جابر هو موصول بالسندين المذكورين قوله صبح رابعة تقدم بيانه في حديث أنس في الباب المشار إليه قوله قال عطاء قال جابر هو موصول بالسند المذكور وقوله وقال محمد بن بكر عن بن جريج هو موصول عند الإسماعيلي كما تقدم قوله ولم يعزم عليهم أي في جماع نسائهم أي لأن الأمر المذكور انما كان للإباحة ولذلك قال جابر ولكن أحلهن لهم وقد تقدم في الباب المذكور قالوا أي الحل قال الحل كله قوله فبلغه انا نقول لما لم يكن بيننا وبين عرفة الا خمس ليال أي أولها ليلة الأحد وآخرها ليلة الخميس لأن توجههم من مكة كان عشية الأربعاء فباتوا ليلة الخميس بمنى ودخلوا عرفة يوم الخميس قوله فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المذي في رواية المستملي المني وكذا عند الإسماعيلي ويؤيده ما وقع في رواية حماد بن زيد بلفظ فيروح أحدنا إلى منى وذكره يقطر منيا وانما ذكر منى لأنهم يتوجهون إليها قبل توجههم إلى عرفة قوله ويقول جابر بيده هكذا وحركها أي امالها وفي رواية حماد بن زيد بلفظ فقال جابر بكفه أي أشار بكفه قال الكرماني هذه الإشارة لكيفية التقطر ويحتمل ان تكون إلى محل التقطر ووقع في رواية الإسماعيلي قال يقول جابر كأني أنظر إلى يده يحركها وهذا يحتمل ان يكون مرفوعا قوله فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال زاد في رواية حماد خطيبا فقال بلغني ان أقواما يقولون كذا وكذا قوله قد علمتم اني اتقاكم لله وأصدقكم في رواية حماد والله لأنا أبر واتقى لله منهم قوله ولولا هديي لحللت كما تحلون في رواية الإسماعيلي لأحللت وكذا مضى في باب عمرة التنعيم من طريق حبيب المعلم عن عطاء عن جابر وهما لغتان حل وأحل وتقدم شرح الحديث هناك الا انه لم يذكر فيه كلام جابر بتمامه ولا الخطبة قوله فحلوا كذا فيه بصيغة الأمر من حل وقوله فحللنا وسمعنا وأطعنا في رواية الإسماعيلي فأحللنا الحديث الثالث
6934 قوله عبد الوارث هو بن سعيد وحسين هو بن ذكوان المعلم ووقع منسوبا في رواية الإسماعيلي وبن بريدة هو عبد الله وعبد الله المزني هو بن مغفل بالمعجمة والفاء الثقيلة ووقع بيانه في كتاب الصلاة وبين الإسماعيلي سبب الاقتصار على قوله عن عبد الله دون ذكر أبيه فأخرجه من طريق محمد بن عبيد بن حسان عن عبد الوارث فقال فيه عن عبد الله المزني كالذي هنا وقال كتبته فنسيته لا أدري بن مغفل أو بن معقل أي بالمعجمة والفاء أو المهملة والقاف وقد تقدم شرح الحديث في باب كم بين الآذان والإقامة من كتاب الصلاة وموضع الترجمة منه قوله في آخره لمن شاء فان فيه إشارة إلى ان الأمر حقيقة في الوجوب فلذلك اردفه بما يدل على التخيير بين الفعل والترك فكان ذلك صارفا للحمل على الوجوب قوله خشية ان يتخذها الناس سنة أي طريقة لازمة لا يجوز تركها أو سنة راتبة يكره تركها وليس المراد ما يقابل الوجوب لما تقدم 1 ( قوله باب قول الله تعالى وأمرهم شورى بينهم وشاورهم في الأمر )
هكذا وقعت هذه الترجمة مقدمة على اللتين بعدها عند أبي ذر ولغيره مؤخرة عنهما وآخرها النسفي أيضا لكن سقطت عنده ترجمة النهي على التحريم وما معها فاما الآية الأولى فأخرج البخاري في الأدب المفرد وبن أبي حاتم بسند قوي عن الحسن قال ما تشاور قوم قط بينهم الا هداهم الله لأفضل ما يحضرهم وفي لفظ الا عزم الله لهم بالرشد أو بالذي ينفع واما الآية الثانية فأخرج بن أبي حاتم بسند حسن عن الحسن أيضا قال قد علم انه ما به إليهم حاجة ولكن أراد ان يستن به من بعده وفي حديث أبي هريرة ما رأيت أحدا أكثر مشورة لأصحابه من النبي صلى الله عليه وسلم ورجاله ثقات الا انه منقطع وقد أشار إليه الترمذي في الجهاد فقال ويروى عن أبي هريرة فذكره وتقدم في الشروط من حديث المسور بن مخرمة قوله صلى الله عليه وسلم أشيروا علي في هؤلاء القوم وفيه جواب أبي بكر وعمر وعمله صلى الله عليه وسلم بما اشارا به وهو في الحديث الطويل في صلح الحديبية قوله وان المشاورة قبل العزم والتبين لقوله تعالى فإذا عزمت فتوكل على الله وجه الدلالة ما ورد عن قراءة عكرمة وجعفر الصادق بضم التاء من عزمت أي إذا أرشدتك إليه فلا تعدل عنه فكأن المشاورة انما تشرع عند عدم العزم وهو واضح وقد اختلف في متعلق المشاورة فقيل في كل شيء ليس فيه نص وقيل في الأمر الدنيوي فقط وقال الداودي انما كان يشاورهم في أمر الحرب مما ليس فيه حكم لأن معرفة الحكم انما تلتمس منه قال ومن زعم انه كان يشاورهم في الأحكام فقد غفل غفلة عظيمة واما في غير الأحكام فربما رأى غيره أو سمع ما لم يسمعه أو يره كما كان يستصحب الدليل في الطريق وقال غيره اللفظ وان كان عاما لكن المراد به الخصوص للاتفاق على انه لم يكن يشاورهم في فرائض الأحكام قلت وفي هذا الإطلاق نظر فقد اخرج الترمذي وحسنه وصححه بن حبان من حديث علي قال لما نزلت يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول الآية قال لي النبي صلى الله عليه وسلم ما ترى دينار قلت لا يطيقونه قال فنصف دينار قلت لا يطيقونه قال فكم قلت شعيرة قال انك لزهيد فنزلت أأشفقتم الآية قال فبي خفف الله عن هذه الأمة ففي هذا الحديث المشاورة في بعض الأحكام ونقل السهيلي عن بن عباس ان المشاورة مختصة بأبي بكر وعمر ولعله من تفسير الكلبي ثم وجدت له مستندا في فضائل الصحابة لأسد بن موسى والمعرفة ليعقوب بن سفيان بسند لا بأس به عن عبد الرحمن بن غنم بفتح المعجمة وسكون النون وهو مختلف في صحبته ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر لو أنكما تتفقان على أمر واحد ما عصيتكما في مشورة أبدا وقد وقع في حديث أبي قتادة في نومهم في الوادي ان تطيعوا أبا بكر وعمر ترشدوا لكن لا حجة فيه للتخصيص ووقع في الأدب من رواية طاوس عن بن عباس في قوله تعالى وشاورهم في الأمر قال في بعض الأمر قيل وهذا تفسير لا تلاوة ونقله بعضهم قراءة عن بن مسعود وعد كثير من الشافعية المشاورة في الخصائص واختلفوا في وجوبها فنقل البيهقي في المعرفة الاستحباب عن النص وبه جزم أبو نصر الفشيري في تفسيره وهو المرجح قوله فإذا عزم الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن لبشر التقدم على الله ورسوله يريد انه صلى الله عليه وسلم بعد المشورة إذا عزم على فعل أمر مما وقعت عليه المشورة وشرع فيه لم يكن لأحد بعد ذلك ان يشير عليه بخلافه لورود النهي عن التقدم بين يدي الله ورسوله في آية الحجرات وظهر من الجمع بين آية المشورة وبينها تخصيص عمومها بالمشورة فيجوز التقدم لكن بأذن منه حيث يستشير وفي غير صورة المشورة لا يجوز لهم التقدم فأباح لهم القول جواب الاستشارة وزجرهم عن الابتداء بالمشورة وغيرها ويدخل في ذلك الاعتراض على ما يراه بطريق الأولى ويستفاد من ذلك ان امره صلى الله عليه وسلم إذا ثبت لم يكن لأحد أن يخالفه ولا يتحيل في مخالفته بل يجعله الأصل الذي يرد إليه ما خالفه لا بالعكس كما يفعل بعض المقلدين ويغفل عن قوله تعالى فليحذر الذين يخالفون عن امره الآية والمشورة بفتح الميم وضم المعجمة وسكون الواو وبسكون المعجمة وفتح الواو لغتان والأولى أرجح قوله وشاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم أحد في المقام والخروج الخ هذا مثال لما ترجم به انه شاور فإذا عزم لم يرجع والقدر الذي ذكره هنا مختصر من قصة طويلة لم تقع موصولة في موضع آخر من الجامع الصحيح وقد وصلها الطبراني وصححها الحاكم من رواية عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن بن عباس قال تنفل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه ذا الفقار يوم بدر وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد وذلك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاءه المشركون يوم أحد كان رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يقيم بالمدينة فيقاتلهم فيها فقال له ناس لم يكونوا شهدوا بدرا أخرج بنا يا رسول الله إليهم نقاتلهم بأحد ونرجو أن نصيب من الفضيلة ما أصاب أهل بدر فما زالوا برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لبس لأمته فلما لبسها ندموا وقالوا يا رسول الله اقم فالرأي رأيك فقال ما ينبغي لنبي ان يضع أداته بعد ان لبسها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه وكان ذكر لهم قبل ان يلبس الأداة اني رأيت أني في درع حصينة فأولتها المدينة وهذا سند حسن وأخرج أحمد والدارمي والنسائي من طريق حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر نحوه وتقدمت الإشارة إليه في كتاب التعبير وسنده صحيح ولفظ أحمد ان النبي صلى الله عليه وسلم قال رأيت كأني في درع حصينة ورأيت بقرا تنحر فأولت الدرع الحصينة المدينة الحديث وقد ساق محمد بن إسحاق هذه القصة في المغازي مطولة وفيها ان عبد الله بن أبي رأس الخزرج كان رأيه الإقامة فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب وقال أطاعهم وعصاني فرجع بمن أطاعه وكانوا ثلث الناس قوله فلما لبس لأمته بسكون الهمزة هي الدرع وقيل الأداة بفتح الهمزة وتخفيف الدال وهي الآلة من درع وبيضة وغيرهما من السلاح والجمع لأم بسكون الهمزة مثل تمرة وتمر وقد تسهل وتجمع أيضا على لؤم بضم ثم فتح على غير قياس واستلأم للقتال إذا لبس سلاحه كاملا قوله وشاور عليا وأسامة فيما رمى به أهل الإفك عائشة فسمع منهما حتى نزل القرآن فجلد الرامين قال بن بطال عن القابسي الضمير في قوله منهما لعلي وأسامة واما جلده الرامين فلم يأت فيه بإسناد قلت اما أصل مشاورتهما فذكره موصولا في الباب باختصار وتقدم في قصة الإفك مطولا في تفسير سورة النور مشروحا وقوله فسمع منهما أي فسمع كلامهما ولم يعمل بجميعه حتى نزل الوحي اما علي فأومأ إلى الفراق بقوله والنساء سواها كثير وتقدم بيان عذره في ذلك واما أسامة فنفى ان يعلم عليها الا الخير فلم يعمل بما اومأ إليه علي من المفارقة وعمل بقوله وسل الجارية فسألها وعمل بقول أسامة في عدم المفارقة ولكنه اذن لها في التوجه إلى بيت أبيها واما قوله فجلد الرامين فلم يقع في شيء من طرق حديث الإفك في الصحيحين ولا أحدهما وهو عند أحمد وأصحاب السنن من رواية محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة قالت لما نزلت براءتي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فدعا بهم وحدهم وفي لفظ فأمر برجلين وامراة فضربوا حدهم وسموا في رواية أبي داود مسطح بن اثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش قال الترمذي حسن لا نعرفه الا من حديث بن إسحاق من هذا الوجه قلت ووقع التصريح بتحديثه في بعض طرقه وقد تقدم بسط القول في ذلك في شرح حديث الإفك في التفسير قوله ولم يلتفت إلى تنازعهم ولكن حكم بما أمره الله قال بن بطال عن القابسي كأنه أراد تنازعهما فسقطت الألف لأن المراد أسامة وعلي وقال الكرماني القياس ان يقال تنازعهما الا ان يقال ان أقل الجمع اثنان أو أراد بالجمع هما ومن معهما أو من وافقهما على ذلك انتهى واخرج الطبراني عن بن عمر في قصة الإفك وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد وبريرة فكأنه أشار بصيغة الجمع إلى ضم بريرة إلى علي وأسامة لكن استشكله بعضهم بأن ظاهر سياق الحديث الصحيح انها لم تكن حاضرة لتصريحه بأنه أرسل إليها وجوابه ان المراد بالتنازع اختلاف قول المذكورين عند مساءلتهم واستشارتهم وهو أعم من ان يكونوا مجتمعين أو متفرقين ويجوز ان يكون مراده بقوله فلم يلتفت إلى تنازعهم كلا من الفريقين في قصتي أحد والافك قوله وكانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها أي إذا لم يكن فيها نص بحكم معين وكانت على أصل الإباحة فمراده ما احتمل الفعل والترك احتمالا واحدا واما ما عرف وجه الحكم فيه فلا واما تقييده بالأمناء فهي صفة موضحه لأن غير المؤتمن لا يستشار ولا يلتفت لقوله واما قوله بأسهلها فلعموم الأمر بالأخذ بالتيسير والتسهيل والنهي عن التشديد الذي يدخل المشقة على المسلم قال الشافعي انما يؤمر الحاكم بالمشورة لكون المشير ينبهه على ما يغفل عنه ويدله على مالا يستحضره من الدليل لا ليقلد المشير فيما يقوله فان الله لم يجعل هذا لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ورد من استشارة الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أخبار كثيرة منها مشاورة أبي بكر رضي الله عنه في قتال أهل الردة وقد أشار إليها المصنف واخرج البيهقي بسند صحيح عن ميمون بن مهران قال كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه أمر نظر في كتاب الله فان وجد فيه ما يقضي به قضى بينهم وان علمه من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى به وان لم يعلم خرج فسأل المسلمين عن السنة فان اعياه ذلك دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم واستشارهم وان عمر بن الخطاب كان يفعل ذلك وتقدم قريبا ان القراء كانوا أصحاب مجلس عمر ومشاورته ومشاورة عمر الصحابة في حد الخمر تقدمت في كتاب الحدود ومشاورة عمر الصحابة في املاص المرأة تقدمت في الديات ومشاورة عمر في قتال الفرس تقدمت في الجهاد ومشاورة عمر المهاجرين والأنصار ثم قريشا لما أرادوا دخول الشام وبلغه ان الطاعون وقع بها وقد مضى مطولا مع شرحه في كتاب الطب وروينا في القطعيات من رواية إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال جاء رجل إلى معاوية فسأله عن مسألة فقال سل عنها عليا قال ولقد شهدت عمر أشكل عليه شيء فقال ها هنا علي وفي كتاب النوادر للحميدي والطبقات لمحمد بن سعد من رواية سعيد بن المسيب قال كان عمر يتعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن يعني علي بن أبي طالب ومشاورة عثمان الصحابة أول ما استخلف فيما يفعل بعبيد الله بن عمر لما قتل الهرمزان وغيره ظنا منه ان لهم في قتل أبيه مدخلا وهي عند بن سعد وغيره بسند حسن ومشاورته الصحابة في جمع الناس على مصحف واحد أخرجها بن أبي داود في كتاب المصاحف من طرق عن علي منها قوله ما فعل عثمان الذي فعل في المصاحف الا عن ملأ منا وسنده حسن قوله ورأى أبو بكر قتال من منع الزكاة الخ يشير إلى حديث أبي هريرة الذي تقدم قريبا في باب الاقتداء بالسلف قوله وقال النبي صلى الله عليه وسلم من بدل دينه فاقتلوه تقدم موصولا من حديث بن عباس في كتاب المحاربين قوله وكان القراء أصحاب مشورة عمر كهولا كانوا أو شبانا هذا طرف من حديث بن عباس في قصة الحر بن قيس وعمه عيينة بن حصن وتقدم قريبا في باب الاقتداء بالسلف أيضا بلفظ ومشاورته ووقع بلفظ ومشورته موصولا في التفسير وقوله في آخره هنا وكان وقافا بقاف ثقيلة أي كثير الوقوف وهذه الزيادة لم تقع في الطريق الموصولة في باب الاقتداء وانما وقعت في التفسير ثم ذكر طرفا من حديث الإفك من طريق صالح بن كيسان عن الزهري وقد تقدم بطوله في كتاب المغازي واقتصر منه على موضع حاجته وهي مشاورة علي وأسامة وقال في آخره فذكر براءة عائشة وأشار بذلك إلى انه هو الذي اختصره وذكر طرفا منه من طريق هشام بن عروة عن أبيه وقد اورد طريق أبي أسامة عن هشام التي علقها هنا مطولة في كتاب التفسير وقد ذكرت هناك من وصلها عن أبي أسامة وشيخه هنا في الطريق الموصولة هو محمد بن حرب النشائي بنون ومعجمة خفيفة ويحيى بن أبي زكريا هو يحيى بن يحيى الشامي نزيل واسط وهو أكبر من يحيى بن يحيى النيسابوري شيخ الشيخين والغساني بفتح المعجمة وتشديد المهملة نسبته مشهورة ووقع في بعض النسخ بضم العين المهملة وتخفيف الشين المعجمة وهو تصحيف شنيع وقوله
6936 فيه ان النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه تقدم في رواية أبي أسامة ان ذلك كان عقب سماعه كلام بريرة وفيه قام في خطيبا أي من اجلي فتشهد وحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال أما بعد قوله ما تشيرون علي هكذا هنا بلفظ الاستفهام وتقدم في طريق أبي أسامة بصيغة الأمر أشيروا علي والحاصل انه استشارهم فيما يفعل بمن قذف عائشة فأشار عليه سعد بن معاذ وأسيد بن حضير بأنهم واقفون عند امره موافقون له فيما يقول ويفعل ووقع النزاع في ذلك بين السعدين فلما نزل عليه الوحي ببراءتها أقام حد القذف على من وقع منه وقوله يسبون اهلي كذا هنا بالمهملة ثم الموحدة الثقيلة من السب وتقدم في التفسير بلفظ ابنوا بموحدة ثم نون وتقدم تفسيره هناك وان منهم من فسر ذلك بالسب قوله ما علمت عليهم من سوء قط يعني أهله وجمع باعتبار لفظ الأهل والقصة انما كانت لعائشة وحدها لكن لما كان يلزم من سبها سب أبويها ومن هو بسبيل منها وكلهم كانوا بسبب عائشة معدودين في أهله صح الجمع وقد تقدم في حديث الهجرة الطويل قول أبي بكر انما هم أهلك يا رسول الله يعني عائشة وأمها وأسماء بنت أبي بكر قوله وعن عروة هو موصول بالسند المذكور وقوله أخبرت بضم أوله على البناء للمجهول وقد تقدمت تسمية من اخبرها بذلك قوله أتأذن لي ان أنطلق إلى اهلي في رواية أبي أسامة أرسلني إلى بيت أبي قوله وقال رجل من الأنصار الخ وقع عند بن إسحاق انه أبو أيوب الأنصاري وأخرجه الحاكم من طريقه وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين وأبو بكر الآجري في طرق حديث الإفك من طريق عطاء الخرساني عن الزهري عن عروة عن عائشة وتقدم في شرحه في التفسير ان أسامة بن زيد قال ذلك أيضا لكن ليس هو أنصاريا وفي روايتنا في فوائد محمد بن عبد الله المعروف بابن أخي ميمي من مرسل سعيد بن المسيب وغيره وكان رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمعا شيئا من ذلك قالا سبحانك هذا بهتان عظيم زيد بن حارثة وأبو أيوب وزيد أيضا ليس أنصاريا وفي تفسير سنيد من مرسل سعيد بن جبير أن سعد بن معاذ لما سمع ما قيل في أمر عائشة قال سبحانك هذا بهتان عظيم وفي الإكليل للحاكم من طريق الواقدي ان أبي بن كعب قال ذلك وحكى عن المبهمات لابن بشكوال ولم أره انا فيها أن قتادة بن النعمان قال ذلك فان ثبت فقد اجتمع ممن قال ذلك ستة أربعة من الأنصار ومهاجريان تنبيه وقع في بعض النسخ في هذه الأبواب الثلاثة الأخيرة تقديم وتأخير والخطب فيها سهل خاتمة اشتمل كتاب الاعتصام من الأحاديث المرفوعة وما في حكمها على مائة وسبعة وعشرين حديثا المعلق منها وما في معناه من المتابعة ستة وعشرون حديثا وسائرها موصول المكرر منها فيه وفيما مضى مائة حديث وعشرة أحاديث والباقي خالص وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث أبي هريرة كل أمتي يدخلون الجنة الا من أبى وحديث عمر نهينا عن التكلف وحديث أبي هريرة في مأخذ القرون وحديث عائشة في الرفق وحديثها لا أزكى به وحديث عثمان في الخطبة وحديث أبي سلمة المرسل في الاجتهاد وحديث المشاورة في الخروج إلى أحد وفيه من الآثار عن الصحابة ومن بعدهم ستة عشر أثرا والله سبحانه وتعالى الهادي إلى الصواب بسم الله الرحمن الرحيم قوله بسم الله الرحمن الرحيم 1 ( كتاب التوحيد )
كذا للنسفي وحماد بن شاكر وعليه اقتصر الأكثر عن الفربري وزاد المستملي الرد على الجهمية وغيرهم وسقطت البسملة لغير أبي ذر ووقع لابن بطال وبن التين كتاب رد الجهمية وغيرهم التوحيد وضبطوا التوحيد بالنصب على المفعولية وظاهره معترض لأن الجهمية وغيرهم من المبتدعة لم يردوا التوحيد وانما اختلفوا في تفسيره وحجج الباب ظاهرة في ذلك والمراد بقوله في رواية المستملي وغيرهم القدرية واما الخوارج فتقدم ما يتعلق بهم في كتاب الفتن وكذا الرافضة تقدم ما يتعلق بهم في كتاب الأحكام وهؤلاء الفرق الأربع هم رؤوس البدعة وقد سمي المعتزلة أنفسهم أهل العدل والتوحيد وعنوا بالتوحيد ما اعتقدوه من نفي الصفات الإلهية لاعتقادهم ان إثباتها يستلزم التشبيه ومن شبه الله بخلقه أشرك وهم في النفي موافقون للجهمية واما أهل السنة ففسروا التوحيد بنفي التشبيه والتعطيل ومن ثم قال الجنيد فيما حكاه أبو القاسم القشيري التوحيد افراد القديم من المحدث وقال أبو القاسم التميمي في كتاب الحجة التوحيد مصدر وحد يوحد ومعنى وحدت الله اعتقدته منفردا بذاته وصفاته لا نظير له ولا شبيه وقيل معنى وحدته علمته واحدا وقيل سلبت عنه الكيفية والكمية فهو واحد في ذاته لا انقسام له وفي صفاته لا شبيه له في إلهيته وملكه وتدبيره لا شريك له ولا رب سواه ولا خالق غيره وقال بن بطال تضمنت ترجمة الباب أن الله ليس بجسم لأن الجسم مركب من أشياء مؤلفة وذلك يرد على الجهمية في زعمهم انه جسم كذا وجدت فيه ولعله أراد ان يقول المشبهة واما الجهمية فلم يختلف أحد ممن صنف في المقالات انهم ينفون الصفات حتى نسبوا إلى التعطيل وثبت عن أبي حنيفة انه قال بالغ جهم في نفي التشبيه حتى قال ان الله ليس بشيء وقال الكرماني الجهمية فرقة من المبتدعه ينتسبون إلى جهم بن صفوان مقدم الطائفة القائلة ان لا قدرة للعبد أصلا وهم الجبرية بفتح الجيم وسكون الموحدة ومات مقتولا في زمن هشام بن عبد الملك انتهى وليس الذي انكروه على الجهمية مذهب الجبر خاصة وانما الذي اطبق السلف على ذمهم بسببه إنكار الصفات حتى قالوا ان القرآن ليس كلام الله وانه مخلوق وقد ذكر الأستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي في كتابه الفرق بين الفرق ان رؤوس المبتدعة أربعة إلى ان قال والجهمية اتباع جهم بن صفوان الذي قال بالاجبار والاضطرار إلى الأعمال وقال لا فعل لأحد غير الله تعالى وانما ينسب الفعل إلى العبد مجازا من غير ان يكون فاعلا أو مستطيعا لشيء وزعم ان علم الله حادث وامتنع من وصف الله تعالى بأنه شيء أو حي أو عالم أو مريد حتى قال لا أصفه بوصف يجوز إطلاقه على غيره قال واصفه بأنه خالق ومحي ومميت وموحد بفتح المهملة الثقيلة لأن هذه الأوصاف خاصة به وزعم ان كلام الله حادث ولم يسم الله متكلما به قال وكان جهم يحمل السلاح ويقاتل وخرج مع الحارث بن سريج وهو بمهملة وجيم مصغر لما قام على نصر بن سيار عامل بني أمية بخراسان فآل أمره إلى ان قتله سلم بن أحوز وهو بفتح السين المهملة وسكون اللام وأبوه بمهملة وآخره زاي وزن أعور وكان صاحب شرطة نصر وقال البخاري في كتاب خلق افعال العباد بلغني أن جهما كان يأخذ عن الجعد بن درهم وكان خالد القسري وهو أمير العراق خطب فقال اني مضح بالجعد بن درهم لأنه زعم ان الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما قلت وكان ذلك في خلافة هشام بن عبد الملك فكأن الكرماني انتقل ذهنه من الجعد إلى الجهم فان قتل جهم كان بعد ذلك بمدة ونقل البخاري عن محمد بن مقاتل قال قال عبد الله بن المبارك ولا أقول بقول الجهم ان له قولا يضارع قول الشرك أحيانا وعن بن المبارك انا لنحكي كلام اليهود والنصارى ونستعظم ان نحكي قول جهم وعن عبد الله بن شوذب قال ترك جهم الصلاة أربعين يوما على وجه الشك وأخرج بن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية من طريق خلف بن سليمان البلخي قال كان جهم من أهل الكوفة وكان فصيحا ولم يكن له نفاذ في العلم فلقيه قوم من الزنادقة فقالوا له صف لنا ربك الذي تعبده فدخل البيت لا يخرج مدة ثم خرج فقال هو هذا الهواء مع كل شيء وأخرج بن خزيمة في التوحيد ومن طريقه البيهقي في الأسماء قال سمعت أبا قدامة يقول سمعت أبا معاذ البلخي يقول كان جهم على معبر ترمذ وكان كوفي الأصل فصيحا ولم يكن له علم ولا مجالسة أهل العلم فقيل له صف لنا ربك فدخل البيت لا يخرج كذا ثم خرج بعد أيام فقال هو هذا الهواء مع كل شيء وفي كل شيء ولا يخلو منه شيء وأخرج البخاري من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة قال كلام جهم صفة بلا معنى وبناء بلا أساس ولم يعد قط في أهل العلم وقد سئل عن رجل طلق قبل الدخول فقال تعتد امرأته وأورد آثارا كثيرة عن السلف في تكفير جهم وذكر الطبري في تاريخه في حوادث سنة سبع وعشرين أن الحارث بن سريج خرج على نصر بن سيار عامل خراسان لبني أمية وحاربه والحارث حينئذ يدعو إلى العمل بالكتاب والسنة وكان جهم حينئذ كاتبه ثم تراسلا في الصلح وتراضيا بحكم مقاتل بن حيان والجهم فاتفقا على ان الأمر يكون شورى حتى يتراضى أهل خراسان على أمير يحكم بينهم بالعدل فلم يقبل نصر ذلك واستمر على محاربة الحارث إلى ان قتل الحارث في سنة ثمان وعشرين في خلافة مروان الحمار فيقال ان الجهم قتل في المعركة ويقال بل اسر فأمر نصر بن سيار سلم بن احوز بقتله فادعى جهم الأمان فقال له سلم لو كنت في بطني لشققته حتى اقتلك فقتله وأخرج بن أبي حاتم من طريق محمد بن صالح مولى بني هاشم قال قال سلم حين أخذه يا جهم اني لست أقتلك لأنك قاتلتني أنت عندي أحقر من ذلك ولكني سمعتك تتكلم بكلام أعطيت الله عهدا ان لا املكك الا قتلتك فقتله ومن طريق معتمر بن سليمان عن خلاد الطفاوي بلغ سلم بن احوز وكان على شرطة خراسان ان جهم بن صفوان ينكر ان الله كلم موسى تكليما فقتله ومن طريق بكير بن معروف قال رأيت سلم بن أحوز حين ضرب عنق جهم فاسود وجه جهم وأسند أبو القاسم اللالكائي في كتاب السنة له ان قتل جهم كان في سنة اثنتين وثلاثين ومائة والمعتمد ما ذكره الطبري انه كان في سنة ثمان وعشرين وذكر بن أبي حاتم من طريق سعيد بن رحمة صاحب أبي إسحاق الفزاري ان قصة جهم كانت سنة ثلاثين ومائة وهذا يمكن حمله على جبر الكسر أو على ان قتل جهم تراخى عن قتل الحارث بن سريج واما قول الكرماني ان قتل جهم كان في خلافة هشام بن عبد الملك فوهم لأن خروج الحارث بن سريج الذي كان جهم كاتبه كان بعد ذلك ولعل مستند الكرماني ماأخرجه بن أبي حاتم من طريق صالح بن أحمد بن حنبل قال قرأت في دواوين هشام بن عبد الملك إلى نصر بن سيار عامل خراسان اما بعد فقد نجم قبلك رجل يقال له جهم من الدهرية فان ظفرت به فاقتله ولكن لا يلزم من ذلك ان يكون قتله وقع في زمن هشام وان كان ظهور مقالته وقع قبل ذلك حتى كاتب فيه هشام والله اعلم وقال بن حزم في كتاب الملل والنحل فرق المقرين بملة الإسلام خمس أهل السنة ثم المعتزلة ومنهم القدرية ثم المرجئة ومنهم الجهمية والكرامية ثم الرافضة ومنهم الشيعة ثم الخوارج ومنهم الأزارقة والإباضية ثم افترقوا فرقا كثيرة فأكثر افتراق أهل السنة في الفروع واما في الإعتقاد ففي نبذ يسيرة واما الباقون ففي مقالاتهم ما يخالف أهل السنة الخلاف البعيد والقريب فاقرب فرق المرجئة من قال الإيمان التصديق بالقلب واللسان فقط وليست العبادة من الإيمان وأبعدهم الجهمية القائلون بان الإيمان عقد بالقلب فقط وان أظهر الكفر والتثليث بلسانه وعبد الوثن من غير تقية والكرامية القائلون بأن الإيمان قول باللسان فقط وان اعتقد الكفر بقلبه وساق الكلام على بقية الفرق ثم قال فاما المرجئة فعمدتهم الكلام في الإيمان والكفر فمن قال ان العبادة من الإيمان وانه يزيد وينقص ولا يكفر مؤمنا بذنب ولا يقول انه يخلد في النار فليس مرجئا ولو وافقهم في بقية مقالاتهم واما المعتزلة فعمدتهم الكلام في الوعد والوعيد والقدر فمن قال القرآن ليس بمخلوق وأثبت القدر ورؤية الله تعالى في القيامة وأثبت صفاته الواردة في الكتاب والسنة وان صاحب الكبائر لا يخرج بذلك عن الإيمان فليس بمعتزلي وان وافقهن في سائر مقالاتهم وساق بقية ذلك إلى ان قال واما الكلام فيما يوصف الله به فمشترك بين الفرق الخمسة من مثبت لها وناف فرأس النفاة المعتزلة والجهمية فقد بالغوا في ذلك حتى كادوا يعطلون ورأس المثبتة مقاتل بن سليمان ومن تبعه من الرافضة والكرامية فانهم بالغوا في ذلك حتى شبهوا الله تعالى بخلقه تعالى الله سبحانه عن اقوالهم علوا كبيرا ونظير هذا التباين قول الجهمية ان العبد لا قدرة له أصلا وقول القدرية انه يخلق فعل نفسه قلت وقد أفرد البخاري خلق أفعال العباد في تصنيف وذكر منه هنا أشياء بعد فراغه مما يتعلق بالجهمية
1 ( قوله باب ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى توحيد الله تعالى ) المراد بتوحيد الله تعالى الشهادة بأنه اله واحد وهذا الذي يسميه بعض غلاة الصوفية توحيد العامة وقد ادعى طائفتان في تفسير التوحيد امرين اخترعوهما أحدهما تفسير المعتزلة كما تقدم ثانيهما غلاة الصوفية فان اكابرهم لما تكلموا في مسألة المحو والفناء وكان مرادهم بذلك المبالغة في الرضا والتسليم وتفويض الأمر بالغ بعضهم حتى ضاهى المرجئة في نفي نسبة الفعل إلى العبد وجر ذلك بعضهم إلى معذرة العصاة ثم غلا بعضهم فعذر الكفار ثم غلا بعضهم فزعم ان المراد بالتوحيد اعتقاد وحدة الوجود وعظم الخطب حتى ساء ظن كثير من أهل العلم بمتقدميهم وحاشاهم من ذلك وقد قدمت كلام شيخ الطائفة الجنيد وهو في غاية الحسن والايجاز وقد رد عليه بعض من قال بالوحدة المطلقة فقال وهل من غير ولهم في ذلك كلام طويل ينبو عنه سمع كل من كان على فطرة الإسلام والله المستعان وذكر في الباب أربعة أحاديث الحديث الأول حديث معاذ بن جبل في بعثه إلى اليمن أورده من طريقين الأولى أعلى من الثانية وقد أورد الطريق العالية في كتاب الزكاة وساقها هناك على لفظ أبي عاصم راويها وذكره هناك من وجه آخر بنزول وعبد الله بن أبي الأسود شيخه في هذا الباب هو بن محمد بن أبي الأسود ينسب إلى جده واسمه حميد بن الأسود والفضل بن العلاء يكنى أبا العلاء ويقال أبو العباس وهو كوفي نزل البصرة وثقه على بن المديني وقال أبو حاتم الرازي شيخ يكتب حديثه وقال النسائي ليس به بأس وقال الدارقطني كثير الوهم قلت وماله في البخاري سوى هذا الموضع وقد قرنه بغيره ولكنه ساق المتن هنا على لفظه
6937 قوله عن أبي معبد كذا للجميع بفتح الميم وسكون المهملة ثم موحدة وفي بعض النسخ عن أبي سعيد وهو تصحيف وكأن الميم انفتحت فصارت تشبه السين قوله سمعت بن عباس لما بعث كذا فيه بحذف قال أو يقول وقد جرت العادة بحذفه خطأ ويقال يشترط النطق به قوله لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل إلى نحو أهل اليمن أي إلى جهة أهل اليمن وهذه الرواية تقيد الرواية المطلقة بلفظ حين بعثه إلى اليمن فبينت هذه الرواية ان لفظ اليمن من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أو من إطلاق العام وإرادة الخاص أو لكون اسم الجنس يطلق على بعضه كما يطلق على كله والراجح انه من حمل المطلق على المقيد كما صرحت به هذه الرواية وقد تقدم في باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن في أواخر المغازي من رواية أبي بردة بن أبي موسى وبعث كل واحد منهما على مخلاف قال واليمن مخلافان وتقدم ضبط المخلاف وشرحه هناك ثم قوله إلى أهل اليمن من إطلاق الكل وإرادة البعض لأنه انما بعثه إلى بعضهم لا إلى جميعهم ويحتمل ان يكون الخبر على عمومه في الدعوى إلى الأمور المذكورة وان كانت امرة معاذ انما كانت على جهة من اليمن مخصوصة قوله انك تقدم على قوم من أهل الكتاب هم اليهود وكان ابتداء دخول اليهودية اليمن في زمن أسعد ذي كرب وهو تبع الأصغر كما ذكره بن إسحاق مطولا في السيرة فقام الإسلام وبعض أهل اليمن على اليهودية ودخل دين النصرانية إلى اليمن بعد ذلك لما غلبت الحبشة على اليمن وكان منهم أبرهة صاحب الفيل الذي غزا مكة وأراد هدم الكعبة حتى أجلاهم عنها سيف بن ذي يزن كما ذكره بن إسحاق مبسوطا أيضا ولم يبق بعد ذلك باليمن أحد من النصارى أصلا الا بنجران وهي بين مكة واليمن وبقي ببعض بلادها قليل من اليهود قوله فليكن أول ما تدعوهم إلى ان يوحدوا الله فإذا عرفوا ذلك مضى في وسط الزكاة من طريق إسماعيل بن أمية عن يحيى بن عبد الله بلفظ فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله فإذا عرفوا الله وكذا أخرجه مسلم عن الشيخ الذي أخرجه عنه البخاري وقد تمسك به من قال أول واجب المعرفة كامام الحرمين واستدل بأنه لا يتأتي الإتيان بشيء من المأمورات على قصد الامتثال ولا الانكفاف عن شيء من المنهيات على قصد الانزجار الا بعد معرفة الآمر والناهي واعترض عليه بان المعرفة لا تتأتى الا بالنظر والاستدلال وهو مقدمة الواجب فيجب فيكون أول واجب النظر وذهب إلى هذا طائفة كابن فورك وتعقب بان النظر ذو أجزاء يترتب بعضها على بعض فيكون أول واجب جزأ من النظر وهو محكى عن القاضي أبي بكر بن الطيب وعن الأستاذ أبي إسحاق الاسفرايني أول واجب القصد إلى النظر وجمع بعضهم بين هذه الأقوال بان من قال أول واجب المعرفة أراد طلبا وتكليفا ومن قال النظر أو القصد أراد امتثالا لأنه يسلم انه وسيلة إلى تحصيل المعرفة فيدل ذلك على سبق وجوب المعرفة وقد ذكرت في كتاب الإيمان من اعرض عن هذا من أصله وتمسك بقوله تعالى فاقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها وحديث كل مولود يولد على الفطرة فأن ظاهر الآية والحديث ان المعرفة حاصلة بأصل الفطرة وان الخروج عن ذلك يطرأ على الشخص لقوله عليه الصلاة والسلام فأبواه يهودانه وينصرانه وقد وافق أبو جعفر السمناني وهو من رؤوس الأشاعرة على هذا وقال ان هذه المسألة بقيت في مقالة الأشعري من مسائل المعتزلة وتفرع عليها ان الواجب على كل أحد معرفة الله بالأدلة الدالة عليه وانه لا يكفي التقليد في ذلك انتهى وقرأت في جزء من كلام شيخ شيخنا الحافظ صلاح الدين العلائي ما ملخصه ان هذه المسألة مما تناقضت فيها المذاهب وتباينت بين مفرط ومفرط ومتوسط فالطرف الأول قول من قال يكفي التقليد المحض في اثبات وجود الله تعالى ونفي الشريك عنه وممن نسب إليه إطلاق ذلك عبيد الله بن الحسن العنبري وجماعة من الحنابلة والظاهرية ومنهم من بالغ فحرم النظر في الأدلة واستند إلى ما ثبت عن الأئمة الكبار من ذم الكلام كما سيأتي بيانه والطرف الثاني قول من وقف صحة ايمان كل أحد على معرفة الأدلة من علم الكلام ونسب ذلك لأبي إسحاق الأسفرايني وقال الغزالي أسرفت طائفة فكفروا عوام المسلمين وزعموا ان من لم يعرف العقائد الشرعية بالأدلة التي حرروها فهو كافر فضيقوا رحمة الله الواسعة وجعلوا الجنة مختصة بشرذمة يسيرة من المتكلمين وذكر نحوه أبو المظفر بن السمعاني وأطال في الرد على قائله ونقل عن أكثر أئمة الفتوى انهم قالوا لا يجوز ان تكلف العوام اعتقاد الأصول بدلائلها لأن في ذلك من المشقة أشد من المشقة في تعلم الفروع الفقهية واما المذهب المتوسط فذكره وسأذكره ملخصا بعد هذا وقال القرطبي في المفهم في شرح حديث أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم الذي تقدم شرحه في أثناء كتاب الأحكام وهو في أوائل كتاب العلم من صحيح مسلم هذا الشخص الذي يبغضه الله هو الذي يقصد بخصومته مدافعة الحق ورده بالأوجه الفاسدة والشبه الموهمة وأشد ذلك الخصومة في أصول الدين كما يقع لأكثر المتكلمين المعرضين عن الطرق التي أرشد إليها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسلف أمته إلى طرق مبتدعة واصطلاحات مخترعة وقوانين جدلية وأمور صناعية مدار أكثرها على آراء سوفسطائية أو مناقضات لفظية ينشأ بسببها على الآخذ فيها شبه ربما يعجز عنها وشكوك يذهب الإيمان معها وأحسنهم انفصالا عنها أجدلهم لا أعلمهم فكم من عالم بفساد الشبهة لا يقوى على حلها وكم من منفصل عنها لا يدرك حقيقة علمها ثم ان هؤلاء قد ارتكبوا أنواعا من المحال لا يرتضيها البله ولا الأطفال لما بحثوا عن تحيز الجواهر والألوان والأحوال فأخذوا فيما أمسك عنه السلف الصالح من كيفيات تعلقات صفات الله تعالى وتعديدها واتحادها في نفسها وهل هي الذات أو غيرها وفي الكلام هل هو متحد أو منقسم وعلى الثاني هل ينقسم بالنوع أو الوصف وكيف تعلق في الأزل بالمأمور مع كونه حادثا ثم إذا انعدم المأمور هل يبقى التعلق وهل الأمر لزيد بالصلاة مثلا هو نفس الأمر لعمرو بالزكاة إلى غير ذلك مما ابتدعوه مما لم يأمر به الشارع وسكت عنه الصحابة ومن سلك سبيلهم بل نهوا عن الخوض فيها لعلهم بأنه بحث عن كيفية ما لا تعلم كيفيته بالعقل لكون العقول لها حد تقف عنده ولا فرق بين البحث عن كيفية الذات وكيفية الصفات ومن توقف في هذا فليعلم أنه إذا كان حجب عن كيفية نفسه مع وجودها وعن كيفية إدراك ما يدرك به فهو عن إدراك غيره أعجز وغاية علم العالم أن يقطع بوجود فاعل لهذه المصنوعات منزه عن الشبيه مقدس عن النظير متصف بصفات الكمال ثم متى ثبت النقل عنه بشيء من أوصافه وأسمائه قبلناه واعتقدناه وسكتنا عما عداه كما هو طريق السلف وما عداه لا يأمن صاحبه من الزلل ويكفي في الردع عن الخوض في طرق المتكلمين ما ثبت عن الأئمة المتقدمين كعمر بن عبد العزيز ومالك بن أنس والشافعي وقد قطع بعض الأئمة بأن الصحابة لم يخوضوا في الجوهر والعرض وما يتعلق بذلك من مباحث المتكلمين فمن رغب عن طريقهم فكفاه ضلالا قال وأفضى الكلام بكثير من أهله إلى الشك وببعضهم إلى الإلحاد وببعضهم إلى التهاون بوظائف العبادات وسبب ذلك اعراضهم عن نصوص الشارع وتطلبهم حقائق الأمور من غيره وليس في قوة العقل ما يدرك ما في نصوص الشارع من الحكم التي استأثر بها وقد رجع كثير من أئمتهم عن طريقهم حتى جاء عن امام الحرمين انه قال ركبت البحر الأعظم وغصت في كل شيء نهى عنه أهل العلم في طلب الحق فرارا من التقليد والآن فقد رجعت واعتقدت مذهب السلف هذا كلامه أو معناه وعنه انه قال عند موته يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام فلو عرفت انه يبلغ بي ما بلغت ما تشاغلت به إلى ان قال القرطبي ولو لم يكن في الكلام الا مسئلتان هما من مبادئه لكان حقيقا بالذم إحداهما قول بعضهم ان أول واجب الشك إذ هو اللازم عن وجوب النظر أو القصد إلى النظر واليه أشار الامام بقوله ركبت البحر ثانيتهما قول جماعة منهم ان من لم يعرف الله بالطرق التي رتبوها والأبحاث التي حرروها لم يصح ايمانه حتى لقد أورد على بعضهم ان هذا يلزم منه تكفير أبيك وأسلافك وجيرانك فقال لا تشنع علي بكثرة أهل النار قال وقد رد بعض من لم يقل بهما على من قال بهما بطريق من الرد النظري وهو خطا منه فان القائل بالمسئلتين كافر شرعا لجعله الشك في الله واجبا ومعظم المسلمين كفارا حتى يدخل في عموم كلامه السلف الصالح من الصحابة والتابعين وهذا معلوم الفساد من الدين بالضرورة والا فلا يوجد في الشرعيات ضروري وختم القرطبي كلامه بالاعتذار عن اطالة النفس في هذا الموضع لما شاع بين الناس من هذه البدعة حتى اغتر بها كثير من الأغمار فوجب بذل النصيحة والله يهدي من يشاء انتهى وقال الآمدي في ابكار الأفكار ذهب أبو هاشم من المعتزلة إلى أن من لا يعرف الله بالدليل فهو كافر لأن ضد المعرفة النكرة والنكرة كفر قال وأصحابنا مجمعون على خلافه وانما اختلفوا فيما إذا كان الإعتقاد موافقا لكن عن غير دليل فمنهم من قال ان صاحبه مؤمن عاص بترك النظر الواجب ومنهم من اكتفى بمجرد الإعتقاد الموافق وان لم يكن عن دليل وسماه علما وعلى هذا فلا يلزم من حصول المعرفة بهذا الطريق وجوب النظر وقال غيره من منع التقليد وأوجب الاستدلال لم يرد التعمق في طرق المتكلمين بل اكتفى بما لا يخلو عنه من نشأ بين المسلمين من الاستدلال بالمصنوع على الصانع وغايته انه يحصل في الذهن مقدمات ضرورية تتألف تألفا صحيحا وتنتج العلم لكنه لو سئل كيف حصل له ذلك ما اهتدى للتعبير به وقيل الأصل في هذا كله المنع من التقليد في أصول الدين وقد انفصل بعض الأئمة عن ذلك بأن المراد بالتقليد اخذ قول الغير بغير حجة ومن قامت عليه حجة بثبوت النبوة حتى حصل له القطع بها فمهما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم كان مقطوعا عنده بصدقه فإذا اعتقده لم يكن مقلدا لأنه لم يأخذ بقول غيره بغير حجة وهذا مستند السلف قاطبة في الأخذ بما ثبت عندهم من آيات القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بهذا الباب فآمنوا بالمحكم من ذلك وفوضوا أمر المتشابه منه إلى ربهم وانما قال من قال ان مذهب الخلف احكم بالنسبة إلى الرد على من لم يثبت النبوة فيحتاج من يريد رجوعه إلى الحق ان يقيم عليه الأدلة إلى ان يذعن فيسلم أو يعاند فيهلك بخلاف المؤمن فإنه لا يحتاج في أصل ايمانه إلى ذلك وليس سبب الأول الا جعل الأصل عدم الإيمان فلزم إيجاب النظر المؤدي إلى المعرفة والا فطريق السلف أسهل من هذا كما تقدم إيضاحه من الرجوع إلى ما دلت عليه النصوص حتى يحتاج إلى ما ذكر من إقامة الحجة على من ليس بمؤمن فاختلط الأمر على من اشترط ذلك والله المستعان واحتج بعض من أوجب الاستدلال باتفاقهم على ذم التقليد وذكروا الآيات والأحاديث الواردة في ذم التقليد وبأن كل أحد قبل الاستدلال لا يدري أي الأمرين هو الهدى وبأن كل ما لا يصح الا بالدليل فهو دعوى لا يعمل بها وبأن العلم اعتقاد الشيء على ما هو عليه من ضرورة أو استدلال وكل ما لم يكن علما فهو جهل ومن لم يكن عالما فهو ضال والجواب عن الأول ان المذموم من التقليد اخذ قول الغير بغير حجة وهذا ليس منه حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فان الله أوجب اتباعه في كل ما يقول وليس العمل فيما أمر به أو نهى عنه داخلا تحت التقليد المذموم اتفاقا واما من دونه ممن اتبعه في قول قاله واعتقد انه لو لم يقله لم يقل هو به فهو المقلد المذموم بخلاف ما لو اعتقد ذلك في خبر الله ورسوله فإنه يكون ممدوحا وأما احتجاجهم بأن أحدا لا يدري قبل الاستدلال أي الأمرين هو الهدى فليس بمسلم بل من الناس من تطمئن نفسه وينشرح صدره للإسلام من أول وهلة ومنهم من يتوقف على الاستدلال فالذي ذكروه هم أهل الشق الثاني فيجب عليه النظر ليقي نفسه النار لقوله تعالى قوا أنفسكم وأهليكم نارا ويجب على كل من استرشده ان يرشده ويبرهن له الحق وعلى هذا مضى السلف الصالح من عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبعده واما من استقرت نفسه إلى تصديق الرسول ولم تنازعه نفسه إلى طلب دليل توفيقا من الله وتيسيرا فهم الذين قال الله في حقهم ولكن الله حبب اليكم الإيمان وزينه في قلوبكم الآية وقال فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للإسلام الآية وليس هؤلاء مقلدين لآبائهم ولا لرؤسائهم لأنهم لو كفر أباؤهم أو رؤساؤهم لم يتابعوهم بل يجدون النفرة عن كل من سمعوا عنه ما يخالف الشريعة واما الآيات والأحاديث فانما وردت في حق الكفار الذين اتبعوا من نهوا عن اتباعه وتركوا اتباع من أمروا باتباعه وانما كلفهم الله الإتيان ببرهان على دعواهم بخلاف المؤمنين فلم يرد قط انه أسقط اتباعهم حتى يأتوا بالبرهان وكل من خالف الله ورسوله فلا برهان له أصلا وانما كلف الإتيان بالبرهان تبكيتا وتعجيزا واما من اتبع الرسول فيما جاء به فقد اتبع الحق الذي أمر به وقامت البراهين على صحته سواء علم هو بتوجيه ذلك البرهان أم لا وقول من قال منهم ان الله ذكر الاستدلال وامر به مسلم لكن هو فعل حسن مندوب لكل من اطاقه وواجب على كل من لم تسكن نفسه إلى التصديق كما تقدم تقريره وبالله التوفيق وقال غيره قول من قال طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أحكم ليس بمستقيم لأنه ظن أن طريقة السلف مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه في ذلك وان طريقه الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات فجمع هذا القائل بين الجهل بطريقة السلف والدعوى في طريقة الخلف وليس الأمر كما ظن بل السلف في غاية المعرفة بما يليق بالله تعالى وفي غاية التعظيم له والخضوع لأمره والتسليم لمراده وليس من سلك طريق الخلف واثقا بان الذي يتأوله هو المراد ولا يمكنه القطع بصحة تاويله واما قولهم في العلم فزادوا في التعريف عن ضرورة أو استدلال وتعريف العلم انتهى عند قوله عليه فان ابوا الا الزيادة فليزدادوا عن تيسير الله له ذلك وخلقه ذلك المعتقد في قلبه والا فالذي زادوه هو محل النزاع فلا دلالة فيه وبالله التوفيق وقال أبو المظفر بن السمعاني تعقب بعض أهل الكلام قول من قال ان السلف من الصحابة والتابعين لم يعتنوا بإيراد دلائل العقل في التوحيد بأنهم لم يشتغلوا بالتعريفات في احكام الحوادث وقد قبل الفقهاء ذلك واستحسنوه فدونوه في كتبهم فكذلك علم الكلام ويمتاز علم الكلام بأنه يتضمن الرد على الملحدين وأهل الأهواء وبه تزول الشبهة عن أهل الزيغ ويثبت اليقين لأهل الحق وقد علم الكل ان الكتاب لم تعلم حقيته والنبي لم يثبت صدقه الا بأدلة العقل وأجاب اما أولا فان الشارع والسلف الصالح نهوا عن الابتداع وأمروا بالاتباع وصح عن السلف انهم نهوا عن علم الكلام وعدوه ذريعة للشك والارتياب واما الفروع فلم يثبت عن أحد منهم النهي عنها الا من ترك النص الصحيح وقدم عليه القياس وأما من اتبع النص وقاس عليه فلا يحفظ عن أحد من أئمة السلف إنكار ذلك لأن الحوادث في المعاملات لا تنقضي وبالناس حاجة إلى معرفة الحكم فمن ثم تواردوا على استحباب الاشتغال بذلك بخلاف علم الكلام واما ثانيا فان الدين كمل لقوله تعالى اليوم اكملت لكم دينكم فإذا كان اكمله وأتمه وتلقاه الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم واعتقده من تلقى عنهم واطمأنت به نفوسهم فاي حاجة بهم إلى تحكيم العقول والرجوع إلى قضاياها وجعلها أصلا والنصوص الصحيحة الصريحة تعرض عليها فتارة يعمل بمضمونها وتارة تحرف عن مواضعها لتوافق العقول وإذا كان الدين قد كمل فلا تكون الزيادة فيه الا نقصانا في المعنى مثل زيادة أصبع في اليد فأنها تنقص قيمة العبد الذي يقع به ذلك وقد توسط بعض المتكلمين فقال لا يكفي التقليد بل لا بد من دليل ينشرح به الصدر وتحصل به الطمأنينة العلمية ولا يشترط ان يكون بطريق الصناعة الكلامية بل يكفي في حق كل أحد بحسب ما يقتضيه فهمه انتهى والذي تقدم ذكره من تقليد النصوص كاف في هذا القدر وقال بعضهم المطلوب من كل أحد التصديق الجزمي الذي لا ريب معه بوجود الله تعالى والايمان برسله وبما جاؤوا به كيفما حصل وبأي طريق إليه يوصل ولو كان عن تقليد محض إذا سلم من التزلزل قال القرطبي هذا الذي عليه أئمة الفتوى ومن قبلهم من أئمة السلف واحتج بعضهم بما تقدم من القول في أصل الفطرة وبما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم الصحابة انهم حكموا بإسلام من أسلم من جفاة العرب ممن كان يعبد الأوثان فقبلوا منهم الإقرار بالشهادتين والتزام أحكام الإسلام من غير الزام بتعلم الأدلة وان كان كثير منهم انما اسلم لوجود دليل ما فأسلم بسبب وضوحه له فالكثير منهم قد أسلموا طوعا من غير تقدم استدلال بل بمجرد ما كان عندهم من أخبار أهل الكتاب بأن نبيا سيبعث وينتصر على من خالفه فلما ظهرت لهم العلامات في محمد صلى الله عليه وسلم بادروا إلى الإسلام وصدقوه في كل شيء قاله ودعاهم إليه من الصلاة والزكاة وغيرهما وكثير منهم كان يؤذن له في الرجوع إلى معاشه من رعاية الغنم وغيرها وكانت أنوار النبوة وبركاتها تشملهم فلا يزالون يزدادون ايمانا ويقينا وقال أبو المظفر بن السمعاني أيضا ما ملخصه ان العقل لا يوجب شيئا ولا يحرم شيئا ولا حظ له في شيء من ذلك ولو لم يرد الشرع بحكم ما وجب على أحد شيء لقوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وقوله لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وغير ذلك من الآيات فمن زعم ان دعوة رسل الله عليهم الصلاة والسلام انما كانت لبيان الفروع لزمه ان يجعل العقل هو الداعي إلى الله دون الرسول ويلزمه ان وجود الرسول وعدمه بالنسبة إلى الدعاء إلى الله سواء وكفى بهذا ضلالا ونحن لا ننكر ان العقل يرشد إلى التوحيد وانما ننكر انه يستقل بايجاب ذلك حتى لا يصح إسلام الا بطريقه مع قطع النظر عن السمعيات لكون ذلك خلاف ما دلت عليه آيات الكتاب والأحاديث الصحيحة التي تواترت ولو بالطريق المعنوى ولو كان كما يقول أولئك لبطلت السمعيات التي لا مجال للعقل فيها أو أكثرها بل يجب الإيمان بما ثبت من السمعيات فان عقلناه فبتوفيق الله والا اكتفينا باعتقاد حقيته على وفق مراد الله سبحانه وتعالى انتهى ويؤيد كلامه ما أخرجه أبو داود عن بن عباس ان رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنشدك الله آلله ارسلك ان نشهد ان لا إله إلا الله وان ندع اللات والعزى قال نعم فأسلم واصله في الصحيحين في قصة ضمام بن ثعلبة وفي حديث عمرو بن عبسة عند مسلم انه اتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما أنت قال نبي الله قلت آلله أرسلك قال نعم قلت بأي شيء قال أوحد الله لا اشرك به شيئا الحديث وفي حديث أسامة بن زيد في قصة قتله الذي قال لا إله إلا الله فأنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم وحديث المقداد في معناه وقد تقدما في كتاب الديات وفي كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل وكسرى وغيرهما من الملوك يدعوهم إلى التوحيد إلى غير ذلك من الأخبار المتواترة التواتر المعنوي الدال على انه صلى الله عليه وسلم لم يزد في دعائه المشركين على ان يؤمنوا بالله وحده ويصدقوه فيما جاء به عنه فمن فعل ذلك قبل منه سواء كان اذعانه عن تقدم نظر أم لا ومن توقف منهم نبهه حينئذ على النظر أو أقام عليه الحجة إلى ان يذعن أو يستمر على عناده وقال البيهقي في كتاب الإعتقاد سلك بعض أئمتنا في اثبات الصانع وحدوث العالم طريق الاستدلال بمعجزات الرسالة فانها أصل في وجوب قبول ما دعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم وعلى هذا الوجه وقع ايمان الذين استجابوا للرسل ثم ذكر قصة النجاشي وقول جعفر بن أبي طالب له بعث الله إلينا رسولا نعرف صدقه فدعانا إلى الله وتلا علينا تنزيلا من الله لا يشبهه شيء فصدقناه وعرفنا ان الذي جاء به الحق الحديث بطوله وقد أخرجه بن خزيمة في كتاب الزكاة من صحيحه من رواية بن إسحاق وحاله معروفة وحديثه في درجة الحسن قال البيهقي فاستدلوا باعجاز القرآن على صدق النبي فآمنوا بما جاء به من اثبات الصانع ووحدانيته وحدوث العالم وغير ذلك مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم في القرآن وغيره واكتفاء غالب من اسلم بمثل ذلك مشهور في الأخبار فوجب تصديقه في كل شيء ثبت عنه بطريق السمع ولا يكون ذلك تقليدا بل هو اتباع والله اعلم وقد استدل من اشترط النظر بالآيات والأحاديث الواردة في ذلك ولا حجة فيها لأن من لم يشترط النظر لم ينكر أصل النظر وانما انكر توقف الإيمان على وجود النظر بالطرق الكلامية إذ لا يلزم من الترغيب في النظر جعله شرطا واستدل بعضهم بأن التقليد لا يفيد العلم إذ لو افاده لكان العلم حاصلا لمن قلد في قدم العالم ولمن قلد في حدوثه وهو محال لافضائه إلى الجمع بين النقيضين وهذا انما يتأتى في تقليد غير النبي صلى الله عليه وسلم واما تقليده صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به عن ربه فلا يتناقض أصلا واعتذر بعضهم عن اكتفاء النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة بإسلام من اسلم من الأعراب من غير نظر بأن ذلك كان لضرورة المبادئ واما بعد تقرر الإسلام وشهرته فيجب العمل بالأدلة ولا يخفى ضعف هذا الاعتذار والعجب ان من اشترط ذلك من أهل الكلام ينكرون التقليد وهم أول داع إليه حتى استقر في الأذهان ان من انكر قاعدة من القواعد التي أصلوها فهو مبتدع ولو لم يفهمها ولم يعرف مأخذها وهذا هو محض التقليد فآل أمرهم إلى تكفير من قلد الرسول عليه الصلاة والسلام في معرفة الله تعالى والقول بايمان من قلدهم وكفى بهذا ضلالا وما مثلهم الا كما قال بعض السلف انهم كمثل قوم كانوا سفرا فوقعوا في فلاة ليس فيها ما يقوم به البدن من المأكول والمشروب ورأوا فيها طرقا شتى فانقسموا قسمين فقسم وجدوا من قال لهم انا عارف بهذه الطرق وطريق النجاة منها واحدة فاتبعونى فيها تنجوا فتبعوه فنجوا وتخلفت عنه طائفة فأقاموا إلى ان وقفوا على إمارة ظهر لهم ان في العمل بها النجاة فعملوا بها فنجوا وقسم هجموا بغير مرشد ولا امارة فهلكوا فليست نجاة من اتبع المرشد بدون نجاة من اخذ بالإمارة ان لم تكن أولى منها ونقلت من جزء الحافظ صلاح الدين العلائي يمكن ان يفصل فيقال من لا له اهلية لفهم شيء من الأدلة أصلا وحصل له اليقين التام بالمطلوب اما بنشأته على ذلك أو لنور يقذفه الله في قلبه فإنه يكتفى منه بذلك ومن فيه اهلية لفهم الأدلة لم يكتف منه الا بالإيمان عن دليل ومع ذلك فدليل كل أحد بحسبه وتكفي الأدلة المجملة التي تحصل بأدنى نظر ومن حصلت عنده شبهة وجب عليه التعلم إلى ان تزول عنه قال فبهذا يحصل الجمع بين كلام الطائفة المتوسطة واما من غلا فقال لا يكفي ايمان المقلد فلا يلتفت إليه لما يلزم منه من القول بعدم ايمان أكثر المسلمين وكذا من غلا أيضا فقال لا يجوز النظر في الأدلة لما يلزم منه من ان أكابر السلف لم يكونوا من أهل النظر انتهى ملخصا واستدل بقوله فإذا عرفوا الله بأن معرفة الله بحقيقة كنهه ممكنة للبشر فان كان ذلك مقيدا بما عرف به نفسه من وجوده وصفاته اللائقة من العلم والقدرة والإرادة مثلا وتنزيهه عن كل نقيصة كالحدوث فلا بأس به فأما ما عدا ذلك فإنه غير معلوم للبشر واليه الإشارة بقوله تعالى ولا يحيطون به علما فإذا حمل قوله فإذا عرفوا الله على ذلك كان واضحا مع ان الاحتجاج به يتوقف على الجزم بأنه صلى الله عليه وسلم نطق بهذه اللفظة وفيه نظر لأن القصة واحدة ورواة هذا الحديث اختلفوا هل ورد الحديث بهذا اللفظ أو بغيره فلم يقل صلى الله عليه وسلم الا بلفظ منها ومع احتمال ان يكون هذا اللفظ من تصرف الرواة لا يتم الاستدلال وقد بينت في أواخر كتاب الزكاة ان الأكثر رووه بلفظ فادعهم إلى شهادة ان لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله فان هم اطاعوا لك بذلك ومنهم من رواه بلفظ فادعهم إلى ان يوحدوا الله فإذا عرفوا ذلك ومنهم من رواه بلفظ فادعهم إلى عبادة الله فإذا عرفوا الله ووجه الجمع بينها ان المراد بالعبادة التوحيد والمراد بالتوحيد الإقرار بالشهادتين والإشارة بقوله ذلك إلى التوحيد وقوله فإذا عرفوا الله أي عرفوا توحيد الله والمراد بالمعرفة الإقرار والطواعية فبذلك يجمع بين هذه الألفاظ المختلفة في القصة الواحدة وبالله التوفيق وفي حديث بن عباس من الفوائد غير ما تقدم الاقتصار في الحكم بإسلام الكافر إذا أقر بالشهادتين فان من لازم الإيمان بالله ورسوله التصديق بكل ما ثبت عنهما والتزام ذلك فيحصل ذلك لمن صدق بالشهادتين واما ما وقع من بعض المبتدعة من إنكار شيء من ذلك فلا يقدح في صحة الحكم الظاهر لأنه ان كان مع تأويل فظاهر وان كان عنادا قدح في صحة الإسلام فيعامل بما يترتب عليه من ذلك كاجراء أحكام المرتد وغير ذلك وفيه قبول خبر الواحد ووجوب العمل به وتعقب بأن مثل خبر معاذ حفته قرينة أنه في زمن نزول الوحي فلا يستوي مع سائر أخبار الآحاد وقد مضى في باب إجازة خبر الواحد ما يغني عن اعادته وفيه ان الكافر إذا صدق بشيء من أركان الإسلام كالصلاة مثلا يصير بذلك مسلما وبالغ من قال كل شيء يكفر به المسلم إذا جحده يصير الكافر به مسلما إذا اعتقده والأول أرجح كما جزم به الجمهور وهذا في الإعتقاد اما الفعل كما لو صلى فلا يحكم بإسلامه وهو أولى بالمنع لأن الفعل لا عموم له فيدخله احتمال العبث والاستهزاء وفيه وجوب أخذ الزكاة ممن وجبت عليه وقهر الممتنع على بذلها ولو لم يكن جاحدا فان كان مع امتناعه ذا شوكة قوتل والا فان أمكن تعزيره على الامتناع عزر بما يليق به وقد ورد عن تعزيره بالمال حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده مرفوعا ولفظه ومن منعها يعني الزكاة فانا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي وصححه بن خزيمة والحاكم واما بن حبان فقال في ترجمة بهز بن حكيم لولا هذا الحديث لأدخلته في كتاب الثقات وأجاب من صححه ولم يعمل به بأن الحكم الذي دل عليه منسوخ وان الأمر كان اولا كذلك ثم نسخ وضعف النووي هذا الجواب من جهة ان العقوبة بالمال لا تعرف اولا حتى يتم دعوى النسخ ولأن النسخ لا يثبت الا بشرطه كمعرفة التاريخ ولا يعرف ذلك واعتمد النووي ما أشار إليه بن حبان من تضعيف بهز وليس بجيد لأنه موثق عند الجمهور حتى قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين بهز بن حكيم عن أبيه عن جده صحيح إذا كان دون بهز ثقة وقال الترمذي تكلم فيه شعبة وهو ثقة عند أهل الحديث وقد حسن له الترمذي عدة أحاديث واحتج به أحمد وإسحاق والبخاري خارج الصحيح وعلق له في الصحيح وقال أبو عبيد الآجري عن أبي داود وهو عندي حجة لا عند الشافعي فان اعتمد من قلد الشافعي على هذا كفاه ويؤيده أطباق فقهاء الأمصار على ترك العمل به فدل على ان له معارضا راجحا وقول من قال بمقتضاه يعد في ندرة المخالف وقد دل خبر الباب أيضا على ان الذي يقبض الزكاة الامام أو من أقامه لذلك وقد أطبق الفقهاء بعد ذلك على ان لأرباب الأموال الباطنة مباشرة الإخراج وشذ من قال بوجوب الدفع إلى الامام وهو رواية عن مالك وفي القديم للشافعي نحوه على تفصيل عنهما فيه الحديث الثاني حديث معاذ أيضا
6938 قوله عن أبي حصين بفتح أوله واسمه عثمان بن عاصم الأسدي والأشعث بن سليم هو أشعث بن أبي الشعثاء المحاربي وأبوه مشهور بكنيته أكثر من اسمه قوله أتدري ما حق الله على العباد تقدم شرحه مستوفى في كتاب الرقاق ودخوله في هذا الباب من قوله لا تشركوا به شيئا فإنه المراد بالتوحيد قال بن التين يريد بقوله حق العباد على الله حقا علم من جهة الشرع لا بايجاب العقل فهو كالواجب في تحقق وقوعه أو هو على جهة المقابلة والمشاكلة كقوله تعالى فيسخرون منهم سخر الله منهم الحديث الثالث 6939 قوله حدثنا إسماعيل هو بن أبي أويس وتقدم المتن في فضل قل هو الله أحد في كتاب فضائل القرآن من وجه آخر عن مالك مشروحا وأورده هنا لما صرح به من وصف الله تعالى بالأحدية كما في الذي بعده وقوله هنا زاد إسماعيل بن جعفر تقدم هناك بزيادة راو في أوله فقال وزاد أبو معمر حدثنا إسماعيل بن جعفر وكذا وقع هنا في بعض النسخ وفي بعضها وقال أبو معمر وتقدم هناك الاختلاف في المراد بأبي معمر هذا وتسمية من وصله الحديث الرابع حديث عمرة عن عائشة فيما يتعلق بسورة الإخلاص أيضا وقد تقدم معلقا في فضائل القرآن قوله حدثنا أحمد بن صالح كذا للأكثر وبه جزم أبو نعيم في المستخرج وأبو مسعود في الأطراف ووقع في الأطراف للمزي ان في بعض النسخ حدثنا محمد حدثنا أحمد بن صالح قلت وبذلك جزم البيهقي تبعا لخلف في الاطراق قال خلف ومحمد هذا أحسبه محمد بن يحيى الذهلي ووقع عند الإسماعيلي بعد ان ساق الحديث من رواية حرملة عن بن وهب ذكره البخاري عن محمد بلا خبر عن أحمد بن صالح فكأنه وقع عند الإسماعيلي بلفظ قال محمد وعلى رواية الأكثر فمحمد هو البخاري المصنف والقائل قال محمد هو محمد الفربري وذكر الكرماني هذا احتمالا قلت ويحتاج حينئذ إلى ابداء النكتة في إفصاح الفربري به في هذا الحديث دون غيره من الأحاديث الماضية والآتية
6940 قوله حدثنا عمرو هو بن الحارث المصري وبن أبي هلال هو سعيد وسماه مسلم في روايته قوله بعث رجلا على سرية تقدم في باب الجمع بين السورتين في ركعة من كتاب الصلاة بيان الاختلاف في تسميته وهل بينه وبين الذي كان يؤم قومه في مسجد قباء مغايرة أو هما واحد وبيان ما يترجح من ذلك قوله فيختم بقل هو الله أحد قال بن دقيق العيد هذا يدل على انه كان يقرأ بغيرها ثم يقرأها في كل ركعة وهذا هو الظاهر ويحتمل ان يكون المراد انه يختم بها آخر قراءته فيختص بالركعة الأخيره وعلى الأول فيؤخذ منه جواز الجمع بين سورتين في ركعة انتهى وقد تقدم البحث في ذلك في الباب المذكور من كتاب الصلاة بما يغني عن اعادته قوله لأنها صفة الرحمن قال بن التين انما قال انها صفة الرحمن لأن فيها أسماءه وصفاته وأسماؤه مشتقة من صفاته وقال غيره يحتمل ان يكون الصحابي المذكور قال ذلك مستندا لشيء سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم اما بطريق النصوصية واما بطريق الاستنباط وقد اخرج البيهقي في كتاب الأسماء والصفات بسند حسن عن بن عباس ان اليهود اتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا صف لنا ربك الذي تعبد فانزل الله عز وجل قل هو الله أحد إلى آخرها فقال هذه صفة ربي عز وجل وعن أبي بن كعب قال قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم انسب لنا ربك فنزلت سورة الإخلاص الحديث وهو عند بن خزيمة في كتاب التوحيد وصححه الحاكم وفيه انه ليس شيء يولد الا يموت وليس شيء يموت الا يورث والله لا يموت ولا يورث ولم يكن له شبه ولا عدل وليس كمثله شيء قال البيهقي معنى قوله ليس كمثله شيء ليس كهو شيء قاله أهل اللغة قال ونظيره قوله تعالى فان آمنوا بمثل ما آمنتم به يريد بالذي آمنتم به وهي قراءة بن عباس قال والكاف في قوله كمثله للتأكيد فنفى الله عنه المثلية بآكد ما يكون من النفي وأنشد لورقة بن نوفل في زيد بن عمرو بن نفيل من أبيات ودينك دين ليس دين كمثله ثم اسند عن بن عباس في قوله تعالى وله المثل الأعلى يقول ليس كمثله شيء وفي قوله هل تعلم له سميا هل تعلم له شبها أو مثلا وفي حديث الباب حجة لمن اثبت ان لله صفة وهو قول الجمهور وشذ بن حزم فقال هذه لفظة اصطلح عليها أهل الكلام من المعتزلة ومن تبعهم ولم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من اصحابه فان اعترضوا بحديث الباب فهو من افراد سعيد بن أبي هلال وفيه ضعف قال وعلى تقدير صحته فقل هو الله أحد صفة الرحمن كما جاء في هذا الحديث ولا يزاد عليه بخلاف الصفة التي يطلقونها فانها في لغة العرب لا تطلق الا على جوهر أو عرض كذا قال وسعيد متفق على الاحتجاج به فلا يلتفت إليه في تضعيفه وكلامه الأخير مردود باتفاق الجميع على اثبات الأسماء الحسنى قال الله تعالى ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وقال بعد ان ذكر منها عدة أسماء في آخر سورة الحشر له الأسماء الحسنى والأسماء المذكورة فيها بلغة العرب صفات ففي اثبات أسمائه اثبات صفاته لأنه إذا ثبت انه حي مثلا فقد وصف بصفة زائدة على الذات وهى صفة الحياة ولولا ذلك لوجب الاقتصار على ما ينبئ عن وجود الذات فقط وقد قال سبحانه وتعالى سبحان ربك رب العزة عما يصفون فنزه نفسه عما يصفونه به من صفة النقص ومفهومه ان وصفه بصفة الكمال مشروع وقد قسم البيهقي وجماعة من أئمة السنة جميع الأسماء المذكورة في القرآن وفي الأحاديث الصحيحة على قسمين أحدهما صفات ذاته وهي ما استحقه فيما لم يزل ولا يزال والثاني صفات فعله وهي ما استحقه فيما لا يزال دون الأزل قال ولا يجوز وصفه الا بما دل عليه الكتاب والسنة الصحيحة الثابتة أو اجمع عليه ثم منه ما اقترنت به دلالة العقل كالحياة والقدرة والعلم والإرادة والسمع والبصر والكلام من صفات ذاته وكالخلق والرزق والاحياء والإماته والعفو والعقوبة من صفات فعله ومنه ما ثبت بنص الكتاب والسنة كالوجه واليد والعين من صفات ذاته وكا لاستواء والنزول والمجيء من صفات فعله فيجوز اثبات هذه الصفات له لثبوت الخبر بها على وجه ينفي عنه التشبيه فصفة ذاته لم تزل موجودة بذاته ولا تزال وصفة فعله ثابتة عنه ولا يحتاج في الفعل إلى مباشرة انما امره إذا أراد شيئا ان يقول له كن فيكون وقال القرطبي في المفهم اشتملت قل هو الله أحد على اسمين يتضمنان جميع أوصاف الكمال وهما الأحد والصمد فإنهما يدلان على احدية الذات المقدسة الموصوفة بجميع أوصاف الكمال فان الواحد والاحد وان رجعا إلى أصل واحد فقد افترقا استعمالا وعرفا فالوحدة راجعة إلى نفي التعدد والكثرة والواحد أصل العدد من غير تعرض لنفي ما عداه والأحد يثبت مدلوله ويتعرض لنفي ما سواه ولهذا يستعملونه في النفي ويستعملون الواحد في الاثبات يقال ما رأيت أحدا ورأيت واحدا فالأحد في أسماء الله تعالى مشعر بوجوده الخاص به الذي لا يشاركه فيه غيره واما الصمد فإنه يتضمن جميع أوصاف الكمال لأن معناه الذي انتهى سؤدده بحيث يصمد إليه في الحوائج كلها وهو لا يتم حقيقة الا لله قال بن دقيق العيد قوله لأنها صفة الرحمن يحتمل ان يكون مراده ان فيها ذكر صفة الرحمن كما لو ذكر وصف فعبر عن الذكر بأنه الوصف وان لم يكن نفس الوصف ويحتمل غير ذلك الا انه لا يختص ذلك بهذه السورة لكن لعل تخصيصها بذلك لأنه ليس فيها الا صفات الله سبحانه وتعالى فاختصت بذلك دون غيرها قوله أخبروه أن الله يحبه قال بن دقيق العيد يحتمل ان يكون سبب محبه الله له محبته لهذه السورة ويحتمل ان يكون لما دل عليه كلامه لأن محبته لذكر صفات الرب دالة على صحة اعتقاده قال المازري ومن تبعه محبة الله لعباده ارادته ثوابهم وتنعيمهم وقيل هي نفس الاثابة والتنعيم ومحبتهم له لا يبعد فيها الميل منهم إليه وهو مقدس عن الميل وقيل محبتهم له استقامتهم على طاعته والتحقيق ان الاستقامة ثمرة المحبة وحقيقة المحبة له ميلهم إليه لاستحقاقه سبحانه المحبة من جميع وجوهها انتهى وفيه نظر لما فيه من الإطلاق في موضع التقييد وقال بن التين معنى محبة المخلوقين لله ارادتهم ان ينفعهم وقال القرطبي في المفهم محبة الله لعبده تقريبه له واكرامه وليست بميل ولا غرض كما هي من العبد وليست محبة العبد لربه نفس الإرادة بل هي شيء زائد عليها فان المرء يجد من نفسه انه يحب ما لا يقدر على اكتسابه ولا على تحصيله والإرادة هي التي تخصص الفعل ببعض وجوهه الجائزة ويحس من نفسه انه يحب الموصوفين بالصفات الجميلة والأفعال الحسنة كالعلماء والفضلاء والكرماء وان لم يتعلق له بهم إرادة مخصصة وإذا صح الفرق فالله سبحانه وتعالى محبوب لمحبيه على حقيقة المحبة كما هو معروف عند من رزقه الله شيئا من ذلك فنسأل الله تعالى ان يجعلنا من محبيه المخلصين وقال البيهقي المحبة والبغض عند بعض أصحابنا من صفات الفعل فمعنى محبته اكرام من احبه ومعنى بغضه اهانته واما ما كان من المدح والذم فهو من قوله وقوله من كلامه وكلامه من صفات ذاته فيرجع إلى الإرادة فمحبته الخصال المحمودة وفاعلها يرجع إلى ارادته اكرامه وبغضه الخصال المذمومة وفاعلها يرجع إلى ارادته اهانته
1 ( قوله باب قول الله تبارك وتعالى قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياما تدعوا فله الأسماء الحسنى )
ذكر فيه حديث جرير لا يرحم الله من لا يرحم الناس وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب الأدب وحديث أسامة بن زيد في قصة ولد بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضى عنها وفيه ففاضت عيناه وفيه هذه رحمة جعلها الله تعالى في قلوب عباده وانما يرحم الله من عباده الرحماء وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب الجنائز قال بن بطال غرضه في هذا الباب اثبات الرحمة وهي من صفات الذات فالرحمن وصف وصف الله تعالى به نفسه وهو متضمن لمعنى الرحمة كما تضمن وصفه بأنه عالم معنى العلم إلى غير ذلك قال والمراد برحمته ارادته نفع من سبق في علمه انه ينفعه قال وأسماؤه كلها ترجع إلى ذات واحدة وان دل كل واحد منها على صفة من صفاته يختص الاسم بالدلالة عليها واما الرحمة التي جعلها في قلوب عباده فهي من صفات الفعل وصفها بأنه خلقها في قلوب عباده وهي رقة على المرحوم وهو سبحانه وتعالى منزه عن الوصف بذلك فتتأول بما يليق به وقال بن التين الرحمن والرحيم مشتقان من الرحمة وقيل هما اسمان من غير اشتقاق وقيل يرجعان إلى معنى الإرادة فرحمته ارادته تنعيم من يرحمه وقيل راجعان إلى تركه عقاب من يستحق العقوبة وقال الحليمي معنى الرحمن انه مزيح العلل لأنه لما أمر بعبادته بين حدودها وشروطها فبشر وانذر وكلف ما تحمله بنيتهم فصارت العلل عنهم مزاحة والحجج منهم منقطعة قال ومعنى الرحيم انه المثيب على العمل فلا يضيع لعامل أحسن عملا بل يثيب العامل بفضل رحمته أضعاف عمله وقال الخطابي ذهب الجمهور إلى ان الرحمن ماخوذ من الرحمة مبني على المبالغة ومعناه ذو الرحمة لا نظير له فيها ولذلك لا يثنى ولا يجمع واحتج له البيهقي بحديث عبد الرحمن بن عوف وفيه خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي قلت وكذا حديث الرحمة الذي اشتهر بالمسلسل بالأولية أخرجه البخاري في التاريخ وأبو داود والترمذي والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص بلفظ الراحمون يرحمهم الرحمن الحديث ثم قال الخطابي فالرحمن ذو الرحمة الشاملة للخلق والرحيم فعيل بمعنى فاعل وهو خاص بالمؤمنين قال تعالى وكان بالمؤمنين رحيما وأورد عن بن عباس رضي الله عنهما انه قال الرحمن والرحيم اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر وعن مقاتل انه نقل عن جماعة من التابعين مثله وزاد فالرحمن بمعنى المترحم والرحيم بمعنى المتعطف ثم قال الخطابي لا معنى لدخول الرقة في شيء من صفات الله تعالى وكأن المراد بها اللطف ومعناه الغموض لا الصغر الذي هو من صفات الأجسام قلت والحديث المذكور عن بن عباس لا يثبت لأنه من رواية الكلبي عن أبي صالح عنه والكلبي متروك الحديث وكذلك مقاتل ونقل البيهقي عن الحسين بن المفضل البجلي انه نسب راوي حديث بن عباس إلى التصحيف وقال انما هو الرفيق بالفاء وقواه البيهقي بالحديث الذي أخرجه مسلم عن عائشة مرفوعا ان الله رفيق يحب الرفق ويعطي عليه مالا يعطي على العنف وأورد له شاهدا من حديث عبد الله بن مغفل ومن طريق عبد الرحمن بن يحيى ثم قال والرحمن خاص في التسمية عام في الفعل والرحيم عام في التسمية خاص في الفعل واستدل بهذه الآية على ان من حلف باسم من أسماء الله تعالى كالرحمن والرحيم انعقدت يمينه وقد تقدم في موضعه وعلى ان الكافر إذا أقر بالوحدانية للرحمن مثلا حكم بإسلامه وقد خص الحليمي من ذلك ما يقع به الاشتراك كما لو قال الطبائعي لا اله الا المحيي المميت فإنه لا يكون مؤمنا حتى يصرح باسم لا تأويل فيه ولو قال من ينسب إلى التجسيم من اليهود لا اله الا الذي في السماء لم يكن مؤمنا كذلك الا ان كان عاميا لا يفقه معنى التجسيم فيكتفى منه بذلك كما في قصة الجارية التي سألها النبي صلى الله عليه وسلم أنت مؤمنة قالت نعم قال فأين الله قالت في السماء فقال اعتقها فانها مؤمنة وهو حديث صحيح أخرجه مسلم وان من قال لا اله الا الرحمن حكم بإسلامه الا ان عرف انه قال ذلك عنادا وسمى غير الله رحمانا كما وقع لأصحاب مسيلمة الكذاب قال الحليمي ولو قال اليهودي لا إله إلا الله لم يكن مسلما حتى يقر بأنه ليس كمثله شيء ولو قال الوثني لا إله إلا الله وكان يزعم ان الصنم يقربه إلى الله لم يكن مؤمنا حتى يتبرأ من عبادة الصنم تنبيهان أحدهما الذي يظهر من تصرف البخاري في كتاب التوحيد انه يسوق الأحاديث التي وردت في الصفات المقدسة فيدخل كل حديث منها في باب ويؤيده بآية من القرآن للإشارة إلى خروجها عن أخبار الآحاد على طريق التنزل في ترك الاحتجاج بها في الاعتقاديات وإن من انكرها خالف الكتاب والسنة جميعا وقد اخرج بن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية بسند صحيح عن سلام بن أبي مطيع وهو شيخ شيوخ البخاري أنه ذكر المبتدعة فقال ويلهم ماذا ينكرون من هذه الأحاديث والله ما في الحديث شيء الا وفي القرآن مثله يقول الله تعالى ان الله سميع بصير ويحذركم الله نفسه والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدي وكلم الله موسى تكليما الرحمن على العرش استوى ونحو ذلك فلم يزل أي سلام بن مطيع يذكر الآيات من العصر إلى غروب الشمس وكأنه لمح في هذه الترجمة بهذه الآية إلى ما ورد في سبب نزولها وهو ما أخرجه بن مردويه بسند ضعيف عن بن عباس ان المشركين سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو يا الله يا رحمن فقالوا كان محمد يأمرنا بدعاء اله واحد وهو يدعو الهين فنزلت وأخرج عن عائشة بسند آخر نحوه الثاني
6941 قوله في السند الأول حدثنا محمد كذا للأكثر قال الكرماني تبعا لأبي علي الجياني هو اما بن سلام واما بن المثنى انتهى وقد وقع التصريح بأنه بن سلام في رواية أبي ذر عن شيوخه فتعين الجزم به كما صنع المزي في الأطراف فإنه قال ح عن محمد وهو بن سلام قلت ويؤيده انه عبر بقوله أنبأنا أبو معاوية ولو كان بن المثنى لقال حدثنا لما عرف من عادة كل منهما والله اعلم 1 ( قوله باب قول الله تعالى ان الله هو الرزاق ذو القوة المتين ) كذا لأبي ذر والأصيلي والحفصوي على وفق القراءة المشهورة وكذا هو عند النسفي وعليه جرى الإسماعيلي ووقع في رواية القابسي اني انا الرزاق الخ وعليه جرى بن بطال وتبعه بن المنير والكرماني وجزم به الصغاني وزعم ان الذي وقع عند أبي ذر وغيره من تغييرهم لظنهم انه خلاف القراءة قال وقد ثبت ذلك قراءة عن بن مسعود قلت وذكر ان النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه كذلك كما أخرجه أحمد وأصحاب السنن وصححه الحاكم من طريق عبد الرحمن بن يزيد النخعي عن بن مسعود قال أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره قال أهل التفسير المعنى في وصفه بالقوة انه القادر البليغ الاقتدار على كل شيء 6943 قوله عن أبي حمزة بالمهملة والزاي هو السكري وفي السند ثلاثة من التابعين في نسق كلهم كوفيون قوله ما أحد اصبر على أذى سمعه من الله الحديث تقدم شرحه في كتاب الأدب والغرض منه قوله هنا ويرزقهم وقوله يدعون بسكون الدال وجاء تشديدها قال بن بطال تضمن هذا الباب صفتين لله تعالى صفة ذات وصفة فعل فالرزق فعل من أفعاله تعالى فهو من صفات فعله لأن رازقا يقتضي مرزوقا والله سبحانه وتعالى كان ولا مرزوق وكل ما لم يكن ثم كان فهو محدث والله سبحانه موصوف بأنه الرزاق ووصف نفسه بذلك قبل خلق الخلق بمعنى أنه سيرزق إذا خلق المرزوقين والقوة من صفات الذات وهي بمعنى القدرة ولم يزل سبحانه وتعالى ذا قوة وقدرة ولم تزل قدرته موجودة قائمة به موجبة له حكم القادرين والمتين بمعنى القوي وهو في اللغة الثابت الصحيح وقال البيهقي القوي التام القدرة لا ينسب إليه عجز في حالة من الأحوال ويرجع معناه إلى القدرة والقادر هو الذي له القدرة الشاملة والقدرة صفة له قائمة بذاته والمقتدر هو التام القدرة الذي لا يمتنع عليه شيء وفي الحديث رد على من قال انه قادر بنفسه لا بقدرة لأن القوة بمعنى القدرة وقد قال تعالى ذو القوة وزعم المعتزلي ان المراد بقوله ذو القوة الشديد القوة والمعنى في وصفه بالقوة والمتانة انه القادر البليغ الاقتدار فجرى على طريقتهم في ان القدرة صفة نفسية خلافا لقول أهل السنة انها صفة قائمة به متعلقة بكل مقدور وقال غيره كون القدرة قديمة وافاضة الرزق حادثة لا يتنافيان لأن الحادث هو التعلق وكونه رزق المخلوق بعد وجوده لا يستلزم التغير فيه لأن التغير في التعلق فان قدرته لم تكن متعلقة بإعطاء الرزق بل بكونه سيقع ثم لما وقع تعلقت به من غير ان تتغير الصفة في نفس الأمر ومن ثم نشأ الاختلاف هل القدرة من صفات الذات أو من صفات الأفعال فمن نظر في القدرة إلى الاقتدار على ايجاد الرزق قال هي صفة ذات قديمة ومن نظر إلى تعلق القدرة قال هي صفة فعل حادثة ولا استحالة في ذلك في الصفات الفعلية والاضافية بخلاف الذاتية وقوله في الحديث اصبر افعل تفضيل من الصبر ومن أسمائه الحسنى سبحانه وتعالى الصبور ومعناه الذي لا يعاجل العصاة بالعقوبة وهو قريب من معنى الحليم والحليم أبلغ في السلامة من العقوبة والمراد بالأذى أذى رسله وصالحي عباده لاستحالة تعلق أذى المخلوقين به لكونه صفة نقص وهو منزه عن كل نقص ولا يؤخر النقمة قهرا بل تفضلا وتكذيب الرسل في نفي الصاحبة والولد عن الله أذى لهم فأضيف الأذى لله تعالى للمبالغة في الإنكار عليهم والاستعظام لمقالتهم ومنه قوله تعالى ان الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة فان معناه يؤذون أولياء الله وأولياء رسوله فأقيم المضاف مقام المضاف إليه قال بن المنير وجه مطابقة الآية للحديث اشتماله على صفتي الرزق والقوة الدالة على القدرة اما الرزق فواضح من قوله ويرزقهم واما القوة فمن قوله اصبر فان فيه إشارة إلى القدرة على الإحسان إليهم مع اساءتهم بخلاف طبع البشر فإنه لا يقدر على الإحسان إلى المسيء الا من جهة تكلفه ذلك شرعا وسبب ذلك ان خوف الفوت يحمله على المسارعة إلى المكافأة بالعقوبة والله سبحانه وتعالى قادر على ذلك حالا ومآلا لا يعجزه شيء ولا يفوته
1 ( قوله باب قول الله تعالى عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا )
وان الله عنده علم الساعة وانزله بعلمه وما تحمل من أنثى ولا تضع الا بعلمه إليه يرد علم الساعة اما الآية الأولى فسيأتي شيء من الكلام عليها في آخر شرحه واما الآية الثانية فمضى الكلام عليها في تفسير سورة لقمان عند شرح حديث بن عمر المذكور هنا واما الآية الثالثة فمن الحجج البينة في اثبات العلم لله وحرفه المعتزلي نصرة لمذهبه فقال أنزله ملتبسا بعلمه الخاص وهو تأليفه على نظم وأسلوب يعجز عنه كل بليغ وتعقب بأن نظم العبارات ليس هو نفس العلم القديم بل دال عليه ولا ضرورة تحوج إلى الحمل على غير الحقيقة التي هي الاخبار عن علم الله الحقيقي وهو من صفات ذاته وقال المعتزلي أيضا أنزله بعلمه وهو عالم فأول علمه بعالم فرارا من اثبات ا لعلم له مع تصريح الآية به وقد قال تعالى ولا يحيطون بشيء من علمه الا بما شاء وتقدم في قصة موسى والخضر ما علمي وعلمك في علم الله ووقع في حديث الاستخارة الماضي في الدعوات اللهم اني استخيرك بعلمك واما الآية الرابعة فهي كالأولى في اثبات العلم وأصرح وقال المعتزلي قوله بعلمه في موضع الحال أي لا معلومة بعلمه فتعسف فيما أول وعدل عن الظاهر بغير موجب وأما الآية الخامسة فقال الطبري معناها لا يعلم متى وقت قيامها غيره فعلى هذا فالتقدير إليه يرد علم وقت الساعة قال بن بطال في هذه الآيات اثبات علم الله تعالى وهو من صفات ذاته خلافا لمن قال انه عالم بلا علم ثم إذا ثبت ان علمه قديم وجب تعلقه بكل معلوم على حقيقته بدلالة هذه الآيات وبهذا التقرير يرد عليهم في القدرة والقوة والحياة وغيرها وقال غيره ثبت ان الله مريد بدليل تخصيص الممكنات بوجود ما وجد منها بدلا من عدمه وعدم المعدوم منها بدلا من وجوده ثم اما ان يكون فعله لها بصفة يصح منه بها التخصيص والتقديم والتأخير أولا والثاني لو كان فاعلا لها لا بالصفة المذكورة لزم صدور الممكنات عنه صدورا واحدا بغير تقديم وتأخير ولا تطوير ولكان يلزم قدمها ضرورة استحالة تخلف المقتضي على مقتضاه الذاتي فيلزم كون الممكن واجبا والحادث قديما وهو محال فثبت انه فاعل بصفة يصح منه بها التقديم والتأخير فهذا برهان المعقول واما برهان المنقول فآي من القرآن كثيرة كقوله تعالى ان ربك فعال لما يريد ثم الفاعل للمصنوعات بخلقه بالاختيار يكون متصفا بالعلم والقدرة لأن الإرادة وهي الاختيار مشروطة بالعلم بالمراد ووجود المشروط بدون شرطه محال ولأن المختار للشيء ان كان غيره قادرا عليه تعذر عليه صدور مختاره ومراده ولما شوهدت المصنوعات صدرت عن فاعلها المختار من غير تعذر علم قطعنا انه قادر على ايجادها وسيأتي مزيد الكلام في الإرادة في باب المشيئة والإرادة بعد نيف وعشرين بابا وقال البيهقي بعد ان ذكر الآيات المذكورة في الباب وغيرها مما هو في معناها كان أبو إسحاق الاسفرايني يقول معنى العليم يعلم المعلومات ومعنى الخبير يعلم ما كان قبل ان يكون ومعنى الشهيد يعلم الغائب كما يعلم الحاضر ومعنى المحصي لا تشغله الكثرة عن العلم وساق عن بن عباس في قوله تعالى يعلم السر وأخفى قال يعلم ما أسر العبد في نفسه وما اخفى عنه مما سيفعله قبل ان يفعله ومن وجه آخر عن بن عباس قال يعلم السر الذي في نفسك ويعلم ما ستعمل غدا قوله قال يحيى الظاهر على كل شيء علما والباطن على كل شيء علما يحيى هذا هو بن زياد الفراء النحوي المشهور ذكر ذلك في كتاب معاني القرآن له وقال غيره معنى الظاهر الباطن العالم بظواهر الأشياء وبواطنها وقيل الظاهر بالأدلة الباطن بذاته وقيل الظاهر بالعقل الباطن بالحس وقيل معنى الظاهر العالي على كل شيء لأن من غلب على شيء ظهر عليه وعلاه والباطن الذي بطن في كل شيء أي علم باطنه وشمل قوله أي كل شيء علم ما كان وما سيكون على سبيل الإجمال والتفصيل لأن خالق المخلوقات كلها بالاختيار متصف بالعلم بهم والاقتدار عليهم اما أولا فلأن الاختيار مشروط بالعلم ولا يوجد المشروط دون شرطه واما ثانيا فلأن المختار للشيء لو كان غير قادر عليه لتعذر مراده وقد وجدت بغير تعذر فدل على انه قادر على ايجادها وإذا تقرر ذلك لم يتخصص علمه في تعلقه بمعلوم دون معلوم لوجوب قدمه المنافي لقبول التخصيص فثبت انه يعلم الكليات لأنها معلومات والجزئيات لأنها معلومات أيضا ولأنه مريد لإيجاد الجزئيات والإرادة للشيء المعين اثباتا ونفيا مشروطة بالعلم بذلك المراد الجزئي فيعلم المرئيات للرائين ورؤيتهم لها على الوجه الخاص وكذا المسموعات وسائر المدركات لما علم ضرورة من وجوب الكمال له وأضداد هذه الصفات نقص والنقص ممتنع عليه سبحانه وتعالى وهذا القدر كاف من الأدلة العقلية وضل من زعم من الفلاسفة انه سبحانه وتعالى يعلم الجزئيات على الوجه الكلي لا الجزئي واحتجوا بأمور فاسدة منها ان ذلك يؤدي إلى محال وهو تغير العلم فان الجزئيات زمانية تتغير بتغير الزمان والأحوال والعلم تابع للمعلومات في الثبات والتغير فيلزم تغير علمه والعلم قائم بذاته فتكون محلا للحوادث وهو محال والجواب ان التغير انما وقع في الأحوال الاضافية وهذا مثل رجل قام عن يمين الإسطوانة ثم عن يسارها ثم امامها ثم خلفها فالرجل هو الذي يتغير والاسطوانة بحالها فالله سبحانه وتعالى عالم بما كنا عليه أمس وبما نحن عليه الآن وبما نكون عليه غدا وليس هذا خبرا عن تغير علمه بل التغير جار على احوالنا وهو عالم في جميع الأحوال على حد واحد واما السمعية فالقرآن العظيم طافح بما ذكرناه مثل قوله تعالى احاط بكل شيء علما وقال لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر وقال تعالى إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من اكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع الا بعلمه وقوله تعالى وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها الا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة الا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس الا في كتاب مبين ولهذه النكتة اورد المصنف حديث بن عمر في مفاتيح الغيب وقد تقدم شرحه في كتاب التفسير ثم ذكر حديث عائشة مختصرا وقوله
6945 فيه ومن حدثك انه يعلم الغيب فقد كذب وهو يقول لا يعلم الغيب الا الله كذا وقع في هذه الرواية عن محمد بن يوسف وهو الفريابي عن سفيان وهو الثوري عن إسماعيل وهو بن أبي خالد وقد تقدم في تفسير سورة النجم من طريق وكيع عن إسماعيل بلفظ ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب ثم قرأت وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وذكر هذه الآية أنسب في هذا الباب لموافقته حديث بن عمر الذي قبله لكنه جرى على عادته التي أكثر منها من اختيار الإشارة على صريح العبارة وتقدم شرح ما يتعلق بالرؤية في تفسير سورة النجم وما يتعلق بعلم الغيب في تفسير سورة لقمان وتقدم في تفسير سورة المائدة بهذا السند من حدثك ان محمدا كتم شيئا وأحلت بشرحه على كتاب التوحيد وسأذكره ان شاء الله تعالى في باب يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك ونقل بن التين عن الداودي قال قوله في هذا الطريق من حدثك ان محمدا يعلم الغيب ما أظنه محفوظا وما أحد يدعي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلم من الغيب الا ما علم انتهى وليس في الطريق المذكورة هنا التصريح بذكر محمد صلى الله عليه وسلم وانما وقع فيه بلفظ من حدثك انه يعلم وأظنه بنى على ان الضمير في قول عائشة من حدثك انه لمحمد صلى الله عليه وسلم لتقدم ذكره في الذي قبله حيث قالت من حدثك ان محمدا رأى ربه ثم قالت ومن حدثك انه يعلم ما في غد ويعكر عليه انه وقع في رواية إبراهيم النخعي عن مسروق عن عائشة قالت ثلاث من قال واحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية من زعم انه يعلم ما في غد الحديث أخرجه النسائي وظاهر هذا السياق ان الضمير للزاعم ولكن ورد التصريح بأنه لمحمد صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه بن خزيمة وبن حبان من طريق عبد ربه بن سعيد عن داود بن أبي هند عن الشعبي بلفظ أعظم الفرية على الله من قال ان محمدا رأى ربه وان محمدا كتم شيئا من الوحي وأن محمدا يعلم ما في غد وهو عند مسلم من طريق إسماعيل بن إبراهيم عن داود وسياقه أتم ولكن قال فيه ومن زعم انه يخبر بما يكون في غد هكذا بالضمير كما في رواية إسماعيل معطوفا على من زعم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئا وما ادعاه من النفي متعقب فان بعض من لم يرسخ في الإيمان كان يظن ذلك حتى كان يرى ان صحة النبوة تستلزم اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على جميع المغيبات كما وقع في المغازي لابن إسحاق ان ناقة النبي صلى الله عليه وسلم ضلت فقال زيد بن اللصيت بصاد مهملة وآخره مثناة وزن عظيم يزعم محمد أنه نبي ويخبركم عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته فقال النبي صلى الله عليه وسلم ان رجلا يقول كذا وكذا واني والله لا أعلم الا ما علمني الله وقد دلني الله عليها وهي في شعب كذا قد حبستها شجرة فذهبوا فجاءوه بها فاعلم النبي صلى الله عليه وسلم انه لا يعلم من الغيب الا ما علمه الله وهو مطابق لقوله تعالى فلا يظهر على غيبه أحدا الا من ارتضى من رسول الآية وقد اختلف في المراد بالغيب فيها فقيل هو على عمومه وقيل ما يتعلق بالوحي خاصة وقيل ما يتعلق بعلم الساعة وهو ضعيف لما تقدم في تفسير لقمان ان علم الساعة مما استأثر الله بعلمه الا ان ذهب قائل ذلك إلى ان الاستثناء منقطع وقد تقدم ما يتعلق بالغيب هناك قال الزمخشري في هذه الآية ابطال الكرامات لأن الذين يضاف إليهم وان كانوا أولياء مرتضين فليسوا برسل وقد خص الله الرسل من بين المرتضعين بالاطلاع على الغيب وتعقب بما تقدم وقال الامام فخر الدين قوله على غيبه لفظ مفرد وليس فيه صيغة عموم فيصح ان يقال ان الله لا يظهر على غيب واحد من غيوبه أحدا الا الرسل فيحمل على وقت وقوع القيامة ويقويه ذكرها عقب قوله اقريب ما توعدون وتعقب بأن الرسل لم يظهروا على ذلك وقال أيضا يجوز ان يكون الاستثناء منقطعا أي لا يظهر على غيبه المخصوص أحدا لكن من ارتضى من رسول فإنه يجعل له حفظه وقال القاضي البيضاوي يخصص الرسول بالملك في اطلاعه على الغيب والأولياء يقع لهم ذلك بالالهام وقال بن المنير دعوى الزمخشري عامة ودليله خاص فالدعوى امتناع الكرامات كلها والدليل يحتمل ان يقال ليس فيه الا نفي الاطلاع على الغيب بخلاف سائر الكرمات انتهى وتمامه ان يقال المراد بالاطلاع على الغيب علم ما سيقع قبل ان يقع على تفصيله فلا يدخل في هذا ما يكشف لهم من الأمور المغيبة عنهم وما لا يخرق لهم من العادة كالمشي على الماء وقطع المسافة البعيدة في مدة لطيفة ونحو ذلك وقال الطيبي الأقرب تخصيص الاطلاع بالظهور والخفاء فاطلاع الله الأنبياء على المغيب أمكن ويدل عليه حرف الاستعلاء في على غيبه فضمن يظهر معنى يطلع فلا يظهر على غيبه إظهارا تاما وكشفا جليا الا لرسول يوحى إليه مع ملك وحفظة ولذلك قال فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا وتعليله بقوله ليعلم ان قد ابلغوا رسالات ربهم واما الكرامات فهي من قبيل التلويح واللمحات وليسوا في ذلك كالأنبياء وقد جزم الأستاذ أبو إسحاق بان كرامات الأولياء لا تضاهي ما هو معجزة للأنبياء وقال أبو بكر بن فورك الأنبياء مأمورون باظهارها والولي يجب عليه اخفاؤها والنبي يدعى ذلك بما يقطع به بخلاف الولي فإنه لا يأمن الاستدراج وفي الآية رد على المنجمين وعلى كل من يدعي انه يطلع على ما سيكون من حياة أو موت أو غير ذلك لأنه مكذب للقرآن وهم أبعد شيء من الارتضا مع سلب صفة الرسلية عنهم وقوله في أول حديث بن عمر مفاتيح الغيب إلى ان قال لا يعلم ما تغيض الأرحام الا الله فوقع في معظم الروايات لا يعلم ما في الأرحام الا الله واختلف في معنى الزيادة والنقصان على أقوال فقيل ما ينقص من الخلقة وما يزداد فيها وقيل ما ينقص من التسعة الأشهر في الحمل وما يزداد في النفاس إلى الستين وقيل ما ينقص بظهور الحيض في الحبل بنقص الولد وما يزداد على التسعة الأشهر بقدر ما حاضت وقيل ما ينقص في الحمل بانقطاع الحيض وما يزداد بدم النفاس من بعد الوضع وقيل ما ينقص من الأولاد قبل وما يزداد من الأولاد بعد وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة نفع الله به استعار للغيب مفاتيح اقتداء بما نطق به الكتاب العزيز وعنده مفاتح الغيب وليقرب الأمر على السامع لأن أمور الغيب لا يحصيها الا عالمها وأقرب الأشياء إلى الاطلاع على ما غاب الأبواب والمفاتيح أيسر الأشياء لفتح الباب فإذا كان أيسر الأشياء لا يعرف موضعها فما فوقها احرى ان لا يعرف قال والمراد بنفي العلم عن الغيب الحقيقي فان لبعض الغيوب أسبابا قد يستدل بها عليها لكن ليس ذلك حقيقيا قال فلما كان جميع ما في الوجود محصورا في علمه شبهه المصطفى بالمخازن واستعار لبابها المفتاح وهو كما قال تعالى وان من شيء الا عندنا خزائنه قال والحكمة في جعلها خمسا الإشارة إلى حصر العوالم فيها ففي قوله وما تغيض الأرحام إشارة إلى ما يزيد في النفس وينقص وخص الرحم بالذكر لكون الأكثر يعرفونها بالعادة ومع ذلك فنفى ان يعرف أحد حقيقتها فغيرها بطريق الأولى وفي قوله ولا يعلم متى يأتي المطر إشارة إلى أمور العالم العلوي وخص المطر مع ان له أسبابا قد تدل بجري العادة على وقوعه لكنه من غير تحقيق وفي قوله ولا تدري نفس بأي أرض تموت إشارة إلى أمور العالم السفلي مع ان عادة أكثر الناس ان يموت ببلده ولكن ليس ذلك حقيقة بل لو مات في بلده لا يعلم في أي بقعة يدفن منها ولو كان هناك مقبرة لأسلافه بل قبر أعده هو له وفي قوله ولا يعلم ما في غد الا الله إشارة إلى أنواع الزمان وما فيها من الحوادث وعبر بلفظ غد لتكون حقيقته أقرب الأزمنة وإذا كان مع قربه لا يعلم حقيقة ما يقع فيه مع إمكان الامارة والعلامة فما بعد عنه أولى وفي قوله ولا يعلم متى تقوم الساعة الا الله إشارة إلى علوم الآخرة فان يوم القيامة أولها وإذا نفى علم الأقرب انتفى علم ما بعده فجمعت الآية أنواع الغيوب وأزالت جميع الدعاوى الفاسدة وقد بين بقوله تعالى في الآية الأخرى وهي قوله تعالى فلا يظهر على غيبه أحدا الا من ارتضى من رسول ان الاطلاع على شيء من هذه الأمور لا يكون الا بتوفيق انتهى ملخصا
1 ( قوله باب قول الله تعالى السلام المؤمن ) كذا للجميع وزاد بن بطال المهيمن وقال غرضه بهذا الباب اثبات أسماء من أسماء الله تعالى ثم ذكر بعض ما ورد في معانيها وفيما ذكره نظر سلمنا لكن وظيفة الشارح بيان وجه تخصيص هذه الأسماء الثلاثة بالذكر دون غيرها وافرادها بترجمة ويمكن ان يكون أراد بهذا القدر جميع الآيات الثلاث المذكورة في آخر سورة الحشر فإنها ختمت بقوله تعالى له الأسماء الحسنى وقد قال في سورة الأعراف ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها فكأنه بعد اثبات حقيقة القدرة والقوة والعلم أشار إلى ان الصفات السمعية ليست محصورة في عدد معين بدليل الآية المذكورة أو أراد الإشارة إلى ذكر الأسماء التي تسمى الله تعالى بها وأطلقت مع ذلك على المخلوقين فالسلام ثبت في القرآن وفي الحديث الصحيح انه من أسماء الله تعالى وقد اطلق على التحية الواقعة بين المؤمنين والمؤمن يطلق على من اتصف بالإيمان وقد وقعا معا من غير تخلل بينهما في الآية المشار إليها فناسب ان يذكرهما في ترجمة واحدة وقال أهل العلم معنى السلام في حقة سبحانه وتعالى الذي سلم المؤمنون من عقوبته وكذا في تفسير المؤمن الذي امن المؤمنون من عقوبته وقيل السلام من سلم من كل نقص وبرئ من كل آفة وعيب فهي صفة سلبية وقيل المسلم على عباده لقوله سلام قولا من رب رحيم فهي صفة كلامية وقيل الذي سلم الخلق من ظلمة وقيل منه السلامة لعباده فهي صفة فعلية وقيل المؤمن الذي صدق نفسه وصدق اولياءه وتصديقه علمه بأنه صادق وأنهم صادقون وقيل الموحد لنفسه وقيل خالق الأمن وقيل واهب الأمن وقيل خالق الطمأنينة في القلوب واما المهيمن فان ثبت في الرواية فقد تقدم ما فيه في التفسير ومما يستفاد ان بن قتيبة ومن تبعه كالخطابي زعموا انه مفيعل من الأمن قلبت الهمز هاء وقد تعقب ذلك امام الحرمين ونقل إجماع العلماء على ان أسماء الله لا تصغر ونقل البيهقي عن الحليمي ان المهيمن معناه الذي لا ينقص الطائع من ثوابه شيئا ولو كثر ولا يزيد العاصي عقابا على ما يستحقه لأنه لا يجوز عليه الكذب وقد سمي الثواب والعقاب جزاء وله ان يتفضل بزيادة الثواب ويعفو عن كثير من العقاب قال البيهقي هذا شرح قول أهل التفسير في المهيمن انه الأمين ثم ساق من طريق التيمي عن بن عباس في قوله مهيمنا عليه قال مؤتمنا ومن طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس المهيمن الأمين ومن طريق مجاهد قال المهيمن الشاهد وقيل المهيمن الرقيب على الشيء والحافظ له وقيل الهيمنة القيام على الشيء قال الشاعر ( الا ان خير الناس بعد نبيه مهيمنه التاليه في العرف والنكر ) يريد القائم على الناس بعده بالرعاية لهم انتهى ويصح ان يريد الأمين عليهم فيوافق ما تقدم ثم ذكر حديث بن مسعود في التشهد وسنده كله كوفيون وأحمد بن يونس هو بن عبد الله بن يونس اليربوعي نسب لجده وزهير هو بن معاوية الجعفي ومغيرة هو بن مقسم الضبي وشقيق بن سلمة هو أبو وائل مشهور بكنيته وباسمه معا وقد أخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريق أحمد بن يحيى الحلواني عن أحمد بن يونس فقال حدثنا زهير بن معاوية حدثنا مغيرة الضبي وساق المتن مثله سواء وضاق على الإسماعيلي مخرجه فاكتفى برواية عثمان بن أبي شيبة عن جرير بن عبد الحميد عن مغيرة وساقه نحوه من رواية زهير وقد أخرجه النسائي من طريق شعبة عن مغيرة بسنده وقوله 6946 في المتن فنقول السلام على الله هكذا اختصره مغيرة وزاد في رواية الأعمش من عباده وفي لفظ مضى في الاستئذان قبل عباده السلام على جبريل الخ وقد تقدم بيان ذلك مفصلا في كتاب الصلاة في أواخر صفة الصلاة من قبل كتاب الجمعة ولله الحمد 1 ( قوله باب قول الله تعالى ملك الناس )
قال البيهقي الملك والمالك هو الخاص الملك ومعناه في حق الله تعالى القادر على الايجاد وهي صفة يستحقها لذاته وقال الراغب الملك المتصف بالأمر والنهي وذلك يختص بالناطقين ولهذا قال ملك الناس ولم يقل ملك الأشياء قال واما قوله ملك يوم الدين فتقديره الملك في يوم الدين لقوله لمن الملك اليوم انتهى ويحتمل ان يكون خص الناس بالذكر في قوله تعالى ملك الناس لأن المخلوقات جماد ونام والنامي صامت وناطق والناطق متكلم وغير متكلم فاشرف الجميع المتكلم وهم ثلاثة الانس والجن والملائكة وكل من عداهم جائز دخوله تحت قبضتهم وتصرفهم وإذا كان المراد بالناس في الآية المتكلم فمن ملكوه في ملك من ملكهم فكان في حكم ما لو قال ملك كل شيء مع التنويه بذكر الأشرف وهو المتكلم قوله فيه بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أي يدخل في هذا الباب حديث بن عمر ومراده حديثه الآتي بعد اثني عشر بابا في ترجمة قوله تعالى لما خلقت بيدي وسيأتي شرحه هناك ان شاء الله تعالى ثم ذكر حديث أبي هريرة يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول انا الملك أين ملوك الأرض أخرجه من رواية يونس وهو بن يزيد عن بن شهاب بسنده ثم قال وقال شعيب والزبيدي وبن مسافر وإسحاق بن يحيى عن الزهري وعن أبي سلمة مثله كذا وقع لأبي ذر وسقط لغيره لفظ مثله وليس المراد ان أبا سلمة أرسله بل مراده أنه اختلف على بن شهاب وهو الزهري في شيخه فقال يونس هو سعيد بن المسيب وقال الباقون أبو سلمة وكل منهما يرويه عن أبي هريرة فاما رواية شعيب وهو بن أبي حمزة الحمصي فستأتي في الباب المشار إليه في الحديث المعلق آنفا فإنه قال هناك وقال أبو اليمان أنا شعيب فذكر طرفا من المتن وقد وصله الدارمي قال حدثنا الحكم بن نافع وهو أبو اليمان فذكره وفيه سمعت أبا سلمة يقول قال أبو هريرة وكذا أخرجه بن خزيمة في كتاب التوحيد من صحيحه عن محمد بن يحيى الذهلي عن أبي اليمان واما رواية الزبيدي بضم الزاي بعدها موحدة وهو محمد بن الوليد الحمصي فوصلها بن خزيمة أيضا من طريق عبد الله بن سالم عنه عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة وأما طريق بن مسافر وهو عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الفهمي أمير مصر نسب لجده فتقدمت موصولة في تفسير سورة الزمر من طريق الليث بن سعد عنه كذلك وأما رواية إسحاق بن يحيى وهو الكلبي فوصلها الذهلي في الزهريات قال الإسماعيلي وافق الجماعة عبيد الله بن زياد الرصافي في أبي سلمة قلت وأخرجه بن أبي حاتم من طريق الصدفي عن الزهري كذلك ونقل بن خزيمة عن محمد بن يحيى الذهلي ان الطريقين محفوظان انتهى وصنيع البخاري يقتضي ذلك وان كان الذي تقتضيه القواعد ترجيح رواية شعيب لكثرة من تابعه لكن يونس كان من خواص الزهري الملازمين له قال بن بطال قوله تعالى ملك الناس داخل في معنى التحيات لله أي الملك لله وكأنه صلى الله عليه وسلم أمرهم بان يقولوا التحيات لله امتثالا لأمر ربه قل أعوذ برب الناس ملك الناس ووصفه بأنه ملك الناس يحتمل وجهين أحدهما ان يكون بمعنى القدرة فيكون صفة ذات وان يكون بمعنى القهر والصرف عما يريدون فيكون صفة فعل قال وفي الحديث اثبات اليمين صفة لله تعالى من صفات ذاته وليست جارحة خلافا للمجسمة انتهى ملخصا والكلام على اليمين يأتي في الباب المشار إليه ولم يعرج على التوفيق بين الحديث والترجمة والذي يظهر لي انه أشار إلى ما قاله شيخه نعيم بن حماد الخزاعي قال بن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية وجدت في كتاب أبي عمر نعيم بن حماد قال يقال للجهمية أخبرونا عن قول الله تعالى بعد فناء خلقه لمن الملك اليوم فلا يجيبه أحد فيرد على نفسه لله الواحد القهار وذلك بعد انقطاع ألفاظ خلقه بموتهم أفهذا مخلوق انتهى وأشار بذلك إلى الرد على من زعم ان الله يخلق كلاما فيسمعه من شاء بأن الوقت الذي يقول فيه لمن الملك اليوم لا يبقى حينئذ مخلوق حيا فيجيب نفسه فيقول لله الواحد القهار فثبت انه يتكلم بذلك وكلامه صفة من صفات ذاته فهو غير مخلوق وعن أحمد بن سلمة عن إسحاق بن راهويه قال صح ان الله يقول بعد فناء خلقه لمن الملك اليوم فلا يجيبه أحد فيقول لنفسه لله الواحد القهار قال ووجدت في كتاب عند أبي عن هشام بن عبيد الله الرازي قال إذا مات الخلق ولم يبق الا الله وقال لمن الملك اليوم فلا يجيبه أحد فيرد على نفسه فيقول لله الواحد القهار قال فلا يشك أحد ان هذا كلام الله وليس بوحي إلى أحد لأنه لم تبق نفس فيها روح الا وقد ذاقت الموت والله هو القائل وهو المجيب لنفسه قلت وفي حديث الصور الطويل الذي تقدمت الإشارة إليه في أواخر كتاب الرقاق في صفة الحشر فإذا لم يبق الا الله كان آخرا كما كان أولا طوى السماء والأرض ثم دحاها ثم تلقفهما ثم قال أنا الجبار ثلاثا ثم قال لمن الملك اليوم ثلاثا ثم قال لنفسه لله الواحد القهار قال الطبري في قوله تعالى يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم يعني يقول الله لمن الملك فترك ذكر ذلك استغناء لدلالة الكلام عليه قال وقوله لله الواحد القهار ذكر ان الرب جل جلاله هو القائل ذلك مجيبا لنفسه ثم ذكر الرواية بذلك من حديث أبي هريرة الذي أشرت إليه وبالله التوفيق
1 ( قوله باب قول الله تعالى وهو العزيز الحكيم سبحان ربك رب العزة عما يصفون ولله العزة ولرسوله اما الآية )
الأولى فوقعت في عدة سور وتكررت في بعضها وأول موضع وقع فيه وهو العزيز الحكيم في سورة إبراهيم واما مطلق العزيز الحكيم فأول ما وقع في البقرة في دعاء إبراهيم عليه السلام لأهل مكة ربنا وابعث فيهم رسولا منهم الآية وآخرها انك أنت العزيز الحكيم وتكرر العزيز الحكيم ووعزيز حكيم بغير لام فيهما في عدة من السور واما الآية الثانية ففي إضافة العزة إلى الربوبية إشارة إلى ان المراد بها هنا القهر والغلبة ويحتمل ان تكون الإضافة للاختصاص كأنه قيل ذو العزة وانها من صفات الذات ويحتمل ان يكون المراد بالعزة هنا العزة الكائنة بين الخلق وهي مخلوقة فيكون من صفات الفعل فالرب على هذا بمعنى الخالق والتعريف في العزة للجنس فإذا كانت العزة كلها لله فلا يصح ان يكون أحد معتزا الا به ولا عزة لأحد الا وهو مالكها واما الآية الثالثة فيعرف حكمها من الثانية وهي بمعنى الغلبة لأنها جاءت جوابا لمن ادعى انه الأعز وان ضده الأذل فيرد عليه بأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين فهو كقوله كتب الله لأغلبن انا ورسلي ان الله قوي عزيز قوله ومن حلف بعزة الله وصفاته كذا للأكثر وفي رواية المستملي وسلطانه بدل وصفاته والأول أولى وقد تقدم في الإيمان والنذور باب الحلف بعزة الله وصفاته وكلامه وتقدم توجيهه هناك قال بن بطال العزيز يتضمن العزة والعزة يحتمل ان تكون صفة ذات بمعنى القدرة والعظمة وان تكون صفة فعل بمعنى القهر لمخلوقاته والغلبة لهم ولذلك صحت إضافة اسمه إليها قال ويظهر الفرق بين الحالف بعزة الله التي هي صفة ذاته والحالف بعزة الله التي صفة فعله بأنه يحنث في الأولى دون الثانية بل هو منهي عن الحلف بها كما نهى عن الحلف بحق السماء وحق زيد قلت وإذا اطلق الحالف انصرف إلى صفة الذات وانعقدت اليمين الا ان قصد خلاف ذلك بدليل أحاديث الباب وقال الراغب العزيز الذي يقهر ولا يقهر فإن العزة التي لله هي الدائمة الباقية وهي العزة الحقيقية الممدوحة وقد تستعار العزة للحمية والانفة فيوصف بها الكافر والفاسق وهي صفة مذمومة ومنه قوله تعالى أخذته العزة بالإثم وأما قوله تعالى من كان يريد العزة فلله العزة جميعا فمعناه من كان يريد أن يعز فليكتسب العزة من الله فانها له ولا تنال الا بطاعته ومن ثم أثبتها لرسوله وللمؤمنين فقال في الآية الأخرى ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين وقد ترد العزة بمعنى الصعوبة كقوله تعالى عزيز عليه ما عنتم وبمعنى الغلبة ومنه وعزني في الخطاب وبمعنى القلة كقولهم شاة عزوز إذا قل لبنها وبمعنى الامتناع ومنه قولهم أرض عزاز بفتح أوله مخففا أي صلبه وقال البيهقي العزة تكون بمعنى القوة فترجع إلى معنى القدرة ثم ذكر نحوا مما ذكره بن بطال والذي يظهر ان مراد البخاري بالترجمه اثبات العزة لله ردا على من قال انه العزيز بلا عزة كما قالوا العليم بلا علم ثم ذكر في الباب خمسة أحاديث الحديث الأول قوله وقال أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم تقول جهنم قط قط وعزتك هذا طرف من حديث تقدم موصولا في تفسير سورة ق مع شرحه ويأتي مزيد كلام فيه في باب قوله ان رحمة الله قريب من المحسنين وقد ذكره موصولا هنا في آخر الباب والمراد منه أن النبي صلى الله عليه وسلم نقل عن جهنم انها تحلف بعزة الله وأقرها على ذلك فيحصل المراد سواء كانت هي الناطقة حقيقة أم الناطق غيرها كالموكلين بها الحديث الثاني قوله وقال أبو هريرة الخ هو طرف من حديث طويل تقدم مع شرحه في آخر كتاب الرقاق والمراد منه قوله لا وعزتك وتوجيهه كما في الذي قبله الحديث الثالث قوله قال أبو سعيد الخ هو طرف من حديث مذكور في آخر حديث أبي هريرة الذي قبله ويستفاد منه ان أبا سعيد وافق أبا هريرة على رواية الحديث المذكور الا ما ذكره من الزيادة في قوله عشرة أمثاله الحديث الرابع قوله وقال أيوب عليه السلام وعزتك لا غنى بي عن بركتك كذا في رواية الأكثر وللمستملي لا غناء وهو بفتح الغين المعجمة ممدودا وكذا لأبي ذر عن السرخسي وتقدم بيانه في كتاب الإيمان والنذور وهو طرف من حديث لأبي هريرة وقد تقدم موصولا في كتاب الطهارة وأوله بينا أيوب يغتسل وتقدم أيضا في أحاديث الأنبياء مع شرحه وتقدم توجيه الدلالة منه في الإيمان والنذور ووقع في رواية الحاكم لما عافى الله أيوب أمطر عليه جرادا من ذهب الحديث الحديث الخامس حديث بن عباس