Qur'an&Sunnah

İmam Rabbânî — Mektûbât (ed-Dürerü'l-meknûnât, Arapça ta'rîb)

Sección V01/P319–V01/P320

ويرى في هذا السّير أنّ كمالات جميع الولايات سواء كانت صغرى أو كبرى أو عليا كلّها ظلال كمالات مقام النّبوّة وانّها أشباح وأمثال لحقيقة هذه الكمالات ويلوح فيه أنّ النّقطة الّتي تقطع في ضمن هذا السّير أزيد من جميع كمالات الولاية فينبغي أن يتأمّل أنّه ماذا يكون على هذا القياس حكم الكمالات المتقدّمة بالنّسبة إلى جميع هذه الكمالات وللقطرة نسبة إلى البحر المحيط وهذه النّسبة مفقودة هاهنا الّا أنّي أقول إنّ نسبة الولاية إلى مقام النّبوّة كنسبة المتناهي إلى غير المتناهي سبحان الله وقد يقول الجاهل بهذا السّرّ: إنّ الولاية أفضل من النّبوّة ويقول الآخر في توجيه هذه العبارة غافلا عن هذه المعاملة: إنّ ولاية النّبيّ أفضل من نبوّته (كبرت كلمة تخرج من أفواههم) ولمّا أتممت هذا السّير أيضا بعناية الله سبحانه وبركة حبيبة عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام شوهد لي أنّه لو زدت فرضا خطوة واحدة في السّير لاقع في عدم محض إذ ليس وراءه الّا العدم المحض. (أيّها الولد) إيّاك والوقوع في التّوهّم من هذه المعاملة إنّ العنقاء قد وقع في الشّرك والسّيمرغ قد تعلّق في الشّبكة، (شعر) هيهات عنقاء أن يصطاده أحد . فاترك عناك وكن من ذاك في دعة وهو سبحانه وراء الوراء ثمّ وراء الوراء. (شعر) وذا إيوان الإستعلاء عال . فإيّاكم وطمعا في الوصال وهذه الوراثيّة ليست باعتبار وجود الحجب لأنّ الحجب صارت مرتفعة بالكلّيّة بل باعتبار ثبوت العظمة والكبرياء بالمانعة للإدراك المنافية للوجدان فهو سبحانه أقرب في الوجود وأبعد عن الوجدان نعم قد يكون بعض الكمال من المرادين فيعطون محلّا من سرادقات العظمة والكبرياء ويجعلون من محارم خيمة الجلال بتطفّل الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام فيعامل معهم ما عومل معهم. (أيّها الولد) إنّ هذه المعاملة مخصوصة بالهيئة الوحدانيّة الإنسانيّة النّاشئة من مجموع عالم الخلق وعالم الأمر ومع ذلك الرّئيس في هذا الموطن هو العنصر التّرابيّ وإنّما قلت ليس وراءه الّا العدم المحض لأنّ بعد تمام مراتب الوجود الخارجيّ والوجود العلميّ ليس الّا حصول العدم الّذي نقيضه وذات الله سبحانه وراء هذا الوجود والعدم وكما أنّه لا سبيل إليها للعدم كذلك لا مجال فيها للوجود لأنّ الوجود الّذي قام العدم بنقاضته كيف يليق بحضرته جلّ سلطانه فلئن أطلقنا الوجود في هذه المرتبة لضيق العبارة يراد به وجود لا يكون للعدم مجال مناقضته وما كتب هذا الفقير في بعض مكاتيبه أنّ حقيقة الحقّ سبحانه وجود محض فهو من عدم الإطّلاع على حقيقة هذه المعاملة ومن هذا القبيل بعض المعارف الّتي حرّرتها في التّوحيد الوجوديّ وغيره وسرّه عدم الإطّلاع ولمّا كنت واقفا ومتنبّها على حقيقة المعاملة كنت متندّما على ما كتبته أو قلته في الإبتداء والوسط وكنت مستغفرا منه أستغفر الله وأتوب إلى الله من جميع ما كره الله سبحانه وتعالى.

Sección V01/P320–V01/P322

ولاح من هذا البيان أنّ كمالات النّبوّة في مراتب الصّعود وأنّ الوجه في عروجات النّبوّة إلى الحقّ سبحانه لا كما زعمه الكثيرون من أنّ الوجه في الولاية إلى الحقّ سبحانه وتعالى وفي النّبوّة إلى الخلق وأنّ الولاية في مراتب العروج والنّبوّة في مدارج النّزول ومن هنا توهّموا أنّ الولاية أفضل من النّبوّة نعم إنّ لكلّ من الولاية والنّبوّة عروجا وهبوطا وفي العروج الوجه إلى الحقّ في كليهما وفي الهبوط إلى الخلق غاية ما في الباب أنّ الوجه في مرتبة هبوط النّبوّة إلى الخلق بالكلّيّة بخلاف هبوط الولاية فإنّ الوجه فيها ليس إلى الخلق بالكلّيّة بل باطنه بالحقّ وظاهره بالخلق وسرّه أنّ صاحب الولاية نازل قبل اتمام مقامات العروج فلا جرم يكون النّظر إلى الفوق منازعه في جميع الأوقات ومانعه من التّوجّه بكلّيّته إلى الخلق بخلاف صاحب النّبوّة فإنّه هبط بعد اتمام مقامات العروج ولهذا يكون متوجّها بكلّيّته إلى دعوة الخلق إلى الحقّ جلّ وعلا فافهم فإنّ هذه المعرفة الشّريفة وأمثالها ممّا لم يتكلّم بها أحد وممّا ينبغي أن يعلم: أنّ العنصر التّرابيّ كما أنّه يتفوّق على الكلّ في مراتب العروج كذلك ينزل في منازل الهبوط أسفل من الكلّ وكيف لا فإنّ مكانه الطّبيعيّ أسفل من الكلّ فإذا ثبت أنّه ينزل أسفل من الكلّ تكون دعوة صاحبه أتمّ بالضّرورة وإفادته أكمل. (اعلم) أيّها الولد أنّ ابتداء السّير في الطّريقة النّقشبنديّة لمّا كان من القلب الّذي هو من عالم الأمر افتتحنا الكلام بعالم الأمر بخلاف طرق سائر المشائخ الكرام فإنّهم يشرعون أوّلا في تزكية النّفس وتطهير القالب ثمّ يشرعون بعد ذلك في عالم الأمر ويعرجون فيها إلى ما شاء الله ولهذا اندرجت في بداية هؤلاء الكبراء نهاية من سواهم وصار هذا الطّريق أقرب الطّرق لأنّ حصول التّزكية والتّطهير ميسّر في ضمن هذا السّير على أحسن الوجوه فقصرت المسافة بذلك فلا جرم اعتقد هؤلاء الأكابر سير عالم الخلق قصدا عبثا وعدّوه تعطيلا لا بل تيقّنوا أنّه مضرّ ومانع عن الوصول إلى المطلب وذلك لأنّ سالكي الطّريق بقدم التّزكية والرّياضات الشّاقّة والمجاهدات الشّديدة إذا شرعوا في سير عالم الأمر بعد قطع بوادي صورة عالم الخلق ووقعوا في الإنجذاب القلبيّ والإلتذاذ الرّوحيّ كثيرا ما يقنعون بهذا الإنجذاب ويكتفون بهذا الإلتذاذ ومظنّة لا مكانيّة عالم الأمر تكون ممدّة لهم في تلك المعاملة وشائبة لا مثليّة هذا العالم تمنعهم عن اللّامثليّ الحقيقيّ حتّى قال واحد من السّالكين في هذا المقام: عبدت الرّوح ثلاثين سنة معتقدا بأنّه الحقّ سبحانه وتعالى. وقال آخر: إنّ سرّ الإستواء وظهور تنزيه ما فوق العرش من المعارف الغامضة وقد علم من البيان السّابق أنّ ذلك التّنزيه داخل في دائرة الإمكان بل هو تشبيه في الحقيقة في صورة التّنزيه بخلاف أكابر هذه الطّريقة العليا فإنّهم يشرعون من مقام الجذبة ويترقّون بمدد الإلتذاذ وهذا الإنجذاب والإلتذاذ في حقّهم بمثابة الرّياضات والمجاهدات في حقّ غيرهم فما هو مانع عن الوصول لغيرهم ممدّ ومعاون لهؤلاء الأكابر وهم يتصوّرون لا مكانيّة عالم الأمر عين المكانيّة فيتوجّهون منه إلى اللّامكانيّ الحقيقيّ ويعتقدون لا مثليّة ذلك العالم عين المثليّة ويرتقون منه إلى اللّا مثليّ الحقيقيّ فلا جرم أنّهم لا يفتنون بغرور الوجد والحال ولا يغبنون بجوز هذا الطّريق وموز الأشباه والأمثال كالأطفال ولا يباهون بترّهات الصّوفيّة ولا يفتخرون بشطحيّات المشائخ بل هم متوجّهون إلى الاحديّة الصّرفة لا يبغون من الإسم والصّفة غير الذّات المقدّسة.

Sección V01/P322–V01/P323

(وينبغي) أن يعلم أنّ هذا العروج الّذي مرّ ذكره مخصوص بمحمّديّ المشرب التّامّ الإستعداد له نصيب كامل من كمالات الجواهر الخمس الّتي في عالم الأمر صغيره وكبيره وكذلك له حظّ وافر من أصول هذه الخمس أعني ظلال الأسماء الواجبيّة، وكذلك من أصول هذه الظّلال أعني مقام الأسماء والصّفات (وإنّما) قلت التّامّ الإستعداد لأنّه كثيرا ما يكون في الظّاهر محمّديّ المشرب ويكون له نصيب من كمالات الأخفى الّذي هو نهاية مراتب عالم الأمر ولكنّه لا يتمّ معاملة الأخفى ولا ينتهى إلى نقطته الأخيرة بل يبقى في ابتدائه أو وسطه فإذا كان له قصور في الأخفى يكون له قصور في أصوله أيضا بمقداره فلا يتمكّن من إتمام معاملته وكذلك الحكم في الأربع الباقية من عالم الأمر حيث انّ تامّيّة الاستعداد في كلّ مرتبة مربوطة بالوصول إلى النّقطة الأخيرة من تلك المرتبة، والوقوف في الإبتداء والوسط ينبئ عن النّقصان ولو كان القصور في الوصول إلى النّهاية مقدار شعرة. (شعر) وما قلّ هجران الحبيب وإن غدا . قليلا ونصف الشّعر في العين ضائر ويسري هذا القصور إلى الاصول وأصول الاصول ويكون مانعا عن الوصول إلى المطلب. وإنّما قلت إنّ هذا العروج مخصوص بمحمّديّ المشرب لأنّ غير محمّديّ المشرب منهم من يكون كماله مقصورا على الدّرجة الاولى من درجات الولاية، والمراد بالدّرجة الاولى مرتبة القلب ومنهم من يكون كماله مقصورا على الدّرجة الثّانية من درجات الولاية الّتي هي مقام الرّوح ومنهم من تكون نهاية عروج كماله إلى الدّرجة الثّالثة أعني مقام السّرّ. ومنهم من تكون نهاية عروج كماله إلى الدّرجة الرّابعة أعني مقام الخفيّ. والدّرجة الاولى لها مناسبة بتجلّي صفات الأفعال وللدّرجة الثّانية بتجلّي الصّفات الثّبوتيّة وللدّرجة الثّالثة بتجلّي الشّئون والإعتبارات الذّاتيّة وللدّرجة الرّابعة بالصّفات السّلبيّة الّتي هي مقام التّنزيه والتّقديس. (وكلّ) درجة من درجات الولاية تحت قدم نبيّ من الأنبياء أولي العزم فالدّرجة الاولى منها تحت قدم آدم على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام وربّه صفة التّكوين الّتي هي منشأ صدور الأفعال (والدّرجة الثّانية) تحت قدم إبراهيم ويشاركه في هذا المقام نوح عليهما السّلام وربّهما صفة العلم الّتي هي أجمع الصّفات الذّاتيّة (والدّرجة الثّالثة) تحت قدم موسى عليه السّلام وربّه من مقامات الشّئونات شأن الكلام (والدّرجة الرّابعة) تحت قدم عيسى عليه السّلام وربّه من الصّفات السّلبيّة لا من الثّبوتيّة فإنّها موطن التّقديس والتّنزيه وأكثر الملائكة الكرام يشاركون عيسى على نبيّنا وعليه السّلام في هذا المقام والشّأن العظيم حاصل لهم في هذا المقام (والدّرجة الخامسة) تحت قدم خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام وربّه صلّى الله عليه وسلّم ربّ الأرباب الّذي هو جامع جميع الصّفات والشّئونات والتّقديسات والتّنزيهات ومركز دائرة هذه الكمالات ويناسب التّعبير عن هذا الشّأن الجامع في مرتبة الصّفات والشّئونات بشأن العلم لكون هذا الشّأن عظيم الشّأن جامعا لجميع الكمالات وبهذه المناسبة صارت ملّته صلّى الله عليه وسلّم ملّة إبراهيم عليه السّلام وقبلته قبلته. (ينبغي) أن يعلم أنّ تفاضل الأقدام في الولاية ليس باعتبار تقدّم الدّرجات وتأخّرها حتّى يكون صاحب الأخفى أفضل من غيره وعلى هذا القياس بل باعتبار القرب من الأصل والبعد عنه وطىّ منازل درجات الظّلال كثرة وقلّة فعلى هذا يجوز أن يكون صاحب القلب باعتبار القرب من الأصل أفضل من صاحب الأخفى الّذي لم يحصل له القرب من الاصل كيف وولاية النّبيّ الّتي في الدّرجة الأخيرة من درجات الولاية أفضل قطعا من ولاية الوليّ الّتي في الدّرجة الفوقانيّة.

Sección V01/P323–V01/P324

(ولا يخفى) أنّ سلوك اللّطائف بالتّرتيب المذكور أعني الإنتقال من القلب إلى الرّوح ومن الرّوح إلى السّرّ ومن السّرّ إلى الخفيّ ومن الخفيّ إلى الأخفى مخصوص أيضا بمحمّديّ المشرب فإنّه يتمّ سير هذه الخمس من عالم الأمر بالتّرتيب ثمّ يسير في أصولها ويتمّ السّلوك بعد السّير في أصول الاصول مراعيا لهذا التّرتيب وهذا الطّريق بالتّرتيب المذكور طريق سلطانيّ للوصول وصراط مستقيم لمتوجّهي الاحديّة بخلاف ولايات أخر وكان فيها نقبت نقبة من كلّ درجة إلى أن يصل إلى المطلوب مثلا نقبت نقبة من مقام القلب إلى أن تصل إلى صفات الأفعال الّتي هي أصل أصله وكذلك نقبت نقبة من مقام الرّوح إلى الصّفات الذّاتيّة وعلى هذا القياس ولا شكّ أنّ أفعاله تعالى وصفاته ليست منفكّة عن ذاته تعالى فإنّ كلّ الإنفكاك فهو في الظّلال ففي ذلك الموطن للواصلين إلى الأفعال والصّفات نصيب من تجلّيات الذّات المنزّهة عن المثال تعالت وتقدّست أيضا كما تتيسّر هذه الدّولة لصاحب الأخفى بعد إتمام الأمر وإن كان التّفاوت باعتبار العلوّ والسّفل باقيا. وادّعاء صاحب القلب المساواة لصاحب الأخفى غير موجّه. (ولا تغلطنّ) في هذا المقام واعلم أنّ هذا التّفاوت إنّما هو متصوّر فيما بين الأولياء لأنّ صاحب الولاية القلبيّة أدون من صاحب الولاية الأخفويّة بعد وصول كليهما إلى مرتبة الكمال وأمّا فيما بين الأولياء والأنبياء فمفقود لأنّ ولاية نبيّ ولو كانت ناشئة من مقام القلب أفضل من ولاية وليّ ولو كانت ناشئة من مقام الأخفى ولو كان ذلك ممّن أتمّ الأمر وسرّ ذلك أنّ صاحب الولاية تحت قدم نبيّ تلك الولاية دائما أيّ ولاية كانت. قال الله تعالى (ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ) نعم إنّ هذا التّفاوت فيما بين الأنبياء بعضهم ببعض متصوّر وصاحب العليا منهم أفضل من صاحب السّفلى ولكنّ هذا التّفاوت فيما بين الأنبياء عليهم السّلام أيضا إلى آخر دوائر كمالات عالم الأمر وليس التّفاضل بعده مربوطا بالعلوّ والسّفل بل يمكن أن يكون صاحب السّفل في ذلك الموطن أفضل من صاحب العلوّ كما شاهدنا التّفاوت في ذلك الموطن بين موسى وعيسى على نبيّنا وعليهما الصّلاة والسّلام فإنّ موسى جسيم ثمّة ذو شأن عظيم ليس لعيسى فيه تلك الجسامة والشّأن فعلمنا أنّ التّفاوت في ذلك الموطن بأمر آخر وراء ذلك العلوّ والسّفل وسأبيّنه بعد مفصّلا إن شاء الله تعالى بحسن توفيقه وكمال منّه وكرمه تعالى وكذلك وجدنا فيه التّفاوت بين خليل الرّحمن وبين سائر الأنبياء غير خاتم الرّسل عليهم الصّلاة والسّلام في الكمالات الّتي لها تعلّق بحقيقة الكعبة الرّبّانيّة الّتي هي فوق جميع الحقائق البشريّة والملكيّة فإنّ للخليل ثمّة شأنا عظيما ومرتبة رفيعة لم يتيسّر لأحد ذلك الشّأن والرّتبة. وفي ذلك المقام العالي المناسب لمقام ظهور سرادقات العظمة والكبرياء كمالات مركز ذلك المقام الّذي هو مقام الإجمال نصيب خاتم الرّسل والباقي المفصّل كلّه مسلّم للخليل وكلّ من سواه من الأنبياء وكمّل الأولياء طفيليّه هناك وكان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم طلب تفصيل ذلك الإجمال حيث سأل صلاة وبركة مشابهتين بصلاة إبراهيم على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام وبركته (وقد ظهر) لهذا الفقير أنّ ذلك التّفصيل قد تيسّر له أيضا بعد مضيّ ألف سنة واستجيب مسئوله والحمد لله على ذلك وعلى جميع نعمائه وكمالات ذلك المقام العالي فوق كمالات الولاية وفوق كمالات النّبوّة والرّسالة وكيف لا تكون فوقها فإنّ تلك الحقيقة مسجود إليها للأنبياء الكرام والملائكة العظام عليهم الصّلاة والسّلام وما كتبه هذا الفقير في رسالة المبدأ والمعاد أنّ الحقيقة المحمّديّة عرجت من مقامها وانتهت إلى حقيقة الكعبة الّتي فوقها واتّحدت بها وعرض للحقيقة المحمّديّة اسم الحقيقة الأحمديّة كانت تلك الحقيقة أعني حقيقة الكعبة ظلّا من ظلال هذه الحقيقة قد ظنّ قبل ظهور هذه الحقيقة حقيقة ويقع هذا الإشتباه كثيرا ويظنّ الظّلّ قبل ظهور الأصل أصلا ويسمّى حقيقة ومن ههنا يظهر المقام الواحد مرّات وسرّه أنّ ظهورات ذلك المقام باعتبار ظلال ذلك المقام وحقيقة ذلك المقام في الحقيقة هي ما ظهرت في المرتبة الأخيرة.

Sección V01/P324–V01/P325

فإن قيل: من أين يعلم أنّ هذه المرتبة هي المرتبة الأخيرة من مراتب ظهوراته حتّى يعلم أنّها هي الحقيقة. قلت: إنّ حصول العلم بظلّيّة الظّهورات السّابقة شاهد عدل لآخريّة هذا الظّهور فإنّ هذا العلم لم يكن حاصلا وقت الظّهورات السّابقة بل كان يرى كلّ ظهور حقيقة وما كان يظنّ شيء منها ظلّا أصلا وإن لم يعلم أنّ اختلاف هذه الحقائق من أين جاء فافهم. (أيّها الولد)، قد علم من المعارف السّابقة أنّ الكمالات المتعلّقة بعالم الأمر مقامات ومعارج للكمالات المتعلّقة بعالم الخلق والكمالات الاولى ليست بخالية عن الظّلّيّة ومخصوصة بمقامات الولاية والكمالات الثّانية مبرّأة عن شائبة الظّلّيّة المناسبة لظهورات هذه النّشأة الدّنيويّة وفيها نصيب كامل من مقامات النّبوّة فتكون الطّريقة والحقيقة اللّتان مربوطان بالولاية خادمتين للشّريعة الّتي هي ناشئة من مقام النّبوّة وتكون الولاية سلّما لعروج النّبوّة (فعلم) من هذا البيان أنّ السّير الّذي اختاره الأكابر النّقشبنديّة قدّس الله أسرارهم العليّة الّذي ابتدؤه من عالم الأمر أولى وأنسب لأنّ التّرقّي ينبغي أن يكون من الأدنى الّذي هو عالم الأمر إلى الأعلى الّذي هو عالم الخلق لا من الأعلى إلى الأدنى وما العلاج فإنّ هذا المعمّي لم ينكشف لكلّ أحد بل نظر الأكثرون إلى الصّورة وظنّوا عالم الخلق أدنى فشرعوا في الإرتقاء من الأدنى إلى الأعلى الصّوريّين ولم يدروا أنّ حقيقة الحال على عكس هذا المنوال وأنّ ما ظنّوه أدنى في الحقيقة هو الأعلى وما زعموه أعلى هو أدنى نعم إنّ النّقطة الأخيرة الّتي هي عالم الخلق وقعت قريبة من النّقطة الاولى الّتي هي أصل الأصل وهذا القرب لم يتيسّر لنقطة أخرى. (ع) أحقّ الخلق بالكرم العصاة وهذه المشاهدة مقتبسة من مشكاة النّبوّة وأرباب الولاية قليلو النّصيب من هذه المعرفة وشروع الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام كان من عالم الأمر وانّهم وردوا من الحقيقة إلى الشّريعة، غاية ما في الباب أنّ في كمّل الأولياء الّذين وقع سيرهم موافقا لسير الأنبياء في الإبتداء صورة الشّريعة وفي الوسط الطّريقة والحقيقة المتعلّقتان بالولاية المناسبتان لعالم الأمر وفي النّهاية حقيقة الشّريعة الّتي هي ثمرة النّبوّة. (فتقرّر) من هذا أنّ حصول الطّريقة مقدّم على حصول حقيقة الشّريعة فكانت بداية الأولياء الكاملين وبداية الأنبياء المرسلين من الحقيقة ونهاية كلّ منهما إلى الشّريعة فلا معنى لقول من قال: إنّ بداية الأولياء نهاية الأنبياء وأراد ببداية الأولياء ونهاية الأنبياء الشّريعة الغرّاء. نعم إنّ هذا المسكين لمّا لم يطّلع على حقيقة الحال تكلّم بهذا الشّطح ولم يبال. (وهذه) المعارف وإن لم يتكلّم بها أحد بل ذهب الأكثرون إلى عكسها واستبعدوها عن الإدراك ولكن إذا لاحظ منصف جانب عظمة الأنبياء عليهم السّلام واستولت عليه عظمة الشّريعة يحتمل أن يقبل هذه المعارف الغامضة ويجعل هذا القبول وسيلة إلى زيادة إيمانه (أيّها الولد) إنّ الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام اقتصروا دعوتهم على عالم الخلق بني الإسلام على خمس, الحديث صريح في هذا ولمّا كانت مناسبة القلب بعالم الخلق أزيد دعوة أيضا بالتّصديق ولم يتكلّموا فيما وراء القلب بل جعلوه كالمطروح في الطّريق ولم يعدّوه من المقاصد نعم ينبغي أن يكون كذلك فإنّ تنعّمات الجنّة وآلام النّار ودولة الرّؤية والحرمان عنها كلّها مربوطة بعالم الخلق لا تعلّق لشيء منها بعالم الأمر أصلا.

Sección V01/P325–V01/P327

وأيضا إنّ إتيان العمل الفرض والواجب والسّنّة متعلّق بالقالب الّذي هو من عالم الخلق وما هو نصيب عالم الأمر من الأعمال هو النّافلة والقرب الّذي هو ثمرة أداء الأعمال إنّما يكون على مقدار الأعمال الّتي هو ثمرتها فلا جرم يكون القرب الّذي هو ثمرة أداء الفرائض نصيب عالم الخلق، والقرب الّذي هو ثمرة أداء النّوافل نصيب عالم الامر ولا شكّ أنّه لا اعتداد بالنّفل ولا اعتبار له بالقياس على الفرض وليت له حكم القطرة بالنّسبة إلى البحر المحيط بل هذه النّسبة للنّفل بالقياس على السّنّة وإن كانت نسبة ما بين السّنّة والفرض كنسبة القطرة إلى البحر فينبغي أن يقيس تفاوت ما بين القربين على هذا وأن يعلم مزيّة عالم الخلق على عالم الأمر من هذا التّفاوت وأكثر الخلائق لمّا لم يكن لهم نصيب من هذا المعنى صاروا يخرّبون الفرائض ويجتهدون في ترويج النّوافل والصّوفيّة النّاقصون يعتقدون الذّكر والفكر من أهمّ المهمّات ويتساهلون في إتيان الفرائض والسّنن ويختارون الأربعينات تاركين للجمع والجماعات ولا يعلمون أنّ أداء فرض واحد مع الجماعة أفضل من ألوف من أربعيناتهم. نعم إنّ الذّكر والفكر مع مراعاة الآداب الشّرعيّة أفضل وأهمّ والعلماء القاصرون أيضا يسعون في ترويج النّوافل ويخرّبون الفرائض ويضيّعونها ومن ذلك صلاة العاشوراء مثلا ولم يصحّ عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه كان يصلّيها مع الجماعة والجمعيّة التّامّة والحال أنّهم يعلمون أنّ الرّوايات الفقهيّة ناطقة بكراهة الجماعة في النّافلة وهم يتكاسلون في أداء الفرائض على حدّ قلّما يوجد منهم من يؤدّي الفرض في وقته المستحبّ بل ربّما يفوّتونه عن أصل وقته ولا يتقيّدون بالجماعة كثير تقيّد ويقنعون في الجماعة بشخص أو بشخصين بل ربّما يكتفون بالإنفراد فإذا كانت معاملة مقتدي أهل الإسلام هذه فما تقول في غيرهم من العوامّ ومن شؤم هذه الأفعال وسوء الأعمال ظهر الضّعف في الإسلام ومن ظلمة هذه المعاملة وكدورة الأحوال ظهرت البدعة بين الأنام، (شعر) بثثت لديكم من همومي وخفت أن . تملّوا والّا فالكلام كثير. وأيضا إنّ أداء النّوافل إنّما يعطي قرب " ظلّ من الظّلال وأداء الفرائض يعطي قرب الأصل الّذي ليس فيه شائبة الظّلّيّة الّا أنّ النّفل إذا أدّي لاجل تكميل الفرائض فحينئذ يكون ذلك أيضا ممدّا ومعاونا لحصول قرب الأصل وملحقا بالفرائض فيكون أداء الفرائض بالضّرورة مناسبا لعالم الخلق الّذي هو متوجّه وناظر إلى الأصل وأداء النّوافل مناسبا لعالم الأمر الّذي هو ناظر إلى الظّلّ والفرائض وإن كانت كلّها مورّثة للقرب ولكنّ أفضلها وأكملها الصّلاة ولعلّك سمعت أنّ الصّلاة معراج المؤمن وأقرب ما يكون العبد من الرّبّ في الصّلاة والوقت الخاصّ الّذي كان للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم حيث عبّر عنه بقوله " لي مع الله وقت» الحديث هو عند الفقير في الصّلاة, الصّلاة هي المكفّرات للسّيّئات والصّلاة هي الّتي تنهي عن الفحشاء والمنكرات والصّلاة هي الّتي كان النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام يطلب راحته فيها حيث كان يقول أرحني يا بلال والصّلاة هي الّتي عماد الدّين والصّلاة هي الّتي صارت فارقة بين الإسلام والكفر (ولنرجع) إلى أصل الكلام ولنقل من مزيّة عالم الخلق على عالم الأمر اعلم أنّ عالم الأمر قد نال هنا يعني في النّشأة الدّنيا حظّا وافرا وحصل المشاهدة وستقع المعاملة غدا في الجنّة على عالم الخلق وتتيسّر له رؤية بلا كيف ومع ذلك أنّ متعلّق المشاهدة ظلّ في ظلال الوجوب.

Sección V01/P327–V01/P328

والمرئيّ في الآخرة واجب الوجود فالفرق الّذي بين المشاهدة والرّؤية والظّلّيّة والأصالة هو فرق ما بين عالم الخلق وعالم الأمر (واعلم) أنّ المشاهدة ثمرة الولاية والرّؤية ثمرة النّبوّة وتتيسّر لعامّة أتباع الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ومن ههنا يعرف التّفاوت بين الولاية والنّبوّة أيضا (تنبيه) كلّ عارف مناسبته لعالم الأمر أزيد يكون قدمه في كمالات الولاية أزيد والّذي مناسبته لعالم الخلق أكثر فقدمه في كمالات النّبوّة أوفر ومن ههنا كان لعيسى عليه السّلام قدم أزيد في الولاية ولموسى عليه السّلام قدم أزيد في النّبوّة فإنّ جانب الأمر غالب في عيسى عليه السّلام ولهذا صار ملحقا بالرّوحانيّين وجانب الخلق غالب في موسى عليه السّلام ولهذا لم يكتف بالمشاهدة بل طلب رؤية بصر. وهذا هو سبب تفاوت اقدام الأنبياء عليهم السّلام في كمالات النّبوّة الّذي كنت وعدت بيانه فيما تقدّم لا علوّ بعض اللّطائف وسفله الّذي هو معتبر في تفاوت كمالات الولاية والله سبحانه الملهم للصّواب. (أيّها الولد) إنّ تعلّق علوم النّبوّة الّتي هي الشّرائع والأحكام بالقالب لمّا كان أزيد وكانت مناسبة الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام لعالم الخلق أكثر وأوفر ظنّوا من ذلك أنّ النّبوّة عبارة عن النّزول إلى دعوة الخلق بعد العروج إلى مقامات القرب الّتي تتعلّق بالولاية ولم يعلموا أنّ نهاية العروج وغاية القرب في هذا الموطن والقرب الحاصل فيما سبق كان ظلّا من ظلال هذا القرب الّذي يتصوّر بصورة البعد: والعروج الّذي تيسّر أوّلا كان عكسا من عكوس هذا العروج الّذي يرى في الظّاهر نزولا ألا ترى أنّ مركز الدّائرة أبعد النّقطة بالنّسبة إلى محيط الدّائرة والحال أنّه لا نقطة في الحقيقة أقرب إلى المحيط من نقطة المركز لأنّ المحيط تفصيل تلك النّقطة الإجماليّة وهذه النّسبة لم تتيسّر لنقطة أخرى والعوامّ الّذين اقتصر نظرهم على الصّورة لا يقدرون على وجدان هذا القرب وإدراكه فيحكمون بأبعديّة تلك النّقطة ويزعمون الحكم بأقربيّتها جهلا مركّبا ويحمّقون الحاكم بهذا الحكم ويجهّلونه والله المستعان على ما يصفون. ينبغي أن يعلم أنّ المطمئنّة تعرج عن مقامها بعد حصول شرح الصّدر الّذي هو من لوازم كمالات الولاية الكبرى وترتقي إلى تخت الصّدر ويحصل لها هناك التّمكين والسّلطنة وتستولي على ممالك القلب وتخت الصّدر هذا في الحقيقة فوق جميع مقامات عروج مرتبة الولاية الكبرى وينفذ نظر الصّاعد إلى هذا التّخت إلى أبطن البطون ويسري إلى غيب الغيب نعم إنّ الشّخص إذا صعد إلى أرفع الأمكنة ينفذ بصره إلى أبعد الأبعاد وبعد تمكين هذه المطمئنّة يخرج العقل أيضا من مقامه ويلحق بها وينضمّ إليها ويعرض له حينئذ اسم عقل المعاد وتتوجّه كلاهما بالإتّفاق بل بالاتّحاد إلى شغلهما. (أيّها الولد) إنّ هذه المطمئنّة لا يبقى فيها إمكان المخالفة ومجال الطّغيان بل هي متوجّهة إلى المطلوب بكلّيّتها ومشغوفة بالمقصود بتماميّتها لا همّة لها غير تحصيل رضا ربّها ولا مطلوب لها سوي طاعته وعبادته تعالى سبحان الله. إنّ الامّارة الّتي كانت أوّلا شرّ جميع الخلائق صارت بعد الإطمئنان وحصول رضاء حضرة الرّحمن رئيس لطائف عالم الأمر ورأس كافّة الأقران نعم قد قال المخبر الصّادق عليه الصّلاة والسّلام «خياركم في الجاهليّة خياركم في الإسلام إذا فقهوا». فإن وقعت بعد ذلك صورة الخلاف والبغي فمنشؤها اختلاف طبائع العناصر الأربعة الّتي هى أجزاء القالب فإن كانت قوّة غضبيّة فناشئة من هناك وإن كانت شهويّة فهي أيضا ثائرة من هناك وان حرصا وشرها فقائمان من هناك وان خسّة ودناءة فمنبعثتان من هناك ألا ترى أنّ سائر الحيوانات ليست فيهنّ هذه النّفس الأمّارة.

Sección V01/P328–V01/P330

ومع ذلك فيهنّ هذه الأوصاف الرّذيلة بالوجه الأتمّ والأكمل فيمكن أن يكون المراد بالجهاد الأكبر حيث قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " الجهاد مع القالب لا الجهاد مع النّفس كما قيل لأنّ النّفس قد بلغت حدّ الإطمئنان وصارت راضية مرضيّة فلا تتصوّر منها صورة المخالفة والبغي حتّى يحتاج إلى الجهاد وصورة الخلاف والبغي من أجزاء القالب عبارة عن إرادة تلك الاولى وارتكاب الامور المرخّصة وترك العزيمة لا ارادة ارتكاب المحرّمات وترك الفرائض والواجبات فإنّ هذه الأشياء صارت في حقّها نصيب الأعداء. (أيّها الولد) إنّ كمالات العناصر الأربعة وإن كانت فوق كمالات المطمئنّة كما مرّ ولكن بواسطة مناسبتها لمقام الولاية وصيرورتها ملحقة بعالم الأمر صاحبة سكر وفي مقام الإستغراق فلا جرم لا يبقى فيها مجال المخالفة وحيث كانت مناسبة العناصر بمقام النّبوّة أزيد كان الصّحو غالبا فيها فبالضّرورة تبقى فيها صورة المخالفة لاجل تحصيل بعض المنافع والفوائد المربوطة بها فافهم. (ينبغي) أن يعلم أنّ منصب النّبوّة كان مختوما بخاتم الرّسل عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام ولكن لاتباعه صلّى الله عليه وسلّم نصيب كامل من كمالات ذلك المنصب بالتّبعيّة وهذه الكمالات كانت في طبقة الأصحاب أزيد منها في غيرها وسرت هذه الدّولة أيضا على سبيل القلّة إلى التّابعين وتبع التّابعين ثمّ شرعت بعدهم في الإختفاء والإستتار وانتشرت كمالات الولاية الظّلّيّة وغلبت وشاعت ولكنّ المرجوّ أن تتجدّد هذه الدّولة المستترة بعد مضيّ الألف ويحصل لها الغلبة والشّيوع وأن تظهر الكمالات الأصليّة وتستتر الظّلّيّة وأن يكون المهديّ عليه الرّضوان مروّج هذه النّسبة العليّة. أيّها الولد، إنّ التّابع الكامل للنّبيّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام إذا أتمّ كمالات مقام النّبوّة بالتّبعيّة فإن كان من أهل المناصب يشرّف بمنصب الإمامة وإذا أتمّ كمالات الولاية الكبرى فإن كان من أهل المنصب يشرّف بمنصب الخلافة والمناسب لمنصب الإمامة في مقام الكمالات الظّلّيّة منصب قطب الإرشاد والمناسب لمنصب الخلافة منصب قطب المدار وكأنّ هذين المقامين التّحتانيّين ظلّ ذينك المقامين الفوقانيّين والغوث عند الشّيخ محيي الدّين بن عربيّ قدّس سرّه هو عين قطب المدار وليست الغوثيّة عنده منصبا على حدة وما هو معتقد الفقير أنّ الغوث غير قطب المدار والقطب يستمدّ منه في بعض الامور وله دخل أيضا في نصب مناصب الأبدال ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. تذييل: إنّ العلوم والمعارف المناسبة لمقام النّبوّة وولايتها شرائع الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ولمّا كان في النّبوّة تفاوت أقدام الأنبياء ظهر الإختلاف أيضا في الشّرائع بمقدار ذلك التّفاوت والمعارف المناسبة لمقام ولاية الأولياء شطحيّات المشائخ والعلوم المخبرة عن التّوحيد والإتّحاد المنبئة عن الإحاطة والسّريان المورّثة لعلامة القرب والمعيّة المشعرة بالمرآتيّة والظّلّيّة المثبتة للشّهود والمشاهدة وبالجملة انّ معارف الأنبياء كتاب وسنّة ومعارف الأولياء فصوص وفتوحات مكّيّة. (ع) وقس من حال بستاني ربيعي ولاية الأولياء تطلب قرب الحقّ وولاية الأنبياء تبدي أقربيّته تعالى. ولاية الأولياء تدلّ على الشّهود وولاية الأنبياء تثبت النّسبة المجهولة الكيفيّة. ولاية الأولياء لا تعرف الأقربيّة أنّها ما هي ولا تدري الجهالة والحيرة أنّها أيّ شيء هي وولاية الأنبياء مع وجود الأقربيّة ترى القرب عين البعد وتعدّ الشّهود عين الغيب، (ع) يطول إذا ما قلت تفصيل شرحه أيّها الولد: قد أطنبت في بيان كمالات النّبوّة ومزيّتها على الولاية، والفرق بين الولايات الثّلاث أعني الصّغرى والكبرى والعليا وبيان المعارف المناسبة لكلّ منها والمحالّ المتعلّقة بكلّ منها وأدرجت في بيان هذا المعنى فقرات مكرّرة ومتكثّرة وأطلت في ذلك ذيل الكلام رجاء أن يخرج عن استبعاد الأفهام من كمال غرابته وأن يتخلّص من مظانّ الإنكار، وهذه العلوم كشفيّة ضروريّة لا استدلاليّة ونظريّة. وذكر بعض المقدّمات إنّما هو للتّنبيه والتّقريب إلى أفهام العوامّ بل للتّشريح والتّوضيح لأجل إدراك خواصّ الأنام. (هذا) هو الطّريق الّذي جعل الحقّ سبحانه وتعالى هذا الحقير ممتازا به من بدايته إلى نهاية أساسه.

Sección V01/P330–V01/P331

النّسبة النّقشبنديّة المتضمّنة لاندراج النّهاية في البداية قد بنيت على هذا الأساس عمارات وقصور فإن لم يكن هذا الأساس لما زادت المعاملة وما انتهت إلى هنا قد أتوا بالبذر الّذي أصله من تراب يثرب وبطحاء من بخارا وسمرقند وزرعوه في أرض الهند وسقوه بماء الفضل سنين وربّوه بتربية الإحسان فلمّا أدرك ذلك الزّرع وبلغ كماله أثمر هذه العلوم والمعارف. الحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربّنا بالحقّ. (وينبغي) أن يعلم أنّ سلوك هذا الطّريق العالي برابطة المحبّة للشّيخ المقتدى به الّذي سار في هذا الطّريق بالسّير المراديّ وانصبغ بقوّة الجذبة بهذه الكمالات وصاحب هذه الكمالات إمام الوقت وخليفة الزّمان نظره شفاء الأمراض القلبيّة وتوجّهه رافع العلل المعنويّة، الأقطاب والبدلاء فرحون بظلال مقاماته والأوتاد والنّجباء قانعون بقطرة من بحار كمالاته نور هدايته وإرشاده فائض على جميع الأشخاص كنور الشّمس بلا إرادته فكيف إذا أراد وإن لم تكن إرادته في اختياره فإنّه كثيرا ما يطلب الإرادة ولكن لا تحصل له تلك الإرادة ولا يلزم أن يعلم هذا المعنى ويطّلع عليه من يهتدون بنوره ويسترشدون بتوسّله بل ربّما لا يعلمون أصل هدايتهم ورشدهم أيضا كما ينبغي ومع ذلك يتحقّقون بكمالات الشّيخ المقتدى به ويهدون العالم فإنّ العلم بالأحوال لا يعطاه كلّ أحد ومعرفة تفصيل سير المقامات لا يمنحها جميع الأشخاص. نعم، إنّ الشّيخ الّذي نيط بوجوده الشّريف مدار بناء طريق مخصوص من طرق الوصول صاحب علم ألبتّة وصاحب شعور بتفاصيل السّير ويكتفي غيره بعلمه ويصلون بتوسّطه إلى مرتبة الكمال والتّكميل ويشرّفون بالفناء والبقاء، (شعر) ليس على الله بمستنكر . أن يجمع العالم في واحد إفادتنا واستفادتنا انعكاسيّة وانصباغيّة ينصبغ المريد بصبغ الشّيخ المقتدى به ساعة فساعة بواسطة محبّته له ويتنوّر بأنواره بطريق الإنعكاس فلأيّ شيء يحتاج في هذه الصّورة إلى العلم بالأحوال في الإفادة والإستفادة ألا ترى أن الخربزة تدرك بحرارة الشّمس ساعة فساعة وتبلغ مرتبة الكمال بمرور الأيّام فمن أين يلزم أن يكون لها علم بإدراكها ومن أين يلزم للشّمس أن تعلم بأنّها سبب إدراكها. نعم، إنّ العلم لاجل السّلوك والتّسليك الاختياريّ لازم ولكنّه مربوط بسلاسل أخر. وأمّا في طريقنا الّتي هي طريقة الأصحاب الكرام عليهم الرّضوان فالعلم بالسّلوك والتّسليك ليس بلازم أصلا وإن كان الشّيخ المقتدى به الّذي هو راعي هذه الطّريقة موصوفا بكمال العلم ومتحقّقا بوفور المعرفة فلا جرم يكون الأحياء والأموات والصّبيان والأشياخ والشّبّان والكهول متساوين في هذا الطّريق العالي في حقّ الوصول لأنّهم يصلون إلى منتهى المقاصد إمّا برابطة المحبّة أو بتوجّه صاحب دولة، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. (ولكن ينبغي) أن يعلم أنّ المنتهى وإن لم يكن صاحب علم ولكن لا بدّ له من ظهور الخوارق وربّما لا يكون له اختيار في ذلك الظّهور بل كثيرا ما لا يكون له علم بظهورها بل يرى النّاس منه الخوارق وليس له اطّلاع عليها. (وما قلت) إنّ المنتهى وإن لم يكن صاحب علم المراد بعدم العلم عدم علم بتفصيل الأحوال لا عدم العلم مطلقا بحيث لا يفهم أحواله أصلا كما مرّت الإشارة إليه، ونور هدايته المذكور يسري إلى مريديه بلا واسطة أو بواسطة أو بوسائط ما لم تلوّث طريقته المخصوصة بلوث التّغيّرات والتّبديلات ولم تخرّب بإلحاق المخترعات والمبتدعات بها (انّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم). والعجب من قوم يزعمون هذه التّبديلات تكميلات هذه الطّريقة ويتصوّرون تلك الإلحاقات تتميمات هذه النّسبة ولا يعلمون أنّ تكميل هذا الأمر وتتميمه ليس لكلّ قاصر وناقص. والإلحاق والإختراع ليس في حوصلة كلّ خالي الظّرف. (شعر) هزار نكته باريكتر ز مو اينجاست .

Sección V01/P331–V01/P332

نه هركه سر بتراشد قلندرى داند قد ستروا نور السّنّة السّنيّة بظلمات البدع وضيّعوا رونق الملّة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة بكدورات الامور المخترعة وأعجب من هذا ظنّ قوم هذه المحدثات أمورا مستحسنة وزعمهم تلك المبتدعات حسنات مستملحة فيطلبون بها تكميل الدّين وتتميم الملّة ويرغّبون في إتيان تلك الامور ترغيبا كثيرا هداهم الله سبحانه سواء الصّراط ألم يعلموا أنّ الدّين كان كاملا قبل هذه المحدثات وكانت النّعمة تامّة وكان رضاء الحقّ سبحانه حاصلا كما قال الله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) فطلب كمال الدّين من هذه المحدثات إنكار في الحقيقة على مقتضى هذه الآية الكريمة، (شعر): بثثت لديكم من همومي وخفت أن . تملّوا والّا فالكلام كثير. وقد أظهر العلماء المجتهدون أحكام الدّين لا إنّهم أحدثوا فيه ما ليس منه فلا تكون الأحكام الإجتهاديّة من الامور المحدثة بل من أصول الدّين لأنّ الأصل الرّابع هو القياس. (أيّها الولد) إنّي قد كنت كتبت المعرفة المتعلّقة بقطب الإرشاد في باب الإفادة والإستفادة من رسالة المبدأ والمعاد ولكن لمّا كانت لها مناسبة بهذا المقام ومفيدة فيه ناسب كتابتها في هذا المكتوب أيضا فليعتبر من هنا أنّ قطب الإرشاد الّذي يكون جامعا لكمالات الفرديّة أيضا عزيز الوجود جدّا يظهر مثل هذا الجوهر بعد قرون كثيرة وأزمنة متطاولة وينوّر العالم الظّلمانيّ بنور ظهوره ونور هدايته وإرشاده شامل لجميع العالم كلّ من يحصل له الرّشد والهداية والإيمان والمعرفة من محيط العرش إلى مركز الفرش إنّما يحصل من طريقه ويستفاد منه لا تتيسّر هذه الدّولة لأحد بدون توسّطه، نوره محيط لجميع العالم مثل البحر المحيط مثلا وهذا البحر كأنّه منجمد لا يتحرّك أصلا فالطّالب الّذي متوجّه إليه ومخلص له أو هو متوجّه إلى الطّالب كأنّه تفتح وقت التّوجّه روزنة إلى قلب الطّالب فيصير بهذا الطّريق ريّانا من ذلك البحر على قدر توجّهه وإخلاصه وكذلك من كان متوجّها إلى ذكر الله تعالى ومقبلا عليه ولم يكن متوجّها إلى ذلك القطب أصلا لا من جهة الإنكار عليه بل العدم معرفته به أصلا يحصل له مثل هذه الإفادة لكنّها في الصّورة الاولى أزيد منها في الصّورة الثّانية وأمّا من كان منكرا عليه أو هو متأذّ منه فهو وإن كان مشغولا بذكر الله تعالى وتقدّس ولكنّه محروم من حقيقة الرّشد والهداية وإنكاره هذا وأذيّته يصير سدّة في طريق فيضه وحقيقة الهداية مفقودة فيه من غير أن يتوجّه القطب العظيم الشّأن إلى عدم إفادته ومنع استفادته وقصد ضرره بل فيه صورة الرّشد فقط والصّورة الخالية عن المعنى قليلة النّفع والجدوى والّذين فيهم محبّة ذلك القطب وإخلاصه وإن خلوا عن التّوجّه المذكور وذكر الله تعالى يصل إليهم نور الهداية والرّشد بواسطة محبّتهم فقط ولتكن هذه المعرفة آخر المكتوب. (شعر) أكتفي إذ ذاك يكفي الأذكيا . صحت مرّات لمن أصغى النّدا الحمد لله ربّ العالمين الرّحمن الرّحيم أوّلا وآخرا والصّلاة والسّلام على رسوله محمّد وآله وصحبه دائما وسرمدا.

Sección V01/P332–V01/P333

المكتوب الحادي والسّتّون والمائتان إلى المير نعمان في بيان فضائل الصّلاة والكمالات المخصوصة بها في ضمن معارف عالية وحقائق سامية بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدّعوات ليكن معلوم الأخ الأعزّ أرشده الله سبحانه أنّ الصّلاة ركن ثان من الأركان الخمسة للإسلام وجامعة العبادات وهي وإن كانت جزئيّة ولكن حصلت لها حكم الكلّيّة من الجامعيّة وصارت فوق جميع مقرّبات الأعمال ودولة الرّؤية الّتي كانت ميسّرة لسيّد العالمين عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام ليلة المعراج في الجنّة كانت ميسّرة له بعد النّزول إلى الدّنيا في الصّلاة مناسبة لهذه النّشأة ولهذا قال عليه الصّلاة والسّلام «الصّلاة معراج المؤمن " وقال أيضا " أقرب ما يكون العبد من الرّبّ في الصّلاة " ولكمّل اتباعه عليه الصّلاة والسّلام في هذه النّشأة حظّ وافر من تلك الدّولة في الصّلاة وإن لم تكن رؤية فإنّ هذه النّشأة لا تطيقها فإن لم يأمر الله سبحانه بالصّلاة فمن كان يكشف النّقاب عن وجه المقصود ومن كان يدلّ الطّالب نحو المطلوب مورّث اللّذّة للمغمومين هو الصّلاة وموجب الرّاحة للمرضى يعني من الم البعد والفراق هو الصّلاة " أرحني يا بلال " اشارة إلى هذا المعنى وقرّة عيني في الصّلاة رمز من هذا المتمنّى وما تيسّر من الأذواق والمواجيد والعلوم والمعارف والأحوال والمقامات والأنوار والألوان والتّلوينات والتّمكينات والتّجلّيات المتكيّفة وغير المتكيّفة والظّهورات المتلوّنة وغير المتلوّنة في خارج الصّلاة ومن غير شعور بحقيقة الصّلاة منشؤها كلّها ظلال وأمثال بل ناشئة عن الوهم والخيال والمصلّي الّذي له شعور بحقيقة الصّلاة كأنّه يخرج من هذه النّشأة الدّنيا وقت أداء الصّلاة ويدخل في النّشأة الاخرى فلا جرم ينال في هذا الوقت نصيبا وافرا من دولة مخصوصة بالآخرة ويحصّل حظّا من الأصل بلا شائبة الظّلّيّة لأنّ النّشأة الدّنيا مقصورة على الكمالات الظّلّيّة والمعاملة الخارجة الخالية عن الظّلّيّة مخصوصة بالآخرة فلا بدّ على هذا من المعراج وهو الصّلاة في حقّ المؤمنين وهذه الدّولة مخصوصة بهذه الامّة فإنّهم إنّما شرّفوا بهذه الدّولة واستسعدوا بهذه السّعادة تبعا لنبيّهم عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. وقد تشرّف هو بدولة الرّؤية حيث خرج من الدّنيا إلى الآخرة ودخل الجنّة ليلة المعراج اللهمّ اجزه عنّا ما هو أهله واجزه عنّا أفضل ما جازيت نبيّا عن أمّته واجز الأنبياء كلّهم خيرا فإنّهم دعاة الخلق إلى الحقّ سبحانه وهداتهم إلى لقاء الله. والّذين لم يطّلعوا على حقيقة الصّلاة من هذه الطّائفة ولم يقفوا على الكمالات المخصوصة بها صاروا يطلبون معالجة أمراضهم من أمور أخر ويلتمسون حصول مراداتهم من أشياء شتّى بل زعمت طائفة منهم الصّلاة بعيدة عن الحال وجعلوا مبناها على المغايرة والمباينة وغير ذلك من المحالّ وزعموا أنّ. الصّوم أفضل من الصّلاة قال صاحب الفتوحات المكّيّة: إنّ في الصّوم الّذي هو ترك الأكل والشّرب تحقّقا بصفة الصّمدانيّة وفي الصّلاة خروج إلى المغايرة والمباينة وإشعار بالعابديّة والمعبوديّة وهو كما ترى مبنيّ على مسألة التّوحيد الوجوديّ الّذي هو من أحوال السّكارى ومن عدم الشّعور بحقيقة الصّلاة وفقد الخبر عنه صار الجمّ الغفير من هذه الطّائفة يطلبون تسكين اضطرابهم من السّماع والنّغمات والوجد والتّواجد وطفقوا يطالعون مطلوبهم من وراء حجب النّغمات فلا جرم جعلوا الرّقص والحركة ديدنهم مع أنّهم سمعوا حديث «وما جعل الله شفاءكم فيما حرّم عليكم " نعم: الغريق يتعلّق بكلّ حشيش وحبّ الشّيء يعمي ويصمّ فلو انكشفت لهم نبذة من حقيقة الصّلاة ووصلت إلى مشامّ أذواقهم شمّة منها لما مالوا إلى السّماع والنّغمة أصلا ولما ركنوا إلى الوجد والتّواجد قطعا، (شعر): وإذا لم يهتدوا نهج ال . حقائق قارفوا هزوا (أيّها الأخ) بقدر ما يكون من الفرق بين الصّلاة والنّغمات تتفاوت الكمالات الّتي منشؤها الصّلاة والكمالات الّتي منشؤها النّغمات العاقل تكفيه الإشارة وهذا كمال وجد بعد ألف سنة.

Sección V01/P333–V01/P335

(وآخريّة) ظهرت على صفة الأوّلين ولونهم ولعلّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لذلك قال لا يدري أوّلهم خير أم آخرهم ولم يقل أم أوسطهم حيث رأى المناسبة بين الآخر والأوّل أزيد منها بين الأوسط والأوّل فصار ذلك محلّ تردّد وقال عليه الصّلاة والسّلام في حديث آخر " أفضل أمّتي اوّلهم وآخرهم وبينهما كدر " نعم إنّ متأخّري هذه الامّة وإن كان فيهم علوّ النّسبة ولكنّ أصحابها قليلون بل أقلّ، وفي المتوسّطين وإن لم تكن النّسبة بهذا العلوّ لكنّ أصحابها كثيرون بل أكثر ولكلّ وجهة كمّيّة وكيفيّة ولكن أقلّيّة هذه النّسبة بلّغت المتأخّرين إلى الدّرجات العلى وأورثتهم المناسبة بالسّابقين وجعلتهم المبشّرين قال صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم " الإسلام بدأ غريبا وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء» الحديث وشروع آخريّة هذه الامّة من بداية الألف الثّاني من ارتحال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فإنّ لمضيّ الألف خاصّيّة عظيمة في تغيّر الامور وتأثير في تبدّل الأشياء ولمّا لم يكن في ملّة هذه الامّة وسيرتها نسخ وتبديل ظهرت نسبة السّابقين بطراوتها القديمة ونضارتها السّابقة في المتأخّرين بالضّرورة وحصل تأييد الشّريعة وتجديد الملّة في الألف الثّاني والشّاهد العدل لصدق هذه الدّعوة عيسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام والمهديّ عليه الرّضوان يعني وجودهما في هذا الألف. (شعر) لو جاء من فيض روح القدس من مدد . لغير عيسى ليصنع مثل ما صنعا. (أيّها الأخ) إنّ هذا الكلام وإن كان اليوم ثقيلا على أكثر الخلائق وبعيدا عن أفهامهم ولكنّهم إذا أنصفوا وقاسوا المعارف بعضها ببعض ولا حظوا صحّة الأقوال وسقمها بمطابقتها العلوم الشّرعيّة وعدم مطابقتها إيّاها ورأوا أنّ تعظيم الشّريعة النّبويّة وتوقيرها في أيّتها أكثر لعلّهم يتخلّصون عن ورطة الإستبعاد الا يرون أنّ الفقير قد كتب في كتبه ورسائله أنّ الطّريقة والحقيقة خادمتان للشّريعة وأنّ النّبوّة أفضل من الولاية ولو كانت ولاية نبيّ. وكتب أيضا أنّه لا مقدار لكمالات الولاية في جنب كمالات النّبوّة أصلا وليت لها حكم القطرة بالنّسبة إلى البحر المحيط. وكتب أمثال ذلك كثيرا خصوصا في مكتوب كتب باسم ولدي في بيان الطّريقة فليلا حظوا هناك والمقصود من هذا القيل والقال إظهار نعمة الحقّ سبحانه وترغيب طلّاب هذه الطّريقة لا تفضيل نفسي على الآخرين. ومعرفة الله سبحانه حرام على من يرى نفسه أفضل من كفّار الإفرنج فكيف من اكابر الدّين (شعر) خليلي سيّدي أعلي مقامي . ففقت به نجوما والهلالا كأنّي بقعة فيها سحاب ال . رّبيع ممطر ماء زلالا فلو لي ألّف ألسنة واثني . بها ما ازددت الّا الإنفعالا فإن ظهر فيكم بعد مطالعة هذا المكتوب شوق تعلّم أسرار الصّلاة وتحصيل بعض كمالاتها المخصوصة وجعلكم هذا الشّوق مضطربا تتوجّه نحو هذه الحدود بعد الإستخارات وتصرف شطرا من العمر في تعلّم الصّلاة يعني أسرارها والله سبحانه الهادى إلى سبيل الرّشاد. والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. المكتوب الثّاني والسّتّون والمائتان إلى مولانا محب علي في بيان أنّ ارتباط النّقشبنديّة حبّيّة ونسبتهم انعكاسيّة وما يناسبه الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى حصل الإبتهاج بورود الصّحيفة الشّريفة المرقومة على وجه الإلتفات وحيث كانت منبئة عن فرط المحبّة وكمال الإختصاص أورثت ازدياد الفرح والسّرور وقد اندرج فيها الكلام عن العهد السّابق (أيّها المخدوم) إنّك على أيّ وضع كنت من الأوضاع الشّرعيّة ليس بمحلّ للمضايقة ولا مستحقّا به للمعاتبة بشرط أن لا ينقطع حبل المحبّة بل يتقوّى يوما فيوما وبشرط أن لا تبرد نائرة الإشتياق بل تزايد ساعة فساعة فإنّ ارتباطنا حبّيّ ونسبتنا انعكاسيّة وانصباغيّة لا تتفاوت بالقرب والبعد الّا بحسب السّرعة والبطء والعلم ببعض خصوصيّات الطّريق وعدم العلم به وتطلب تحقيق هذا المعنى من خاتمة مكتوب حرّرته باسم ولدي الأرشد في بيان الطّريق وقد جاء أصحاب أخينا المير محمّد نعمان بنقل ذلك المكتوب فتطلبه من هناك وماذا اطنب زيادة على ذلك والسّلام.

Sección V01/P335–V01/P337

المكتوب الثّالث والسّتّون والمائتان إلى جناب صاحب المعارف الشّيخ تاج الدّين في بيان معارف تتعلّق بالكعبة الرّبّانيّة وبيان الفضائل الصّلاتيّة وما يناسب ذلك الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى وقد أورث خبر القدوم الّذي هو للمسرّة ملزوم فرحا وافرا للمشتاقين لله سبحانه الحمد والمنّة على ذلك، (شعر) أنصف أيا فلك زاه مصابيحه . وأيّ هذين قد عمّت تفاريحه شمس بها عالم تمّت مصالحه . أم بدريّ الباد من شام لوائحه وحيث التزمت القدوم فعليك أن تشرّف بالسّرعة فإنّ المشتاقين تحت ثقل الإنتظار يتمنّون سمع أخبار بيت الله وعند الفقير كما أنّ صورة الكعبة الرّبّانيّة مسجود إليها لصور الخلائق بشرا كانوا أو ملكا كذلك حقيقتها مسجود إليها لحقائق تلك الصّور فلا جرم كانت تلك الحقيقة فوق جميع الحقائق والكمالات المتعلّقة بها صارت فوق الكمالات المتعلّقة بسائر الحقائق وكأنّ هذه الحقيقة برزخ بين الحقائق الكونيّة والحقائق الإلهيّة والمراد بالحقائق الإلهيّة سرادقات العظمة والكبرياء الّتي لم يصل إلى ذيل قدسها لون ولا كيف ولم يتطرّق إليها ظلّيّة أصلا ونهاية العروجات الدّنيويّة وظهوراتها إلى منتهى الحقائق الكونيّة والنّصيب من الحقائق الإلهيّة مخصوص بالآخرة لا حظّ منها في الدّنيا الّا في الصّلاة الّتي هي معراج المؤمن وكأنّ في هذا المعراج خروجا من الدّنيا إلى الآخرة ويتيسّر فيه حظّ ما يتيسّر في الآخرة وأظنّ أنّ حصول هذه الدّولة في الصّلاة لتوجّه المصلّي فيها إلى جهة الكعبة الّتي هي موطن ظهورات الحقائق الإلهيّة فالكعبة أعجوبة في الدّنيا فإنّها بصورتها من الدّنيا وبالحقيقة من الآخرة وأخذت هذه النّسبة الصّلاة أيضا بتوسّطها وصارت بصورتها وحقيقتها جامعة للدّنيا والآخرة وقد بلغ مرتبة التّحقيق أنّ الحالة المتيسّرة في أداء الصّلاة فوق جميع الكمالات الحاصلة في خارج الصّلاة لأنّ تلك الحالة ليست بخارجة من دائرة الظّلّ وإن حصل لها العلوّ بخلاف هذه الحالة فإنّ لها نصيبا من الأصل وبقدر الفرق بين الأصل والظّلّ يكون الفرق بين تلك الحالة وهذه الحالة ويشاهد انّ الحالة الّتي تحصل عند الموت بعناية الله تعالى تكون فوق حالة الصّلاة فإنّ الموت من مقدّمات أحوال الآخرة وكلّما هو أقرب إلى الآخرة أتمّ وأكمل لأنّ هنا ظهور الصّورة وهناك ظهور الحقيقة شتّان ما بينهما. وكذلك الحالة الّتي تتيسّر بكرم الله جلّ سلطانه في البرزخ الصّغير تكون فوق الحالة الحاصلة وقت الموت وعلى هذا القياس الحالة المتيسّرة في البرزخ الكبير الّذي هو عرصات القيامة بالنّسبة إلى حالة البرزخ الصّغير فإنّ المشهود هناك أتمّ وأكمل ولمشهود جنّات النّعيم أتمّيّته وأكمليّته بالنّسبة إلى مشهود البرزخ الكبير وفوق جميع تلك المذكورات موطن اخبر عنه المخبر الصّادق عليه الصّلاة والسّلام حيث قال: «إنّ لله جنّة ليس فيها حور ولا قصور يتجلّى فيها ربّنا ضاحكا " فأدنى جميع مواطن الظّهورات دنيا وما فيها وأعلى جميعها تلك الجنّة المذكورة بل الدّنيا ليست من مواطن الظّهور أصلا. وظهورات الظّلال ومرآتيّة المثال الّتي هي مخصوصة بالدّنيا معدودة عند الفقير من الامور الدّنيويّة وداخلة في الحقيقة في دائرة الإمكان سواء قيل لتلك الظّهورات تجلّيات الأسماء أو تجلّيات الصّفات أو تجلّيات الذّات تعالى الله عمّا يقولون علوّا كبيرا وأنأ الفقير متى ألاحظ الدّنيا بالتّمام أجدها خالية محضة ولا يصل منها إلى مشامّي رائحة المطلوب غاية ما في الباب أنّها مزرعة الآخرة فطلب المطلوب فيها إتعاب النّفس وإهلاكها على العبث أو زعم غير المطلوب مطلوبا والأكثرون مبتلون بذلك ومطمئنّون بالمنام والخيال والّذي فيه شيء من الأصل وما يعطى رائحة من المطلوب في هذا الموطن الصّلاة ودونها خرط القتاد.

Sección V01/P337–V01/P338

المكتوب الرّابع والسّتّون والمائتان إلى السّيّد باقر السّهارنفوريّ في بيان لزوم جرّ المعاملة نحو الحيرة والجهالة وعدم الإعتماد على الأحوال والكشوف وذكر واقعة بعض مشائخ النّواحي الّتي كان حكاها له وتعبيرها في ضمن ذلك الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى قد أورثت الصّحيفة الشّريفة الصّادرة عن فرط المحبّة وكمال الإشتياق فرحا وافرا وعليكم بالتّوجّه والإقبال على الأمر الّذي يقتضيه الحال والإشتغال بذكر اسم الذّات من غير ملاحظة الأسماء والصّفات حتّى تنجرّ المعاملة إلى الجهالة وينتهي الأمر إلى الحيرة فإنّ ملاحظة الأسماء والصّفات كثيرا ما تكون باعثة على ظهور الأحوال وواسطة للوجد والتّواجد ولعلّك سمعت أنّ احتمال الخطأ في الأحوال والمواجيد كثير واشتباه الحقّ بالباطل في ذلك الموطن وافر وقد أرسل واحد من مشائخ النّواحي قاصدا إلى هذا الفقير في هذه الأيّام مظهرا أحواله وقال: قد بلغ الفناء والإضمحلال مرتبة كلّ شيء نظرت إليه لا أجده أنظر إلى السّماء والأرض فلا أجدهما ولا أجد العرش ولا الكرسيّ وألا حظني فلا أجد أصلا وأذهب عند شخص فلا أجده والله سبحانه لا نهاية له وما وجد أحد نهايته وقد اعتقد المشائخ هذا الحال كمالا فإن كنت أنت أيضا تعتقد كذلك فلأيّ شيء أجيء عندك لطلب الحقّ جلّ وعلا وإن كنت تعرف أمرا كمالا غيره فاكتب لي كتابا فكتبت في جوابه أنّ هذه الأحوال من تلوينات القلب والقلب أوّل درجة من درجات هذا الطّريق وصاحب هذه الأحوال طوى ربعا واحدا من أحوال القلب وينبغي له أن يطوي ثلاثة أرباعه الباقية وبعد ذلك ينبغي أن يعرج إلى الدّرجة الثّانية الّتي هي عبارة عن الرّوح ثمّ إلى ما شاء الله وبعد مدّة من هذه الكتابة قدم واحد من اصحاب الفقير وكان متوجّها إلى وطنه بعد أخذ الطّريقة ولمّا بيّن أحواله صار معلوما لي أنّ حاله موافق لحال ذلك الشّيخ المستفسر بل هو أسبق قدما منه ولمّا نظرت إلى حاله وأمعنت النّظر ظهر لي أنّ فناءه واضمحلاله في عنصر الهواء الّذي هو محيط لجميع ذرّة من الذّرّات وليس المشهود غير الهواء وقد زعمه إلها لا نهاية له تعالى الله سبحانه عن ذلك علوّا كبيرا ولمّا فتّشت عن أحواله مرّة ثانية أيقنت أنّ ابتلاءه ليس أمرا آخر غير الهواء فأطلعته أيضا على هذا المعنى ولمّا رجع هو إلى وجدانه علم أنّ حاصله ليس غير الهواء فاستغفر من هذه الأحوال ورفع قدمه فوق هذا الحال. (اعلم) أنّ القلب برزخ بين عالم الخلق الّذي هو عالم العناصر الأربعة وبين عالم الأرواح وفيه وصف ولون من كلا العالمين فكان نصف القلب من عالم الخلق ونصفه الآخر من عالم الأرواح فإذا نصّفنا نصفه النّاظر إلى عالم الخلق تقع المعاملة على عنصر الهواء فيكون ربع القلب عبارة عن مقام الهواء الّذي تضمّنه القلب فما ظهر ثانيا موافق للجواب الأوّل وبيان لكشف حقيقته. الحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله، لقد جاءت رسل ربّنا بالحقّ ولم يسع الوقت زيادة على ذلك والسّلام عليكم وعلى من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها.

Sección V01/P338–V01/P339

المكتوب الخامس والسّتّون والمائتان إلى الشّيخ عبد الهادي في التّحذير عن تضييع حقوق المسلمين بالعزلة وبيان الحقوق اللّازمة رعايتها وما يناسب ذلك بعد الحمد والصّلاة وتبليغ الدّعوات أنهي أنّ مكتوب الأخ الأرشد قد وصل فأورث فرحا وافرا لله سبحانه الحمد والمنّة على ما لم يؤثّر تمادي أيّام المفارقة في المحبّة والإخلاص والمودّة والإختصاص ومع ذلك لو أتى بنفسه لكان أنسب, الخير فيما صنعه الله سبحانه وقد تمنّى العزلة نعم إنّ العزلة منية الصّدّيقين ولك الخيار في العزلة والإنزواء ونرجو أن تكون مباركة ولكن ينبغي أن لا تضيع مراعات حقوق المسلمين قال النّبيّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام " حقّ المسلم على المسلم خمس ردّ السّلام وعيادة المريض واتّباع الجنائز وإجابة الدّعوة وتشميت العاطس " ولكن في إجابة الدّعوة شرائط في الإحياء ويمتنع من الإجابة إن كان الطّعام طعام شبهة وفي الموضع منكر من فرش ديباج وأواني فضّة وتماثيل على سقف أو سماع شيء من المزامير والملاهي أو التّشاغل بنوع من اللهو واللّعب وكلّ ذلك ممّا يمنع الإجابة ويوجب تحريمها وكراهتها وكذلك إن كان الدّاعي ظالما أو مبتدعا أو فاسقا أو شريرا أو متكلّفا طالبا للمباهاة والفخر وفي شرعة الإسلام ولا يجيب إلى طعام صنع رياء وسمعة في المحيط لا ينبغي أن يقعد على مائدة إذا كان عليها لعب وغناء أو قوم يغتابون أو يشربون الخمر كذا في مطالب المؤمنين فإن كانت هذه الموانع كلّها مفقودة لا بدّ حينئذ من الإجابة وإن كان فقدان هذه الموانع عسيرا في هذا الزّمان. (وأيضا) ينبغي أن يعلم أنّ العزلة إنّما تكون من الأغيار لا من الأحباب فإنّ الصّحبة مع محارم الأسرار سنّة مؤكّدة في هذه الطّريقة العليّة قال الخواجه النّقشبند قدّس سرّه: طريقنا طريق الصّحبة فإنّ في الخلوة شهرة وفي الشّهرة آفة والمراد بالصّحبة صحبة أهل الطّريق لا صحبة المنكرين والمخالفين لأنّهم اشترطوا نفي كلّ من المصاحبين نفسه وفناءه في الآخر وهذا لا يتيسّر بدون الموافقة. وعيادة المريض سنّة إن كان للمريض متعهّد وممرّض والّا فهى واجبة كما ذكر في حاشية المشكاة وينبغي أن يحضر صلاة الجنازة وأن يشيّع الجنازة ولو خطوات ليؤدّي حقّ الميّت. وحضور الجمع والجماعات في الأوقات الخمسة وصلاة العيدين من ضروريّات الإسلام لا بدّ منها ثمّ يصرف بقيّة الأوقات إلى ذكر المولى بالتّبتّل والانقطاع ولكن ينبغي أن يصحّح النّيّة أوّلا وأن لا يلوّث العزلة بلوث غرض من الأغراض العاجلة أصلا وأن لا يكون مقصد غير تحصيل جمعيّة الباطن بذكر الله جلّ سلطانه والإعراض عن الإشتغال بما لا طائل فيه وجميع الملاهي قطعا. وينبغي أن يحتاط في تصحيح النّيّة غاية الإحتياط لئلّا يختفي ويتكمّن في ضمنها غرض نفسانيّ وأن يلتجئ ويتضرّع إلى الله تعالى في هذا التّصحيح كثيرا وأن يكون في مقام العجز والإنكسار فحينئذ يحتمل أن تتحقّق حقيقة النّيّة والحاصل ينبغي أن يختار العزلة بنيّة صادقة صحيحة بعد تكرار الإستخارة سبع مرّات فيرجى حينئذ أن تترتّب عليه ثمرات عظيمة وبقيّة الأحوال أخّرنا خبرها إلى وقت الملاقاة والسّلام.

Sección V01/P339–V01/P340

المكتوب السّادس والسّتّون والمائتان إلى المخدومين المكرّمين أعني ابني شيخه الخواجه عبد الله والخواجه عبيد الله في بيان بعض المسائل الكلاميّة على وفق آراء اهل السّنّة والجماعة وقد ظهرت له على طريق الكشف والإلهام لا على وجه الظّنون والأوهام والرّدّ على الفلاسفة وأتباعهم المتفلسفة وعلى الزّنادقة والملاحدة المتشبّهين بالصّوفيّة وبيان بعض المسائل المتعلّقة بالصّلاة ومدح الطّريقة النّقشبنديّة والمنع من سماع الغناء وحضور مجلس الرّقص وما يناسب ذلك بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدّعوات ليعلم المخاديم الكرام أنّ هذا الفقير مستغرق من القدم إلى الرّأس في إحسان والدكم الماجد حيث تعلّمت درس ألف با في هذا الطّريق منه وأخذت عنه سائر تهجّي حروف هذا الطّريق وحصلت ببركة صحبته دولة اندراج النّهاية في البداية وبصدق خدمته وجدت السّفر في الوطن وتوجّهه الشّريف بلّغ هذا الفقير عديم القابليّة إلى النّسبة النّقشبنديّة في مدّة شهرين ونصف ومنحه الحضور الخاصّ بهؤلاء الأكابر وكيف أشرح أم كيف أبيّن تفصيل ما حصل في هذه المدّة القليلة من التّجلّيات والظّهورات والأنوار والألوان واللّالونيّة واللّاكيفيّة بتطفّله ولم يبق بتوجّهه الشّريف دقيقة من دقائق معارف التّوحيد والاتّحاد والقرب والإحاطة والسّريان غير منكشفة لهذا الفقير وغير مطّلع هو عليها وماذا يكون شهود الوحدة في الكثرة ومشاهدة الكثرة في الوحدة فإنّهما من مقدّمات هذه المعارف ومباديها وإجراء اسم هذه المعارف على اللّسان في جنب نسبة النّقشبنديّة والحضور الخاصّ بهؤلاء الأكابر وبيان علامة هذا الشّهود والمشاهدة كلّ ذلك من قصور النّظر. ومعاملة هؤلاء الأكابر عالية جدّا لا نسبة لها بكلّ زرّاق ورقّاص فإذا نلت مثل هذه الدّولة العظمى من حضرة شيخنا لا يمكن لي أداء حقّ شيء منها ولو مسحت رأسي مدّة عمري على أقدام خدّام عتبتكم العليّة فماذا أعرض عليكم من تقصيراتي وماذا أظهر لكم من انفعالاتي ولكن جزى الله سبحانه عنّا الخواجه حسام الدّين أحمد خير الجزاء حيث كفانا المؤنة وشدّ نطاق الهمّة في خدمة خدّام العتبة العليّة وخلّص أمثالنا القاصرين من ذلك، شعر: فلو أنّ لي في كلّ منبت شعرة . لسانا يبثّ الشّكر كنت مقصّرا وقد تشرّفت بتقبيل عتبة شيخنا ثلاث مرّات وقال للفقير في المرّة الأخيرة: إنّه قد غلب الضّعف على بدني ورجاء الحياة قليل ينبغي لك الاستخبار عن أحوال الأطفال وأمر بإحضاركم لديه وكنتم وقتئذ في حجور المرضعات وأمر الفقير بالتّوجّه إليكم فتوجّهت إليكم في حضوره امتثالا لأمره حتّى ظهر أثر ذلك التّوجّه في الظّاهر ثمّ قال: توجّه إلى والداتهم أيضا بالتّوجّه الغائبيّ فتوجّهت إليهنّ أيضا حسب الأمر والمرجوّ أن يكون ذلك التّوجّه مثمرا للنّتائج ببركة حضوره الشّريف ولا تحسبنّ أنّه قد وقع الذّهول عن أمره الواجب الإمتثال أو طرأ التّغافل عن وصيّته اللّازمة الإجراء على كلّ حال كلّا بل انتظر الإشارة والإذن. وأردت الآن أن أكتب فقرات بطريق النّصيحة ينبغي استماعها بسمع العقل. (أسعدكم الله) سبحانه انّ أوّل ما افترض على العقلاء تصحيح العقائد بموجب آراء أهل السّنّة والجماعة شكر الله تعالى سعيهم فإنّهم هم الفرقة النّاجية ولنبيّن بعض المسائل الإعتقاديّة الّتي فيها نوع خفاء.

Sección V01/P340–V01/P341

(يجب أن يعلم) أنّ الله تعالى موجود بذاته المقدّسة والأشياء كلّها موجودة بإيجاده تعالى وأنّه تعالى واحد في ذاته وصفاته وأفعاله لا شركة لأحد معه تعالى في أمر من الأمور أصلا لا في الوجود ولا في غيره والمناسبة الإسميّة والمشاركة اللّفظيّة خارجة عن المبحث وصفاته وأفعاله تعالى منزّهة عن المثل والكيف كذاته تعالى لا مناسبة بينها وبين صفات الممكنات وأفعالها فإنّ صفة العلم مثلا له تعالى صفة قديمة بسيطة حقيقيّة لم يتطرّق إليها تعدّد وتكثّر أصلا ولو باعتبار تعدّد التّعلّقات لأنّ هناك انكشاف واحد بسيط انكشفت به المعلومات الأزليّة والأبديّة وعلم به جميع الأشياء بأحوالها المتناسبة والمتضادّة وكلّيّاتها وجزئيّاتها مع الأوقات المخصوصة بكلّ واحد منها في آن واحد بسيط على وجه يعلم زيدا مثلا في ذلك الآن موجودا ومعدوما وجنينا وصبيّا وشابّا وشيخا وحيّا وميّتا وقائما وقاعدا ومستندا ومضطجعا وضاحكا وباكيا ومتلذّذا ومتألّما وعزيزا وذليلا وفي البرزخ وفي الحشر وفي الجنّة وفي التّلذّذات فيكون تعدّد التّعلّق أيضا مفقودا في ذلك الموطن فإنّ تعدّد التّعلّقات يستدعي تعدّد الآنات وتكثّر الأزمنة وليس ثمّة الّا آن واحد بسيط من الأزل إلى الأبد لا تعدّد فيه أصلا إذ لا يجري عليه تعالى زمان ولا تقدّم ولا تأخّر فإذا أثبتنا لعلمه تعالى تعلّقا بالمعلومات يكون ذلك تعلّق واحد ويصير به متعلّقا بجميع المعلومات وذلك التّعلّق أيضا مجهول الكيفيّة ومنزّه عن المثال والكيف كصفة العلم. (ولندفع) استبعاد هذا التّصوير بضرب مثل (وأقول) إنّه يجوز أن يعلم شخص الكلمة مع أقسامها المتباينة وأحوالها المتغايرة واعتباراتها المتضادّة في وقت واحد فيعلم الكلمة في ذلك الوقت اسما وفعلا وحرفا وثلاثيّا ورباعيّا ومعربا ومبنيّا ومتمكّنا وغير متمكّن ومنصرفا وغير منصرف ومعرفة ونكرة وماضيا ومستقبلا وأمرا ونهيا بل يجوز أن يقول ذلك الشّخص إنّي أرى هذه الأقسام والإعتبارات في مراتب الكلمة في وقت واحد بالتّفصيل فإذا كان جمع الأضداد متصوّرا في علم الممكن كيف يكون مستبعدا في علم الواجب ولله المثل الأعلى. (ينبغي) أن يعلم: أنّ هنا وإن كان جمع الضّدّين صورة ولكنّ الضّدّيّة مفقودة بينها في الحقيقة فإنّه تعالى وإن علم زيدا موجودا ومعدوما في آن واحد ولكنّه تعالى علم في ذلك الآن أنّ وقت وجوده مثلا بعد ألف سنة من الهجرة ووقت عدمه السّابق قبل تلك السّنة المعيّنة ووقت عدمه اللّاحق بعد ألف ومائة سنة فلا تضادّ بينهما في الحقيقة لتغاير الزّمان وعلى هذا القياس سائر الأحوال فافهم. (فاتّضح) من هذا التّحقيق أنّ علمه تعالى لا يتطرّق إليه شائبة التّغيّر بتعلّقه بالجزئيّات المتغيّرة ولا تتوهّم مظنّة الحدوث فيه كما زعمت الفلاسفة فإنّ التّغيّر إنّما يتصوّر على تقدير تعلّق علمه تعالى بواحد بعد الآخر وأمّا إذا تعلّق علمه تعالى بالكلّ في آن واحد فلا يتصوّر فيه التّغيّر والحدوث فلا حاجة حينئذ إلى إثبات تعلّقات متعدّدة له حتّى يكون التّغيّر والحدوث راجعا إلى تلك التّعلّقات لا إلى صفة العلم كما فعله بعض المتكلّمين لدفع شبهة الفلاسفة نعم إذا أثبتنا تعدّد التّعلّقات في جانب المعلومات فله مساغ وكذلك كلامه تعالى واحد بسيط وهو تعالى متكلّم بهذا الكلام الواحد من الأزل إلى الأبد فإن أمرا فناش من هناك وإن نهيا فناش أيضا من هناك وإن إعلاما فمأخوذ أيضا من هناك وإن استعلاما فمن هناك وإن تمنّيا فمستفادا من هناك وإن ترجّيا فمن هناك أيضا وجميع الكتب المنزّلة والصّحف المرسلة ورقة من ذلك الكلام البسيط فإن توراة فهي منتسخة منه وإن إنجيلا فمن هناك أخذ صورة الألفاظ وإن زبورا فمن هناك مسطور وإن قرآنا فمنزّل من هناك شعر: لكلام مولانا الإله واحد .

Sección V01/P341–V01/P343

حقّا ولكنّ في النّزول تعدّدا وكذلك فعله تعالى واحد وجميع المصنوعات موجودة بهذا الفعل الواحد وقوله تعالى (وما أَمْرُنا إِلّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) إشارة إلى هذا المعنى والإحياء والإماتة مربوطان بهذا الفعل والإيلام والإنعام منوطان أيضا بهذا الفعل وكذلك الإيجاد والإعدام ناشئان من هذا الفعل فلا يثبت تعدّد التّعلّقات في فعله تعالى أيضا بل المخلوقات الماضية والآتية موجودة في أوقاتها المخصوصة بوجودها بتعلّق واحد وهذا التّعلّق أيضا مجهول الكيفيّة ومعدوم المثليّة كنفس فعله تعالى فإنّه لا سبيل إلى المنزّه عن الكيف للمكيّف بالكيفيّة لا يحمل عطاياه الّا مطاياه ولمّا لم يطّلع الأشعريّ على حقيقة فعل الحقّ جلّ سلطانه قال بحدوث التّكوين وحدوث أفعاله تعالى ولم يدر أنّ هذه الحادثات آثار فعله تعالى الأزليّ لا نفس أفعاله. ومن هذا القبيل ما أثبته بعض الصّوفيّة من تجلّي الأفعال حيث لم ير في ذلك الموطن في مرآة أفعال الممكنات غير فعل الفاعل الحقيقيّ جلّ سلطانه وذلك التّجلّي في الحقيقة تجلّي آثار فعل الحقّ سبحانه لا تجلّي فعله تعالى الّذي هو منزّه عن المثال والكيف وقديم وقائم بذاته تعالى ويقال له التّكوين لا تسعه مرايا المحدثات ولا ظهور له في مظاهر الممكنات شعر: در تنكناى صورت معنى ? كونه كنجد . در كلبهء كدايان سلطان ? ه كار دارد وتجلّي الأفعال والصّفات بدون تجلّي الذّات غير متصوّر عند الفقير فإنّه لا انفكاك للأفعال والصّفات عن حضرة الذّات أصلا حتّى يتصوّر تجلّيها بدون تجلّي الذّات وما هو منفكّ عن الذّات تعالت وتقدّست ظلال الأفعال والصّفات فيكون تجلّي ذلك المنفكّ تجلّي ظلال الأفعال والصّفات لا تجلّي الأفعال والصّفات ولكن لا يدرك فهم كلّ أحد هذا الكمال ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. ولنرجع إلى أصل الكلام ونقول: إنّه تعالى لا يحلّ في شيء ولا يحلّ فيه شيء ولكنّه تعالى محيط بالأشياء وله سبحانه قرب منها ومعيّة بها وليست تلك الإحاطة والقرب والمعيّة الّتي ندركها بأفهامنا القاصرة فإنّها لا تليق بجناب قدسه تعالى وكلّ شيء يدرك بالكشف والشّهود فهو تعالى منزّه عن ذلك أيضا، فإنّه لا نصيب للممكن من حقيقة ذاته، وصفاته وأفعاله تعالى غير الجهل والحيرة ينبغي الإيمان بالغيب ونفي ما يكون منكشفا ومشهودا بكلمة لا، شعر: هيهات عنقاء أن يصطاده أحد . فدع عناك وكن من ذاك في دعة وبيت مثنويّ حضرة شيخنا مناسب لهذا المقام حيث قال (شعر): وذا إيوان الإستغناء عال . فإيّاكم وطمعا في الوصال فنؤمن بأنّه تعالى محيط بالأشياء وقريب منها وأنّه معها ولكن لا نعرف معنى إحاطته وقربه ومعيّته " إنّه ما هو». والقول بالإحاطة والمعيّة العلميّين من تأويلات المتشابه ونحن لسنا بقائلين بتأويله وإنّه تعالى لا يتّحد بشيء أصلا ولا يتّحد به شيء أصلا وما يفهم من عبارات بعض الصّوفيّة من معنى الإتّحاد فهو خلاف مرادهم لأنّ مرادهم بهذا الكلام الموهم للاتّحاد أعني قولهم إذا تمّ الفقر فهو الله هو أنّ الفقر إذا تمّ وحصل الإضمحلال الصّرف والطّمس المحض لا يبقى الّا الله سبحانه وتعالى لا أنّ ذلك الفقير يتّحد بالله ويصير إلها فإنّه كفر وزندقة تعالى الله سبحانه عمّا يتوهّم الظّالمون علوّا كبيرا. (قال) حضرة شيخنا قدّس سرّه: ليس معنى عبارة أنا الحقّ بأنّي حقّ بل معناه أنا معدوم والموجود هو الحقّ سبحانه ولا سبيل للتّغيّر والتّبدّل إلى ذاته وصفاته وأفعاله تعالى فسبحان من لا يتغيّر بذاته ولا بصفاته ولا بأفعاله بحدوث الأكوان وما أثبته الصّوفيّة الوجوديّة من التّنزّلات الخمسة فليس هي من قبيل التّبدّل والتّغيّر في مرتبة الوجوب فإنّ القول به وإثباته كفر وضلالة بل اعتبروا هذه التّنزّلات في مراتب ظهورات كماله تعالى من غير أن يتطرّق إلى ذاته وصفاته وأفعاله تغيّر وتبدّل.

Sección V01/P343–V01/P344

وانّه تعالى غنيّ مطلق لا يحتاج إلى شيء أصلا لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله في أمر من الامور فكما أنّه تعالى غير محتاج في الوجود كذلك هو غير محتاج في الظّهور وما يفهم من عبارات بعض الصّوفيّة من أنّه تعالى محتاج في الوجود كذلك هو غير محتاج في الظّهور وما يفهم من عبارات بعض الصّوفيّة من أنّه تعالى محتاج إلينا في ظهور كمالاته الأسمائيّة والصّفاتيّة هذا الكلام ثقيل على الفقير جدّا واعتقادي أنّ المقصود من خلق الخلائق وإيجاد الموجودات حصول الكمالات لهم لا حصول كمال عائد إلى جناب قدسه تعالى وتقدّس. وقوله تعالى (وما خَلَقْتُ الْجِنَّ والْإِنْسَ إِلّا لِيَعْبُدُونِ) أي ليعرفون، مؤيّد لهذا المعنى فالمقصود من خلق الجنّ والإنس حصول المعرفة لهم الّتي هي كمالهم لا أمر يكون عائدا إلى جناب قدس الحقّ سبحانه وما ورد في الحديث القدسيّ من قوله صلّى الله عليه وسلّم: «فخلقت الخلق لأعرف " فالمراد هنا أيضا معرفتهم لا أنّه يكون الحقّ سبحانه معروفا ويحصل له الكمال بمعرفتهم إيّاه تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. وإنّه تعالى منزّه ومبرّأ عن جميع صفات النّقص وسمات الحدوث وليس بجسم ولا جسمانيّ ولا مكانيّ ولا زمانيّ وله تعالى جميع صفات الكمال ثمانية منها وجودها زائد على وجود الذّات تعالت وتقدّست وهي الحيات والعلم والقدرة والإرادة والبصر والسّمع والكلام والتّكوين وهذه الصّفات الثّمان موجودة في الخارج لا إنّها موجودة في العلم بوجود زائد على وجود الذّات وفي الخارج عينها كما ظنّه بعض الصّوفيّة وقال:، (شعر): وصفات حقّ في التّعقّل غير ذا . ت الحقّ لكن في التّحقّق عينها فإنّ هذا في الحقيقة نفي الصّفات فإنّ نفاة الصّفات مثل المعتزلة والفلاسفة أيضا قائلون بالتّغاير العلميّ والإتّحاد الخارجيّ ولم ينكروا التّغاير العلميّ ولم يقولوا إنّ مفهوم العلم عين مفهوم الذّات أو عين مفهوم القدرة والإرادة بل قالوا بالعينيّة باعتبار الوجود الخارجيّ فما لم يعتبروا تغاير الوجود الخارجيّ لا يخرجون من زمرة نفاة الصّفات والقول بالتّغاير الاعتباريّ أعني بحسب المفهوم والتّعقّل لا يجديهم نفعا كما عرفت. وإنّه تعالى قديم أزليّ ليس لغيره تعالى قدم ولا أزليّة أجمع جميع المليّين على هذا الحكم فمن قال بقدم غير الحقّ سبحانه وأزليّته فقد كفر ومن هذه الحيثيّة كفّر الإمام الغزاليّ رحمة الله ابن سينا والفارابيّ وغيرهما فإنّهم قائلون بقدم العقول والنّفوس وقدم الهيولى والصّورة وقال أيضا بقدم السّموات بما فيها وقال حضرة شيخنا قدّس سرّه: إنّ الشّيخ محيي الدّين ابن عربيّ قائل بقدم أرواح الكمّل فينبغي صرف هذا الكلام عن ظاهره وأن يجعله محمولا على التّأويل لئلّا يكون مخالفا لإجماع أهل الملل.

Sección V01/P344–V01/P345

وإنّه تعالى قادر مختار منزّه عن شائبة الإيجاب ومبرّأ عن مظنّة الإضطرار، والفلاسفة الحمقاء نفوا الاختيار من الواجب تعالى وأثبتوا الإيجاب له سبحانه زعما منهم أنّ الكمال في الإيجاب وهؤلاء السّفهاء قد جعلوا الواجب تعالى معطّلا ومهملا ولم يقولوا بصدور غير مصنوع واحد عن خالق السّموات والأرض وهو أيضا صادر عندهم بالإيجاب ونسبوا وجود المحدثات إلى العقل الفعّال الّذي لم يثبت وجوده في غير توهّمهم ولا شغل لهم ولا تعلّق بالحقّ سبحانه وتعالى في زعمهم الفاسد أصلا فيلزمهم بالضّرورة أن يلتجئوا وقت الإضطرار إلى العقل الفعّال وأن لا يرجعوا إلى الحقّ سبحانه وتعالى أصلا فإنّه لا مدخل له تعالى في وجود الحوادث على زعمهم بل القائم بإيجاد الحوادث هو العقل الفعّال بل ينبغي أن لا يرجعوا إلى العقل الفعّال (وأيضا) لأنّه لا اختيار له أيضا في دفع بليّاتهم بزعمهم وهؤلاء الأشقياء أسبق قدما في الخبط والبلاهة من جميع الفرق الضّالّة فإنّ الكفّار يلتجئون إلى الله تعالى ويطلبون منه دفع البليّة بخلاف هؤلاء السّفهاء وفيهم شيئان زائدان على ما في الفرق الضّالّة أرباب البلاهة أحدهما كفرهم بالأحكام المنزّلة وإنكارهم عليها ومعاندتهم ومعاداتهم للأخبار المرسلة وثانيهما ترتيب المقدّمات الفاسدة وتلبيس الدّلائل والشّواهد الباطلة في إثبات مقاصدهم ومطالبهم الواهية والخبط الّذي صدر عنهم في إثبات مقاصدهم لم يصدر من سفيه أصلا حيث جعلوا مدار الأمر على حركات السّموات والكواكب وأوضاعها مع أنّها متحيّرات ومضطربات في جميع الأوقات وغمّضوا عيونهم عن خالق السّموات وموجد الكواكب ومحرّكها ومدبّر أمورهم واستبعدوا إسناد الحوادث إليه تعالى بالذّات وأبوا عنه ما أبعدهم عن العقل ما أخذلهم وما أحرمهم من السّعادة وأشدّ منهم سفها وأكثر حماقة من يزعمهم أذكياء وأرباب فطانة ومن علومهم المنتظمة علم الهندسة وهو لا يغني شيئا ولا طائل فيه أصلا في أيّ شيء يلزم وماذا يفيد مساوات الزّوايا الثّلاث القائمة من الشّكل المثلّث وأيّ غرض مربوط بالشّكل العروسيّ والشّكل المأمونيّ اللّذين هما بمثابة أرواحهم، وعلم الطّبّ وعلم النّجوم وعلم تهذيب الأخلاق الّتي هي أشرف علومهم كلّ منها مسروق من كتب الأنبياء المتقدّمين على نبيّنا وعليهم الصّلاة والسّلام روّجوا بها أباطيلهم كما صرّح به الإمام الغزاليّ في المنقذ عن الضّلال ولا ضرر أنّ غلط أهل الملّة واتباع الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام في الدّلائل والبراهين لأنّ مدار أمرهم على متابعة الأنبياء عليهم السّلام وإنّما يوردون البراهين والدّلائل في إثبات مطالبهم العالية على سبيل التّبرّع والّا يكفيهم تقليدهم إيّاهم وهؤلاء الأشقياء أخرجوا رقابهم عن ربقة التّقليد وصاروا في صدد الإثبات بالدّلائل فضّلوا وأضلّوا. ولمّا وصلت دعوة عيسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام إلى أفلاطون وكان هو أكبر هؤلاء الخذلة قال نحن قوم مهديّون لا حاجة بنا إلى من يهدينا ما أسفهه وما أشقاه حيث أدرك شخصا يحيي الأموات ويبرّئ الأكمه والأبرص كلّ ذلك خارج عن طور حكمتهم ومع ذلك أجابه بهذا الجواب من غير رؤيته وتفطّن أحواله وملاحظة سيرته وذلك من كمال العناد والسّفاهة، شعر الفلسفة سفة أكثرها وكذا . مجموعها إذ لكلّ حكم أكثره نجّانا الله سبحانه عن ظلمات معتقداتهم السّوء وقد أتمّ ولدي محمّد معصوم مبحث الجواهر من شرح المواقف في هذه الأيّام واتّضح قبائح هؤلاء السّفهاء في أثناء درسه وترتّبت على ذلك فوائد، الحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربّنا بالحقّ. وعبارات الشّيخ محيي الدّين بن عربيّ قدّس سرّه أيضا ناظرة إلى الإيجاب وله موافقة للفلاسفة في معنى القدرة حيث لا يجوّز صحّة التّرك للقادر المختار بل يعتقد لزوم جانب الفعل والعجب أنّ الشّيخ يرى في النّظر يعني نظر الكشف من المقبولين، وأكثر علومه الّتي تخالف آراء أهل الحقّ تظهر خطأ غير صواب ولعلّه كان معذورا في الخطأ الكشفيّ وارتفعت عنه الملامة عليه مثل الخطأ الإجتهاديّ وهذا اعتقاد خاصّ بالفقير في حقّ الشّيخ اعتقده من المقبولين وأرى علومه المخالفة خطأ ومضرّة.

Preguntas