Qur'an&Sunnah

İmam Rabbânî — Mektûbât (ed-Dürerü'l-meknûnât, Arapça ta'rîb)

Sección V01/P345–V01/P346

وقوم من هذه الطّائفة يطعنون في الشّيخ يخطّئونه في جميع علومه، وجماعة أخرى من هذه الطّائفة يختارون تقليد الشّيخ ويعتقدون أنّه مصيب في جميع علومه ويثبتون حقّيّتها بالدّلائل والشّواهد ولا شكّ أنّ كلا هذين الفريقين اختاروا جانب التّفريط والإفراط في حقّه وفارقوا توسّط الأحوال وبعدوا عنه كيف يردّ الشّيخ الّذي هو من الأولياء المقبولين بسبب الخطأ الكشفيّ وكيف تقبل علومه البعيدة عن الصّواب المخالفة لآراء أهل الحقّ بمحض التّقليد فالحقّ هو التّوسّط الّذي وفّقني الله سبحانه له بمنّه وكرمه نعم إنّ الجمّ الغفير من هذه الطّائفة مشاركون للشّيخ في مسألة وحدة الوجود وإن كان للشّيخ في هذه المسألة طرز خاصّ أيضا ولكنّهم يشاركونه في أصل الكلام وهذه المسألة وإن كانت أيضا مخالفة لمعتقدات أهل الحقّ ولكنّها قابلة للتّوجيه وصالحة للجمع بها وقد طبّق هذا الفقير بعناية الله تعالى في شرح رباعيّات حضرة شيخنا هذه المسألة على معتقدات أهل الحقّ وجمع بينهما وأعاد نزاع الفريقين إلى اللّفظ وحلّ شكوك الطّرفين وشبهاتهما على نهج لم يبق فيها محلّ ريب واشتباه أصلا كما لا يخفى على النّاظر فيه. (ينبغي) أن يعلم أنّ الممكنات بأسرها جواهرها وأعراضها وأجسامها وعقولها ونفوسها وأفلاكها وعناصرها مستندة إلى إيجاد القادر المختار الّذي أخرجها من كتم العدم إلى عرصة الوجود وكما أنّها محتاجة إليه تعالى في الوجود كذلك هي محتاجة إليه سبحانه في البقاء أيضا. وإنّما جعل الله سبحانه وجود الأسباب والوسائط نقابا لوجه فعله وجعل الحكمة قبابا لقدرته لا بل جعل الأسباب دلائل لثبوت فعله والحكمة وسيلة إلى وجود قدرته فإنّ أرباب الفطانة الّذين بصائرهم مكتحلة بكحل متابعة الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام يعلمون أنّ الأسباب والوسائل الّتي هي محتاجة في الوجود إليه تعالى ولها ثبوت وقيام منه ومعه تعالى وتقدّس في الحقيقة جمادات محضة كيف تؤثّر في شيء آخر مثلها وتحدّثه وتخترعه بل وراء تلك الأسباب قادر يوجد ذلك الشّيء ويعطيه الكمالات اللّائقة به ألا ترى أنّ العقلاء إذا رأوا فعلا من جماد محض مثلا ينتقل منه ذهنهم إلى فاعله ومحرّكه لأنّهم يعلمون يقينا أنّ هذا الفعل ليس في حوصلة حاله بل وراءه فاعل موجد لهذا الفعل فلم يكن فعل الجماد عند العقلاء نقابا لوجه فعل الفاعل الحقيقيّ بل كان ذلك الفعل نظرا إلى جماديّة مصدره دليلا على وجود الفاعل الحقيقيّ فكذا هذا. نعم إنّ فعل الجماد نقاب لوجه فعل الفاعل الحقيقيّ في نظر الأبله حيث يزعم الجماد المحض من كمال غباوته بواسطة صدور ذلك الفعل عنه صاحب قدرة ويكفر بالفاعل الحقيقيّ يضلّ به كثيرا ويهدي به كثيرا وهذه المعرفة مقتبسة من مشكاة النّبوّة لا يدركها فهم كلّ أحد ولهذا ترى طائفة يعتقدون الكمال في رفع الأسباب ودفعها وينسبون الأشياء إلى الحقّ سبحانه ابتداء من غير توسّط الأسباب ولا يدرون أنّ رفع الأسباب رفع الحكمة الّتي في ضمنها مصالح لا تحصى ربّنا ما خلقت هذا باطلا كيف والأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام كانوا يراعون الأسباب ومع تلك المراعاة كانوا يفوّضون أمورهم إلى الحقّ سبحانه وتعالى كما قال يعقوب على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام وصيّة لبنيه ملاحظا لإصابة العين (يا بنيّ لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرّقة) الآية. ومع وجود هذه المراعاة قال تفويضا أمره إلى الله تعالى (وما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ الله مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلّا لله عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) واستصوب سبحانه هذه المعرفة منه واستحسنها ونسبها إلى نفسه حيث قال بعد ذلك (وإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ) الآية. وأشار الحقّ سبحانه في القرآن المجيد فيما خاطب به نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم إلى توسّط الأسباب وقال (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ الله ومَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ).

Sección V01/P346–V01/P348

(بقي) الكلام في تأثير الأسباب ويجوز أن يخلق الله سبحانه في بعض الأوقات تأثيرا في الأسباب فتكون مؤثّرة ويجوز أن لا يخلق التّأثير فيها في بعض الأوقات فلا يترتّب عليها أثر أصلا بالضّرورة كما أنّا نشاهد هذا المعنى فإنّ بعض الأسباب يترتّب عليها وجود المسبّبات أحيانا وفي بعض الأوقات لا يظهر منها أثر ما أصلا فالإنكار على تأثير الأسباب مطلقا مكابرة ينبغي أن يقول بالتّأثير وينبغي أن يعتقد أنّ وجود ذلك التّأثير كوجود نفس السّبب بإيجاد الله سبحانه هذا هو رأي الفقير في هذه المسألة والله سبحانه أعلم. (فلاح) من هذا البيان أنّ التّمسّك بالأسباب ليس بمناف للتّوكّل كما ظنّ النّاقصون بل في التّمسّك بالأسباب كمال التّوكّل فإنّ يعقوب عليه السّلام أطلق التّوكّل على مراعاة الأسباب مع تفويض الأمر إلى الحقّ جلّ وعلا حيث قال: عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ. وأنّه تعالى مريد الخير والشّرّ وخالق كلّ منهما ولكنّه راض بالخير وغير راض بالشّرّ وبين الرّضا والإرادة فرق دقيق هدى الله سبحانه أهل السّنّة إلى هذا الفرق وبقي سائر الفرق في الضّلالة لعدم اهتدائهم إلى هذا الفرق ومن ههنا قالت المعتزلة: إنّ العبد خالق لأفعاله ونسبوا إيجاد الكفر والمعاصي إليه ويفهم من كلام الشّيخ محيي الدّين واتباعه أنّ الإيمان مرضيّ الإسم الهادي وكذا الأعمال الصّالحة والكفر مرضيّ الإسم المضلّ وكذا المعاصي. وهذا الكلام أيضا مخالف لما عليه أهل الحقّ وفيه ميل إلى الإيجاب لكونه منشأ للرّضا كما يقال: الإشراق مرضيّ الشّمس يعني لازمها. (وقد أعطى) الحقّ سبحانه عباده قدرة وإرادة يكتسبون بهما الأفعال باختيارهم فخلق الأفعال منسوب إلى الله سبحانه وكسبها إلى العباد وعادة الله سبحانه جارية على أنّ العبد إذا قصد فعل شيء من أفعاله وتشبّث بأسبابه يتعلّق بذلك الفعل خلقه سبحانه وتعالى فإذا كان صدور الفعل من العبد بقصده واختياره يكون متعلّق المدح والذّمّ والثّواب والعقاب بالضّرورة وما قيل إنّ اختيار العبد ضعيف فإن كان المراد به أنّه ضعيف بالنّسبة إلى إرادة الله تعالى فمسلّم وإن كان أنّه غير كاف في أداء الفعل المأمور به فغير صحيح فإنّ الله سبحانه لا يكلّف العبد بما ليس في وسعه بل يريد اليسر ولا يريد العسر غاية ما في الباب أنّ حكمة الجزاء المخلّد على الفعل الموقّت مفوّضة إلى تقدير الحقّ وعلمه تعالى وقد قال في حقّ الجزاء المخلّد على الكفر الموقّت (جزاء وفاقا) وجعل التّلذّذات الدّائمة مسبّبة من الإيمان الموقّت ومترتّبة عليه ذلك تقدير العزيز العليم ولكن نعرف بتوفيق الله سبحانه أنّ اختيار الكفر بالنّسبة إلى الحقّ سبحانه وتعالى الّذي هو مولى النّعم الظّاهرة والباطنة وموجد السّموات والأرض وما من عظمة وكمال الّا هو ثابت له تعالى يقتضي أن يكون جزاء ذلك الكفر من أشدّ العقوبات وهو الخلود في عذاب النّار وكذلك الإيمان بالغيب بمثل هذا المنعم العظيم الشّأن وتصديقه مع وجود مزاحمة النّفس والشّيطان وممانعة سائر الأكوان يستدعي أن يكون جزاؤه من أفضل الجزاء وهو الخلود في التّنعّمات والتّلذّذات في الجنان. قال بعض المشائخ: إنّ دخول الجنّة مربوط في الحقيقة بفضل الحقّ سبحانه وإنّما جعل منوطا بالإيمان بناء على أنّ كلّما يكون جزاء الأعمال يكون ألذّ وعند الفقير أنّ دخول الجنّة في الحقيقة مربوط بالإيمان ولكنّ الإيمان فضل من المنّان وعطيّة من ذي الجود والإحسان ودخول النّار مربوط بالكفر والكفر ناش من هوى النّفس والطّغيان ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيّئة فمن نفسك.

Sección V01/P348–V01/P349

(ينبغي أن يعلم) أنّ جعل دخول الجنّة مربوطا بالإيمان في الحقيقة تعظيم الإيمان بل تعظيم المؤمن به حيث ترتّب عليه مثل هذا الأجر العظيم القدر وكذلك جعل دخول النّار مربوطا بالكفر تحقير للكفر وتنقيص لمن وقع هذا الكفر بالنّسبة إليه (فترتّب) مثل هذه العقوبة الدّائمة عليه بخلاف ما قال به بعض المشائخ فإنّه خال عن هذه الدّقيقة وأيضا إنّ هذا الوجه لا يتمشّى في دخول النّار الّذي هو عديله فإنّ دخول النّار في الحقيقة مربوط بالكفر والله سبحانه الملهم للصّواب هذا (ويرى) المؤمنون الحقّ سبحانه في الآخرة في الجنّة من غير جهة ولا كيف ولا شبه ولا مثال وأنكر على ذلك جميع الفرق مليّهم وغير مليّهم خلا أهل السّنّة فإنّهم لا يجوّزون الرّؤية بلا جهة ولا كيف حتّى إنّ نسخ الشّيخ محيي الدّين بن عربيّ تنزّل الرّؤية الاخرويّة إلى التّجلّي الصّوريّ ولا يجوّز غير التّجلّي. نقل حضرة شيخنا يوما عن الشّيخ أنّه قال: إنّ المعتزلة لو لم يقيّدوا الرّؤية بمرتبة التّنزيه وقالوا بالتّشبيه أيضا وتصوّروا الرّؤية عين هذا التّجلّي لما أنكروا الرّؤية أصلا ولما استحالوها يعني أنّ إنكارهم عليها إنّما هو من حيثيّة كونها بلا جهة ولا كيف ممّا هو مخصوص بمرتبة التّنزيه بخلاف هذا التّجلّي فإنّ الجهة والكيف ملحوظان فيه. (لا يخفى) أنّ تنزيل الرّؤية الاخرويّة إلى التّجلّي الصّوريّ إنكار عليها في الحقيقة فإنّ ذلك التّجلّي الصّوريّ وإن كان مغايرا للتّجلّيات الصّوريّة الدّنيويّة ليس هو رؤية الحقّ تعالى، (نظم): يراه المؤمنون بغير كيف . وإدراك وضرب من مثال وبعثة الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام رحمة للعالمين فلو لم تكن وساطة هؤلاء الكبراء من كان يدلّنا على معرفة ذات واجب الوجود وصفاته؟ ومن كان يميّز لنا مرضيّات مولانا جلّ شأنه عن غير مرضيّاته؟ فإنّ عقولنا النّاقصة بمعزل عن هذا المعنى بدون تأييد نور دعوتهم وأفهامنا القاصرة مخبولة في هذه المعاملة من غير تقليد هؤلاء الأكابر نعم إنّ العقل وإن كان حجّة ولكنّه غير تامّ في الحجّيّة وغير بالغ مرتبة البلوغ والحجّة البالغة إنّما هي بعثة الأنبياء عليهم السّلام والعذاب والثّواب الاخرويّان منوطان بها. فإن قيل: إذا كان العذاب الدّائميّ الاخرويّ منوطا بالبعثة فبأيّ معنى تكون البعثة رحمة للعالمين؟ (أجيب) أنّ البعثة عين الرّحمة لأنّها سبب لمعرفة ذات واجب الوجود وصفاته تعالى وتقدّس وهي متضمنّة لسعادة دنيويّة وأخرويّة وبدولة البعثة امتاز ما هو اللّائق بجناب قدسه تعالى عمّا هو غير لائق به فإنّ عقولنا العرجى العميى الّتي هي متّسمة بسمة الإمكان والحدوث كيف تعرف وكيف تدرك ما هو مناسب لحضرة الوجوب الّذي من لوازمه القدم من الأسماء والصّفات وما لا يناسبه منها حتّى يطلق عليه ذاك ويجتنب من هذا بل هو كثيرا ما يزعم من نقصه الكمال نقصانا والنّقص كمالا وهذا التّمييز عند الفقير فوق جميع النّعم الظّاهرة والباطنة وأشدّ المحرومين من السّعادة من ينسب إلى جناب قدسه تعالى أمورا غير مناسبة وأشياء غير لائقة به تعالى والّذي ميّز الحقّ عن الباطل هو البعثة والّذي فرّق بين المستحقّ للعبادة وبين غير المستحقّ لها هو البعثة وبواسطتها يدعي العباد إلى طريق الحقّ جلّ وعلا وبها يصلون إلى سعادة قرب المولى ووصله جلّ سلطانه وبسبب البعثة يتيسّر الإطّلاع على مرضيّات المولى جلّ شأنه كما مرّ وبها يتميّز جواز التّصرّف في ملكه تعالى عن عدم جوازه وأمثال هذه الفوائد في البعثة كثيرة فتقرّر أنّ البعثة رحمة ومن كان منقادا للنّفس وأنكر البعثة تبعا لحكم الشّيطان اللّعين ولم يعمل بمقتضى حكم البعثة فما ذنب البعثة فيه وكيف لا تكون البعثة رحمة بسبب خذلانه. فإن قيل: سلّمنا أنّ العقل ناقص غير تامّ في حدّ ذاته في حقّ معرفة الأحكام الإلهيّة جلّ شأنه ولكن لم لا يجوز أن يحصل للعقل بعد حصول التّصفية والتّزكية له مناسبة واتّصال بلا كيف بمرتبة الوجوب تعالت وتقدّست فيأخذ الأحكام من هناك بتلك المناسبة والإتّصال فلا يحتاج حينئذ إلى البعثة الّتي هي بواسطة الملك.

Sección V01/P349–V01/P350

(أجيب) أنّ العقل وإن حصل له تلك المناسبة والإتّصال ولكن لا يزول عنه التّعلّق بهذا الجسم الهيولانيّ بالكلّيّة ولا يحصل له التّجرّد التّامّ فتكون القوّة الوهميّة في عقبه دائما ولا تترك القوّة المتخيّلة ذيل خياله أصلا وتكون القوّة الغضبيّة والشّهويّة مصاحبتين له في جميع الأزمان وتكون رذيلة الحرص والشّره نديميه في كلّ أوان ولا ينفكّ عنه السّهو والنّسيان اللّذان هما من لوازم نوع الإنسان دائما ولا يفارقه الخطأ والغلط اللّذان هما من خواصّ هذه النّشأة أبدا فلا يكون العقل إذا حقيقا وحريّا بالإعتماد ولا تكون الأحكام المأخوذة بواسطته مصونة من سلطان الوهم وتصرّف الخيال ولا محفوظة من شائبة الخطأ ومظنّة النّسيان بخلاف الملك فإنّه منزّه عن هذه الأوصاف مبرّأ عن هذه الرّذائل فيكون مستحقا للاعتماد وتكون الأحكام المتلقّاة منه مصونة من شائبة الوهم والخيال ومظنّة الخطأ والنّسيان وقد يحسّ في بعض الأوقات أنّ الأحكام المأخوذة بلقاء الرّوحانيّين والمعارف المتلقّاة منهم ينضمّ إليها في أثناء تبليغها بالقوى والحواسّ بعض المقدّمات المسلّمة غير الصّادقة الحاصلة من طريق الوهم والخيال أو غيرهما بلا اختيار بحيث لا يمكن تمييزها في ذلك الوقت عن تلك الأحكام وربّما يحصل ذلك التّمييز في وقت آخر وربّما لا يحصل فلا جرم يعرض لهذه العلوم بواسطة مخالطة تلك المقدّمات هيئة الكذب فتخرج به عن أن تكون معتمدا عليها. (أو نقول) إنّ حصول التّزكية والتّصفية منوط بإتيان الأعمال الصّالحة الّتي هي مرضيّات الحقّ سبحانه وتعالى ومعرفة ذلك موقوفة على البعثة كما مرّ فلا يتيسّر حصول حقيقة التّصفية والتّزكية بدون البعثة والصّفاء الحاصل للكفّار والفسّاق هو صفاء النّفس لا صفاء القلب وصفاء النّفس لا يزيد شيئا غير الضّلالة ولا يورث شيئا غير الخسارة وكشف بعض الامور الغيبيّة الّذي يحصل للكفّار والفسّاق وقت صفاء نفوسهم استدراج في حقّهم يقصد به هلاكهم وخسارتهم نجّانا الله سبحانه من هذه البليّة بحرمة سيّد المرسلين عليه وعليهم الصّلاة والسّلام. (واتّضح) من هذا التّحقيق أنّ التّكاليف الشّرعيّة الثّابتة من طريق البعثة أيضا رحمة لا كما زعمه المنكرون عليها من الملاحدة والزّنادقة من اعتقادها كلفة وغير معقولة حتّى قالوا: أيّ شفقة في تكليف العباد بأمور شاقّة ثمّ يقال لهم: من عمل بمقتضى هذا التّكليف يدخل الجنّة ومن ارتكب خلافه يدخل النّار كيف لا يكلّفون بل يتركون يأكلون وينامون ويمشون على طور عقولهم ومقتضى طبائعهم أما يعلم هؤلاء الخبثاء الخائبون أنّ شكر المنعم واجب عقلا وهذه التّكليفات الشّرعيّة بيان كيفيّة أداء ذلك الشّكر فيكون التّكليف واجبا بالعقل وأيضا إنّ نظام هذا العالم وانتظام أمره منوط بهذا التّكليف فإنّه إذا ترك كلّ أحد على طوره وخلّى على طبعه لا يظهر فيه غير الشّرّ والفساد ويعتدي كلّ مهوّس على نفس الآخر وماله ويتغلّب عليه بالخبث والفساد فيضيّع نفسه عند عدم الزّواجر الشّرعيّة وموانعها ويضيّع غيره عياذا بالله سبحانه وتعالى ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب، شعر: لو لا الأمير الّذي نخشى بوادره . لقاءت الزّنج في بحبوحة الحرم (أو نقول) إنّ الله تعالى مالك على الإطلاق والعباد كلّهم مماليكه سبحانه فكلّ حكم وتصرّف يجريه عليهم فهو عين الخير والصّلاح لهم وهو منزّه ومبرّأ عن شائبة الظّلم والفساد في ذلك لا يسأل عمّا يفعل (شعر): من ذا الّذي في فعله يتكلّم . دون الرّضا يا صاح والتّسليم فإن أدخل الجميع إلى النّار وعذّبهم بالعذاب الأبديّ فليس ذلك منه بمحلّ الإعتراض وليس تصرّفا في ملك الغير حتّى تكون فيه شائبة الجور بخلاف تصرّفنا في أملاكنا الّتي كلّها أملاكه تعالى في الحقيقة. وجميع التّصرّفات منّا فيها عين الظّلم فإنّ صاحب الشّرع إنّما نسب هذه الأملاك إلينا بسبب بعض المصالح والّا فهي في الحقيقة أملاكه تعالى فجواز تصرّفنا فيها مقصور على القدر الّذي جوّزه لنا المالك على الإطلاق وأباحه.

Sección V01/P350–V01/P352

(وجميع) ما أخبر به هؤلاء الأكابر عليهم الصّلاة والسّلام باعلام الحقّ جلّ وعلا وما بيّنوا من الأحكام كلّها صادقة ومطابقة للواقع وإن جوّز العلماء الخطأ في أحكامهم الإجتهاديّة ولكنّهم لم يجوّزوا تقريرهم على الخطأ بل قالوا: إنّهم ينبّهون عليه بلا تأخير فيتدار كونه بالصّواب فلا اعتداد بذلك الخطأ. (وعذاب القبر) للكافرين ولبعض عصاة المؤمنين حقّ قد أخبر به المخبر الصّادق (وسؤال منكر ونكير) للمؤمنين والكافرين في القبر أيضا حقّ والقبر برزخ بين الدّنيا والآخرة وعذابه أيضا من وجه مناسب لعذاب الدّنيا فيقبل الإنقطاع ومن وجه مناسب لعذاب الآخرة بل هو من عذاب الآخرة في الحقيقة وقوله تعالى (النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا) نزل في عذاب القبر وكذلك راحة القبر لها جهتان والسّعيد من يغفر زلّاته ومعاصيه بكمال الكرم والرّأفة ولا يؤاخذ فإن يؤاخذ إنّما يؤاخذ بآلام الدّنيا ومحنها ويكون ذلك كفّارة لذنوبه من كمال الرّحمة فإن بقيت منها بقيّة تكفّر بضطغة القبر والمحن المهيّأة لذلك الموطن حتّى يبعث في المحشر طاهرا ومطهّرا ومن لم يعامل به هذه المعاملة بل أخّرت مؤاخذته إلى الآخرة فهو عين العدل ولكن ويل للعاصين والخاطئين وأمّا من كان من أهل الإسلام فمآله إلى الرّحمة ومحفوظ من العذاب الأبديّ وذلك أيضا نعمة عظيمة ربّنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنّك على كلّ شيء قدير بحرمة سيّد المرسلين عليه وعليهم الصّلاة والسّلام. (ويوم القيامة) حقّ وتكون السّموات والكواكب والأرض والجبال والبحار والحيوانات والنّباتات والمعادن معدومة ومتلاشية ويومئذ تنشقّ السّموات وتنتثر الكواكب ويكون الأرض والجبال هباء منثورا وهذا الإعدام والإفناء يتعلّق بالنّفخة الاولى وبالنّفخة الثّانية يقوم الخلائق من قبورهم ويذهبون إلى المحشر. والفلاسفة لا يجوّزون إعدام السّموات والكواكب والفناء والفساد لها ويقولون بأزليّتها وأبديّتها ومع ذلك يجعل المتأخّرون منهم أنفسهم من زمرة أهل الإسلام ويأتون ببعض أحكام الإسلام يعني يعملون بها والعجب من بعض أهل الإسلام أنّه كيف يصدّق منهم هذا المعنى ويعتقدهم مسلمين من غير تحاش. وأعجب من ذلك أنّ بعض المسلمين يعتقد إسلام بعض من هذه الجماعة كاملا ويظنّ طعنهم وتشنيعهم منكرا والحال أنّهم منكرون على النّصوص القطعيّة وإجماع الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام قال الله تعالى (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وإِذَا النُّجُومُ اِنْكَدَرَتْ) وقال تعالى (إِذَا السَّماءُ اِنْشَقَّتْ وأَذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ) وقال تعالى (وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْوابًا) أي شقّت وأمثال ذلك في القرآن كثيرة أولا يعلمون أنّ مجرّد التّفوّه بكلمة الشّهادة غير كاف في الإسلام بل لا بدّ من تصديق جميع ما علم مجيئه من الدّين بالضّرورة والتّبرّي من الكفر ولوازمه أيضا حتّى يتصوّر الإسلام وبدونه خرط القتاد. (والصّراط) حقّ والميزان حقّ والحساب حقّ قد أخبر بكلّ منها المخبر الصّادق عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. واستبعاد بعض الجاهلين بطور النّبوّة وجود هذه الامور ساقط عن حيّز الإعتبار فإنّ طور النّبوّة وراء طور العقل وتطبيق جميع أخبار الأنبياء الصّادقة على نظر العقل والتّوفيق بينهما إنكار في الحقيقة على طور النّبوّة والمعاملة هناك إنّما هي بالتّقليد ألم يعلموا أنّ طور النّبوّة مخالف لطور العقل بل لا يقدر العقل أن يهتدي إلى تلك المطالب العالية بدون تأييد تقليد الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام والمخالفة غير عدم الإدراك فإنّ المخالفة إنّما تتصوّر بعد الإدراك.

Sección V01/P352–V01/P353

(والجنّة والنّار) موجودتان تدخل طائفة الجنّة بعد المحاسبة يوم القيامة وطائفة تدخل النّار وثواب اهل الجنّة وعقاب أهل النّار أبديّان لا ينقطعان كما دلّت عليه النّصوص القطعيّة المؤكّدة قال صاحب الفصوص: مآل الكلّ إلى الرّحمة إنّ رحمتي وسعت كلّ شيء وثبت العذاب للكفّار إلى ثلاثة احقاب ويقول ثمّ تصير النّار في حقّهم بردا وسلاما كما كانت للخليل على نبيّنا وعليهم الصّلاة والسّلام ويجوز الخلف في وعيده سبحانه ويقول: لم يذهب أحد من أرباب القلوب إلى خلود الكفّار في عذاب النّار وهو قد وقع في هذه المسألة أيضا بعيدا عن الصّواب لم يدر أنّ سعة الرّحمة وعمومها في حقّ المؤمنين والكافرين مخصوصة بالدّنيا وأمّا في الآخرة فلا تصل رائحة الرّحمة إلى مشامّ الكفّار كما قال الله تعالى (إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ الله إِلّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ) وقال تعالى بعد قوله سبحانه (ورَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) (فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ والَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ) وكأنّ الشّيخ قرأ أوّل الآية وترك آخرها وليس في قوله تعالى (فَلا تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ) دلالة على خصوصيّة عدم الجواز بخلف الوعد لأنّه لا يجوز الإقتصار هنا على عدم خلف الوعد بناء على أنّ المراد من الوعد هنا الوعد بتصرّف الرّسل وتسلّطهم على الكفّار وغلبتهم عليهم وهو متضمّن للوعد والوعيد جميعا وعد للرّسل ووعيد للكفّار فدلّت هذه الآية على انتفاء خلف الوعد وخلف الوعيد جميعا فالآية مستشهد بها عليه لا له وأيضا أنّ الخلف في الوعيد كالخلف في الوعد مستلزم للكذب وما لا يليق به سبحانه لأنّ حقيقة هذا القول أنّ الله تعالى علم في الأزل أنّه لا يخلّد الكفّار في عذاب النّار ومع ذلك أخبر بخلاف علمه رعاية لمصلحة وقال: أعذّبهم بالعذاب المخلّد وفي تجويز هذا المعنى شناعة تامّة سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون وسلام على المرسلين. إجماع أرباب القلوب على عدم خلود الكفّار في عذاب النّار من كشفيّات الشّيخ ومجال الخطأ في الكشف كثير فلا اعتداد به مع كونه مخالفا لإجماع المسلمين. (والملائكة) عباد الله سبحانه معصومون من العصيان ومحفوظون من الخطأ والنّسيان لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون لا يأكلون ولا يشربون لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة فهم مبرّؤن عنهما ومنزّهون وتذكير الضّمائر الرّاجعة إليهم في القرآن المجيد إنّما هو باعتبار شرف صنف الذّكور بالنّسبة إلى صنف الإناث كما أورد الحقّ سبحانه الضّمائر الرّاجعة إلى نفسه مذكّرة وقد اصطفى الحقّ سبحانه بعضهم للرّسالة كما شرّف بعض الإنسان بهذه الدّولة الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن النّاس. وجمهور علماء أهل الحقّ على أنّ خواصّ البشر أفضل من خواصّ الملائكة وقال الإمام الغزاليّ وإمام الحرمين وصاحب الفتوحات المكّيّة بأفضليّة خواصّ الملائكة من خواصّ البشر وما ظهر لهذا الفقير أنّ ولاية الملك أفضل من ولاية الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ولكن في النّبوّة والرّسالة درجة للأنبياء لم يبلغها ملك قطّ وهذه الدّرجة ناشئة من جهة العنصر التّرابيّ الّذي هو مخصوص بالبشر وظهر أيضا لهذا الفقير أنّ كمالات الولاية لا اعتداد بها بالنّسبة إلى كمالات النّبوّة وليت لها حكم القطرة بالنّسبة إلى البحر المحيط فالمزيّة النّاشئة من طريق النّبوّة تكون زائدة بأضعاف مضاعفة على المزيّة النّاشئة من طريق الولاية فالأفضليّة على الإطلاق ثابتة للأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام والفضل الجزئيّ للملائكة الكرام عليهم السّلام فالصّواب ما قاله الجمهور من العلماء الأعلام شكر الله سعيهم يوم القيام. (فلاح) من هذا التّحقيق أنّه لا يبلغ وليّ قطّ درجة نبيّ من الأنبياء عليهم السّلام بل يكون رأس الوليّ تحت قدم نبيّ على الدّوام (ينبغي) أن يعلم أنّه ما من مسألة اختلف فيها العلماء والصّوفيّة الّا إذا لوحظ فيها حقّ الملاحظة يوجد الحقّ فيها في جانب العلماء وسرّ ذلك أنّ نظر العلماء بواسطة متابعة الأنبياء عليهم السّلام نافذ إلى كمالات النّبوّة وعلومها، ونظر الصّوفيّة مقصور على كمالات الولاية ومعارفها فلا جرم يكون العلم المأخوذ من مشكاة النّبوّة أصوب وأصحّ من العلم المأخوذ من مرتبة الولاية.

Sección V01/P353–V01/P354

وتحقيق بعض هذه المعارف مندرج في المكتوب المسطور باسم ولدي الأرشد فإن بقي هنا شيء من الخفاء فليراجع هناك. والإيمان عبارة عن تصديق قلبيّ بما بلغنا من الدّين بطريق الضّرورة والتّواتر وقالوا: الإقرار اللّسانيّ أيضا ركن من الإيمان محتمل للسّقوط وعلامة هذا التّصديق التّبرّي من الكفر والتّجنّب عن لوازمه وخصائصه وكلّما هو من فعل الكفّار كشدّ الزّنّار وأمثاله فإن لم يتبرّأ من الكفر عياذا بالله سبحانه مع دعوى التّصديق ظهر أنّه متّسم بسمة الإرتداد وحكمه في الحقيقة حكم المنافق لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء فلا بدّ إذا في تحقّق الإيمان من التّبرّي من الكفر وأدنى هذا التّبرّي قلبيّ وأعلاه التّبرّي بحسب القلب والقالب. والتّبرّي عبارة عن معاداة أعداء الحقّ جلّ وعلا سواء كانت هذه المعاداة بالقلب فقط كما إذا خيف من ضررهم أو بالقلب والقالب معا إذا لم يكن ضرر الخوف وقوله تعالى (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ والْمُنافِقِينَ واُغْلُظْ عَلَيْهِمْ) مؤيّد لهذا المعنى فإنّ محبّة الحقّ سبحانه ومحبّة رسوله عليه الصّلاة والسّلام لا تتصوّر بدون معاداة أعداء الله ورسوله، (ع): وليس محبّي من يحبّ أعاديا وإجراء الشّيعة الشّنيعة هذه القضيّة في موالاة أهل البيت وجعلهم التّبرّي من الخلفاء الثّلاثة وغيرهم من الصّحابة شرطا لها غير مناسب فإنّ التّبرّي الّذي هو من شرط موالاة الأحباب هو التّبرّي من الأعداء لا مطلق التّبرّي عمّن سواهم لا يجوّز عاقل منصف كون أصحاب النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام أعداء فإنّ هؤلاء الأكابر بذلوا أموالهم وأنفسهم في محبّته عليه الصّلاة والسّلام وتركوا الجاه والرّياسة فكيف يجوز نسبة عداوة أهل البيت إليهم ولزوم محبّة أهل بيته عليه الصّلاة والسّلام ثابت بالنّصّ القطعيّ وجعلت محبّتهم أجرة الدّعوة (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ومَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا) وإبراهيم الخليل على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام إنّما نال من الدّرجة القصوى وصار أصل شجرة النّبوّة بواسطة تبرّيه من أعدائه تعالى قال الله تعالى (قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ ومِمّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله كَفَرْنا بِكُمْ وبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ والْبَغْضاءُ أَبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِالله وَحْدَهُ) ولا عمل من الأعمال في نظر هذا الفقير أفضل من هذا التّبرّي في حصول رضا الحقّ جلّ وعلا وإنّ للحقّ سبحانه وتعالى عداوة ذاتيّة مع الكفر والكفرة والآلهة الباطلة الآفاقيّة مثل اللّات والعزّى، وعبدتها أعداء الحقّ سبحانه بالذّات والخلود في النّار جزاء هذا العمل الشّنيع وهذه الحالة مفقودة في الآلهة الباطلة الأنفسيّة وسائر الأعمال السّيّئة فإنّ العداوة والغضب بالنّسبة إلى هذه المذكورات ليست بذاتيّة فإن كان هناك غضب فهو راجع إلى الصّفات وإن كان عقاب أو عتاب فهو راجع إلى الأفعال ولهذا لم يكن الخلود في النّار جزاء هذه السّيّئات بل جعل الحقّ سبحانه مغفرتهم منوطة بمشيئته. (ينبغي) أن يعلم أنّه لمّا تحقّق العداوة الذّاتيّة في حقّ الكفر والكفّار امتنع أن تشمل الرّحمة والرّأفة اللّتان هما من صفات الجمال في الآخرة الكفّار وأن ترفع صفة الرّحمة العداوة الذّاتيّة فإنّ المتعلّق بالذّات اقوى وارفع ممّا هو متعلّق بالصّفة فمقتضى الصّفات لا يقدر أن يبدّل ويغيّر مقتضى الذّات وما ورد في الحديث القدسيّ سبقت رحمتي غضبي فالمراد بالغضب فيه ينبغي أن يكون الغضب الصّفاتيّ الّذي هو مقصور على عصاة المؤمنين لا الغضب المخصوص بالمشركين. (فإن قيل) إنّ للكفّار نصيبا من الرّحمة في الدّنيا كما حقّقته فيما سبق فكيف تكون صفة الرّحمة في الدّنيا رافعة للعداوة الذّاتيّة؟ (أجيب) أنّ حصول الرّحمة للكافرين في الدّنيا إنّما هو باعتبار الظّاهر والصّورة وأمّا في الحقيقة فهو استدراج ومكيدة في حقّهم وقوله تعالى (أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ) وقوله تعالى (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) شاهد لهذا المعنى فليفهم. (فائدة جليلة) إنّ عذاب النّار الأبديّ جزاء الكفر.

Sección V01/P354–V01/P356

فإن قيل: إنّ شخصا مع وجود الإيمان يجري رسوم الكفر ويعظّم مراسم أهل الكفر ويحكم العلماء بكفره ويعدّونه من أهل الإرتداد بفعله كما أنّ أكثر مسلمي الهنود مبتلون بهذه البليّة فيلزم أن يكون الشّخص معذّبا في الآخرة بالعذاب الأبديّ بمقتضى فتوى العلماء والحال أنّه قد ورد في الأخبار الصّحاح أنّ من كان في قلبه مثقال ذرّة من الإيمان يخرج من النّيران ولا يخلّد في العذاب فما تحقيق هذه المسألة عندك؟ (اقول) إن كان كافرا محضا فنصيبه العذاب المخلّد أعاذنا الله سبحانه منه وإن كان فيه مقدار ذرّة من الإيمان مع وجود إتيان مراسم الكفر يعذّب في النّار ولكنّ المرجوّ خلاصه من الخلود في النّار ببركة تلك الذّرّة من الإيمان ونجاته من دوام الإستقرار في عذاب النّيران وقد ذهبت مرّة لعيادة شخص قد قرب من الإحتضار ولمّا كنت متوجّها إلى حاله رأيت قلبه في ظلمات شديدة وكلّما كنت متوجّها لرفع تلك الظّلمات لم ترتفع فعلم بعد توجّه كثير أنّ تلك الظّلمات ناشئة من صفة الكفر الّتي هي مكنونة فيه ومنشأ تلك الكدورات هو موالاته أهل الكفر وبان لي أنّه لا ينبغي التّوجّه لدفع تلك الظّلمات فإنّ تنقيته منها مربوطة بعذاب النّار الّذي هو جزاء الكفر. وعلم أيضا أنّ فيه مقدار ذرّة من الإيمان وأنّه يتخلّص من الخلود في عذاب النّيران ببركة ذلك المقدار من الايمان ولمّا شاهدت فيه هذا الحال وقع في خاطري أنّه هل يجوز أن يصلّى عليه أو لا؟ فظهر بعد التّوجّه أنّه ينبغي أن يصلّى عليه فالمسلمون الّذين يجرون رسوم أهل الكفر مع وجود الإيمان ويعظّمون أيّامهم ينبغي أن يصلّى عليهم ولا ينبغي إلحاقهم بالكفّار كما هو عمل اليوم وينبغي أن يرجى نجاتهم من العذاب الأبديّ آخر الأمر فعلم ممّا ذكرنا أنّه لا عفو عن أهل الكفر ولا مغفرة لهم (إنّ الله لا يغفر أن يشرك به) فإن كان كافرا صرفا فجزاء كفره العذاب الأبديّ وإن كان فيه مع فجوره مقدار ذرّة من الإيمان أيضا فجزاؤه العذاب الموقّت وفي سائر الكبائر إن شاء الله تعالى غفره وإن شاء عذّبه وعند الفقير انّ عذاب النّار مخصوص بالكفر وصفات الكفر سواء كان ذلك العذاب مؤقّتا أو مخلّدا أو مؤبّدا كما سيجيء تحقيقه. وأمّا أهل الكبائر الّذين لم يوفّقوا للتّوبة فيغفر بها ذنوبهم ولم ينالوا الشّفاعة ومجرّد العفو والإحسان ولم تكفّر كبائرهم أيضا بآلام الدّنيويّة ومحنها أو بشدائد سكرات الموت فالمرجوّ أن يكتفي في تعذيب طائفة منهم بعذاب القبر وفي أخرى منهم مع وجود محن القبر بأهوال يوم القيامة وشدائدها وأن لا تبقى ذنوبهم حتّى يحتاج إلى عذاب النّار وقوله تعالى (الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ) الآية، مؤيّد لهذا المعنى فإنّ المراد بالظّلم هنا الشّرك والله سبحانه أعلم بحقائق الامور كلّها. (فإن قيل) قد ورد الوعيد بعذاب النّار في جزاء بعض السّيّئات غير الكفر كما قال تعالى (ومَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها) وورد في الأخبار من قضى صلاة واحدة متعمّدا بقي في النّار حقبا فلم يكن عذاب النّار مخصوصا بالكفّار. (أقول) امّا ورد في القاتل فهو مخصوص بمستحلّ القتل ومستحلّ القتل كافر كما ذكره المفسّرون وما ورد في السّيّئات غير الكفر من الوعيد بعذاب النّار فلا تخلوا تلك السّيّئات من شائبة صفة الكفر مثل استخفاف تلك السّيّئة واستصغارها وعدم المبالاة بإتيانها واستحقار الأوامر الشّرعيّة ونواهيها وقد ورد في الخبر: شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي. وقال في حديث آخر: أمّتي أمّة مرحومة لا عذاب عليها في الآخرة. وقوله تعالى (الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ) الآية، مؤيّد لهذا المعنى كما مرّ وأحوال أطفال المشركين ومن نشأ في شاهق الجبل ومشركي زمن الفترة مسطورة في المكتوب الّذي كتبته لولدي محمّد سعيد بالتّفصيل فليراجع هناك. (وفي) زيادة الإيمان ونقصانه وعدمهما اختلاف بين العلماء قال الإمام الأعظم أبو حنيفة رضي الله عنه: الإيمان لا يزيد ولا ينقص. وقال الإمام الشّافعيّ رضي الله عنه: يزيد وينقص.

Sección V01/P356–V01/P357

ولا شكّ أنّ الإيمان عبارة عن تصديق ويقين قلبيّ ولا يتصوّر فيه الزّيادة والنّقصان والّذي يقبل الزّيادة والنّقصان فهو داخل في دائرة الظّنّ لا اليقين. (غاية ما في الباب) أنّ إتيان الأعمال الصّالحة يورث جلاء ذلك اليقين وصفاءه وإتيان الأعمال غير المرضيّة يكدّره ويظلم ضياءه فالزّيادة والنّقصان بحسب إتيان الأعمال الصّالحة وضدّها راجعان إلى جلاء اليقين لا إلى النّفس اليقين ولمّا وجد طائفة جلاء وصفاء في يقينهم قالوا بزيادته بالنّسبة إلى يقين ليس فيه ذلك الجلاء والصّفاء وكأنّهم لم يروا اليقين الّذي لا جلاء فيه يقينا بل اعتقدوا أنّ اليقين هو اليقين الّذي له جلاء فقط دون غيره فقالوا لذاك ناقصا. (وأمّا) الّذين فيهم حدّة النّظر فلمّا رأوا أنّ تلك الزّيادة والنّقصان راجعان إلى وصف اليقين لا إلى نفس اليقين لم يقولوا بزيادة اليقين ونقصانه بالضّرورة ومثل ذلك كمثل المرآتين المساويتين في الصّغر والكبر المتفاوتتين بحسب الجلاء والنّورانيّة فرآهما شخص وقال للّتي جلاؤها أكثر إنّها أزيد وأكبر من الاخرى الّتي ليس فيها ذلك الجلاء وقال شخص آخر: المرآتان متساويتان لا زيادة لأحديهما على الاخرى ولا نقصان والتّفاوت إنّما هو في الجلاء والإراءة اللّذين هما من صفات المرآة فنظر الشّخص الثّاني صائب ونافذ إلى حقيقة الشّيء ونظر الأوّل مقصور على الظّاهر لم يجاوز من الصّفة إلى الذّات (يرفع الله الّذين آمنوا منكم والّذين أوتوا العلم درجات) وبهذا التّحقيق الّذي وفّق هذا الفقير لإظهاره اندفع اعتراضات المخالفين على القول بعدم زيادة الإيمان ونقصانه ولم يلزم كون إيمان عامّة المؤمنين مماثلا ومساويا لإيمان الأنبياء عليهم السّلام من جميع الوجوه فإنّ إيمان الأنبياء عليهم السّلام له جلاء تامّ ونورانيّة وله ثمرات ونتائج زائدة بأضعاف مضاعفة على إيمان عامّة المؤمنين الّذي فيه ظلمات وكدورات على تفاوت درجاتهم. وكذا ينبغي أن يكون المراد بزيادة إيمان أبي بكر رضي الله عنه في الوزن على إيمان هذه الامّة زيادته باعتبار الجلاء والنّورانيّة بإرجاع الزّيادة إلى الصّفة الكاملة ألا ترى أنّ الأنبياء عليهم السّلام وعامّة النّاس متساوون في نفس الإنسانيّة والكلّ متّحدون في الحقيقة والذّات. والتّفاضل فيما بينهم إنّما هو باعتبار الصّفات الكاملة والّذي ليس له صفة كاملة كأنّه خارج من نوع الإنسان ومحروم من فضائله ومع وجود هذا التّفاوت لم يتطرّق الزّيادة والنّقصان إلى نفس الإنسانيّة ولا يصحّ أن يقال: إنّ الإنسانيّة في أفراد الإنسان قابلة للزّيادة والنّقصان والله سبحانه الملهم للصّواب. (وأيضا) إنّهم قالوا إنّ التّصديق الإيمانيّ عند البعض هو التّصديق المنطقيّ الّذي هو شامل للظّنّ واليقين فعلى هذا التّقدير يمكن الزّيادة والنّقصان في نفس الإيمان لكنّ الصّحيح أنّ المراد بالتّصديق هنا اليقين والإذعان القلبيّ لا المعنى العامّ الشّامل للظّنّ والوهم. قال الإمام الأعظم: أنا مؤمن حقّا وقال الإمام الشّافعيّ: أنا مؤمن إن شاء الله. ونزاعهما في الحقيقة لفظيّ مذهب الأوّل باعتبار الزّمان الحال ومذهب الثّاني باعتبار المآل وعاقبة الأحوال ولكنّ التّحاشي من صورة الإستثناء أولى وأحوط كما لا يخفى على المنصف. (وكرامات أولياء الله تعالى حقّ) ومن كثرة وقوع خوارق العادات منهم صار هذا المعنى عادة مستمرّة لهم ومنكرها منكر على العلم العاديّ والضّروريّ ولا اشتباه بينها وبين معجزة النّبيّ فإنّ معجزة النّبيّ مقرونة بدعوى النّبوّة، وكرامات الوليّ خالية عن هذا المعنى بل هي مقرونة بالإقرار والإعتراف بمتابعة نبيّ فأنّى الإشتباه بينهما كما زعمه المنكرون. (وترتيب) الأفضليّة بين الخلفاء الرّاشدين على ترتيب خلافتهم ولكن أفضليّة الشّيخين ثابتة بإجماع الصّحابة والتّابعين كما نقلته جماعة من أكابر أئمّة الدّين أحدهم الإمام الشّافعيّ رضي الله عنه قال الشّيخ الإمام أبو الحسن الأشعريّ: إنّ فضل أبي بكر ثمّ عمر على بقيّة الامّة قطعيّ قال الذّهبيّ: وقد تواتر عن عليّ في خلافته وكرسيّ مملكته، وبيّن الجمّ الغفير من شيعته أنّ أبا بكر وعمر أفضل الامّة.

Sección V01/P357–V01/P358

ثمّ قال ورواه عن عليّ كرّم الله وجهه نيّف وثمانون نفسا وعدّ منهم جماعة ثمّ قال: فقبّح الله الرّوافض ما أجهلهم وروى البخاريّ عنه أنّه قال: خير النّاس بعد النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام أبو بكر ثمّ عمر ثمّ رجل آخر فقال ابنه محمّد ابن الحنفيّة ثمّ أنت فقال إنّما أنا رجل من المسلمين وصحّح الذّهبيّ وغيره عن عليّ أنّه قال: ألا وإنّه بلغني أنّ رجالا يفضّلونني عليهما ومن وجدته يفضّلني عليهما فهو مفتر عليه ما على المفتري. وأمثال ذلك منه ومن غيره من الصّحابة متواترة بحيث لا مجال فيها لإنكار أحد حتّى قال عبد الرّزّاق عن أكابر الشّيعة: أفضّل الشّيخين لتفضيل عليّ إيّاهما على نفسه والّا لما فضّلتهما كفى بي وزرا أن أحبّه ثمّ أخالفه كلّ ذلك مستفاد من الصّواعق وأمّا تفضيل عثمان على عليّ رضي الله عنهما فأكثر علماء أهل السّنّة على أنّ الأفضل بعد الشّيخين عثمان ثمّ عليّ ومذهب الأئمّة الأربعة المجتهدين أيضا هو هذا والتّوقّف المنقول عن الإمام مالك في افضليّة عثمان على عليّ فقد قال القاضي عياض: إنّه رجع عن هذا التّوقّف إلى تفضيل عثمان وقال القرطبيّ: وهو الأصحّ إن شاء الله تعالى وكذلك التّوقّف المفهوم من عبارة الإمام الأعظم أعني قوله: من علامة أهل السّنّة والجماعة تفضيل الشّيخين ومحيّة الختنين ولإختياره هذه العبارة عند الفقير محمل آخر وهو أنّه لمّا كثر ظهور الفتن والإختلال في أمور النّاس في زمن خلافة الختنين وحدوث الكدورات من هذه الجهة في قلوب النّاس اختار الإمام لفظ المحبّة في حقّهما ملاحظا لهذا المعنى وجعل محبّتهما من علامات أهل السّنّة والجماعة من غير أن يلاحظ فيها شائبة التّوقّف كيف وكتب الحنفيّة مشحونة بأنّ أفضليّتهم على ترتيب خلافتهم وبالجملة انّ أفضليّة الشّيخين يقينيّة وأفضليّة عثمان دونهما ولكنّ الأحوط أن لا نكفّر منكر افضليّة عثمان بل أفضليّة الشّيخين بل نقول: إنّه مبتدع وضالّ فإنّ للعلماء اختلافا في تكفيره وفي قطعيّة هذا الإجماع قيل وقال وذلك المنكر قرين يزيد الخائب المخذول وقد توقّفوا في لعنه احتياطا والإيذاء الّذي يصيب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم من جهة إيذاء الخلفاء الرّاشدين كالإيذاء الّذي أصابه صلّى الله عليه وسلّم من جهة إيذاء سبطيه قال عليه الصّلاة والسّلام: الله الله في أصحابي لا تتّخذوهم غرضا من بعدي فمن أحبّهم فبحبّي أحبّهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله ورسوله فيوشك ان يؤخذ وقال الله عزّ وجلّ انّ الّذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدّنيا والآخرة. وما عدّه مولانا سعد الدّين التّفتازانيّ في شرح عقائد النّسفيّ إنصافا في هذه الأفضليّة بعيد عن الإنصاف والتّرديد الّذي ذكره فيه لا حاصل فيه لأنّ المقرّر عند العلماء أنّ المراد بالأفضليّة هنا باعتبار كثرة الثّواب عند الله جلّ وعلا لا الأفضليّة الّتي هي بمعنى كثرة ظهور المناقب والفضائل فانّه لا اعتبار لها عند العقلاء فانّ السّلف من الصّحابة والتّابعين قد نقلوا عن علىّ من المناقب والفضائل ما لم ينقل مثله عن صحابيّ غيره حتّى قال الإمام أحمد: ما جاء لأحد من الصّحابة من الفضائل ما جاء لعليّ ومع ذلك حكم هو بأفضليّة الخلفاء الثّلاث فعلم من هذا أنّ وجه الأفضليّة شيء آخر وراء هذه الفضائل والمناقب والإطّلاع عليها إنّما يتيسّر لمن أدركوا زمان الوحي وشاهدوه حتّى علموها بالتّصريح أو بالقرائن وهم أصحاب النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام فما قال شارح العقائد النّسفيّة إنّه لو كان المراد بالأفضليّة كثرة الثّواب فللتّوقّف جهة ساقط عن الإعتبار لأنّه إنّما يكون للتّوقّف مجال لو لم يعلم الأفضليّة من قبل صاحب الشّرع صراحة أو دلالة وحيث علم فعلى ما يتوقّف وإن لم يعلم فلم يحكم بالأفضليّة والّذي يرى الكلّ متساوية ويزعم تفضيل أحدهم على الآخر فضولا فهو فضوليّ أيّ فضوليّ حيث يزعم إجماع أهل الحقّ فضولا ولعلّ لفظ الفضل هو الّذي أورده في موارد الفضوليّ.

Sección V01/P358–V01/P360

(وما قال) صاحب الفتوحات المكّيّة إنّ سبب خلافتهم مدّة أعمارهم ليس فيه دلالة على مساواتهم في الفضيلة لأنّ أمر الخلافة غير أمر الأفضليّة ولو سلّم فهذا وأمثاله من شطحيّاته غير لائق بالتّمسّك وأكثر كشفيّاته الّتي تخالف علوم أهل السّنّة بعيدة عن الصّواب فلا يتابعها أحد الّا مريض القلب أو مقلّد صرف. (وما وقع) بين الأصحاب من المنازعات والمشاجرات يجب حملها على محامل حسنة وينبغي تبريئتهم عن الهوى والتّعصّب قال التّفتازانيّ مع إفراطه في حبّ عليّ كرّم الله وجهه: وما وقع من المخالفات والمحاربات لم يكن عن نزاع في الخلافة بل عن خطأ في الإجتهاد. وفي حاشية الخياليّ عليه: فإنّ معاوية وأحزابه بغوا عن طاعته مع اعترافهم بأنّه أفضل أهل زمانه وأنّه الأحقّ بالإمامة منه بشبهة هي ترك القصاص عن قتلة عثمان رضي الله عنه. ونقل في حاشية قره كمال عن عليّ كرّم الله وجهه أنّه قال: إخواننا بغوا علينا وليسوا بكفرة ولا فسقة لما لهم من التّأويل. ولا شكّ أنّ الخطأ الاجتهاديّ بعيد عن الملامة عليه والطّعن والتّشنيع مرفوعان عن صاحبه ينبغي أن يذكر جميع الأصحاب الكرام بالخير مراعاة لحقوق صحبة خير البشر عليه وعلى آله الصّلوات والتّحيّات وأن يحبّهم بحبّ النّبيّ عليه السّلام قال عليه السّلام من أحبّهم فبحبّي أحبّهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم. يعني أنّ المحبّة الّتي تتعلّق بأصحابي هي عين المحبّة الّتي تتعلّق بي وكذلك البغض الّذي يتعلّق بهم عين البغض الّذي يتعلّق بي ولا غرض لنا من محبّة محاربي عليّ كرّم الله وجهه أصلا بل يحقّ لنا أن نتأذّى منهم ولكن حيث كانوا أصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وكنّا مأمورين بمحبّتهم وممنوعين عن بغضهم وإيذائهم فلا جرم نحبّ كلّهم بحبّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ونحترز عن بغضهم وإيذائهم لكونهما منجرّين إليه صلّى الله عليه وسلّم ولكن نقول للمحقّ محقّا وللمبطل مبطلا كان عليّ على الحقّ ومخالفوه على الخطأ والزّيادة على ذلك من الفضول وتحقيق هذا المبحث مذكور تفصيلا في المكتوب الّذي كتبته إلى الخواجه محمّد أشرف فإن بقي هنا خفاء فليراجع هناك (ولا بدّ بعد تصحيح العقائد) من تعلّم أحكام الفقه ولا مندوحة من تعلّم علم الفرض والواجب والحلال والحرام والسّنّة والمندوب والمشتبه والمكروه والعمل بمقتضى هذا العلم أيضا ضروريّ ينبغي أن يعدّ مطالعة كتب الفقه من الضّروريّات وأن يراعى السّعي البليغ في إتيان الأعمال الصّالحة ولنورد هنا شمّة من فضائل الصّلاة وأركانها فإنّها عماد الدّين فينبغي استماعها لا بدّ أوّلا من إسباغ الوضوء ومن غسل كلّ عضو ثلاثا ثلاثا على وجه التّمام والكمال ليكون مؤدّى على وجه السّنّة وينبغي الإستيعاب في مسح الرّأس والإحتياط في مسح الاذنين والرّقبة وورد تخليل أصابع الرّجل بخنصر يد اليسرى من الأسفل فينبغي مراعاته أيضا ولا ينبغي المساهلة في إتيان المستحبّ فإنّه محبوب الحقّ سبحانه ومرضيّة تعالى فإن علم في جميع الدّنيا فعل واحد مرضيّ ومحبوب عند الحقّ جلّ سلطانه وتيسّر العمل بمقتضاه ينبغي أن يغتنمه وحكمه كحكم جواهر نفيسة اشتراها شخص بقطعات خزف أو روح نالها ببذل جماد لا طائل فيه وبعد الطّهور الكامل وإسباغ الوضوء ينبغي قصد الصّلاة الّتي هي معراج المؤمن وينبغي الإهتمام في أداء الفرض مع الجماعة بل ينبغي أن لا يترك التّكبيرة مع الإمام وينبغي أيضا أداء الصّلاة في الوقت المستحبّ ومراعاة القدر المسنون في القراءة ولا بدّ من الطّمأنينة في الرّكوع والسّجود فإنّها إمّا فرض أو واجب على القول المختار وينبغي أن يستوي قائما على الكمال في القومة على نهج يرجع كلّ عضو إلى محلّه ويستقرّ في مقرّه والطّمأنينة لازمة أيضا بعد الإستواء قائما فإنّها هنا إمّا فرض أو واجب أو سنّة على اختلاف الأقوال وهكذا في الجلسة الّتي هي بين السّجدتين يلزم فيها الطّمأنينة بعد الإستقرار كما في القومة وأقلّ تسبيحات الرّكوع والسّجود ثلاث مرّات وأكثرها إلى سبع مرّات أو أحد عشر مرّة على اختلاف الأقوال وتسبيح الإمام ينبغي أن يكون على قدر حال المقتدين وينبغي أن يستحي الإنسان من اقتصار التّسبيحات على أقلّ مرتبتها في حال الإنفراد ووقت قوّة الإستطاعة بل يقول خمسا أو سبعا ووقت قصد السّجدة يضع على الأرض أوّلا ما هو أقرب إلى الأرض فيضع أوّلا ركبتيه ثمّ يديه ثمّ أنفه ثمّ جبهته وينبغي الإبتداء من اليمين وقت وضع يديه وركبتيه وحين يرفع رأسه من السّجدة ينبغي أن يرفع أوّلا ما هو أقرب إلى السّماء فينبغي الإبتداء برفع الجبين وينبغي أن ينظر في القيام إلى موضع سجوده وفي الرّكوع إلى ظهر قدميه وفي السّجود إلى رأس أنفه وفي القعود إلى يديه فإنّه إذا نصب البصر على المواضع المذكورة ومنع النّظر من التّفرقة تتيسّر الصّلاة بالجمعيّة ويحصل فيها الخشوع كما هو المنقول عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وكذلك تفريج الأصابع في الرّكوع وضمّها في السّجود سنّة فينبغي مراعاتها وتفريج الأصابع وضمّها ليسا بلا فائدة بل فيهما فوائد كثيرة أمر الشّارع بإتيانهما بملاحظة تلك الفوائد وليس لنا فائدة أصلا تساوي متابعة صاحب الشّريعة عليه وعلى آله الصّلاة والتّحيّة وكلّ هذه الأحكام مذكورة في كتب الفقه بالتّفصيل والإيضاح (والمقصود) هنا التّرغيب في الأعمال بمقتضى علم الفقه وفّقنا الله سبحانه وإيّاكم للأعمال الصّالحة الموافقة للعلوم الشّرعيّة بعد أن وفّقنا لتصحيح العقائد اليقينيّة بحرمة سيّد المرسلين عليه وعليهم وعلى آل كلّ من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها فإن وجدتم في أنفسكم شوقا إلى فضائل الصّلاة والإطّلاع على كمالاتها المخصوصة بها ينبغي المراجعة إلى ثلاثة مكاتيب المتّصل بعضها ببعض ومطالعتها: الأوّل مكتوب باسم ولدي محمّد صادق والثّاني باسم المير محمّد نعمان والثّالث باسم الشّيخ تاج الدّين.

Sección V01/P360–V01/P362

وبعد تحصيل جناحي الإعتقاد والعمل إذا كان توفيق الحقّ رفيقا ودليلا ينبغي سلوك طريقة الصّوفيّة العليّة لا لغرض تحصيل شيء زايد على ذلك الإعتقاد والعمل ونيل أمر جديد سواهما فإنّ ذلك من طول الأمل المفضي إلى الزّلل بل المقصود منها حصول اليقين والإطمئنان في المعتقدات بحيث لا تزول بتشكيك مشكّك ولا تبطل بإيراد شبهة فإنّ قدم الإستدلال لا ثبات لها ولا قرار لخزف معمول من طين والمستدلّ ليس له تمكين ألا بذكر الله تطمئنّ القلوب. وحصول اليسر والسّهولة في إتيان الأعمال وزوال الكسالة والعناد والتّعنّت النّاشئة من النّفس الأمّارة وليس المقصود من سلوك طريق الصّوفيّة أيضا مشاهدة الصّور والأشكال الغيبيّة ومعاينة الألوان والأنوار اللّاكيفيّة فإنّ ذلك داخل في اللهو واللّعب وأيّ نقصان في الأنوار والصّور الحسّيّتين حتّى يتركها شخص ويتمنّى الصّور والأنوار الغيبيّتين بارتكاب الرّياضات والمجاهدات فإنّ هذه الصّور والأنوار وتلك الصّور والألوان كلّها مخلوقة الحقّ جلّ وعلا ومن الآيات الدّالّة على وجوده تعالى. واختيار الطّريقة النّقشبنديّة من بين سائر طرق الصّوفيّة أولى وأنسب لأنّ هؤلاء الأكابر قد التزموا متابعة السّنّة السّنيّة واجتناب البدعة الشّنيعة ولهذا تراهم يفرحون ويستبشرون إذا كان فيهم دولة المتابعة وإن لم يكن لهم شيء من الأحوال ومتى أحسّوا فتورا في المتابعة مع وجود الأحوال لا يقبلون تلك الأحوال ولا يبغونها ومن ههنا لم يجوّزوا الرّقص والسّماع ولم يقبلوا الأحوال المترتّبة عليه باتّفاق منهم وإجماع بل اعتقدوا ذكر الجهر بدعة ومنعوا أصحابهم عنه ولم يلتفتوا إلى ثمرات تترتّب عليه كنت يوما في مجلس الطّعام مع حضرة شيخنا فقال الشّيخ كمال الّذي هو من مخلصي حضرة شيخنا بسم الله الرّحمن الرّحيم جهرا حين شرع في الأكل فلم يناسب ذلك منه لحضرة شيخنا حتّى قال بالزّجر البليغ امنعوه لا يحضر مجلس طعامنا. وسمعت حضرة شيخنا يقول: إنّ الخواجه النّقشبند قدّس سرّه جمع علماء بخارا وجاء بهم إلى خانقاه شيخه الأمير كلال ليمنعوهم من ذكر الجهر. فقال العلماء للأمير: إنّ ذكر الجهر بدعة فلا تفعلوه فقال في جوابهم: لا أفعل فإذا صدر من أكابر هذه الطّريقة مثل هذه المبالغة في المنع عن ذكر الجهر فماذا نقول في السّماع والرّقص والوجد والتّواجد والأحوال والمواجيد الّتي تترتّب على أسباب غير مشروعة فهي من قبيل الإستدراجات عند الفقير فإنّ الأحوال والأذواق قد تحصل لاهل الإستدراج أيضا ويظهر لهم في مرايا صورة العالم كشف التّوحيد والمكاشفة والمعاينة وفلاسفة اليونان وجوكيّة الهنود وبراهمتهم شركاء في تلك الامور وعلامة صدق الأحوال موافقتها للعلوم الشّرعيّة مع الإجتناب من ارتكاب الامور المحرّمة والمشتبهة. واعلم أنّ الرّقص والسّماع داخل في الحقيقة في اللهو واللّعب وقوله تعالى (ومِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ) الآية، نازل في شأن المنع عن الغناء كما قال مجاهد الّذي هو تلميذ ابن عبّاس ومن كبار التّابعين أنّ المراد بلهو الحديث الغناء في المدارك لهو الحديث السّمر والغناء وكان ابن عبّاس وابن مسعود رضي الله عنهم يحلفان أنّه الغناء، وقال مجاهد في قوله تعالى: والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ أي: لا يحضرون الغناء وحكي عن إمام الهدى أبي منصور الماتريديّ من قال لمقرئي زماننا: أحسنت عند قراءته يكفر وبانت منه امرأته وأحبط الله كلّ حسناته وحكي عن أبي نصر الدّبوسيّ عن القاضي ظهير الدّين الخوارزميّ : من سمع الغناء من المغنّي وغيره أو يري فعلا من الحرام فيحسّن ذلك باعتقاد أو بغير اعتقاد يصير مرتدّا في الحال بناء على أنّه أبطل حكم الشّريعة ومن أبطل حكم الشّريعة فلا يكون مؤمنا عند كلّ مجتهد ولا يقبل الله طاعته وأحبط الله كلّ حسناته أعاذنا الله سبحانه من ذلك والآيات والأحاديث والرّوايات الفقهيّة في حرمة الغناء كثيرة جدّا على حدّ يتعذّر إحصاؤها ومع هذه كلّها لو اورد شخص حديثا منسوخا أو رواية شاذّة في إباحة الغناء لا ينبغي اعتباره منه فإنّه لم يفت فقيه في وقت من الأوقات بإباحة الغناء ولم يجوّز الرّقص والضّرب بالأرجل كما هو مذكور في ملتقط الإمام الهمام ضياء الدّين الشّاميّ.

Sección V01/P362–V01/P363

وعمل الصّوفيّة ليس بسند في الحلّ والحرمة أما يكفيهم أن نعذرهم ولا نلومهم ونفوّض أمرهم إلى الله تعالى والمعتبر هنا قول الإمام أبي حنيفة والإمام أبي يوسف والإمام محمّد رحمهم الله لا عمل الشّبليّ وأبي الحسين النّوريّ وقد جعلت الصّوفيّة القاصرون اليوم السّماع والرّقص دينهم وملّتهم مستندين إلى عمل مشائخهم واتّخذوه طاعتهم وعبادتهم أولئك الّذين اتّخذوا دينهم لهوا ولعبا. وقد علم من الرّواية السّابقة أنّ من استحسن الفعل الحرام فقد خرج من زمرة أهل الإسلام وصار مرتدّا فينبغي التّأمّل ماذا يكون شناعة تعظيم مجلس السّماع والرّقص بل اتّخاذه طاعة وعبادة ولله سبحانه الحمد والمنّة لم يبتل مشائخنا بهذا الأمر وخلّصوا أمثالنا المقلّدين من تقليد هذا الأمر وقد نسمع أنّ المخاديم يميلون إلى السّماع ويعقدون مجلس السّماع وقراءة القصائد في ليالي الجمعة وأكثر الأصحاب يوافقونهم في ذلك الأمر والعجب ألف عجب أنّ مريدي السّلاسل الاخر إنّما يرتكبون هذا الأمر مستندين إلى عمل مشائخهم ويدفعون الحرمة الشّرعيّة بعملهم وإن لم يكونوا محقّين في هذا الأمر في الحقيقة وما معذرة أصحابنا في ارتكاب هذا الأمر وفيه ارتكاب الحرمة الشّرعيّة من طرف وارتكاب مخالفة مشائخ طريقهم من طرف آخر فلا أهل الشّريعة راضون عن هذا الفعل ولا أهل الطّريقة فلو لم يكن فيه ارتكاب الحرمة الشّرعيّة لكان مجرّد إحداث أمر في الطّريقة شنيعا فكيف إذا اجتمع معه ارتكاب الحرمة الشّرعيّة. واليقين أنّ جناب الميرزا جيو لا يرضى بهذا الأمر ولكن لا يصرّح بالمنع أيضا رعاية للأدب معكم ولا ينهى الأصحاب عن هذا الإجتماع أيضا والفقير لمّا أحسست توقّفا في مجيئي كتبت هذه الفقرات وأرسلتها إليكم فينبغي قراءتها من أوّلها إلى آخرها عند الميرزا جيو والسّلام. المكتوب السّابع والسّتّون والمائتان إلى الميرزا حسام الدّين أحمد في بيان أنّ الأسرار والدّقائق الّتي امتاز بها لا يمكن إظهار نبذة منها بل لا يمكن التّكلّم عنها بالرّمز والإشارة وانّها مقتبسة من مشكاة النّبوّة ويشترك فيها الملأ الأعلى أيضا وما يناسبه بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدّعوات ليعلم أنّ الصّحيفة الشّريفة الّتي أرسلتها باسم هذا الحقير على وجه الكرم قد وصلت وتشرّفت بمطالعتها جزاكم الله سبحانه خير الجزاء وماذا أكتب من إنعامات الحقّ جلّ سلطانه وكيف أؤدّي شكرها وما يفاض من العلوم والمعارف يكتب أكثرها ويحرّر بتوفيق الله تعالى ويوصّل إلى سمع أهلها ولكنّ الأسرار والدّقائق الّتي كنت ممتازا بها فلا يمكن إيراد نبذة منها في عرصة الظّهور بل لا يمكن التّكلّم من تلك المقولة بالرّمز والإشارة حتّى أنّه لا يورد رمز من هذه الأسرار والدّقائق بيني وبين ولدي الأعزّ الّذي هو مجموعة معارفي ونسخة مقامات السّلوك والجذبة بل اجتهد في سترها منه بالشّحّ التّامّ مع أنّي أعلم أنّه من محارم الأسرار ومحفوظ من الغلط والخطأ ولكن ماذا أصنع يأخذ دقّة المعاني باللّسان يعني تمنعه ويربط من لطافة الأسرار الشّفتان فنقد الوقت تكرار يضيق صدري ولا ينطلق لساني وليست تلك الأسرار من قبيل ما لا ينبغي إيرادها في البين بل لا يسعها نطاق البيان، شعر: خليلي ما هذا بهزل وإنّما . عجيب الأحاديث غريب البدائع وهذه الدّولة الّتي نحن نجتهد في سترها مقتبسة من مشكاة نبوّة الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام والملأ الأعلى شركاء في هذه الدّولة وكلّ من يشرّف بها من اتباع الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام قال أبو هريرة رضي الله عنه: «أخذت عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعاءين " يعني من العلم أمّا أحدهما فقد بثثته وأمّا الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم وذلك العلم الآخر هو علم الأسرار ولا يدركه فهم كلّ أحد ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ . ثمّ المعروض أنّ الكتاب الّذي كتبته إلى أولاد شيخنا ينبغي أن تطالعه.

Sección V01/P363–V01/P364

(أيّها المخدوم) المكرّم إنّ إحداث شيء في الطّريقة ليس هو عند الفقير بأقلّ من إحداث بدعة في الدّين، وبركات الطّريقة إنّما تفاض وتعود على أهلها ما لم يحدث فيها محدث فإذا حدث فيه محدث ينسدّ طريق الفيوض والبركات فحفظ الطّريقة من المحدثات من أهمّ المهمّات والإجتناب عن مخالفة الطّريقة من الضّروريّات فكلّ موضع رأيت فيه مخالفة الطّريقة ينبغي زجره ومنعه بالمبالغة والإجتهاد في ترويج الطّريقة وتقويتها والسّلام. المكتوب الثّامن والسّتّون والمائتان إلى خان خانان في بيان العلم الموروث من الأنبياء وبيان المراد بالعلماء في حديث «علماء أمّتي كأنبياء بني إسرائيل» وأنّ العلم الموروث من الأنبياء ليس هو الأسرار الّتي تكلّم بها الأولياء من التّوحيد الوجوديّ والإحاطة والسّريان وما يشاكلها بل غيرها الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى وبعد. فاعلم أنّ أحوال فقراء هذه الحدود وأوضاعهم مستوجبة للحمد والمسئول من الله سبحانه سلامتكم وعافيتكم وثباتكم واستقامتكم. ولمّا كان مبحث علم الوراثة في البين أردت أن أكتب كلمات من تلك المقولة على حسب مقتضى الوقت وقد ورد في الأخبار " العلماء ورثة الأنبياء». والعلم الّذي بقي من الأنبياء عليهم السّلام نوعان علم الأحكام وعلم الأسرار فالعالم الوارث من يكون له سهم من نوعي العلم لا من يكون له نصيب من نوع واحد فقط فإنّ ذلك مناف للوراثة فإنّ الوارث من يكون له نصيب من جميع أنواع تركة المورّث لا من بعض دون بعض والّذي له نصيب من البعض المعيّن فهو داخل في الغرماء حيث يتعلّق نصيبه بجنس حقّه وكذلك قال النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام «علماء أمّتي كأنبياء بني إسرائيل». والمراد بالعلماء هنا علماء الوراثة لا الغرماء الّذين يأخذون نصيبهم من بعض التّركة فإنّ الوارث يمكن أن يقال له: إنّه كالمورّث بواسطة القرب والجنسيّة بخلاف الغريم فإنّه خال عن هذه العلاقة فمن لم يكن وارثا لا يكون عالما الّا أن نقيّد علمه بنوع واحد ونقول إنّه عالم بعلم الأحكام مثلا والعالم المطلق هو الّذي يكون وارثا ويكون له حظّ وافر ونصيب تامّ من كلا نوعي العلم. وقد زعم الأكثرون أنّ علم الأسرار عبارة عن علوم التّوحيد الوجوديّ وشهود الوحدة في الكثرة ومشاهدة الكثرة في الوحدة وأنّه كناية عن معارف الإحاطة وسريان وجوده تعالى وقربه ومعيّته سبحانه على النّهج الّذي صارت منكشفة ومشهودة لارباب الأحوال حاشا وكلّا ثمّ حاشا وكلّا من أن تكون هذه العلوم والمعارف من علم الأسرار ولائقة بمرتبة النّبوّة فإنّ مبنى تلك المعارف السّكر وغلبة الحال الّتي هي منافية للصّحو وعلم الأنبياء كلّه سواء كان علم الأحكام أو علم الأسرار ناش من غاية الصّحو الّذي ما امتزجت فيه ذرّة من السّكر بل هذه المعارف مناسبة لمقام الولاية الّتي لها قدم راسخ في السّكر فتكون هذه العلوم من أسرار الولاية لا من أسرار النّبوّة. والولاية وإن كانت هي أيضا ثابتة ولكنّ أحكامها مغلوبة وفي جنب أحكام النّبوّة متلاشية ومضمحلّة، شعر: ومتى بدت أنوار بدر في الدّجا .

Sección V01/P364–V01/P365

ما للسّهى من حيلة سوى الإختفا وقد كتبت في كتبي ورسائلي وحقّقت أنّ كمالات النّبوّة لها حكم البحر المحيط وكمالات الولاية في جنبها قطرة محقّرة ولكن ماذا نفعل وقد قال جماعة من عدم إدراكهم لكمالات النّبوّة: إنّ الولاية أفضل من النّبوّة وقال طائفة أخرى في توجيه هذا الكلام إنّ المراد به أنّ ولاية نبيّ أفضل من نبوّته وكلّ من هذين الفريقين قد حكموا على الغائب من غير علم بحقيقة النّبوّة وقريب من هذا الحكم الحكم بترجيح السّكر على الصّحو فإن عرفوا حقيقة الصّحو لعرفوا أنّ السّكر لا نسبة له إلى الصّحو أصلا، (ع): ما نسبة الفرشيّ بالعرشيّ وكأنّهم شبّهوا صحو الخواصّ بصحو العوامّ وزعموا وجود المماثلة بينهما فرجّحوا السّكر عليه وليتهم إذ زعموا وجود المماثلة بين صحو الخواصّ وصحو العوامّ لم يجترئوا على هذا الحكم فإنّ من المقرّر عند العقلاء أنّ الصّحو أفضل من السّكر مطلقا وهذا الحكم دائميّ عندهم سواء كان السّكر والصّحو مجازيّين أو حقيقيّين وتفضيل الولاية على النّبوّة وترجيح السّكر على الصّحو شبيه بترجيح الكفر على الإسلام وتفضيل الجهل على العلم فإنّ كلّا من الكفر والجهل مناسب لمقام الولاية وكلّا من الإسلام والعلم مناسب لمرتبة النّبوّة قال الحسين بن منصور الحلّاج، شعر: كفرت بدين الله والكفر واجب . لديّ وعند المسلمين قبيح ومحمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم استعاذ من الكفر قل كلّ يعمل على شاكلته فكما أنّ الإسلام في عالم المجاز أفضل من الكفر كذلك ينبغي أن يعتقد أنّه في الحقيقة أفضل من الكفر فإنّ المجاز قنطرة الحقيقة. فإن قيل: كما أنّ الكفر والسّكر والجهل ثابت في مرتبة الجمع من مقامات الولاية كذلك الإسلام والصّحو والمعرفة متحقّق في مرتبة الفرق بعد الجمع منها فكيف يصحّ القول بمناسبة الكفر والسّكر والجهل فقط لمقام الولاية. (أقول) إنّ إثبات الصّحو وأمثاله في مرتبة الفرق إنّما هو بالنّسبة إلى مرتبة الجمع الّتي ليس فيها غير السّكر والمحو والّا فصحو مرتبة الفرق أيضا ممتزج بالسّكر وإسلامها مختلط بالكفر ومعرفتها مشوبة بالجهل فلو وجدت مجالا للكتابة لذكرت أحوال مقام الفرق ومعارفه بالتّفصيل وبيّنت امتزاج السّكر وأمثاله فيها بالصّحو وأمثاله ولعلّ أرباب الفطانة يجدون هذا المعنى بالتّفرّس أيضا والعجب كلّ العجب ألم يفهموا أنّ الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام إنّما نالوا ما نالوا من هذه العظمة والجلالة كلّها من طريق النّبوّة لا من طريق الولاية، (وغاية) شأن الولاية إنّما هي الخادميّة للنّبوّة فلو كانت للولاية مزيّة على النّبوّة لكان الملائكة الّذين ولايتهم أكمل من سائر الولايات أفضل من الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ولمّا قالت طائفة من هؤلاء القوم بأفضليّة الولاية من النّبوّة ورأوا ولاية الملائكة الملأ الأعلى أفضل من ولاية الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام قالوا بالضّرورة انّ الملائكة أفضل من الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام وفارقوا في ذلك جمهور أهل السّنّة والجماعة وكلّ ذلك لعدم الإطّلاع على حقيقة النّبوّة ولمّا كانت كمالات النّبوّة حقيرة في نظر النّاس في جنب كمالات الولاية بواسطة بعد عهد النّبوّة بسطنا الكلام في هذا الباب بالضّرورة وكشفنا شمة من حقيقة المعاملة ربّنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبّت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين. وحيث كان أخي الأرشد الشّيخ ميان داود من المتردّدين في تلك الحدود كان باعثا على هذا التّصديع. المكتوب التّاسع والسّتّون والمائتان إلى مرتضى خان في التّرغيب في إيصال الإهانة إلى أعداء الدّين وتخريب آلهتهم الباطلة وتوهينها وإظهار تمنّيه هذا الأمر العظيم القدر وما يناسب ذلك. الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى.

Sección V01/P365–V01/P367

اعلم أنّ لكلّ شخص تمنّى أمر من الأمور وتمنّى هذا الفقير التّشديد على أعداء الله جلّ وعلا وأعداء رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم وإيصال الإهانة لهؤلاء الخائبين واحتقار آلهتهم الباطلة واعلم يقينا أن لا عمل أرضى عند الحقّ جلّ وعلا من هذا العمل ولهذا نرغّبكم في هذا العمل المرضيّ مكرّرا وأرى إتيان هذا العمل من أهمّ مهمّات الإسلام وحيث وفّقت للتّشريف هناك وتعيّنت لتحقير تلك البقعة الكثيفة وإهانة أهلها ينبغي أوّلا أداء شكر هذه النّعمة فإنّه كان يذهب جمع كثير لتعظيم ذلك المقام وتوقير أهله لله سبحانه الحمد والمنّة وعلى ما لم يبتلنا بهذه البليّة وبعد أداء شكر هذه النّعمة العظمى ينبغي تقديم السّعي البليغ في تحقير هؤلاء الخائبين الخاسرين وتوهين آلهتهم الباطلة والإجتهاد في تخريب تلك الجماعة سرّا وجهرا مهما أمكن وتيسّر وإيصال أنواع الإهانة لنا حتّى الأصنام القاصرين وعسى أن يتلافى ويتدارك بهذا العمل بعض المداهنات الواقعة في حقّهم ويكون ذلك كفارّة لتلك ويمنعني ضعف البدن وشدّة البرد من الوصول هناك والّا لوصلت إلى خدمتكم للتّرغيب في هذا الأمر ورميت بهذه المناسبة بزاقا على ذلك الحجر وجعلته رأس بضاعة السّعادة وماذا أبالغ أزيد من ذلك. المكتوب السّبعون والمائتان إلى الشّيخ نور محمّد في بيان ترجيح بعض الصّحبة على العزلة الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى قد نسي أخي نور محمّد النّائين المهجورين على نهج لا يذكرهم بسلام ولا بكلام وكان متمنّاكم العزلة والإنزواء فقد تيسّر ذلك ولكن بعض الصّحبة يرجّح ويفضّل على العزلة وكفى حال أويس القرنيّ أن يكون مقياسا حيث اختار العزلة ولم ينل صحبة خير البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام فلم يجد حظّا من كمالات الصّحبة وصار من التّابعين وتأخّر من الدّرجة الاولى من درجات الخير إلى الدّرجة الثّانية وفي كلّ يوم طرز آخر من الصّحبة بعناية الله تعالى من استوى يوماه فهو مغبون والسّلام عليكم وعلى سائر من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلوات والتّحيّات. المكتوب الحادي والسّبعون والمائتان إلى الشّيخ حسن البركيّ في حلّ استفساره عن الواقعة الّتي رآها الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى وصل مكتوب أخي الأعزّ الشّيخ حسن أحسن الله حاله وبلّغه كماله واتّضحت الواقعة المسطورة الّتي ظهرت ظهورا بيّنا ينبغي أن يكون راجيا وأن تجتهد في إتيان ما أنت مأمور به ببذل الرّوح وأن لا تجوز تجاوز الحدود الشّرعيّة مقدار شعرة وأن تتحلّى بمعتقدات أهل السّنّة والجماعة الحقّة (ع) هذا هو الأمر والباقي خيالات فإن أجاز والدكم ورضي الإخوان ينبغي أن يغتنم سير بلاد الهند والسّلام. المكتوب الثّاني والسّبعون والمائتان إلى السّيّد محبّ الله المانك?

Sección V01/P367–V01/P368

وريّ في بيان الإيمان الغيبيّ والإيمان الشّهوديّ وبيان التّوحيد الوجوديّ والتّوحيد الشّهوديّ وأنّ الضّروريّ في تحقّق الفناء هو الشّهوديّ وأنّ أوّل من أظهر التّوحيد الوجوديّ صاحب الفتوحات المكّيّة وما يناسب ذلك بعد الحمد والصّلوات ليعلم الأخ الأعزّ المير محبّ الله أنّ الإيمان بالغيب بوجود الواجب تعالى وسائر صفاته نصيب الأنبياء وأصحابهم عليهم الصّلاة والسّلام ونصيب الأولياء الّذين ثبت لهم الرّجوع بالكلّيّة ونسبتهم نسبة الأصحاب وإن كان هؤلاء قليلين بل أقلّ ونصيب العلماء ونصيب عامّة المؤمنين أيضا والإيمان الشّهوديّ نصيب عامّة الصّوفيّة سواء كانوا من أرباب العزلة أو من أصحاب العشرة فإنّ أصحاب العشرة وإن كانوا مرجوعين لكنّهم ما رجعوا بالكلّيّة بل باطنهم مستشرف إلى الفوق ومنجذب إليه دائما فهو بالظّاهر مع الخلق وبالباطن مع الحقّ جلّ سلطانه فالإيمان الشّهوديّ نصيبهم دائما والأنبياء عليهم السّلام لمّا كانوا مرجوعين بالكلّيّة ومتوجّهين ظاهرا وباطنا إلى دعوة الخلق بالحقّ جلّ وعلا كان الإيمان الغيبيّ نصيبهم بالضّرورة وقد حقّق هذا الفقير في بعض رسائله أنّ التّوجّه نحو الفوق مع وجود الرّجوع من علامة النّقص وعدم الوصول إلى نهاية الأمر والرّجوع بالكلّيّة علامة الوصول إلى نهاية النّهايات والصّوفيّة زعموا أنّ الكمال إنّما هو في الجمع بين التّوجّهين وعدّوا الجامع بين التّشبيه والتّنزيه من الكمّل، (ع) وللنّاس فيما يعشقون مذاهب فإذا فرغ الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام من وظيفة الدّعوة وتوجّهوا نحو عالم البقاء وتمّت مصلحة الرّجوع يكونون متوجّهين بكلّيّتهم إلى الحقّ جلّ شأنه قائلين بتمام الشّوق الرّفيق الأعلى متبخترين في مراتب القرب شعر: هنيئا لارباب النّعيم نعيمها . وللعاشق المسكين ما يتجرّع والكمال عند الفقير هو أن ترتفع الكثرة وقت العروج عن النّظر بالكلّيّة حتّى لا تكون الأسماء والصّفات أيضا ملحوظة ولا يكون غير الأحديّة المجرّدة مشهودا ثمّ يعامل معه ما يعامل معه وأن يقع النّظر وقت الرّجوع إلى الكثرة بالتّمام ولا يكون مشهوده كعامّة المؤمنين غير الخلق ولا يكون شغله غير أداء الطّاعة ودعوى الخلق إلى الحقّ جلّ وعلا فإذا تمّ أمر الدّعوة وودّع العالم الفاني يتوجّه بكلّيّته إلى جناب قدسه تعالى ويحوّل رحله من الغيب إلى الشّهادة ويبدّل معاملة المراسلة بمعاملة المعانقة ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. ولا يخيّلنّ النّاقص أنّ الرّجوع الكلّيّ نقص ولا يزعمنّ أنّ التّوجّه بالباطن إلى الحقّ جلّ وعلا أفضل من التّوجّه إلى الخلق لدعوتهم وتكميلهم فإنّ صاحب الرّجوع ما جاء إلى مقام الرّجوع باختيار نفسه بل نزل من أعلى إلى أسفل بإرادة الحقّ جلّ سلطانه ورضي لنفسه بالهجر عن الوصول فصاحب الرّجوع قائم بمراد الحقّ جلّ شأنه وفان عن مراد نفسه وصاحب التّوجّه محفوظ بالوصل والشّهود ومسرور بالقرب والمعيّة، شعر: إذا أرضي منّا قلبي بعاديّ . فهذا الهجر أحظى من وصالي لأنّي في الوصال عبيد نفسي . وفي الهجر أنّ مولى للموالي وشغلي بالحبيب بكلّ حال . أحبّ إليّ من شغلي بحالي وفضائل الرّجوع وكمالاته كثيرة وصاحب التّوجّه بالنّسبة إلى صاحب الرّجوع قطرة بالنّسبة إلى البحر المحيط وهذا الرّجوع من فضائل النّبوّة وذاك التّوجّه من آثار الولاية شتّان ما بينهما ولكن لا يدرك هذا الكمال فهم كلّ أحد ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

Sección V01/P368–V01/P369

وقال بعض الجامعين بين التّشبيه والتّنزيه انّ الإيمان بالتّنزيه حاصل لجميع المؤمنين والعارف هو الّذي يجمع بينه وبين الإيمان بالتّشبيه ويرى الخلق ظهور الخالق والكثرة كسوة الوحدة ويطالع الصّانع في صنعه وبالجملة انّ التّوجّه إلى التّنزيه الصّرف نقص عندهم وشهود الوحدة بلا ملاحظة الكثرة عيب وهذه الجماعة يعدّون المتوجّهين إلى الاحديّة الصّرفة ناقصين ويظنّون ملاحظة الوحدة بلا مطالعة الكثرة تحديدا وتقييدا سبحان الله وبحمده أما دروا أنّ دعوة الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام كلّها إلى تنزيه صرف والكتب السّماويّة ناطقة بالإيمان التّنزيهيّ والأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ينفون الآلهة الباطلة الآفاقيّة والأنفسيّة ويدعون الخلق إلى إبطالها ويدلّون على وحدة واجب الوجود المنزّه عن التّشبيه والتّكييف هل سمعت قطّ أن نبيّا دعا إلى الإيمان التّشبيهيّ وقال: إنّ الخلق ظهور الخالق وجميع الأنبياء متّفقون على توحيد واجب الوجود تعالى وتقدّس ونفى أرباب غيره تعالى قال الله تعالى (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ أَلّا نَعْبُدَ إِلّا الله ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ الله فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اِشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ) وهؤلاء الجماعة يثبتون أربابا غير متناهية ويتخيّلون كلّهم ظهورات ربّ الأرباب وما يستشهدون به في إثبات مطالبهم من الكتاب والسّنّة ليس فيه استشهاد أصلا أمّا الكتاب فقوله تعالى (هُوَ الْأَوَّلُ والْآخِرُ والظّاهِرُ والْباطِنُ) (وما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكِنَّ الله رَمى) (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ الله يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) وأمّا السّنّة فقوله عليه الصّلاة والسّلام اللهمّ أنت الأوّل فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظّاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء. فإنّ جميع الحصر في هذه العبارات لنفي كمال الوجود عمّا سواه تعالى بأبلغ الوجوه لا نفي أصل الوجود كما قال عليه الصّلاة والسّلام لا صلاة الّا بفاتحة الكتاب. وقال أيضا: لا إيمان لمن لا أمانة له. وأمثال ذلك في الكتاب والسّنّة كثيرة وهذا التّوجيه ليس من قبيل تأويل النّصوص كما زعموا بل هو حمل النّصوص على كمال البلاغة كما أنّ في العرف إذا وقع الإهتمام برسالة شخص ونيابته يقال: إنّ يده يديّ والمقصود هنا ليس الحقيقة بل المجاز الّذي هو أبلغ من الحقيقة فإذا كان وقوع الفعل أكثر وأزيد بالنّظر إلى مقدار قدرة الفاعل الّذي هو عبد مملوك لصاحب القدرة الكاملة وكان التفات ذلك القادر المالك وتوجّهه إلى ذلك الفعل مرعيّا يصحّ للمالك أن يقول أنا فعلت هذا الفعل لا أنت ولا دلالة لهذا الكلام أصلا على اتّحاد الفعل ولا على اتّحاد الذّات معاذ الله من أن يكون فعل العبد المملوك عين فعل المالك المقتدر أو يكون ذاته عين ذاته ألم تفهم هذه الجماعة مذاق الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام فإنّ مدار دعوتهم على إثبات الاثنينيّة ووجود المغايرة يعني بين الخلق والخالق. وتنزيل عباراتهم على التّوحيد والاتّحاد من التّكلّفات الباردة فإن كان الموجود واحدا في الحقيقة وكان ما سواه ظهوراته وكان عبادة ما سواه عبادته كما زعم هؤلاء الجماعة لم منع الأنبياء عليهم السّلام عنها بالمبالغة والتّأكيد ولم خوّفوا بالعقوبات الأبديّة على عبادة ما سواه ولم قالوا لعابديه " أعداء الله " ولم لم يطلعوهم على منشأ غلطهم ولم يزيلوا عنهم رؤية المغايرة النّاشئة عن الجهل فيهم ولم يفهموهم أنّ عبادة ما سواه عين عبادته جلّ وعلا.

Sección V01/P369–V01/P370

قال بعض هؤلاء الجماعة: إنّ الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام إنّما أخفوا أسرار التّوحيد الوجوديّ عن العوامّ وبنوا أمر الدّعوة على إثبات المغايرة وأخفوا الوحدة ودلّوا على الكثرة بسبب قصور فهم العوامّ عن ذلك وهذا القول غير مسموع منه كما لا يسمع القول بالتّقاة من الشّيعة فإنّ الأنبياء عليهم السّلام أحقّ بتبليغ ما هو مطابق لنفس الأمر فإن كان الوجود في نفس الأمر واحدا فلم اخفوه واظهروا خلاف ما في نفس الامر خصوصا في الاحكام الّتى تتعلّق بذات واجب الوجود وصفاته وأفعاله تعالى وتقدّس فإنّهم أحقّاء بإعلانها وإظهارها وإن كان قاصر النّظر قاصرا عن إدراكها وعاجزا عن فهمها فضلا عن العوامّ ألا ترى أنّ المتشابهات القرآنيّة وما ورد في الأحاديث النّبويّة من المتشابهات يعجز الخواصّ عن فهمها فضلا عن العوامّ ومع ذلك لم يمنعوا ولم يعقهم توهّم غلط العوامّ من إبدائها وهؤلاء الجماعة يسمّون من يقول بتعدّد الوجود والموجود ويتنزّه عن عبادة ما سوى المعبود تعالى وتقدّس مشركا ويقولون لمن يقول بوحدة الوجود موحّدا ولو كان يعبد ألف صنم بتخيّل انّها ظهورات الحقّ سبحانه وأنّ عبادتها عبادته سبحانه ينبغي أن يتأمّل بالإنصاف أيّ صنف من هذين الصّنفين مشرك وأيّ صنف منهما موحّد والأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ما دعوا الخلق إلى وحدة الوجود ولم يقولوا لمن قال بتعدّد الوجود مشركا بل كانت دعوتهم إلى وحدة المعبود جلّ سلطانه وأطلقوا الشّرك على عبادة ما سواه تعالى فإن لم يعرف الصّوفيّة الوجوديّة ما سواه تعالى بعنوان الغيريّة لا يتخلّصون من الشّرك وما سواه تعالى هو ما سواه تعالى عرفوا ذلك أو لا وبعض المتأخّرين منهم قال: إنّ العالم ليس عين الحقّ جلّ سلطانه ويتحاشى من القول بالعينيّة ويطعن في القائلين بها ويشنّعهم وينكر الشّيخ محيي الدّين بن عربيّ واتباعه من هذا الوجه ويذكرهم بسوء ومع ذلك لا يقول بمغايرة العالم للحقّ سبحانه بل يقول إنّه ليس عين الحقّ ولا غير الحقّ سبحانه وهذا الكلام بعيد عن الصّواب فإنّ الاثنان متغايران قضيّة مقرّرة ومنكر المغايرة بين الإثنين مصادم لبديهة العقل غاية ما في الباب أنّ المتكلّمين قالوا في صفات الواجب إنّها لا هو ولا غيره وأرادوا بالغير الغير المصطلح وراعوا جواز الإنفكاك في المتغايرين فإنّ صفات الواجب ليست منفكّة عن الذّات وجواز الإنفكاك بين الذّات والصّفات القديمة غير متصوّر فقول لا هو ولا غيره صادق في الصّفات القديمة بخلاف العالم فإنّ تلك النّسبة مفقودة فيه كان الله ولم يكن معه شيء. فنفي العينيّة والغيريّة معا من العالم بعيد عن الصّدق لغة واصطلاحا وهؤلاء الجماعة إنّما زعموا العالم وتصوّروه كالصّفات القديمة وأثبتوا له الحكم المخصوص بها من قصورهم وعدم وصولهم وحيث قالت هؤلاء الجماعة بنفي عينيّة العالم كان اللّازم لهم أن يقولوا بغيريّته أيضا حتّى يخرجوا من زمرة أرباب التّوحيد الوجوديّ ويحكموا بتعدّد الوجود وفي التّوحيد الوجوديّ لا بدّ من القول بالعينيّة كما قال بها الشّيخ محيي الدّين بن عربيّ وأتباعه والقول بالعينيّة لا بمعنى أنّ العالم متّحد بالصّانع معاذ الله من ذلك بل بمعنى أنّ العالم معدوم والموجود هو واجب الوجود تعالى وتقدّس كما حقّق هذا الفقير هذا المعنى في بعض رسائله. فإن قيل: إنّ الصّوفيّة الوجوديّة إنّما يقولون لمن يقول بتعدّد الوجود مشركا باعتبار أنّه يرى ويشاهد الإثنين ومشاهد الإثنين هو مشرك الطّريقة؟

Sección V01/P370–V01/P371

(أجيب) أنّ رؤية الإثنين الّتي هي شرك الطّريقة تندفع بالتّوحيد الشّهوديّ ولا حاجة إلى التّوحيد الوجوديّ في ذلك الموطن بل ينبغي أن لا يكون مشهود السّالك وملحوظه غير الذّات الأحد المقدّسة حتّى يتحقّق الفناء ويندفع شرك الطّريقة كما إذا رأى شخص الشّمس في النّهار وحدها ولم ير النّجوم يندفع رؤية الاثنين وان كانت النّجوم كلّها موجودة في النّهار والمقصود هو كون المشهود هو الشّمس وحدها سواء كانت النّجوم موجودة أو معدومة بل أقول: إنّ كمال الفناء إنّما هو في صورة تكون الأشياء موجودة ومع ذلك لا يلتفت السّالك من كمال تعلّقه وشغفه بالمطلوب الحقيقيّ إلى شيء أصلا بل لا يشاهد شيئا ولا يقع نظر بصيرته إلى شيء قطعا فإن لم تكن الأشياء موجودة فمن أيّ شيء يتحقّق الفناء وعمّن يكون فانيا وذاهلا وناسيا وأوّل من صرّح بالتّوحيد الوجوديّ هو الشّيخ محيي الدّين بن عربيّ وعبارات المشائخ المتقدّمين وإن كانت مشعرة بالتّوحيد ومنبئة عن الإتّحاد ولكنّها قابلة للحمل على التّوحيد الشّهوديّ فإنّه لمّا لم ير غير الحقّ سبحانه قال بعضهم: ليس في جبّتي سوى الله وقال بعضهم: سبحاني وبعضهم ليس في الدّار غيري وهذه كلّها أزهار تفتّقت من غصن رؤية الواحد لا دلالة في واحد منها على التّوحيد الوجوديّ والّذي بوّب مسألة وحدة الوجود وفصّلها ودوّنها تدوين النّحو والصّرف هو الشّيخ محيي الدّين بن العربيّ وخصّص بعض المعارف الغامضة بين هذا المبحث بنفسه حتّى قال: إنّ خاتم النّبوّة يأخذ بعض العلوم والمعارف عن خاتم الولاية وأراد بخاتم الولاية المحمّديّة نفسه وقال الشّرّاح في توجيهه: إنّ السّلطان إذا أخذ من خازنه شيئا فأيّ نقصان فيه وبالجملة لا حاجة في تحصيل الفناء والبقاء وحصول الولاية الصّغرى والكبرى إلى التّوحيد الوجوديّ بل لا بدّ في تحقّق الفناء وحصول نسيان السّوى من التّوحيد الشّهوديّ بل يمكن أن يسير السّالك من البداية إلى النّهاية ولا يظهر له شيء من علوم التّوحيد الوجوديّ ومعارفها أصلا بل يكاد ينكر هذه العلوم وعند هذا الفقير أنّ الطّريق الّذي يتيسّر سلوكه بدون ظهور هذه المعارف أقرب من الطّريق الّذي هو متضمّن لظهور هذه المعارف. وأيضا إنّ أكثر سالكي هذه الطّريق يصلون إلى المطلوب وأكثر سائري ذاك الطّريق يبقون في الطّريق ويروون من البحر بقطرة ويبتلون بتوهّم اتّحاد الظّلّ بالأصل ويحرمون بذلك الوصل وعلمت هذا المعنى بتجاريب متعدّدة والله سبحانه الملهم للصّواب وسير الفقير وإن كان من الطّريق الثّاني ووجد حظّا وافرا من ظهورات علوم التّوحيد الوجوديّ ومعارفه ولكن لمّا كانت عناية الحقّ سبحانه شاملة لحاله وكان سيره السّير المحبوبيّ طوى بوادي الطّريق ومفاويزه بامداد فضله وعنايته تعالى وجاوز مراتب الظّلال ووصل إلى الأصل بتوفيق الله تعالى وعونه. ولمّا وقعت المعاملة على المسترشدين رأى أنّ الطّريق الآخر أقرب إلى الوصول وأسهل من حيث الحصول الحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله، لقد جاءت رسل ربّنا بالحقّ. تنبيه: قد علم من التّحقيق السّابق أنّ الموجودات وإن كانت متعدّدة وما سواه تعالى كان موجودا جاز أن يتحقّق الفناء والبقاء وتحصل الولاية الصّغرى والكبرى فإنّ الفناء هو نسيان السّوى لا إعدامه واستئصاله وما هو اللّازم فيه أن تكون رؤية السّوى مفقودة لا أن يكون السّوى معدوما ولا شيئا محضا.

Preguntas