Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
ولو كان امتناع الوجوب لشبهة الاشتباه ينبغي أن لا يثبت لأن النسب لا يثبت في شبهة الاشتباه كما فيما ذكرنا من المسائل وههنا يثبت النسب دل أن الامتناع ليس لشبهة الاشتباه بل لمعنى آخر وهو أن وطأها ( ( ( وطئها ) ) ) بناء على دليل ظاهر يجوز بناء الوطء عليه وهو الإخبار بأنها امرأته بل لا دليل ههنا سواه فلئن تبين الأمر بخلافه فقيام الدليل المبيح من حيث الظاهر يورث شبهة ولو وطىء أجنبية وقال ظننت أنها امرأتي أو جاريتي أو شبهتها بامرأتي أو جاريتي يجب الحد لأن هذا الظن غير معتبر لعدم استناده إلى دليل فكان ملحقا بالعدم فلا يحل الوطء بناء على هذا الظن ما لم يعرف أنها امرأته بدليل إما بكلامها أو بإخبار مخبر ولم يوجد مع ما أنا لو اعتبرنا هذا الظن في إسقاط الحد لم يقم حد الزنا في موضع ما إذ الزاني لا يعجز عن هذا القدر فيؤدي إلى سد باب الحد وهكذا روي عن إبراهيم النخعي رحمه الله أنه قال لو قيل هذا لما أقيم الحد على أحد وكذلك لو كان الرجل أعمى فوجد امرأة في بيته فوقع عليها وقال ظننتها امرأتي عليه الحد لأن هذا ظن لم يستند إلى دليل إذ قد يكون في البيت من لا يجوز وطؤها من المحارم والأجنبيات فلا يحل الوطء بناء على هذا الظن فلم تثبت الشبهة وروي عن محمد في رجل أعمى دعى ( ( ( دعا ) ) ) امرأته فقال يا فلانة فأجابت غيرها فوقع عليها أنه يحد ولو أجابته غيرها وقالت أنا فلانة فوقع عليها لم يحد ويثبت النسب وهي كالمرأة المزفوفة إلى غير زوجها لأنه لا يحل له وطؤها بنفس الإجابة ما لم تقل أنا فلانة لأن الإجابة قد تكون من التي ناداها وقد تكون من غيرها فلا يجوز بناء الوطء على نفس الإجابة فإذا فعل لم يعذر بخلاف ما إذا قالت أنا فلانة فوطئها لأنه لا سبيل للأعمى إلى أن يعرف أنها امرأته إلا بذلك الطريق فكان معذورا فأشبه المرأة المزفوفة حتى لو كان الرجل بصيرا لا يصدق على ذلك لإمكان الوصول إلى أنها امرأته بالرؤية وروي عن زفر في رجل أعمى وجد على فراشه أو مجلسه امرأة نائمة فوقع عليها وقال ظننت أنها امرأتي يدرأ عنه الحد وعليه العقر وقال أبو يوسف لا يدرأ وجه قول زفر أنه ظن في موضع الظن إذ الظاهر أنه لا ينام على فراشه غير امرأته فكان ظنه مستندا إلى دليل ظاهر فيوجب درأ الحد كما لو زفت إليه غير امرأته فوطئها وجه قول أبي يوسف أن النوم على الفراش لا يدل على أنها امرأته لجواز أن ينام على فراشه غير امرأته فلا يجوز استحلال الوطء بهذا القدر فإذا استحل وظهر الأمر بخلافه لم يكن معذورا والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما الإحصان فالإحصان نوعان إحصان الرجم وإحصان القذف أما إحصان الرجم فهو عبارة في الشرع عن اجتماع صفات اعتبرها الشرع لوجوب الرجم وهي سبعة العقل والبلوغ والحرية والإسلام والنكاح الصحيح وكون الزوجين جميعا على هذه الصفات وهو أن يكونا جميعا عاقلين بالغين حرين مسلمين فوجود هذه الصفات جميعا فيهما شرط لكون كل واحد منهما محصنا والدخول في النكاح الصحيح بعد سائر الشرائط متأخرا عنها فإن تقدمها لم يعتبر ما لم يوجد دخول آخر بعدها فلا إحصان الصبي ( ( ( للصبي ) ) ) والمجنون والعبد والكافر ولا بالنكاح الفاسد ولا بنفس النكاح ما لم يوجد الدخول وما لم يكن الزوجان جميعا وقت الدخول على صفة الإحصان حتى إن الزوج العاقل البالغ الحر المسلم إذا دخل بزوجته وهي صبية أو مجنونة أو أمة أو كتابية ثم أدركت الصبية وأفاقت المجنونة وأعتقت الأمة وأسلمت الكافرة لا يصير محصنا ما لم يوجد دخول آخر بعد زوال هذه العوارض حتى لو زنى قبل دخول آخر لا يرجم فإذا وجدت هذه الصفات صار الشخص محصنا لأن الإحصان في اللغة عبارة عن الدخول في الحصن
يقال أحصن أي دخل الحصن كما يقال أعرق أي دخل العراق وأشأم أي دخل الشام وأحصن أي دخل في الحصن ومعناه دخل حصنا عن الزنا إذا دخل فيه وإنما يصير الإنسان داخلا في الحصن عن الزنا عند توفر الموانع وكل واحد من هذه الجملة مانع عن الزنا فعند اجتماعها تتوفر الموانع أما العقل فلأن للزنا عاقبة ذميمة والعقل يمنع عن ارتكاب ماله عاقبة ذميمة وأما البلوغ فإن الصبي لنقصان عقله ولقلة تأمله لاشتغاله باللهو واللعب لا يقف على عواقب الأمور فلا يعرف الحميدة منها والذميمة وأما الحرية فلأن الحر يستنكف عن الزنا وكذا الحرة ولهذا لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم آية المبايعة على النساء وبلغ إلى قول الله تعالى ولا يزنين قالت هند امرأة أبي سفيان أو تزني الحرة يا رسول الله وأما الإسلام فلأنه نعمة كاملة موجبة للشكر فيمنع من الزنا الذي هو وضع الكفر في موضع الشكر وأما اعتبار اجتماع هذه الصفات في الزوجين جميعا فلأن اجتماعها فيهما يشعر بكمال حالهما وذا يشعر بكمال اقتضاء الشهوة من الجانبين لأن اقتضاء الشهوة بالصبية والمجنونة قاصر وكذا بالرقيق لكون الرق من نتائج الكفر فينفر عنه الطبع وكذا بالكافرة لأن طبع المسلم ينفر عن الاستمتاع بالكافرة ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لحذيفة رضي الله عنه حين أراد أن يتزوج يهودية دعها فإنها لا تحصنك وأما الدخول بالنكاح الصحيح فلأنه اقتضاء الشهوة بطريق حلال فيقع به الاستغناء عن الحرام والنكاح الفاسد لا يفيد فلا يقع به الاستغناء وأما كون الدخول آخر الشرائط فلأن الدخول قبل استيفاء سائر الشرائط لا يقع اقتضاء الشهوة على سبيل الكمال فلا تقع الغنية به عن الحرام على التمام وبعد استيفائها تقع به الغنية على الكمال والتمام فثبت أن هذه الجملة موانع عن الزنا فيحصل بها معنى الإحصان وهو الدخول في الحصن عن الزنا ولا خلاف في هذه الجملة إلا في الإسلام فإنه روي عن أبي يوسف أنه ليس من شرائط الإحصان حتى لا يصير المسلم محصنا بنكاح الكتابية والدخول بها في ظاهر الرواية وكذلك الذمي العاقل البالغ الحر الثيب إذا زنا لا يرجم في ظاهر الرواية بل يجلد وعلى ما روي عن أبي يوسف يصير المسلم محصنا بنكاح الكتابية ويرجم الذمي به وبه أخذ الشافعي رحمه الله تعالى واحتجا بما روي أنه عليه الصلاة والسلام رجم يهوديين ولو كان الإسلام شرطا لما رجم ولأن اشتراط الإسلام للزجر عن الزنا والدين المطلق يصلح للزجر عن الزنا لأن الزنا حرام في الأديان كلها ولنا في زنا الذمي قوله تعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة أوجب سبحانه وتعالى الجلد على كل زان وزانية أو على مطلق الزاني والزانية من غير فصل بين المؤمن والكافر ومتى وجب الجلد انتفى وجوب الرجم ضرورة ولأن زنا الكافر لا يساوي زنا المسلم في كونه جناية فلا يساويه في استدعاء العقوبة كزنا البكر مع زنا الثيب وبيان ذلك أن زنا المسلم اختص بمزيد قبح انتفى ذلك في زنا الكافر وهو كون زناه وضع الكفران في موضع الشكر لأن دين الإسلام نعمة ودين الكفر ليس بنعمة وفي زنا المسلم بالكتابية قوله عليه الصلاة والسلام لحذيفة رضي الله عنه حين أراد أن يتزوج يهودية دعها فإنها لا تحصنك وقوله عليه الصلاة والسلام من أشرك بالله فليس بمحصن والذمي مشرك على الحقيقة فلم يكن محصنا وما ذكرنا أن في اقتضاء الشهوة بالكافرة قصورا فلا يتكامل معنى النعمة فلا يتكامل الزاجر وقوله الزجر يحصل بأصل الدين قلنا نعم لكنه لا يتكامل إلا بدين الإسلام لأنه نعمة فيكون الزنا من المسلم وضع الكفران في موضع الشكر ودين الكفر ليس بنعمة فلا يكون في كونه زاجرا مثله وأما حديث رجم اليهوديين فيحتمل أنه كان قبل نزول آية الجلد فانتسخ بها ويحتمل أنه كان بعد نزولها ونسخ خبر الواحد أهون من نسخ الكتاب العزيز
وإحصان كل واحد من الزانيين ليس بشرط لوجوب الرجم على أحدهما حتى لو كان أحدهما محصنا والآخر غير محصن فالمحصن منهما يرجم وغير المحصن يجلد ثم إذا ظهر إحصان الزاني بالبينة أو بالإقرار يرجم بالنص والمعقول أما النص فالحديث المشهور وهو قوله عليه الصلاة والسلام لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى معان ثلاث كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير حق وروي أنه عليه الصلاة والسلام رجم ماعزا وكان محصنا وأما المعقول فهوأن المحصن إذا توفرت عليه الموانع من الزنا فإذا أقدم عليه مع توفر الموانع صار زناه غاية في القبح فيجازى بما هو غاية في العقوبات الدنيوية وهو الرجم لأن الجزاء على قدر الجناية ألا ترى أن الله سبحانه وتعالى توعد نساء النبي عليه الصلاة والسلام بمضاعفة العذاب إذا أتين بفاحشة لعظم جنايتهن لحصولها مع توفر الموانع فيهن لعظم نعم الله سبحانه وتعالى عليهن لنيلهن صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومضاجعته فكانت جنايتهن على تقدير الإتيان غاية في القبح فأوعدن بالغاية من الجزاء كذا ههنا ولا يجمع بين الجلد والرجم عند عامة العلماء وقال بعض الناس يجمع بينهما لظاهر قوله عليه الصلاة والسلام والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة ولنا أنه عليه الصلاة والسلام رجم ماعزا ولم يجلده ولو وجب الجمع بينهما لجمع ولأن الزنا جناية واحدة فلا يوجب إلا عقوبة واحدة والجلد والرجم كل واحد منهما عقوبة على حدة فلا يجبان لجناية واحدة والحديث محمول على الجمع بينهما في الجلد والرجم لكن في حالين فيكون عملا بالحديث وإذا فقد شرط من شرائط الإحصان لا يرجم بل يجلد لأن الواجب بنفس الزنا هو الجلد بآية الجلد ولأن زنا غير المحصن لا يبلغ غاية في القبح فلا تبلغ عقوبته النهاية فيكتفي بالجلد وهل يجمع بين الجلد والتغريب اختلف فيه قال أصحابنا لا يجمع إلا إذا رأى الإمام المصلحة في الجمع بينهما فيجمع وقال الشافعي رحمه الله يجمع بينهما احتج بما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام وروي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه جلد وغرب وكذا روي عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه فعل كذا ولم ينكر عليهما أحد من الصحابة فيكون إجماعا ولنا قوله عز وجل الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة والاستدلال به من وجهين أحدهما أنه عز وجل أمر بجلد الزانية والزاني ولم يذكر التغريب فمن أوجبه فقد زاد على كتاب الله عز وجل والزيادة عليه نسخ ولا يجوز نسخ النص بخبر الواحد والثاني أنه سبحانه وتعالى جعل الجلد جزاء والجزاء اسم لما تقع به الكفاية مأخوذ من الاجتزاء وهو الاكتفاء فلو أوجبنا التغريب لا تقع الكفاية بالجلد وهذا خلاف النص ولأن التغريب تعريض للمغرب على الزنا لأنه ما دام في بلده يمتنع عن العشائر والمعارف حياء منهم وبالتغريب يزول هذا المعنى فيعرى الداعي عن الموانع فيقدم عليه والزنا قبيح فما أفضى إليه مثله وفعل الصحابة محمول على أنهم رأوا ذلك مصلحة على طريق التعزير ألا يرى أنه روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه نفى رجلا فلحق بالروم فقال لا أنفي بعدها أبدا وعن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال كفى بالنفي فتنة فدل أن فعلهم كان على طريق التعزير ونحن به نقول إن للإمام أن ينفي إن رأى المصلحة في التغريب ويكون النفي تعزيرا لا حدا والله سبحانه وتعالى أعلم وأما إحصان القذف فنذكره في حد القذف إن شاء الله تعالى فصل وأما حد الشرب فسبب وجوبه الشرب وهو شرب الخمر خاصة حتى يجب الحد بشرب قليلها وكثيرها ولا يتوقف الوجوب على حصول السكر منها وحد السكر سبب وجوبه السكر الحاصل بشرب ما سوى الخمر من الأشربة المعهودة المسكرة كالسكر ونقيع الزبيب والمطبوخ أدنى طبخة من عصير العنب أو التمر والمثلث ونحو ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما شرائط وجوبها فمنها العقل ومنها البلوغ فلا حد على المجنون والصبي الذي لا يعقل ومنها الإسلام
فلا حد على الذمي والحربي المستأمن بالشرب ولا بالسكر في ظاهر الرواية ومنها عدم الضرورة في شرب الخمر فلا حد على من أكره على شرب خمر ولا على من أصابته مخمصة وإنما كان كذلك لأن الحد عقوبة محضة فتستدعي جناية محضة وفعل الصبي والمجنون لا يوصف بالجناية وكذا الشرب لضرورة المخمصة والإكراه حلال فلم يكن جناية وشرب الخمر مباح لأهل الذمة عند أكثر مشايخنا فلا يكون جناية وعند بعضهم وإن كان حراما لكنا نهينا عن التعرض ( ( ( التعريض ) ) ) لهم وما يدينون وفي إقامة الحد عليهم تعرض لهم من حيث المعنى لأنها تمنعهم من الشرب وعن الحسن بن زياد أنهم إذا شربوا وسكروا يحدون لأجل السكر لا لأجل الشرب لأن السكر حرام في الأديان كلها وما قاله الحسن حسن ومنها بقاء اسم الخمر للمشروب وقت الشرب في حد الشرب لأن وجوب الحد بالشرب تعلق به حتى لو خلط الخمر بالماء ثم شرب نظر فيه إن كانت الغلبة للماء لا حد عليه لأن اسم الخمرية يزول عند غلبة الماء وإن كانت الغلبة للخمر أو كانا سواء يحد لأن اسم الخمر باق وهي عادة بعض الشربة أنهم يشربونها ممزوجة بالماء وكذلك من شرب دردي الخمر لا حد عليه لأن دردي الخمر لا يسمى خمرا وإن كان لا يخلو عن أجزاء الخمر فأما الذكورة فليست بشرط حتى يجب الحد على الذكر والأنثى وأما الحرية فكذلك إلا أن حق ( ( ( حد ) ) ) الرقيق يكون على النصف من حد الحر ولا حق ( ( ( حد ) ) ) على من توجد منه رائحة الخمر لأن وجود رائحة الخمر لا يدل على شرب الخمر لجواز أنه تمضمض بها ولم يشربها أو شربها عن إكراه أو مخمصة وكذلك من تقيأ خمرا لا حد عليه لما قلنا والله سبحانه وتعالى أعلم وأما الأشربة التي تتخذ من الأطعمة كالحنطة والشعير والدخن والذرة والعسل والتين والسكر ونحوها فلا يجب الحد بشربها لأن شربها حلال عندهما وعند محمد وإن كان حراما لكن هي حرمة محل الاجتهاد فلم يكن شربها جناية محضة فلا تتعلق بها عقوبة محضة ولا بالسكر منها وهو الصحيح لأن الشرب إذا لم يكن حراما أصلا فلا عبرة بنفس السكر كشرب البنج ونحوه والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما حد القذف فسبب وجوبه القذف بالزنا لأنه نسبه إلى الزنا وفيها إلحاق العار بالمقذوف فيجب الحد دفعا للعار عنه والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما شرائط وجوبه فأنوع ( ( ( فأنواع ) ) ) بعضها يرجع إلى القاذف وبعضها يرجع إلى المقذوف وبعضها يرجع إليهما جميعا وبعضها يرجع إلى المقذوف به وبعضها يرجع إلى المقذوف فيه وبعضها يرجع إلى نفس القذف أما الذي يرجع إلى القاذف فأنواع ثلاثة أحدها العقل والثاني البلوغ حتى لو كان القاذف صبيا أو مجنونا لا حد عليه لأن الحد عقوبة فيستدعي كون القذف جناية وفعل الصبي والمجنون لا يوصف بكونه جناية والثالث عدم إثباته بأربعة شهداء فإن أتى بهم لا حد عليه لقوله سبحانه وتعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة علق سبحانه وتعالى وجوب إقامة الحد بعد الإثبات بأربعة شهود وليس المراد منه عدم الإتيان في جميع العمر بل عند القذف والخصومة إذ لو حمل على الأبد لما أقيم حد أصلا إذ لا يقام بعد الموت ولأن الحد إنما وجب لدفع عار الزنا عن المقذوف وإذا ظهر زناه بشهادة الأربعة لا يحتمل الاندفاع بالحد ولأن هذا شرط يزجر عن قذف المحصنات وأما حرية القاذف وإسلامه وعفته عن فعل الزنا فليس بشرط فيحد الرقيق والكافر ومن لا عفة له عن الزنا والشرط إحصان المقذوف لا إحصان القاذف والله سبحانه وتعالى الموفق فصل وأما الذي يرجع إلى المقذوف
فشيئان أحدهما أن يكون محصنا رجلا كان أو امرأة وشرائط إحصان القذف خمسة العقل والبلوغ والحرية والإسلام والعفة عن الزنا فلا يجب الحد بقذف الصبي والمجنون والرقيق والكافر ومن لا عفة له عن الزنا أما العقل والبلوغ فلأن الزنا لا يتصور من الصبي والمجنون فكان قذفهما بالزنا كذبا محضا فيوجب التعزير لا الحد وأما الحرية فلأن الله سبحانه وتعالى شرط الإحصان في آية القذف وهي قوله تبارك وتعالى والذين يرمون المحصنات والمراد من المحصنات ههنا الحرائر لا العفائف عن الزنا فدل أن الحرية شرط ولأنا لو أوجبنا على قاذف المملوك الجلد لأوجبنا ثمانين وهو لو أتى بحقيقة الزنا لا يجلد إلا خمسين وهذا لا يجوز لأن القذف نسبة إلى الزنا وأنه دون حقيقة الزنا وأما الإسلام والعفة عن الزنا فلقوله تعالى الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات والمحصنات الحرائر والغافلات والعفائف ( ( ( العفائف ) ) ) عن الزنا والمؤمنات معلومة فدل أن الإيمان والعفة عن الزنا والحرية شرط ودلت هذه الآية على أن المراد من المحصنات في هذه الآية الحرائر لا العفائف لأنه سبحانه وتعالى جمع في هذه الآية بين المحصنات والغافلات في الذكر والغافلات العفائف فلو أريد بالمحصنات العفائف لكان تكرارا ولأن الحد إنما يجب لدفع العار عن المقذوف ومن لا عفة له عن الزنا لا يلحقه العار بالقذف بالزنا وكذا قوله عليه الصلاة والسلام من أشرك بالله فليس بمحصن يدل على أن الإسلام شرط ولأن الحد إنما وجب بالقذف دفعا لعار الزنا عن المقذوف وما في الكافر من عار الكفر أعظم والله سبحانه وتعالى أعلم ثم تفسير العفة عن الزنا هو إن لم يكن المقذوف وطىء في عمره وطأ حراما في غير ملك ولا نكاح أصلا ولا في نكاح فاسد فسادا مجمعا عليه في السلف فإن كان فعل سقطت عفته سواء كان الوطء زنا موجبا للحد أو لم يكن بعد أن يكون على الوصف الذي ذكرنا وإن كان وطىء وطأ حراما لكن في الملك أو النكاح حقيقة أو في نكاح فاسد لكن فسادا هو محل الاجتهاد لا تسقط عفته وبيان هذه الجملة في مسائل إذا وطىء امرأة بشبهة بأن زفت إليه غير امرأته فوطئها سقطت عفته لوجود الوطء الحرام في غير ملك ولا نكاح أصلا إلا أنه لم يجب الحد لقيام الدليل المبيح من حيث الظاهر على ما ذكرنا فيما تقدم وكذلك إذا وطىء جارية مشتركة بينه وبين غيره لأن الوطء يصادف كل الجارية وكلها ليس ملكه فيصادف ملك الغير لا محالة فكان الفعل زنا من وجه لكن درىء ( ( ( درئ ) ) ) الحد للشبهة وكذلك إذا وطىء جارية أبويه أو زوجته أو جارية اشتراها وهو يعلم أنها لغير البائع ثم استحقت لما قلنا وكذلك لو وطىء جارية ابنه فأعلقها أو لم يعلقها لوجود الوطء المحرم في غير ملك حقيقة ولو وطىء الحائض أو النفساء أو الصائمة أو المحرمة أو الحرة التي ظاهر منها أو الأمة المزوجة لم تسقط عفته لقيام الملك أو النكاح حقيقة وأنه محلل إلا أنه منع من الوطء لغيره وكذا إذا وطىء مكاتبته في قولهما وإحدى الروايتين عن أبي يوسف وفي رواية أخرى عنه وهو قول زفر تسقط عفته وجه قولهما أن هذا وطء حصل في غير الملك لأن عقد الكتابة أوجب زوال الملك في حق الوطء ألا ترى أنه لا يباح له أن يطأها وكذا المهر يكون لها لا للمولى وهذا دليل زوال الملك في حق الوطء ولنا أن الوطء يصادف الذات وملك الذات قائم بعد الكتابة فكان الملك المحلل قائما وإنما الزائل ملك اليد فمنع من الوطء لما فيه من استرداد يدها على نفسها فأشبهت الجارية المزوجة ولو تزوج معتدة الغير أو منكوحة الغير أو مجوسية أو أخته من الرضاع سقطت عفته سواء علم أو لم يعلم في قول أبي حنيفة رضي الله عنه وعندهما إذا كان لا يعلم لا تسقط
وجه قولهما أنه إذا لم يعلم لا يكون الوطء حراما بدليل أنه لا يأثم ولو كان حراما لأثم وإذا لم يكن حراما لم تسقط العفة ولأبي حنيفة رحمه الله أن حرمة الوطء ههنا ثابتة بالإجماع إلا أن الإثم منتف والإثم ليس من لوازم الحرمة على ما عرف وإذا كانت الحرمة ثابتة بيقين سقطت العفة ولو قبل امرأة بشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة ثم تزوج بابنتها فوطئها أو تزوج بأمها فوطئها لا تسقط عفته في قول أبي حنيفة رحمه الله وعندهما تسقط وجه قولهما أن التقبيل أو النظر أوجب حرمة المصاهرة وأنها حرمة مؤبدة فتسقط العصمة كحرمة الرحم المحرم ولأبي حنيفة رحمه الله أن هذه الحرمة ليست مجمعا عليها بل هي محل الاجتهاد في السلف فلا تسقط العفة فأما إذا تزوج امرأة فوطئها ثم تزوج ابنتها أو أمها فوطئها سقطت عفته بالإجماع لأن هذا النكاح مجمع على فساده فلم يكن محل الاجتهاد ولو تزوج امرأة بغير شهود فوطئها سقطت عفته لأن فساد هذا النكاح مجمع عليه لا اختلاف فيه في السلف إذ لا يعرف الخلاف فيه بين الصحابة فلا يعتد بخلاف مالك فيه ولو تزوج أمة وحرة في عقدة واحدة فوطئهما ( ( ( فوطئها ) ) ) أو تزوج أمة على حرة فوطئهما لم تسقط عفته لأن فساد هذا النكاح ليس مجمعا عليه في السلف بل هو محل الاجتهاد فالوطء فيه لا يوجب سقوط العفة ولو تزوج ذمي امرأة ذات رحم محرم منه ثم أسلم فقذفه رجل إن كان قد دخل بها بعد الإسلام سقطت عفته بالإجماع وإن كان الدخول في حال الكفر لم تسقط في قول أبي حنيفة وعندهما تسقط هكذا ذكر الكرخي وذكر محمد رحمه الله في الأصل أنه يشترط إحصانه ولم يذكر الخلاف وهو الصحيح لأن هذا النكاح مجمع على فساده وإنما سقط الحد على أصل أبي حنيفة عليه الرحمة لنوع شبهة والله سبحانه وتعالى أعلم ولا حد على من قذف امرأة محدودة في الزنا أو معها ولد لا يعرف له أب أو لاعنت بولد لأن إمارة الزنا معها ظاهرة فلم تكن عفيفة فإن لاعنت بغير الولد أو مع الولد لكنه لم يقطع النسب أو قطع لكن الزوج عاد وأكذب نفسه وألحق النسب بالأب حد لأنه لم يظهر منها علامة الزنا فكانت عفيفة والثاني أن يكون المقذوف معلوما فإن كان مجهولا لا يجب الحد كما إذا قال لجماعة كلكم زان إلا واحدا أو قال ليس فيكم زان إلا واحد أو قال لرجلين أحدكما زان لأن المقذوف مجهول ولو قال لرجلين أحدكما زان فقال له رجل أحدهما هذا فقال لا لا حد للآخر لأنه لم يقذف بصريح الزنا ولا بما هو في معنى الصريح ولو قال لرجل جدك زان لا حد عليه لأن اسم الجد ينطلق على الأسفل وعلى الأعلى فكان المقذوف مجهولا ولو قال لرجل أخوك زان فإن كان له إخوة أو أخوان سواه لا حد على القاذف لأن المقذوف مجهول وإن لم يكن له إلا أخ واحد فعليه الحد إذا حضر وطالب لأن المقذوف معلوم وليس لهذا الأخ ولاية المطالبة لما نذكر في موضعه إن شاء الله تعالى وأما حياة المقذوف وقت القذف فليس بشرط لوجوب الحد على القاذف حتى يجب الحد بقذف الميت لما نذكر في موضعه إن شاء الله تعالى فصل وأما الذي يرجع إليهما جميعا فواحد وهو أن لا يكون القاذف أب المقذوف ولا جده وإن علا ولا أمه ولا جدته وإن علت فإن كان لا حد عليه لقول الله تعالى فلا تقل لهما أف والنهي عن التأفيف نصا نهي عن الضرب دلالة ولهذا لا يقتل به قصاصا ولقوله تبارك وتعالى وبالوالدين إحسانا والمطالب بالقذف ليس من الإحسان في شيء فكان منفيا بالنص ولأن توقير الأب واحترامه واجب شرعا وعقلا والمطالبة بالقذف للجد ترك التعظيم والاحترام فكان حراما والله سبحانه وتعالى الموفق فصل وأما الذي يرجع إلى المقذوف به فنوعان
أحدهما أن يكون القذف بصريح الزنا وما يجري مجرى الصريح وهو نفي النسب فإن كان بالكنابة ( ( ( بالكناية ) ) ) لا يوجب الحد لأن الكناية محتملة والحد لا يجب مع الشبهة فمع الاحتمال أولى وبيان هذه الجملة في مسائل إذا قال لرجل يا زاني أو قال زنيت أو قال أنت زان ( ( ( زاني ) ) ) يحد لأنه أتى بصريح القذف بالزنا ولو قال يا زانيء ( ( ( زانئ ) ) ) بالهمز أو زنأت بالهمز يحد ولو قال عنيت به الصعود في الجبل لا يصدق لأن العامة لا تفرق بين المهموز والملين وكذا من العرب من يهمز الملين فبقي مجرد النية فلا يعتبر ولو قال زنأت في الجبل يحد ولو قال عنيت به الصعود في الجبل لا يصدق في قولهما وعند محمد رحمه الله يصدق ولو قال زنأت على الجبل وقال عنيت به الصعود لا يصدق بالإجماع وجه قول محمد رحمه الله أن الزنا الذي هو فاحشة ملين يقال زنا يزني زنا والزنا الذي هو صعود مهموز يقال زنأ يزنأ زنأ ( ( ( زنئا ) ) ) وقال الشاعر وارق إلى الخيرات زنا ( ( ( زنئا ) ) ) في الجبل وأراد به الصعود إلا أنه إذا لم يقل عنيت به الصعود حمل على الزنا المعروف لأن اسم الزنا يستعمل في الفجور عرفا وعادة وإذا قال عنيت به الصعود فقد عنى به ما هو موجب اللفظ لغة فلزم اعتباره وجه قولهما أن اسم الزنا يستعمل في الفجور عرفا وعادة والعامة لا تفصل بين المهموز والملين بل تستعمل المهموز ملينا والملين مهموزا فلا يصدق في الصرف عن المتعارف كما إذا قال زنيت في الجبل وقال عنيت به الصعود أو زنأت ولم يذكر الجبل إلا أنه استعمل كلمة في مكان كلمة على وأنه جائز قال الله سبحانه وتعالى ولأصلبنكم في جذوع النخل أي على جذوع النخل ومن مشايخنا من علل لهما بأن المهموز منه يحتمل معنى الملين وهو الزنا المعروف لأن من العرب من يهمز الملين فيتعين معنى الملين بدلالة الحال وهي حال الغضب لأن المسألة مقصورة فيها وإذا قال زنأت على الجبل وقال عنيت به الصعود لم يصدق لأنه لا تستعمل كلمة على في الصعود فلا يقال صعد على الجبل وإنما يقال صعد في الجبل ولو قال لرجل يا ابن الزاني فهو قاذف لأبيه كأنه قال أبوك زاني ولو قال يا ابن الزانية فهو قاذف لأمه كأنه قال أمك زانية ولو قال يا ابن الزاني والزانية فهو قاذف لأبيه وأمه كأنه قال أبواك زانيان ولو قال يا ابن الزنا أو يا ولد الزنا كان قذفا لأن معناه في عرف الناس وعادتهم إنك مخلوق من ماء الزنا ولو قال يا ابن الزانيتين يكون قذفا ويعتبر إحصان أمه التي ولدته لا إحصان جدته حتى لو كانت أمه مسلمة فعليه الحد وإن كانت جدته كافرة وإن كانت أمه كافرة فلا حد عليه وإن كانت جدته مسلمة لأن أمه في الحقيقة والدته والجدة تسمى أما مجازا وكذلك لو قال يا ابن مائة زانية أو يا ابن ألف زانية يكون قاذفا لأمه ويعتبر في الإحصان حال الأم لما قلنا ويكون المراد من العدد المذكور عدد المرات لا عدد الأشخاص أي أمك زنت مائة مرة أو ألف مرة ولو قال يا ابن القحبة لم يكن قاذفا لأن هذا الاسم كما يطلق على الزانية يستعمل على المهيأة المستعدة للزنا وإن لم تزن فلا يجعل قذفا مع الاحتمال وكذلك لو قال يا ابن الدعية لأن الدعية هي المرأة المنسوبة إلى قبيلة لا نسب لها منهم وهذا لا يدل على كونها زانية لجواز ثبوت نسبها من غيرهم ولو قال لرجل يا زاني فقال الرجل لا بل أنت الزاني أو قال لا بل أنت يحدان جميعا لأن كل واحد منهما قذف صاحبه صريحا
ولو قال لامرأة يا زانية فقالت زنيت بك لا حد على الرجل لأن المرأة صدقته في القذف فخرج قذفه من أن يكون موجبا للحد وتحد المرأة لأنها قذفته بالزنا نصا ولم يوجد منه التصديق ولو قال لامرأة يا زانية فقالت زنيت معك لا حد على الرجل ولا على المرأة أما على الرجل فلوجود التصديق منها إياه وأما على المرأة فلأن قولها زنيت معك يحتمل أن يكون المراد منه زنيت بك ويحتمل أن يكون معناه زنيت بحضرتك فلا يجعل قذفا مع الاحتمال ولو قال لامرأته يا زانية فقالت لا بل أنت حدت المرأة حد القذف ولا لعان على الرجل لأن كل واحد من الزوجين قذف صاحبه وقذف المرأة يوجب حد القذف وقذف الزوج امرأته يوجب اللعان وكل واحد منهما حد وفي البداية بحد المرأة إسقاط الحد عن الرجل لأن اللعان شهادات مؤكدة بالأيمان والمحدود في القذف لا شهادة له ونظير هذا ما قالوا فيمن قال لامرأته يا زاينة ( ( ( زانية ) ) ) بنت الزانية فخاصمت الأم أولا فحد الزوج حد القذف سقط اللعان لأنه بطلت شهادته ولو خاصمت المرأة أولا فلاعن القاضي بينهما ثم خاصمت الأم يحد الرجل حد القذف ولو قال لامرأته يا زانية فقالت زنيت بك لا حد ولا لعان لأنه يحتمل أنها أرادت بقولها زنيت بك أي قبل النكاح ويحتمل أنها أرادت أي ما مكنت من الوطء غيرك فإن كان ذلك زنا فهو زنا لأن هذا متعارف فإن أرادت الأول لا يجب اللعان ويجب الحد لأنها أقرت بالزنا وإن أرادت به الثاني يجب اللعان لأن الزوج قذفها بالزنا وهي لم تصدقه فيما قذفها به ولا حد عليها فوقع الاحتمال في ثبوت كل واحد منهما فلا يثبت ولو قال لامرأة أنت زانية فقالت المرأة أنت أزنى مني يحد الرجل ولا تحد المرأة أما الرجل فلأنه قذفها بصريح الزنا ولم يوجد منها التصديق وأما المرأة فلأن قولها أنت أزنى مني يحتمل أنها أرادت به النسبة إلى الزنا على الترجيح ويحتمل أنها أرادت أنت أقدر على الزنا وأعلم به مني فلا يحمل على القذف مع الاحتمال وكذلك إذا قال الإنسان ( ( ( لإنسان ) ) ) أنت أزنى الناس أو أزنى الزناة أو أزنى من فلان لا حد عليه لما قلنا وروي عن أبي يوسف أنه فرق بين قوله أزنى الناس وبين قوله أزنى مني أو من فلان فقال في الأول يحد وفي الثاني لا يحد ووجه الفرق له أن قوله أنت أزنى الناس أمكن حمله على ما يقتضيه ظاهر الصيغة وهو الترجيح في وجود فعل الزنا منه لتحقق الزنا من الناس في الجملة فيحمل عليه وقوله أنت أزنى مني أو من فلان لا يمكن حمله على الترجيح في وجود الزنا لجواز أنه لم يوجد الزنا منه أو من فلان فيحمل على الترجيح في القدرة أو العلم فلا يكون قذفا بالزنا ولو قال لرجل زنيت وفلان معك كان قاذفا لهما لأنه قذف أحدهما وعطف الآخر عليه بحرف الواو وأنها للجمع المطلق فكان مخبرا عن وجود الزنا من كل واحد منهما رجلان استبا فقال أحدهما لصاحبه ما أبي بزان ولا أمي بزانية لم يكن هذا قذفا لأن ظاهره نفي الزنا عن أبيه وعن أمه إلا أنه قد يكنى بهذا الكلام عن نسبة أب صاحبه وأمه إلى الزنا لكن القذف على سبيل الكناية والتعريض لا يوجب الحد ولو قال لرجل أنت تزني لا حد عليه لأن هذا اللفظ يستعمل للاستقبال ويستعمل للحال فلا يجعل قذفا مع الاحتمال وكذلك لو قال أنت تزني وأنا أضرب الحد لأن مثل هذا الكلام في عرف الناس لا يدل على قصد القذف وإنما يدل على طريق ضرب المثل على الاستعجاب أن كيف تكون العقوبة على إنسان والجناية من غيره كما قال الله تبارك وتعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى
ولو قال لامرأة ما رأيت زانية خيرا منك أو قال لرجل ما رأيت زانيا خيرا منك لم يكن قذفا لأنه ما جعل هذا المذكور خير الزناة وإنما جعله خيرا من الزناة وهذا لا يقتضي وجود الزنا منه ولو قال لامرأة زنا بك زوجك قبل أن يتزوجك فهو قاذف فإنه نسب زوجها إلى زنا حصل منه قبل التزوج في كلام موصول فيكون قذفا ولو قال لامرأة وطئك فلان وطأ حراما أو جامعك حراما أو فجر بك أو قال لرجل وطئت فلانة حراما أو باضعتها أو جامعتها حراما فلا حد عليه لأنه لم يوجد منه القذف بالزنا بل بالوطء الحرام ويجوز أن يكون الوطء حراما ولا يكون زنا كالوطء بشبهة ونحو ذلك ولو قال لغيره اذهب إلى فلان فقل له يا زاني أو يا ابن الزانية لم يكن المرسل قاذفا لأنه أمر بالقذف ولم يقذف وأما الرسول فإن ابتدأ فقال لا على وجه الرسالة يا زاني أو يا ابن الزانية فهو قاذف وعليه الحد وإن بلغه على وجه الرسالة بأن قال أرسلني فلان إليك وأمرني أن أقول ( ( ( أقل ) ) ) لك يا زاني أو يا ابن الزانية لا حد عليه لأنه لم يقذف بل أخبر عن قذف غيره ولو قال لآخر أخبرت أنك زان أو أشهدت على ذلك لم يكن قاذفا لأنه حكى خبر غيره بالقذف وإشهاد غيره بذلك فلم يكن قاذفا ولو قال لرجل يا لوطي لم يكن قاذفا بالإجماع لأن هذا نسبة إلى قوم لوط فقط وهذا لا يقتضي أنه يعمل عملهم وهو اللواط ولو أفصح وقال أنت تعمل عمل قوم لوط وسمى ذلك لم يكن قاذفا عند أبي حنيفة أيضا وعندهما هو قاذف بناء على أن هذا الفعل ليس بزنا عند أبي حنيفة وعندهما هو في معنى الزنا والمسألة مرت في موضعها ولو قال لرجل يا زاني فقال له آخر صدقت يحد القاذف ولا حد على المصدق أما الأول فلوجود القذف الصريح منه وأما المصدق فلأن قوله صدقت قذف بطريق الكناية ولو قال صدقت هو كما قلت يحد لأن هذا في معنى الصريح ولو قال لرجل أخوك زان فقال الرجل لا بل أنت يحد الرجل لأن كلمة لا بل لتأكيد الإثبات فقد قذف الأول بالزنا على سبيل التأكيد وأما الأول فينظر إن كان للرجل إخوة أو أخوان سواه فلا حد عليه وإن لم يكن له إلا أخ واحد فله أن يطالبه بالحد وليس لهذا الأخ المخاطب أن يطالبه لما ذكرنا فيما تقدم ولو قال لست لأبيك فهو قاذف لأمه سواء قال في غضب أو رضا لأن هذا الكلام لا يذكر إلا لنفي النسب عن الأب فكان قذفا لأمه ولو قال ليس هذا أبوك أو قال لست أنت ابن فلان لأبيه أو قال أنت ابن فلان لأجنبي إن كان في حال الغضب فهو قذف وإن كان في غير حال الغضب فليس بقذف لأن هذا الكلام قد يذكر لنفي النسب وقد يذكر لنفي التشبه في الأخلاق أي أخلاقك لا تشبه أخلاق أبيك أو أخلاقك تشبه أخلاق فلان الأجنبي فلا يجعل قذفا مع الشك والاحتمال وكذلك إذا قال لرجل يا ابن مزيقيا أو يا ابن ماء السماء أنه يكون قذفا في حالة الغضب لا في حالة الرضا لأنه يحتمل أنه أراد به نفي النسب ويحتمل أنه أراد به المدح بالتشبيه برجلين من سادات العرب فعامر بن حارثة كان يسمى ماء السماء لصفائه وسخائه وعمرو بن عامر كان يسمى المزيقيا لمزقه الثياب إذ كان ذا ثروة ونخوة كان يلبس كل يوم ثوبا جديدا فإذا أمسى خلعه ومزقه لئلا يلبسه غيره فيساويه فيحكم الحال في ذلك فإن كان في حال الغضب فالظاهر أنه أراد به نفي النسب فيكون قذفا وإن كان في حال الرضا فالظاهر أنه أراد به المدح فلم يكن قذفا ولو قال لرجل أنت ابن فلان لعمه أو لخاله أو لزوج أمه لم يكن قذفا لأن العم يسمى أبا وكذلك الخال وزوج الأم
قال الله سبحانه وتعالى قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسماعيل كان عم يعقوب عليه السلام وقد سماه أباه وقال سبحانه وتعالى ورفع أبويه على العرش وقيل إنهما أبوه وخالته وإذا كانت الخالة أما كان الخال أبا وقال الله تعالى إن ابني من أهلي قيل في التفسير إنه كان ابن امرأته من غيره ولو قال لست بابن فلان ( ( ( لفلان ) ) ) لجده لم يكن قاذفا لأنه صادق في كلامه حقيقة لأن الجد لا يسمى أبا حقيقة بل مجازا ولو قال للعربي يا نبطي لم يكن قذفا وكذلك إذا قال لست من بني فلان للقبيلة التي هو منها لم يكن قاذفا عند عامة العلماء وقال ابن أبي ليلى يكون قذفا والصحيح قول العامة لأن بقوله يا نبطي لم يقذفه ولكنه نسبه إلى غير بلده كمن قال للبلدي يا رستاقي وكذلك إذا قال يا ابن الخياط أو يا ابن الأصفر أو الأسود وأبوه ليس كذلك لم يكن قاذفا بل يكون كاذبا وكذلك إذا قال يا ابن الأقطع أو يا ابن الأعور وأبوه ليس كذلك يكون كاذبا لا قاذفا كما إذا قال للبصير يا أعمى ثم القذف بلسان العرب وغيره سواء ويجب الحد لأن معنى القذف هو النسبة إلى الزنا وهذا يتحقق بكل لسان والله تعالى أعلم والثاني أن يكون المقذوف به متصور الوجود من المقذوف فإن كان لا يتصور لم يكن قاذفا وعلى هذا يخرج ما إذا قال لآخر زنى فخدك ( ( ( فخذك ) ) ) أو ظهرك أنه لا حد عليه لأن الزنا لا يتصور من هذه الأعضاء حقيقة فكان المراد منه المجاز من طريق النسب كما قال عليه الصلاة والسلام العينان تزنيان واليدان تزنيان والرجلان تزنيان والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه وكذلك لو قال زنيت بأصبعك لأن الزنا بالإصبع لا يتصور حقيقة ولو قال زنى فرجك يحد لأن الزنا بالفرج يتحقق كأنه قال زنيت بفرجك ولو قال لامرأة زنيت بفرس أو حمار أو بعير أو ثور لا حد عليه لأنه يحتمل أنه أراد به تمكينها من هذه الحيوانات لأن ذلك متصور حقيقة ويحتمل أنه أراد به جعل هذه الحيوانات عوضا وأجرة على الزنا فإن أراد به الأول لا يكون قذفا لأنها بالتمكين منها لا تصير مزنيا بها لعدم تصور الزنا من البهيمة وإن أراد به الثاني يكون قذفا كما إذا قال زنيت بالدراهم أو بالدنانير أو بشيء من الأمتعة فلا يجعل قذفا مع الاحتمال ولو قال لها زنيت بناقة أو ببقرة أو أتان أو رمكة فعليه الحد لأنه تعذر حمله على التمكين فيحمل على العوض لأن حرف الباء قد يستعمل في الأعواض ولو قال ذلك لرجل لم يكن قذفا في جميع ذلك سواء كان ذكرا أو أنثى لأنه يمكن حمله على حقيقة الوطء ووطؤها لا يتصور أن يكون زنا فلا يكون قذفا ويمكن حمله على العوض فيكون قذفا فوقع الاحتمال في كونه قذفا فلا يجعل قذفا مع الاحتمال ومن مشايخنا من فصل بين الذكر والأنثى فقال يكون قذفا في الذكر لا في الأنثى لأن فعل الوطء من الرجل يوجد في الأنثى فلا يحمل على العوض ولا يوجد في الذكر فيحمل على العوض والصحيح أنه لا فرق بين الذكر والأنثى لأن الوطء يتصور في الصنفين في الجملة ولو قال لامرأة زنيت وأنت مكرهة أو معتوهة أو مجنونة أو نائمة لم يكن قذفا لأنه نسبها إلى الزنا في حال لا يتصور منها وجود الزنا فيها فكان كلامه كذبا لا قذفا وبمثله لو قال لأمة أعتقت زنيت وأنت أمة أو قال لكافرة أسلمت زنيت وأنت كافرة يكون قذفا وعليه الحد لأن في المسألة الأولى قذفها للحال بالزنا في حال لا يتصور منها وجود الزنا فيها فكان كلامه كذبا لا قذفا
وفي المسألة الثانية قذفها للحال لوجود الزنا منها في حال يتصور منها الزنا وهي حال الرق والكفر لأنهما لا يمنعان وقوع الفعل زنا وإنما يمنعان الإحصان والإحصان يشترط وجوده وقت القذف لأنه السبب الموجب للحد وقد وجد ولو قال لإنسان لست لأمك لا حد عليه لأنه كذب محض لأنه نفى النسب من الأم ونفي النسب من الأم لا يتصور ألا ترى أن أمه ولدته حقيقة وكذلك لو قال له لست لأبويك لأنه نفى نسبه عنهما ولا ينتفي عن الأم لأنها ولدته فيكون كذبا بخلاف قوله لست لأبيك لأن ذلك ليس بنفي لولادة الأم بل هو نفي النسب عن الأب ونفي النسب عن الأب يكون قذفا للأم وكذلك لو قال له لست لأبيك ولست لأمك في كلام موصول لم يكن قذفا لأن هذا وقوله لست لأبويك سواء ولو قال له لست لآدم أو لست لرجل أو لست لإنسان لا حد عليه لأنه كذب محض لأن نسبه لا يحتمل الانقطاع عن هؤلاء فكان كذبا محضا لا قذفا فلا يجب الحد وعلى هذا يخرج ما إذا قال لرجل يا زانية أنه لا يكون قذفا عندهما وعند محمد يكون قذفا وجه قوله أن الهاء قد تدخل صلة زائدة في الكلام قال الله تعالى عز شأنه خبرا عن الكفار ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه ومعناه مالي وسلطاني والهاء زائدة فيحذف الزائد فيبقى قوله يا زاني وقد تدخل في الكلام للمبالغة في الصفة كما يقال علامة ونسابة ونحو ذلك فلا يختل به معنى القذف يدل عليه أن حذفه في نعت المرأة لا يخل بمعنى القذف حتى لو قال لامرأة يا زاني يجب الحد بالإجماع فكذلك الزيادة في نعت الرجل ولهما أنه قذفه بما لا يتصور فيلغو ودليل عدم التصور أنه قذفه بفعل المرأة وهو التمكين لأن الهاء في الزانية هاء التأنيث كالضاربة والقاتلة والسارقة ونحوها وذلك لا يتصور من الرجل بخلاف ما إذا قال لامرأة يا زاني لأنه أتى بمعنى الاسم وحذف الهاء وهاء التأنيث قد تحذف في الجملة كالحائض والطالق والحامل ونحو ذلك والله تعالى أعلم فصل وأما الذي يرجع إلى المقذوف فيه وهو المكان فهو أن يكون القذف في دار العدل فإن كان في دار الحرب أو في دار البغي فلا يوجب الحد لأن المقيم للحدود هم الأئمة ولا ولاية لإمام أهل العدل على دار الحرب ولا على دار البغي فلا يقدر على الإقامة فيهما فالقذف فيهما لا ينعقد موجبا للحد حين وجوده فلا يحتمل الاستيفاء بعد ذلك لأن الاستيفاء للواجب والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما الذي يرجع إلى نفس القذف فهو أن يكون مطلقا عن الشرط والإضافة إلى وقت فإن كان معلقا بشرط أو مضافا إلى وقت لا يوجب الحد لأن ذكر الشرط أو الوقت يمنع وقوعه قذفا للحال وعند وجود الشرط أو الوقت يجعل كأنه نجز القذف كما في سائر التعليقات والإضافات فكان قاذفا تقديرا مع انعدام القذف حقيقة فلا يجب الحد وعلى هذا يخرج ما إذا قال رجل من قال كذا وكذا فهو زان أو ابن الزانية فقال رجل أنا قلت أنه لا حد على المبتدىء ( ( ( المبتدئ ) ) ) لأنه علق القذف بشرط القول وكذلك إذا قال لرجل إن دخلت هذه الدار فأنت زان أو ابن الزانية فدخل لا حد على القائل لما قلنا وكذا من قال لغيره أنت زان أو ابن الزانية غدا أو رأس شهر كذا فجاء الغد والشهر لا حد عليه لأن إضافة القذف إلى وقت يمنع تحقق القذف في الحال وفي المآل على مابينا والله عز وجل أعلم فصل وأما بيان ما تظهر به الحدود عند القاضي فنقول وبالله التوفيق الحدود كلها تظهر بالبينة والإقرار لكن عند استجماع شرائطها أما شرائط البينة القائمة على الحد فمنها ما يعم الحدود كلها ومنها ما يخص البعض دون البعض
أما الذي يعم الكل فالذكورة والأصالة فلا تقبل شهادة النساء ولا الشهادة على الشهادة ولا كتاب القاضي إلى القاضي في الحدود كلها لتمكن زيادة شبهة فيها ذكرناها في كتاب الشهادات والحدود لا تثبت مع الشبهات ولو ادعى القاذف أن المقذوف صدقه وأقام على ذلك رجلا وامرأتين جاز وكذلك الشهادة على الشهادة وكتاب القاضي إلى القاضي لأن الشهادة ههنا قامت على إسقاط الحد لا على إثباته والشبهة تمنع من إثبات الحد لا من إسقاطه وأما الذي يخص البعض دون البعض فمنها عدم التقادم وأنه شرط في حد الزنا والسرقة وشرب الخمر وليس بشرط في حد القذف والفرق أن الشاهد إذا عاين الجريمة فهو مخير بين أداء الشهادة حسبه لله تعالى لقوله تعالى عز وجل وأقيموا الشهادة لله وبين التستر على أخيه المسلم لقوله عليه الصلاة والسلام من ستر على أخيه المسلم ستر الله عليه في الآخرة فلما لم يشهد على فور المعاينة حتى تقادم العهد دل ذلك على اختيار جهة الستر فإذا شهد بعد ذلك دل على أن الضغينة حملته على ذلك فلا تقبل شهادته لما روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه قال أيما قوم شهدوا على حد لم يشهدوا عند حضرته فإنما شهدوا عن ضغن ولا شهادة لهم ولم ينقل أنه أنكر عليه منكر فيكون إجماعا فدل قول سيدنا عمر رضي الله عنه على أن مثل هذه الشهادة شهادة ضغينة وأنها غير مقبولة ولأن التأخير والحالة هذه يورث تهمة ولا شهادة للمتهم على لسان رسول الله بخلاف حد القذف لأن التأخير ثمة لا يدل على الضغينة والتهمة لأن الدعوى هناك شرط فاحتمل أن التأخير كان لتأخير الدعوى من المدعي والدعوى ليست بشرط في الحدود الثلاثة فكان التأخير لما قلنا ويشكل على هذا فصل السرقة فإن الدعوى هناك شرط ومع هذا التقادم مانع واختلفت عبارات مشايخنا في الجواب عن هذا الإشكال فقال بعضهم إن معنى الضغينة والتهمة حكمة المنع من قبول الشهادة والسبب الظاهر هو كون الحد خالص حق الله تعالى والحكم يدار على السبب الظاهر لا على الحكمة وقد وجد السبب الظاهر في السرقة فيوجب المنع من قبول الشهادة وهذا ليس بسديد لأن الأصل تعليق الحكم بالحكمة إلا إذا كان وجه الحكمة خفيا لا يوقف عليه إلا بحرج فيقام السبب الظاهر مقامه وتجعل الحكمة موجودة تقديرا وههنا يمكن الوقوف عليه من غير حرج ولم توجد في السرقة لما بينا فيجب أن تقبل الشهادة بعد التقادم وقال بعضهم إنما لا تقبل الشهادة في السرقة لأن دعوى السرقة بعد التقادم لم تصح لأن المدعي في الابتداء مخير بين أن يدعي السرقة ويقطع طمعه عن ماله احتسابا لإقامة الحد وبين أن يدعي أخذ المال سترا على أخيه المسلم فلما أخر دل تأخيره على اختيار جهة الستر والإعراض عن جهة الحسبة فلما شهد بعد ذلك فقد قصد الإعراض عن جهة الستر فلا يصح إعراضه ولم يجعل قاصدا جهة الحسبة لأنه قد كان أعرض عنها عند اختياره جهة الستر فلم تصح دعواه السرقة فلم تقبل الشهادة على السرقة لأن قبول الشهادة يقف على دعوى صحيحة فيما تشترط فيه الدعوى فبقي مدعيا أخذ المال لا غير فتقبل الشهادة حسبة إذ التقادم لا يمنع قبول الشهادة على الأموال بخلاف حد القذف لأن المقذوف ليس بمخير بين بدل النفس وبين إقامة الحد بالدعوى بل الواجب عليه دفع العار عن نفسه ودعوى القذف فلا يتهم بالتأخير فكانت الدعوى صحيحة منه
والشيخ منصور الماتريدي رحمه الله أشار إلى معنى آخر في شرح الجامع الصغير حكيته بلفظه وهو أن عادة السراق الإقدام على السرقة في حال ( ( ( حالة ) ) ) الغفلة وانتهاز الفرصة في موضع الخفية وصاحب الحق لا يطلع على من شهد ذلك ولا يعرفهم إلا بهم وبخبرهم فإذا كتموا أثموا وقد يعلم المدعي شهوده في غير ذلك من الحقوق ويطلبها إذا احتاج إليها فكانوا في سعة من تأخيرها وإذا بطلت الشهادة على السرقة بالتقادم قبلت في حق المال لأن بطلانها في حق الحد لتمكن الشبهة فيها والحد لا يثبت مع الشبهة وأما المال فيثبت معها ثم التقادم إنما يمنع قبول الشهادة في الحدود الثلاثة إذا كان التقادم في التأخير من غير عذر ظاهر فأما إذا كان لعذر ظاهر بأن كان المشهود عليه في موضع ليس فيه حاكم فحمل إلى بلد فيه حاكم فشهدوا عليه جازت شهادتهم وإن تأخرت لأن هذا موضع العذر فلا يكون التقادم فيه مانعا ثم لم يقدر أبو حنيفة رحمه الله للتقادم تقديرا وفوض ذلك إلى اجتهاد كل حاكم في زمانه فإنه روي عن أبي يوسف رحمه الله أنه قال كان أبو حنيفة رحمه الله لا يوقت في التقادم شيئا وجهدنا به أن يوقت فأبى وأبو يوسف ومحمد رحمهما الله قدراه بشهر فإن كان شهرا أو أكثر فهو متقادم وإن كان دون شهر فليس بمتقادم لأن الشهر أدنى الأجل فكان ما دونه في حكم العاجل ولأبي حنيفة رحمه الله أن التأخير قد يكون لعذر والأعذار في اقتضاء التأخير مختلفة فتعذر التوقيت فيه مفوض ( ( ( ففوض ) ) ) إلى اجتهاد القاضي فيما يعد إبطاء وما لا يعد وإذا لم تقبل شهادة الشهود بزنا متقادم هل يحدون حد القذف حكى الحسن بن زياد أنهم يحدون وتأخيرهم محمول على اختيار جهة الستر فخرج كلامهم عن كونه شهادة فبقي قذفا فيوجب الحد وقال الكرخي رحمه الله الظاهر أنه لا يجب عليهم الحد وهكذا ذكر القاضي في شرحه أنه لا حد عليهم لأن تأخيرهم وإن أورث تهمة وشبهة في الشهادة فأصل الشهادة باق فلما اعتبرت الشبهة في إسقاط حد الزنا عن المشهود عليه فلأن تعتبر حقيقة الشهادة لإسقاط حد القذف عن الشهود أولى ومنها قيام الرائحة وقت أداء الشهادة في حد الشرب في قولهما وعند محمد ليس بشرط والحجج ستأتي في موضعها ومنها عدد الأربع في الشهود في حد الزنا لقوله عز اسمه واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم وقوله سبحانه وتعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء وقوله تبارك وتعالى لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء ولأن الشهادة أحد نوعي الحجة فيعتبر بالنوع الآخر وهو الإقرار وهناك عدد الأربع شرط كذا ههنا بخلاف سائر الحدود فإن عدد الأقارير الأربع لم يشترط فيها فكذا عدد الأربع من الشهود ولأن اشتراط عدد الأربع في الشهادة يثبت معدولا به عن القياس بالنص والنص ورد في الزنا خاصة فإن شهد على الزنا أقل من أربعة لم تقبل شهادتهم لنقصان العدد المشروط وهل يحدون حد القذف قال أصحابنا يحدون وقال الشافعي رحمه الله إذا جاءوا مجيء الشهود لم يحدوا وعلى هذا الخلاف إذا شهد ثلاثة وقال الرابع رأيتهما في لحاف واحد ولم يزد عليه أنه يحد الثلاثة عندنا ولا حد على الرابع لأنه لم يقذف إلا إذا كان قال في الابتداء أشهد أنه قد زنى ثم فسر الزنا بما ذكر فحينئذ يحد وجه قول الشافعي رحمه الله أنهم إذا جاءوا مجيء الشهود كان قصدهم إقامة الشهادة حسبة لله تعالى لا القذف فلم يكن جناية فلم يكن قذفا ولنا ما روي أن ثلاثة شهدوا على مغيرة بالزنا فقام الرابع وقال رأيت أقداما بادية ونفسا عاليا وأمرا منكرا ولا أعلم ما وراء ذلك
فقال سيدنا ( ( ( سي ) ) ) عمر رضي الله عنه الحمد لله الذي لم يفضح رجلا من أصحاب محمد وحد الثلاثة وكان ذلك بمحضر من الصحابة الكرام رضي الله عنهم ولم ينقل أنه أنكر عليه منكر فيكون إجماعا ولأن الموجود من الشهود كلام قذف حقيقة إذ القذف هو النسبة إلى الزنا وقد وجد من الشهود حقيقة فيدخلون تحت آية القذف إلا أنا اعتبرنا تمام عدد الأربع إذا جاءوا مجيء الشهود فقد قصدوا إقامة الحسبة واجبا حقا لله تعالى فخرج كلامهم عن كونه قذفا وصار شهادة شرعا فعند النقصان بقي قذفا حقيقة فيوجب الحد ولو شهد ثلاثة على الزنا وشهد رابع على شهادة غيره تحد الثلاثة لأن شهادتهم صارت قذفا لنقصان العدد ولا حد على الرابع لأنه لم يقذف بل حكى قذف غيره ولو علم أن أحد الأربع عبد أو مكاتب أو صبي أو أعمى أو محدود في قذف حدوا جميعا لأن الصبي والعبد ليست لهما أهلية الشهادة أصلا ورأسا فانتقص العدد فصار كلامهم قذفا والأعمى والمحدود في القذف ليست لهم أهلية الشهادة أو إن كانت لهم أهلية الشهادة تحملا وسماعا فقصرت أهليتهما للشهادة فانتقص العدد فصار كلامهم قذفا وسواء علم ذلك قبل القضاء أو بعد القضاء قبل الإمضاء وإن علم ذلك بعد الإمضاء فإن كان الحد جلدا فكذلك يحدون ولا يضمنون أرش الضرب في قول أبي حنيفة وعندهما يجب في بيت المال على ما ذكرنا في كتاب الرجوع عن الشهادات وإن كان رجما لا يحدون لأنه تبين أن كلامهم وقع قذفا ومن قذف حيا ثم مات المقذوف سقط الحد وتكون الدية في بيت المال لأن الخطأ حصل من القاضي وخطأ القاضي على بيت المال لأنه عامل لعامة المسلمين وبيت المال مال المسلمين ولو شهد الزوج وثلاثة نفر حد الثلاثة ولا عن الزوج امرأته لأن قذف الزوج يوجب اللعان لا الحد فانتقص العدد في حق الباقين فصار كلامهم قذفا فيحدون حد القذف ولو علم أن الشهود الأربعة عبيد أو كفار أو محدودون في قذف أو عميان يحدون حد القذف وإن علم أنهم فساق لا يحدون والفرق ما ذكرنا أن العبد والكافر لا شهادة لهما أصلا والأعمى والمحدود في القذف لهما شهادة سماعا وتحملا لا أداء فكان كلامهم قذفا والفاسق له شهادة على أصل أصحابنا سماعا وإذا كان كلام الفاسق شهادة لا قذفا فلا يحدون حد القذف والله تعالى أعلم ولو ادعى المشهود عليه أن أحد الشهود الأربعة عبد فالقول قوله حتى يقيم البينة أنه حر لما روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه قال الناس أحرار إلا في أربع الشهادة والقصاص والعقل والحدود والمعنى فيه ما ذكرنا في غير موضع ومنها اتحاد المجلس وهو أن يكون الشهود مجتمعين في مجلس واحد عند أداء الشهادة فإن جاءوا متفرقين يشهدون واحدا بعد واحد لا تقبل شهادتهم ويحدون وإن كثروا لما ذكرنا أن كلامهم قذف حقيقة وإنما يخرج عن كونه قذفا شرعا بشرط أن يكونوا مجتمعين في مجلس واحد وقت أداء الشهادة فإذا انعدمت هذه الشريطة بقي قذفا فيوجب الحد حتى لو جاءوا مجتمعين أو متفرقين وقعدوا في موضع الشهود في ناحية من المسجد ثم جاءوا واحدا بعد واحد وشهدوا جازت شهادتهم لوجود اجتماعهم في مجلس واحد وقت الشهادة إذ المسجد كله مجلس واحد وإن كانوا خارجين من المسجد فجاء واحد منهم ودخل المسجد وشهد ثم جاء الثاني والثالث والرابع يضربون الحد وإن كانوا مثل ربيعة ومضر هكذا روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه قال لو جاء ربيعة ومضر فرادى لحددتهم عن آخرهم وإنما قال ذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم ولم ينقل أنه أنكر عليه أحد منهم فيكون إجماعا منهم والله سبحانه وتعالى أعلم ومنها أن يكون المشهود عليه بالزنا ممن يتصور منه الوطء فإن كان ممن لا يتصور منه كالمجبوب لا تقبل شهادتهم ويحدون حد القذف ولو كان المشهود عليه خصيا أو عنينا قبلت شهادتهم ويحد لتصور الزنا منهما لقيام الآلة بخلاف المجبوب
ومنها أن يكون المشهود عليه بالزنا ممن يقدر على دعوى الشبهة فإن كان ممن لا يقدر كالأخرس لا تقبل شهادتهم لأن من الجائز أنه لو كان قادرا لادعى شبهة ولو كان المشهود عليه بالزنا أعمى قبلت شهادتهم لأن الأعمى قادر على دعوى الشبهة لو كانت عنده شبهة ولو شهدوا بالزنا ثم قالوا تعمدنا النظر إلى فرجها لا تبطل شهادتهم لأن أداء الشهادة لا بد له من التحمل ولا بد للتحمل من النظر إلى عين الفرج ويباح لهم النظر إليها لقصد إقامة الحسبة كما يباح للطبيب لقصد المعالجة ولو قالوا نظرنا مكررا بطلت شهادتهم لأنه سقطت عدالتهم والله تعالى أعلم ومنها اتحاد المشهود ( ( ( الشهود ) ) ) وهو أن يجمع الشهود الأربعة على فعل واحد فإن اختلفوا لا تقبل شهادتهم وعلى هذا يخرج ما إذا شهد اثنان أنه زنى في مكان كذا وشهد آخران أنه زنى في مكان آخر والمكانان متباينان بحيث يمتنع أن يقع فيها ( ( ( فيهما ) ) ) فعل واحد عادة كالبلدين والدارين والبيتين لا تقبل شهادتهم ولا حد على المشهود عليه لأنهم شهدوا بفعلين مختلفين لاختلاف المكانين وليس على أحدهما شهادة الأربع ولا حد على الشهود أيضا عند أصحابنا وعند زفر يحدون وجه قوله أن عدد الشهود قد انتقص لأن كل فريق شهد بفعل غير الذي شهد به الفريق الآخر ونقصان عدد الشهود يوجب صيرورة الشهادة قذفا كما لو شهد ثلاثة بالزنا ولنا أن المشهود به لم يختلف عند الشهود لأن عندهم أن هذا زنا واحد وإنما وقع اختلافهم في المكان فثبت بشهادتهم شبهة اتحاد الفعل فيسقط الحد وعلى هذا إذا اختلفوا في الزمان فشهد اثنان أنه زنى بها في يوم كذا واثنان في يوم آخر ولو شهد اثنان أنه زنى في هذه الزاوية من البيت وشهد اثنان أنه زنى في هذه الزاوية الأخرى منه يحد المشهود عليه لجواز أن ابتداء الفعل وقع في هذه الزاوية من البيت وانتهاؤه في زاوية أخرى منه لانتقالهما منه واضطرابهما فلم يختلف المشهود به فتقبل شهادتهم حتى لو كان البيت كبيرا لا تقبل لأنه يكون بمنزلة البيتين ولو شهد أربعة بالزنا بامرأة فشهد اثنان أنه استكرهها واثنان أنها طاوعته لا حد على المرأة بالإجماع لأن الحد لا يجب إلا بالزنا طوعا ولم تثبت الطواعية في حقها وأما الرجل فلا حد عليه أيضا عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما يحد وجه قولهما أن زنا الرجل عن طوع ثبت بشهادة الأربع إلا أنه تفرد اثنان منهم بإثبات زيادة الإكراه منه وأنه لا يمنع وجوب الحد كما لو زنا بها مستكرهة ولأبي حنيفة عليه الرحمة أن المشهود قد اختلف لأن فعل المكره غير فعل من ليس بمكره فقد شهدوا بفعلين مختلفين وليس على أحدهما شهادة الأربع فلا يحد المشهود عليه ولا الشهود عند أصحابنا الثلاثة خلافا لزفر وقد مر الكلام فيه في اختلافهم في المكان والزمان والله تعالى أعلم ثم الشهود إذا استجمعوا شرائط صحة الشهادة وشهدوا عند القاضي سألهم القاضي عن الزنا ما هو وكيف هو ومتى زنا وأين زنا وبمن زنا أما السؤال عن ماهية الزنا فلأنه يحتمل أنهم أرادوا به غير الزنا المعروف لأن اسم الزنا يقع على أنواع لا توجب الحد قال عليه الصلاة والسلام العينان تزنيان واليدان تزنيان والرجلان تزنيان والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه وأما السؤال عن الكيفية فلأنه يحتمل أنهم أرادوا به الجماع فيما دون الفرج لأن ذلك يسمى جماعا حقيقة أو مجازا فإنه لا يوجب الحد وأما السؤال عن الزمان فلأنه يحتمل أنهم شهدوا بزنا متقادم والتقادم يمنع قبول الشهادة بالزنا وأما السؤال عن المكان فلأنه يحتمل أنه زنا في دار الحرب أو في دار البغي وأنه لا يوجب الحد
وأما السؤال عن المزني بها فلأنه يحتمل أن تكون الموطوءة ممن لا يجب الحد بوطئها كجارية الابن وغير ذلك فإذا سألهم القاضي عن هذه الجملة فوصفوا سأل المشهود عليه أهو محصن أم لا فإن أنكر الإحصان وشهد على الإحصان رجلان أو رجل وامرأتان على الاختلاف سأل الشهود عن الإحصان ما هو لأن له شرائط يجوز أن تخفى على الشهود فإذا وصفوا قضي بالرجم ولو شهدت بينة الإحصان أنه جامعها أو باضعها صار محصنا لأن هذه اللفظ في العرف مستعمل في الوطء في الفرج ولو شهدوا أنه دخل بها صار محصنا وهذا وقوله جامعها سواء في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد رحمه الله لا يصير محصنا وجه قوله أن هذا اللفظ يستعمل في الوطء ويستعمل في الزفاف فلا يثبت الإحصان مع الاحتمال ولهما أن الدخول بالمرأة في عرف اللغة والشرع يراد به الوطء قال الله تعالى عز شأنه وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن حرم سبحانه وتعالى الربيبة بشرط الدخول بأمها فعلم أن المراد من الدخول هو الوطء لأنها تحرم بمجرد نكاح الأم من غير وطء وذكر القاضي في شرحه الاختلاف على القلب فقال على قول أبي حنيفة رحمه الله لا يصير محصنا ما لم يصرح بالوطء وعلى قول محمد رحمه الله يصير محصنا ولو شهدوا على الدخول وكان له منها ولد هو محصن بالإجماع وكفى بالولد شاهدا والله تعالى أعلم وأما شرائط الإقرار بالحد فمنها مايعم الحدود كلها ومنها ما يخص البعض دون البعض أما الذي يعم الحدود كلها فمنها البلوغ فلا يصح إقرار الصبي في شيء من الحدود لأن سبب وجوب الحد لا بد وأن يكون جناية وفعل الصبي لا يوصف بكونه جناية فكان إقراره كذبا محضا ومنها النطق وهو أن يكون الإقرار بالخطاب والعبارة دون الكتاب والإشارة حتى إن الأخرس لو كتب الإقرار في كتاب أو أشار إليه إشارة معلومة لا حد عليه لأن الشرع علق وجوب الحد بالبيان المتناهي ألا ترى أنه لو أقر بالوطء الحرام لا يقام عليه الحد ما لم يصرح بالزنا والبيان لا يتناهى إلا بالصريح والكتابة والإشارة بمنزلة الكتابة فلا يوجب الحد وأما البصر فليس بشرط لصحة الإقرار فيصح إقرار الأعمى في الحدود كلها كالبصير لأن الأعمى لا يمنع مباشرة سبب وجوبها وكذا الحرية والإسلام والذكورة ليست بشرط حتى يصح إقرار الرقيق والذمي والمرأة في جميع الحدود وعند زفر رحمه الله لا يصح إقرار العبد بشيء من أسباب الحدود من غير تصديق المولى والكلام في التصديق على نحو ما ذكرنا في كتاب السرقة والله سبحانه وتعالى أعلم وأما الذي يخص البعض دون البعض فمنها عدد الأربع في حد الزنا خاصة وهو أن يقر أربع مرات وهذا عندنا وعند الشافعي عليه الرحمة ليس بشرط ويكتفي بإقراره مرة واحدة وجه قوله أن الإقرار إنما صار حجة في الشرع لرجحان جانب الصدق فيه على جانب الكذب وهذا المعنى عند التكرار والتوحد سواء لأن الإقرار إخبار والخبر لا يزيد رجحانا بالتكرار ولهذا لم يشترط في سائر الحدود بخلاف عدد المثنى في الشهادة لأن ذلك يوجب زيادة ظن عليه فيها إلا أن شرط العدد الأربع في باب الزنا تعبدا ( ( ( تعبد ) ) ) فيقتصر على موضع التعبد ولنا أن القياس ما قاله إلا أنا تركنا القياس بالنص وهو ما روي أن ماعزا جاء إلى رسول الله فأقر بالزنا فأعرض عنه عليه الصلاة والسلام بوجهه الكريم هكذا إلى الأربع فلو كان الإقرار مرة مظهرا للحد لما أخره رسول الله إلى الأربع لأن الحد بعد ما ظهر وجوبه للإمام لا يحتمل التأخير وأما العدد في الإقرار بالقذف فليس بشرط بالإجماع وهل يشترط في الإقرار بالسرقة والشرب والسكر قال أبو حنيفة رحمه الله ليس بشرط وقال أبو يوسف رحمه الله إن ( ( ( إنه ) ) ) كل ما يسقط بالرجوع فعدد الإقرار فيه كعدد الشهود
وذكر الفقيه أبو الليث رحمه الله أن عند أبي يوسف يشترط الإقرار مرتين في مكانين وجه قوله أن حد السرقة والشرب والسكر خالص حق الله تعالى كحد الزنا فتلزم مراعاة الاحتياط فيه باشتراط العدد كما في الزنا إلا أنه يكتفي ههنا بالمرتين ويشترط الأربع هناك استدلالا بالبينة لأن السرقة والشرب كل واحد منهما يثبت بنصف ما يثبت به الزنا وهو شهادة شاهدين فكذلك الإقرار ولهما أن الأصل أن لا يشترط التكرار في الإقرار لما ذكرنا أنه إخبار والمخبر لا يزداد بتكرار الخبر وإنما عرفنا عدد الأربع في باب الزنا بنص غير معقول المعنى فيقتصر على مورد النص ومنها عدد المجالس فيه وهو أن يقر أربع مجالس واختلف المشايخ في أنه يعتبر مجالس القاضي أو مجالس المقر والصحيح أنه يعتبر مجالس المقر وهكذا روي عن أبي حنيفة أنه يعتبر مجالس المقر لأنه عليه الصلاة والسلام اعتبر اختلاف مجالس ماعز حيث كان يخرج من المسجد في كل مرة ثم يعود ومجلسه عليه الصلاة والسلام لم يختلف وقد روي عن أبي حنيفة في تفسير اختلاف مجالس المقر هو أن يقر مرة ثم يذهب حتى يتوارى عن بصر القاضي ثم يجيء فيقر ثم يذهب هكذا أربع مرات ومنها أن يكون إقراره بين يدي الإمام فإن كان عند غيره لم يجز إقراره لأن إقرار ماعز كان عند رسول الله ولو أقر في غير مجلس القاضي وشهد الشهود على إقراره لا تقبل شهادتهم لأنه إن كان مقرا فالشهادة لغو لأن الحكم للإقرار لا للشهادة وإن كان منكرا فالإنكار منه رجوع والرجوع عن الإقرار في الحدود الخالصة حقا لله عز وجل صحيح والله سبحانه وتعالى أعلم ومنها الصحة في الإقرار بالزنا والسرقة والشرب والسكر حتى لو كان سكران لا يصح إقراره أما على أصل أبي حنيفة رحمه الله فلأن السكران من صار بالشرب إلى حال لا يعقل قليلا ولا كثيرا فكان عقله زائلا مستورا حقيقة وأما على أصلهما فلأنه إذا غلب الهذيان على كلامه فقد ذهبت منفعة العقل ولهذا لم تصح ردته فيورث ذلك شبهة في وجوب الحد وليس بشرط في الإقرار بالحدود والقصاص لأن القصاص خالص حق العبد وللعبد حق في حد القذف فيصح مع السكر كالإقرار بالمال وسائر التصرفات وإذا صحا فإن دام على إقراره تقام عليه الحدود كلها وإن أنكر ( ( ( أنكره ) ) ) فالإنكار منه رجوع فيصح في الحدود الخالصة وهو حد الزنا والشرب والسرقة في حد ( ( ( حق ) ) ) القطع ولا يصح في القذف والقتل العمد والله تعالى أعلم ومنها أن يكون الإقرار بالزنا ممن يتصور وجود الزنا منه فإن كان لا يتصور كالمجبوب لم يصح إقراره لأن الزنا لا يتصور منه لانعدام الآلة ويصح إقرار الخصي والعنين لتصور الزنا منهما لتحقق الآلة والذي يجن ويفيق إذا أقر في حال إفاقته فهو مثل الصحيح لأنه في حال إفاقته صحيح ومنها أن يكون المزني به في الإقرار بالزنا ممن يقدر على دعوى الشبهة فإن لم يكن بأن أقر رجل أنه زنى بامرأة خرساء أو أقرت امرأة أنها زنت بأخرس لم يصح إقراره لأن من الجائز أن لو كان يقدر على النطق لادعى النكاح أو أنكر الزنا ولم يدع شيئا فيندرىء ( ( ( فيندرئ ) ) ) عنه الحد لما ذكر ( ( ( نذكر ) ) ) في موضعه إن شاء الله تعالى وأما حضرة المزني بها في الإقرار بالزنا والشهادة عليه فليست بشرط حتى لو أقر أنه زنى بامرأة غائبة أو شهد عليه الشهود بالزنا بامرأة غائبة صح الإقرار وقبلت الشهادة ويقام الحد على الرجل لأن الغائب بالغيبة ليس إلا الدعوى وأنها ليست بشرط ولهذا رجم ماعز من غير شرط حضور تلك المرأة وكذلك العلم بالمزني بها
ثم إذا صح إقراره بالزنا بامرأة غائبة يعرفها فحضرت المرأة فلا يخلو إما إن حضرت قبل إقامة الحد على الرجل وإما إن حضرت بعد الإقامة فإن حضرت بعد الإقامة فإن أقرت بمثل ما أقر به الرجل تحد أيضا كما حد الرجل وإن أنكرت وادعت على الرجل حد القذف لا يحد الرجل حد القذف لأنه لا يجب عليه حدان وقد أقيم أحدهما فلا يقام الآخر وإن حضرت قبل إقامة الحد على الرجل فإن أنكرت الزنا وادعت النكاح أو لم تدع وادعت حد القذف على الرجل أو لم تدع فحكمه نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى والعلم بالمزني بها ليس بشرط لصحة الإقرار حتى لو قال زنيت بامرأة ولا أعرفها صح إقراره ويحد والعلم بالمشهود به شرط صحة الشهادة حتى لو شهد الشهود على رجل أنه زنى بامرأة وقالوا لا نعرفها لا تقبل شهادتهم ولا يقام الحد على المشهود عليه والفرق أن المقر في الإقرار على نفسه يبني الأمر على حقيقة الحال خصوصا في الزنا فكان إقراره إخبارا عن وجود الزنا منه حقيقة إلا أنه لم يعرف اسم المرأة ونسبها وذا لا يورث شبهة فأما الشاهد فإنه بشهادته بنى الأمر على الظاهر لا على الحقيقة لقصور علمه عن الوصول إلى الحقيقة فقولهم لا نعرف تلك المرأة يورث شبهة لجواز أنها امرأته أو امرأة له فيها شبهة حل أو ملك فهو الفرق والله تعالى أعلم وأما عدم التقادم فهل هو شرط لصحة الإقرار بالحد أما في حد القذف فليس بشرط لأنه ليس بشرط لقبول الشهادة فأولى أن لا يكون شرطا لصحة الإقرار وكذلك في حد الزنا عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر رحمه الله كما في الشهادة ولنا الفرق بين الإقرار والشهادة وهو أن المانع في الشهادة تمكن التهمة والضغينة وهذا لا يوجد في الإقرار لأن الإنسان غير متهم في الإقرار على نفسه وكذا في حد السرقة لما قلنا وأما في حد الشرب فشرط عندهما وعند محمد رحمه الله ليس بشرط بناء على أن قيام الرائحة شرط صحة الإقرار والشهادة عندهما ولهذا لا يبقى مع التقادم وعنده ليس بشرط ولو لم يتقادم العهد ولكن ريحها لا يوجد منه لم يصح الإقرار عندهما خلافا له وجه قول محمد رحمه الله أن حد الشرب ليس بمنصوص عليه في الكتاب والسنة وإنما عرف بإجماع الصحابة وإجماعهم لا ينعقد بدون عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ولم تثبت ( ( ( يثبت ) ) ) فتواه عند زوال الرائحة فإنه روي أن رجلا جاء بابن أخ له إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فاعترف عنده بشرب الخمر فقال له عبد الله بئس ولي اليتيم أنت لا أدبته صغيرا ولا سترت عليه كبيرا ثم قال رضي الله عنه تلتلوه ومزمزوه واستنكهوه فإن وجدتم رائحة الخمر فاجلدوه وأفتى رضي الله عنه بالحد عند وجود الرائحة ولم يثبت فتواه عند عدمها وإذا لم يثبت فلا ينعقد الإجماع بدونه فلا يجب بدونه لأن وجوبه بالإجماع ولا إجماع ثم إنما تعتبر الرائحة إذا لم يكن سكران فأما إذا كان سكران ( ( ( سكرانا ) ) ) فلا لأن السكر أدل على الشرب من الرائحة ولذلك لو جيء به من مكان بعيد لا تبقى الرائحة بالمجيء من مثله عادة يحد وإن لم توجد الرائحة للحال لأن هذا موضع العذر فلا يعتبر قيام الرائحة فيه والله تعالى أعلم وإذا أقر إنسان بالزنا عند القاضي ينبغي أن يظهر الكراهة أو يطرده وكذا في المرة الثانية والثالثة هكذا فعل عليه الصلاة والسلام بماعز وكذا روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه قال اطردوا المعترفين أي بالزنا فإذا أقر أربعا نظر في حاله أهو صحيح العقل أم به آفة
هكذا قال عليه الصلاة والسلام لماعز أبك خبل أم بك جنون وبعث إلى قومه فسألهم عن حاله فإذا عرف أنه صحيح العقل سأله عن ماهية الزنا وعن كيفيته وعن مكانه وعن المزني بها لما ذكرنا في الشهادة ولا يسأله عن الزمان لأن السؤال عن الزمان لمكان احتمال التقادم والتقادم في الإقرار وإنما يقدح في الشهادة ويجوز أن يسأل عن الزمان أيضا لاحتمال أنه زنى في حال الصغر فإذا بين ذلك كله سأله عن حاله أهو محصن أم لا لأن حكم الزنا يختلف بالإحصان وعدمه فإن قال أنا محصن سأله عن ماهية الإحصان أنه ما هو لأنه عبارة عن اجتماع شرائط لا يقدر عليها كل أحد فإذا بين رجمه وأما علم القاضي فلا يظهر به حد الزنا والشرب والسكر والسرقة حتى لا يقضي بشيء من ذلك بعلمه لكنه يقضي بالمال في السرقة لأن القاضي يقضي بعلمه في الأموال سواء علم بذلك قبل زمان القضاء ومكانه أو بعدهما بلا خلاف بين أصحابنا وسواء علم بذلك معاينة بأن رأى إنسانا يزني ويشرب ويسرق أو بسماع الإقرار به في غير مجلسه الذي يقضي فيه بين الناس فإن كان إقراره في مجلس القضاء لزمه موجب إقراره إذ لو لم يقبل إقراره لاحتاج القاضي إلى أن يكون معه جماعة على الإقرار في كل حادثة وإجماع الأمة بخلافه والله تعالى أعلم ويظهر به حد القذف في زمان القضاء ومكانه كالقصاص وسائر الحقوق والأموال بلا خلاف بين أصحابنا وإنما اختلفوا في ظهور ذلك بعلمه في غير زمان القضاء ومكانه وقد ذكرنا جملة ذلك بدلائله في كتاب آداب القاضي ولا يظهر حد السرقة بالنكول لكنه يقضي بالمال لأن النكول إما بدل وإما إقرار فيه شبهة العدم والحد لا يحتمل البدل ولا يثبت بالشبهة والمال يحتمل البدل والثبوت بالشبهة وأما الخصومة فهل هي شرط ثبوت الحد بالشهادة والإقرار فلا خلاف في أنها ليست بشرط في حد الزنا والشرب لأنه خالص حق الله عز وجل والخصومة ليست بشرط في الحدود الخالصة لله تعالى لأنها تقام حسبة لله تعالى فلا يتوقف ظهورها على دعوى العبد ولا خلاف في حد السرقة أن الخصومة فيها شرط الظهور بالشهادة لأن حد السرقة وإن كان حق الله تعالى خالصا لكن هذا الحق لا يثبت إلا بعد كون المسروق ملكا للمسروق منه ولا يظهر ذلك إلا بالخصومة وفي كونها شرط الظهور بالإقرار خلاف ذكرناه في كتاب السرقة ولا خلاف أيضا في أنها شرط الظهور بالشهادة على القذف والإقرار به أما على أصل الشافعي رحمه الله فلأنه خالص حق العبد فيشترط فيه الدعوى كما في سائر حقوق العباد وعندنا حق الله تعالى عز شأنه وإن كان هو المغلب فيه لكن للعبد فيه حق لأنه ينتفع به بصيانة عرضه عن الهتك فيشترط فيه الدعوى عن هذه الجهة وإذا عرف أن الخصومة في حد القذف شرط كون النية والإقرار مظهرين فيه فيقع الكلام في موضعين أحدهما في بيان الأحكام التي تتعلق بالدعوى والخصومة والثاني في بيان من يملك الخصومة ومن لا يملكها أما الأول فنقول ولا قوة إلا بالله تعالى الأفضل للمقذوف أن يترك الخصومة لأن فيها إشاعة الفاحشة وهو مندوب إلى تركها وكذا العفو عن الخصومة والمطالبة التي هي حقها من باب الفضل والكرامة وقد قال الله تعالى وأن تعفوا ( ( ( تعفو ) ) ) أقرب للتقوى وقال سبحانه وتعالى ولا تنسوا الفضل بينكم وإذا رفع إلى القاضي يستحسن للقاضي أن يقول قبل الإتيان بالبينة أعرض عن هذا لأنه ندب إلى الستر والعفو وكل ذلك حسن فإذا لم يترك الخصومة وادعى القذف على القاذف فأنكر ولا بينة للمدعي فأراد استحلافه بالله تعالى ما قذفه هل يحلف ذكر الكرخي عليه الرحمة أنه لا يحلف عند أصحابنا خلافا للشافعي رحمه الله تعالى وذكر في أدب ( ( ( آداب ) ) ) القاضي أنه يحلف في ظاهر الرواية عندهم وإذا نكل يقضى عليه بالحد وقال بعضهم يحتمل أن يحلف فإذا نكل يقضى عليه بالتعزير لا بالحد
وهذه الأقاويل ترجع إلى أصل وهو أن عند الشافعي رحمه الله حد القذف خالص حق العبد فيجري فيه الاستحلاف كما في سائر حقوق العباد وأما على أصل أصحابنا ففيه حق الله تعالى عز وجل وحق العبد فمن قال منهم إنه يحلف ويقضي بالحد عند النكول اعتبر ما فيه من حق العبد فألحقه في التحليف بالتعزير ومن قال منهم إنه لا يحلف أصلا اعتبر حق الله سبحانه وتعالى فيه لأنه المغلب فألحقه بسائر حقوق الله سبحانه وتعالى الخالصة والجامع أن المقصود من الاستحلاف هو النكول وأنه على أصل أبي حنيفة عليه الرحمة بدل والحد لا يحتمل البدل وعلى أصلهما إقرار فيه شبهة العدم لأنه ليس بصريح إقرار بل هو إقرار بطريق السكوت فكان فيه شبهة العدم والحد لا يثبت بدليل فيه شبهة العدم ومن قال منهم إنه يحلف ويقضى عليه بالتعزير عند النكول دون الحد اعتبر حق العبد فيه للاستحلاف كالتعزير واعتبر حق الله سبحانه وتعالى للمنع من إقامة الحد عند النكول كسائر الحدود ومثل هذا جائز كحد السرقة إنه يجري فيه الاستحلاف ولا يقضي عند النكول بالحد ولكن يقضي بالمال وكما قال أبو يوسف ومحمد عليهما الرحمة في القصاص في الطرف والنفس إنه يحلف وعند النكول لا يقضى بالقصاص بل بالدية على ما عرف وإن قال المدعي لي بينة حاضرة في المصر على قذفه يحبس المدعى عليه القذف إلى قيام الحاكم من مجلسه والمراد من الحبس الملازمة أي يقال للمدعي لازمه إلى هذا الوقت فإن أحضر البينة فيه وإلا خلي سبيله ولا يؤخذ منه كفيل بنفسه هذا قول أبي حنيفة رحمه الله وعندهما يؤخذ منه الكفيل وهذا بناء على أن الكفالة في الحدود غير جائزة عند أبي حنيفة رحمه الله حيث قال في الكتاب ولا كفالة في حد ولا قصاص وعندهما يكفل ثلاثة أيام وذكر الجصاص في تفسير قول أبي حنيفة رضي الله عنه أن معناه لا يؤخذ الكفيل في الحدود والقصاص جبرا فأما إذا بذل من نفسه وأعطى الكفيل فهو جائز بالإجماع وظاهر إطلاق الكتاب يدل على عدم الجواز عنده لأن كلمة النفي إذا دخلت على الأفعال الشرعية يراد بها نفي الجواز من الأصل كما في قوله عليه الصلاة والسلام لا صلاة إلا بطهور ولا نكاح إلا بشهود ونحو ذلك وجه قولهما أن الحبس جائز في الحدود فالكفالة أولى لأن معنى الوثيقة في الحبس أبلغ منه في الكفالة فلما جاز الحبس فالكفالة أحق بالجواز ولأبي حنيفة رحمه الله أن الكفالة شرعت للاستيثاق والحدود مبناها على الدرء والإسقاط قال عليه الصلاة والسلام ادرءوا الحدود ما استطعتم فلا يناسبها الاستيثاق بالكفالة بخلاف الحبس فإن الحبس للتهمة مشروع روي أنه عليه الصلاة والسلام حبس رجلا بالتهمة وقد ثبتت التهمة في هذه المسألة بقوله لي بينة حاضرة في المصر فجاز الحبس فإذا أقام المدعي شاهدين لا يعرفهما القاضي أي لم تظهر عدالتهما بعد الحبس فلا خلاف ولا يؤخذ منه كفيل وإن أقام شاهدا واحدا عدلا حبس عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما لا يحبس ويؤخذ منه كفيل وجه قولهما أن الحق لا يظهر بقول الواحد وإن كان عدلا فالحبس من أين بخلاف الشاهدين فإن سبب ظهور الحق قد وجد وهو كمال عدد الحجة إلا أن توقف الظهور لتوقف ظهور العدالة فثبتت الشبهة فيحبس وجه قول أبي حنيفة رحمه الله أن قول الشاهد الواحد وإن كان لا يوجب الحق فإنه يوجب التهمة وحبس المتهم جائز