Qur'an&Sunnah

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)

Section V07/P085–V07/P086

أما الأول فأصل المحل عند أصحابنا طرفان فقط وهما اليد اليمنى والرجل اليسرى فنقطع ( ( ( فتقطع ) ) ) اليد اليمنى في السرقة الأولى وتقطع الرجل اليسرى في السرقة الثانية ولا يقطع بعد ذلك أصلا ولكنه يضمن السرقة ويعزر ويحبس حتى يحدث توبة عندنا وعند الشافعي رحمه الله الأطراف الأربعة محل القطع على الترتيب فتقطع اليد اليمنى في المرة الأولى وتقطع الرجل اليسرى في المرة الثانية وتقطع اليد اليسرى في المرة الثالثة وتقطع الرجل اليمنى في السرقة الرابعة احتج الشافعي رحمه الله بقوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما والأيدي اسم جمع والاثنان فما فوقهما جماعة على لسان رسول الله وقال الله تعالى إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وأنه لم يكن لكل واحد إلا قلب واحد إلا أن الترتيب في قطع الأيدي ثبت بدليل آخر وهذا لا يخرج اليد اليسرى من أن تكون محلا للقطع في الجملة وروي أن سيدنا أبا بكر رضي الله عنه قطع سارق حلي أسماء وكان أقطع اليد والرجل ولنا ما روي أن سيدنا عليا رضي الله عنه أتي بسارق فقطع يده ثم أتي به الثانية وقد سرق فقطع رجله ثم أتي به الثالثة وقد سرق فقال لا أقطعه إن قطعت يده فبأي شيء يأكل بأي شيء يتمسح وإن قطعت رجله بأي شيء يمشي إني لأستحي من الله فضربه بخشبة وحبسه وروي أن سيدنا عمر رضي الله عنه أتي بسارق أقطع اليد والرجل قد سرق نعالا يقال له سدوم وأراد أن يقطعه فقال له سيدنا علي رضي الله عنه إنما عليه قطع يد ورجل فحبسه سيدنا عمر رضي الله عنه ولم يقطعه وسيدنا عمر وسيدنا علي رضي الله عنهما لم يزيدا في القطع على قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى وكان ذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم ولم ينقل أنه أنكر عليهما منكر فيكون إجماعا من الصحابة رضي الله عنهم ولنا أيضا دلالة الإجماع والمعقول أما دلالة الإجماع فهي أنا أجمعنا على أن اليد اليمنى إذا كانت مقطوعة لا يعدل إلى اليد اليسرى بل إلى الرجل اليسرى ولو كان لليد اليسرى مدخلا في القطع لكان لا يعدل إلا إليها لأنها منصوص عليها ولا يعدل عن المنصوص عليه إلى غيره فدل العدول إلى الرجل اليسرى لا إليها على أنه لا مدخل لها في القطع بالسرقة أصلا وهذا النوع من الاستدلال ذكره الكرخي رحمه الله وأما المعقول فهو أن في قطع اليد اليسرى تفويت جنس منفعة من منافع النفس أصلا وهي منفعة البطش لأنها تفوت بقطع اليد اليسرى بعد قطع اليمنى فتصير النفس في حق هذه المنفعة هالكة فكان قطع اليد اليسرى إهلاك النفس من وجه وكذا قطع الرجل اليمنى بعد قطع الرجل اليسرى تفويت منفعة المشي لأن منفعة المشي تفوت بالكلية فكان قطع الرجل اليمنى إهلاك النفس من كل وجه وإهلاك النفس من كل وجه لا يصلح حدا في السرقة كذا إهلاك النفس من وجه لأن الثابت من وجه ملحق بالثابت من كل وجه في الحدود احتياطا ولا حجة له في الآية الشريفة لأن ابن مسعود رضي الله عنه قرأ < فاقطعوا أيدي ( ( ( أيمانهما ) ) ) لهما > ولا يظن بمثله أن يقرأ ذلك من تلقاء نفسه بل سماعا من رسول الله فخرجت قراءته مخرج التفسير لمبهم الكتاب العزيز وهكذا روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل فاقطعوا أيديهما أنه قال أيمانهما وهكذا روي عن الحسن وإبراهيم رحمهما الله

Section V07/P086

وأما حديث لا قطع فقد روى الزهري في الموطأ عن سيدتنا عائشة رضي الله عنها أنها قالت لما كان الذي سرق حلي أسماء أقطع اليد اليمنى فقطع سيدنا أبو بكر رضي الله عنه رجله اليسرى وكانت تنكر أن يكون أقطع اليد والرجل ثم إنما تقطع يده اليمنى في الكرة الأولى إذا كانت اليد اليسرى صحيحة يمكنه أن ينتفع بها بعد قطع اليد اليمنى والرجل اليمنى صحيحة يمكنه الانتفاع بها بعد قطع الرجل اليسرى فإن كانت اليد اليسرى مقطوعة أو شلاء أو مقطوعة الإبهام أو أصبعين سوى الإبهام لا تقطع اليد اليمنى لأن القطع في السرقة شرع زاجرا لا مهلكا فإذا لم تكن اليد اليسرى يمكن الانتفاع بها فقطع اليد اليمنى يقع تفويتا لجنس المنفعة وهي منفعة البطش أصلا فيقع إهلاكا للنفس من وجه فلا تقطع ولا يقطع رجله اليسرى أيضا لأنه يذهب أحد الشقين على الكمال فيهلك النفس من وجه ولو كانت اليد اليسرى مقطوعة أصبع واحدة سوى الإبهام تقطع يده اليمنى لأن القطع لا يتضمن فوات جنس المنفعة وكذا إن كانت الرجل اليمنى مقطوعة أو شلاء أو بها عرج يمنع المشي عليها لا تقطع اليد اليمنى لما فيه من فوات الشق ولا رجله اليسرى وإن كانت صحيحة لأنه يبقى بلا رجلين فيفوت جنس المنفعة ولو كانت رجله اليمنى مقطوعة الأصابع كلها فإن كان يستطيع القيام والمشي عليها تقطع يده اليمنى لأن الجنس لا يفوت وإن كان لا يستطيع لا يقطع لفوات الشق ولو كانت يداه صحيحتين ولكن رجله اليسرى مقطوعة أو شلاء أو مقطوعة الإبهام أو الأصابع تقطع يده اليمنى لأن جنس المنفعة لا يفوت ولا فيه فوات الشق أيضا ولو سرق ويمناه شلاء أو مقطوعة الإبهام أو الأصابع لقوله سبحانه وتعالى فاقطعوا أيديهما أي أيمانهما من غير فصل بين يمين ويمين ولأنها لو كانت سليمة تقطع فالناقصة المعيبة أولى بالقطع ثم فرق بين القطع في السرقة وبين الإعتاق في الكفارة حيث جعل فوات أصبعين سوى الإبهام من اليد اليسرى نقصانا مانعا من قطع اليد اليمنى ولم يجعل فوات أصبعين نقصانا مانعا من جواز الإعتاق ما لم يكن ثلاثا وجه الفرق أن القطع حد فهذا القدر من النقصان يورث شبهة بخلاف العتق والله سبحانه وتعالى أعلم ولو قال الحاكم للحداد اقطع يد السارق فقطع اليد اليسرى فهذا على وجهين إما أن قال اقطع يده مطلقا وإما أن قيده فقال اقطع يده اليمنى فإن أطلق فقال له اقطع يده فقطع اليسرى لا ضمان عليه للحال لأنه فعل ما أمر به حيث أمره بقطع اليد وقد قطع اليد وإن قيد فقال اقطع يده اليمنى فقطع اليسرى فإن أخرج السارق يده وقال هذا هو يميني فلا ضمان عليه أيضا لأنه قطع بأمره فلا يضمن كمن قال لآخر اقطع يدي فقطعه لا ضمان عليه كذا هذا وإن لم يخرج السارق يده ولم يقل ذلك ولكنه قطع اليسرى خطأ لا ضمان عليه عند أصحابنا رضي الله عنهم وعند زفر رضي الله عنه يضمن لأن الخطأ في حقوق العباد ليس بعذر ولنا أن هذا خطأ في الاجتهاد لأنه أقام اليسار مقام اليمين باجتهاده متمسكا بظاهر قوله سبحانه وتعالى فاقطعوا أيديهما من غير فصل بين اليمين واليسار فكان هذا خطأ من المجتهد في الاجتهاد وأنه موضوع وموضوع المسألة في هذا الخطأ لا فيما إذا أخطأ فظن اليسار يمينا مع اعتقاد وجوب قطع اليمين ما مع أن عند أبي حنيفة رحمه الله لا يضمن هناك أيضا على ما نبين وإن قطع اليسرى عمدا لا ضمان عليه أيضا عند أبي حنيفة وعندهما يضمن لهما أنه تعمد الظلم بإقامة اليسار مقام اليمين فلم يكن معذورا فيضمن ولأبي حنيفة رضي الله عنه أنه أتلف وأخلف خيرا مما أتلف فلا يضمن كرجلين شهدا على رجل ببيع عبد قيمته ألف بألفين ثم رجعا أنهما لا يضمنان لما قلنا كذا هذا

Section V07/P086–V07/P087

وإنما قلنا إنه أخلف خيرا مما أتلف لأنه لما قطع اليسرى فقد سلمت له اليمنى لأنها لا تقطع بعد ذلك لأنه لا يؤتى على أطرافه الأربعة واليمنى خير من اليسرى ثم على قول أبي حنيفة عليه الرحمة هل يكون هذا القطع وهو قطع اليسرى قطعا من السرقة حتى إذا هلك المال في يد السارق أو استهلكه لا يضمنه ( ( ( يضمن ) ) ) أو لا يكون من السرقة حتى يضمن اختلف المشايخ فيه قال بعضهم يكون وقال بعضهم لا يكون هذا كله إذا قطع الحداد بأمر الحاكم فأما الأجنبي إذا قطع يده اليسرى فإن كان خطأ تجب الدية وإن كان عمدا يجب القصاص وسقط عنه القطع في اليمين لأنه لو قطع يؤدي إلى إهلاك النفس من وجه على ما بينا ويرد عليه المسروق إن كان قائما وعليه ضمانه في الهلاك لأن المانع من الضمان هو القطع وقد سقط ولو وجب عليه قطع اليد اليمين في السرقة فلم تقطع حتى قطع قاطع يمينه فهذا على وجهين إما أن يكون قبل الخصومة وإما أن يكون بعدها فإن كان قبل الخصومة فعلى قاطعه القصاص إن كان عمدا والأرش إن كان خطأ وتقطع رجله اليسرى في السرقة كأنه سرق ولا يمين له وإن كان بعد الخصومة فإن كان قبل القضاء فكذلك الجواب إلا أنا ههنا لا نقطع رجله اليسرى لأنه لما خوصم كان الواجب في اليمين وقد فاتت فسقط الواجب كما لو ذهب بآفة سماوية وإن كان بعد القضاء فلا ضمان على القاطع لأنه احتسب لإقامة حد الله سبحانه وتعالى فكان قطعه عن السرقة حتى لا يجب الضمان على السارق فيما هلك من مال السرقة في يده أو استهلك وأما الموضع الذي يقطع من اليد اليمنى فهو مفصل الزند عند عامة العلماء رضي الله عنهم وقال بعضهم تقطع الأصابع وقال الخوارج تقطع من المنكب لظاهر قوله سبحانه وتعالى فاقطعوا أيديهما واليد اسم لهذه الجملة والصحيح قولنا لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قطع يد السارق من مفصل الزند فكان فعله بيانا للمراد من الآية الشريفة كأنه نص سبحانه وتعالى فقال فاقطعوا أيديهما من مفصل الزند وعليه عمل الأمة من لدن رسول الله إلى يومنا هذا والله سبحانه وتعالى أعلم وأما بيان من يقيم هذا الحكم فالذي يقيمه الإمام أو من ولاه لأن هذا حد والمتولى لإقامة الحدود الأئمة أو من ولوهم من القضاة والحكام وهذا عندنا وعند الشافعي رحمه الله المولى يملك إقامة الحد على مملوكه والكلام في هذا الفصل استوفيناه في كتاب الحدود وأما بيان ما يسقط الحد بعد وجوبه فنقول ما يسقطه بعد وجوبه أنواع منها تكذيب المسروق منه السارق في إقراره بالسرقة بأن يقول له لم تسرق مني ومنها تكذيبه البينة بأن يقول شهد شهودي بزور لأنه إذا كذب فقد بطل الإقرار والشهادة فسقط القطع ومنها رجوع السارق عن الإقرار بالسرقة فلا يقطع ويضمن المال لأن الرجوع يقبل في الحدود ولا يقبل في المال لأنه يورث شبهة في الإقرار والحد يسقط بالشبهة ولا يسقط المال رجلان أقرا بسرقة ثوب يساوي مائة درهم ثم قال أحدهما الثوب ثوبنا لم نسرقه أو قال هذا لي درىء ( ( ( درئ ) ) ) القطع عنهما لأنهما لما أقرا بالسرقة فقد ثبتت الشركة بينهما في السرقة ثم لما أنكر أحدهما فقد رجع عن إقراره فبطل الحد عنه برجوعه فيورث شبهة في حق الشريك لاتحاد السرقة ولو قال أحدهما سرقنا هذا الثوب من فلان فكذبه الآخر وقال كذبت لم نسرقه قطع المقر وحده في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف لا يقطع واحد منهما وجه قول أبي يوسف أنه أقر بسرقة واحدة بينهما على الشركة فإذا لم تثبت في حق شريكه بإنكاره يؤثر ذلك في حق صاحبه ضرورة اتحاد السرقة

Section V07/P087–V07/P088

وهذا بخلاف ما إذا أقر بالزنا بامرأة فأنكرت أنه يحد الرجل على أصله لأن إنكار المرأة لا يؤثر في إقرار الرجل إذ ليس من ضرورة عدم الزنا من جانبها عدمه من جانبه كما لو زنا بصبية أو مجنونة بخلاف الإقرار بالسرقة لأن ذلك وجد من أحدهما على وجه الشركة فعدم السرقة من أحدهما يؤثر في حق الآخر وجه قول أبي حنيفة أن إقراره بالشركة في السرقة إقرار بوجود السرقة من كل واحد منهما إلا أنه لما أنكر صاحبه السرقة لم يثبت منه فعل السرقة وعدم الفعل منه لا يؤثر في وجود الفعل من صاحبه فبقي إقرار صاحبه على نفسه بالسرقة فيؤخذ به بخلاف إقرار الرجل على نفسه بالزنا بامرأة وهي تجحد أنه لا يجب الحد على الرجل على أصله لأن الزنا لا يقوم إلا بالرجل والمرأة فإذا أنكرت لم يثبت منها فلا يتصور الوجود من الرجل بخلاف الإقرار بالسرقة على ما بينا والله سبحانه وتعالى أعلم ومنها رد السارق المسروق إلى المالك قبل المرافعة عندهما وإحدى الروايتين عن أبي يوسف وروي عنه أنه لا يسقط ولا خلاف في أن الرد بعد المرافعة لا يسقط الحد وجه رواية أبي يوسف أن السرقة حين وجودها انعقدت موجبة للقطع فرد المسروق بعد ذلك لا يخل بالسرقة الموجودة فلا يسقط القطع الواجب كما لو رده بعد المرافعة ولهما أن الخصومة شرط لظهور السرقة الموجبة للقطع لما بينا فيما تقدم ولما رد المسروق على المالك فقد بطلت الخصومة بخلاف ما بعد المرافعة لأن الشرط وجود الخصومة لا بقاؤها وقد وجدت ومنها ملك السارق المسروق قبل القضاء نحو ما إذا وهب المسروق منه المسروق من السارق قبل القضاء وجملة الكلام فيه أن الأمر لا يخلو إما إن وهبه منه قبل القضاء وإما إن وهبه بعد القضاء قبل الإمضاء فإن وهبه قبل القضاء يسقط القطع بلا خلاف وإن وهبه بعد القضاء قبل الإمضاء يسقط عندهما وقال أبو يوسف لا يسقط وهو قول الشافعي رحمهما الله احتج أبو يوسف بما روي أن سارق رداء صفوان أخذ فأتي به إلى رسول الله فأمر رسول الله أن يقطع يده فقال صفوان يا رسول الله إني لم أرد هذا هو عليه صدقة فقال عليه الصلاة والسلام فهلا قبل أن تأتيني به فدل أن الهبة قبل القضاء تسقط وبعده لا تسقط ولأن وجوب القطع حكم معلق بوجود السرقة وقد تمت السرقة ووقعت موجبة للقطع لاستجماع شرائط الوجوب فطريان الملك بعد ذلك لا يوجب خللا في السرقة الموجودة فبقي القطع واجبا كما كان كما لو رد المسروق على المالك بعد القضاء بخلاف ما قبل القضاء لأن الخصومة شرط ظهور السرقة الموجبة للقطع عند القاضي وقد بطل حق الخصومة وجه قولهما أن القبض شرط لثبوت الملك في الهبة والملك في الهبة يثبت من وقت القبض فيظهر الملك له من ذلك الوقت من كل وجه أو من وجه وكون المسروق ملكا للسارق على الحقيقة أو الشبهة يمنع من القطع ولهذا لم يقطع قبل القضاء فكذلك بعده لأن القضاء في باب الحدود إمضاؤها فما لم يمض فكأنه لم يقض ولو كان لم يقض أليس أنه لا يقطع فكذا إذا لم يمض ولأن الطارىء في باب الحدود ملحق بالمقارن إذا كان في الإلحاق إسقاط الحد وههنا فيه إسقاط الحد فيلحق به وأما الحديث فلا حجة له فيه لأن المروي قوله هو عليه صدقة وقوله هو يحتمل أنه أراد به المسروق ويحتمل أنه أراد به القطع وهبة القطع لا تسقط الحد يدل عليه أنه روي في بعض الروايات أنه قال وهبت القطع وكذا يحتمل أنه تصدق عليه بالمسروق أو وهبه منه ولكنه لم يقبضه والقطع إنما يسقط بالهبة مع القبض وعلى هذا إذا باع المسروق من السارق قبل القضاء أو بعده على الاتفاق والاختلاف ولو زنى بامرأة ثم تزوجها لا يسقط الحد لأن الملك الثابت بالنكاح لا يحتمل الاستناد إلى وقت الوطء فلا تثبت الشبهة في الزنا فيحد

Section V07/P088–V07/P089

وأما حكم السقوط بعد الثبوت لمانع وهو الشبهة وغيرها فدخول المسروق في ضمان السارق حتى لو هلك في يده بنفسه أو استهلكه السارق يضمن لأن المانع من الضمان هو القطع فإذا سقط القطع زال المانع فيضمن والله أعلم والثاني وجوب رد عين المسروق على صاحبه إذا كان قائما بعينه وجملة الكلام فيه أن المسروق في يد السارق لا يخلو إما إن كان على حاله لم يتغير وإما إن أحدث السارق فيه حدثا فإن كان على حاله رده على المالك لما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال على اليد ما أخذت حتى ترده وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال من وجد عين ماله فهو أحق به وروي أنه عليه الصلاة والسلام رد رداء صفوان رضي الله عنه عليه وقطع السارق فيه وكذلك إن كان السارق قد ملك المسروق رجلا ببيع أو هبة أو صدقة أو تزوج امرأة عليه أو كان السارق امرأته فاختلعت من نفسها به وهو قائم في يد المالك فلصاحبه أن يأخذه لأنه ملكه إذ السرقة لا توجب زوال الملك عن العين المسروقة فكان تمليك السارق باطلا ويرجع المشتري على السارق بالثمن الذي اشتراه به لما مر فإن كان قد هلك في يدي القابض وكان البيع قبل القطع أو بعده فلا ضمان لا على السارق ولا على القابض لما بينا فيما تقدم وإن أحدث السارق فيه حدثا لا يخلو إما إن أحدث حدثا أوجب النقصان وإما إن أحدث حدثا أوجب الزيادة فإن أحدث حدثا أوجب النقصان يقطع وتسترد العين على المالك وليس عليه ضمان النقصان لأن نقصان المسروق هلاك بعضه ولو هلك كله يقطع ولا ضمان عليه كذا إذا هلك البعض ويرد العين لأن القطع لا يمنع الرد ألا ترى أنه لا يمنع رد الكل فكذا البعض وإن أحدث حدثا أوجب الزيادة فالأصل في هذا أن السارق إذا أحدث في المسروق حدثا لو أحدثه الغاصب في المغصوب لا يقطع حق المالك ينقطع حق المسروق منه وإلا فلا إلا أن في باب الغصب يضمن الغاصب للمالك مثل المغصوب أو قيمته وههنا لا يضمن السارق لمانع وهو القطع إذا عرف هذا فنقول السارق إذا قطع الثوب المسروق وخاطه قميصا انقطع حق المالك لأنه لو فعله الغاصب لانقطع حق المغصوب منه كذا إذا فعله السارق ولا ضمان على السارق لما بينا ولو صبغه أحمر أو أصفر فكذلك لا سبيل للمالك على العين المسروقة في قول أبي حنيفة رحمه الله وفي قولهما يأخذ المالك الثوب ويعطيه ما زاد الصبغ فيه وجه قولهما أنه لو وجد هذا من الغاصب لخير المالك بين أن يضمن الغاصب قيمة الثوب وبين أن يأخذ الثوب ويعطيه ما زاد الصبغ فيه إلا أن التضمين ههنا متعذر لضرورة القطع فتعين الوجه الآخر وهو أن يأخذ الثوب ويعطيه ما زاد الصبغ فيه إذ الغصب والسرقة لا يختلفان في هذا الباب إلا في الضمان ولأبي حنيفة الفرق بين الغصب والسرقة ههنا وهو أن حق المغصوب منه إنما لم ينقطع عن الثوب بالصبغ لأن أصل الثوب ملكه وهو متقوم وللغاصب فيه حق متقوم أيضا إلا أنا أثبتنا الخيار للمالك لا للغاصب لأن المالك صاحب أصل والغاصب صاحب وصف وههنا حق السارق في الصبغ متقوم وحق المالك في أصل الثوب ليس بمتقوم في حق السارق لأجل القطع ألا ترى أنه لو أتلفه السارق لا ضمان عليه فاعتبر حق السارق وجعل حق المالك في الأصل تبعا لحقه في الوصف وتعذر تضمينه لضرورة القطع فيكون له مجانا ولكن لا يحل له أن ينتفع بهذا الثوب بوجه من الوجوه

Section V07/P089–V07/P090

كذا قال أبو حنيفة رحمه الله لأن الثوب على ملك المسروق منه إلا أنه تعذر رده وتضمينه في الحكم والقضاء فما لم يملكه السارق لا يحل له الانتفاع به لأنه ملكه بوجه محظور من غير بدل لتعذر إيجاب الضمان فلا يباح له الانتفاع به ويجوز أن يصير مال إنسان في يد غيره على وجه يخرج من أن يكون واجب الرد والضمان إليه من طريق الحكم والقضاء لكن لا يحل له الانتفاع به فيما بينه وبين الله تبارك وتعالى كالمسلم إذا دخل دار الحرب بأمان فأخذ شيئا من أموالهم لا يحكم عليه بالرد ويلزمه ذلك فيما بينه وبين الله جل جلاله وكذلك الباغي إذا أتلف مال العادل ثم تاب لا يحكم عليه بالضمان ويفتى به فيما بينه وبين الله تبارك وتعالى وكذلك الحربي إذا أتلف شيئا من مالنا ثم أسلم لا يحكم عليه بالرد ويفتى بذلك فيما بينه وبين الله جلت عظمته وكذلك السارق إذا استهلك المسروق لا يقضى عليه بالضمان ولكن يفتى به فيما بينه وبين الله تعالى وكذا قاطع الطريق إذا قتل إنسانا بعصا ثم جاء تائبا بطل عنه الحد ويؤمر بأداء الدية إلى ولي القتيل ولو قتل حربي مسلما بعصا ثم أسلم لا يفتى بدفع الدية إلى الولي بخلاف الباغي وقاطع الطريق والفرق أن القتل من الحربي لم يقع سببا لوجوب الضمان لأن عصمة المقتول لم تظهر في حقه فلا يجب بالإسلام لأنه يجب ما قبله وقال الله تعالى قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف بخلاف قاطع الطريق لأن فعله وقع سببا لوجوب الضمان إلا أنه لا يحكم بالضمان لمانع وهو ضرورة إقامة الحد إلا أن الحد إذا لم يجب لشبهة يحكم بالضمان فيظهر أثر المانع في الحكم والقضاء لا في الفتوى وكذا فعل الباغي وقع سببا لوجوب الضمان لكن لم يحكم بالوجوب لمانع وهو عدم الفائدة لقيام المنعة وهذا المانع يخص الحكم والقضاء فكان الوجوب ثابتا عند الله سبحانه وتعالى فيقضى به وعلى هذا يخرج ما إذا سرق نقرة فضة فضربها دراهم أنه يقطع والدراهم ترد على صاحبها في قول أبي حنيفة وعندهما ينقطع حق المالك عن الدراهم بناء على أن هذا الصنع لا يقطع حق المالك في باب الغصب عنده وعندهما ينقطع ولو سرق حديدا أو صفرا أو نحاسا أو ما أشبه ذلك فضربها أواني ينظر إن كان بعد الصناعة والضرب تباع وزنا فهو على الاختلاف الذي ذكرنا وإن كان تباع عددا فيقطع حق المالك بالإجماع كما في الغصب وعلى هذا إذا سرق حنطة فطحنها وغير ذلك من هذا الجنس وسنذكر جملة ذلك في كتاب الغصب إن شاء الله تعالى والله أعلم بالصواب كتاب قطاع الطريق الكلام في هذا الكتاب على نحو الكلام في كتاب السرقة وذلك في أربعة مواضع في بيان ركن قطع الطريق وفي بيان شرائط الركن وفي بيان ما يظهر به قطع الطريق عند القاضي وفي بيان حكم قطع الطريق فصل أما ركنه فهو الخروج على المارة لأخذ المال على سبيل المغالبة على وجه يمتنع المارة عن المرور وينقطع الطريق سواء كان القطع من جماعة أو من واحد بعد أن يكون له قوة القطع وسواء كان القطع بسلاح أو غيره من العصا والحجر والخشب ونحوها لأن انقطاع الطريق يحصل بكل من ذلك وسواء كان بمباشرة الكل أو التسبيب من البعض بالإعانة والأخذ لأن القطع يحصل بالكل كما في السرقة ولأن هذا من عادة القطاع أعني المباشرة من البعض والإعانة من البعض بالتسمير للدفع فلو لم يلحق التسبب بالمباشرة في سبب وجوب الحد لأدى ذلك إلى انفتاح باب قطع الطريق وانسداد حكمه وأنه قبيح ولهذا ألحق التسبب بالمباشرة في السرقة كذا ههنا فصل وأما الشرائط فأنواع بعضها يرجع إلى القاطع خاصة وبعضها يرجع إلى المقطوع عليه خاصة وبعضها يرجع إليهما جميعا وبعضها يرجع إلى المقطوع له وبعضها يرجع إلى المقطوع فيه

Section V07/P090

أما الذي يرجع إلى القاضع ( ( ( القاطع ) ) ) خاصة فأنواع منها أن يكون عاقلا ومنها أن يكون بالغا فإن كان صبيا أو مجنونا فلا حد عليهما لأن الحد عقوبة فيستدعي جناية وفعل الصبي والمجنون لا يوصف بكونه جناية ولهذا لم يتعلق به القطع في السرقة كذا هذا ولو كان في القطاع صبي أو مجنون فلا حد على أحد في قولهما وقال أبو يوسف رحمه الله إن كان الصبي هو الذي يلي القطع فكذلك وإن كان غيره حد حد العقلاء البالغين وقد ذكرنا المسألة في كتاب السرقة ومنها الذكورة في ظاهر الرواية حتى لو كانت في القطاع امرأة فوليت القتال وأخذ المال دون الرجال لا يقام الحد عليها في الرواية المشهورة وذكر الطحاوي رحمه الله وقال النساء والرجال في قطع الطريق سواء وعلى قياس قوله تعالى يقام الحد عليها وعلى الرجال وجه ما ذكره الطحاوي أن هذا حد يستوي في وجوبه الذكر والأنثى كسائر الحدود ولأن الحد إن كان هو القطع فلا يشترط في وجوبه الذكورة والأنوثة كسائر الحدود فلا يشترط في وجوبه الذكورة كحد السرقة وإن كان هو القتل فكذلك كحد الزنا وهو الرجم إذا كانت محصنة وجه الرواية المشهورة أن ركن القطع وهو الخروج على المارة على وجه المحاربة والمغالبة لا يتحقق من النساء عادة لرقة قلوبهن وضعف بنيتهن فلا يكن من أهل الحراب ولهذا لا يقتلن في دار الحرب بخلاف السرقة لأنها أخذ المال على وجه الاستخفاء ومسارقة الأعين والأنوثة لا تمنع من ذلك وكذا أسباب سائر الحدود تتحقق من النساء كما تتحقق من الرجال وأما الرجال الذين معها فلا يقام عليهم الحد في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله سواء باشروا معها أو لم يباشروا فرق أبو يوسف بين الصبي وبين المرأة حيث قال إذا باشر الصبي لا حد على من لم يباشر من العقلاء البالغين وإذا باشرت المرأة تحد كالرجال ( ( ( الرجال ) ) ) ووجه الفرق له أن امتناع الوجوب على المرأة ليس لعدم الأهلية لأنها من أهل التكليف ألا ترى أنه تتعلق سائر الحدود بفعلها بل لعدم المحاربة منها أو نقصانها عادة وهذا لم يوجد في الرجال فلا يمتنع وجوب الحد عليهم وامتناع الوجوب على الصبي لعدم أهلية الوجوب لأنه ليس من أهل الإيجاب عليه ولهذا لم يجب عليه سائر الحدود فإذا انتفى الوجوب عليه وهو أصل امتنع التبع ضرورة وجه قولهما أن سبب الوجوب شيء واحد وهو قطع الطريق وقد حصل ممن يجب عليه وممن لا يجب عليه فلا يجب أصلا كما إذا كان فيهم صبي أو مجنون والله سبحانه وتعالى أعلم وأما الحرية فليست بشرط لعموم قوله تبارك وتعالى إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا الآية من غير فصل بين الحر والعبد ولأن الركن وهو قطع الطريق يتحقق من العبد حسب تحققه من الحر فيلزمه حكمه كما يلزم الحر وكذلك الإسلام لما قلنا والله تعالى أعلم فصل وأما الذي يرجع إلى المقطوع عليه خاصة فنوعان أحدهما أن يكون مسلما أو ذميا فإن كان حربيا مستأمنا لا حد على القاطع لأن مال الحربي المستأمن ليس بمعصوم مطلق ( ( ( مطلقا ) ) ) بل في عصمته شبهة العدم لأنه من أهل دار الحرب وإنما العصمة بعارض الأمان مؤقتة إلى غاية العود إلى دار الحرب فكان في عصمته شبهة الإباحة فلا يتعلق الحد بالقطع عليه كما لا يتعلق بسرقة ماله بخلاف الذمي لأن عقد الذمة أفاد له عصمة ماله على التأبيد فتعلق الحد بأخذه كما يتعلق بسرقته والثاني أن تكون يده صحيحة بأن كانت يد ملك أو يد أمانة أو يد ضمان فإن لم تكن صحيحة كيد السارق لا حد على القاطع كما لا حد على السارق على ما مر في كتاب السرقة والله تعالى أعلم فصل وأما الذي يرجع إليهما جميعا فواحد

Section V07/P090–V07/P091

وهو أن لا يكون في القطاع ذو رحم محرم من أحد من المقطوع عليهم فإن كان لا يجب الحد لأن بينهما تبسطا في المال والحرز لوجود الإذن بالتناول عادة فقد أخذ مالا لم يحرزه عنه الحرز المبني في الحضر ولا السلطان الجاري في السفر فأورث ذلك شبهة في الأجانب لاتحاد السبب وهو قطع الطريق وكان الجصاص يقول جواب الكتاب محمول على ما إذا كان المأخوذ مشتركا بين المقطوع عليهم وفي القطاع من هو ذو رحم محرم من أحدهم فأما إذا كان لكل واحد منهم مال مفرز يجب الحد على الباقين وجواب الكتاب مطلق عن هذا التفصيل والله تعالى أعلم فصل وأما الذي يرجع إلى المقطوع له فما ذكر في كتاب السرقة وهو أن يكون المأخوذ مالا متقوما معصوما ليس فيه لأحد حق الأخذ ولا تأويل التناول ولا تهمة التناول مملوكا لا ملك فيه للقاطع ولا تأويل الملك ولا شبهة الملك محرزا مطلقا بالحافظ ليس فيه شبهة العدم نصابا كاملا عشرة دراهم أو مقدرا بها حتى لو كان المال المأخوذ لا يصيب كل واحد من القطاع عشرة لا حد عليهم وقد ذكرنا دلائل هذه الشرائط والمسائل التي تخرج عليها في كتاب السرقة وشرط الحسن بن زياد في نصاب قطع الطريق أن يكون عشرين درهما فصاعدا وقال عيسى بن زياد إن قتلوا قتلوا وإن كان ما أخذ كل واحد منهم أقل من عشرة وجه قول الحسن أن الشرع قدر نصاب السرقة بعشرة والواجب فيها قطع طرف الواحد وههنا يقطع طرفان فيشترط نصابان وذلك عشرون وجه قول عيسى رحمه الله أنا أجمعنا على أنهم لو قتلوا ولم يأخذوا المال أصلا قتلوا فإذا أخذوا شيئا من المال وإن قل أولى أن يقتلوا ولنا الفرق بين النوعين وهو أنهم لما قتلوا ولم يأخذوا المال أصلا علم أن مقصودهم القتل لا المال والقتل جناية متكاملة في نفسها فيجازى بعقوبة متكاملة وهي القتل ولما أخذوا المال وقتلوا دل أن مقصودهم المال وإنما قتلوا ليتمكنوا من أخذ المال وأخذ المال لا يتكامل جناية إلا إذا كان المأخوذ نصابا كما في السرقة والله تعالى أعلم فصل وأما الذي يرجع إلى المقطوع فيه وهو المكان فنوعان أحدهما أن يكون قطع الطريق في دار الإسلام فإن كان في دار الحرب لا يجب الحد لأن المتولي لإقامة الحد هو الإمام وليس له ولاية في دار الحرب فلا يقدر على الإقامة فالسبب حين وجوده لم ينعقد سببا للوجوب لعدم الولاية فلا يستوفيه في دار الإسلام ولهذا لا يستوفى سائر الحدود في دار الإسلام إذا وجد أسبابها في دار الحرب كذا هذا والثاني أن يكون في غير مصر فإن كان في مصر لا يجب الحد سواء كان القطع نهارا أو ليلا وسواء كان بسلاح أو غيره وهذا استحسان وهو قولهما والقياس أن يجب وهو قول أبي يوسف وجه القياس أن سبب الوجوب قد تحقق وهو قطع الطريق فيجب الحد كما لو كان في غير مصر وجه الاستحسان أن القطع لا يحصل بدون الانقطاع والطريق لا ينقطع في الأمصار وفيما بين القرى لأن المارة لا تمتنع عن المرور عادة فلم يوجد السبب وقيل إنما أجاب أبو حنيفة عليه الرحمة على ما شاهده في زمانه لأن أهل الأمصار كانوا يحملون السلاح فالقطاع ما كانوا يتمكنون من مغالبتهم في المصر والآن ترك الناس هذه العادة فتمكنهم المغالبة فيجري عليهم الحد وعلى هذا قال أبو حنيفة رحمه الله فيمن قطع الطريق بين الحيرة والكوفة أنه لا يجري عليه الحد لأن الغوث كان يلحق هذا الموضع في زمانه لاتصاله بالمصر والآن صار ملتحقا بالبرية فلا يلحق الغوث فيتحقق قطع الطريق والثالث أن يكون بينهم وبين المصر مسيرة سفر فإن كان أقل من ذلك لم يكونوا قطاع الطريق وهذا على قولهما فأما على قول أبي يوسف فليس بشرط ويكونون قطاع الطريق والوجه ما بينا فيجب الحد

Section V07/P091–V07/P092

وروي عن أبي يوسف في قطاع الطريق في المصر إن قاتلوا نهارا بسلاح يقام عليهم الحد وإن خرجوا بخشب لهم لم يقم عليهم لأن السلاح لا يلبث فلا يلحق الغوث والخشب يلبث فالغوث يلحق وإن قاتلوا ليلا بسلاح أو بخشب يقام عليهم الحد لأن الغوث قلما يلحق بالليل فيستوي فيه السلاح وغيره والله سبحانه وتعالى أعلم ولو أشهر على رجل سلاحا نهارا أو ليلا في غير مصر أو في مصر فقتله المشهور عليه عمدا فلا شيء عليه وكذلك إن شهر عليه عصا ليلا في غير مصر أو في مصر وإن كان نهارا في مصر فقتله المشهور عليه يقتل به والأصل في هذا أن من قصد قتل إنسان لا ينهدر دمه ولكن ينظر إن كان المشهور عليه يمكنه دفعه عن نفسه بدون القتل لا يباح له القتل وإن كان لا يمكنه الدفع إلا بالقتل يباح له القتل لأنه من ضرورات الدفع فإن شهر عليه سيفه يباح له أن يقتله لأنه لا يقدر على الدفع إلا بالقتل ألا ترى أنه لو استغاث الناس لقتله قبل أن يلحقه الغوث إذ السلاح لا يلبث فكان القتل من ضرورات الدفع فيباح قتله فإذا قتله فقد قتل شخصا مباح الدم فلا شيء عليه وكذا إذا شهر ( ( ( أشهر ) ) ) عليه العصا ليلا لأن الغوث لا يلحق بالليل عادة سواء كان في المفازة أو في المصر وإن أشهر عليه نهارا في المصر لا يباح قتله لأنه يمكنه دفع شره بالاستغاثة بالناس وإن كان في المفازة يباح قتله لأنه لا يمكنه الاستغاثة فلا يندفع شره إلا بالقتل فيباح له القتل وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة رضي الله عنهما أنه لو قصد قتله بما لو قتله به لوجب عليه القصاص فقتله المقصود قتله لا يجب عليه القصاص لأنه يباح قتله إذ لو لم يبح لقتله القاصد وإذا قتله يقتل به قصاصا فكان فيه إتلاف نفسين فإذا أبيح قتله كان فيه إتلاف أحدهما فكان أهون ولو قصد قتله بما لو قتله به لكان لا يجب القصاص لا يباح للمقصود قتله أن يقتل القاصد فإن قتله يجب عليه القصاص لأنه ليس في ترك الإباحة ههنا إتلاف نفس فلا يباح فإذا قتله فقد قتل شخصا معصوم الدم على الأبد فيجب القصاص والله تعالى أعلم فصل وأما بيان ما يظهر به القطع عند القاضي فالذي يظهر به البينة أو الإقرار عقيب خصومة صحيحة ولا يظهر بعلم القاضي على ما ذكرنا في كتاب السرقة والله تعالى أعلم فصل وأما حكم قطع الطريق فله حكمان أحدهما يتعلق بالنفس والآخر يتعلق بالمال أما الذي يتعلق بالنفس فهو وجوب الحد والكلام في هذا الحكم في مواضع في بيان أصل هذا الحكم وفي بيان صفاته وفي بيان محل إقامته وفي بيان من يقيمه وفي بيان ما يسقطه بعد الوجوب وفي بيان حكم السقوط بعد الوجوب أو عدم الثبوت لمانع أما أصل الحكم الذي يتعلق بالنفس فلن يمكن الوصول إلى معرفته إلا بعد معرفة أنواع قطع الطريق لأنه يختلف باختلاف أنواعه فنقول وبالله التوفيق قطع الطريق أربعة أنواع إما أن يكون بأخذ المال لا غير وإما أن يكون بالقتل لا غير وإما أن يكون بهما جميعا وإما أن يكون بالتخويف من غير أخذ ولا قتل فمن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف ومن قتل ولم يأخذ المال قتل ومن أخذ المال وقتل قال أبو حنيفة رضي الله عنه الإمام بالخيار إن شاء قطع يده ورجله ثم قتله أو صلبه وإن شاء لم يقطعه ( ( ( يقطه ) ) ) وقتله أو صلبه وقيل إن تفسير الجمع بين القطع والقتل عند أبي حنيفة رحمه الله هو أن يقطعه الإمام ولا يحسم موضع القطع بل يتركه حتى يموت وعندهما يقتل ولا يقطع ومن أخاف ولم يأخذ مالا ولا قتل نفسا ينفى وقال مالك رحمه الله في قاطع الطريق مخير بين الأجزية المذكورة

Section V07/P092–V07/P093

والأصل فيه قوله عز وجل إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض احتج مالك رحمه الله بظاهر الآية وهو أن الله تبارك وتعالى ذكر الأجزية فيها بحرف ( أو ) وإنها للتخيير كما في كفارة اليمين وكفارة جزاء الصيد فيجب العمل بحقيقة هذا الحرف إلا حيث قام الدليل بخلافها ولنا أنه لا يمكن إجراء الآية على ظاهر التخيير في مطلق المحارب لأن الجزاء على قدر الجناية يزداد بزيادة الجناية وينتقص بنقصانها هذا هو مقتضى العقل والسمع أيضا قال الله تبارك وتعالى وجزاء سيئة سيئة مثلها فالتخيير في الجناية القاصرة بالجزاء في الجزاء الذي هو جزاء في الجناية الكاملة وفي الجناية الكاملة بالجزاء الذي هو جزاء في الجناية القاصرة خلاف المشروع يحققه أن الأمة اجتمعت على أن القطاع لو أخذوا المال وقتلوا لا يجازون بالنفي وحده وإن كان ظاهر الآية يقتضي التخيير بين الأجزية الأربعة ( ( ( الأربع ) ) ) دل أنه لا يمكن العمل بظاهر التخيير على أن التخيير الوارد في الأحكام المختلفة من حيث الصورة بحرف التخيير إنما يجري على ظاهره إذا كان سبب الوجوب واحدا كما في كفارة اليمين وكفارة جزاء الصيد أما إذا كان مختلفا فيخرج مخرج بيان الحكم لكل في نفسه كما في قوله تعالى قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا إن ذلك ليس للتخيير بين المذكورين بل لبيان الحكم لكل في نفسه لاختلاف سبب الوجوب وتأويله إما أن تعذب من ظلم أو تتخذ الحسن فيمن آمن وعمل صالحا ألا ترى إلى قوله أما من ظلم فسوف نعذبه الآية وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى الآية وقطع الطريق متنوع في نفسه وإن كان متحدا من حيث الذات قد يكون بأخذ المال وحده وقد يكون بالقتل لا غير وقد يكون بالجمع بين الأمرين وقد يكون بالتخويف لا غير فكان سبب الوجوب مختلفا فلا يحمل على التخيير بل على بيان الحكم لكل نوع أو يحتمل هذا ويحتمل ما ذكرتم فلا يكون حجة مع الاحتمال وإذا لم يمكن صرفت الآية الشريفة إلى ظاهر التخيير في مطلق المحارب فأما أن يحمل على الترتيب ويضمر في كل حكم مذكور نوع من أنواع قطع الطريق كأنه قال سبحانه وتعالى إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا إن أخذوا المال وقتلوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن أخذوا المال لا غير أو ينفوا من الأرض إن أخافوا هكذا ذكر سيدنا جبريل عليه الصلاة والسلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما قطع أبو بردة رضي الله عنه بأصحابه الطريق على أناس جاءوا يريدون الإسلام أن من قتل قتل ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف ومن قتل وأخذ المال صلب ومن جاء مسلما هدم الإسلام ما كان قبله من الشرك وإلى هذا التأويل يذهب عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وإبراهيم النخعي وإماأن يعمل بظاهر التخيير بين الأجزية الثلاثة لكن في محارب خاص وهو الذي أخذ المال وقتل فكان العمل بظاهر التخيير على هذا الوجه أقرب من ظاهر الآية لأن الله تبارك وتعالى جمع بين القتل وقطع الطريق في الذكر بقوله تبارك وتعالى إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا فالمحاربة هي القتل والفساد في الأرض هو قطع الطريق فأوجب سبحانه وتعالى أحد الأجزية من الفعلين بما ذكر وفيه عمل بحقيقة حرف التخيير وعمل بحقيقة ما أضيف إليه الجزاء وهو ما ذكر سبحانه وتعالى من المحاربة والسعي في الأرض بالفساد فكان أقرب إلى ظاهر الآية إلى هذا التأويل يذهب الحسن وابن المسيب ومجاهد وغيرهم رضي الله عنهم ثم أبو يوسف ومحمد رحمهما الله أخذا بالتأويل الأول وهو تأويل الترتيب في المحارب إذا أخذ المال وقيل إنه يقتل لا غير

Section V07/P093–V07/P094

لأن سيدنا جبريل عليه السلام ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ما مر وحد قطاع الطريق لم يعرف إلا بهذا النص ولأن أخذ المال والقتل جناية واحدة وهي جناية قطع الطريق فلا يقابل إلا بعقوبة واحدة والقتل والقطع عقوبتان على أنهما إن كانتا جنايتين يجب بكل واحدة منهما جزاء عند الانفراد حقا لله تعالى لكنهما إذا اجتمعا يدخل ما دون النفس في النفس كالسارق إذا زنى وهو محصن وكمن زنا وهو غير محصن ثم أحصن فزنى أنه يرجم لا غير كذا ههنا ولأنه لا فائدة في إقامة القطع لأن ما هو المقصود من الحد وهو الزجر وما هو غير مقصود به وهو التكفير يحصل بالقتل وحده فلا يفيد القطع فلا يشرع وأبو حنيفة رحمه الله أخذ بالتأويل الثاني وهو التخيير بين الأجزية الثلاثة في المحارب الذي جمع بين أخذ المال والقتل وهو أحق التأويلين للآية لما ذكرنا أن فيه عملا بحقيقة حرف التخيير وبحقيقة ما أضيف إليه الجزاء وهو المحاربة والسعي في الأرض بالفساد فكان أقرب إلى ظاهر الآية وإنما عرفنا حكم أخذ المال وحده وحكم القتل وحده لا بهذه الآية الشريفة ولكن بحديث سيدنا جبريل عليه الصلاة والسلام أو غيره أو بالاستدلال بحالة الاجتماع وهو أنه لما وجب الجمع بين الموجبين عند وجود القطعين يجب القبول بإفراد كل واحد منهما عند الانفراد ويمكن أن يقال إنه يقول في تأويل الآية الكريمة بالترتيب فيوجب الصلب بظاهر الآية الشريفة والقطع بالاستدلال بحالة الانفراد أنه يجب على كل واحد منهما فعند الاجتماع يجب أن يجمع إلا أن في بعض المواضع قام دليل إسقاط الأخف ولم يقم ههنا بل قام دليل الوجوب لأن مبنى هذا الباب على التغليظ ألا ترى أنه يجمع بين قطع اليد والرجل في أخذ المال ولا يجمع بينهما في أخذ المال في المصر وكذلك يصلب في القتل وحده ههنا ولم يجب أن يصلب في غيره من القتل في المصر فكذا جاز أن يجمع بين الموجبين عند مباشرة النوعين ههنا دون سائر المواضع والله سبحانه وتعالى أعلم وأما كيفية الصلب فقد روي عن أبي يوسف رحمه الله أنه يصلب حيا ثم يطعن برمح حتى يموت وكذا ذكر الكرخي وعن أبي عبيد أنه يقتل ثم يصلب وكذا ذكر الطحاوي رحمه الله لأن الطلب ( ( ( الصلب ) ) ) حيا من باب المثلة وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن المثلة والصحيح هو الأول لأن الصلب في هذا الباب شرع لزيادة في العقوبة تغليظا والميت ليس من أهل العقوبة ولأنه لو جاز أن يقال يصلب بعد الموت لجاز أن يقال تقطع يده ورجله من خلاف بعد الموت وذلك بعيد فكذا هذا والمراد في المثلة في الحديث قطع بعض الجوارح كذا قاله محمد رحمه الله وقيل إذا صلبه الإمام تركه ثلاثة أيام عبرة للخلق ثم يخلي بينه وبين أهله لأنه بعد الثلاث يتغير فيتضرر به الناس وأما النفي في قوله تبارك وتعالى أو ينفوا من الأرض فقد اختلف أهل التأويل فيه قال بعضهم المراد منه وينفوا من الأرض بحذف الألف ومعناه وينفوا من الأرض بالقتل والصلب إذ هو النفي من وجه الأرض حقيقة وهذا على قول من تأول الآية الشريفة في المحارب الذي أخذ المال وقيل إن الإمام يكون مخيرا بين الأجزية الثلاثة والنفي من الأرض ليس غير واحد من هذه الثلاثة في التخيير لأن بالقتل والصلب يحصل النفي فكذا لا يجوز أن يجعل النفي مشاركا الأجزية الثلاثة في التخيير لأنه لا يزاحم القتل لأنه دونه بكثير وقيل نفيه أن يطرد حتى يخرج من دار الإسلام وهو قول الحسن وعن إبراهيم النخعي رحمه الله في رواية أن نفيه طلبه وبه قال الشافعي رحمه الله أنه يطلب في كل بلد والقولان لا يصحان لأنه إن طلب في البلد الذي قطع الطريق ونفي عنه فقد ألقي ضرره إلى بلد آخر وإن طلب من كل بلد من بلاد الإسلام ونفي عنه يدخل دار الحرب وفيه تعريض له على الكفر وجعله حربا لنا

Section V07/P094–V07/P095

وهذا لا يجوز وعن النخعي رحمه الله في رواية أخرى أنه يحبس حتى يحدث توبة وفيه نفي عن وجه الأرض مع قيام الحياة إلا عن الموضع الذي حبس فيه ومثل هذا في عرف الناس يسمى نفيا عن وجه الأرض وخروجا عن الدنيا كما أنشد لبعض المحبوسين خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى إذا جاءنا السجان يوما لحاجة عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا فصل وأما صفات هذا الحكم فأنواع منها أنه ينفي وجوب ضمان المال والجراحات عمدا كانت الجراحة أو خطأ أما المال فلأنه لا يجمع بين الحد والضمان عندنا وأما الجراحات إذا كانت خطأ فلأنها توجب الضمان وإن كانت عمدا فلأن الجناية فيما دون النفس يسلك بها مسلك الأموال ولا يجب ضمان المال فكذا ضمان الجراحات وقد ذكرنا ما يتعلق من المسائل بهذا الأصل في كتاب السرقة ومنها أن يجري فيها التداخل حتى لو قطع قطعات فرفع في بعضها فقطعت يده ورجله فيما رفع فيه كان ذلك للقطعات كلها كما في السرقة إلا أن ثمة التداخل لاحتمال عدم الفائدة مع بقاء محل القطع وهو الرجل اليسرى وههنا التداخل لعدم المحل والكلام في الضمان فيما لم يخاصم فيه ما هو الكلام في السرقة أنه إذا كان المال قائما يرده وإن كان هالكا فعلى الاختلاف الذي ذكرنا في كتاب السرقة ومنها أنه لا يحتمل العفة ( ( ( العفو ) ) ) والإسقاط والإبراء والصلح عنه فكل ما وجب على قاطع الطريق من قتل أو قطع أو صلب يستوفى منه سواء عفا الأولياء وأرباب الأموال عن ذلك أو لم يعفوا ( ( ( يعفو ) ) ) وسواء أبرءوا منه أو صالحوا عليه وليس للإمام أيضا إذا ثبت ذلك عنده تركه وإسقاطه والعفو عنه لأن الواجب حد والحدود حقوق الله تبارك وتعالى فلا يعمل فيها العبد ولا صلحه ولا الإبراء عنها فصل وأما محل إقامة هذا الحكم فنقول محل إقامة هذا الحكم يختلف باختلاف الحكم فإن كان الحكم هو القتل بأن قتل أو أخذ المال وقتل أو الحبس بأن لم يأخذ المال ولم يقتل ولكنه خوف لا غير فمحل إقامته النفس وإن كان الحكم هو القطع بأن أخذ المال لا غير فمحل إقامته اليد اليمين ( ( ( اليمنى ) ) ) والرجل اليسرى لقوله تبارك وتعالى أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ويعتبر في ذلك سلامة اليد اليسرى والرجل اليمنى على ما ذكرنا في كتاب السرقة وكذلك حكم فعل الحداد إذا قطع اليد اليسرى مكان اليمنى متعمدا أو مخطئا وحكم فعل الأجنبي إذا قطع اليد اليسرى خطأ أو عمدا ههنا مثل الحكم في السرقة وقد استوفينا الكلام فيه في كتاب السرقة وكذا محل القطع من اليد اليمنى هو المفصل كما في السرقة والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما بيان من يقيم هذا الحكم فالذي يقيمه الإمام أو من ولاه الإمام الإقامة ليس إلى الأولياء ولا إلى أرباب الأموال شيء بل يقيمه الإمام طالب الأولياء وأرباب الأموال بالإقامة أو لم يطالبوا وهذا عندنا وعند الشافعي رحمه الله المولى يملك إقامة الحد على مملوكه من غير تولية الإمام والكلام في هذا الفصل على الاستقصاء ذكرناه في كتاب الحدود فصل وأما بيان ما يسقط هذا الحكم بعد وجوبه فالمسقط له بعد الوجوب أشياء ذكرناها في كتاب السرقة منها تكذيب المقطوع عليه القاطع في إقراره بقطع الطريق أنه لم يقطع عليه الطريق ومنها رجوع القاطع عن إقراره يقطع ( ( ( بقطع ) ) ) الطريق ومنها تكذيب المقطوع عليه البينة ومنها ملك القاطع المقطوع له وهو المال قبل الترافع أو بعده على التفصيل على الاختلاف الذي ذكرناه في كتاب السرقة ومنها توبة القاطع قبل أن يقدر عليه لقوله تعالى إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم أي رجعوا عما فعلوا فندموا على ذلك وعزموا على أن لا يفعلون ( ( ( يفعلوا ) ) ) مثله في المستقبل

Section V07/P095–V07/P096

فدلت هذه الآية الشريفة على أن قاطع الطريق إذا تاب قبل أن يظفر به يسقط عنه الحد وتوبته برد المال على صاحبه إن كان أخذ المال لا غير مع العزم على أن لا يفعل مثله في المستقبل ويسقط عنه القطع أصلا ويسقط عن القتل حدا وكذلك إن أخذ المال وقتل حتى لم يكن للإمام أن يقتله ولكن يدفعه إلى أولياء القتيل ليقتلوه قصاصا إن كان القتل بسلاح على ما نذكره إن شاء الله تعالى وإن لم يأخذ المال ولم يقتل فتوبته الندم على ما فعل والعزم على ترك مثله في المستقبل وهو أن يأتي الإمام عن طوع واختيار ويظهر التوبة عنده ويسقط عنه الحبس لأن الحبس للتوبة وقد تاب فلا معنى للحبس وكذلك السرقة الصغرى إذا تاب السارق قبل أن يظفر به ورد المال إلى صاحبه يسقط عنه القطع بخلاف سائر الحدود أنها لا تسقط بالتوبة والفرق أن الخصومة شرط في السرقة الصغرى والكبرى لأن محل الجناية خالص حق العباد والخصومة تنتهي بالتوبة والتوبة تمامها برد المال إلى صاحبه فإذا وصل المال إلى صاحبه لم يبق له حق الخصومة مع السارق بخلاف سائر الحدود فإن الخصومة فيها ليست بشرط فعدمها لا يمنع من إقامة الحدود وفي حد القذف إن كانت شرطا لكنها لا تبطل بالتوبة لأن بطلانها برد المال إلى صاحبه ولم يوجد وقد روي عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه كتب إليه عامله بالبصرة إن حارثة بن زيد حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا فكتب إليه سيدنا علي رضي الله عنه أن حارثة قد تاب قبل أن تقدر عليه فلا تتعرض له إلا بخير هذا إذا تاب قاطع الطريق قبل القدرة عليه فأما إذا تاب بعدما قدر عليه بأن أخذ ثم تاب لا يسقط عنه الحد لأن التوبة عن السرقة إذا أخذ المال برد المال على صاحبه وبعد الأخذ لا يكون رد المال بل يكون استردادا منه جبرا فلا يسقط الحد وإذا لم يأخذ المال فهو بعد الأخذ متهم في إظهار التوبة فلا تتحقق توبته والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما حكم سقوط الحد بعد الوجوب وحكم عدم الوجوب لمانع فنقول وبالله التوفيق إذا سقط الحد بعد التوبة قبل أن يقدر عليهم فإن كانوا أخذوا المال لا غير ردوه على صاحبه إن كان قائما وإن كان هالكا أو مستهلكا فعليهم الضمان وإن كانوا قتلوا لا غير يدفع من قتل منهم بسلاح إلى الأولياء ليقتلوه أو يعفو ( ( ( يعفوا ) ) ) عنه ومن قتل بعصا أو حجر فعلى عاقلته الدية لورثة المقتول وإن كانوا أخذوا المال وقتلوا فحكم أخذ المال والقتل عند الاجتماع ما هو حكمهما عند الانفراد وقد ذكرناه وإنما كان كذلك لأن الحد إذا سقط بالتوبة قبل القدرة صار حكم القتل وأخذ المال وهلاكه واستهلاكه ما هو حكمها في غير قطع الطريق ما قلنا وإن كانوا أخذوا المال وجرحوا أو أخذوا المال وقتلوا وجرحوا قوما أو جرحوا قوما ولم يكن منهم أخذ ولا قتل فحكم القتل والمال ما ذكرنا والجراحات فيها القصاص فيما يقدر فيه على القصاص والأرش فيما لا يقدر عليه لأن عند سقوط الحد صار كأن الجراحة حصلت من غير قطع الطريق ولو كان كذلك كان حكمه ما ذكرنا فكذا هذا وكذلك إن قدر عليهم قبل التوبة ولم يكن منهم قتل ولا أخذ مال وقد أخافوا قوما بجراحات يجب القصاص فيما يستطاع فيه الاقتصاص والدية فيما لا يستطاع فيودعون السجن لأن الحبس وجب عليهم تعزيرا لا حدا والتعزير لا تدخل فيه الجراحة بخلاف ما إذا قدر عليهم قبل التوبة وقد قتلوا أو أخذوا المال أو جمعوا بينهما لأن الواجب فيه الحد فيدخل فيه الجراحة وكذلك إذا سقط الحد بالرجوع عن الإقرار لأن الرجوع عن الإقرار يصح في حق سقوط الحد ولا يصح في حق ضمان المال والقصاص فبقي إقراره معتبرا في حقهما

Section V07/P096–V07/P097

وأما إذا كان السقوط بتكذيب الحجة من الإقرار أو البينة لا شيء عليهم لأن سبب الوجوب لم يثبت لأن ثبوته بالحجة وقد بطلت أصلا ورأسا بخلاف الرجوع عن الإقرار لأن الأصل أن إقرار المقر حجة في حقه إلا أنه تعذر اعتباره بعد الرجوع في حق الحد درءا للحد بالشبهة فبقي معتبرا في حق ضمان المال والقصاص فهو الفرق وعلى هذا حكم عدم الوجوب لمانع بأن فات شرط من شرائط وجوب الحد نحو نقصان النصاب بأن كان المأخوذ من المال لا يصيب كل واحد منهم عشرة دراهم أنهم يردونه إن كان قائما ويضمنون إن كان هالكا أو مستهلكا ومن قتل منهم فإن كان بسلاح فعليه القصاص وإن كان بعصا أو حجر فعلى عاقلته الدية ومن جرح يقتص منه فيما يمكن القصاص وفيما لا يمكن يجب الأرش لما ذكرنا أن الحد إذا امتنع وجوبه فقد حصل الأخذ والقتل والجراحة من غير قطاع الطريق وحكمها في غير قطاع الطريق ما قلنا وكذلك إذا كان في المحاربين صبي أو مجنون حتى امتنع وجوب الحد يدفع كل بالغ عاقل قتل منهم بسلاح إلى الأولياء فيقتلون أو يعفون وإن كان الذي ولي القتل منهم صبي أو مجنون فعلى عاقلته الدية وإن قتل بسلاح لأن الصبي والمجنون ليسا من أهل وجوب القصاص عليهما فكان عمدهما خطأ وإن كانا أخذا المال ضمنا لأنهما من أهل وجوب ضمان المال وكذلك إذا امتنع وجوب الحد على القطاع لمعنى من المعاني رجعوا في ذلك إلى حكم غير القطاع والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما الحكم الذي يتعلق بالمال فهو وجوب الرد إن كان قائما بعينه ولصاحبه أن يأخذه أينما وجده سواء وجده في يد المحارب أو في يد من ملكه المحارب ببيع أو هبة أو غير ذلك ولو تغير المال إلى الزيادة أو النقصان فقد ذكرنا حكمه في كتاب السرقة والله تعالى أعلم كتاب السير وقد يسمى كتاب الجهاد والكلام في هذا الكتاب في مواضع في بيان معنى السير والجهاد لغة وشرعا وفي بيان كيفية الجهاد وفي بيان من يفترض عليه الجهاد وفي بيان ما يندب إليه الإمام عند بعث الجيش أو السرية إلى الجهاد وفي بيان ما يجب على الغزاة الافتتاح به حال شهود الوقعة وفي بيان من يحل قتله من الكفرة ومن لا يحل وفي بيان من يجوز تركه ممن لا يحل قتله في دار الحرب ومن لا يجوز وفي بيان ما يكره حمله إلى دار الحرب وما لا يكره وفي بيان ما يعترض من الأسباب المحرمة للقتال وفي بيان حكم الغنائم وما يتصل بها وفي بيان حكم استيلاء الكفرة على أموال المسلمين وفي بيان أحكام تختلف باختلاف الدارين وفي بيان أحكام المرتدين وفي بيان أحكام الغزاة أما الأول فالسير جمع سيرة والسيرة في اللغة تستعمل في معنيين أحدهما الطريقة يقال هما على سيرة واحدة أي طريقة واحدة والثاني الهيأة ( ( ( الهيئة ) ) ) قال الله سبحانه وتعالى سنعيدها سيرتها الأولى أي هيأتها ( ( ( هيئتها ) ) ) فاحتمل تسمية هذا الكتاب كتاب السير لما فيه من بيان طرق الغزاة وهيآتهم ( ( ( وهيئاتهم ) ) ) مما لهم وعليهم وأما الجهاد في اللغة فعبارة عن بذل الجهد بالضم وهو الوسع والطاقة أو عن المبالغة في العمل من الجهد بالفتح وفي عرف الشرع يستعمل في بذل الوسع والطاقة بالقتال في سبيل الله عز وجل بالنفس والمال واللسان أو غير ذلك أو المبالغة في ذلك والله تعالى أعلم فصل وأما بيان كيفية فرضية الجهاد فالأمر فيه لا يخلو من أحد وجهين إما إن كان النفير عاما وإما إن لم يكن فإن لكم يكن النفير عاما فهو فرض كفاية ومعناه أن يفترض على جميع من هو من أهل الجهاد لكن إذا قام به البعض سقط عن الباقين لقوله عز وجل فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وعد الله عز وجل المجاهدين والقاعدين الحسنى

Section V07/P097

ولو كان الجهاد فرض عين في الأحوال كلها لما وعد القاعدين الحسنى لأن القعود يكون حراما وقوله سبحانه وتعالى وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين الآية ولأن ما فرض له الجهاد وهو الدعوة إلى الإسلام وإعلاء الدين الحق ودفع شر الكفرة وقهرهم يحصل بقيام البعض به وكذا النبي عليه الصلاة والسلام كان يبعث السرايا ولو كان فرض عين في الأحوال كلها لكان لا يتوهم منه القعود عنه في حال ولا أذن غيره بالتخلف عنه بحال وإذا كان فرضا على الكفاية فلا ينبغي للإمام أن يخلي ثغرا من الثغور من جماعة من الغزاة فيهم غنا ( ( ( غنى ) ) ) وكفاية لقتال العدو فإذا قاموا به يسقط عن الباقين وإن ضعف أهل ثغر عن مقاومة الكفرة وخيف عليهم من العدو فعلى من وراءهم من المسلمين الأقرب فالأقرب أن ينفروا إليهم وأن يمدوهم بالسلاح والكراع والمال لما ذكرنا أنه فرض على الناس كلهم ممن هو من أهل الجهاد لكن الفرض يسقط عنهم بحصول الكفاية بالبعض فما لم يحصل لا يسقط ولا يباح للعبد أن يخرج إلا بإذن مولاه ولا المرأة إلا بإذن زوجها لأن خدمة المولى والقيام بحقوق الزوجية كل ذلك فرض عين فكان مقدما على فرض الكفاية وكذا الولد لا يخرج إلا بإذن والديه أو أحدهما إذا كان الآخر ميتا لأن بر الوالدين فرض عين فكان مقدما على فرض الكفاية والأصل إن كل سفر لا يؤمن فيه الهلاك ويشتد فيه الخطر لا يخل ( ( ( يحل ) ) ) للولد أن يخرج إليه بغير إذن والديه لأنهما يشفقان على ولدهما فيتضرران بذلك وكل سفر لا يشتد فيه الخطر يحل له أن يخرج إليه بغير إذنهما إذ لم يضيعهما لانعدام الضرر ومن مشايخنا من رخص في سفر التعلم بغير إذنهما لأنهما لا يتضرران بذلك بل ينتفعان به فلا يلحقه سمة العقوق هذا إذا لم يكن النفير عاما فأما إذا عم النفير بأن هجم العدو على بلد فهو فرض عين يفترض على كل واحد من آحاد المسلمين ممن هو قادر عليه لقوله سبحانه وتعالى انفروا خفافا وثقالا قيل نزلت في النفير وقوله سبحانه وتعالى ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ولأن الوجوب على الكل قبل عموم النفير ثابت لأن السقوط عن الباقين بقيام البعض به فإذا عم النفير لا يتحقق القيام به إلا بالكل فبقي فرضا على الكل عينا بمنزلة الصوم والصلاة فيخرج العبد بغير إذن مولاه والمرأة بغير إذن زوجها لأن منافع العبد والمرأة في حق العبادات المفروضة عينا مستثناة عن ملك المولى والزوج شرعا كما في الصوم والصلاة وكذا يباح للولد أن يخرج بغير إذن والديه لأن حق الوالدين لا يظهر في فروض الأعيان كالصوم والصلاة والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما بيان من يفترض عليه فنقول إنه لا يفترض إلا على القادر عليه فمن لا قدرة له لا جهاد عليه لأن الجهاد بذل الجهد وهو الوسع والطاقة بالقتال أو المبالغة في عمل القتال ومن لا وسع له كيف يبذل الوسع والعمل فلا يفرض على الأعمى والأعرج والزمن والمقعد والشيخ الهرم والمريض والضعيف والذي لا يجد ما ينفق قال الله سبحانه وتعالى ليس على الأعمى حرج الآية وقال سبحانه وتعالى عز من قائل ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله فقد عذر الله جل شأنه هؤلاء بالتخلف عن الجهاد ورفع الحرج عنهم ولا جهاد على الصبي والمرأة لأن بنيتهما لا تحتمل الحرب عادة وعلى هذا الغزاة إذا جاءهم جمع من المشركين ما لا طاقة لهم به وخافوهم أن يقتلوهم فلا بأس لهم أن ينحازوا إلى بعض أمصار المسلمين أو إلى بعض جيوشهم والحكم في هذا الباب لغالب الرأي وأكبر الظن دون العدد

Section V07/P097–V07/P098

فإن غلب على ظن الغزاة أنهم يقاومونهم يلزمهم الثبات وإن كانوا أقل عددا منهم وإن كان غالب ظنهم أنهم يغلبون فلا بأس أن ينحازوا إلى المسلمين ليستعينوا بهم وإن كانوا أكثر عددا من الكفرة وكذا الواحد من الغزاة ليس معه سلاح مع اثنين منهم معهما سلاح أو مع واحد منهم من الكفر ( ( ( الكفرة ) ) ) ومعه سلاح لا بأس أن يولي دبره متحيزا إلى فئة والأصل فيه قوله تبارك وتعالى ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير الله عز شأنه نهى المؤمنين عن تولية الأدبار عاما بقوله تبارك وتعالى يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار وأوعد عليهم بقوله سبحانه وتعالى ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله الآية لأن في الكلام تقديما وتأخيرا معناه والله سبحانه وتعالى أعلم يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره فقد باء بغضب من الله ثم استثنى سبحانه وتعالى من ( ( ( ومن ) ) ) يولي دبره لجهة مخصوصة فقال عز من قائل إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة والاستثناء من الحظر إباحة فكان المحظور تولية مخصوصة وهي أن يولي دبره غير محرف ( ( ( متحرف ) ) ) لقتال ولا متحيز إلى فئة فبقيت التولية إلى جهة التحرف والتحيز مستثناة من الحظر فلا تكون محظورة ونظير هذه الآية قوله سبحانه وتعالى من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم أنه على التقديم والتأخير على ما نذكره في كتاب الإكراه إن شاء الله تعالى وبه تبين أن الآية الشريفة غير منسوخة وكذا قوله سبحانه وتعالى إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وقوله وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا ليس بمنسوخ لأن التولية للتحيز إلى فئة خص فيها فلم تكن الآيتان منسوختين والله سبحانه وتعالى أعلم والدليل عليه قوله عليه الصلاة والسلام للذين فروا إلى المدينة وهو فيها أنتم الكرارون أنا فئة كل مسلم أخبر عليه الصلاة والسلام أن المتحيز إلى فئة كرار وليس بفرار من الزحف فلا يلحقه الوعيد وعلى هذا إذا كانت الغزاة في سفينة فاحترقت السفينة وخافوا الغرق حكموا فيه غالب رأيهم وأكبر ظنهم فإن غلب على رأيهم أنهم لو طرحوا أنفسهم في البحر لينجو ( ( ( لينجوا ) ) ) بالسباحة وجب عليهم الطرح ( ( ( الطرق ) ) ) ليسبحوا فيتحيزوا إلى فئة وإن استوى جانبا الحرق والغرق بأن كان إذا قاموا حرقوا وإذا طرحوا غرقوا فلهم الخيار عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد رحمه الله لا يجوز لهم أن يطرحوا أنفسهم في الماء وجه قوله أنهم لو ألقوا أنفسهم في الماء لهلكوا ولو أقاموا في السفينة لهلكوا أيضا إلا أنهم لو طرحوا لهلكوا بفعل أنفسهم ولو صبروا لهلكوا بفعل العدو فكان الصبر أقرب إلى الجهاد فكان أولى وجه قولهما أنه استوى الجانبان في الإفضاء إلى الهلاك فيثبت لهم الخيار لجواز أن يكون الهلاك بالغرق أرفق قوله لو أقاموا لهلكوا بفعل العدو قلنا ( ( ( وقلنا ) ) ) ولو طرحوا لهلكوا بفعل العدو أيضا إذ العدو هو الذي ألجأهم إليه فكان الهلاك في الحالين مضافا إلى فعل العدو ثم قد يكون الهلاك بالغرق أسهل فيثبت لهم الخيار ولو طعن مسلم برمح فلا بأس بأن يمشي إلى من طعنه من الكفرة حتى يجهزه لأنه يقصد بالمشي إليه بذل نفسه لإعزاز دين الله سبحانه وتعالى وتحريض المؤمنين على أن لا يبخلوا بأنفسهم في قتال أعداء الله فكان جائزا والله أعلم فصل وأما بيان ما يندب إليه الإمام عند بعث الجيش أو السرية

Section V07/P098–V07/P099

إلى الجهاد فنقول وبالله التوفيق إنه يندب إلى أشياء منها أن يؤمر عليهم أميرا لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما بعث جيشا إلا وأمر عليهم أميرا لأن الحاجة إلى الأمير ماسة لأنه لا بد من تنفيذ الأحكام وسياسة الرعية ولا يقوم ذلك إلا بالأمير لتعذر الرجوع في كل حادثة إلى الإمام ومنها أن يكون الذي يؤمر عليهم عالما بالحلال والحرام عدلا عارفا بوجوه السياسات بصيرا بتدابير الحروب وأسبابها لأنه لو لم يكن بهذه الصفة لا يحصل ما ينصب له الأمير ومنها أن يوصيه بتقوى الله عز شأنه في خاصة نفسه وبمن معه من المؤمنين خيرا كذا روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا بعث جيشا أوصاه بتقوى الله سبحانه وتعالى في نفسه خاصة وبمن معه من المؤمنين خيرا ولأن الإمارة أمانة عظيمة فلا يقوم بها إلا المتقي وإذا أمر عليهم يكلفهم طاعة الأمير فيما يأمرهم به وينهاهم عنه لقول الله تبارك وتعالى يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم وقال عليه الصلاة والسلام اسمعوا وأطيعوا ولو أمر عليكم عبد حبشي أجدع ما حكم فيكم بكتاب الله تعالى ولأنه نائب الإمام وطاعة الإمام لازمة كذا طاعته لأنها طاعة الإمام إلا أن يأمرهم بمعصية فلا تجوز طاعتهم إياه فيها لقوله عليه الصلاة والسلام لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ولو أمرهم بشيء لا يدرون أينتفعون به أم لا فينبغي لهم أن يطيعوه فيه إذا لم يعلموا كونه معصية لأن اتباع الإمام في محل الاجتهاد واجب كاتباع القضاة في مواضع الاجتهاد والله تعالى عز شأنه أعلم فصل وأما بيان ما يجب على الغزاة الافتتاح به حالة الوقعة ولقاء العدو فنقول وبالله التوفيق إن الأمر فيه لا يخلو من أحد وجهين إما إن كانت الدعوة قد بلغتهم وإما إن كانت لم تبلغهم فإن كانت الدعوة لم تبلغهم فعليهم الافتتاح بالدعوة إلى الإسلام باللسان لقول الله تبارك وتعالى ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ولا يجوز لهم القتال قبل الدعوة لأن الإيمان وإن وجب عليهم قبل بلوغ الدعوة بمجرد العقل فاستحقوا القتل بالامتناع لكن الله تبارك وتعالى حرم قتالهم قبل بعث الرسول عليه الصلاة والسلام وبلوغ الدعوة إياهم فضلا منه ومنة قطعا لمعذرتهم بالكلية وإن كان لا عذر لهم في الحقيقة لما أقام سبحانه وتعالى من الدلائل العقلية التي لو تأملوها حق التأمل ونظروا فيها لعرفوا حق الله تبارك وتعالى عليهم لكن تفضل عليهم بإرسال الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين لئلا يبقى لهم شبهة عذر لقالوا ( ( ( فيقولوا ) ) ) ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك وإن لم يكن لهم أن يقولوا ذلك في الحقيقة لما بينا ولأن القتال ما فرض لعينه بل للدعوة إلى الإسلام والدعوة دعوتان دعوة بالبنان وهي القتال ودعوة بالبيان وهو اللسان وذلك بالتبليغ والثانية أهون من الأولى لأن في القتال مخاطرة الروح والنفس والمال وليس في دعوة التبليغ شيء من ذلك فإذا احتمل حصول المقصود بأهون الدعوتين لزم الافتتاح بها هذا إذا كانت الدعوة لم تبلغهم فإن كانت قد بلغتهم جاز لهم أن يفتتحوا القتال من غير تجديد الدعوة لما بينا أن الحجة لازمة والعذر في الحقيقة منقطع وشبهة العذر انقطعت بالتبليغ مرة لكن مع هذا الأفضل أن لا يفتتحوا القتال إلا بعد تجديد الدعوة لرجاء الإجابة في الجملة وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يقاتل الكفرة حتى يدعوهم إلى الإسلام فيما كان دعاهم غير مرة دل أن الافتتاح بتجديد الدعوة أفضل ثم إذا دعوهم إلى الإسلام فإن أسلموا كفوا عنهم القتال لقوله عليه الصلاة والسلام أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها

Section V07/P099–V07/P100

وقوله عليه السلام من قال لا إله إلا الله فقد عصم مني دمه وماله فإن أبوا الإجابة إلى الإسلام دعوهم إلى الذمة إلا مشركي العرب والمرتدين لما نذكره إن شاء الله تعالى بعد فإن أجابوا كفوا عنهم لقوله عليه السلام فإن قبلوا عقد الذمة فأعلمهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين وإن أبوا استعانوا بالله سبحانه وتعالى على قتالهم ووثقوا بعهد الله سبحانه وتعالى النصر لهم بعد أن بذلوا جهدهم واستفرغوا وسعهم وثبتوا وأطاعوا الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وذكروا الله كثيرا على ما قال تبارك وتعالى يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ولهم أن يقاتلوهم وإن لم يبدؤوا ( ( ( يبدءوا ) ) ) بالدعوة لقول الله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وسواء كان في الأشهر الحرم أو في غيرها لأن حرمة القتال في الأشهر الحرم صارت منسوخة بآية السيف وغيرها من آيات القتال ولا بأس بالإغارة والبيات عليهم ولا بأس بقطع أشجارهم المثمرة وغير المثمرة وإفساد زروعهم لقوله تبارك وتعالى ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين أذن سبحانه وتعالى بقطع النخيل في صدر الآية الشريفة ونبه في آخرها أن ذلك يكون كبتا وغيظا للعدو بقوله تبارك وتعالى وليخزي الفاسقين ولا بأس بإحراق حصونهم بالنار وإغراقها بالماء وتخريبها وهدمها عليهم ونصب المنجنيق عليها لقوله تبارك وتعالى يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ولأن كل ذلك من باب القتال لما فيه من قهر العدو وكبتهم وغيظهم ولأن حرمة الأموال لحرمة أربابها ولا حرمة لأنفسهم حتى يقتلون فكيف لأموالهم ولا بأس برميهم بالنبال وإن علموا أن فيهم مسلمين من الأسارى والتجار لما فيه من الضرورة إذ حصون الكفرة قلما تخلو من مسلم أسير أو تاجر فاعتباره يؤدي إلى انسداد باب الجهاد ولكن يقصدون بذلك الكفرة دون المسلمين لأنه لا ضرورة في القصد إلى قتل مسلم بغير حق وكذا إذا تترسوا بأطفال المسلمين فلا بأس بالرمي إليهم لضرورة إقامة الفرض لكنهم يقصدون الكفار دون الأطفال فإن رموهم فأصاب مسلما فلا دية ولا كفارة وقال الحسن بن زياد رحمه الله تجب الدية والكفارة وهو أحد قولي الشافعي رحمه الله وجه قول الحسن أن دم المسلم معصوم فكان ينبغي أن يمنع من الرمي إلا أنه لم يمنع لضرورة إقامة الفرض فيتقدر بقدر الضرورة والضرورة في رفع المؤاخذة لا في نفي الضمان كتناول مال ( ( ( ماء ) ) ) الغير حالة المخمصة أنه رخص له التناول لكن يجب عليه الضمان لما ذكرنا كذلك ههنا ولنا أنه كما مست الضرورة إلى دفع المؤاخذة لإقامة فرض القتال مست الضرورة إلى نفي الضمان أيضا لأن وجوب الضمان يمنع من إقامة الفرض لأنهم يمتنعون منه خوفا من لزوم الضمان وإيجاب ما يمنع من إقامة الواجب متناقض وفرض القتال لم يسقط دل أن الضمان ساقط بخلاف حالة المخمصة لأن وجوب الضمان هناك لا يمنع من التناول لأنه لو لم يتناول لهلك وكذا حصل له مثل ما يجب عليه فلا يمنع من التناول فلا يؤدي إلى التناقض ولا ينبغي للمسلمين أن يستعينوا بالكفار على قتال الكفار لأنه لا يؤمن غدرهم إذ العداوة الدينية تحملهم عليه إلا إذا اضطروا إليهم والله تعالى أعلم فصل وأما بيان من يحل قتله من الكفرة ومن لا يحل فنقول الحال لا يخلو إما أن يكون حال القتال أو حال ما بعد الفراغ من القتال وهي ما بعد الأخذ والأسر أما حال القتال فلا يحل فيها قتل امرأة ولا صبي ولا شيخ فان ولا مقعد ولا يابس الشق ولا أعمى ولا مقطوع اليد والرجل من خلاف ولا مقطوع اليد اليمنى ولا معتوه ولا راهب في صومعة ولا سائح في الجبال لا يخالط الناس وقوم في دار أو كنيسة ترهبوا وطبق عليهم الباب

Section V07/P100–V07/P101

أما المرأة والصبي فلقول النبي صلى الله عليه وسلم لا تقتلوا امرأة ولا وليدا وروي أنه عليه الصلاة والسلام رأى في بعض غزواته امرأة مقتولة فأنكر ذلك وقال صلى الله عليه وسلم هاه ما أراها قاتلت فلم قتلت ونهى عن قتل النساء والصبيان ولأن هؤلاء ليسوا من أهل القتال فلا يقتلون ولو قاتل واحد منهم قتل وكذا لو حرض على القتال أو دل على عورات المسلمين أو كان الكفرة ينتفعون برأيه أو كان مطاعا وإن كان امرأة أو صغيرا لوجود القتال من حيث المعنى وقد روي أن ربيعة بن رفيع السلمي رضي الله عنه أدرك دريد بن الصمة يوم حنين فقتله وهو شيخ كبير كالقفة لا ينتفع ( ( ( ينفع ) ) ) إلا برأيه فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه والأصل فيه أن كل من كان من أهل القتال يحل قتله سواء قاتل أو لم يقاتل وكل من لم يكن من أهل القتال لا يحل قتله إلا إذا قاتل حقيقة أو معنى بالرأي والطاعة والتحريض وأشباه ذلك على ما ذكرنا فيقتل القسيس والسياح الذي يخالط الناس والذي يجن ويفيق والأصم والأخرس وأقطع اليد اليسرى وأقطع إحدى الرجلين وإن لم يقاتلوا لأنهم من أهل القتال ولو قتل واحد ممن ذكرنا أنه لا يحل قتله فلا شيء فيه من دية ولا كفارة إلا التوبة والاستغفار لأن دم الكافر لا يتقوم إلا بالأمان ولم يوجد وأما حال ما بعد الفراغ من القتال وهي ما بعد الأسر والأخذ فكل من لا يحل قتله في حال القتال لا يحل قتله بعد الفراغ من القتال وكل من يحل قتله في حال القتال إذا قاتل حقيقة أو معنى يباح قتله بعد الأخذ والأسر إلا الصبي والمعتوه الذي لا يعقل فإنه يباح قتلهما في حال القتال إذا قاتلا حقيقة ومعنى ولا يباح قتلهما بعد الفراغ من القتال إذا أسرا وإن قتلا جماعة من المسلمين في القتال لأن القتل بعد الأسر بطريق العقوبة وهما ليسا من أهل العقوبة فأما القتل في حالة القتال فلدفع شر القتال وقد وجد الشر منهما فأبيح قتلهما لدفع الشر وقد انعدم الشر بالأسر فكان القتل بعده بطريق العقوبة وهما ليسا من أهلها والله سبحانه وتعالى أعلم ويكره للمسلم أن يبتدىء أباه الكافر الحربي بالقتل لقوله تعالى وصاحبهما في الدنيا معروفا أمر سبحانه وتعالى بمصاحبة الأبوين الكافرين بالمعروف والابتداء بالقتل ليس من المصاحبة بالمعروف وروي أن حنظلة رضي الله عنه غسيل الملائكة عليهم الصلاة والسلام استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل أبيه فنهاه عليه الصلاة والسلام ولأن الشرع أمر بإحيائه بالنفقة عليه فالأمر بالقتل فيه إفناؤه يكون متناقضا فإن قصد الأب قتله يدفعه عن نفسه وإن أتى ذلك على نفسه ولا يكره ذلك لأنه من ضرورات الدفع ولكن لا يقصد بالدفع القتل لأنه لا ضرورة إلى القصد والله تعالى أعلم فصل وأما بيان من يسع تركه في دار الحرب ممن لا يحل قتله ومن لا يسع فالأمر فيه لا يخلو من أحد وجهين إما إذا كان الغزاة قادرين على عمل هؤلاء وإخراجهم إلى دار الإسلام وإما إن لم يقدروا عليه فإن قدروا على ذلك فإن كان المتروك ممن يولد له ولد لا يجوز تركهم في دار الحرب لأن في تركهم في دار الحرب عونا لهم على المسلمين باللقاح وإن كان ممن لا يولد له ولد كالشيخ الفاني الذي لا قتال عنده ولا لقاح فإن كان ذا رأي ومشورة فلا يباح تركه في دار الحرب لما فيه من المضرة بالمسلمين لأنهم يستعينون على المسلمين برأيه وإن لم يكن له رأي فإن شاؤوا تركوه فإنه لا مضرة عليهم في تركه وإن شاؤوا أخرجوه لفائدة المفاداة على قول من يرى مفاداة الأسير بالأسير

Section V07/P101–V07/P102

وعلى قول من لا يرى لا يخرجونهم لما أنه لا فائدة في إخراجهم وكذلك العجوز التي لا يرجى ولدها وكذلك الرهبان وأصحاب الصوامع إذا كانوا حضورا لا يلحقون وإن لم يقدر المسلمون على حمل هؤلاء ونقلهم إلى دار الإسلام لا يحل قتلهم ويتركون في دار الحرب لأن الشرع نهى عن قتلهم ولا قدرة على نقلهم فيتركون ضرورة وأما الحيوان والسلاح إذا لم يقدروا على الإخراج إلى دار الإسلام أما الحيوان فيذبح ثم يحرق بالنار لئلا يمكنهم الانتفاع به وأما السلاح فما يمكن إحراقه بالنار يحرق وما لا يحتمل الإحراق كالحديد ونحوه فيدفن بالتراب لئلا يجدوه والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما بيان ما يكره حمله إلى دار الحرب وما لا يكره فنقول ليس للتاجر أن يحمل إلى دار الحرب ما يستعين به أهل الحرب على الحرب من الأسلحة والخيل والرقيق من أهل الذمة وكل ما يستعان به في الحرب لأن فيه إمدادهم وإعانتهم على حرب المسلمين قال الله سبحانه وتعالى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان فلا يمكن من الحمل وكذا الحربي إذا دخل دار الإسلام لا يمكن من أن يشتري السلاح ولو اشترى لا يمكن من أن يدخله دار الحرب لما قلنا إلا إذا كان دخل ( ( ( داخل ) ) ) دار الإسلام بسلاح فاستبدله فينظر في ذلك إن كان الذي استبدله خلاف جنس سلاحه بأن استبدل القوس بالسيف ونحو ذلك لا يمكن من ذلك أصلا وإن كان من جنس سلاحه فإن كان مثله أو أردأ منه يمكن منه وإن كان أجود منه لا يمكن منه لما قلنا ولا بأس بحمل الثياب والمتاع والطعام ونحو ذلك إليهم لانعدام معنى الإمداد والإعانة وعلى ذلك جرت العادة من تجار الأمصار ( ( ( الأعصار ) ) ) أنهم يدخلون دار الحرب للتجارة من غير ظهور الرد والإنكار عليهم إلا أن الترك أفضل لأنهم يستخفون بالمسلمين ويدعونهم إلى ما هم عليه فكان الكف والإمساك عن الدخول من باب صيانة النفس عن الهوان والدين عن الزوال فكان أولى وأما المسافرة بالقرآن العظيم إلى دار الحرب فينظر في ذلك إن كان العسكر عظيما مأمونا عليه لا بأس بذلك لأنهم يحتاجون إلى قراءة القرآن وإذا كان العسكر عظيما يقع الأمن عن الوقوع في أيد ( ( ( أيدي ) ) ) الكفرة والاستخفاف به وإن لم يكن مأمونا عليه كالسرية يكره المسافرة به لما فيه من خوف الوقوع في أيديهم والاستخفاف به فكان الدخول به في دار الحرب تعريضا للاستخفاف بالمصحف الكريم وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يسافر بالقرآن العظيم إلى أرض العدو محمول على المسافرة في هذه الحالة وكذلك حكم إخراج النساء مع أنفسهم إلى دار الحرب على هذا التفصيل إن كان ذلك في جيش عظيم مأمون عليه غير مكروه لأنهم يحتاجون إلى الطبخ والغسل ونحو ذلك وإن كانت سرية لا يؤمن عليها يكره إخراجهن لما قلنا والله تعالى أعلم فصل وأما بيان ما يعترض من الأسباب المحرمة للقتال فنقول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم الأسباب المعترضة المحرمة للقتال أنواع ثلاثة الإيمان والأمان والالتجاء إلى الحرم أما الإيمان فالكلام فيه في موضعين أحدهما في بيان ما يحكم به بكون الشخص مؤمنا والثاني في بيان حكم الإيمان أما الأول فنقول الطرق التي يحكم بها بكون الشخص مؤمنا ثلاثة نص ودلالة وتبعية أما النص فهو أن يأتي بالشهادة أو بالشهادتين أو يأتي بهما مع التبري ( ( ( التبرؤ ) ) ) مما هو عليه صريحا وبيان هذه الجملة أن الكفرة أصناف أربعة صنف منهم ينكرون الصانع أصلا وهم الدهرية المعطلة وصنف منهم يقرون بالصانع وينكرون توحيده وهم الوثنية والمجوس وصنف منهم يقرون بالصانع وتوحيده وينكرون الرسالة رأسا وهم قوم من الفلاسفة وصنف منهم يقرون بالصانع وتوحيده والرسالة في الجملة لكنهم ينكرون رسالة نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام وهم اليهود والنصارى

Questions

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî) · 114 · Qur'an & Sunnah