Şîrâzî — el-Mühezzeb (Şâfiî)
والسنة أن يدعى لها الصلاة جامعة لما روت عائشة رضي الله عنها قالت كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر رجلا أن ينادي الصلاة جامعة فصل في صفة صلاة الكسوف وهي ركعتان في كل ركعة قيامان وقراءتان وركوعان وسجودان والسنة أن يقرأ في القيام الأول بعد الفاتحة سورة البقرة أو بقدرها ثم يركع ويسبح بقدر مائة آية ثم يرفع ويقرأ فاتحة الكتاب ويقرأ بقدر مائتي آية ثم يركع ويسبح بقدر تسعين آية ثم يسجد كما يسجد في غيرها وقال أبو العباس يطيل السجود كما يطيل الركوع وليس بشيء لان الشافعي رحمه الله لم يذكر ذلك ولا ( نقل ) ذلك في خبر ولو كان قد أطال لنقل كما نقل في القراءة والركوع ثم يصلي الركعة الثانية فيقرأ بعد الفاتحة قدر مائة آية وخمسين آية ثم يركع ( يدعو ) بقدر سبعين آية ثم يرفع ويقرأ بعد الفاتحة بقدر مائة آية ثم يركع بقدر خمسين آية ثم يسجد والدليل عليه ما روى ابن عباس رضي الله عنه قال كسفت الشمس فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه فقام قياما طويلا نحوا من سورة البقرة ثم ركع ركوعا طويلا ثم قام قياما طويلا وهو دون القيام الأول ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول ثم سجد وانصرف وقد تجلت الشمس والسنة أن يسر بالقراءة في كسوف الشمس لما روي عن ابن عباس قال كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام فصلى فقمت إلى جنبه فلم أسمع له قراءة ولانها صلاة نهار لها نظير بالليل فلم يجهر فيها بالقراءة كالظهر ويجهر في كسوف القمر لانها صلاة ليل لها نظير بالنهار فيسن لها الجهر كالعشاء فصل يخطب للكسوف بعد الصلاة والسنة أن يخطب لها بعد الصلاة لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم فرغ من صلاته فقام فخطب الناس فحمد الله وأثني عليه وقال الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فصلوا وتصدقوا فصل إذا تجلت الشمس ولم يصل فإن لم يصل حتى تجلت لم يصل لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا رأيتم ذلك فصلوا حتى تنجلي فإن تجلت وهو في الصلاة أتمها لانها صلاة أصل فلا يخرج منها بخروج وقتها كسائر الصلوات وإن تجللتها غمامة وهي كاسفة صلى لان الأصل بقاء الكسوف وإن غربت الشمس ( وهي ) كاسفة لم يصل لانه لا سلطان لها بالليل وإن غاب القمر وهو كاسف فإن كان قبل طلوع الفجر صلى لان سلطانه باق وإن غاب بعد طلوع الفجر ففيه قولان قال في القديم لا يصلي لان سلطانه بالليل وقد ذهب الليل وقال في الجديد يصلي لان سلطانه باق ما لم تطلع الشمس لانه ينتفع بضوئه وإن صلى ولم تتجل لم يصل مرة أخرى لانه لم ينقل ذلك عن أحد ولا تسن صلاة الجماعة لآية غير الكسوف كالزلازل وغيرها لان هذه الآيات قد كانت ولم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى لها جماعة غير الكسوف فصل في اجتماع صلاة الكسوف مع غيرها وإن اجتمعت صلاة الكسوف مع غيرها قدم أخوفهما فوتا فإن استويا في الفوت قدم آكدهما فإن اجتمعت مع صلاة الجنازة قدمت صلاة الجنازة لانه يخشى عليها التغير والانفجار وإن اجتمعت مع المكتوبة في أول الوقت بدأ بصلاة الكسوف لانه يخاف فوتها بالتجلى وإذا فرغ بدأ بالمكتوبة قبل الخطبة للكسوف لان المكتوبة يخاف فوتها والخطبة لا يخاف فوتها وإن اجتمعت معها في آخر الوقت بدأ بالمكتوبة لانهما استويا في خوف الفوت والمكتوبة آكد فكان تقديمها أولى وإن اجتمعت مع الوتر في آخر وقتها قدمت صلاة الكسوف لانهما استويا في الفوت وصلاة الكسوف آكد فكانت بالتقديم أولى باب صلاة الاستسقاء
وصلاة الاستسقاء سنة لما روى عباد بن تميم عن عمه قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يستسقي فصلى ركعتين جهر بالقراءة فيهما وحول رداءه ورفع يديه واستسقى والسنة أن يكون في المصلى لما روت عائشة رضي الله عنها قالت شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحوط المطر فأمر بمنبر فوضع له في المصلى ولان الجمع يكثر فكان المصلى أرفق بهم فصل في عمل الإمام عند الاستسقاء إذا أراد الإمام الخروج إلى الاستسقاء وعظ الناس وأمرهم بالخروج من المظالم والتوبة من المعاصي قبل أن يخرج لان المظالم والمعاصي تمنع المطر والدليل عليه ما روى أبو وائل عن عبد الله أنه قال إذا بخس المكيال حبس القطر وقال مجاهد في قوله عز وجل ويلعنهم اللاعنون قال دواب الأرض تلعنهم تقول تمنع القطر خطاياهم ويأمرهم بصوم ثلاثة أيام قبل الخروج ويخرجون في اليوم الرابع وهم صيام لقوله صلى الله عليه وسلم دعوة الصائم لا ترد ويأمرهم بالصدقة لانه أرجى للإجابة ويستسقى بالخيار من أقرباء رسول الله صلى الله عليه وسلم لان عمر رضي الله عنه استسقى بالعباس وقال اللهم إنا كنا إذا قحطنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك اليوم بعم نبينا فاسقنا فيسقوا ويستسقي بأهل الصلاح لما روي أن معاوية استسقى بيزيد بن الأسود فقال اللهم إنا نستسقي إليك بخيرنا وأفضلنا اللهم إنا نستسقي إليك بيزيد بن الأسود يا يزيد ارفع يديك إلى الله عز وجل فرفع يديه ورفع الناس أيديهم فثارت سحابة من المغرب كأنها ترش وهبت لها ريح فسقوا حتى كاد الناس ألا يبلغوا منازلهم ويستسقى بالشيوخ والصبيان لقوله صلى الله عليه وسلم لولا صبيان رضع وبهائم رتع وعباد الله ركع لصب عليهم العذاب صبا قال في الأم ولا آمر بإخراج البهائم وقال أبو إسحق أستحب إخراج البهائم لعل الله يرحمها لما روي أن سليمان عليه السلام خرج يستسقي فرأى نملة تستسقي فقال ارجعوا فإن الله تعالى سقاكم بغيركم ويكره إخراج الكفار للاستسقاء لانهم أعداء الله فلا يجوز أن يتوسل بهم إليه فإن حضروا وتميزوا لم يمنعوا لانهم جاءوا في طلب الرزق والمستحب أن يتنظف للاستسقاء بغسل وسواك لانها صلاة يسن لها الاجتماع والخطبة فيشرع لها الغسل كصلاة الجمعة ولا يستحب أن يتطيب لها لان الطيب للزينة وليس هذا وقت زينة ويخرج متواضعا متبذلا لما روى ابن عباس قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يستسقي متواضعا مبتذلا متخشعا متضرعا ولا يؤذن لها ولا يقام لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يستسقي فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة ثم خطبنا والمستحب أن ينادى لها الصلاة جامعة لانها صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة ولا يسن لها الأذان والإقامة فيسن لها الصلاة جامعة كصلاة الكسوف فصل في صفة صلاة الاستسقاء وصلاته ركعتان كصلاة العيد ومن أصحابنا من قال يقرأ في الأولى بقاف وفي الثانية سورة نوح لانها فيها ذكر الاستسقاء والمذهب أنه يقرأ فيها ما يقرأ في العيد لما روي أن مروان أرسل إلى ابن عباس سأله عن سنة الاستسقاء فقال سنة الاستسقاء الصلاة في العيدين إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلب رداءه فجعل يمينه يساره ويساره يمينه وصلى ركعتين فكبر في الأولى سبع تكبيرات وقرأ سبح اسم ربك وقرأ في الثانية هل أتاك حديث الغاشية وكبر خمس تكبيرات والسنة أن يخطب لها بعد الصلاة لحديث أبي هريرة والمستحب أن يدعو في الخطبة الأولى فيقول اللهم اسقنا غيثا مغيثا هنيئا مريئا ( مريعا ) غدقا مجللا ( طبقا ) سحا عاما دائما اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين اللهم إن بالعباد والبلاد من اللاواء والضنك والجهد ما لا نشكو إلا إليك اللهم أنبت لنا الزرع وأدر لنا الضرع واسقنا من بركات السماء وأنبت لنا من بركات الأرض اللهم ارفع عنا الجهد والجوع والعري واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا فأرسل السماء علينا مدرارا
والمستحب أن يستقبل القبلة في أثناء الخطبة ويحول ما على الأيمن إلى الأيسر وما على الأيسر إلى الأيمن لما روى عبد الله بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المصلى يستسقي فاستقبل القبلة ودعا وحول رداءه فجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن فإن كان الرداء مربعا نكسه فجعل أعلاه أسفله وأسفله أعلاه وإن كان مدورا اقتصر على التحويل لما روى عبد الله بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استسقى وعليه خميصة له سوداء فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه ويستحب للناس أن يفعلوا مثل ذلك لما روي في حديث عبد الله بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حول رداءه وقلب ظهرا لبطن وحول الناس معه قال الشافعي رحمه الله وإذا حولوا أرديتهم تركوها محولة لينزعوها مع الثياب لانه لم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم غيرها بعد التحويل ويستحب أن يدعو في الخطبة الثانية سرا ليجمع في الدعاء بين الجهر والإسرار ليكون أبلغ ولهذا قال الله تعالى إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا ويستحب أن يرفع اليد في الدعاء لما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا عند الاستسقاء فإنه كان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه ويستحب أن يكثر من الاستغفار ومن قوله تعالى استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا لما روى الشعبي أن عمر رضي الله عنه خرج يستسقي فصعد المنبر فقال استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا استغفروا ربكم إنه كان غفارا ثم نزل فقيل له يا أمير المؤمنين لو استسقيت فقال لقد طلبت بمجاديح السماء التي يستنزل بها القطر فصل في تكرار الاستسقاء قال في الأم فإن صلوا ولم يسقوا عادوا من الغد وصلوا واستسقوا فإن سقوا قبل أن يصلوا صلوا شكرا لله وطلبا للزيادة ويجوز الاستسقاء بالدعاء من غير صلاة لحديث عمر رضي الله عنه ويستحب لاهل الخصب أن يدعوا لاهل الجدب ويستحب إذا جاء المطر أن يقول اللهم صيبا هنيئا لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى المطر قال ذلك ويستحب أن يتمطر لاول مطر لما روى أنس قال أصابنا مطر ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فحسر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصابه المطر فقلنا يا رسول الله لم صنعت هذا قال إنه حديث عهد بربه ويستحب إذا سال الوادي أن يغتسل فيه ويتوضأ لما روي أنه جرى الوادي فقال النبي صلى الله عليه وسلم اخرجوا بنا إلى هذا الذي سماه الله طهورا حتى نتوضأ منه ونحمد الله عليه ويستحب لمن سمع الرعد أن يسبح لما روى ابن عباس قال كنا مع عمر رضي الله عنه في سفر فأصابنا رعد وبرق وبرد فقال لنا كعب من قال حين يسمع الرعد سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ثلاثا عوفي من ذلك الرعد فقلنا فعوفينا كتاب الجنائز باب ما يفعل بالميت المستحب لكل أحد أن يكثر ذكر الم لما روى عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لاصحابه استحيوا من الله حق الحياء قالوا إنا نستحيي يا نبي الله والحمد الله قال ليس كذلك ولكن من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما حوى وليحفظ البطن وما وعى وليذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء وينبغي أن يستعد للموت بالخروج من المظالم والإقلاع من المعاصي والإقبال على الطاعات لما روى البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم أبصر جماعة يحفرون قبرا فبكى حتى بل الثرى بدموعه وقال إخواني لمثل هذا فأعدوا فصل فيما يستحب للمريض
ومن مرض استحب له أن يصبر لما روي أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله ادع الله أن يشفيني فقال إن شئت دعوت الله فشفاك وإن شئت فاصبري ولا حساب عليك فقالت أصبر ولا حساب علي ويستحب أن يتداوى لما روى أبو الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله عز وجل أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تتداووا بالحرام ويكره أن يتمنى الموت لضر نزل به لما روى أنس أن النبي عليه السلام قال لا يتمنين أحدكم الموت لضيق نزل به فإن كان لا بد متمنيا فليقل اللهم أحيني ما دامت الحياة خيرا لي وتوفني ( إذا كانت ) الوفاة خيرا لي وينبغي أن يكون حسن الظن بالله عز وجل لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل ويستحب عيادة المريض لما روى البراء بن عازب قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع الجنائز وعيادة المرضى فإن رجاه دعا له والمستحب أن يقول أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك سبع مرات لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من عاد مريضا لم يحضره أجله فقال عنده سبع مرات أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك عافاه الله تعالى من ذلك المرض وإن رآه منزولا به فالمستحب أن يلقنه قول لا إله إلا الله لما روى أبو سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقنوا موتاكم لا إله إلا الله وروى معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كان آخر كلامه لا إله إلا الله وجبت له الجنة ويستحب أن يقرأ عنده سورة يس لما روى معقل بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اقرءوا على موتاكم يعني يس ويستحب أن يضجع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة لما روت سلمى أم ولد رافع قالت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعي فراشي ههنا واستقبلي بي القبلة ثم قامت واغتسلت كأحسن ما يغتسل ولبست ثيابا جددا ثم قالت تعلمين أني مقبوضة الآن ثم استقبلت القبلة وتوسدت يمينها فصل فيما يصنع بمن مات فإذا مات تولى أرفقهم به إغماض عينيه لما روت أم سلمة رضي الله عنها قالت دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة ( فأغمض بصره ثم قال إن الروح إذا قبض تبعه البصر ولانها إذا لم تغمض بقيت ( عيناه ) مفتوحة فيقبح منظره ويشد لحييه بعصابة ) عريضة تجمع جميع لحييه ثم يشد العصابة على رأسه لانه إذا لم يفعل ذلك استرخى لحياه وانفتح فوه وقبح منظره وربما دخل إلى فيه شيء من الهوام وتلين مفاصله لانه أسهل في الغسل ولانها تبقى جافية فلا يمكن تكفينه وتخلع ثيابه لان الثياب تحمي الجسم فيسرع إليه التغيير والفساد ويجعل على سرير أو لوح حتى لا تصيبه نداوة الأرض فتغيره ويجعل على بطنه حديدة لما روي أن مولى أنس مات فقال أنس ضعوا على بطنه حديدة لئلا ينتفخ فإن لم تكن حديدة جعل عليه طين رطب ويسجى بثوب لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم سجى بثوب حبرة ويسارع إلى قضاء دينه والتوصل إلى إبرائه منه لما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى ويبادر إلى تجهيزه لما روى علي عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ثلاث لا تؤخروهن الصلاة والجنازة والأيم إذا وجدت كفؤا فإن مات فجأة ترك حتى يتيقن موته باب غسل الميت
( وغسل الميت ) فرض على الكفاية لقوله صلى الله عليه وسلم في الذي سقط من بعيره اغسلوه بماء وسدر فإن كان الميت رجلا لا زوجة له فأولى الناس بغسله الأب ثم الجد ثم الابن ثم ابن الابن ثم الأخ ثأ ابن الأخ ثم العم ثم ابن العم لانهم أحق بالصلاة عليه فكانوا أحق بالغسل وإن كان له زوجة جاز لها غسله لما روت عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أوصى أسماء بنت عميس لتغسله وهل تقدم على العصبات فيه وجهان أحدهما أنها تقدم لانها تنظر منه إلى ما لا تنظر العصبات وهو ما بين السرة والركبة والثاني يقدم العصبات لانهم أحق بالصلاة عليه وإن ماتت امرأة ولم يكن لها زوج غسلها النساء وأولاهن ( ذات ) رحم محرم ثم ذات رحم غير محرم ثم الأجنبية فإن لم يكن نساء غسلها الأقرب فالأقرب من الرجال على ما ذكرناه وإن كان لها زوج جاز له أن يغسلها لما روت عائشة رضي الله عنها قالت رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من البقيع فوجدني وأنا أجد صداعا وأقول وارأساه فقال بل أنا يا عائشة وارأساه ثم قال وما ضرك لو مت قبلي لغسلتك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك وهل يقدم على النساء على وجهين أحدهما يقدم لانه ينظر إلى ما لا ينظر النساء منها والثاني تقدم النساء على الترتيب الذي ذكرناه فإن لم يكن نساء فأولى الأقرباء بالصلاة فإن لم يكن فالزوج وإن طلق زوجته طلقة رجعية ثم مات أحدهما قبل الرجعة لم يكن للآخر غسله لانها محرمة عليه تحريم المبتوتة وإن مات رجل وليس هناك إلا امرأة أجنبية أو ماتت امرأة وليس هناك إلا رجل أجنبي ففيه وجهان أحدهما ييمم والثاني يستر بثوب ويجعل الغاسل على يده خرقة ( ثم ) يغسله فإن مات كافر فأقاربه الكفار أحق بغسله من أقاربه المسلمين لان للكافر عليه ولاية وإن لم يكن ( له ) أقارب من الكفار جاز لاقاربه من المسلمين غسله لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليا أن يغسل أباه وإن ماتت ذمية ولها زوج مسلم كان له غسلها لان النكاح كالنسب في الغسل وإن مات الزوج قال في الأم كرهت لها أن تغسله فإن غسلته أجزأه لان القصد منه التنظيف وذلك يحصل بغسلها وإن ماتت أم ولد كان للسيد غسلها لانه يجوز له غسلها في حال الحياة فجاز له غسلها بعد الموت كالزوجة وإن مات السيد فهل يجوز لها غسله فيه وجهان قال أبو علي الطبري لا يجوز لانها عتقت بموته فصارت أجنبية والثاني يجوز لانه لما جاز له غسلها جاز لها غسله كالزوجة فصل في صفة الغاسل وينبغي أن يكون الغاسل أمينا لما روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال لا يغسل موتاكم إلا المأمونون ولانه إذا لم يكن أمينا لم يؤمن ألا يستوفي الغسل وربما ستر ما يظهر من جميل أو يظهر ما يرى من قبيح ويستحب أن يستر الميت عن العيون لانه قد يكون في بدنه عيب كان يكتمه وربما اجتمع في موضع من بدنه دم فيراه من لا يعرف فيظن أن ذلك عقوبة وسوء عاقبة ويستحب ألا يستعين بغيره إن كان فيه كفاية وإن احتاج إلى معين استعان بمن لا بد له منه ويستحب أن يكون بقربه مجمرة حتى إن كانت له رائحة لم تظهر والأولى أن يغسل في قميص لما روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غسلوه وعليه قميص يصبون عليه الماء ويدلكونه من فوقه ولان ذلك أستر فكان أولى والماء البارد أولى من الماء المسخن لان البارد يقويه والمسخن يرخيه وإن كان به وسخ لا يزيله إلا المسخن أو البرد شديد أو يخاف الغاسل من استعمال البارد غسله بالمسخن وهل تجب نية الغسل فيه وجهان أحدهما لا تجب لان القصد منه التنظيف فلم تجب فيه النية كإزالة النجاسة
والثاني تجب لانه تطهير لا يتعلق بإزالة عين فوجبت فيه النية كغسل الجنابة ولا يجوز للغاسل أن ينظر إلى عورته لقوله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه لا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت ويستحب ألا ينظر إلى سائر بدنه إلا فيما لا بد منه ولا يجوز أن يمس عورته لانه إذا لم يجز النظر فالمس أولى ويستحب أن لا يمس سائر بدنه لما روي أن عليا كرم الله وجهه غسل النبي صلى الله عليه وسلم وبيده خرقة يتبع بها ما تحت القميص فصل في مستحبات الغسل والمستحب أن يجلسه إجلاسا رفيقا ويمسح بطنه مسحا بليغا لما روى القاسم بن محمد قال توفي عبد الله بن عبد الرحمن فغسله ابن عمر فنفضه نفضا شديدا وعصره عصرا شديدا ثم غسله ولانه ربما كان في جوفه شيء فإذا لم يعصره قبل الغسل خرج بعده وربما خرج بعدما كفن فيفسد الكفن وكلما أمر اليد على البطن صب عليه ماء كثيرا حتى إن خرج ( منه ) شيء لم تظهر رائحته ثم يبدأ فيغسل أسافله كما يفعل الحي إذا أراد الغسل ثم يوضأ كما يتوضأ الحي لما روت أم عطية قالت لما غسلنا ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا ابدأوا بميامنها ومواضع الوضوء ولان الحي يتوضأ إذا أراد الغسل ويدخل أصبعه في فيه ويسوك بها أسنانه ولا يفغر فاه ويتتبع ما تحت أظفاره إن لم يكن قد قلم أظفاره ويكون ذلك بعود لين لا يجرحه ثم يغسله ويكون كالمنحدر قليلا حتى لا يجتمع الماء تحته فيستنقع فيه ويفسد بدنه ويغسله ثلاثا كما يفعل الحي في وضوئه وغسله فيبدأ برأسه ولحيته كما يفعل الحي فإن كانت اللحية متلبدة سرحها حتى يصل الماء إلى الجميع ويكون بمشط منفرج الأسنان ويمشطه برفق حتى لا ينتف شعره ثم يغسل شقه الأيمن حتى ينتهي إلى رجله ثم شقه الأيسر حتى ينتهي إلى رجله ثم يحرفه على جنبه الأيسر فيغسل جانب ظهره كذلك لحديث أم عطية والمستحب أن تكون الغسلة الأولى بالماء والسدر لما روى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في المحرم الذي خر من بعيره اغسلوه بماء وسدر ولان السدر ينظف الجسم ثم يغسل بالماء القراح ويجعل في الغسلة الأخيرة شيئا من الكافور لما روت أم سليم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا كان في آخر غسلة من الثلاث أو غيرها فاجعلي فيه شيئا من الكافور ولان الكافور يقويه وهل يحتسب الغسل بالسدر من الثلاث أم لا فيه وجهان قال أبو إسحاق يعتد به لانه غسل بما لم يخالطه شيء ومن أصحابنا من قال لا يعتد به لانه ربما غلب عليه السدر فعلى هذا يغسل ثلاث مرات أخر بالماء القراح والواجب منها مرة واحدة كما قلنا في الوضوء ويستحب أن يتعاهد إمرار اليد على البطن في كل مرة فإن غسل الثلاث ولم يتنظف زاد حتى يتنظف والسنة أن يجعله وترا خمسا أو سبعا لما روت أم عطية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال اغسلنها وترا ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن والفرض مما ذكرنا النية وغسل مرة واحدة وإذا فرغ من غسله أعيد تليين أعضائه وينشف بثوب لانه إذا كفن وهو رطب ابتل الكفن وفسد وإن غسل ثم خرج منه شيء ففيه ثلاثة أوجه أحدهما يكفيه غسل الموضع كما لو غسل ثم أصابته نجاسة من غيره والثاني يجب منه الوضوء لانه حدث فأوجب الوضوء كحدث الحي والثالث يجب الغسل منه لانه خاتمة أمره فكان بطهارة كاملة وإن تعذر غسله لعدم الماء أو غيره يمم لانه تطهير لا يتعلق بإزالة عين فانتقل فيه عند العجز إلى التيمم كالوضوء وغسل الجنابة فصل في تقليم أظفاره وغير ذلك وفي تقليم أظفاره وحف شاربه وحلق عانته قولان أحدهما يفعل ذلك لانه تنظيف فشرع في حقه كإزالة الوسخ والثاني يكره وهو قول المزني لانه قطع جزء منه فهو كالختان
قال الشافعي رحمه الله ولا يحلق شعر رأسه وقال أبو إسحاق إن لم يكن له جمة حلق رأسه لانه تنظيف فهو كتقليم الأظفار والمذهب الأول لان حلق الرأس يراد للزينة لا للتنظيف فصل في غسل المرأة وإن كانت امرأة غسلت كما يغسل الرجل وإن كان لها شعر جعل ثلاث ذوائب وتلقى خلفها لما روت أم عطية في وصف غسل بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت ضفرنا ناصيتها وقرناها ثلاثة قرون ثم ألقيناها خلفها فصل في غسل من غسل ميتا ويستحب لمن غسل ميتا أن يغتسل لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من غسل ميتا فليغتسل ولا يجب ذلك وقال في البويطي إن صح الحديث قلت بوجوبه والأول أصح لان الميت طاهر ومن غسل طاهرا لم يلزمه بغسله طهارة كالجنب وهل هو آكد أو غسل الجمعة فيه قولان قال في القديم غسل الجمعة آكد لان الأخبار فيه أصح وقال في الجديد الغسل من غسل الميت آكد وهو الأصح لان غسل الجمعة غير واجب والغسل من غسل الميت متردد بين الوجوب وغيره ويستحب للغاسل إذا رأى من الميت ما يعجبه أن يتحدث به وإن رأى ما يكره لم يجز أن يتحدث به لما روى أبو رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من غسل ميتا فكتم عليه غفر الله له أربعين مرة باب الكفن تكفين الميت فرض على الكفاية لقوله صلى الله عليه وسلم في المحرم الذي خر من بعيره كفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما ويجب ذلك في ماله للخبر ويقدم على الدين كما تقدم كسوة المفلس على ديون غرمائه فإن قال بعض الورثة أنا أكفنه من مالي وقال بعضهم بل يكفن من التركة كفن من التركة لان في تكفين بعض الورثة من ماله منة على الباقين فلا يلزم قبولها وإن كانت امرأة لها زوج ففيه وجهان قال أبو إسحاق يجب على الزوج لان من لزمه كسوتها في حال الحياة لزمه كفنها بعد الوفاة كالأمة مع السيد وقال أبو علي بن أبي هريرة يجب في مالها لانها بالموت صارت أجنبية منه فلم يلزمه كفنها والأول أصح لان هذا يبطل بالأمة فإنها صارت بالموت أجنبية من مولاها ثم يجب عليه تكفينها فإن لم يكن لها مال ولا زوج فالكفن على من يلزمه نفقتها اعتبارا بالكسوة في حال الحياة فصل في صفة الكفن وأقل ما يجزىء ما يستر العورة كالحي ومن أصحابنا من قال أقله ثوب يعم البدن لان ما دونه لا يسمى كفنا والأول أصح والمستحب أن يكفن الرجل في ثلاثة أثواب إزار ولفافتين لما روت عائشة رضي الله عنها قالت كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة فإن كفن في خمسة أثواب لم يكره لان ابن عمر رضي الله عنه كان يكفن أهله في خمسة أثواب فيها قميص وعمامة ولان أكمل ثياب الحي خمسة قميصان وسراويل وعمامة ورداء وتكره الزيادة على ذلك لانه سرف وإن قال بعض الورثة يكفن بثوب وقال بعضهم يكفن بثلاثة ففيه وجهان أحدهما يكفن بثوب لانه يعم ( البدن ) ويستر ( العورة ) والثاني يكفن بثلاثة أثواب لانه هو الكفن المعروف المسنون والأفضل ألا يكون فيه قميص ولا عمامة لحديث عائشة رضي الله عنها فإن جعل فيها قميص وعمامة لم يكره لان النبي صلى الله عليه وسلم أعطى ابن عبد الله بن أبي ابن سلول قميصا ليجعله في كفن أبيه وإن كان في الكفن قميص وعمامة جعل ذلك تحت الثياب لان إظهاره زينة وليس الحال حال زينة والمستحب أن يكون الكفن أبيض لحديث عائشة رضي الله عنها والمستحب أن يكون حسنا لما روى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه ويكره المغالاة في الكفن لما روى علي كرم الله وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سلبا سريعا
والمستحب أن يبخر الكفن ثلاثا لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا جمرتم الميت فجمروه ثلاثا فصل فيما يصنع بالكفن والمستحب أن يبسط أحسنها وأوسعها ثم الثاني ثم الذي يلي الميت اعتبارا بالحي فإنه يجعل أحسن ثيابه وأوسعها فوق الثياب وكلما فرش ثوبا نثر فيه الحنوط ثم يحمل الميت إلى الأكفان مستورا ويترك على الكفن مستلقيا على ظهره ويؤخذ قطن منزوع الحب فيجعل فيه الحنوط والكافور ويجعل بين أليتيه ويشد عليه كما يشد التبان ويستحب أن يؤخذ القطن ويجعل عليه الحنوط والكافور ويترك على الفم والمنخرين والعينين والأذنين وعلى خراج نافذ إن كان عليه ليخفى ما يظهر من رائحته ويجعل الحنوط والكافور على قطن ويترك على مواضع السجود لما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال يتتبع بالطيب مساجده ولان هذه المواضع شرفت بالسجود فخصت بالطيب قال وأحب أن يطيب جميع بدنه بالكافور لان ذلك يقوي البدن ويشده ويستحب أن يحنط رأسه ولحيته بالكافور كما يفعل الحي إذا تطيب قال في البويطي فإن حنط بالمسك فلا بأس لما روى أبو سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال المسك من أطيب الطيب وهل يجب الحنوط والكافور أم لا فيه قولان وقيل فيه وجهان أحدهما يجب لانه جرت به العادة في الميت فكان واجبا كالكفن والثاني أنه لا يجب كما لا يجب الطيب في حق المفلس وإن وجبت الكسوة فصل اللف في الكفن ثم يلف في الكفن ويجعل ما يلي الرأس أكثر كالحي ما على رأسه أكثر رحمة الله وتثنى صنفة الثوب التي على الميت فيبدأ بالأيسر على الأيمن وبالأيمن على الأيسر وقال في موضع ( آخر ) يبدأ بالأيمن على الأيسر ثم بالأيسر على الأيمن فمن أصحابنا من جعلها على قولين أحدهما يبدأ بالأيسر على الأيمن والثاني يبدأ بالأيمن على الأيسر ومنهم من قال هي على قول واحد أنه تثنى صنفه الثوب الأيسر على جانبه الأيمن وصنفة الثوب الأيمن على جانبه الأيسر كما يفعل الحى بالساج ( وهو ) الطيلسان وهذا هو الأصح لان في الطيلسان ما على الجانب الأيسر هو الظاهر ثم يفعل ذلك في بقية الأكفان وما يفضل من عند الرأس يثنى على وجهه وصدره فإن احتيج إلى شد الأكفان شدت ثم تحل عند الدفن لانه يكره أن يكون معه في القبر شيء معقود فإن لم يكن له إلا ثوب قصير لا يعم البدن غطي رأسه وترك الرجل لما روي أن مصعب بن عمير قتل يوم أحد ولم يكن له إلا نمرة فكان إذا غطي بها رأسه بدت رجلاه وإن غطي بها رجلاه بدا رأسه فقال النبي صلى الله عليه وسلم غطوا بها رأسه واجعلوا على رجليه شيئا من الإذخر فصل في كفن المرأة وأما المرأة فإنها تكفن بخمسة أثواب إزار وخمار وثلاثة أثواب وهل يكون أحد الثلاثة درعا فيه قولان أحدهما أن أحدها درع لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ناول أم عطية في كفن ابنته أم كلثوم إزارا ودرعا وخمارا وثوبين ملاء والثاني أنه لا يكون فيه درع لان القميص إنما تحتاج إليه المرأة لتستتر به في تصرفها والميت لا يتصرف فإن قلنا لا درع فيها أزرت بإزار وتخمر بخمار وتدرج في ثلاثة أثواب فإذا قلنا يكون فيها درع أزرت بإزار وتلبس الدرع وتخمر بخمار وتدرج في ثوبين قال الشافعي رحمه الله ويشد على صدرها ثوب ليضم ثيابها فلا تنتشر وهل يحل عنها الثوب عند الدفن أم لا فيه وجهان قال أبو العباس يدفن معها وعليه يدل كلام الشافعي فإنه ذكر أنه يشد ولم يذكر أنه يحل وقال أبو إسحاق ينحى عنها في القبر وهو الأصح لانه ليس من جملة الكفن فصل فيما يصنع بالمحرم إذا مات
إذا مات محرم لم يقرب الطيب ولم يلبس المخيط ولم يخمر رأسه لما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المحرم الذى ( خر ) من بعيره اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما ولا تقربوه طيبا فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا وإن ماتت معتدة عن وفاة ففيه وجهان أحدهما لا تقرب الطيب لانها ماتت والطيب محرم عليها فلم يسقط تحريمه بالموت كالمحرمة والثاني تقرب الطيب لان الطيب حرم عليها في العدة حتى لا يدعو ذلك إلى نكاحها وقد زال ذلك بالموت باب الصلاة على الميت الصلاة على الميت فرض على الكفاية لقوله صلى الله عليه وسلم صلوا خلف من قال لا إله إلا الله وعلى من قال لا إله إلا الله وفي أدنى ما يكفي قولان أحدهما ثلاثة لان قوله صلوا خطاب جمع وأقل الجمع ثلاثة والثاني أنه يكفي أن يصلي عليه واحد لانها صلاة ليس من شرطها الجماعة فلم يكن من شرطها العدد كسائر الصلوات ويجوز فعلها في جميع الأوقات لانها صلاة لها سبب فجاز فعلها في كل وقت ويجوز فعلها في المسجد وغيره لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد والسنة أن يصلي في جماعة لما روى مالك بن هبيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من مسلم يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا وجبت وتجوز فرادى لان النبي صلى الله عليه وسلم مات فصلى عليه الناس فوجا فوجا وإن اجتمع نسوة لا رجل معهن صلين عليه فرادى لان النساء لا يسن لهن الجماعة في الصلاة على الميت فإن صلين جماعة فلا بأس فصل في كراهة النعي ويكره نعي الميت للناس والنداء عليه للصلاة لما روي عن حذيفة أنه قال إذا مت فلا تؤذنوا بي أحدا فإني أخاف أن يكون نعيا وقال عبد الله الإيذان بالميت نعي الجاهلية فصل فيمن أحق بالصلاة على الميت وأولى الناس بالصلاة عليه الأب ثم الجد ثم الابن ثم ابن الابن ثم الأخ ثم ابن الأخ ثم العم ثم ابن العم على ترتيب العصبات لان القصد من الصلاة على الميت الدعاء للميت ودعاء هؤلاء أرجى للإجابة فإنهم أفجع بالميت من غيرهم فكانوا بالتقديم أحق وإن اجتمع أخ من أب وأم وأخ من أب فالمنصوص أن الأخ من الأب والأم أولى ومن أصحابنا من قال فيه قولان أحدهما هذا والثاني أنهما سواء لان الأم لا مدخل لها في التقديم في الصلاة على الميت فكان في الترجيح بها قولان كما نقول في ولاية النكاح ومنهم من قال الأخ من الأب والأم أولى قولا واحدا لان الأم وإن لم يكن لها مدخل في التقديم إلا أن لها مدخلا في الصلاة على الميت فرجح بها قولا واحدا كما نقول في الميراث يقدم بها الأخ من الأب والأم على الأخ من الأب حين كان لها مدخل في الميراث وإن لم يكن لها مدخل في التعصيب قال الشافعي رحمه الله وإن اجتمع وليان في درجة قدم الأسن لان دعاءه أرجى إجابة فإن لم يوجد الأسن قدم الأقرأ الأفقه لانه أفضل وصلاته أكمل فإن استويا أقرع بينهما لانهما تساويا في التقديم فأقرع بينهما وإن اجتمع حر وعبد هو أقرب إليه من الحر فالحر أولى لان الحر من أهل الولاية والعبد ليس من أهل الولاية وإن اجتمع الوالي والولي المناسب ففيه قولان قال في القديم الوالي أولى لقوله صلى الله عليه وسلم لا يؤم الرجل في سلطانه وقال في الجديد الولي أولى لانها ولاية تترتب فيها العصبات فقدم الولي على الوالي كولاية النكاح فصل في شروط صحة صلاة الجنازة ومن شرط صحة صلاة الجنازة الطهارة وستر العورة لانها صلاة فشرط فيها الطهارة وستر العورة كسائر الصلوات ومن شرطها القيام واستقبال القبلة لانها صلاة مفروضة فوجب فيها القيام واستقبال القبلة مع القدرة كسائر الفرائض والسنة أن يقف الإمام فيها عند رأس الرجل وعند عجيزة المرأة
وقال أبو علي الطبري السنة أن يقف عند صدر الرجل وعند عجيزة المرأة والمذهب الأول لما روي أن أنسا صلى على رجل فقام عند رأسه وعلى امرأة فقام عند عجيزتها فقال له العلاء بن زياد هكذا كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على المرأة عند عجيزتها وعلى الرجل عند رأسه قال نعم فإن اجتمع جنائز قدم إلى الإمام أفضلهم فإن كان رجل وصبي وامرأة وخنثى قدم الرجل إلى الإمام ثم الصبي ثم الخنثى المشكل ثم المرأة لما روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه صلى على تسع جنائز رجال ونساء فجعل الرجال مما يلي الإمام والنساء مما يلي القبلة وروى عمار بن أبي عمار أن زيد بن عمر بن الخطاب وأمه أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنهما ماتا فصلى عليهما سعيد بن العاص فجعل زيدا مما يليه وأمه مما يلي القبلة وفي القوم الحسن والحسين وأبو هريرة وابن عمر ونحو ثمانين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم أجمعين والأفضل أن يفرد كل واحد بصلاة فإن صلى عليهم صلاة واحدة جاز لان القصد من الصلاة عليهم الدعاء لهم وذلك يحصل بالجمع في صلاة واحدة فصل في فرض النية إذا أراد الصلاة نوى الصلاة على الميت وذلك فرض لانها صلاة فوجب لها النية كسائر الصلوات ثم يكبر أربعا لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر على الميت أربعا وقرأ بعد التكبيرة الأولى بأم القرآن والتكبيرات الأربع واجبة والدليل عليه أنها إذا فاتت وجب قضاؤها ولو لم تكن واجبة لم يجب قضاؤها كتكبيرات العيد والسنة أن يرفع يديه مع كل تكبيرة لما روي أن عمر رضي الله عنه كان يرفع يديه على الجنازة في كل تكبيرة وعن عبد الله بن عمر والحسن بن علي رضي الله عنهم مثله وعن زيد بن ثابت وقد رأى رجلا فعل ذلك فقال أصاب السنة ولانها تكبيرة لا يتصل طرفها بسجود ولا قعود فيسن لها رفع اليدين كتكبيرة الإحرام في سائر الصلوات فصل في قراءة الفاتحة ويقرأ بعد التكبيرة الأولى بفاتحة الكتاب لما روى جابر وهي فرض من فروضها لانها صلاة يجب فيها القيام فوجب فيها القراءة كسائر الصلوات وفي قراءة السورة وجهان أحدهما يقرأ سورة قصيرة لان كل صلاة قرأ فيها الفاتحة قرأ فيها السورة كسائر الصلوات والثاني أنه لا يقرأ لانها مبنية على الحذف والاختصار والسنة في قراءتها الإسرار لما روي أن ابن عباس صلى بهم على جنازة فكبر ثم قرأ بأم القرآن فجهر بها ثم صلى على النبي صلى الله عليه وسلم فلما انصرف قال إنما جهرت بها لتعلموا أنها هكذا ولا فرق بين أن يصلي بالليل أو النهار وقال أبو القاسم الداركي إن كانت الصلاة بالليل جهر فيها بالقراءة لان لها نظيرا بالنهار يسر فيها فجهر فيها كالعشاء وهذا لا يصح لان صلاة العشاء صلاة راتبة في وقت من الليل ولها نظير راتب في وقت من النهار يسن في نظيرها الإسرار فيسن فيها الجهر وصلاة الجنازة صلاة واحدة ليس لها وقت تختص به من ليل أو نهار بل يفعل ذلك في الوقت الذي يوجد فيه سببها وسنتها الإسرار فلم يختلف فيها الليل والنهار وفي دعاء التوجه والتعوذ عند القراءة في هذه التكبيرة وجهان قال عامة أصحابنا لا يأتي به لانها مبنية على الحذف والاختصار فلا تحتمل التطويل والإكثار وقال شيخنا القاضي أبو الطيب رحمه الله يأتي به لان التوجه يراد لافتتاح الصلاة والتعوذ يراد للقراءة وفي هذه الصلاة افتتاح وقراءة فوجب أن يأتي بذكرهما فصل في محل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في التكبيرة الثانية لما ذكرناه من حديث ابن عباس وهو فرض من فروضها لانها صلاة فوجب فيها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كسائر الصلوات فصل في الدعاء للميت
ويدعو للميت في التكبيرة الثالثة لما روى أبو قتادة قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة فسمعته يقول اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا وفي بعضها اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام والإيمان وهو فرض من فروضها لان القصد من هذه الصلاة الدعاء للميت فلا يجوز الإخلال بالمقصود وأدنى الدعاء ما يقع عليه الاسم والسنة أن يقول ما رواه أبو قتادة وذكره الشافعي رحمه الله قال يقول اللهم هذا عبدك وابن عبديك خرج من روح الدنيا وسعتها ومحبوبه وأحباؤه فيها إلى ظلمة القبر وما هو لاقيه كان يشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمدا عبدك ورسولك وأنت أعلم به اللهم إنه نزل بك وأنت خير منزول به وأصبح فقيرا إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه وقد جئناك راغبين إليك شفعاء له اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه وإن كان مسيئا فتجاوز عنه ( ولقه ) برحمتك ( الأمن ) من عذابك حتى تبعثه إلى جنتك يا أرحم الراحمين وبأي شيء دعا جاز لانه قد نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدعية مختلفة فدل على أن الجميع جائز فصل في التسليم قال في الأم يكبر في الرابعة ويسلم قال في البويطي يقول اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده والتسليم كالتسليم في سائر الصلوات لما روي عن عبد الله أنه قال رأيت ثلاث خلال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلهن وتركهن الناس إحداهن التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة والتسليم واجب لانها صلاة يجب لها الإحرام فوجب الخروج منها بالسلام كسائر الصلوات وهل يسلم تسليمة أو تسليمتين على ما ذكرناه في سائر الصلوات فصل في إدراك الصلاة إذا أدرك الإمام وقد سبقه ببعض الصلاة كبر ودخل في الصلاة لقوله صلى الله عليه وسلم ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا ويقرأ ما يقتضيه ترتيب صلاته لا ما يقرؤه الإمام لانه يمكنه أن يأتي بما يقتضيه ترتيب الصلاة مع المتابعة فإذا سلم الإمام أتى بما بقي من التكبيرات نسقا من غير دعاء في أحد القولين لان الجنازة ترفع قبل أن يفرغ فلا معنى للدعاء بعد غيبة الميت ويدعو للميت ثم يكبر ويسلم في القول الثاني لان غيبة الميت لا تمنع من فعل الصلاة فصل في البدار بدفن الميت إذا صلي على الميت بودر إلى دفنه ولا ينتظر حضور من يصلي عليه إلا الولي فإنه ينتظر إذا لم يخش على الميت التغير فإن خيف عليه التغير لم ينتظر وإن حضر من لم يصل عليه صلى عليه وإن حضر من صلى مرة فهل يعيد الصلاة مع من يصلي فيه وجهان أحدهما يستحب كما يستحب في سائر الصلوات أن يعيدها مع من يصلي جماعة والثاني وهو الصحيح أنه لا يعيد لانه يصليها نافلة وصلاة الجنازة لا يتنفل بمثلها وإن حضر من لم يصل بعد الدفن صلى على القبر لما روي أن مسكينة ماتت ليلا فدفنوها ولم يوقظوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبرها من الغد وإلى أي وقت تجوز الصلاة على القبر فيه أربعة أوجه أحدها يصلى عليه إلى شهر لان النبي صلى الله عليه وسلم صلى على أم سعد بن عبادة بعدما دفنت بشهر والثاني يصلى عليه ما لم يبل لانه إذا بلي لم يبق ما يصلى عليه والثالث يصلي عليه من كان من أهل الفرض عند موته لانه كان من أهل الخطاب بالصلاة عليه وأما من ولد بعده أو بلغ بعد موته فلا يصلى عليه لأنه لم يكن من أهل الخطاب بالصلاة عليه والرابع أنه يصلى عليه أبدا لان القصد من الصلاة على الميت الدعاء والدعاء يجوز في كل وقت فصل في الصلاة على الغائب وتجوز الصلاة على الميت الغائب لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي لاصحابه وهو بالمدينة فصلى عليه وصلوا خلفه
وإن كان الميت معه في البلد لم يجز أن يصلى عليه حتى يحضر عنده لانه يمكنه الحضور من غير مشقة فصل في العمل في بعض الميت وإن وجد بعض الميت غسل وصلي عليه لان عمر رضي الله عنه صلى على عظام بالشام وصلى أبو عبيدة على رؤوس وصلت الصحابة رضي الله عنهم على يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد ألقاها طائر بمكة من وقعة الجمل فصل إذا استهل السقط أو تحرك ثم مات وغسل وصلي عليه لما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا استهل السقط غسل وصلي عليه وورث وورث ولانه قد ثبت له حكم الدنيا في الإسلام والميراث والدية فغسل وصلى عليه كغيره وإن لم يستهل ولم يتحرك فإن لم يكن له أربعة أشهر كفن بخرقة ودفن وإن تم له أربعة أشهر ففيه قولان قال في القديم يصلى عليه لانه نفخ فيه الروح فصار كمن استهل وقال في الأم لا يصلى عليه وهو الأصح لانه لم يثبت له حكم الدنيا في الإرث وغيره فلم يصل عليه فإن قلنا يصلى عليه غسل كغير السقط وإن قلنا لا يصلى عليه ففي غسله قولان قال في البويطي لا يغسل لانه لا يصلى عليه فلا يغسل كالشهيد وقال في الأم يغسل لان الغسل قد ينفرد عن الصلاة كما نقول في الكافر فصل فيما يصنع بالكافر إذا مات وإن مات كافر لم يصل عليه لقوله عز وجل ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ولان الصلاة لطلب المغفرة والكافر لا يغفر له فلا معنى للصلاة عليه ويجوز غسله وتكفينه لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليا عليه السلام أن يغسل أباه وأعطى قميصه ليكفن به عبد الله بن أبي ابن سلول وإن اختلط المسلمون بالكفار ولم يتميزوا صلوا على المسلمين بالنية لان الصلاة تنصرف إلى الميت بالنية والاختلاط لا يؤثر في النية فصل في شهيد القتال ومن مات من المسلمين في جهاد الكفار بسبب من أسباب قتالهم قبل انقضاء الحرب فهو شهيد لا يغسل ولا يصلى عليه لما روى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر في قتلى أحد بدفنهم بدمائهم ولم يصل عليهم ولم يغسلوا وإن جرح في الحرب ومات بعد انقضاء الحرب غسل وصلي عليه لانه مات بعد انقضاء الحرب ومن قتل في الحرب وهو جنب ففيه وجهان قال أبو العباس بن سريج وأبو علي بن أبي هريرة يغسل لما روي أن حنظلة بن الراهب قتل فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما شأن حنظلة فإني رأيت الملائكة تغسله فقالوا جامع فسمع الهيعة فخرج إلى القتال فلو لم يجب غسله لما غسلته الملائكة وقال أكثر أصحابنا لا يغسل لانه طهارة عن حدث فسقط حكمها بالشهادة كغسل الميت ومن قتل من أهل البغي في قتال أهل العدل غسل وصلي عليه لانه مسلم قتل بحق فلم يسقط غسله والصلاة عليه كمن قتل في الزنا والقصاص ومن قتل من أهل العدل في حرب أهل البغي ففيه قولان أحدهما يغسل ويصلى عليه لانه مسلم قتل في غير حرب الكفار فهو كمن قتله اللصوص والثاني أنه لا يغسل ولا يصلى عليه لانه قتل في حرب هو فيه على الحق وقاتله على الباطل فأشبه المقتول في معركة الكفار ومن قتله قطاع الطريق من أهل القافلة ففيه وجهان أحدهما أنه يغسل ويصلى عليه والثاني لا يغسل ولا يصلى عليه لما ذكرناه في أهل العدل باب حمل الجنازة والدفن يجوز حمل الجنازة بين العمودين وهو أن يجعل الحامل رأسه بين عمودي مقدمة النعش ويجعلهما على كاهله ويجوز الحمل من الجوانب الأربعة فيبدأ بياسرة المقدمة فيضع العمود على عاتقه الأيمن ثم يجيء إلى ياسرة المؤخرة فيضع العمود على عاتقه الأيمن ثم يأخذ يامنة المقدمة فيضع العمود على عاتقه الأيسر ثم يجيء إلى يامنة المؤخرة فيضع العمود على عاتقه الأيسر
والحمل بين العمودين أفضل لان النبي صلى الله عليه وسلم حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين ولانه روي ذلك عن عثمان وسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وابن الزبير رضي الله عنهم ويستحب الإسراع بالجنازة لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أسرعوا بالجنازة فإن تكن صالحة فخيرا تقدمونها إليه وإن تكن سوى ذلك فشرا تضعون عن رقابكم ولا يبلغ به الخبب لما روى عبد الله بن مسعود قال سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السير بالجنازة فقال دون الخبب فإن يكن خيرا يعجل إليه وإن يكن شرا فبعدا لاصحاب النار ويستحب اتباع الجنازة لما روى البراء بن عازب قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع الجنازة وعيادة المريض وتشميت العاطس وإجابة الداعي ونصر المظلوم والمستحب ألا ينصرف من يتبع الجنازة حتى تدفن لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من تبع جنازة فصلى عليها فله قيراط وإن شهد دفنها فله قيراطان القيراط أعظم من أحد والسنة ألا يركب لان النبي صلى الله عليه وسلم ما ركب في عيد ولا جنازة فإن ركب في الانصراف لم يكن به بأس لما روى جابر بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة فلما انصرف أتي بفرس معرورى فركبه والسنة أن يمشي أمام الجنازة لما روى ابن عمر رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي بين يديها وأبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ولانه شفيع للميت والشفيع يتقدم على المشفوع له والمستحب ( له ) أن يمشي أمامها قريبا منها لانه إذا بعد لم يكن معها وإن سبق إلى المقبرة فهو بالخيار إن شاء قام حتى توضع الجنازة وإن شاء قعد لما روى علي كرم الله وجهه قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الجنازة حتى وضعت وقام الناس معه ثم قعد بعد ذلك وأمرهم بالقعود ولا يكره للمسلم اتباع جنازة أقاربه من الكفار لما روي عن علي كرم الله وجهه قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت إن عمك الضال قد مات فقال اذهب فواره ولا تتبع الجنازة بنار ولا نائحة لما روى عمرو بن العاص أنه قال إذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار وعن أبي موسى أنه أوصى لا تتبعوني بصارخة ولا بمجمرة ولا تجعلوا بيني وبين الأرض شيئا فصل في حكم الدفن دفن الميت فرض على الكفاية لان في تركه على وجه الأرض هتكا لحرمته ويتأذى الناس برائحته والدفن في المقبرة أفضل لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يدفن الموتى بالبقيع ولانه يكثر الدعاء له ممن يزوره ويجوز الدفن في البيت لان النبي صلى الله عليه وسلم دفن في حجرة عائشة رضي الله عنها فإن قال بعض الورثة يدفن في المقبرة وقال بعضهم يدفن في البيت دفن في المقبرة لان له حقا في البيت فلا يجوز إسقاطه ويستحب أن يدفن في أفضل مقبرة لان عمر رضي الله عنه استأذن عائشة رضي الله عنها أن يدفن مع صاحبيه ويستحب أن تجمع الأقارب في موضع واحد لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك عند رأس عثمان بن مظعون صخرة وقال أعلم بها على قبر أخي لادفن إليه من مات وإن تشاح اثنان في مقبرة مسبلة قدم السابق منهما لقوله صلى الله عليه وسلم منى مناخ من سبق فإن استويا في السبق أقرع بينهما ولا يدفن ميت في موضع فيه ميت إلا أن يعلم أنه قد بلي ولم يبق منه شيء ويرجع فيه إلى أهل الخبرة بتلك الأرض ولا يدفن في قبر واحد اثنان لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يدفن في كل قبر إلا واحدا فإن دعت إلى ذلك ضرورة جاز لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع الاثنين من قتلى أحد في قبر واحد ثم يقول أيهما كان أكثر أخذا للقرآن فإذا أشير إلى أحدهما قدمه إلى اللحد
وإن دعت الضرورة لان يدفن مع الرجل امرأة جعل بينهما حائل من التراب وجعل الرجل اعتبارا بحال الحياة ولا يدفن كافر بمقابر المسلمين ولا مسلم في مقبرة الكفار ومن مات في البحر ولم يكن بقرب ساحل فالأولى أن يجعل بين لوحين ويلقى في البحر لانه ربما وقع إلى ساحل فيدفن ( فيه ) وإن كان أهل الساحل كفارا ألقي في البحر فصل في تعميق القبر والمستحب أن يعمق القبر قدر قامة وبسطة لما روي أن عمر رضي الله عنه أوصى أن يعمق القبر قدر قامة وبسطة ويستحب أن يوسع من قبل رجليه ورأسه لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للحافر أوسع من قبل رجليه وأوسع من قبل رأسه فإن كانت الأرض صلبة ألحد لقوله صلى الله عليه وسلم اللحد لنا والشق لغيرنا وإن كانت رخوة شق الوسط فصل فيمن أحق بدفن الميت والأولى أن يتولى الدفن الرجال لانه يحتاج إلى بطش وقوة فكان الرجال أحق وأولاهم بذلك أولاهم بالصلاة عليه لانهم أرفق به وإن كانت امرأة فزوجها أحق بدفنها لانه أحق بغسلها فإن لم يكن لها زوج فالأب ثم الجد ثم الابن ثم ابن الابن ثم الأخ ثم ابن الأخ ثم العم فإن لم يكن لها ذو رحم محرم ولها مملوك كان المملوك أولى من ابن العم لانه كالمحرم والخصي أولى من الفحل فإن لم يكن مملوك فابن العم ثم أهل الدين من المسلمين والمستحب أن يكون عدد الذي يدفن وترا لان النبي صلى الله عليه وسلم دفنه علي والعباس وأسامة رضي الله عنهم والمستحب أن يسجى القبر بثوب عند الدفن لان النبي صلى الله عليه وسلم ستر قبر سعد بن معاذ بثوب لما دفنه فصل في كيف الدفن ويستحب أن يضع رأس الميت عند رجل القبر ثم يسل فيه سلا لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سل من قبل رأسه سلا ولان ذلك أسهل ويستحب أن يقول عند إدخاله القبر بسم الله وعلى ملة رسول الله لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوله إذا أدخل الميت القبر والمستحب أن يضجع في القبر على جنبه الأيمن لقوله صلى الله عليه وسلم إذا نام أحدكم فليتوسد يمينه ولانه يستقبل القبلة فكان أولى ويوسد رأسه بلبنة أو حجر كالحي إذا نام ويجعل خلفه شيء يسنده من لبن أو غيره حتى لا يستلقي على قفاه ويكره أن يجعل تحته مضربة أو مخدة أو في تابوت لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال إذا أنزلتموني في اللحد فافضوا بخدي إلى الأرض وعن أبي موسى لا تجعلوا بيني وبين الأرض شيئا وينصب اللبن على اللحد نصبا لما روي عن سعد بن أبي وقاص قال اصنعوا بي كما صنعتم برسول الله صلى الله عليه وسلم انصبوا علي اللبن وأهيلوا علي التراب ويستحب لمن على شفير القبر أن يحثو في القبر ثلاث حثيات من التراب لان النبي صلى الله عليه وسلم حثى في قبر ثلاث حثيات من التراب ويستحب أن يمكث على القبر بعد الدفن لما روى عثمان رضي الله عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال استغفروا لاخيكم واسألوا الله له التثبيت فإنه الآن يسأل فصل في تسوية القبر ولا يزاد في التراب الذي أخرج من القبر فإن زادوا فلا بأس ويشخص القبر من الأرض قدر شبر لما روى القاسم بن محمد قال دخلت على عائشة رضي الله عنها فقلت اكشفي لي عن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة
ويسطح القبر ويوضع عليه الحصى لان النبي صلى الله عليه وسلم سطح قبر ابنه إبراهيم عليه السلام ووضع عليه حصى من حصى العرصة وقال أبو علي الطبري الأولى في زماننا أن يسنم لان التسطيح من شعار الرافضة وهذا لا يصح لان السنة قد صحت فيه فلا يعتبر بموافقة الرافضة ويرش عليه الماء لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم رش على قبر ابنه إبراهيم عليه السلام ولانه إذا لم يرش عليه الماء زال أثره فلا يعرف ويستحب أن يجعل عند رأسه علامة من حجر أو غيره لان النبي صلى الله عليه وسلم دفن عثمان بن مظعون ووضع عند رأسه حجرا ولانه يعرف به فيزار ويكره أن يجصص القبر وأن يبنى عليه أو يعقد أو يكتب عليه لما روى جابر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر وأن يبنى عليه أو يعقد وأن يكتب عليه ولان ذلك من الزينة فصل فيما يمكن استدراكه بعد الدفن إذا دفن الميت قبل الصلاة صلي على القبر لان الصلاة تصل إليه في القبر وإن دفن من غير غسل أو ( وجه ) إلى غير القبلة ولم يخش عليه الفساد في نبشه نبش وغسل ووجه إلى القبلة لانه واجب مقدور على فعله فوجب فعله وإن خشي عليه الفساد لم ينبش لانه تعذر فعله فسقط كما يسقط وضوء الحي واستقبال القبلة في الصلاة إذا تعذر فإن وقع في القبر مال لآدمي وطالب به صاحبه نبش القبر لما روي أن المغيرة بن شعبة طرح خاتمه في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال خاتمي ففتح موضعا فيه فأخذه وكان يقول أنا أقربكم عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم ولانه يمكن رد المال إلى صاحبه من غير ( ضرر ) فوجب رده عليه وإن بلع الميت جوهرة لغيره ومات وطالب صاحبها شق جوفه وردت الجوهرة وإن كانت الجوهرة له ففيه وجهان أحدهما يشق لانها صارت للورثة فهي كجوهرة الأجنبي والثاني ( لا يشق ) لانه استهلكها في حياته فلم يتعلق بهم حق الورثة وإن ماتت امرأة وفي جوفها جنين حي شق جوفها لانه استبقاء حي بإتلاف جزء من الميت فأشبه إذا اضطر إلى أكل جزء من الميت باب التعزية والبكاء على الميت تعزية أهل الميت سنة لما روى ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من عزى مصابا فله مثل أجره ويستحب أن يعزى بتعزية الخضر عليه السلام أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أن يقول إن في الله سبحانه عزاء من كل مصيبة وخلفا من كل هالك ودركا من كل فائت فبالله فثقوا وإياه فارجو فإن المصاب من حرم الثواب ويستحب أن يدعو له وللميت فيقول أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك وغفر لميتك وإن عزى مسلما بكافر قال أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك وإن عزى كافرا بمسلم قال أحسن الله عزاءك وغفر لميتك وإن عزى كافرا بكافر قال أخلف الله عليك ولا نقص عددك فصل في الجلوس للتعزية ويكره الجلوس للتعزية لان ذلك محدث والمحدث بدعة فصل في البكاء على الميت ويجوز البكاء على الميت من غير ندب ولا نياحة لما روى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا إبراهيم إنا لا نغني عنك من الله شيئا ثم ذرفت عيناه فقال له عبد الرحمن بن عوف يا رسول الله أتبكي أو لم تنه عن البكاء قال لا ولكن نهيت عن النوح ولا يجوز لطم الخدود وشق الجيوب لما روى عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية
ويستحب زيارة القبور لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال زار رسول الله صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ثم قال إني استأذنت ربي عز وجل أن أستغفر لها فلم يأذن لي واستأذنت في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكركم الموت والمستحب أن يقول السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ويدعو لهم لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى البقيع فيقول السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لاهل بقيع الغرقد ولا يجوز للنساء زيارة القبور لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعن الله زوارات القبور فصل في حرمة القبر ولا يجوز الجلوس على القبر لما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه حتى تخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر ولا يدوسه من غير حاجة لان الدوس كالجلوس فإذا لم يجز الجلوس لم يجز الدوس وإن لم يكن له طريق إلى قبر من يزوروه إلا بالدوس جاز لانه موضع عذر ويكره المبيت في المقبرة لما فيه من الوحشة فصل في المسجد على القبر ويكره أن يبني على القبر مسجدا لما روى أبو مرثد الغنوي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلى إليه وقال لا تتخذوا قبري وثنا فإنما هلك بنو إسرائيل لانهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد قال الشافعي رحمه الله وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدا مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس فصل في صنع الطعام لاهل الميت ويستحب لاقرباء الميت وجيرانه أن يصلحوا لاهل الميت طعاما لما روي أنه لما قتل جعفر بن أبي طالب كرم الله وجهه قال النبي صلى الله عليه وسلم اصنعوا لآل جعفر طعاما فإنه قد جاءهم أمر يشغلهم عنه كتاب الزكاة الزكاة ركن من أركان الإسلام وفرض من فروضه والأصل فيه قوله عز وجل وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وروى أبو هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم جالسا فأتاه رجل فقال يا رسول الله ما الإسلام قال الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم شهر رمضان ثم أدبر الرجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ردوا علي الرجل فلم يروا شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم فصل في شروط وجوب الزكاة ولا تجب الزكاة إلا على حر مسلم فأما المكاتب والعبد إذا ملكه المولى مالا فلا زكاة عليه لانه لا يملك في قوله الجديد ويملك في قوله قديم إلا أنه ملك ضعيف لا يحتمل المواساة ولهذا لا تجب عليه نفقة الأقارب ولا يعتق عليه أبوه إذا اشتراه فلم تجب عليه الزكاة وفيمن نصفه حر ونصفه عبد وجهان أحدهما أنه لا تجب عليه الزكاة لانه ناقص بالرق فهو كالعبد القن والثاني أنها تجب فيما ملكه بنصفه الحر لانه يملك بنصفه الحر ملكا تاما فوجبت الزكاة عليه كالحر وأما الكافر فإنه إن كان أصليا لم تجب عليه الزكاة لانه حق لم يلتزمه فلم يلزمه كغرامات المتلفات وإن كان مرتدا لم يسقط عنه ما وجب في حال الإسلام لانه ثبت وجوبه فلم يسقط بردته كغرامات المتلفات وأما في حال الردة فزكاته مبنية على ملكه وفي ملكه ثلاثة أقوال أحدهما أنه يزول بالردة فلا تجب عليه الزكاة والثاني لا يزول فتجب عليه الزكاة لانه حق التزمه بالإسلام فلم يسقط عنه بالردة كحقوق الآدميين والثالث أنه موقوف فإن رجع إلى الإسلام حكمنا بأنه لم يزل ملكه فتجب عليه الزكاة وإن لم يرجع حكمنا بأنه قد زال ملكه فلا تجب عليه الزكاة
وتجب في مال الصبي والمجنون لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ابتغوا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة ولان الزكاة تراد لثواب المزكي ومواساة الفقير والصبي والمجنون من أهل الثواب ومن أهل المواساة ولهذا تجب عليهما نفقة الأقارب ويعتق عليهما الأب إذا ملكاه فوجبت الزكاة في مالهما فصل في تنجيز الزكاة ومن وجبت عليه الزكاة وقدر على إخراجها لم يجز له تأخيرها لانه حق يجب صرفه إلى الآدمي توجهت المطالبة بالدفع إليه فلم يجز له التأخير كالوديعة إذا طالب بها صاحبها فإن أخرها وهو قادر على أدائها ضمنها لانه أخر ما وجب عليه مع إمكان الأداء فضمنه كالوديعة ومن وجبت عليه الزكاة وامتنع من أدائها نظرت فإن كان جاحدا لوجوبها فقد كفر وقتل بكفره كما يقتل المرتد لان وجوب الزكاة معلوم من دين الله عز وجل ضرورة فمن جحد وجوبها فقد كذب الله تعالى وكذب رسوله صلى الله عليه وسلم فحكم بكفره وإن منعها بخلا بها أخذت منه وعزر وقال في القديم تؤخذ الزكاة وشطر ماله عقوبة له لما روى بهز ابن حكيم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ومن منعها فأنا آخذها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا ليس لآل محمد فيها شيء والصحيح هو الأول لقوله صلى الله عليه وسلم ليس في المال حق سوى الزكاة ولانها عبادة فلا يجب بالامتناع منها أخذ شطر ماله كسائر العبادات وحديث بهز بن حكيم منسوخ فإن ذلك كان حين كانت العقوبات في المال ثم نسخت وإن امتنع بمنعة قاتله الإمام لان أبا بكر الصديق رضي الله عنه قاتل مانعي الزكاة باب صدقة المواشي تجب زكاة السوم في الإبل والبقر والغنم لان الأخبار وردت بإيجاب الزكاة فيها ونحن نذكرها في مسائلها إن شاء الله تعالى ولان الإبل والبقر والغنم يكثر منافعها ويطلب نماؤها بالدر والنسل فاحتملت المواساة بالزكاة فصل فيما لا تجب فيه زكاة المواشي ولا تجب فيما سوى ذلك من المواشي كالخيل والبغال والحمير لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة ولان هذا يقتنى للزينة والاستعمال لا للنماء فلم يحتمل الزكاة كالعقار والأثاث ولا تجب فيما تولد بين الغنم والظباء ولا فيما تولد بين بقر الأهل وبقر الوحش لانه لا يدخل في إطلاق اسم الغنم والبقر فلا تجب فيه زكاة الغنم والبقر فصل في اشتراط الملك التام في الزكاة ولا تجب فيما لا يملكه ملكا تاما كالمال الذي في مكاتبه لانه لا يملك التصرف فيه فهو كمال الأجنبي وأما الماشية الموقوفة عليه فإنه يبنى على أن الملك في الموقوف إلى من ينتقل بالوقف وفيه قولان أحدهما ينتقل إلى الله عز وجل فلا تجب زكاته والثاني ينتقل إلى الموقوف عليه وفي زكاته وجهان أحدهما تجب عليه لانه يملكه ملكا تاما مستقرا فأشبه غير الوقف والثاني لا تجب لانه ملك ضعيف بدليل أنه لا يملك التصرف في رقبته فلم تجب الزكاة فيه كالمكاتب وما في يده فصل في المال المغصوب والضال وأما المال المغصوب والضال فلا تلزمه زكاته قبل أن يرجع إليه فإن رجع إليه من غير نماء ففيه قولان قال في القديم لا تجب لانه خرج عن يده وتصرفه فلم تجب عليه زكاته كالمال الذي في يد مكاتبه وقال في الجديد تجب عليه لانه مال له يملك المطالبة به ويجبر على التسليم إليه فوجبت فيه الزكاة كالمال الذي في يد وكيله فإن رجع إليه مع النماء ففيه طريقان قال أبو العباس تلزمه زكاته قولا واحدا لان الزكاة إنما سقطت في أحد القولين لعدم النماء وقد حصل له النماء فوجب أن تجب والصحيح أنه على القولين لان الزكاة لم تسقط لعدم النماء فإن الذكور من الماشية لا نماء فيها وتجب فيها الزكاة وإنما سقطت لنقصان الملك بالخروج عن يده وتصرفه وبالرجوع لم يعد ما فات من اليد والتصرف
وإن أسر رب المال وحيل بينه وبين المال ففيه طريقان من أصحابنا من قال هو كالمغصوب لان الحيلولة موجودة بينه وبين المال وفيه قولان ومنهم من قال تجب الزكاة قولا واحدا لانه يملك بيعه ممن شاء فكان كالمودع وإن وقع الضال بيد ملتقط وعرفه حولا كاملا ولم يختر التملك وقلنا إنه لا يملك حتى يختار التملك على الصحيح من المذهب ففيه طريقان من أصحابنا من قال هو كما لو لم يقع بيد الملتقط فيكون على قولين ومنهم من قال لا تجب الزكاة قولا واحدا لان ملكه غير مستقر بعد التعريف لان الملتقط يملك أن يزيله باختيار التملك فصار كالمال الذي في يد المكاتب وإن كان له ماشية أو غيرها من أموال الزكاة وعليه دين يستغرقه أو ينقص المال عن النصاب ففيه قولان قال في القديم لا تجب الزكاة فيه لان ملكه غير مستقر لانه ربما أخذه الحاكم بحق الغرماء فيه وقال في الجديد تجب فيه الزكاة لان الزكاة تتعلق بالعين والدين يتعلق بالذمة فلا يمنع أحدهما الآخر كالدين وأرش الجناية وإن حجر عليه في المال ففيه ثلاث طرق أحدها إن كان المال ماشية وجبت فيه الزكاة لانه قد حصل له النماء وإن كان غير الماشية فعلى قولين كالمغصوب والثاني أنه تجب فيه الزكاة قولا واحدا لان الحجر لا يمنع وجوب الزكاة كالحجر على السفينة والمجنون والثالث وهو الصحيح أنه على قولين كالمغصوب لانه حيل بينه وبينه فهو كالمغصوب وأما القول الأول أنه قد حصل له النماء في الماشية فلا يصح لانه وإن حصل له النماء إلا أنه ممنوع من التصرف فيه ومحول دونه والقول الثاني لايصح لان حجر السفيه والمجنون لا يمنع التصرف لان وليهما ينوب عنهما في التصرف وحجر المفلس يمنع التصرف فافترقا فصل لا زكاة في السائمة ولا تجب الزكاة إلا في السائمة من الإبل والبقر والغنم لما روي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كتب كتاب الصدقة وفيه صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين فيها الصدقة وروى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الإبل السائمة في كل أربعين بنت لبون ولان العوامل والمعلوفة لا تقتنى للنماء فلم تجب فيها الزكاة كثياب البدن وأثاث الدار وإن كان عنده سائمة فعلفها نظرت فإن كان قدرا يبقى الحيوان دونه لم يؤثر لان وجوده كعدمه وإن كان قدرا لا يبقى الحيوان دونه سقطت الزكاة لانه لم يوجد تكامل النماء بالسوم وإن كان عنده نصاب من السائمة فغصبه غاصب وعلفه ففيه طريقان أحدهما أنه كالمغصوب الذي لم يعلفه الغاصب فيكون على قولين لان فعل الغاصب لا حكم له بدليل أنه لو كان له ذهب فصاغه الغاصب حليا لم تسقط الزكاة عنه والثاني أنه تسقط الزكاة قولا واحدا وهو الصحيح لانه لم يوجد شرط الزكاة وهو السوم في جميع الحول فصار كما لو ذبح الغاصب شيئا من النصاب ويخالف الصياغة فإن صياغة الغاصب محرمة فلم يكن لها حكم وعلفه غير محرم فثبت حكمه كعلف المالك وإن كان عنده نصاب من المعلوفة فأسامها الغاصب ففيه طريقان أحدهما أنها كالسائمة المغصوبة وفيها قولان لان السوم قد وجد في حول كامل ولم يفقد إلا قصد المالك وقصده غير معتبر بدليل أنه لو كان له طعام فزرعه الغاصب وجب فيه العشر وإن لم يقصد المالك إلى زراعته والثاني لا تجب فيه الزكاة قولا واحدا لانه لم يقصد إلى إسامته فلم تجب فيه الزكاة كما لو رتعت الماشية لنفسها ويخالف الطعام فإنه لا يعتبر في زراعته القصد ولهذا لو تبدد له طعام فنبت وجب فيه العشر والسوم يعتبر فيه القصد ولهذا لو رتعت الماشية لنفسها لم تجب فيها الزكاة فصل النصاب شرط للزكاة
ولا تجب إلا في نصاب لان الأخبار وردت بإيجاب الزكاة في النصب على ما نذكرها في مواضعها إن شاء الله فدل على أنها لا تجب فيما دونها ولان ما دون النصاب لا يحتمل المواساة فلم تجب فيه الزكاة وإن كان عنده نصاب فهلك منه واحد أو باعه انقطع الحول فإن نتج له واحد أو رجع إليه ما باعه استأنف الحول وإن نتجت واحدة ثم هلكت واحدة لم ينقطع الحول لان الحول لم يخل من نصاب وإن خرج بعض الحمل من الجوف ثم هلك واحد من النصاب قبل أن ينفصل الباقي انقطع الحول لانه ما لم يخرج الجميع لا حكم له فيصير كما لو هلك واحد ثم نتج واحد فصل شرط الحول للزكاة ولا تجب الزكاة فيه حتى يحول عليه الحول لانه روي ذلك عن أبي بكر وعثمان وعلي رضي الله عنهم وهو مذهب فقهاء المدينة وعلماء الأمصار ولانه لا يتكامل نماؤه قبل الحول فلا تجب فيه الزكاة فإن باع النصاب في أثناء الحول أو بادل به نصابا آخر انقطع الحول فيما باعه وإن مات في أثناء الحول ففيه قولان أحدهما أنه ينقطع الحول لانه زال ملكه عنه فصار كما لو باعه والثاني لا ينقطع بل يبني الوارث على حوله لان ملك الوارث مبني على ملك الموروث ولهذا لو ابتاع شيئا معيبا فلم يرد حتى مات رب المال قام وارثه مقامه في الرد بالعيب وإن كان عنده نصاب من الماشية ثم استفاد شيئا آخر من جنسه ببيع أو هبة أو إرث نظرت فإن لم يكن المستفاد نصابا في نفسه ولا يكمل به النصاب الثاني لم يكن له حكم لانه لا يمكن أن يجعل تابعا للنصاب الثاني فيجعل له قسط من فرضه لانه لم يوجد النصاب الثاني بعد ولا يمكن أن يجعل تابعا للنصاب الذي عنده فإن ذلك انفرد بالحول ووجب فيه الفرض قبل أن يمضي الحول على المستفاد فلا يمكن أن يجعل له قسط من فرضه فسقط حكمه وإن كان يكمل به النصاب الثاني بأن يكون عنده ثلاثون من البقر ثم اشترى في أثناء الحول عشرا وحال الحول على النصاب وجب فيه تبيع وإذا حال الحول على المستفاد وجب فيه ربع مسنة لانه تم بها نصاب المسنة ولم يمكن إيجاب المسنة لان الثلاثين لم يثبت لها حكم الخلطة مع العشرة في حول كامل فانفردت بحكمها ووجب فيها فرضها والعشرة قد ثبت لها حكم الخلطة في حول كامل فوجب فيها بقسطها ربع مسنة وإن كان المستفاد نصابا ولا يبلغ النصاب الثاني وذلك يكون في صدقة الغنم بأن يكون عنده أربعون شاة ثم شترى في أثناء الحول أربعين شاة فإن الأربعين الأولى يجب فيها شاة لحولها وفي الأربعين الثانية ثلاثة أوجه أحدها أنه يجب عليه فيها لحولها شاة لانه نصاب منفرد بالحول فوجب فيه فرضه كالأربعين الأولى والثاني أنه يجب فيها نصف شاة لانها لم تنفك من خلطة الأربعين الأولى في حول كامل فوجب فيها بقسطها من الفرض وهو نصف شاة والثالث أنه لا يجب فيها شيء وهو الصحيح لانه انفرد الأول عنه بالحول ولم يبلغ النصاب الثاني فجعل وقصا بين نصابين فلم يتعلق به فرض وأما إذا كان عنده نصاب من الماشية فتوالدت في أثناء الحول حتى بلغ النصاب الثاني ضمت إلى الأمهات في الحول وعدت معها إذا تم حول الأمهات وأخرج عنها وعن الأمهات زكاة المال الواحد لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال اعتد عليهم بالسخلة التى يروح بها الراعي على يديه وعن علي كرم الله وجهه أنه قال عد الصغار مع الكبار ولانه من نماء النصاب وفوائده فلم ينفرد عنه بالحول فإن تماوتت الأمهات وبقيت الأولاد وهي نصاب لم ينقطع الحول فيها فإذا تم حول الأمهات وجبت الزكاة فيها وقال أبو القاسم بن بكار الأنماطي رحمه الله إذا لم يبق نصاب من الأمهات انقطع الحول لان السخال تجري في حول الأمهات بشرط أن تكون الأمهات نصابا وقد زال هذا الشرط فوجب أن ينقطع الحول
والمذهب الأول لانها جملة جارية في الحول هلك بعضها ولم ينقص الباقى عن النصاب فلم ينقطع الحول كما لو بقي نصاب من الأمهات وما قال أبو القاسم ينكسر بولد أم الولد فإنه ثبت له حق الحرية بثبوته للأم ثم يسقط حق الأم بالموت ولا يسقط حق الولد وإن ملك رجل في أول المحرم أربعين شاة وفي أول صفر أربعين وفي أول شهر ربيع الأول أربعين وحال الحول على الجميع ففيه قولان قال في القديم تجب في الجميع شاة في كل أربعين ثلثها لان كل واحدة من الأربعينات مخالطة للثمانين في حال الوجوب فكان حصتها ثلث شاة وقال في الجديد تجب في الأولى شاة لانه ثبت لها حكم الانفراد في شهر وفي الثانية وجهان أحدهما يجب فيها شاة لان الأولى لم ترتفق بخلطتها فلم ترتفق هي والثاني أنه تجب فيها نصف شاة لانها خليطة الأربعين من حين ملكها وفي الثالثة وجهان أحدهما أنه تجب فيها شاة لان الأولى والثانية لم ترتفقا بخلطتها فلم ترتفق هي والثاني تجب فيها ثلث شاة لانها خليطة الثمانين من حين ملكها فكان حصتها ثلث شاة فصل في إمكان الأداء إذا ملك النصاب وحال عليه الحول ولم يمكنه الأداء ففيه قولان قال في القديم لا تجب الزكاة قبل إمكان الأداء فعلى هذا تجب الزكاة بثلاثة شروط الحول والنصاب وإمكان الأداء والدليل عليه أنه لو هلك المال لم يضمن زكاته فلم تكن الزكاة واجبة فيه كما قبل الحول وقال في الإملاء تجب وهو الصحيح فعلى هذا تجب الزكاة بشرطين الحول والنصاب وإمكان الأداء شرط في الضمان لا في الوجوب والدليل عليه أنه لو كانت الزكاة غير واجبة لما ضمنها بالإتلاف كما قبل الحول فلما ضمن الزكاة بالإتلاف بعد الحول دل على أنها واجبة فإن كان معه خمس من الإبل وهلك منها واحدة بعد الحول وقبل إمكان الأداء فإن قلنا إن إمكان الأداء شرط في الوجوب سقطت الزكاة لانه نقص المال عن النصاب قبل الوجوب فصار كما لو هلك قبل الحول وإن قلنا إنه ليس بشرط في الوجوب وإنما هو شرط في الضمان سقط من الفرض خمسه ووجب أربعة أخماسه وإن كان عنده نصاب فتوالدت بعد الحول وقبل إمكان الأداء ففيه طريقان أحدهما أنه يبني على القولين فإن قلنا إن إمكان الأداء شرط في الوجوب ضم الأولاد إلى الأمهات فإذا أمكنه الأداء زكى الجميع وإن قلنا إنه شرط في الضمان لم يضم لانه فصل الأولاد بعد الوجوب ومن أصحابنا من قال في المسألة قولان من غير بناء على القولين أحدهما يضم المستفاد إلى ما عنده لقول عمر رضي الله عنه اعتد عليهم بالسخلة التي يروح بها الراعي على يديه والسخلة التي يروح بها الراعي على يديه لا تكون إلا بعد الحول فأما ما توالد قبل الحول فإنه بعد الحول يمشي بنفسه والقول الثاني وهو الصحيح أنه لا يضم إلى ما عنده لان الزكاة قد وجبت في الأمهات والزكاة لا تسري إلى الولد لانها لو سرت بعد الوجوب لسرت بعد الإمكان لان الوجوب فيه مستقر وحال استقرار الوجوب آكد من حال الوجوب فإذا لم تسر الزكاة إليه في حال الاستقرار فلان لا تسري قبل الاستقرار أولى فصل هل الزكاة في العين أو في الذمة وهل تجب الزكاة في العين أو في الذمة فيه قولان قال في القديم تجب في الذمة والعين مرتهنة بها ووجهه أنها لو كانت واجبة في العين لم يجز أن يعطى حق الفقراء من غيرها كحق المضارب والشريك وقال في الجديد تجب في العين وهو الصحيح لانه حق يتعلق بالمال فيسقط بهلاكه فيتعلق بعينه كحق المضارب فإن قلنا إنها تجب في العين وعنده نصاب وجبت فيه الزكاة فلم تؤد حتى حال عليه حول آخر لم تجب في الحول الثاني زكاة لان الفقراء ملكوا من النصاب قدر الفرض فلا تجب في الحول الثاني زكاة لان الباقى دون النصاب وإن قلنا تجب في الذمة وجب في الحول الثاني وفي كل حول لان النصاب باق على ملكه باب صدقة الإبل