Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
أما الأول فأصل المحل عند أصحابنا طرفان فقط وهما اليد اليمنى والرجل اليسرى فنقطع ( ( ( فتقطع ) ) ) اليد اليمنى في السرقة الأولى وتقطع الرجل اليسرى في السرقة الثانية ولا يقطع بعد ذلك أصلا ولكنه يضمن السرقة ويعزر ويحبس حتى يحدث توبة عندنا وعند الشافعي رحمه الله الأطراف الأربعة محل القطع على الترتيب فتقطع اليد اليمنى في المرة الأولى وتقطع الرجل اليسرى في المرة الثانية وتقطع اليد اليسرى في المرة الثالثة وتقطع الرجل اليمنى في السرقة الرابعة احتج الشافعي رحمه الله بقوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما والأيدي اسم جمع والاثنان فما فوقهما جماعة على لسان رسول الله وقال الله تعالى إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وأنه لم يكن لكل واحد إلا قلب واحد إلا أن الترتيب في قطع الأيدي ثبت بدليل آخر وهذا لا يخرج اليد اليسرى من أن تكون محلا للقطع في الجملة وروي أن سيدنا أبا بكر رضي الله عنه قطع سارق حلي أسماء وكان أقطع اليد والرجل ولنا ما روي أن سيدنا عليا رضي الله عنه أتي بسارق فقطع يده ثم أتي به الثانية وقد سرق فقطع رجله ثم أتي به الثالثة وقد سرق فقال لا أقطعه إن قطعت يده فبأي شيء يأكل بأي شيء يتمسح وإن قطعت رجله بأي شيء يمشي إني لأستحي من الله فضربه بخشبة وحبسه وروي أن سيدنا عمر رضي الله عنه أتي بسارق أقطع اليد والرجل قد سرق نعالا يقال له سدوم وأراد أن يقطعه فقال له سيدنا علي رضي الله عنه إنما عليه قطع يد ورجل فحبسه سيدنا عمر رضي الله عنه ولم يقطعه وسيدنا عمر وسيدنا علي رضي الله عنهما لم يزيدا في القطع على قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى وكان ذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم ولم ينقل أنه أنكر عليهما منكر فيكون إجماعا من الصحابة رضي الله عنهم ولنا أيضا دلالة الإجماع والمعقول أما دلالة الإجماع فهي أنا أجمعنا على أن اليد اليمنى إذا كانت مقطوعة لا يعدل إلى اليد اليسرى بل إلى الرجل اليسرى ولو كان لليد اليسرى مدخلا في القطع لكان لا يعدل إلا إليها لأنها منصوص عليها ولا يعدل عن المنصوص عليه إلى غيره فدل العدول إلى الرجل اليسرى لا إليها على أنه لا مدخل لها في القطع بالسرقة أصلا وهذا النوع من الاستدلال ذكره الكرخي رحمه الله وأما المعقول فهو أن في قطع اليد اليسرى تفويت جنس منفعة من منافع النفس أصلا وهي منفعة البطش لأنها تفوت بقطع اليد اليسرى بعد قطع اليمنى فتصير النفس في حق هذه المنفعة هالكة فكان قطع اليد اليسرى إهلاك النفس من وجه وكذا قطع الرجل اليمنى بعد قطع الرجل اليسرى تفويت منفعة المشي لأن منفعة المشي تفوت بالكلية فكان قطع الرجل اليمنى إهلاك النفس من كل وجه وإهلاك النفس من كل وجه لا يصلح حدا في السرقة كذا إهلاك النفس من وجه لأن الثابت من وجه ملحق بالثابت من كل وجه في الحدود احتياطا ولا حجة له في الآية الشريفة لأن ابن مسعود رضي الله عنه قرأ < فاقطعوا أيدي ( ( ( أيمانهما ) ) ) لهما > ولا يظن بمثله أن يقرأ ذلك من تلقاء نفسه بل سماعا من رسول الله فخرجت قراءته مخرج التفسير لمبهم الكتاب العزيز وهكذا روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل فاقطعوا أيديهما أنه قال أيمانهما وهكذا روي عن الحسن وإبراهيم رحمهما الله
وأما حديث لا قطع فقد روى الزهري في الموطأ عن سيدتنا عائشة رضي الله عنها أنها قالت لما كان الذي سرق حلي أسماء أقطع اليد اليمنى فقطع سيدنا أبو بكر رضي الله عنه رجله اليسرى وكانت تنكر أن يكون أقطع اليد والرجل ثم إنما تقطع يده اليمنى في الكرة الأولى إذا كانت اليد اليسرى صحيحة يمكنه أن ينتفع بها بعد قطع اليد اليمنى والرجل اليمنى صحيحة يمكنه الانتفاع بها بعد قطع الرجل اليسرى فإن كانت اليد اليسرى مقطوعة أو شلاء أو مقطوعة الإبهام أو أصبعين سوى الإبهام لا تقطع اليد اليمنى لأن القطع في السرقة شرع زاجرا لا مهلكا فإذا لم تكن اليد اليسرى يمكن الانتفاع بها فقطع اليد اليمنى يقع تفويتا لجنس المنفعة وهي منفعة البطش أصلا فيقع إهلاكا للنفس من وجه فلا تقطع ولا يقطع رجله اليسرى أيضا لأنه يذهب أحد الشقين على الكمال فيهلك النفس من وجه ولو كانت اليد اليسرى مقطوعة أصبع واحدة سوى الإبهام تقطع يده اليمنى لأن القطع لا يتضمن فوات جنس المنفعة وكذا إن كانت الرجل اليمنى مقطوعة أو شلاء أو بها عرج يمنع المشي عليها لا تقطع اليد اليمنى لما فيه من فوات الشق ولا رجله اليسرى وإن كانت صحيحة لأنه يبقى بلا رجلين فيفوت جنس المنفعة ولو كانت رجله اليمنى مقطوعة الأصابع كلها فإن كان يستطيع القيام والمشي عليها تقطع يده اليمنى لأن الجنس لا يفوت وإن كان لا يستطيع لا يقطع لفوات الشق ولو كانت يداه صحيحتين ولكن رجله اليسرى مقطوعة أو شلاء أو مقطوعة الإبهام أو الأصابع تقطع يده اليمنى لأن جنس المنفعة لا يفوت ولا فيه فوات الشق أيضا ولو سرق ويمناه شلاء أو مقطوعة الإبهام أو الأصابع لقوله سبحانه وتعالى فاقطعوا أيديهما أي أيمانهما من غير فصل بين يمين ويمين ولأنها لو كانت سليمة تقطع فالناقصة المعيبة أولى بالقطع ثم فرق بين القطع في السرقة وبين الإعتاق في الكفارة حيث جعل فوات أصبعين سوى الإبهام من اليد اليسرى نقصانا مانعا من قطع اليد اليمنى ولم يجعل فوات أصبعين نقصانا مانعا من جواز الإعتاق ما لم يكن ثلاثا وجه الفرق أن القطع حد فهذا القدر من النقصان يورث شبهة بخلاف العتق والله سبحانه وتعالى أعلم ولو قال الحاكم للحداد اقطع يد السارق فقطع اليد اليسرى فهذا على وجهين إما أن قال اقطع يده مطلقا وإما أن قيده فقال اقطع يده اليمنى فإن أطلق فقال له اقطع يده فقطع اليسرى لا ضمان عليه للحال لأنه فعل ما أمر به حيث أمره بقطع اليد وقد قطع اليد وإن قيد فقال اقطع يده اليمنى فقطع اليسرى فإن أخرج السارق يده وقال هذا هو يميني فلا ضمان عليه أيضا لأنه قطع بأمره فلا يضمن كمن قال لآخر اقطع يدي فقطعه لا ضمان عليه كذا هذا وإن لم يخرج السارق يده ولم يقل ذلك ولكنه قطع اليسرى خطأ لا ضمان عليه عند أصحابنا رضي الله عنهم وعند زفر رضي الله عنه يضمن لأن الخطأ في حقوق العباد ليس بعذر ولنا أن هذا خطأ في الاجتهاد لأنه أقام اليسار مقام اليمين باجتهاده متمسكا بظاهر قوله سبحانه وتعالى فاقطعوا أيديهما من غير فصل بين اليمين واليسار فكان هذا خطأ من المجتهد في الاجتهاد وأنه موضوع وموضوع المسألة في هذا الخطأ لا فيما إذا أخطأ فظن اليسار يمينا مع اعتقاد وجوب قطع اليمين ما مع أن عند أبي حنيفة رحمه الله لا يضمن هناك أيضا على ما نبين وإن قطع اليسرى عمدا لا ضمان عليه أيضا عند أبي حنيفة وعندهما يضمن لهما أنه تعمد الظلم بإقامة اليسار مقام اليمين فلم يكن معذورا فيضمن ولأبي حنيفة رضي الله عنه أنه أتلف وأخلف خيرا مما أتلف فلا يضمن كرجلين شهدا على رجل ببيع عبد قيمته ألف بألفين ثم رجعا أنهما لا يضمنان لما قلنا كذا هذا
وإنما قلنا إنه أخلف خيرا مما أتلف لأنه لما قطع اليسرى فقد سلمت له اليمنى لأنها لا تقطع بعد ذلك لأنه لا يؤتى على أطرافه الأربعة واليمنى خير من اليسرى ثم على قول أبي حنيفة عليه الرحمة هل يكون هذا القطع وهو قطع اليسرى قطعا من السرقة حتى إذا هلك المال في يد السارق أو استهلكه لا يضمنه ( ( ( يضمن ) ) ) أو لا يكون من السرقة حتى يضمن اختلف المشايخ فيه قال بعضهم يكون وقال بعضهم لا يكون هذا كله إذا قطع الحداد بأمر الحاكم فأما الأجنبي إذا قطع يده اليسرى فإن كان خطأ تجب الدية وإن كان عمدا يجب القصاص وسقط عنه القطع في اليمين لأنه لو قطع يؤدي إلى إهلاك النفس من وجه على ما بينا ويرد عليه المسروق إن كان قائما وعليه ضمانه في الهلاك لأن المانع من الضمان هو القطع وقد سقط ولو وجب عليه قطع اليد اليمين في السرقة فلم تقطع حتى قطع قاطع يمينه فهذا على وجهين إما أن يكون قبل الخصومة وإما أن يكون بعدها فإن كان قبل الخصومة فعلى قاطعه القصاص إن كان عمدا والأرش إن كان خطأ وتقطع رجله اليسرى في السرقة كأنه سرق ولا يمين له وإن كان بعد الخصومة فإن كان قبل القضاء فكذلك الجواب إلا أنا ههنا لا نقطع رجله اليسرى لأنه لما خوصم كان الواجب في اليمين وقد فاتت فسقط الواجب كما لو ذهب بآفة سماوية وإن كان بعد القضاء فلا ضمان على القاطع لأنه احتسب لإقامة حد الله سبحانه وتعالى فكان قطعه عن السرقة حتى لا يجب الضمان على السارق فيما هلك من مال السرقة في يده أو استهلك وأما الموضع الذي يقطع من اليد اليمنى فهو مفصل الزند عند عامة العلماء رضي الله عنهم وقال بعضهم تقطع الأصابع وقال الخوارج تقطع من المنكب لظاهر قوله سبحانه وتعالى فاقطعوا أيديهما واليد اسم لهذه الجملة والصحيح قولنا لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قطع يد السارق من مفصل الزند فكان فعله بيانا للمراد من الآية الشريفة كأنه نص سبحانه وتعالى فقال فاقطعوا أيديهما من مفصل الزند وعليه عمل الأمة من لدن رسول الله إلى يومنا هذا والله سبحانه وتعالى أعلم وأما بيان من يقيم هذا الحكم فالذي يقيمه الإمام أو من ولاه لأن هذا حد والمتولى لإقامة الحدود الأئمة أو من ولوهم من القضاة والحكام وهذا عندنا وعند الشافعي رحمه الله المولى يملك إقامة الحد على مملوكه والكلام في هذا الفصل استوفيناه في كتاب الحدود وأما بيان ما يسقط الحد بعد وجوبه فنقول ما يسقطه بعد وجوبه أنواع منها تكذيب المسروق منه السارق في إقراره بالسرقة بأن يقول له لم تسرق مني ومنها تكذيبه البينة بأن يقول شهد شهودي بزور لأنه إذا كذب فقد بطل الإقرار والشهادة فسقط القطع ومنها رجوع السارق عن الإقرار بالسرقة فلا يقطع ويضمن المال لأن الرجوع يقبل في الحدود ولا يقبل في المال لأنه يورث شبهة في الإقرار والحد يسقط بالشبهة ولا يسقط المال رجلان أقرا بسرقة ثوب يساوي مائة درهم ثم قال أحدهما الثوب ثوبنا لم نسرقه أو قال هذا لي درىء ( ( ( درئ ) ) ) القطع عنهما لأنهما لما أقرا بالسرقة فقد ثبتت الشركة بينهما في السرقة ثم لما أنكر أحدهما فقد رجع عن إقراره فبطل الحد عنه برجوعه فيورث شبهة في حق الشريك لاتحاد السرقة ولو قال أحدهما سرقنا هذا الثوب من فلان فكذبه الآخر وقال كذبت لم نسرقه قطع المقر وحده في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف لا يقطع واحد منهما وجه قول أبي يوسف أنه أقر بسرقة واحدة بينهما على الشركة فإذا لم تثبت في حق شريكه بإنكاره يؤثر ذلك في حق صاحبه ضرورة اتحاد السرقة
وهذا بخلاف ما إذا أقر بالزنا بامرأة فأنكرت أنه يحد الرجل على أصله لأن إنكار المرأة لا يؤثر في إقرار الرجل إذ ليس من ضرورة عدم الزنا من جانبها عدمه من جانبه كما لو زنا بصبية أو مجنونة بخلاف الإقرار بالسرقة لأن ذلك وجد من أحدهما على وجه الشركة فعدم السرقة من أحدهما يؤثر في حق الآخر وجه قول أبي حنيفة أن إقراره بالشركة في السرقة إقرار بوجود السرقة من كل واحد منهما إلا أنه لما أنكر صاحبه السرقة لم يثبت منه فعل السرقة وعدم الفعل منه لا يؤثر في وجود الفعل من صاحبه فبقي إقرار صاحبه على نفسه بالسرقة فيؤخذ به بخلاف إقرار الرجل على نفسه بالزنا بامرأة وهي تجحد أنه لا يجب الحد على الرجل على أصله لأن الزنا لا يقوم إلا بالرجل والمرأة فإذا أنكرت لم يثبت منها فلا يتصور الوجود من الرجل بخلاف الإقرار بالسرقة على ما بينا والله سبحانه وتعالى أعلم ومنها رد السارق المسروق إلى المالك قبل المرافعة عندهما وإحدى الروايتين عن أبي يوسف وروي عنه أنه لا يسقط ولا خلاف في أن الرد بعد المرافعة لا يسقط الحد وجه رواية أبي يوسف أن السرقة حين وجودها انعقدت موجبة للقطع فرد المسروق بعد ذلك لا يخل بالسرقة الموجودة فلا يسقط القطع الواجب كما لو رده بعد المرافعة ولهما أن الخصومة شرط لظهور السرقة الموجبة للقطع لما بينا فيما تقدم ولما رد المسروق على المالك فقد بطلت الخصومة بخلاف ما بعد المرافعة لأن الشرط وجود الخصومة لا بقاؤها وقد وجدت ومنها ملك السارق المسروق قبل القضاء نحو ما إذا وهب المسروق منه المسروق من السارق قبل القضاء وجملة الكلام فيه أن الأمر لا يخلو إما إن وهبه منه قبل القضاء وإما إن وهبه بعد القضاء قبل الإمضاء فإن وهبه قبل القضاء يسقط القطع بلا خلاف وإن وهبه بعد القضاء قبل الإمضاء يسقط عندهما وقال أبو يوسف لا يسقط وهو قول الشافعي رحمهما الله احتج أبو يوسف بما روي أن سارق رداء صفوان أخذ فأتي به إلى رسول الله فأمر رسول الله أن يقطع يده فقال صفوان يا رسول الله إني لم أرد هذا هو عليه صدقة فقال عليه الصلاة والسلام فهلا قبل أن تأتيني به فدل أن الهبة قبل القضاء تسقط وبعده لا تسقط ولأن وجوب القطع حكم معلق بوجود السرقة وقد تمت السرقة ووقعت موجبة للقطع لاستجماع شرائط الوجوب فطريان الملك بعد ذلك لا يوجب خللا في السرقة الموجودة فبقي القطع واجبا كما كان كما لو رد المسروق على المالك بعد القضاء بخلاف ما قبل القضاء لأن الخصومة شرط ظهور السرقة الموجبة للقطع عند القاضي وقد بطل حق الخصومة وجه قولهما أن القبض شرط لثبوت الملك في الهبة والملك في الهبة يثبت من وقت القبض فيظهر الملك له من ذلك الوقت من كل وجه أو من وجه وكون المسروق ملكا للسارق على الحقيقة أو الشبهة يمنع من القطع ولهذا لم يقطع قبل القضاء فكذلك بعده لأن القضاء في باب الحدود إمضاؤها فما لم يمض فكأنه لم يقض ولو كان لم يقض أليس أنه لا يقطع فكذا إذا لم يمض ولأن الطارىء في باب الحدود ملحق بالمقارن إذا كان في الإلحاق إسقاط الحد وههنا فيه إسقاط الحد فيلحق به وأما الحديث فلا حجة له فيه لأن المروي قوله هو عليه صدقة وقوله هو يحتمل أنه أراد به المسروق ويحتمل أنه أراد به القطع وهبة القطع لا تسقط الحد يدل عليه أنه روي في بعض الروايات أنه قال وهبت القطع وكذا يحتمل أنه تصدق عليه بالمسروق أو وهبه منه ولكنه لم يقبضه والقطع إنما يسقط بالهبة مع القبض وعلى هذا إذا باع المسروق من السارق قبل القضاء أو بعده على الاتفاق والاختلاف ولو زنى بامرأة ثم تزوجها لا يسقط الحد لأن الملك الثابت بالنكاح لا يحتمل الاستناد إلى وقت الوطء فلا تثبت الشبهة في الزنا فيحد
وأما حكم السقوط بعد الثبوت لمانع وهو الشبهة وغيرها فدخول المسروق في ضمان السارق حتى لو هلك في يده بنفسه أو استهلكه السارق يضمن لأن المانع من الضمان هو القطع فإذا سقط القطع زال المانع فيضمن والله أعلم والثاني وجوب رد عين المسروق على صاحبه إذا كان قائما بعينه وجملة الكلام فيه أن المسروق في يد السارق لا يخلو إما إن كان على حاله لم يتغير وإما إن أحدث السارق فيه حدثا فإن كان على حاله رده على المالك لما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال على اليد ما أخذت حتى ترده وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال من وجد عين ماله فهو أحق به وروي أنه عليه الصلاة والسلام رد رداء صفوان رضي الله عنه عليه وقطع السارق فيه وكذلك إن كان السارق قد ملك المسروق رجلا ببيع أو هبة أو صدقة أو تزوج امرأة عليه أو كان السارق امرأته فاختلعت من نفسها به وهو قائم في يد المالك فلصاحبه أن يأخذه لأنه ملكه إذ السرقة لا توجب زوال الملك عن العين المسروقة فكان تمليك السارق باطلا ويرجع المشتري على السارق بالثمن الذي اشتراه به لما مر فإن كان قد هلك في يدي القابض وكان البيع قبل القطع أو بعده فلا ضمان لا على السارق ولا على القابض لما بينا فيما تقدم وإن أحدث السارق فيه حدثا لا يخلو إما إن أحدث حدثا أوجب النقصان وإما إن أحدث حدثا أوجب الزيادة فإن أحدث حدثا أوجب النقصان يقطع وتسترد العين على المالك وليس عليه ضمان النقصان لأن نقصان المسروق هلاك بعضه ولو هلك كله يقطع ولا ضمان عليه كذا إذا هلك البعض ويرد العين لأن القطع لا يمنع الرد ألا ترى أنه لا يمنع رد الكل فكذا البعض وإن أحدث حدثا أوجب الزيادة فالأصل في هذا أن السارق إذا أحدث في المسروق حدثا لو أحدثه الغاصب في المغصوب لا يقطع حق المالك ينقطع حق المسروق منه وإلا فلا إلا أن في باب الغصب يضمن الغاصب للمالك مثل المغصوب أو قيمته وههنا لا يضمن السارق لمانع وهو القطع إذا عرف هذا فنقول السارق إذا قطع الثوب المسروق وخاطه قميصا انقطع حق المالك لأنه لو فعله الغاصب لانقطع حق المغصوب منه كذا إذا فعله السارق ولا ضمان على السارق لما بينا ولو صبغه أحمر أو أصفر فكذلك لا سبيل للمالك على العين المسروقة في قول أبي حنيفة رحمه الله وفي قولهما يأخذ المالك الثوب ويعطيه ما زاد الصبغ فيه وجه قولهما أنه لو وجد هذا من الغاصب لخير المالك بين أن يضمن الغاصب قيمة الثوب وبين أن يأخذ الثوب ويعطيه ما زاد الصبغ فيه إلا أن التضمين ههنا متعذر لضرورة القطع فتعين الوجه الآخر وهو أن يأخذ الثوب ويعطيه ما زاد الصبغ فيه إذ الغصب والسرقة لا يختلفان في هذا الباب إلا في الضمان ولأبي حنيفة الفرق بين الغصب والسرقة ههنا وهو أن حق المغصوب منه إنما لم ينقطع عن الثوب بالصبغ لأن أصل الثوب ملكه وهو متقوم وللغاصب فيه حق متقوم أيضا إلا أنا أثبتنا الخيار للمالك لا للغاصب لأن المالك صاحب أصل والغاصب صاحب وصف وههنا حق السارق في الصبغ متقوم وحق المالك في أصل الثوب ليس بمتقوم في حق السارق لأجل القطع ألا ترى أنه لو أتلفه السارق لا ضمان عليه فاعتبر حق السارق وجعل حق المالك في الأصل تبعا لحقه في الوصف وتعذر تضمينه لضرورة القطع فيكون له مجانا ولكن لا يحل له أن ينتفع بهذا الثوب بوجه من الوجوه
كذا قال أبو حنيفة رحمه الله لأن الثوب على ملك المسروق منه إلا أنه تعذر رده وتضمينه في الحكم والقضاء فما لم يملكه السارق لا يحل له الانتفاع به لأنه ملكه بوجه محظور من غير بدل لتعذر إيجاب الضمان فلا يباح له الانتفاع به ويجوز أن يصير مال إنسان في يد غيره على وجه يخرج من أن يكون واجب الرد والضمان إليه من طريق الحكم والقضاء لكن لا يحل له الانتفاع به فيما بينه وبين الله تبارك وتعالى كالمسلم إذا دخل دار الحرب بأمان فأخذ شيئا من أموالهم لا يحكم عليه بالرد ويلزمه ذلك فيما بينه وبين الله جل جلاله وكذلك الباغي إذا أتلف مال العادل ثم تاب لا يحكم عليه بالضمان ويفتى به فيما بينه وبين الله تبارك وتعالى وكذلك الحربي إذا أتلف شيئا من مالنا ثم أسلم لا يحكم عليه بالرد ويفتى بذلك فيما بينه وبين الله جلت عظمته وكذلك السارق إذا استهلك المسروق لا يقضى عليه بالضمان ولكن يفتى به فيما بينه وبين الله تعالى وكذا قاطع الطريق إذا قتل إنسانا بعصا ثم جاء تائبا بطل عنه الحد ويؤمر بأداء الدية إلى ولي القتيل ولو قتل حربي مسلما بعصا ثم أسلم لا يفتى بدفع الدية إلى الولي بخلاف الباغي وقاطع الطريق والفرق أن القتل من الحربي لم يقع سببا لوجوب الضمان لأن عصمة المقتول لم تظهر في حقه فلا يجب بالإسلام لأنه يجب ما قبله وقال الله تعالى قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف بخلاف قاطع الطريق لأن فعله وقع سببا لوجوب الضمان إلا أنه لا يحكم بالضمان لمانع وهو ضرورة إقامة الحد إلا أن الحد إذا لم يجب لشبهة يحكم بالضمان فيظهر أثر المانع في الحكم والقضاء لا في الفتوى وكذا فعل الباغي وقع سببا لوجوب الضمان لكن لم يحكم بالوجوب لمانع وهو عدم الفائدة لقيام المنعة وهذا المانع يخص الحكم والقضاء فكان الوجوب ثابتا عند الله سبحانه وتعالى فيقضى به وعلى هذا يخرج ما إذا سرق نقرة فضة فضربها دراهم أنه يقطع والدراهم ترد على صاحبها في قول أبي حنيفة وعندهما ينقطع حق المالك عن الدراهم بناء على أن هذا الصنع لا يقطع حق المالك في باب الغصب عنده وعندهما ينقطع ولو سرق حديدا أو صفرا أو نحاسا أو ما أشبه ذلك فضربها أواني ينظر إن كان بعد الصناعة والضرب تباع وزنا فهو على الاختلاف الذي ذكرنا وإن كان تباع عددا فيقطع حق المالك بالإجماع كما في الغصب وعلى هذا إذا سرق حنطة فطحنها وغير ذلك من هذا الجنس وسنذكر جملة ذلك في كتاب الغصب إن شاء الله تعالى والله أعلم بالصواب كتاب قطاع الطريق الكلام في هذا الكتاب على نحو الكلام في كتاب السرقة وذلك في أربعة مواضع في بيان ركن قطع الطريق وفي بيان شرائط الركن وفي بيان ما يظهر به قطع الطريق عند القاضي وفي بيان حكم قطع الطريق فصل أما ركنه فهو الخروج على المارة لأخذ المال على سبيل المغالبة على وجه يمتنع المارة عن المرور وينقطع الطريق سواء كان القطع من جماعة أو من واحد بعد أن يكون له قوة القطع وسواء كان القطع بسلاح أو غيره من العصا والحجر والخشب ونحوها لأن انقطاع الطريق يحصل بكل من ذلك وسواء كان بمباشرة الكل أو التسبيب من البعض بالإعانة والأخذ لأن القطع يحصل بالكل كما في السرقة ولأن هذا من عادة القطاع أعني المباشرة من البعض والإعانة من البعض بالتسمير للدفع فلو لم يلحق التسبب بالمباشرة في سبب وجوب الحد لأدى ذلك إلى انفتاح باب قطع الطريق وانسداد حكمه وأنه قبيح ولهذا ألحق التسبب بالمباشرة في السرقة كذا ههنا فصل وأما الشرائط فأنواع بعضها يرجع إلى القاطع خاصة وبعضها يرجع إلى المقطوع عليه خاصة وبعضها يرجع إليهما جميعا وبعضها يرجع إلى المقطوع له وبعضها يرجع إلى المقطوع فيه
أما الذي يرجع إلى القاضع ( ( ( القاطع ) ) ) خاصة فأنواع منها أن يكون عاقلا ومنها أن يكون بالغا فإن كان صبيا أو مجنونا فلا حد عليهما لأن الحد عقوبة فيستدعي جناية وفعل الصبي والمجنون لا يوصف بكونه جناية ولهذا لم يتعلق به القطع في السرقة كذا هذا ولو كان في القطاع صبي أو مجنون فلا حد على أحد في قولهما وقال أبو يوسف رحمه الله إن كان الصبي هو الذي يلي القطع فكذلك وإن كان غيره حد حد العقلاء البالغين وقد ذكرنا المسألة في كتاب السرقة ومنها الذكورة في ظاهر الرواية حتى لو كانت في القطاع امرأة فوليت القتال وأخذ المال دون الرجال لا يقام الحد عليها في الرواية المشهورة وذكر الطحاوي رحمه الله وقال النساء والرجال في قطع الطريق سواء وعلى قياس قوله تعالى يقام الحد عليها وعلى الرجال وجه ما ذكره الطحاوي أن هذا حد يستوي في وجوبه الذكر والأنثى كسائر الحدود ولأن الحد إن كان هو القطع فلا يشترط في وجوبه الذكورة والأنوثة كسائر الحدود فلا يشترط في وجوبه الذكورة كحد السرقة وإن كان هو القتل فكذلك كحد الزنا وهو الرجم إذا كانت محصنة وجه الرواية المشهورة أن ركن القطع وهو الخروج على المارة على وجه المحاربة والمغالبة لا يتحقق من النساء عادة لرقة قلوبهن وضعف بنيتهن فلا يكن من أهل الحراب ولهذا لا يقتلن في دار الحرب بخلاف السرقة لأنها أخذ المال على وجه الاستخفاء ومسارقة الأعين والأنوثة لا تمنع من ذلك وكذا أسباب سائر الحدود تتحقق من النساء كما تتحقق من الرجال وأما الرجال الذين معها فلا يقام عليهم الحد في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله سواء باشروا معها أو لم يباشروا فرق أبو يوسف بين الصبي وبين المرأة حيث قال إذا باشر الصبي لا حد على من لم يباشر من العقلاء البالغين وإذا باشرت المرأة تحد كالرجال ( ( ( الرجال ) ) ) ووجه الفرق له أن امتناع الوجوب على المرأة ليس لعدم الأهلية لأنها من أهل التكليف ألا ترى أنه تتعلق سائر الحدود بفعلها بل لعدم المحاربة منها أو نقصانها عادة وهذا لم يوجد في الرجال فلا يمتنع وجوب الحد عليهم وامتناع الوجوب على الصبي لعدم أهلية الوجوب لأنه ليس من أهل الإيجاب عليه ولهذا لم يجب عليه سائر الحدود فإذا انتفى الوجوب عليه وهو أصل امتنع التبع ضرورة وجه قولهما أن سبب الوجوب شيء واحد وهو قطع الطريق وقد حصل ممن يجب عليه وممن لا يجب عليه فلا يجب أصلا كما إذا كان فيهم صبي أو مجنون والله سبحانه وتعالى أعلم وأما الحرية فليست بشرط لعموم قوله تبارك وتعالى إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا الآية من غير فصل بين الحر والعبد ولأن الركن وهو قطع الطريق يتحقق من العبد حسب تحققه من الحر فيلزمه حكمه كما يلزم الحر وكذلك الإسلام لما قلنا والله تعالى أعلم فصل وأما الذي يرجع إلى المقطوع عليه خاصة فنوعان أحدهما أن يكون مسلما أو ذميا فإن كان حربيا مستأمنا لا حد على القاطع لأن مال الحربي المستأمن ليس بمعصوم مطلق ( ( ( مطلقا ) ) ) بل في عصمته شبهة العدم لأنه من أهل دار الحرب وإنما العصمة بعارض الأمان مؤقتة إلى غاية العود إلى دار الحرب فكان في عصمته شبهة الإباحة فلا يتعلق الحد بالقطع عليه كما لا يتعلق بسرقة ماله بخلاف الذمي لأن عقد الذمة أفاد له عصمة ماله على التأبيد فتعلق الحد بأخذه كما يتعلق بسرقته والثاني أن تكون يده صحيحة بأن كانت يد ملك أو يد أمانة أو يد ضمان فإن لم تكن صحيحة كيد السارق لا حد على القاطع كما لا حد على السارق على ما مر في كتاب السرقة والله تعالى أعلم فصل وأما الذي يرجع إليهما جميعا فواحد
وهو أن لا يكون في القطاع ذو رحم محرم من أحد من المقطوع عليهم فإن كان لا يجب الحد لأن بينهما تبسطا في المال والحرز لوجود الإذن بالتناول عادة فقد أخذ مالا لم يحرزه عنه الحرز المبني في الحضر ولا السلطان الجاري في السفر فأورث ذلك شبهة في الأجانب لاتحاد السبب وهو قطع الطريق وكان الجصاص يقول جواب الكتاب محمول على ما إذا كان المأخوذ مشتركا بين المقطوع عليهم وفي القطاع من هو ذو رحم محرم من أحدهم فأما إذا كان لكل واحد منهم مال مفرز يجب الحد على الباقين وجواب الكتاب مطلق عن هذا التفصيل والله تعالى أعلم فصل وأما الذي يرجع إلى المقطوع له فما ذكر في كتاب السرقة وهو أن يكون المأخوذ مالا متقوما معصوما ليس فيه لأحد حق الأخذ ولا تأويل التناول ولا تهمة التناول مملوكا لا ملك فيه للقاطع ولا تأويل الملك ولا شبهة الملك محرزا مطلقا بالحافظ ليس فيه شبهة العدم نصابا كاملا عشرة دراهم أو مقدرا بها حتى لو كان المال المأخوذ لا يصيب كل واحد من القطاع عشرة لا حد عليهم وقد ذكرنا دلائل هذه الشرائط والمسائل التي تخرج عليها في كتاب السرقة وشرط الحسن بن زياد في نصاب قطع الطريق أن يكون عشرين درهما فصاعدا وقال عيسى بن زياد إن قتلوا قتلوا وإن كان ما أخذ كل واحد منهم أقل من عشرة وجه قول الحسن أن الشرع قدر نصاب السرقة بعشرة والواجب فيها قطع طرف الواحد وههنا يقطع طرفان فيشترط نصابان وذلك عشرون وجه قول عيسى رحمه الله أنا أجمعنا على أنهم لو قتلوا ولم يأخذوا المال أصلا قتلوا فإذا أخذوا شيئا من المال وإن قل أولى أن يقتلوا ولنا الفرق بين النوعين وهو أنهم لما قتلوا ولم يأخذوا المال أصلا علم أن مقصودهم القتل لا المال والقتل جناية متكاملة في نفسها فيجازى بعقوبة متكاملة وهي القتل ولما أخذوا المال وقتلوا دل أن مقصودهم المال وإنما قتلوا ليتمكنوا من أخذ المال وأخذ المال لا يتكامل جناية إلا إذا كان المأخوذ نصابا كما في السرقة والله تعالى أعلم فصل وأما الذي يرجع إلى المقطوع فيه وهو المكان فنوعان أحدهما أن يكون قطع الطريق في دار الإسلام فإن كان في دار الحرب لا يجب الحد لأن المتولي لإقامة الحد هو الإمام وليس له ولاية في دار الحرب فلا يقدر على الإقامة فالسبب حين وجوده لم ينعقد سببا للوجوب لعدم الولاية فلا يستوفيه في دار الإسلام ولهذا لا يستوفى سائر الحدود في دار الإسلام إذا وجد أسبابها في دار الحرب كذا هذا والثاني أن يكون في غير مصر فإن كان في مصر لا يجب الحد سواء كان القطع نهارا أو ليلا وسواء كان بسلاح أو غيره وهذا استحسان وهو قولهما والقياس أن يجب وهو قول أبي يوسف وجه القياس أن سبب الوجوب قد تحقق وهو قطع الطريق فيجب الحد كما لو كان في غير مصر وجه الاستحسان أن القطع لا يحصل بدون الانقطاع والطريق لا ينقطع في الأمصار وفيما بين القرى لأن المارة لا تمتنع عن المرور عادة فلم يوجد السبب وقيل إنما أجاب أبو حنيفة عليه الرحمة على ما شاهده في زمانه لأن أهل الأمصار كانوا يحملون السلاح فالقطاع ما كانوا يتمكنون من مغالبتهم في المصر والآن ترك الناس هذه العادة فتمكنهم المغالبة فيجري عليهم الحد وعلى هذا قال أبو حنيفة رحمه الله فيمن قطع الطريق بين الحيرة والكوفة أنه لا يجري عليه الحد لأن الغوث كان يلحق هذا الموضع في زمانه لاتصاله بالمصر والآن صار ملتحقا بالبرية فلا يلحق الغوث فيتحقق قطع الطريق والثالث أن يكون بينهم وبين المصر مسيرة سفر فإن كان أقل من ذلك لم يكونوا قطاع الطريق وهذا على قولهما فأما على قول أبي يوسف فليس بشرط ويكونون قطاع الطريق والوجه ما بينا فيجب الحد
وروي عن أبي يوسف في قطاع الطريق في المصر إن قاتلوا نهارا بسلاح يقام عليهم الحد وإن خرجوا بخشب لهم لم يقم عليهم لأن السلاح لا يلبث فلا يلحق الغوث والخشب يلبث فالغوث يلحق وإن قاتلوا ليلا بسلاح أو بخشب يقام عليهم الحد لأن الغوث قلما يلحق بالليل فيستوي فيه السلاح وغيره والله سبحانه وتعالى أعلم ولو أشهر على رجل سلاحا نهارا أو ليلا في غير مصر أو في مصر فقتله المشهور عليه عمدا فلا شيء عليه وكذلك إن شهر عليه عصا ليلا في غير مصر أو في مصر وإن كان نهارا في مصر فقتله المشهور عليه يقتل به والأصل في هذا أن من قصد قتل إنسان لا ينهدر دمه ولكن ينظر إن كان المشهور عليه يمكنه دفعه عن نفسه بدون القتل لا يباح له القتل وإن كان لا يمكنه الدفع إلا بالقتل يباح له القتل لأنه من ضرورات الدفع فإن شهر عليه سيفه يباح له أن يقتله لأنه لا يقدر على الدفع إلا بالقتل ألا ترى أنه لو استغاث الناس لقتله قبل أن يلحقه الغوث إذ السلاح لا يلبث فكان القتل من ضرورات الدفع فيباح قتله فإذا قتله فقد قتل شخصا مباح الدم فلا شيء عليه وكذا إذا شهر ( ( ( أشهر ) ) ) عليه العصا ليلا لأن الغوث لا يلحق بالليل عادة سواء كان في المفازة أو في المصر وإن أشهر عليه نهارا في المصر لا يباح قتله لأنه يمكنه دفع شره بالاستغاثة بالناس وإن كان في المفازة يباح قتله لأنه لا يمكنه الاستغاثة فلا يندفع شره إلا بالقتل فيباح له القتل وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة رضي الله عنهما أنه لو قصد قتله بما لو قتله به لوجب عليه القصاص فقتله المقصود قتله لا يجب عليه القصاص لأنه يباح قتله إذ لو لم يبح لقتله القاصد وإذا قتله يقتل به قصاصا فكان فيه إتلاف نفسين فإذا أبيح قتله كان فيه إتلاف أحدهما فكان أهون ولو قصد قتله بما لو قتله به لكان لا يجب القصاص لا يباح للمقصود قتله أن يقتل القاصد فإن قتله يجب عليه القصاص لأنه ليس في ترك الإباحة ههنا إتلاف نفس فلا يباح فإذا قتله فقد قتل شخصا معصوم الدم على الأبد فيجب القصاص والله تعالى أعلم فصل وأما بيان ما يظهر به القطع عند القاضي فالذي يظهر به البينة أو الإقرار عقيب خصومة صحيحة ولا يظهر بعلم القاضي على ما ذكرنا في كتاب السرقة والله تعالى أعلم فصل وأما حكم قطع الطريق فله حكمان أحدهما يتعلق بالنفس والآخر يتعلق بالمال أما الذي يتعلق بالنفس فهو وجوب الحد والكلام في هذا الحكم في مواضع في بيان أصل هذا الحكم وفي بيان صفاته وفي بيان محل إقامته وفي بيان من يقيمه وفي بيان ما يسقطه بعد الوجوب وفي بيان حكم السقوط بعد الوجوب أو عدم الثبوت لمانع أما أصل الحكم الذي يتعلق بالنفس فلن يمكن الوصول إلى معرفته إلا بعد معرفة أنواع قطع الطريق لأنه يختلف باختلاف أنواعه فنقول وبالله التوفيق قطع الطريق أربعة أنواع إما أن يكون بأخذ المال لا غير وإما أن يكون بالقتل لا غير وإما أن يكون بهما جميعا وإما أن يكون بالتخويف من غير أخذ ولا قتل فمن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف ومن قتل ولم يأخذ المال قتل ومن أخذ المال وقتل قال أبو حنيفة رضي الله عنه الإمام بالخيار إن شاء قطع يده ورجله ثم قتله أو صلبه وإن شاء لم يقطعه ( ( ( يقطه ) ) ) وقتله أو صلبه وقيل إن تفسير الجمع بين القطع والقتل عند أبي حنيفة رحمه الله هو أن يقطعه الإمام ولا يحسم موضع القطع بل يتركه حتى يموت وعندهما يقتل ولا يقطع ومن أخاف ولم يأخذ مالا ولا قتل نفسا ينفى وقال مالك رحمه الله في قاطع الطريق مخير بين الأجزية المذكورة
والأصل فيه قوله عز وجل إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض احتج مالك رحمه الله بظاهر الآية وهو أن الله تبارك وتعالى ذكر الأجزية فيها بحرف ( أو ) وإنها للتخيير كما في كفارة اليمين وكفارة جزاء الصيد فيجب العمل بحقيقة هذا الحرف إلا حيث قام الدليل بخلافها ولنا أنه لا يمكن إجراء الآية على ظاهر التخيير في مطلق المحارب لأن الجزاء على قدر الجناية يزداد بزيادة الجناية وينتقص بنقصانها هذا هو مقتضى العقل والسمع أيضا قال الله تبارك وتعالى وجزاء سيئة سيئة مثلها فالتخيير في الجناية القاصرة بالجزاء في الجزاء الذي هو جزاء في الجناية الكاملة وفي الجناية الكاملة بالجزاء الذي هو جزاء في الجناية القاصرة خلاف المشروع يحققه أن الأمة اجتمعت على أن القطاع لو أخذوا المال وقتلوا لا يجازون بالنفي وحده وإن كان ظاهر الآية يقتضي التخيير بين الأجزية الأربعة ( ( ( الأربع ) ) ) دل أنه لا يمكن العمل بظاهر التخيير على أن التخيير الوارد في الأحكام المختلفة من حيث الصورة بحرف التخيير إنما يجري على ظاهره إذا كان سبب الوجوب واحدا كما في كفارة اليمين وكفارة جزاء الصيد أما إذا كان مختلفا فيخرج مخرج بيان الحكم لكل في نفسه كما في قوله تعالى قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا إن ذلك ليس للتخيير بين المذكورين بل لبيان الحكم لكل في نفسه لاختلاف سبب الوجوب وتأويله إما أن تعذب من ظلم أو تتخذ الحسن فيمن آمن وعمل صالحا ألا ترى إلى قوله أما من ظلم فسوف نعذبه الآية وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى الآية وقطع الطريق متنوع في نفسه وإن كان متحدا من حيث الذات قد يكون بأخذ المال وحده وقد يكون بالقتل لا غير وقد يكون بالجمع بين الأمرين وقد يكون بالتخويف لا غير فكان سبب الوجوب مختلفا فلا يحمل على التخيير بل على بيان الحكم لكل نوع أو يحتمل هذا ويحتمل ما ذكرتم فلا يكون حجة مع الاحتمال وإذا لم يمكن صرفت الآية الشريفة إلى ظاهر التخيير في مطلق المحارب فأما أن يحمل على الترتيب ويضمر في كل حكم مذكور نوع من أنواع قطع الطريق كأنه قال سبحانه وتعالى إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا إن أخذوا المال وقتلوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن أخذوا المال لا غير أو ينفوا من الأرض إن أخافوا هكذا ذكر سيدنا جبريل عليه الصلاة والسلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما قطع أبو بردة رضي الله عنه بأصحابه الطريق على أناس جاءوا يريدون الإسلام أن من قتل قتل ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف ومن قتل وأخذ المال صلب ومن جاء مسلما هدم الإسلام ما كان قبله من الشرك وإلى هذا التأويل يذهب عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وإبراهيم النخعي وإماأن يعمل بظاهر التخيير بين الأجزية الثلاثة لكن في محارب خاص وهو الذي أخذ المال وقتل فكان العمل بظاهر التخيير على هذا الوجه أقرب من ظاهر الآية لأن الله تبارك وتعالى جمع بين القتل وقطع الطريق في الذكر بقوله تبارك وتعالى إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا فالمحاربة هي القتل والفساد في الأرض هو قطع الطريق فأوجب سبحانه وتعالى أحد الأجزية من الفعلين بما ذكر وفيه عمل بحقيقة حرف التخيير وعمل بحقيقة ما أضيف إليه الجزاء وهو ما ذكر سبحانه وتعالى من المحاربة والسعي في الأرض بالفساد فكان أقرب إلى ظاهر الآية إلى هذا التأويل يذهب الحسن وابن المسيب ومجاهد وغيرهم رضي الله عنهم ثم أبو يوسف ومحمد رحمهما الله أخذا بالتأويل الأول وهو تأويل الترتيب في المحارب إذا أخذ المال وقيل إنه يقتل لا غير
لأن سيدنا جبريل عليه السلام ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ما مر وحد قطاع الطريق لم يعرف إلا بهذا النص ولأن أخذ المال والقتل جناية واحدة وهي جناية قطع الطريق فلا يقابل إلا بعقوبة واحدة والقتل والقطع عقوبتان على أنهما إن كانتا جنايتين يجب بكل واحدة منهما جزاء عند الانفراد حقا لله تعالى لكنهما إذا اجتمعا يدخل ما دون النفس في النفس كالسارق إذا زنى وهو محصن وكمن زنا وهو غير محصن ثم أحصن فزنى أنه يرجم لا غير كذا ههنا ولأنه لا فائدة في إقامة القطع لأن ما هو المقصود من الحد وهو الزجر وما هو غير مقصود به وهو التكفير يحصل بالقتل وحده فلا يفيد القطع فلا يشرع وأبو حنيفة رحمه الله أخذ بالتأويل الثاني وهو التخيير بين الأجزية الثلاثة في المحارب الذي جمع بين أخذ المال والقتل وهو أحق التأويلين للآية لما ذكرنا أن فيه عملا بحقيقة حرف التخيير وبحقيقة ما أضيف إليه الجزاء وهو المحاربة والسعي في الأرض بالفساد فكان أقرب إلى ظاهر الآية وإنما عرفنا حكم أخذ المال وحده وحكم القتل وحده لا بهذه الآية الشريفة ولكن بحديث سيدنا جبريل عليه الصلاة والسلام أو غيره أو بالاستدلال بحالة الاجتماع وهو أنه لما وجب الجمع بين الموجبين عند وجود القطعين يجب القبول بإفراد كل واحد منهما عند الانفراد ويمكن أن يقال إنه يقول في تأويل الآية الكريمة بالترتيب فيوجب الصلب بظاهر الآية الشريفة والقطع بالاستدلال بحالة الانفراد أنه يجب على كل واحد منهما فعند الاجتماع يجب أن يجمع إلا أن في بعض المواضع قام دليل إسقاط الأخف ولم يقم ههنا بل قام دليل الوجوب لأن مبنى هذا الباب على التغليظ ألا ترى أنه يجمع بين قطع اليد والرجل في أخذ المال ولا يجمع بينهما في أخذ المال في المصر وكذلك يصلب في القتل وحده ههنا ولم يجب أن يصلب في غيره من القتل في المصر فكذا جاز أن يجمع بين الموجبين عند مباشرة النوعين ههنا دون سائر المواضع والله سبحانه وتعالى أعلم وأما كيفية الصلب فقد روي عن أبي يوسف رحمه الله أنه يصلب حيا ثم يطعن برمح حتى يموت وكذا ذكر الكرخي وعن أبي عبيد أنه يقتل ثم يصلب وكذا ذكر الطحاوي رحمه الله لأن الطلب ( ( ( الصلب ) ) ) حيا من باب المثلة وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن المثلة والصحيح هو الأول لأن الصلب في هذا الباب شرع لزيادة في العقوبة تغليظا والميت ليس من أهل العقوبة ولأنه لو جاز أن يقال يصلب بعد الموت لجاز أن يقال تقطع يده ورجله من خلاف بعد الموت وذلك بعيد فكذا هذا والمراد في المثلة في الحديث قطع بعض الجوارح كذا قاله محمد رحمه الله وقيل إذا صلبه الإمام تركه ثلاثة أيام عبرة للخلق ثم يخلي بينه وبين أهله لأنه بعد الثلاث يتغير فيتضرر به الناس وأما النفي في قوله تبارك وتعالى أو ينفوا من الأرض فقد اختلف أهل التأويل فيه قال بعضهم المراد منه وينفوا من الأرض بحذف الألف ومعناه وينفوا من الأرض بالقتل والصلب إذ هو النفي من وجه الأرض حقيقة وهذا على قول من تأول الآية الشريفة في المحارب الذي أخذ المال وقيل إن الإمام يكون مخيرا بين الأجزية الثلاثة والنفي من الأرض ليس غير واحد من هذه الثلاثة في التخيير لأن بالقتل والصلب يحصل النفي فكذا لا يجوز أن يجعل النفي مشاركا الأجزية الثلاثة في التخيير لأنه لا يزاحم القتل لأنه دونه بكثير وقيل نفيه أن يطرد حتى يخرج من دار الإسلام وهو قول الحسن وعن إبراهيم النخعي رحمه الله في رواية أن نفيه طلبه وبه قال الشافعي رحمه الله أنه يطلب في كل بلد والقولان لا يصحان لأنه إن طلب في البلد الذي قطع الطريق ونفي عنه فقد ألقي ضرره إلى بلد آخر وإن طلب من كل بلد من بلاد الإسلام ونفي عنه يدخل دار الحرب وفيه تعريض له على الكفر وجعله حربا لنا
وهذا لا يجوز وعن النخعي رحمه الله في رواية أخرى أنه يحبس حتى يحدث توبة وفيه نفي عن وجه الأرض مع قيام الحياة إلا عن الموضع الذي حبس فيه ومثل هذا في عرف الناس يسمى نفيا عن وجه الأرض وخروجا عن الدنيا كما أنشد لبعض المحبوسين خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى إذا جاءنا السجان يوما لحاجة عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا فصل وأما صفات هذا الحكم فأنواع منها أنه ينفي وجوب ضمان المال والجراحات عمدا كانت الجراحة أو خطأ أما المال فلأنه لا يجمع بين الحد والضمان عندنا وأما الجراحات إذا كانت خطأ فلأنها توجب الضمان وإن كانت عمدا فلأن الجناية فيما دون النفس يسلك بها مسلك الأموال ولا يجب ضمان المال فكذا ضمان الجراحات وقد ذكرنا ما يتعلق من المسائل بهذا الأصل في كتاب السرقة ومنها أن يجري فيها التداخل حتى لو قطع قطعات فرفع في بعضها فقطعت يده ورجله فيما رفع فيه كان ذلك للقطعات كلها كما في السرقة إلا أن ثمة التداخل لاحتمال عدم الفائدة مع بقاء محل القطع وهو الرجل اليسرى وههنا التداخل لعدم المحل والكلام في الضمان فيما لم يخاصم فيه ما هو الكلام في السرقة أنه إذا كان المال قائما يرده وإن كان هالكا فعلى الاختلاف الذي ذكرنا في كتاب السرقة ومنها أنه لا يحتمل العفة ( ( ( العفو ) ) ) والإسقاط والإبراء والصلح عنه فكل ما وجب على قاطع الطريق من قتل أو قطع أو صلب يستوفى منه سواء عفا الأولياء وأرباب الأموال عن ذلك أو لم يعفوا ( ( ( يعفو ) ) ) وسواء أبرءوا منه أو صالحوا عليه وليس للإمام أيضا إذا ثبت ذلك عنده تركه وإسقاطه والعفو عنه لأن الواجب حد والحدود حقوق الله تبارك وتعالى فلا يعمل فيها العبد ولا صلحه ولا الإبراء عنها فصل وأما محل إقامة هذا الحكم فنقول محل إقامة هذا الحكم يختلف باختلاف الحكم فإن كان الحكم هو القتل بأن قتل أو أخذ المال وقتل أو الحبس بأن لم يأخذ المال ولم يقتل ولكنه خوف لا غير فمحل إقامته النفس وإن كان الحكم هو القطع بأن أخذ المال لا غير فمحل إقامته اليد اليمين ( ( ( اليمنى ) ) ) والرجل اليسرى لقوله تبارك وتعالى أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ويعتبر في ذلك سلامة اليد اليسرى والرجل اليمنى على ما ذكرنا في كتاب السرقة وكذلك حكم فعل الحداد إذا قطع اليد اليسرى مكان اليمنى متعمدا أو مخطئا وحكم فعل الأجنبي إذا قطع اليد اليسرى خطأ أو عمدا ههنا مثل الحكم في السرقة وقد استوفينا الكلام فيه في كتاب السرقة وكذا محل القطع من اليد اليمنى هو المفصل كما في السرقة والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما بيان من يقيم هذا الحكم فالذي يقيمه الإمام أو من ولاه الإمام الإقامة ليس إلى الأولياء ولا إلى أرباب الأموال شيء بل يقيمه الإمام طالب الأولياء وأرباب الأموال بالإقامة أو لم يطالبوا وهذا عندنا وعند الشافعي رحمه الله المولى يملك إقامة الحد على مملوكه من غير تولية الإمام والكلام في هذا الفصل على الاستقصاء ذكرناه في كتاب الحدود فصل وأما بيان ما يسقط هذا الحكم بعد وجوبه فالمسقط له بعد الوجوب أشياء ذكرناها في كتاب السرقة منها تكذيب المقطوع عليه القاطع في إقراره بقطع الطريق أنه لم يقطع عليه الطريق ومنها رجوع القاطع عن إقراره يقطع ( ( ( بقطع ) ) ) الطريق ومنها تكذيب المقطوع عليه البينة ومنها ملك القاطع المقطوع له وهو المال قبل الترافع أو بعده على التفصيل على الاختلاف الذي ذكرناه في كتاب السرقة ومنها توبة القاطع قبل أن يقدر عليه لقوله تعالى إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم أي رجعوا عما فعلوا فندموا على ذلك وعزموا على أن لا يفعلون ( ( ( يفعلوا ) ) ) مثله في المستقبل
فدلت هذه الآية الشريفة على أن قاطع الطريق إذا تاب قبل أن يظفر به يسقط عنه الحد وتوبته برد المال على صاحبه إن كان أخذ المال لا غير مع العزم على أن لا يفعل مثله في المستقبل ويسقط عنه القطع أصلا ويسقط عن القتل حدا وكذلك إن أخذ المال وقتل حتى لم يكن للإمام أن يقتله ولكن يدفعه إلى أولياء القتيل ليقتلوه قصاصا إن كان القتل بسلاح على ما نذكره إن شاء الله تعالى وإن لم يأخذ المال ولم يقتل فتوبته الندم على ما فعل والعزم على ترك مثله في المستقبل وهو أن يأتي الإمام عن طوع واختيار ويظهر التوبة عنده ويسقط عنه الحبس لأن الحبس للتوبة وقد تاب فلا معنى للحبس وكذلك السرقة الصغرى إذا تاب السارق قبل أن يظفر به ورد المال إلى صاحبه يسقط عنه القطع بخلاف سائر الحدود أنها لا تسقط بالتوبة والفرق أن الخصومة شرط في السرقة الصغرى والكبرى لأن محل الجناية خالص حق العباد والخصومة تنتهي بالتوبة والتوبة تمامها برد المال إلى صاحبه فإذا وصل المال إلى صاحبه لم يبق له حق الخصومة مع السارق بخلاف سائر الحدود فإن الخصومة فيها ليست بشرط فعدمها لا يمنع من إقامة الحدود وفي حد القذف إن كانت شرطا لكنها لا تبطل بالتوبة لأن بطلانها برد المال إلى صاحبه ولم يوجد وقد روي عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه كتب إليه عامله بالبصرة إن حارثة بن زيد حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا فكتب إليه سيدنا علي رضي الله عنه أن حارثة قد تاب قبل أن تقدر عليه فلا تتعرض له إلا بخير هذا إذا تاب قاطع الطريق قبل القدرة عليه فأما إذا تاب بعدما قدر عليه بأن أخذ ثم تاب لا يسقط عنه الحد لأن التوبة عن السرقة إذا أخذ المال برد المال على صاحبه وبعد الأخذ لا يكون رد المال بل يكون استردادا منه جبرا فلا يسقط الحد وإذا لم يأخذ المال فهو بعد الأخذ متهم في إظهار التوبة فلا تتحقق توبته والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما حكم سقوط الحد بعد الوجوب وحكم عدم الوجوب لمانع فنقول وبالله التوفيق إذا سقط الحد بعد التوبة قبل أن يقدر عليهم فإن كانوا أخذوا المال لا غير ردوه على صاحبه إن كان قائما وإن كان هالكا أو مستهلكا فعليهم الضمان وإن كانوا قتلوا لا غير يدفع من قتل منهم بسلاح إلى الأولياء ليقتلوه أو يعفو ( ( ( يعفوا ) ) ) عنه ومن قتل بعصا أو حجر فعلى عاقلته الدية لورثة المقتول وإن كانوا أخذوا المال وقتلوا فحكم أخذ المال والقتل عند الاجتماع ما هو حكمهما عند الانفراد وقد ذكرناه وإنما كان كذلك لأن الحد إذا سقط بالتوبة قبل القدرة صار حكم القتل وأخذ المال وهلاكه واستهلاكه ما هو حكمها في غير قطع الطريق ما قلنا وإن كانوا أخذوا المال وجرحوا أو أخذوا المال وقتلوا وجرحوا قوما أو جرحوا قوما ولم يكن منهم أخذ ولا قتل فحكم القتل والمال ما ذكرنا والجراحات فيها القصاص فيما يقدر فيه على القصاص والأرش فيما لا يقدر عليه لأن عند سقوط الحد صار كأن الجراحة حصلت من غير قطع الطريق ولو كان كذلك كان حكمه ما ذكرنا فكذا هذا وكذلك إن قدر عليهم قبل التوبة ولم يكن منهم قتل ولا أخذ مال وقد أخافوا قوما بجراحات يجب القصاص فيما يستطاع فيه الاقتصاص والدية فيما لا يستطاع فيودعون السجن لأن الحبس وجب عليهم تعزيرا لا حدا والتعزير لا تدخل فيه الجراحة بخلاف ما إذا قدر عليهم قبل التوبة وقد قتلوا أو أخذوا المال أو جمعوا بينهما لأن الواجب فيه الحد فيدخل فيه الجراحة وكذلك إذا سقط الحد بالرجوع عن الإقرار لأن الرجوع عن الإقرار يصح في حق سقوط الحد ولا يصح في حق ضمان المال والقصاص فبقي إقراره معتبرا في حقهما
وأما إذا كان السقوط بتكذيب الحجة من الإقرار أو البينة لا شيء عليهم لأن سبب الوجوب لم يثبت لأن ثبوته بالحجة وقد بطلت أصلا ورأسا بخلاف الرجوع عن الإقرار لأن الأصل أن إقرار المقر حجة في حقه إلا أنه تعذر اعتباره بعد الرجوع في حق الحد درءا للحد بالشبهة فبقي معتبرا في حق ضمان المال والقصاص فهو الفرق وعلى هذا حكم عدم الوجوب لمانع بأن فات شرط من شرائط وجوب الحد نحو نقصان النصاب بأن كان المأخوذ من المال لا يصيب كل واحد منهم عشرة دراهم أنهم يردونه إن كان قائما ويضمنون إن كان هالكا أو مستهلكا ومن قتل منهم فإن كان بسلاح فعليه القصاص وإن كان بعصا أو حجر فعلى عاقلته الدية ومن جرح يقتص منه فيما يمكن القصاص وفيما لا يمكن يجب الأرش لما ذكرنا أن الحد إذا امتنع وجوبه فقد حصل الأخذ والقتل والجراحة من غير قطاع الطريق وحكمها في غير قطاع الطريق ما قلنا وكذلك إذا كان في المحاربين صبي أو مجنون حتى امتنع وجوب الحد يدفع كل بالغ عاقل قتل منهم بسلاح إلى الأولياء فيقتلون أو يعفون وإن كان الذي ولي القتل منهم صبي أو مجنون فعلى عاقلته الدية وإن قتل بسلاح لأن الصبي والمجنون ليسا من أهل وجوب القصاص عليهما فكان عمدهما خطأ وإن كانا أخذا المال ضمنا لأنهما من أهل وجوب ضمان المال وكذلك إذا امتنع وجوب الحد على القطاع لمعنى من المعاني رجعوا في ذلك إلى حكم غير القطاع والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما الحكم الذي يتعلق بالمال فهو وجوب الرد إن كان قائما بعينه ولصاحبه أن يأخذه أينما وجده سواء وجده في يد المحارب أو في يد من ملكه المحارب ببيع أو هبة أو غير ذلك ولو تغير المال إلى الزيادة أو النقصان فقد ذكرنا حكمه في كتاب السرقة والله تعالى أعلم كتاب السير وقد يسمى كتاب الجهاد والكلام في هذا الكتاب في مواضع في بيان معنى السير والجهاد لغة وشرعا وفي بيان كيفية الجهاد وفي بيان من يفترض عليه الجهاد وفي بيان ما يندب إليه الإمام عند بعث الجيش أو السرية إلى الجهاد وفي بيان ما يجب على الغزاة الافتتاح به حال شهود الوقعة وفي بيان من يحل قتله من الكفرة ومن لا يحل وفي بيان من يجوز تركه ممن لا يحل قتله في دار الحرب ومن لا يجوز وفي بيان ما يكره حمله إلى دار الحرب وما لا يكره وفي بيان ما يعترض من الأسباب المحرمة للقتال وفي بيان حكم الغنائم وما يتصل بها وفي بيان حكم استيلاء الكفرة على أموال المسلمين وفي بيان أحكام تختلف باختلاف الدارين وفي بيان أحكام المرتدين وفي بيان أحكام الغزاة أما الأول فالسير جمع سيرة والسيرة في اللغة تستعمل في معنيين أحدهما الطريقة يقال هما على سيرة واحدة أي طريقة واحدة والثاني الهيأة ( ( ( الهيئة ) ) ) قال الله سبحانه وتعالى سنعيدها سيرتها الأولى أي هيأتها ( ( ( هيئتها ) ) ) فاحتمل تسمية هذا الكتاب كتاب السير لما فيه من بيان طرق الغزاة وهيآتهم ( ( ( وهيئاتهم ) ) ) مما لهم وعليهم وأما الجهاد في اللغة فعبارة عن بذل الجهد بالضم وهو الوسع والطاقة أو عن المبالغة في العمل من الجهد بالفتح وفي عرف الشرع يستعمل في بذل الوسع والطاقة بالقتال في سبيل الله عز وجل بالنفس والمال واللسان أو غير ذلك أو المبالغة في ذلك والله تعالى أعلم فصل وأما بيان كيفية فرضية الجهاد فالأمر فيه لا يخلو من أحد وجهين إما إن كان النفير عاما وإما إن لم يكن فإن لكم يكن النفير عاما فهو فرض كفاية ومعناه أن يفترض على جميع من هو من أهل الجهاد لكن إذا قام به البعض سقط عن الباقين لقوله عز وجل فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وعد الله عز وجل المجاهدين والقاعدين الحسنى
ولو كان الجهاد فرض عين في الأحوال كلها لما وعد القاعدين الحسنى لأن القعود يكون حراما وقوله سبحانه وتعالى وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين الآية ولأن ما فرض له الجهاد وهو الدعوة إلى الإسلام وإعلاء الدين الحق ودفع شر الكفرة وقهرهم يحصل بقيام البعض به وكذا النبي عليه الصلاة والسلام كان يبعث السرايا ولو كان فرض عين في الأحوال كلها لكان لا يتوهم منه القعود عنه في حال ولا أذن غيره بالتخلف عنه بحال وإذا كان فرضا على الكفاية فلا ينبغي للإمام أن يخلي ثغرا من الثغور من جماعة من الغزاة فيهم غنا ( ( ( غنى ) ) ) وكفاية لقتال العدو فإذا قاموا به يسقط عن الباقين وإن ضعف أهل ثغر عن مقاومة الكفرة وخيف عليهم من العدو فعلى من وراءهم من المسلمين الأقرب فالأقرب أن ينفروا إليهم وأن يمدوهم بالسلاح والكراع والمال لما ذكرنا أنه فرض على الناس كلهم ممن هو من أهل الجهاد لكن الفرض يسقط عنهم بحصول الكفاية بالبعض فما لم يحصل لا يسقط ولا يباح للعبد أن يخرج إلا بإذن مولاه ولا المرأة إلا بإذن زوجها لأن خدمة المولى والقيام بحقوق الزوجية كل ذلك فرض عين فكان مقدما على فرض الكفاية وكذا الولد لا يخرج إلا بإذن والديه أو أحدهما إذا كان الآخر ميتا لأن بر الوالدين فرض عين فكان مقدما على فرض الكفاية والأصل إن كل سفر لا يؤمن فيه الهلاك ويشتد فيه الخطر لا يخل ( ( ( يحل ) ) ) للولد أن يخرج إليه بغير إذن والديه لأنهما يشفقان على ولدهما فيتضرران بذلك وكل سفر لا يشتد فيه الخطر يحل له أن يخرج إليه بغير إذنهما إذ لم يضيعهما لانعدام الضرر ومن مشايخنا من رخص في سفر التعلم بغير إذنهما لأنهما لا يتضرران بذلك بل ينتفعان به فلا يلحقه سمة العقوق هذا إذا لم يكن النفير عاما فأما إذا عم النفير بأن هجم العدو على بلد فهو فرض عين يفترض على كل واحد من آحاد المسلمين ممن هو قادر عليه لقوله سبحانه وتعالى انفروا خفافا وثقالا قيل نزلت في النفير وقوله سبحانه وتعالى ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ولأن الوجوب على الكل قبل عموم النفير ثابت لأن السقوط عن الباقين بقيام البعض به فإذا عم النفير لا يتحقق القيام به إلا بالكل فبقي فرضا على الكل عينا بمنزلة الصوم والصلاة فيخرج العبد بغير إذن مولاه والمرأة بغير إذن زوجها لأن منافع العبد والمرأة في حق العبادات المفروضة عينا مستثناة عن ملك المولى والزوج شرعا كما في الصوم والصلاة وكذا يباح للولد أن يخرج بغير إذن والديه لأن حق الوالدين لا يظهر في فروض الأعيان كالصوم والصلاة والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما بيان من يفترض عليه فنقول إنه لا يفترض إلا على القادر عليه فمن لا قدرة له لا جهاد عليه لأن الجهاد بذل الجهد وهو الوسع والطاقة بالقتال أو المبالغة في عمل القتال ومن لا وسع له كيف يبذل الوسع والعمل فلا يفرض على الأعمى والأعرج والزمن والمقعد والشيخ الهرم والمريض والضعيف والذي لا يجد ما ينفق قال الله سبحانه وتعالى ليس على الأعمى حرج الآية وقال سبحانه وتعالى عز من قائل ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله فقد عذر الله جل شأنه هؤلاء بالتخلف عن الجهاد ورفع الحرج عنهم ولا جهاد على الصبي والمرأة لأن بنيتهما لا تحتمل الحرب عادة وعلى هذا الغزاة إذا جاءهم جمع من المشركين ما لا طاقة لهم به وخافوهم أن يقتلوهم فلا بأس لهم أن ينحازوا إلى بعض أمصار المسلمين أو إلى بعض جيوشهم والحكم في هذا الباب لغالب الرأي وأكبر الظن دون العدد
فإن غلب على ظن الغزاة أنهم يقاومونهم يلزمهم الثبات وإن كانوا أقل عددا منهم وإن كان غالب ظنهم أنهم يغلبون فلا بأس أن ينحازوا إلى المسلمين ليستعينوا بهم وإن كانوا أكثر عددا من الكفرة وكذا الواحد من الغزاة ليس معه سلاح مع اثنين منهم معهما سلاح أو مع واحد منهم من الكفر ( ( ( الكفرة ) ) ) ومعه سلاح لا بأس أن يولي دبره متحيزا إلى فئة والأصل فيه قوله تبارك وتعالى ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير الله عز شأنه نهى المؤمنين عن تولية الأدبار عاما بقوله تبارك وتعالى يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار وأوعد عليهم بقوله سبحانه وتعالى ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله الآية لأن في الكلام تقديما وتأخيرا معناه والله سبحانه وتعالى أعلم يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره فقد باء بغضب من الله ثم استثنى سبحانه وتعالى من ( ( ( ومن ) ) ) يولي دبره لجهة مخصوصة فقال عز من قائل إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة والاستثناء من الحظر إباحة فكان المحظور تولية مخصوصة وهي أن يولي دبره غير محرف ( ( ( متحرف ) ) ) لقتال ولا متحيز إلى فئة فبقيت التولية إلى جهة التحرف والتحيز مستثناة من الحظر فلا تكون محظورة ونظير هذه الآية قوله سبحانه وتعالى من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم أنه على التقديم والتأخير على ما نذكره في كتاب الإكراه إن شاء الله تعالى وبه تبين أن الآية الشريفة غير منسوخة وكذا قوله سبحانه وتعالى إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وقوله وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا ليس بمنسوخ لأن التولية للتحيز إلى فئة خص فيها فلم تكن الآيتان منسوختين والله سبحانه وتعالى أعلم والدليل عليه قوله عليه الصلاة والسلام للذين فروا إلى المدينة وهو فيها أنتم الكرارون أنا فئة كل مسلم أخبر عليه الصلاة والسلام أن المتحيز إلى فئة كرار وليس بفرار من الزحف فلا يلحقه الوعيد وعلى هذا إذا كانت الغزاة في سفينة فاحترقت السفينة وخافوا الغرق حكموا فيه غالب رأيهم وأكبر ظنهم فإن غلب على رأيهم أنهم لو طرحوا أنفسهم في البحر لينجو ( ( ( لينجوا ) ) ) بالسباحة وجب عليهم الطرح ( ( ( الطرق ) ) ) ليسبحوا فيتحيزوا إلى فئة وإن استوى جانبا الحرق والغرق بأن كان إذا قاموا حرقوا وإذا طرحوا غرقوا فلهم الخيار عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد رحمه الله لا يجوز لهم أن يطرحوا أنفسهم في الماء وجه قوله أنهم لو ألقوا أنفسهم في الماء لهلكوا ولو أقاموا في السفينة لهلكوا أيضا إلا أنهم لو طرحوا لهلكوا بفعل أنفسهم ولو صبروا لهلكوا بفعل العدو فكان الصبر أقرب إلى الجهاد فكان أولى وجه قولهما أنه استوى الجانبان في الإفضاء إلى الهلاك فيثبت لهم الخيار لجواز أن يكون الهلاك بالغرق أرفق قوله لو أقاموا لهلكوا بفعل العدو قلنا ( ( ( وقلنا ) ) ) ولو طرحوا لهلكوا بفعل العدو أيضا إذ العدو هو الذي ألجأهم إليه فكان الهلاك في الحالين مضافا إلى فعل العدو ثم قد يكون الهلاك بالغرق أسهل فيثبت لهم الخيار ولو طعن مسلم برمح فلا بأس بأن يمشي إلى من طعنه من الكفرة حتى يجهزه لأنه يقصد بالمشي إليه بذل نفسه لإعزاز دين الله سبحانه وتعالى وتحريض المؤمنين على أن لا يبخلوا بأنفسهم في قتال أعداء الله فكان جائزا والله أعلم فصل وأما بيان ما يندب إليه الإمام عند بعث الجيش أو السرية
إلى الجهاد فنقول وبالله التوفيق إنه يندب إلى أشياء منها أن يؤمر عليهم أميرا لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما بعث جيشا إلا وأمر عليهم أميرا لأن الحاجة إلى الأمير ماسة لأنه لا بد من تنفيذ الأحكام وسياسة الرعية ولا يقوم ذلك إلا بالأمير لتعذر الرجوع في كل حادثة إلى الإمام ومنها أن يكون الذي يؤمر عليهم عالما بالحلال والحرام عدلا عارفا بوجوه السياسات بصيرا بتدابير الحروب وأسبابها لأنه لو لم يكن بهذه الصفة لا يحصل ما ينصب له الأمير ومنها أن يوصيه بتقوى الله عز شأنه في خاصة نفسه وبمن معه من المؤمنين خيرا كذا روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا بعث جيشا أوصاه بتقوى الله سبحانه وتعالى في نفسه خاصة وبمن معه من المؤمنين خيرا ولأن الإمارة أمانة عظيمة فلا يقوم بها إلا المتقي وإذا أمر عليهم يكلفهم طاعة الأمير فيما يأمرهم به وينهاهم عنه لقول الله تبارك وتعالى يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم وقال عليه الصلاة والسلام اسمعوا وأطيعوا ولو أمر عليكم عبد حبشي أجدع ما حكم فيكم بكتاب الله تعالى ولأنه نائب الإمام وطاعة الإمام لازمة كذا طاعته لأنها طاعة الإمام إلا أن يأمرهم بمعصية فلا تجوز طاعتهم إياه فيها لقوله عليه الصلاة والسلام لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ولو أمرهم بشيء لا يدرون أينتفعون به أم لا فينبغي لهم أن يطيعوه فيه إذا لم يعلموا كونه معصية لأن اتباع الإمام في محل الاجتهاد واجب كاتباع القضاة في مواضع الاجتهاد والله تعالى عز شأنه أعلم فصل وأما بيان ما يجب على الغزاة الافتتاح به حالة الوقعة ولقاء العدو فنقول وبالله التوفيق إن الأمر فيه لا يخلو من أحد وجهين إما إن كانت الدعوة قد بلغتهم وإما إن كانت لم تبلغهم فإن كانت الدعوة لم تبلغهم فعليهم الافتتاح بالدعوة إلى الإسلام باللسان لقول الله تبارك وتعالى ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ولا يجوز لهم القتال قبل الدعوة لأن الإيمان وإن وجب عليهم قبل بلوغ الدعوة بمجرد العقل فاستحقوا القتل بالامتناع لكن الله تبارك وتعالى حرم قتالهم قبل بعث الرسول عليه الصلاة والسلام وبلوغ الدعوة إياهم فضلا منه ومنة قطعا لمعذرتهم بالكلية وإن كان لا عذر لهم في الحقيقة لما أقام سبحانه وتعالى من الدلائل العقلية التي لو تأملوها حق التأمل ونظروا فيها لعرفوا حق الله تبارك وتعالى عليهم لكن تفضل عليهم بإرسال الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين لئلا يبقى لهم شبهة عذر لقالوا ( ( ( فيقولوا ) ) ) ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك وإن لم يكن لهم أن يقولوا ذلك في الحقيقة لما بينا ولأن القتال ما فرض لعينه بل للدعوة إلى الإسلام والدعوة دعوتان دعوة بالبنان وهي القتال ودعوة بالبيان وهو اللسان وذلك بالتبليغ والثانية أهون من الأولى لأن في القتال مخاطرة الروح والنفس والمال وليس في دعوة التبليغ شيء من ذلك فإذا احتمل حصول المقصود بأهون الدعوتين لزم الافتتاح بها هذا إذا كانت الدعوة لم تبلغهم فإن كانت قد بلغتهم جاز لهم أن يفتتحوا القتال من غير تجديد الدعوة لما بينا أن الحجة لازمة والعذر في الحقيقة منقطع وشبهة العذر انقطعت بالتبليغ مرة لكن مع هذا الأفضل أن لا يفتتحوا القتال إلا بعد تجديد الدعوة لرجاء الإجابة في الجملة وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يقاتل الكفرة حتى يدعوهم إلى الإسلام فيما كان دعاهم غير مرة دل أن الافتتاح بتجديد الدعوة أفضل ثم إذا دعوهم إلى الإسلام فإن أسلموا كفوا عنهم القتال لقوله عليه الصلاة والسلام أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها
وقوله عليه السلام من قال لا إله إلا الله فقد عصم مني دمه وماله فإن أبوا الإجابة إلى الإسلام دعوهم إلى الذمة إلا مشركي العرب والمرتدين لما نذكره إن شاء الله تعالى بعد فإن أجابوا كفوا عنهم لقوله عليه السلام فإن قبلوا عقد الذمة فأعلمهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين وإن أبوا استعانوا بالله سبحانه وتعالى على قتالهم ووثقوا بعهد الله سبحانه وتعالى النصر لهم بعد أن بذلوا جهدهم واستفرغوا وسعهم وثبتوا وأطاعوا الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وذكروا الله كثيرا على ما قال تبارك وتعالى يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ولهم أن يقاتلوهم وإن لم يبدؤوا ( ( ( يبدءوا ) ) ) بالدعوة لقول الله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وسواء كان في الأشهر الحرم أو في غيرها لأن حرمة القتال في الأشهر الحرم صارت منسوخة بآية السيف وغيرها من آيات القتال ولا بأس بالإغارة والبيات عليهم ولا بأس بقطع أشجارهم المثمرة وغير المثمرة وإفساد زروعهم لقوله تبارك وتعالى ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين أذن سبحانه وتعالى بقطع النخيل في صدر الآية الشريفة ونبه في آخرها أن ذلك يكون كبتا وغيظا للعدو بقوله تبارك وتعالى وليخزي الفاسقين ولا بأس بإحراق حصونهم بالنار وإغراقها بالماء وتخريبها وهدمها عليهم ونصب المنجنيق عليها لقوله تبارك وتعالى يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ولأن كل ذلك من باب القتال لما فيه من قهر العدو وكبتهم وغيظهم ولأن حرمة الأموال لحرمة أربابها ولا حرمة لأنفسهم حتى يقتلون فكيف لأموالهم ولا بأس برميهم بالنبال وإن علموا أن فيهم مسلمين من الأسارى والتجار لما فيه من الضرورة إذ حصون الكفرة قلما تخلو من مسلم أسير أو تاجر فاعتباره يؤدي إلى انسداد باب الجهاد ولكن يقصدون بذلك الكفرة دون المسلمين لأنه لا ضرورة في القصد إلى قتل مسلم بغير حق وكذا إذا تترسوا بأطفال المسلمين فلا بأس بالرمي إليهم لضرورة إقامة الفرض لكنهم يقصدون الكفار دون الأطفال فإن رموهم فأصاب مسلما فلا دية ولا كفارة وقال الحسن بن زياد رحمه الله تجب الدية والكفارة وهو أحد قولي الشافعي رحمه الله وجه قول الحسن أن دم المسلم معصوم فكان ينبغي أن يمنع من الرمي إلا أنه لم يمنع لضرورة إقامة الفرض فيتقدر بقدر الضرورة والضرورة في رفع المؤاخذة لا في نفي الضمان كتناول مال ( ( ( ماء ) ) ) الغير حالة المخمصة أنه رخص له التناول لكن يجب عليه الضمان لما ذكرنا كذلك ههنا ولنا أنه كما مست الضرورة إلى دفع المؤاخذة لإقامة فرض القتال مست الضرورة إلى نفي الضمان أيضا لأن وجوب الضمان يمنع من إقامة الفرض لأنهم يمتنعون منه خوفا من لزوم الضمان وإيجاب ما يمنع من إقامة الواجب متناقض وفرض القتال لم يسقط دل أن الضمان ساقط بخلاف حالة المخمصة لأن وجوب الضمان هناك لا يمنع من التناول لأنه لو لم يتناول لهلك وكذا حصل له مثل ما يجب عليه فلا يمنع من التناول فلا يؤدي إلى التناقض ولا ينبغي للمسلمين أن يستعينوا بالكفار على قتال الكفار لأنه لا يؤمن غدرهم إذ العداوة الدينية تحملهم عليه إلا إذا اضطروا إليهم والله تعالى أعلم فصل وأما بيان من يحل قتله من الكفرة ومن لا يحل فنقول الحال لا يخلو إما أن يكون حال القتال أو حال ما بعد الفراغ من القتال وهي ما بعد الأخذ والأسر أما حال القتال فلا يحل فيها قتل امرأة ولا صبي ولا شيخ فان ولا مقعد ولا يابس الشق ولا أعمى ولا مقطوع اليد والرجل من خلاف ولا مقطوع اليد اليمنى ولا معتوه ولا راهب في صومعة ولا سائح في الجبال لا يخالط الناس وقوم في دار أو كنيسة ترهبوا وطبق عليهم الباب
أما المرأة والصبي فلقول النبي صلى الله عليه وسلم لا تقتلوا امرأة ولا وليدا وروي أنه عليه الصلاة والسلام رأى في بعض غزواته امرأة مقتولة فأنكر ذلك وقال صلى الله عليه وسلم هاه ما أراها قاتلت فلم قتلت ونهى عن قتل النساء والصبيان ولأن هؤلاء ليسوا من أهل القتال فلا يقتلون ولو قاتل واحد منهم قتل وكذا لو حرض على القتال أو دل على عورات المسلمين أو كان الكفرة ينتفعون برأيه أو كان مطاعا وإن كان امرأة أو صغيرا لوجود القتال من حيث المعنى وقد روي أن ربيعة بن رفيع السلمي رضي الله عنه أدرك دريد بن الصمة يوم حنين فقتله وهو شيخ كبير كالقفة لا ينتفع ( ( ( ينفع ) ) ) إلا برأيه فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه والأصل فيه أن كل من كان من أهل القتال يحل قتله سواء قاتل أو لم يقاتل وكل من لم يكن من أهل القتال لا يحل قتله إلا إذا قاتل حقيقة أو معنى بالرأي والطاعة والتحريض وأشباه ذلك على ما ذكرنا فيقتل القسيس والسياح الذي يخالط الناس والذي يجن ويفيق والأصم والأخرس وأقطع اليد اليسرى وأقطع إحدى الرجلين وإن لم يقاتلوا لأنهم من أهل القتال ولو قتل واحد ممن ذكرنا أنه لا يحل قتله فلا شيء فيه من دية ولا كفارة إلا التوبة والاستغفار لأن دم الكافر لا يتقوم إلا بالأمان ولم يوجد وأما حال ما بعد الفراغ من القتال وهي ما بعد الأسر والأخذ فكل من لا يحل قتله في حال القتال لا يحل قتله بعد الفراغ من القتال وكل من يحل قتله في حال القتال إذا قاتل حقيقة أو معنى يباح قتله بعد الأخذ والأسر إلا الصبي والمعتوه الذي لا يعقل فإنه يباح قتلهما في حال القتال إذا قاتلا حقيقة ومعنى ولا يباح قتلهما بعد الفراغ من القتال إذا أسرا وإن قتلا جماعة من المسلمين في القتال لأن القتل بعد الأسر بطريق العقوبة وهما ليسا من أهل العقوبة فأما القتل في حالة القتال فلدفع شر القتال وقد وجد الشر منهما فأبيح قتلهما لدفع الشر وقد انعدم الشر بالأسر فكان القتل بعده بطريق العقوبة وهما ليسا من أهلها والله سبحانه وتعالى أعلم ويكره للمسلم أن يبتدىء أباه الكافر الحربي بالقتل لقوله تعالى وصاحبهما في الدنيا معروفا أمر سبحانه وتعالى بمصاحبة الأبوين الكافرين بالمعروف والابتداء بالقتل ليس من المصاحبة بالمعروف وروي أن حنظلة رضي الله عنه غسيل الملائكة عليهم الصلاة والسلام استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل أبيه فنهاه عليه الصلاة والسلام ولأن الشرع أمر بإحيائه بالنفقة عليه فالأمر بالقتل فيه إفناؤه يكون متناقضا فإن قصد الأب قتله يدفعه عن نفسه وإن أتى ذلك على نفسه ولا يكره ذلك لأنه من ضرورات الدفع ولكن لا يقصد بالدفع القتل لأنه لا ضرورة إلى القصد والله تعالى أعلم فصل وأما بيان من يسع تركه في دار الحرب ممن لا يحل قتله ومن لا يسع فالأمر فيه لا يخلو من أحد وجهين إما إذا كان الغزاة قادرين على عمل هؤلاء وإخراجهم إلى دار الإسلام وإما إن لم يقدروا عليه فإن قدروا على ذلك فإن كان المتروك ممن يولد له ولد لا يجوز تركهم في دار الحرب لأن في تركهم في دار الحرب عونا لهم على المسلمين باللقاح وإن كان ممن لا يولد له ولد كالشيخ الفاني الذي لا قتال عنده ولا لقاح فإن كان ذا رأي ومشورة فلا يباح تركه في دار الحرب لما فيه من المضرة بالمسلمين لأنهم يستعينون على المسلمين برأيه وإن لم يكن له رأي فإن شاؤوا تركوه فإنه لا مضرة عليهم في تركه وإن شاؤوا أخرجوه لفائدة المفاداة على قول من يرى مفاداة الأسير بالأسير
وعلى قول من لا يرى لا يخرجونهم لما أنه لا فائدة في إخراجهم وكذلك العجوز التي لا يرجى ولدها وكذلك الرهبان وأصحاب الصوامع إذا كانوا حضورا لا يلحقون وإن لم يقدر المسلمون على حمل هؤلاء ونقلهم إلى دار الإسلام لا يحل قتلهم ويتركون في دار الحرب لأن الشرع نهى عن قتلهم ولا قدرة على نقلهم فيتركون ضرورة وأما الحيوان والسلاح إذا لم يقدروا على الإخراج إلى دار الإسلام أما الحيوان فيذبح ثم يحرق بالنار لئلا يمكنهم الانتفاع به وأما السلاح فما يمكن إحراقه بالنار يحرق وما لا يحتمل الإحراق كالحديد ونحوه فيدفن بالتراب لئلا يجدوه والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما بيان ما يكره حمله إلى دار الحرب وما لا يكره فنقول ليس للتاجر أن يحمل إلى دار الحرب ما يستعين به أهل الحرب على الحرب من الأسلحة والخيل والرقيق من أهل الذمة وكل ما يستعان به في الحرب لأن فيه إمدادهم وإعانتهم على حرب المسلمين قال الله سبحانه وتعالى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان فلا يمكن من الحمل وكذا الحربي إذا دخل دار الإسلام لا يمكن من أن يشتري السلاح ولو اشترى لا يمكن من أن يدخله دار الحرب لما قلنا إلا إذا كان دخل ( ( ( داخل ) ) ) دار الإسلام بسلاح فاستبدله فينظر في ذلك إن كان الذي استبدله خلاف جنس سلاحه بأن استبدل القوس بالسيف ونحو ذلك لا يمكن من ذلك أصلا وإن كان من جنس سلاحه فإن كان مثله أو أردأ منه يمكن منه وإن كان أجود منه لا يمكن منه لما قلنا ولا بأس بحمل الثياب والمتاع والطعام ونحو ذلك إليهم لانعدام معنى الإمداد والإعانة وعلى ذلك جرت العادة من تجار الأمصار ( ( ( الأعصار ) ) ) أنهم يدخلون دار الحرب للتجارة من غير ظهور الرد والإنكار عليهم إلا أن الترك أفضل لأنهم يستخفون بالمسلمين ويدعونهم إلى ما هم عليه فكان الكف والإمساك عن الدخول من باب صيانة النفس عن الهوان والدين عن الزوال فكان أولى وأما المسافرة بالقرآن العظيم إلى دار الحرب فينظر في ذلك إن كان العسكر عظيما مأمونا عليه لا بأس بذلك لأنهم يحتاجون إلى قراءة القرآن وإذا كان العسكر عظيما يقع الأمن عن الوقوع في أيد ( ( ( أيدي ) ) ) الكفرة والاستخفاف به وإن لم يكن مأمونا عليه كالسرية يكره المسافرة به لما فيه من خوف الوقوع في أيديهم والاستخفاف به فكان الدخول به في دار الحرب تعريضا للاستخفاف بالمصحف الكريم وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يسافر بالقرآن العظيم إلى أرض العدو محمول على المسافرة في هذه الحالة وكذلك حكم إخراج النساء مع أنفسهم إلى دار الحرب على هذا التفصيل إن كان ذلك في جيش عظيم مأمون عليه غير مكروه لأنهم يحتاجون إلى الطبخ والغسل ونحو ذلك وإن كانت سرية لا يؤمن عليها يكره إخراجهن لما قلنا والله تعالى أعلم فصل وأما بيان ما يعترض من الأسباب المحرمة للقتال فنقول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم الأسباب المعترضة المحرمة للقتال أنواع ثلاثة الإيمان والأمان والالتجاء إلى الحرم أما الإيمان فالكلام فيه في موضعين أحدهما في بيان ما يحكم به بكون الشخص مؤمنا والثاني في بيان حكم الإيمان أما الأول فنقول الطرق التي يحكم بها بكون الشخص مؤمنا ثلاثة نص ودلالة وتبعية أما النص فهو أن يأتي بالشهادة أو بالشهادتين أو يأتي بهما مع التبري ( ( ( التبرؤ ) ) ) مما هو عليه صريحا وبيان هذه الجملة أن الكفرة أصناف أربعة صنف منهم ينكرون الصانع أصلا وهم الدهرية المعطلة وصنف منهم يقرون بالصانع وينكرون توحيده وهم الوثنية والمجوس وصنف منهم يقرون بالصانع وتوحيده وينكرون الرسالة رأسا وهم قوم من الفلاسفة وصنف منهم يقرون بالصانع وتوحيده والرسالة في الجملة لكنهم ينكرون رسالة نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام وهم اليهود والنصارى