Qur'an&Sunnah

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)

Section V01/P195–V01/P196

وأما فيما وراء العصر من يوم النحر فلا تخصيص لاختلاف الصحابة وتردد التكبير بين السنة والبدعة فوقع الشك في دليل التخصيص فلا يترك العمل بدليل عموم قوله تعالى ادعوا ربكم تضرعا وخفية وبه تبين أن الاحتياط في الترك لا في الإتيان لأن ترك السنة أولى من إتيان البدعة وأما قولهم إن أمر المناسك إنما ينتهي بالرمي فنقول ركن الحج الوقوف بعرفة وطواف الزيارة وإنما يحصلان في هذين الوقتين ( ( ( اليومين ) ) ) فأما الرمي فمن توابع الحج فيعتبر في التكبير وقت الركن لا وقت التوابع وأما الآية فقد اختلف أهل التأويل فيها قال بعضهم المراد من الآية الذكر على الأضاحي وقال بعضهم المراد منها الذكر عند رمي الجمار دليله قوله تعالى ( في آخر الآية ) فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه والتعجل والتأخير إنما يقعان في رمي الجمار لا في التكبير فصل وأما محل أدائه فدبر الصلاة وإثرها وفورها من غير أن يتخلل ما يقطع حرمة الصلاة حتى لو قهقه أو أحدث متعمدا أو تكلم عامدا أو ساهيا أو خرج من المسجد أو جاوز الصفوف في الصحراء لا يكبر لأن التكبير من خصائص الصلاة حيث لا يؤتى به إلا عقيب الصلاة فيراعى لإتيانه حرمة الصلاة وهذه العوارض تقطع حرمة الصلاة فيقطع التكبير ولو صرف وجهه عن القبلة ولم يخرج من المسجد ولم يجاوز الصفوف أو سبقه الحدث يكبر لأن حرمة الصلاة باقية لبقاء التحريمة ألا ترى أنه يبني والأصل أن كل ما يقطع البناء يقطع التكبير وما لا فلا وإذا سبقه الحدث فإن شاء ذهب فتوضأ ورجع فكبر وإن شاء كبر من غير تطهير لأنه لا يؤدي في تحريمة الصلاة فلا تشترط له الطهارة قال الشيخ الإمام الزاهد السرخسي رحمه الله والأصح عندي أنه يكبر ولا يخرج من المسجد للطهارة لأن التكبير لما لم يفتقر إلى الطهارة كان خروجه مع عدم الحاجة قاطعا لفور الصلاة فلا يمكنه التكبير بعد ذلك فيكبر للحال جزما ولو نسي الإمام التكبير فللقوم أن يكبروا وقد ابتلي به أبو يوسف رحمه الله تعالى ذكر في الجامع الصغير قال يعقوب صليت بهم المغرب فقمت وسهوت أن كبر فكبر أبو حنيفة رحمه الله تعالى وفرق بين هذا وبين سجدتي السهو إذا سلم الإمام وعليه سهو فلم يسجد لسهوه ليس للقوم أن يسجدوا حتى لو قام وخرج من المسجد أو تكلم سقط عنه وعنهم والفرق أن سجود السهو جزء من أجزاء الصلاة لأنه قائم مقام الجزء الفائت من الصلاة والجابر يكون بمحل النقص ولهذا يؤدى في تحريمة الصلاة بالإجماع إما لأنه لم يخرج أو لأنه عاد وشيء من الصلاة لا يؤدى بعد انقطاع التحريمة ولا تحريمة بعد قيام الإمام فلا يأتي ( ( ( يتأتى ) ) ) به المقتدي فأما التكبير فليس من أجزاء الصلاة فيشترط له التحريمة ويوجب المتابعة لأنه يؤتى به بعد التحلل فلا يجب فيه متابعة الإمام غير أنه إن أتى به الإمام يتبعه في ذلك لأنه يؤتى به عقيب الصلاة متصلا بها فيندب إلى اتباع من كان متبوعا في الصلاة فإذا لم يأت به الإمام أتى به القوم لانعدام المتابعة بانقطاع التحريمة كالسامع مع التالي أي إن سجد التالي يسجد معه السامع وإن لم يسجد التالي يأتي به السامع كذا ههنا ولهذا لا يتبع المقتدي رأى إمامه حتى إن الإمام لو رأى رأي ابن مسعود والمقتدي يرى رأي علي فصلى صلاة بعد يوم النحر فلم يكبر الإمام اتباعا لرأيه يكبر المقتدي اتباعا لرأي نفسه لأنه ليس بتابع لانقطاع التحريمة التي بها صار تابعا له فكذلك ( ( ( فكذا ) ) ) هذا وعلى هذا إذا كان محرما وقد سها في صلاته سجد ثم كبر ثم لبى لأن سجود السهو يؤتى به في تحريمة الصلاة لما ذكرنا ولهذا يسلم بعده ولو اقتدى به إنسان في سجود السهو صح اقتداؤه

Section V01/P196–V01/P197

فأما التكبير والتلبية فكل واحد منهما يؤتى به بعد الفراغ من الصلاة ولهذا لا يسلم بعده ولا يصح اقتداء المقتدي به اتباعا لرأي نفسه لأنه ليس بتابع له لانقطاع التحريمة التي بها صار تابعا له فكذلك هذا وعلى هذا إذا كان محرما وقد سها به في حال التكبير والتلبية فيقدم السجدة ثم يأتي بالتكبير ثم بالتلبية لأن التكبير وإن كان يؤتى به خارج الصلاة فهو من خصائص الصلاة فلا يؤتى به إلا عقيب الصلاة والتلبية ليست من خصائص الصلاة بل يؤتى بها عند اختلاف الأحوال كلما هبط واديا أو علا شرفا أو لقي ركبا وما كان من خصائص الشيء يجعل كأنه منه فيجعل التكبير كأنه من الصلاة وما لم يفرغ من الصلاة لم يوجد اختلاف الحال فكذا ما لم يفرغ من التكبير يجعل كأنه لم يتبدل الحال فلا يأتي بالتلبية ولو سها وبدأ بالتكبير قبل السجدة لا يوجب ذلك قطع صلاته وعليه سجدتا السهو لأن التكبير ليس من كلام الناس ولو لبى أولا فقد انقطعت صلاته وسقطت عنه سجدتا السهو والتكبير لأن التلبية تشبه كلام الناس لأنها في الوضع جواب لكلام الناس وغيرها من كلام الناس يقطع الصلاة فكذا هي وتسقط سجدة السهو لأنها لم تشرع إلا في التحريمة ولا تحريمة ويسقط التكبير أيضا لأنه غير مشروع إلا متصلا بالصلاة وقد زال الاتصال وعلى هذا المسبوق لا يكبر مع الإمام لما بينا أن التكبير مشروع بعد الفراغ من الصلاة والمسبوق بعد في خلال الصلاة فلا يأتي به فصل وأما بيان من يجب عليه فقد قال أبو حنيفة أنه لا يجب إلا على الرجال العاقلين المقيمين الأحرار من أهل الأمصار والمصلين المكتوبة بجماعة مستحبة فلا يجب على النسوان والصبيان والمجانين والمسافرين وأهل القرى ومن يصلي التطوع والفرض وحده وقال أبو يوسف ومحمد يجب على كل من يؤدي مكتوبة في هذه الأيام على أي وصف كان في أي مكان كان وهو قول إبراهيم النخعي وقال الشافعي في أحد قوليه يجب على كل مصل فرضا كانت الصلاة أو نفلا لأن النوافل أتباع الفرائض فما شرع في حق الفرائض يكون مشروعا في حقها بطريق التبعية ولنا ما روي عن علي وابن مسعود أنهما كانا لا يكبران عقيب التطوعات ولم يرو عن غيرهما خلاف ذلك فحل محل الإجماع ولأن الجهر بالتكبير بدعة إلا في موضع ثبت بالنص وما ورد النص إلا عقيب المكتوبات ولأن الجماعة شرط عند أبي حنيفة لما نذكر والنوافل لا تؤدى بجماعة وكذا لا يكبر عقيب الوتر عندنا أما عند أبي يوسف ومحمد فلأنه نفل وأما عند أبي حنيفة فلأنه لا يؤدى بجماعة في هذه الأيام ولأنه وإن كان واجبا فليس بمكتوبة ( ( ( بمكتوب ) ) ) والجهر بالتكبير بدعة إلا في مورد النص والإجماع ولا نص ولا إجماع إلا في المكتوبات وكذا لا يكبر عقيب صلاة العيد عندنا لما قلنا ويكبر عقيب الجمعة لأنها فريضة كالظهر وأما الكلام مع أصحابنا فهما احتجا بقوله تعالى ويذكروا اسم الله في أيام معلومات وقوله واذكروا الله في أيام معدودات من غير تقييد مكان أو جنس أو حال ولأنه من توابع الصلاة بدليل أن ما يوجب قطع الصلاة من الكلام ونحوه يوجب قطع التكبير فكل من صلى المكتوبة ينبغي أن يكبر ولأبي حنيفة رحمه الله تعالى قول النبي صلى الله عليه وسلم لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع وقول علي رضي الله عنه لا جمعة ولا تشريق ولا فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع

Section V01/P197

والمراد من التشريق هو رفع الصوت بالتكبير هكذا قال النضر بن شميل وكان من أرباب اللغة فيجب تصديقه ولأن التشريق ( ( ( التصديق ) ) ) في اللغة هو الإظهار والشروق هو الظهور يقال أشرقت ( ( ( شرقت ) ) ) الشمس إذا طلعت وظهرت سمي موضع طلوعها وظهورها مشرقا لهذا والتكبير نفسه إظهار لكبرياء الله وهو إظهار ما هو من شعار الإسلام فكان تشريقا ولا يجوز حمله على صلاة العيد لأن ذلك مستفاد بقوله ولا فطر ولا أضحى في حديث علي رضي الله عنه ولا على إلقاء لحوم الأضاحي بالمشرقة لأن ذلك لا يختص بمكان دون مكان فتعين التكبير مرادا بالتشريق ولأن رفع الصوت بالتكبير من شعائر الإسلام وأعلام الدين وما هذا سبيله لا يشرع إلا في موضع يشتهر فيه ويشيع وليس ذلك إلا في المصر الجامع ولهذا اختص ( ( ( يختص ) ) ) به الجمع والأعياد وهذا المعنى يقتضي أن لا يأتي به المنفرد والنسوان لأن معنى الاشتهار يختص بالجماعة دون الأفراد ولهذا لا يصلي المنفرد صلاة الجمعة والعيد وأمر النسوان مبني على الستر دون الإشهار وأما الآية الثانية فقد ذكرنا اختلاف أهل التأويل فيها وأما الأولى فنحملها على خصوص المكان والجنس والحال عملا بالدليلين بقدر الإمكان وما ذكروا من معنى التبعية مسلم عند وجود شرط المصر والجماعة وغيرهما من الشرائط فأما عند عدمها فلا نسلم التبعية ( ( ( التبيعة ) ) ) ولو اقتدى المسافر بالمقيم وجب عليه التكبير لأنه صار تبعا ( ( ( تابعا ) ) ) لإمامه ألا ترى أنه تغير فرضه أربعا فيكبر بحكم التبعية وكذا النساء إذا اقتدين برجل وجب عليهن على سبيل المتابعة فإن صلين بجماعة وحدهن فلا تكبير عليهن لما قلنا وأما المسافرون إذا صلوا في المصر بجماعة ففيه روايتان روى الحسن عن أبي حنيفة أن عليهم التكبير والأصح أن لا تكبير عليهم لأن السفر مغير للفرض مسقط للتكبير ثم في تغير الفرض لا فرق بين أن يصلوا في المصر أو خارج المصر فكذا في سقوط التكبير ولأن المصر الجامع شرط والمسافر ليس من أهل المصر فالتحق المصر في حقه بالعدم فصل وأما بيان حكم التكبير فيما دخل من الصلوات في حد القضاء فنقول لا يخلو إما إن فاتته الصلاة في غير أيام التشريق فقضاها في أيام التشريق أو فاتته في هذه الأيام فقضاها في غير هذه الأيام أو فاتته في هذه الأيام فقضاها في العام القابل من هذه الأيام أو فاتته في هذه الأيام فقضاها في هذه الأيام من هذه السنة فإن فاتته في غير أيام التشريق فقضاها في أيام التشريق لا يكبر عقيبها لأن القضاء على حسب الأداء وقد فاتته بلا تكبير فيقضيها كذلك وإن فاتته في هذه الأيام فقضاها في غير هذه الأيام لا يكبر عقيبها أيضا وإن كان القضاء على حسب الأداء وقد فاتته مع التكبير لأن رفع الصوت بالتكبير بدعة في الأصل إلا حيث ورد الشرع والشرع ما ورد به في وقت القضاء فبقي بدعة فإن فاتته في هذه الأيام وقضاها في العام القابل في هذه الأيام لا يكبر أيضا وروي عن أبي يوسف أنه يكبر والصحيح ظاهر الرواية لما بينا أن رفع الصوت بالتكبير بدعة إلا في مورد الشرع والشرع ورد بجعل هذا الوقت وقتا لرفع الصوت بالتكبير عقيب صلاة هي من صلوات هذه الأيام ولم يرد الشرع بجعله وقتا لغير ذلك فبقي بدعة كأضحية فاتت عن وقتها أنه لا يمكن التقرب بإراقة دمها في العام القابل وإن عاد الوقت وكذا رمي الجمار لما ذكرنا فكذا هذا وإن فاتته في هذه الأيام وقضاها في هذه الأيام من هذه السنة يكبر لأن التكبير سنة الصلاة الفائتة وقد قدر على القضاء لكون الوقت وقتا لتكبيرات الصلوات المشروعات فيها فصل وأما سننها فكثيرة

Section V01/P197–V01/P198

بعضها صلاة بنفسه وبعضها من لواحق الصلاة أما الذي هو صلاة بنفسه فالسنن المعهودة التي يؤدى بعضها قبل المكتوبة وبعضها بعد المكتوبة ولها فصل متفرد ( ( ( منفرد ) ) ) نذكرها فيه بعلائقها وأما الذي هو من لواحق الصلاة فثلاثة أنواع نوع يؤتى به عند الشروع في الصلاة ونوع يؤتى به بعد الشروع في الصلاة ونوع يؤتى به عند الخروج من الصلاة أما الذي يؤتى به عند الشروع في الصلاة فسنن الافتتاح وهي أنواع منها أن تكون النية مقارنة للتكبير لأن اشتراط النية لإخلاص العمل لله تعالى وقران النية أقرب إلى تحقيق معنى الإخلاص فكان أفضل وهذا عندنا وعند الشافعي فرض والمسألة قد مرت ومنها أن يتكلم بلسانه ما نواه بقلبه ولم يذكره في كتاب الصلاة نصا ولكنه أشار إليه في كتاب الحج فقال وإذا أردت أن تحرم بالحج إن شاء الله فقل اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله مني فكذا في باب الصلاة ينبغي أن يقول اللهم إني أريد صلاة كذا فيسرها لي وتقبلها مني لأن هذا سؤال التوفيق من الله تعالى للأداء والقبول بعده فيكون مسنونا ومنها حذف التكبير لما روي عن إبراهيم النخعي موقوفا عليه ومرفوعا إلى رسول الله أنه قال الأذان جزم والإقامة جزم والتكبير جزم ولأن إدخال المد في ابتداء اسم الله تعالى يكون للاستفهام والاستفهام يكون للشك والشك في كبرياء الله تعالى كفر وقوله أكبر لا مد فيه لأنه على وزن أفعل وأفعل لا يحتمل المد لغة ومنها رفع اليدين عند تكبيرة الافتتاح والكلام فيه يقع في مواضع في أصل الرفع وفي وقته وفي كيفيته وفي محله أما أصل الرفع فلما روي عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما موقوفا عليهما ومرفوعا إلى رسول الله أنه قال لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن وذكر من جملتها تكبيرة الافتتاح وعن أبي حميد الساعدي أنه كان في عشرة رهط من أصحاب رسول الله فقال لهم ألا أحدثكم عن صلاة رسول الله فقالوا هات فقال رأيته إذا كبر عند فاتحة الصلاة رفع يديه وعلى هذا إجماع السلف وأما وقته فوقت التكبير مقارنا له لأنه سنة التكبير شرع لإعلام الأصم الشروع في الصلاة ولا يحصل هذا المقصود إلا بالقران وأما كيفيته فلم يذكر في ظاهر الرواية وذكر الطحاوي أنه يرفع يديه ناشرا أصابعه مستقبلا بهما القبلة فمنهم من قال أراد بالنشر تفريج الأصابع وليس كذلك بل أراد أن يرفعهما مفتوحتين لا مضمومتين حتى ( ( ( حين ) ) ) تكون الأصابع نحو القبلة وعن الفقيه أبي جعفر الهندواني أنه لا يفرج كل التفريج ولا يضم كل الضم بل يتركهما على ما عليه الأصابع في العادة بين الضم والتفريج وأما محله فقد ذكر في ظاهر الرواية أنه يرفع يديه حذاء أذنيه وفسره الحسن بن زياد في المجرد فقال قال أبو حنيفة يرفع حتى يحاذي بإبهاميه شحمة أذنيه وكذلك في كل موضع ترفع الأيدي عند التكبير وقال الشافعي يرفع حذو منكبيه وقال مالك حذاء رأسه احتج الشافعي بما روي أن النبي كان إذا افتتح الصلاة كبر ورفع يديه حذو منكبيه ولنا ما روى أبو يوسف في الأمالي بإسناده عن البراء بن عازب أنه قال كان رسول الله إذا افتتح الصلاة كبر ورفع يديه حذاء أذنيه ولأن هذا الرفع شرع لإعلام الأصم الشروع في الصلاة ولهذا لم يرفع في تكبيرة هي علم للانتقال عندنا لأن الأصم يرى الانتقال فلا حاجة إلى رفع اليدين وهذا المقصود إنما يحصل إذا رفع يديه إلى أذنيه وأما الحديث فالتوفيق عند تعارض الأخبار واجب فما روي محمول على حالة العذر حين كانت عليهم الأكسية والبرانس في زمن الشتاء فكان يتعذر عليهم الرفع إلى الأذنين يدل عليه ما روى وائل بن حجر أنه قال قدمت المدينة فوجدتهم يرفعون أيديهم إلى الآذان ثم قدمت عليهم من القابل وعليهم الأكسية والبرانس من شدة البرد فوجدتهم يرفعون أيديهم إلى المناكب

Section V01/P198–V01/P199

أو نقول المراد بما روينا رؤوس الأصابع وبما روى الأكف والأرساغ عملا بالدلائل بقدر الإمكان وهذا حكم الرجل فأما المرأة فلم يذكر حكمها في ظاهر الرواية وروى الحسن عن أبي حنيفة أنها ترفع يديها حذاء أذنيها كالرجل سواء لأن كفيها ليسا بعورة وروى محمد بن مقاتل الرازي عن أصحابنا أنها ترفع يديها حذو منكبيها لأن ذلك أستر لها وبناء أمرهن على الستر ألا ترى أن الرجل يعتدل في سجوده ويبسط ظهره في ركوعه والمرأة تفعل كأستر ما يكون لها ومنها أن الإمام يجهر بالتكبير ويخفي به المنفرد والمقتدي لأن الأصل في الأذكار هو الإخفاء وإنما الجهر في حق الإمام لحاجته إلى الإعلام فإن الأعمى لا يعلم بالشروع إلا بسماع التكبير من الإمام ولا حاجة إليه في حق المنفرد والمقتدي ومنها أن يكبر المقتدي مقارنا لتكبير الإمام فهو أفضل باتفاق الروايات عن أبي حنيفة وفي التسليم عنه روايتان في رواية يسلم مقارنا لتسليم الإمام كالتكبير وفي رواية يسلم بعد تسليم الإمام بخلاف التكبير وقال أبو يوسف السنة أن يكبر بعد فراغ الإمام من التكبير وإن كبر مقارنا لتكبيره فعن أبي يوسف فيه روايتان في رواية يجوز وفي رواية لا يجوز وعن محمد يجوز ويكون مسيئا وجه قولهما أن المقتدي تبع للإمام ومعنى التبعية لا تتحقق في القران ولأبي حنيفة أن الاقتداء مشاركة وحقيقة المشاركة المقارنة إذ بها تتحقق الشركة ( ( ( المشاركة ) ) ) في جميع أجزاء العبادة ( ( ( العباد ) ) ) وبهذا فارق التسليم على إحدى الروايتين لأنه إذا سلم بعده فقد وجدت المشاركة في جميع الصلاة لأنه يخرج عنها بسلام الإمام ومنها أن المؤذن إذا قال قد قامت الصلاة كبر الإمام في قول أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف والشافعي لا يكبر حتى يفرغ المؤذن من الإقامة والجملة فيه أن المؤذن إذا قال حي على الفلاح فإن كان الإمام معهم في المسجد يستحب للقوم أن يقوموا في الصف وعند زفر والحسن بن زياد يقومون عند قوله قد قامت الصلاة في المرة الأولى ويكبرون عند الثانية لأن المنبىء ( ( ( المنبئ ) ) ) عن القيام قوله قد قامت الصلاة لا قوله حي على الفلاح ولنا أن قوله حي على الفلاح دعاء إلى ما به فلاحهم وأمر بالمسارعة إليه فلا بد من الإجابة إلى ذلك ولن تحصل الإجابة إلا بالفعل وهو القيام إليها فكان ينبغي أن يقوموا عند قوله حي على الصلاة لما ذكرنا غير أنا نمنعهم عن القيام كيلا يلغو قوله حي على الفلاح لأن من وجدت منه المبادرة إلى شيء فدعاؤه إليه بعد تحصيله إياه لغو ( ( ( يلغو ) ) ) من الكلام وأما قوله أن المنبىء ( ( ( المنبئ ) ) ) عن القيام قوله قد قامت الصلاة فنقول قوله قد قامت الصلاة ينبىء عن قيام الصلاة لا عن القيام إليها وقيامها وجودها وذلك بالتحريمة ليتصل بها جزء من أجزائها تصديقا له على ما نذكر ثم إذا قاموا إلى الصلاة إذا قال المؤذن قد قامت الصلاة كبروا على الاختلاف الذي ذكرنا وجه قول أبي يوسف والشافعي أن في إجابة المؤذن فضيلة وفي إدراك تكبيرة الافتتاح فضيلة فلا بد من الفراغ إحرازا للفضيلتين من الجانبين ولأن فيما قلنا تكون جميع صلاتهم بالإقامة وفيما قالوا بخلافه ولأبي حنيفة ومحمد ما روي عن سويد بن غفلة أن عمر رضي الله عنه كان إذا انتهى المؤذن إلى قوله قد قامت الصلاة كبر

Section V01/P199–V01/P200

وروي عن بلال رضي الله عنه أنه قال يا رسول الله إن كنت تسبقني بالتكبير فلا تسبقني بالتأمين ولو كبر بعد الفراغ من الإقامة لما سبقه بالتكبير فضلا عن التأمين فلم يكن للسؤال معنى ولأن المؤذن مؤتمن الشرع فيجب تصديقه وذلك فيما قلناه لما ذكرنا أن قيام الصلاة وجودها فلا بد من تحصيل التحريمة المقترنة بركن من أركان الصلاة ليوجد جزء من أجزائها فيصير المخبر عن قيامها صادقا في مقالته لأن المخبر عن المتركب من أجزاء لا بقاء لها لن يكون إلا عن وجود جزء منها وإن كان الجزء وحده مما لا ينطلق عليه اسم المتركب كمن يقول فلان يصلي في الحال يكون صادقا وإن كان لا يوجد في الحالة ( ( ( حالة ) ) ) الإخبار إلا جزء منها لاستحالة اجتماع أجزائها في الوجود في حالة واحدة وبه تبين أن ما ذكروا من المعنيين لا يعتبر بمقابلة فعل رسول الله وفعل عمر ثم نقول في تصديق المؤذن فضيلة كما أن في إجابته فضيلة ( ( ( فضلة ) ) ) بل فضيلة التصديق فوق فضيلة الإجابة مع أن فيما قالوه فوات فضيلة الإجابة أصلا إذ لا جواب لقوله قد قامت الصلاة من حيث القول وليس فيما قلنا تفويت فضيلة الإجابة أصلا بل حصلت الإجابة بالفعل وهو إقامة الصلاة فكان ما قلناه ( ( ( قلنا ) ) ) سببا لاستدراك الفضيلتين فكان أحق وبه تبين أن لا بأس بأداء بعض الصلاة بعد أكثر الإقامة وأداء أكثرها بعد جميع الإقامة إذا كان سببا لاستدراك الفضيلتين وبعض مشايخنا اختاروا في الفعل مذهب أبي يوسف لتعذر إحضار النية عليهم في حال رفع المؤذن صوته بالإقامة هذا إذا كان الإمام في المسجد فإن كان خارج المسجد لا يقومون ما لم يحضر لقول النبي لا تقوموا في الصف ما ( ( ( حتى ) ) ) لم تروني خرجت وروي عن علي رضي الله عنه أنه دخل المسجد فرأى الناس قياما ينتظرونه فقال مالي أراكم سامدين ( أي واقفين متحيرين ) ولأن القيام لأجل الصلاة ولا يمكن أداؤها بدون الإمام فلم يكن القيام مفيدا ثم إن دخل الإمام من قدام الصفوف فكلما ( ( ( فكما ) ) ) رأوه قاموا لأنه لما ( ( ( كلما ) ) ) دخل المسجد قام مقام الإمامة وإن دخل من وراء الصفوف فالصحيح أنه كلما جاوز صفا قام ذلك الصف لأنه صار بحال لو اقتدوا به جاز فصار في حقهم كأنه أخذ ( ( ( أخذه ) ) ) مكانه وأما الذي يؤتى به بعد الفراغ من الافتتاح فنقول إذا فرغ من تكبيرة الافتتاح يضع يمينه عن شماله والكلام فيه في أربعة مواضع أحدها في أصل الوضع والثاني في وقت الوضع والثالث في محل الوضع والرابع في كيفية الوضع أما الأول فقد قال عامة العلماء أن السنة هي وضع اليمين على الشمال وقال مالك السنة هي الإرسال وجه قوله الإرسال أشق على البدن والوضع للاستراحة دل عليه ما روي عن إبراهيم النخعي أنه قال أنهم كانوا يفعلون ذلك مخافة اجتماع الدم في رؤوس الأصابع لأنهم كانوا يطيلون الصلاة وأفضل الأعمال أحمزها على لسان رسول الله ولنا ما روي عن النبي أنه قال ثلاث من سنن المرسلين تعجيل الإفطار وتأخير السحور وأخذ الشمال باليمين في الصلاة وفي رواية وضع اليمين على الشمال تحت السرة في الصلاة

Section V01/P200–V01/P201

وأما وقت الوضع فكما ( ( ( فكلما ) ) ) فرغ من التكبير في ظاهر الرواية وروي عن محمد في النوادر أنه يرسلهما حالة الثناء فإذا فرغ منه يضع بناء على أن الوضع سنة القيام الذي له قرار في ظاهر المذهب وعن محمد سنة القراءة وأجمعوا على أنه لا يسن الوضع في القيام المتخلل بين الركوع والسجود لأنه لا قرار له ولا قراءة فيه والصحيح جواب ظاهر الرواية لقوله إنا معشر الأنبياء أمرنا أن نضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة من غير فصل بين حال وحال فهو على العموم إلا ما خص بدليل ولأن القيام من أركان الصلاة والصلاة خدمة الرب تعالى وتعظيم له والوضع في التعظيم أبلغ من الإرسال كما في الشاهد فكان أولى وأما القيام المتخلل بين الركوع والسجود في صلاة الجمعة والعيدين فقال بعض مشايخنا الوضع أولى لأن له ضرب قرار وقال بعضهم الإرسال أولى لأنه كما يضع يحتاج إلى الرفع فلا يكون مفيدا وأما في حال القنوت فذكر في الأصل إذا أراد أن يقنت كبر ورفع يديه حذاء أذنيه ناشرا أصابعه ثم يكفهما قال أبو بكر الإسكاف معناه يضع يمينه على شماله وكذلك روي عن أبي حنيفة ومحمد أنه يضعهما كما يضع يمينه على يساره في الصلاة وذكر الكرخي والطحاوي أنه يرسلهما في حالة القنوت وكذا روي عن أبي يوسف واختلفوا في تفسير الإرسال قال بعضهم لا يضع يمينه على شماله ومنهم من قال لا بل يضع ومعنى الإرسال أن لا يبسطهما كما روي عن أبي يوسف أنه يبسط يديه بسطا في حالة القنوت وهو الصحيح لعموم الحديث الذي روينا ولأن هذا قيام في الصلاة له قرار فكان الوضع فيه أقرب إلى التعظيم فكان أولى وأما في صلاة الجنازة فالصحيح أيضا أنه يضع لما روي عن النبي أنه صلى على جنازة ووضع يمينه على شماله تحت السرة ولأن الوضع أقرب إلى التعظيم في قيام له قرار فكان الوضع أولى والله أعلم وأما محل الوضع فما تحت السرة في حق الرجل والصدر في حق المرأة وقال الشافعي محله الصدر في حقهما جميعا واحتج بقوله تعالى فصل لربك وانحر قوله وانحر أي ضع اليمين على الشمال في النحر وهو الصدر وكذا روي عن علي في تفسير الآية ولنا ما روينا عن النبي أنه قال ثلاث من سنن المرسلين من جملتها وضع اليمين على الشمال تحت السرة في الصلاة وأما الآية فمعناه أي صل صلاة العيد وانحر الجزور وهو الصحيح من التأويل لأنه حينئذ يكون عطف الشيء على غيره كما هو مقتضى العطف في الأصل ووضع اليد من أفعال الصلاة وأبعاضها ولا مغايرة بين البعض وبين الكل أو يحتمل ما قلنا فلا يكون حجة مع الاحتمال على أنه روي عن علي وأبي هريرة رضي الله عنهما أنهما قالا السنة وضع اليمين على الشمال تحت السرة فلم يكن تفسير الآية عنه وأما كيفية الوضع فلم يذكر في ظاهر الرواية واختلف فيها قال بعضهم يضع باطن كفه اليمنى على ظهر كفه اليسرى وقال بعضهم يضع على ذراعه اليسرى وقال بعضهم يضع على المفصل وذكر في النوادر اختلافا بين أبي يوسف ومحمد فقال على قول أبي يوسف يقبض بيده اليمنى على رسغ يده اليسرى وعند محمد يضع كذلك وعن الفقيه أبي جعفر الهندواني أنه قال قول أبي يوسف أحب إلي لأن في القبض وضعا وزيادة وهو اختيار مشايخنا بما وراء النهر فيأخذ المصلي رسغ يده اليسرى بوسط كفه اليمنى ويحلق إبهامه وخنصره وبنصره ويضع الوسطى والمسبحة على معصمه ليصير جامعا بين الأخذ والوضع وهذا لأن الأخبار اختلفت ذكر في بعضها الوضع وفي بعضها الأخذ فكان الجمع بينهما عملا بالدلائل أجمع فكان أولى

Section V01/P201

ثم يقول سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك سواء كان إماما أو مقتديا أو منفردا هكذا ذكر في ظاهر الرواية وزاد عليه في كتاب الحج وجل ثناؤك وليس ذلك في المشاهير ولا يقرأ إني وجهت وجهي لا قبل التكبير ولا بعده في قول أبي حنيفة ومحمد وهو قول أبي يوسف الأول ثم رجع وقال في الإملاء يقول مع التسبيح إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين ولا يقول وأنا أول المسلمين لأنه كذب وهل تفسد صلاته إذا قال ذلك قال بعضهم تفسد لأنه أدخل الكذب في الصلاة وقال بعضهم لا تفسد لأنه من القرآن ثم عن أبي يوسف روايتان في رواية يقدم التسبيح عليه وفي رواية هو بالخيار إن شاء قدم وإن شاء أخر وهو أحد قولي الشافعي وفي قول يفتتح بقوله وجهت وجهي لا بالتسبيح واحتجا بحديث ابن عمر أن النبي كان إذا افتتح الصلاة قال وجهت وجهي إلخ وقال سبحانك اللهم وبحمدك إلى آخره والشافعي زاد عليه ما رواه عن رسول الله وهو قوله اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وتب علي إنك أنت التواب الرحيم وفي بعض الروايات اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت أنت ربي وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء لك بذنبي فاغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق إنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها إنه لا يصرف عني سيئها إلا أنت أنا بك وإليك ( ( ( ولك ) ) ) تباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب إليك وجه ظاهر الرواية قوله تعالى واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم ذكر الجصاص عن الضحاك عن عمر رضي الله عنه أنه قول المصلي عند الافتتاح سبحانك اللهم وبحمدك وروى هذا الذكر عمر وعلي وعبد الله بن مسعود عن النبي أنه كان يقول عند الافتتاح ولا تجوز الزيادة على الكتاب والخبر المشهور بالآحاد ثم تأويل ذلك كله أنه كان يقول ذلك في التطوعات والأمر فيها أوسع فأما في الفرائض فلا يزاد على ما اشتهر فيه الأثر أو كان في الابتداء ثم نسخ بالآية أو تأيد ما روينا بمعاضدة الآية ثم لم يرو عن أصحابنا المتقدمين أنه يأتي به قبل التكبير وقال بعض مشايخنا المتأخرين إنه لا بأس به قبل التكبير لإحضار النية ولهذا لقنوه العوام ثم يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم في نفسه إذا كان إماما أو منفردا والكلام في التعوذ في مواضع في بيان صفته وفي بيان وقته وفي بيان من يسن في حقه وفي بيان كيفيته أما الأول فالتعوذ سنة في الصلاة عند عامة العلماء وعند مالك ليس بسنة والصحيح قول العامة لقوله تعالى فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم من غير فصل بين حال الصلاة وغيرها وروي أن أبا الدرداء قام ليصلي فقال له النبي تعوذ بالله من الشيطان الرجيم ومن شياطين الإنس والجن وكذا الناقلون صلاة رسول الله نقلوا تعوذه بعد الثناء قبل القراءة وأما وقت التعوذ فما بعد الفراغ من التسبيح قبل القراءة عند عامة العلماء وقال أصحاب الظواهر وقته ما بعد القراءة لظاهر قوله تعالى فإذا قرأت القرآن الآية أمر بالاستعاذة بعد قراءة القرآن لأن الفاء للتعقيب ولنا أن الذين نقلوا صلاة رسول الله نقلوا تعوذه بعد الثناء قبل القراءة ولأن التعوذ شرع صيانة للقراءة عن وساوس الشيطان ومعنى الصيانة إنما يحتاج إليه قبل القراءة لا بعدها والإرادة مضمرة في الآية معناه فإذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله كذا قال أهل التفسير كما في قوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة أي إذا أردتم القيام إليها

Section V01/P201–V01/P202

وأما من يسن في حقه التعوذ فهو الإمام والمنفرد دون المقتدي في قول أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف هو سنة في حقه أيضا ذكر الاختلاف في السير الكبير وحاصل الخلاف راجع إلى أن التعوذ تبع للثناء أو تبع للقراءة فعلى قولهما تبع للقراءة لأنه شرع لافتتاح القراءة صيانة لها عن وساوس الشيطان فكان كالشرط لها وشرط الشيء تبع له وعلى قوله تبع للثناء لأنه شرع بعد الثناء وهو من جنسه وتبع الشيء كاسمه ما يتبعه ويتفرع عن هذا الأصل ثلاث مسائل إحداها أنه لا تعوذ على المقتدي عندهما لأنه لا قراءة عليه وعنده يتعوذ لأنه يأتي بالثناء فيأتي بما هو تبع له والثانية المسبوق إذا شرع في صلاة الإمام وسبح لا يتعوذ للحال وإنما يتعوذ إذا قام إلى قضاء ما سبق به عندهما لأن ذلك وقت القراءة وعنده يتعوذ بعد الفراغ من التسبيح لأنه تبع له والثالثة الإمام في صلاة العيد يأتي بالتعوذ بعد التكبيرات عندهما إذا كان يرى رأي ابن عباس أو رأي ابن مسعود لأن ذلك وقت القراءة وعنده يأتي به بعد التسبيح قبل التكبيرات لكونه تبعا له وأما كيفية التعوذ فالمستحب له أن يقول أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم أو أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لأن أولى الألفاظ ما وافق كتاب الله وقد ورد هذان اللفظان في القرآن ( ( ( كتاب ) ) ) ولا ينبغي أن يزيد عليه إن الله هو السميع العليم لأن هذه الزيادة من باب الثناء وما بعد التعوذ محل القراءة لا محل الثناء وينبغي أن لا يجهر بالتعوذ لأن الجهر بالتعوذ لم ينقل عن النبي وعن علي وابن مسعود أنهما قالا أربع يخفيهن الإمام وذكر منها التعوذ ولأن الأصل في الأذكار هو الإخفاء لقوله تعالى واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة فلا يترك إلا لضرورة ثم يخفي بسم الله الرحمن الرحيم وقال الشافعي يجهر به والكلام في التسمية في مواضع أحدها أنها من القرآن أم لا والثاني أنها من الفاتحة أم لا والثالث أنها من رأس كل ( ( ( السورة ) ) ) سورة أم لا وينبني على كل فصل ما يتعلق به من الأحكام أما الأول فالصحيح من مذهب أصحابنا أنها من القرآن لأن الأمة أجمعت على أن ما كان بين الدفتين مكتوبا بقلم الوحي فهو من القرآن والتسمية كذلك وكذا روى المعلى عن محمد فقال قلت لمحمد التسمية آية من القرآن أم لا فقال ما بين الدفتين كله قرآن فقلت فما بالك لا تجهر بها فلم يجبني وكذا روى الجصاص عن محمد أنه قال التسمية آية من القرآن نزلت ( ( ( أنزلت ) ) ) للفصل بين السورة للبداءة بها تبركا وليست بآية من كل واحدة منها وإليه أشار في كتاب الصلاة فإنه قال ثم يفتتح القراءة ويخفي بسم الله الرحمن الرحيم وينبني على هذا أن فرض القراءة في الصلاة يتأدى بها عند أبي حنيفة إذا قرأها على قصد القراءة دون الثناء عند بعض مشايخنا لأنها آية من القرآن وكذا روي عن عبد الله بن المبارك أن من ترك بسم الله الرحمن الرحيم في القرآن فقد ترك مائة وثلاثة ( ( ( وثلاث ) ) ) عشر آية وقال بعضهم لا يتأدى لأن في كونها آية تامة احتمال فإنه روي عن الأوزاعي أنه قال ما أنزل الله في القرآن بسم الله الرحمن الرحيم إلا في سورة النمل وإنها في النمل وحدها ليست بآية تامة وإنما الآية قوله إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم فوقع الشك في كونها آية تامة فلا تجوز الصلاة بالشك وكذا يحرم على الجنب والحائض والنفساء قراءتها على قصد القرآن أما على قياس رواية الكرخي فظاهر لأن ما دون الآية يحرم عليهم وكذا على رواية الطحاوي لاحتمال أنها آية تامة فتحرم قراءتها عليهم احتياطا والله أعلم وأما الثاني والثالث فعند أصحابنا ليست من الفاتحة ولا من رأس كل سورة

Section V01/P202–V01/P203

وقال الشافعي إنها من الفاتحة قولا واحدا وله في كونها من رأس كل سورة قولان وقال الكرخي لا أعرف في هذه المسألة بعينها عن متقدمي أصحابنا الاختلاف نصا لكن أمرهم بالإخفاء دليل على أنها ليست من الفاتحة لامتناع أن يجهر ببعض السورة دون البعض احتج الشافعي بما روى أبو هريرة عن النبي أنه كان يقول الحمد لله رب العالمين سبع آيات إحداهن بسم الله الرحمن الرحيم فقد عد التسمية آية من الفاتحة دل أنها من الفاتحة ولأنها كتبت في المصاحف على رأس الفاتحة وكل سورة بقلم الوحي فكانت من الفاتحة ومن كل سورة ولنا قول النبي خبرا عن الله تعالى أنه قال قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين يقول الله حمدني عبدي وإذا قال الرحمن الرحيم قال الله تعالى مجدني عبدي وإذا قال مالك يوم الدين قال الله تعالى أثنى علي عبدي وإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين قال الله تعالى هذا بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما شاء ( ( ( سأل ) ) ) ووجه ( ( ( وجه ) ) ) الاستدلال به من وجهين أحدهما أنه بدأ بقوله الحمد لله رب العالمين لا بقوله بسم الله الرحمن الرحيم ولو كانت من الفاتحة لكانت البداءة بها لا بالحمد والثاني أنه نص على المناصفة ولو كانت التسمية من الفاتحة لم تتحقق المناصفة بل يكون ما لله أكثر لأنه يكون في النصف الأول أربع آيات ونصف ولأن كون الآية من سورة كذا ومن موضع كذا لا يثبت إلا بالدليل المتواتر من النبي وقد ثبت بالتواتر أنها مكتوبة في المصاحف ولا تواتر على كونها من السورة ولهذا اختلف أهل العلم فيه فعدها قراء أهل الكوفة من الفاتحة ولم يعدها قراء أهل البصرة منها وذا دليل عدم التواتر ووقوع الشك والشبهة في ذلك فلا يثبت كونها من السورة مع الشك ولأن كون التسمية من كل سورة مما اختص به الشافعي لا يوافقه في ذلك أحد من سلف الأمة وكفى به دليلا على بطلان المذهب والدليل عليه ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال سورة في القرآن ثلاثون آية شفعت لصاحبها حتى غفر له تبارك الذي بيده الملك وقد اتفق القراء وغيرهم على أنها ثلاثون آية سوى بسم الله الرحمن الرحيم ولو كانت هي منها لكانت إحدى وثلاثين آية وهو خلاف قول النبي وكذا انعقد الإجماع من الفقهاء والقراء أن سورة الكوثر ثلاث آيات وسورة الإخلاص أربع آيات ولو كانت التسمية منها لكانت سورة الكوثر أربع آيات وسورة الإخلاص خمس آيات وهو خلاف الإجماع وأما ما روي من الحديث ففيه اضطراب فإن بعضهم شك في ذكر أبي هريرة في الإسناد ولأن مداره على عبد الحميد بن جعفر عن نوح بن أبي بلال عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ولم يرفعه وذكر أبو بكر الحنفي وقال لقيت نوحا فحدثني به عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ولم يرفعه والاختلاف في السند والوقف والرفع يوجب ضعفا فيه ولأنه في حد الآحاد وخبر الواحد لا يوجب العلم وكون التسمية من الفاتحة لا يثبت ( ( ( تثبت ) ) ) إلا بالنقل الموجب للعلم مع أنه عارضه ما هو أقوى منه وأثبت وأشهر وهو حديث القسمة فلا يقبل في معارضته

Section V01/P203–V01/P204

أما قوله إنها كتبت في المصاحف بقلم الوحي على رأس السور فنعم لكن هذا يدل على كونها من القرآن لا على كونها من السور لجواز أنها كتبت للفصل بين السور لا لأنها منها فلا يثبت كونها من السور بالاحتمال وينبني على هذا أنه لا يجهر بالتسمية في الصلاة عندنا لأنه لا نص في الجهر بها وليست من الفاتحة حتى يجهر بها ضرورة الجهر بالفاتحة وعنده يجهر بها في الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة كما يجهر بالفاتحة لكونها من الفاتحة ولأن التسمية متى ترددت بين أن تكون من الفاتحة وبين أن لا تكون تردد الجهر بين السنة والبدعة فلأنها ( ( ( لأنها ) ) ) إذا لم تكن منها التحقت بالأذكار والجهر بالأذكار بدعة والفعل إذا تردد بين السنة والبدعة تغلب جهة البدعة لأن الامتناع عن البدعة فرض ولا فرضية في تحصيل السنة أو الواجب فكان الإخفاء بها أولى والدليل عليه ما روي عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن الفضل وعبد الله بن عباس وأنس وغيرهم رضي الله عنهم أنهم كانوا يخفون التسمية وكثير منهم قال الجهر بالتسمية أعرابية والمنسوب إليهم باطل لغلبة الجهل عليهم بالشرائع وروي عن أنس رضي الله عنه أنه قال صليت خلف رسول الله وخلف أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وكانوا لا يجهرون بالتسمية ثم عندنا إن لم يجهر بالتسمية لكن يأتي بها الإمام لافتتاح القراءة بها تبركا كما يأتي بالتعوذ في الركعة الأولى باتفاق الروايات وهل يأتي بها في أول الفاتحة في الركعات الأخر عن أبي حنيفة روايتان روى الحسن عنه أنه لا يأتي بها إلا في الركعة الأولى لأنها ليست من الفاتحة عندنا وإنما يفتتح القراءة بها تبركا وذلك مختص بالركعة الأولى كالتعوذ وروى المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه يأتي بها في كل ركعة وهو قول أبي يوسف ومحمد لأن التسمية إن لم تجعل من الفاتحة قطعا بخبر الواحد لكن خبر الواحد يوجب العمل فصارت من الفاتحة عملا فمتى لزمه قراءة الفاتحة يلزمه قراءة التسمية احتياطا وأما عند رأس كل سورة في الصلاة فلا يأتي بالتسمية عند أبي حنيفة وأبي يوسف وقال محمد يأتي بها احتياطا كما في أول الفاتحة والصحيح قولهما لأن احتمال كونها من السورة منقطع بإجماع السلف على ما مر وفي أنها ليست من الفاتحة لا إجماع فبقي الاحتمال فوجب العمل به في حق القراءة احتياطا ولكن لا يعتبر هذا الاحتمال في حق الجهر لأن المخافتة أصل في الأذكار والجهر بها بدعة في الأصل فإذا احتمل أنها ذكر في هذه الحالة واحتمل أنها من الفاتحة كانت المخافتة أبعد عن البدعة فكانت أحق وروي عن محمد أنه إذا كان يخفي بالقراءة يأتي بالتسمية بين الفاتحة والسورة لأنه أقرب إلى متابعة المصحف وإذا كان يجهر بها لا يأتي لأنه لو فعل لأخفى فيكون سكتة له في وسط القراءة وذلك غير مشروع ثم يقرأ بفاتحة الكتاب والسورة وقد بينا أصل فرضية القراءة وقدرها ومحل القراءة المفروضة في بيان أركان الصلاة وههنا نذكر المقدار الذي يخرج به عن حد الكراهة والمقدار المستحب من القراءة أما الأول فالقدر الذي يخرج به عن حد الكراهة هو أن يقرأ الفاتحة وسورة قصيرة قدر ثلاث آيات أو ثلاث آيات من أي سورة كانت حتى لو قرأ الفاتحة وحدها أو قرأ معها آية أو آيتين يكره لما روي عن النبي أنه قال لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وسورة معها وأقصر السور ثلاث آيات ولم يرد به نفي الجواز بل نفي الكمال وأداء المفروض على وجه النقصان مكروه وأما القدر المستحب من القراءة فقد اختلفت الروايات فيه عن أبي حنيفة ذكر في الأصل ويقرأ الإمام في الفجر في الركعتين جميعا بأربعين آية مع فاتحة الكتاب أي سواها وذكر في الجامع الصغير بأربعين خمسين ستين سوى فاتحة الكتاب وروى الحسن في المجرد عن أبي حنيفة ما بين ستين إلى مائة

Section V01/P204

وإنما اختلفت الروايات لاختلاف الأخبار روي عن النبي أنه كان يقرأ في صلاة الفجر سورة ق حتى أخذ بعض النسوان منه في صلاة الفجر منهن أم هشام بنت الحرث ( ( ( الحارث ) ) ) بن النعمان وعن مورث ( ( ( مورق ) ) ) العجلي قال تلقنت سورة ق واقترب من في رسول الله من كثرة قراءته لهما في صلاة الفجر وعن أبي هريرة أن النبي قرأ في صلاة الفجر والمرسلات وعم يتساءلون وفي رواية إذا الشمس كورت إذا السماء انفطرت وروى ابن مسعود وابن عباس وأبي ( ( ( وأبو ) ) ) هريرة رضي الله عنهم أن النبي كان يقرأ في الركعة الأولى من الفجر بألم تنزيل السجدة وفي الأخرى بهل أتى على الإنسان وعن أبي برزة الأسلمي أن رسول الله كان يقرأ في صلاة الفجر ما بين ستين آية إلى مائة كذا ذكر وكيع وروي أن أبا بكر قرأ في الفجر سورة البقرة فلما فرغ قال له عمر كادت الشمس تطلع يا خليفة رسول الله فقال رضي الله عنه لو طلعت لم تجدنا غافلين وروي أن عمر رضي الله عنه قرأ سورة يوسف فلما انتهى إلى قوله إنما أشكو بثي وحزني إلى الله خنقته العبرة فركع ووفق بعضهم بين الروايات فقال المساجد ثلاثة ( ( ( ثلاث ) ) ) مسجد له قوم زهاد وعباد يرغبون في العبادة ومسجد له قوم كسالى غير راغبين في العبادة ومسجد له قوم أوساط فينبغي للإمام أن يعمل بأكثر الروايات قراءة في الأول وبأدناها قراءة في الثاني وبأوسطها قراءة في الثالث عملا بالروايات كلها بقدر الإمكان ويجوز أن يكون اختلاف الروايات محمولا على هذا ويقرأ في الظهر بنحو من ذلك أو دونه ذكره ( ( ( وذكره ) ) ) في الأصل لما روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال حزرنا ( ( ( حررنا ) ) ) قراءة رسول الله في صلاة الظهر في الركعتين بثلاثين آية وعن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أنه قال صلى بنا رسول الله الظهر وقرأ والسماء والطارق والشمس وضحاها وفي العصر يقرأ بعشرين آية مع فاتحة الكتاب أي سواها ذكره في الأصل لما روي عن أبي هريرة وجابر بن سمرة أن النبي كان يقرأ في العصر بسورة سبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية وفي العشاء مثل ذلك في رواية الأصل لقول النبي لمعاذ حين كان قرأ ( ( ( يقرأ ) ) ) البقرة في صلاة العشاء أين أنت من الشمس وضحاها والليل إذا يغشى ولأنها تؤخر إلى ثلث الليل فلو طول القراءة لتشوش أمر الصلاة على القوم لغلبة النوم إياهم وفي المغرب بسورة قصيرة خمس آيات أو ست آيات مع فاتحة الكتاب أي سواها ذكره في الأصل لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري أن اقرأ في الفجر والظهر بطوال المفصل وفي العصر والعشاء بأوساط المفصل وفي المغرب بقصار المفصل ولأنا أمرنا بتعجيل المغرب وفي تطويل القراءة تأخيرها وذكر في الجامع الصغير ويقرأ في الظهر في الأوليين مثل ركعتي الفجر والعصر والعشاء سواء والمغرب دون ذلك وروى الحسن في المجرد عن أبي حنيفة أنه يقرأ في الظهر بعبس أو إذا الشمس كورت في الأولى وفي الثانية بلا أقسم أو والشمس وضحاها وفي العصر يقرأ في الأولى والضحى والعاديات وفي الثانية بألهاكم أو ويل لكل همزة وفي المغرب في الأولى مثل ما في العصر وفي العشاء في الأوليين مثل ما في الظهر فقد جعلها في الأصل كالعصر وفي المجرد كالظهر

Section V01/P204–V01/P205

وذكر الكرخي وقال وقدر القراءة في الفجر للمقيم قدر ثلاثين آية إلى ستين آية سوى فاتحة ( ( ( الفاتحة ) ) ) الكتاب في الركعة الأولى وفي الثانية ما بين عشرين إلى ثلاثين وفي الظهر في الركعتين جميعا سوى فاتحة الكتاب مثل القراءة في الركعة الأولى من الفجر وفي العصر والعشاء يقرأ في كل ركعة قدر عشرين آية سوى فاتحة الكتاب وفي المغرب في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة من قصار المفصل قال وهذه الرواية أحب الروايات التي رواها المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة ويحتمل أن يكون اختلاف مقادير القراءة في الصلوات لاختلاف أحوال الناس فوقت الفجر وقت نوم وغفلة فتطول فيه القراءة كيلا تفوتهم الجماعة وكذا وقت الظهر في الصيف لأنهم يقيلون ووقت العصر وقت رجوع الناس إلى منازلهم فينقص عما في الظهر والفجر وكذا وقت العشاء وقت عزمهم على النوم فكان مثل وقت العصر ووقت المغرب وقت عزمهم على الأكل فقصر فيها القراءة لقلة صبرهم عن الأكل خصوصا للصائمين وهذا كله ليس بتقدير لازم بل يختلف باختلاف الوقت والزمان وحال الإمام والقوم والجملة فيه أنه ينبغي للإمام أن يقرأ مقدار ما يخف على القوم ولا يثقل عليهم بعد أن يكون على التمام لما روي عن عثمان بن أبي العاص الثقفي أنه قال آخر ما عهد إلي رسول الله أن أصلي بالقوم صلاة أضعفهم وروي عنه أنه قال من أم قوما فليصل بهم صلاة أضعفهم فإن فيهم الصغير والكبير وذا الحاجة وروي أن قوم معاذ لما شكوا إلى رسول الله تطويل القراءة دعاه فقال أفتان أنت يا معاذ قالها ثلاثا أين أنت من والسماء والطارق والشمس وضحاها قال الراوي فما رأيت رسول الله في مواعظه ( ( ( موعظة ) ) ) أشد منه في تلك الموعظة وعن أنس رضي الله عنه أنه قال ما صليت خلف أحد أتم وأخف مما صليت خلف رسول الله وروي أنه قرأ بالمعوذتين في صلاة الفجر يوما فلما فرغ قالوا أوجزت فقال سمعت بكاء صبي فخشيت على أمه أن تفتتن دل أن الإمام ينبغي له أن يراعي حال قومه ولأن مراعاة حال القوم سبب لتكثير الجماعة فكان ذلك مندوبا إليه هذا الذي ذكرنا في المقيم فأما المسافر فينبغي أن يقرأ مقدار ما يخف عليه وعلى القوم بأن يقرأ الفاتحة وسورة من قصار المفصل لما روي عن عقبة بن عامر الجهني أنه قال صلى بنا رسول الله في السفر صلاة الفجر فقرأ بفاتحة الكتاب والمعوذتين ولأن السفر مكان المشقة فلو قرأ فيه مثل ما يقرأ في الحضر لوقعوا في الحرج وانقطع بهم السير وهذا لا يجوز ولهذا أثر في قصر الصلاة فلأن يؤثر في قصر القراءة أولى ويستحب للإمام أن يفضل الركعة الأولى في القراءة على الثانية في الفجر بالإجماع وأما في سائر الصلوات فيسوي بينهما عند أبي حنيفة وأبي يوسف وقال محمد يفضل في الصلوات كلها وكذا هذا الاختلاف في الجمعة والعيدين واحتج محمد بما روى أبو قتادة رضي الله عنه أن النبي كان يطيل الركعة الأولى على غيرها في الصلوات كلها ولأن التفضيل تسبيب إلى إدراك الجماعة فيفضل كما في صلاة الفجر ولهما ما روي عن النبي أنه كان يقرأ في الجمعة في الركعة الأولى سورة الجمعة وفي الثانية سورة المنافقين وهما في الآي مستويتان وكان يقرأ في الأولى سورة الأعلى وفي الثانية الغاشية وهما مستويتان ولأنهما مستويتان في استحقاق القراءة فلا تفضل إحداهما على الأخرى إلا لداع وقد وجد الداعي في الفجر وهو الحاجة إلى الإعانة على إدراك الجماعة لكون الوقت وقت نوم وغفلة فكان التفضيل من باب النظر ولا داعي له في سائر الصلوات لكون الوقت وقت يقظة فالتخلف عن الجماعة يكون تقصيرا والمقصر لا يستحق النظر

Section V01/P205–V01/P206

وأما الحديث فنقول كان يطيل الركعة الأولى بالثناء في أول الصلاة لا بالقراءة والمستحب أن يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة تامة كذا ورد في الحديث ولو قرأ سورة واحدة في الركعتين قال بعض المشايخ يكره لأنه خلاف ما جاء به الأثر وقال عامتهم لا يكره وكذا روى عيسى بن أبان عن أصحابنا أنه لا يكره وروى في ذلك حديثا بإسناده عن ابن مسعود أنه قرأ في الفجر سورة بني إسرائيل إلى قوله تعالى قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن في الركعة الأولى ثم قام إلى الثانية وختم السورة ولو جمع بين السورتين في ركعة لا يكره لما روي أن النبي أوتر بسبع سور من المفصل والأفضل أن لا يجمع ولو قرأ من وسط السورة أو آخرها جاز كذا روى الفقيه أبو جعفر الهندواني رحمه الله لكن المستحب ما ذكرنا فإذا فرغ من الفاتحة يقول آمين إماما كان أو مقتديا أو منفردا وهذا قول عامة العلماء وقال بعض الناس لا يؤتى بالتأمين أصلا وقال مالك يأتي به المقتدي دون الإمام والمنفرد والصحيح قول العامة لما روي عن أبي هريرة عن النبي أنه قال إذا أمن الإمام فأمنوا فإن الملائكة تؤمن فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر حثنا على التأمين من غير فصل ثم السنة فيه المخافتة عندنا وعند الشافعي الجهر في صلاة الجهر واحتج بما روينا من الحديث ووجه التعلق به أنه علق تأمين القوم بتأمين الإمام ولو لم يكن مسموعا لم يكن معلوما فلا معنى للتعلق وعن وائل بن حجر أن النبي قال آمين ومد بها صوته ولنا ما روي عن وائل بن حجر أن النبي أخفى بالتأمين ( ( ( التأمين ) ) ) وهو قول علي وابن مسعود وروي عنه أنه قال إذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين فإن الإمام يقولها ولو كان مسموعا لما احتيج إلى قوله فإن الإمام يقولها ولأنه من باب الدعاء لأن معناه اللهم أجب أو ليكن كذلك قال الله تعالى قد أجيبت دعوتكما وموسى كان يدعو وهارون كان يؤمن والسنة في الدعاء الإخفاء وحديث وائل طعن فيه النخعي وقال أشهد وائل وغاب عبد الله على أنه يحتمل أنه جهر مرة للتعليم ولا حجة له في الحديث الآخر لأن مكانه معلوم وهو ما بعد الفراغ من الفاتحة فكان التعليق صحيحا وإذا فرغ من القراءة ينحط للركوع ويكبر مع الانحطاط ولا يرفع يديه أما التكبير عند الانتقال من القيام إلى الركوع فسنة عند عامة العلماء وقال بعضهم لا يكبر حال ما ركع وإنما يكبر حال ما يرفع رأسه من الركوع والصحيح قول العامة لما روي عن علي وابن مسعود وأبي موسى الأشعري وغيرهم أن النبي كان يكبر عند كل خفض ورفع وروي أنه كان يكبر وهو يهوي والواو للحال ولأن الذكر سنة في كل ركن ليكون معظما لله تعالى فيما هو من أركان الصلاة بالذكر كما هو معظم له بالفعل فيزداد معنى التعظيم والانتقال من ركن إلى ركن بمعنى الركن لكونه وسيلة إليه فكان الذكر فيه مسنونا وأما رفع اليدين عند التكبير فليس بسنة في الفرائض عندنا إلا في تكبيرة الافتتاح وقال الشافعي يرفع يديه عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع وقال بعضهم يرفع يديه عند كل تكبيرة وأجمعوا على أنه يرفع الأيدي في تكبير القنوت وتكبيرات العيدين احتج الشافعي بما روي عن جماعة من الصحابة مثل علي وابن عمر ووائل بن حجر وأبي هريرة رضي الله عنهم أن النبي كان يرفع يديه عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع ولنا ما روى أبو حنيفة بإسناده عن عبد الله بن مسعود أن النبي كان يرفع يديه عند تكبيرة الافتتاح ثم لا يعود بعد ذلك

Section V01/P206–V01/P207

وعن علقمة أنه قال صليت خلف عبد الله بن مسعود فلم يرفع يديه عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع فقلت له لم لا ترفع يديك فقال صليت خلف رسول الله وخلف أبي بكر وعمر فلم يرفعوا أيديهم إلا في التكبيرة التي تفتتح بها الصلاة وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال إن العشرة الذين شهد لهم رسول الله بالجنة ما كانوا يرفعون أيديهم إلا لافتتاح الصلاة وخلاف هؤلاء الصحابة قبيح وفي المشاهير أن النبي قال لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن عند افتتاح الصلاة وفي العيدين والقنوت في الوتر وعند استلام الحجر وعلى الصفا والمروة وبعرفات وبجمع وعند المقامين عند الجمرتين وروي أنه رأى بعض أصحابه يرفعون أيديهم عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع فقال مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس اسكنوا في الصلاة وفي رواية قاروا في الصلاة ولأن هذه تكبيرة يؤتى بها في حالة الانتقال فلا يسن رفع اليدين عندها كتكبيرة السجود وتأثيره أن المقصود من رفع اليدين إعلام الأصم الذي خلفه وإنما يحتاج إلى الإعلام بالرفع في التكبيرات التي يؤتى بها في حالة الاستواء كتكبيرات الزوائد في العيدين وتكبير ( ( ( وتكبيرات ) ) ) القنوت فأما فيما يؤتى به في حالة الانتقال فلا حاجة إليه لأن الأصم يرى الانتقال فلا حاجة إلى رفع اليدين وما رواه منسوخ فإنه روي أنه كان يرفع ثم ترك ذلك بدليل ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال رفع رسول الله فرفعنا وترك فتركنا دل عليه أن مدار حديث الرفع على علي وابن عمر وعاصم بن كليب عن أبيه قال صليت خلف علي سنتين فكان لا يرفع يديه إلا في تكبيرة الافتتاح ومجاهد قال صليت خلف عبد الله بن عمر سنتين فكان لا يرفع يديه إلا في تكبيرة الافتتاح فدل عملهما على خلاف ما رويا على معرفتهما انتساخ ذلك على أن ترك الرفع عند تعارض الأخبار أولى لأنه لو ثبت الرفع لا تربو درجته على السنة ولو لم يثبت كان بدعة وترك البدعة أولى من إتيان السنة ولأن ترك الرفع مع ثبوته لا يوجب فساد الصلاة والتحصيل مع عدم الثبوت يوجب فساد الصلاة لأنه اشتغال بعمل ليس من أعمال الصلاة باليدين جميعا وهو تفسير العمل الكثير وقد بينا المقدار المفروض من الركوع في موضعه وأما سنن الركوع فمنها أن يبسط ظهره لما روي عن أبي هريرة وعائشة رضي الله عنهما أن النبي كان إذا ركع بسط ظهره حتى لو وضع على ظهره قدح من ماء لاستقر ومنها أن لا ينكس رأسه ولا يرفعه أي يسوي رأسه بعجزه لما روي أن النبي كان إذا ركع لم يرفع رأسه ولم ينكسه وروي أنه نهى أن يذبح ( ( ( يدبح ) ) ) المصلي تذبيح ( ( ( تدبيح ) ) ) الحمار وهو أن يطأطىء ( ( ( يطأطئ ) ) ) رأسه إذا شم البول أو أراد أن يتمرغ ولأن بسط الظهر سنة وأنه لا يحصل مع الرفع والتنكيس ومنها أن يضع يديه على ركبتيه وهو قول عامة الصحابة رضوان الله عليهم وقال ابن مسعود السنة هي التطبيق وهو أن يجمع بين كفيه ويرسلهما بين فخذيه والصحيح قول العامة لما روي عن النبي أنه قال لأنس رضي الله عنه إذا ركعت فضع كفيك على ركبتيك وفرج بين أصابعك وفي رواية وفرق بين أصابعك وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال سنت ( ( ( ثنيت ) ) ) لكم الركب فخذوا بالركب والتطبيق منسوخ لما روي أن ( سعيد بن العاص ) رأى ابنه يطبق في الصلاة فنهاه عن ذلك فقال رأيت ابن مسعود يطبق في الصلاة فقال رحم الله ابن مسعود كنا نطبق في الابتداء ثم نهينا عنه فيحتمل أن ابن مسعود كان يفعله لأن النسخ لم يبلغه

Section V01/P207–V01/P208

ومنها أنه يفرق بين أصابعه لما روينا ولأن السنة هي الوضع مع الأخذ لحديث عمر رضي الله عنه والتفريق أمكن من الأخذ ومنها أن يقول في ركوعه سبحانه ( ( ( سبحان ) ) ) ربي العظيم ثلاثا وهذا قول العامة وقال مالك في قول من ترك التسبيح في الركوع تبطل صلاته وفي رواية عنه أنه قال لا نجد في الركوع دعاء مؤقتا وروي عن أبي مطيع البلخي أنه قال من نقص من الثلاث في تسبيحات الركوع والسجود لم تجزه صلاته وهذا فاسد لأن الأمر تعلق بفعل الركوع والسجود مطلقا عن شرط التسبيح فلا يجوز نسخ الكتاب بخبر الواحد فقلنا بالجواز مع كون التسبيح سنة عملا بالدليلين بقدر الإمكان ودليل كونه سنة ما روي عن عقبة بن عامر أنه قال لما نزل قوله تعالى فسبح باسم ربك العظيم قال النبي اجعلوها في ركوعكم ولما نزل قوله تعالى سبح اسم ربك الأعلى قال اجعلوها في سجودكم ثم السنة فيه أن يقوله ( ( ( يقول ) ) ) ثلاثا وذلك أدناه وقال الشافعي يقول مرة واحدة لأن الأمر بالفعل لا يقتضي التكرار فيصير ممتثلا بتحصيله مرة واحدة ولنا ما روي عن ابن مسعود عن النبي أنه قال إذا صلى أحدكم فليقل في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاثا وفي سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاثا وذلك أدناه والأمر بالفعل يحتمل التكرار فيحمل عليه عند قيام الدليل وروي عن محمد أنه إذا سبح مرة واحدة يكره لأن الحديث جعل الثلاث أدنى التمام فما دونه يكون ناقصا فيكره ولو زاد على الثلاث فهو أفضل لأن قوله وذلك أدناه دليل استحباب الزيادة وهذا إذا كان منفردا فإن كان مقتديا يسبح إلى أن يرفع الإمام رأسه وأما إذا كان إماما فينبغي أن يسبح ثلاثا ولا يطول على القوم لما روينا من الأحاديث ولأن التطويل سبب التنفير وذلك مكروه وقال بعضهم يقولها أربعا حتى يتمكن القوم من أن يقولوها ثلاثا وعن سفيان الثوري أنه يقولها خمسا وقال الشافعي يزيد في الركوع على التسبيحة الواحدة اللهم لك ركعت ولك خشعت ولك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت ويقول في السجود سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره فتبارك الله أحسن الخالقين كذا روي عن علي رضي الله عنه وهو عندنا محمول على النوافل ثم الإمام إذا كان في الركوع فسمع خفق النعل ممن دخل المسجد هل ينتظره أم لا قال أبو يوسف سألت أبا حنيفة وابن أبي ليلى عن ذلك فكرها ( ( ( فكرهاه ) ) ) وقال أبو حنيفة أخشى عليه أمرا عظيما يعني الشرك وروى هشام عن محمد أنه كره ذلك وعن أبي مطيع أنه كان لا يرى به بأسا وقال الشافعي لا بأس به مقدار تسبيحة أو تسبيحتين وقال بعضهم يطول التسبيحات ولا يزيد على العدد وقال أبو القاسم الصفار إن كان الرجل غنيا لا يجوز له الانتظار وإن كان فقيرا يجوز وقال الفقيه أبو الليث إن كان الإمام قد عرف الجائي فإنه لا ينتظره لأنه يشبه الميل وإن لم يعرفه فلا بأس به لأن في ذلك إعانة على الطاعة والله أعلم وإذا اطمأن راكعا رفع رأسه وقال سمع الله لمن حمده ولم يرفع يديه فيحتاج فيه إلى بيان المفروض والمسنون أما المفروض فقد ذكرناه وهو الانتقال من الركوع إلى السجود لما بينا أنه وسيلة إلى الركن وأما رفع الرأس وعوده إلى القيام فهو تعديل الانتقال وأنه ليس بفرض عند أبي حنيفة ومحمد بل هو واجب أو سنة عندهما وعند أبي يوسف والشافعي فرض على ما مر وأما سنن هذا الانتقال فمنها أن يأتي بالذكر لأن الانتقال فرض فكان الذكر فيه مسنونا واختلفوا في ماهية الذكر والجملة فيه أن المصلي لا يخلو إما إن كان إماما أو مقتديا أو منفردا فإن كان إماما يقول سمع الله لمن حمده ولا يقول ربنا لك الحمد في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي يجمع بين التسميع والتحميد وروي عن أبي حنيفة مثل قولهما

Section V01/P208–V01/P209

احتجوا بما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت كان رسول الله إذا رفع رأسه من الركوع قال سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد وغالب أحواله كان هو الإمام وكذا روى أبو هريرة رضي الله عنه ولأن الإمام منفرد في حق نفسه وكذا روى أبو هريرة رضي الله عنه ولأن الإمام منفرد في حق نفسه والمنفرد يجمع بين هذين الذكرين فكذا الإمام ولأن التسميع تحريض على التحميد فلا ينبغي أن يأمر غيره بالبر وينسى نفسه كيلا يدخل تحت قوله تعالى أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب واحتج أبو حنيفة بما روى أبو موسى الأشعري وأبو هريرة رضي الله عنهما عن النبي أنه قال إنما جعل الإمام إماما ليؤتم به فلا تختلفوا عليه فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا وإذا قال ولا الضالين فقولوا آمين وإذا ركع فاركعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا لك الحمد قسم التحميد والتسميع بين الإمام والقوم فجعل التحميد لهم والتسميع له وفي الجمع بين الذكرين من أحد الجانبين إبطال هذه القسمة وهذا لا يجوز وكان ينبغي أن لا يجوز للإمام التأمين أيضا بقضية هذا الحديث وإنما عرفنا ذلك لما روينا من الحديث ولأن إتيان التحميد من الإمام يؤدي إلى جعل التابع متبوعا والمتبوع تابعا وهذا لا يجوز بيان ذلك أن الذكر يقارن الانتقال فإذا قال الإمام مقارنا للانتقال سمع الله لمن حمده يقول المقتدي مقارنا له ربنا لك الحمد فلو قال الإمام بعد ذلك لوقع قوله بعد قول المقتدي فينقلب المتبوع تابعا والتابع متبوعا ومراعاة التبعية في جميع أجزاء الصلاة واجبة بقدر الإمكان وحديث عائشة رضي الله عنها محمول على حالة الانفراد في صلاة الليل وقولهم الإمام منفرد في حق نفسه مسلم لكن المنفرد لا يجمع بين الذكرين على إحدى الروايتين عن أبي حنيفة ولأن ما ذكرنا من معنى التبعية لا يتحقق في المنفرد فبطل الاستدلال وأما قولهم إنه يأمر غيره بالبر فينبغي أن لا ينسى نفسه فنقول إذا أتى بالتسميع فقد صار دالا على التحميد والدال على الخير كفاعله فلم يكن ناسيا نفسه هذا إذا كان إماما فإن كان مقتديا يأتي بالتحميد لا غير عندنا وعند الشافعي يجمع بينهما استدلالا بالمنفرد لأن الاقتداء لا أثر له في إسقاط الأذكار بالإجماع وإن اختلفا في القراءة ولنا أن النبي قسم التسميع والتحميد بين الإمام والمقتدي وفي الجمع بينهما من الجانبين إبطال القسمة وهذا لا يجوز ولأن التسميع دعاء إلى التحميد وحق من دعي إلى شيء الإجابة إلى ما دعي إليه لا إعادة ما دعي إليه وإن كان منفردا فإنه يأتي بالتسميع في ظاهر الرواية وكذا يأتي بالتحميد عندهم وعن أبي حنيفة روايتان روى المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه يأتي بالتسميع دون التحميد وإليه ذهب الشيخ الإمام أبو القاسم الصفار والشيخ أبو بكر الأعمش وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يجمع بينهما وذكر في بعض النوادر عنه أنه يأتي بالتحميد لا غير وفي الجامع الصغير ما يدل عليه فإن أبا يوسف قال سألت أبا حنيفة رحمه الله تعالى عن الرجل يرفع رأسه من الركوع في الفريضة أيقول اللهم اغفر لي قال يقول ربنا لك الحمد ويسكت وما أراد به الإمام لأنه لا يأتي بالتحميد عنده فكان المراد منه المنفرد وجه هذه الرواية أن التسميع ترغيب في التحميد وليس معه من يرغبه والإنسان لا يرغب نفسه فكانت حاجته إلى التحميد لا غير وجه رواية المعلى أن التحميد يقع في حالة القومة وهي مسنونة وسنة الذكر تختص بالفرائض والواجبات كالتشهد في القعدة الأولى ولهذا لم يشرع في القعدة ( ( ( القعدتين ) ) ) بين السجدتين وجه رواية الحسن أن رسول الله جمع بينهما في حديث عائشة رضي الله عنها ولا محمل له سوى حالة الانفراد لما مر ولهذا كان عمل الأمة على هذا وما كان الله ليجمع أمة محمد على ضلالة

Section V01/P209–V01/P210

واختلفت الأخبار في لفظ التحميد في بعضها ربنا لك الحمد وفي بعضها ربنا ولك الحمد وفي بعضها اللهم ربنا لك الحمد والأشهر هو الأول وإذا اطمأن قائما ينحط للسجود لأنه فرغ من الركوع وأتى به على وجه التمام فيلزمه الانتقال إلى ركن آخر وهو السجود إذ الانتقال من ركن إلى ركن فرض لأنه وسيلة إلى الركن على ما مر ومن سنن الانتقال أن يكبر مع الانحطاط ولا يرفع يديه لما تقدم ومنها أن يضع ركبتيه على الأرض ثم يديه وهذا عندنا وقال مالك والشافعي يضع يديه أولا واحتجا بما روي أن النبي نهى عن بروك الجمل في الصلاة وهو يضع ركبتيه أولا ولنا عين هذا الحديث لأن الجمل يضع يديه أولا وروي عن عمر وابن مسعود رضي الله عنهما مثل قولنا وهذا إذا كان الرجل حافيا يمكنه ذلك فإن كان ذا خف لا يمكنه وضع الركبتين قبل اليدين فإنه يضع يديه أولا ويقدم اليمنى على اليسرى ومنها أن يضع جبهته ثم أنفه وقال بعضهم أنفه ثم جبهته والكلام في فرضية أصل السجود والقدر المفروض منه ومحل إقامة الفرض قد مر في موضعه وههنا نذكر سنن السجود منها أن يسجد على الأعضاء السبعة لما روينا فيما تقدم ومنها أن يجمع في السجود بين الجبهة والأنف فيضعهما وعند الشافعي فرض لقوله لا يقبل الله صلاة من لم يمس أنفه الأرض كما يمس جبهته وهو عندنا محمول على التهديد ونفي الكمال لما مر ومنها أن يسجد على الجبهة والأنف من غير حائل من العمامة والقلنسوة ولو سجد على كور العمامة ووجد صلابة الأرض جاز عندنا كذا ذكر محمد في الآثار وقال الشافعي لا يجوز والصحيح قولنا لما روي أن النبي كان يسجد على كور عمامته ولأنه لو سجد على عمامته وهي منفصلة عنه ووجد صلابة الأرض يجوز فكذا إذا كانت متصلة به ولو سجد على حشيش أو قطن إن تسفل جبينه فيه حتى وجد حجم الأرض أجزأه وإلا فلا وكذا إذا صلى على طنفسة محشوة جاز إذا كان متلبدا وكذا إذا صلى على الثلج إذا كان موضع سجوده متلبدا يجوز وإلا فلا ولو زحمه الناس فلم يجد موضعا للسجود فسجد على ظهر رجل أجزأه لقول عمر اسجد على ظهر أخيك فإنه مسجد لك وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه إن سجد على ظهر شريكه في الصلاة يجوز وإلا فلا لأن الجواز للضرورة وذلك عند المشاركة في الصلاة ومنها أن يضع يديه في السجود حذاء أذنيه لما روي أن النبي كان إذا سجد وضع يديه حذاء أذنيه ومنها أن يوجه أصابعه نحو القبلة لما روي عن النبي أنه قال إذا سجد العبد سجد كل عضو منه فليوجه من أعضائه إلى القبلة ما استطاع ومنها أن يعتمد على راحتيه لقوله لعبد الله بن عمر إذا سجدت فاعتمد على راحتيك ومنها أن يبدي ضبعيه لقوله لابن عمر وأبد ضبعيك أي أظهر الضبع وهو وسط العضد بلحمه وروى جابر رضي الله عنه أن النبي كان إذا سجد جافى عضديه عن جنبيه حتى يرى بياض إبطيه ومنها أن يعتدل في سجوده ولا يفترش ذراعيه لما روي عن النبي أنه قال اعتدلوا في السجود ولا يفترش أحدكم ذراعيه افتراش الكلب وقال مالك يفترش في النفل دون الفرض وهو محجوج ( ( ( فاسد ) ) ) لما روينا من الحديث من غير فصل وهذا في حق الرجل فأما المرأة فينبغي أن تفترش ذراعيها وتنخفض ولا تنتصب كانتصاب الرجل وتلزق بطنها بفخذيها لأن ذلك أستر لها ومنها أن يقول في سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاثا وذلك أدناه لما ذكرنا ثم يرفع رأسه ويكبر حتى يطمئن قاعدا والرفع فرض لأن السجدة الثانية فرض فلا بد من الرفع للانتقال إليها والطمأنينة في القعدة بين السجدتين للاعتدال وليست بفرض في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى ولكنها سنة أو واجبة وعند أبي يوسف والشافعي رحمهما الله تعالى فرض على ما مر

Section V01/P210

وأما مقدار الرفع بين السجدتين فقد روى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى فيمن رفع رأسه من السجدة مقدار ما تمر الريح بينه وبين الأرض أنه تجوز صلاته وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه إذا رفع رأسه مقدار ما يسمى به رافعا جاز وكذا قال محمد بن سلمة أنه إذا رفع رأسه مقدار ما لا يشكل على الناظر أنه رفع رأسه جاز وهو الصحيح لأنه وجد الفصل بين الركنين والانتقال وهذا هو المفروض فأما الاعتدال فمن باب السنة أو الواجب على ما مر والسنة فيه أن يكبر مع الرفع لما مر ثم ينحط للسجدة الثانية مكبرا ويقول ويفعل فيها مثل ما فعل في الأولى ثم ينهض على صدور قدميه ولا يقعد يعني إذا قام من الأولى إلى الثانية ومن الثالثة إلى الرابعة وقال الشافعي يجلس جلسة خفيفة ثم يقوم واحتج بما روى مالك بن الحويرث أن النبي كان إذا رفع رأسه من السجدة الثانية استوى قاعدا واعتمد بيديه على الأرض حالة القيام ولنا ما روى أبو هريرة أن النبي كان إذا قام من السجدة الثانية ينهض على صدور قدميه وروي عن عمر وعلي وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم أنهم كانوا ينهضون على صدور أقدامهم وما رواه الشافعي محمول على حالة الضعف حتى كان يقول لأصحابه لا تبادروني بالركوع والسجود فإني قد بدنت أي كبرت وأسننت فاختار أيسر الأمرين ويعتمد بيديه على ركبتيه لا على الأرض ويرفع يديه قبل ركبتيه وعند الشافعي يعتمد بيديه على الأرض ويرفع ركبتيه قبل يديه لما روينا من حديث مالك بن الحويرث ولنا ما روي عن علي أنه قال من السنة في الصلاة المكتوبة أن لا يعتمد بيديه على الأرض إلا أن يكون شيخا كبيرا وبه تبين أن النبي إنما فعل ذلك في حالة العذر ثم يفعل ذلك في الركعة الثانية مثل ما فعل في الأولى ويقعد على رأس الركعتين وقد بينا فيما تقدم صفة القعدة الأولى وأنها واجبة شرعت للفصل بين الشفعين وههنا نذكر كيفية القعدة وذكر القعدة أما كيفيتها فالسنة أن يفترش رجله اليسرى في القعدتين جميعا ويقعد عليها وينصب اليمنى نصبا وقال الشافعي السنة في القعدة الأولى كذلك فأما في الثانية فإنه يتورك وقال مالك يتورك فيهما جميعا وتفسير التورك أن يضع إليتيه على الأرض ويخرج رجليه إلى الجانب الأيمن ويجلس على وركه الأيسر احتج الشافعي بما روي عن أبي حميد الساعدي أنه قال فيما وصف صلاة رسول الله كان إذا جلس في الأولى فرش رجله اليسرى وقعد عليها ونصب اليمنى نصبا وإذا جلس في الثانية أماط رجليه وأخرجهما من تحت وركه اليمنى ولنا ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي كان إذا قعد فرش رجله اليسرى وقعد عليها ونصب اليمنى نصبا وروى أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي أنه نهى عن التورك في الصلاة وحديث أبي حميد محمول على حال الكبر والضعف وهذا في حق الرجل فأما المرأة فإنها تقعد كأستر ما يكون لها فتجلس متوركة لأن مراعاة فرض الستر أولى من مراعاة سنة القعدة ويوجه أصابع رجله اليمنى نحو القبلة لما مر وينبغي أن يضع يده اليمنى على فخذه الأيمن واليسرى على فخذه الأيسر في حالة القعدة كذا روي عن محمد في النوادر وذكر الطحاوي أنه يضع يديه على ركبتيه والأول أفضل لما روي أن النبي كان إذا قعد وضع مرفقه اليمنى على فخذه الأيمن وكذا اليسرى على فخذه الأيسر ولأن في هذا توجيه أصابعه إلى القبلة وفيما قاله الطحاوي توجيهها إلى الأرض والله أعلم وأما ذكر القعدة فالتشهد والكلام في التشهد في مواضع في بيان كيفية التشهد وفي بيان قدر التشهد وفي بيان أنه واجب أو سنة وفي بيان سنة التشهد

Section V01/P210–V01/P211

أما الأول فقد اختلف الصحابة رضي الله عنهم في كيفيته وأصحابنا أخذوا بتشهد عبد الله بن مسعود وهو أن يقول التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله والشافعي أخذ بتشهد عبد الله بن عباس وهو أن يقول التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ومالك أخذ بتشهد عمر رضي الله عنه وهو أن يقول التحيات الناميات الزاكيات المباركات الطيبات لله والباقي كتشهد ابن مسعود رضي الله عنه ومن الناس من اختار تشهد أبي موسى الأشعري وهو أن يقول التحيات لله الطيبات والصلوات لله والباقي كتشهد ابن مسعود وفي هذا حكاية فإنه روي أن أعرابيا دخل على أبي حنيفة فقال أبواو أم بواوين فقال بواوين فقال الأعرابي بارك الله فيك كما بارك في لا ولا ثم ولى فتحير أصحابه فسألوه عن سؤاله فقال إن هذا سألني عن التشهد أبواوين كتشهد ابن مسعود أم بواو كتشهد أبي موسى الأشعري فقلت بواوين قال بارك الله فيك كما بارك في شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية وإنما أوردت هذه الحكاية ليعلم كمال فطنة أبي حنيفة ونفاذ بصيرته حيث كان يقف على المراد بحرف تغمده الله برحمته احتج الشافعي بأن ابن عباس كان من شبان الصحابة وإنما كان يختار ما استقر عليه الأمر فأما ابن مسعود فهو من الشيوخ ينقل ما كان في الابتداء كما نقل عنه التطبيق وغيره ولأن هذا موافق لكتاب الله تعالى لأن فيه وصف التحية بالبركة على ما قال الله تعالى تحية من عند الله مباركة طيبة وفيه ذكر السلام منكرا كما في قوله تعالى سلام على نوح في العالمين سلام على إبراهيم سلام على موسى وهارون سلام قولا من رب رحيم فكان الأخذ به أولى احتج ( ( ( واحتج ) ) ) مالك بأن عمر رضي الله عنه علم الناس التشهد بهذه الصفة على منبر رسول الله ولنا ما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال أخذ رسول الله بيدي وعلمني التشهد كما كان يعلمني السورة من القرآن وقال قل التحيات لله والصلوات والطيبات إلى آخرها وقال إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد تمت صلاتك وأخذ اليد عند التعليم لتأكيد التعليم وتقريره عند المتعلم وكذا أمر به بقوله قل وكذا علق تمام الصلاة بهذا التشهد فمن لم يأت به لا توصف صلاته بالتمام ولأن هذا التشهد هو المستفيض في الأمة الشائع في الصحابة فإنه روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه علم الناس التشهد على منبر رسول الله هكذا ولم ينكر عليه أحد من الصحابة فكان إجماعا وكذا روى ابن عمر عن الصديق رضي الله عنهما أنه كان يعلم الناس التشهد كما يعلم الصبيان في الكتاب وذكر مثل تشهد ابن مسعود وكذا روي عن معاوية أنه علم الناس التشهد على المنبر على نحو ما نقله ابن مسعود وكذا المروي عن علي رضي الله عنه أن النبي علمه التشهد وذكر تشهد ابن مسعود وكذا المروي عن عائشة رضي الله عنها وقالت هكذا تشهد رسول الله ولأن تشهد ابن مسعود أبلغ في الثناء لأن الواو توجب عطف بعض الكلمات على البعض فكان كل لفظ ثناء على حدة ومما ( ( ( وفيما ) ) ) ذكره ابن عباس إخراج الكلام مخرج الصفة فيكون الكل كلاما واحدا كما في اليمين فإن قوله والله والرحمن والرحيم ثلاثة أيمان وقوله والله الرحمن الرحيم يمين واحد وكذا السلام في هذا التشهد مذكور بالألف واللام وفي ذلك التشهد مذكور على طريق التنكير ولا شك أن اللام أبلغ لأن اللام لاستغراق الجنس مع أن هذا موافق لكتاب الله أيضا قال الله تعالى والسلام على من اتبع الهدى والسلام علي يوم ولدت

Questions