Qur'an&Sunnah

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)

Section V07/P332

وذكر الكرخي عليه الرحمة في حد الوصية ما أوجبه الموصي في ماله تطوعا بعد موته أو في مرضه الذي مات فيه فقوله ما أوجبه الموصى في ماله تطوعا بعد موته لا يشمل جميع أفراد الوصايا فإنه لا يتناول الوصية بالقرب الواجبة التي تسقط بالموت من غير وصية كالحج والزكاة والكفارات ونحوها فلم يكن الحد جامعا وقوله أو في مرضه حد مقسم وأنه فاسد وكذا تبرع الإنسان بماله في مرضه الذي مات فيه من الإعتاق والهبة والمحاباة والكفالة وضمان الدرك لا يكون وصية حقيقة لأن حكم هذه التصرفات منجز نافذ في الحال قبل الموت وحكم الوصية يتأخر إلى ما بعد الموت فلم تكن هذه التصرفات من المريض وصية حقيقة إلا أنها تعتبر بالوصايا في حق اعتبار الثلث فإما أن تكون وصية حقيقة فلا وعلى هذا يخرج ما إذا أوصى بثلث ماله أو ربعه وقد ذكر قدرا من ماله مشاعا أو معينا إن قدر ما يستحقه الموصى له من مال هو ماله الذي عند الموت لا ما كان عند الوصية حتى لو أوصى بثلث ماله وماله يوم أوصى ثلاثة آلاف ويوم مات ثلثمائة لا يستحق الموصى له إلا مائة ولو لم يكن له مال يوم أوصى ثم اكتسب مالا ثم مات فله ثلث المال يوم مات ولو كان له مال يوم أوصى فمات وليس له مال بطلت وصيته وإنما كان كذلك لما ذكرنا أن الوصية تمليك مضاف إلى وقت الموت فيستحق الموصى له ما كان على ملك الموصي عند موته ويصير المضاف إلى الوقت كالمنجز عنده كأنه قال عند الموت لفلان ثلث مالي فيعتبر ما يملكه في ذلك الوقت لا ما قبله وذكر ابن سماعة في نوادره عن أبي يوسف رحمه الله تعالى فقال إذا أوصى رجل فقال لفلان شاة من غنمي أو نخلة من نخلي أو جارية من جواري ولم يقل من غنمي هذه ولا من جواري هؤلاء ولا من نخلي هذه فإن الوصية في هذا تقع يوم موت الموصي ولا تقع يوم أوصى حتى لو ماتت غنمه تلك أو باعها فاشترى مكانها أخرى أو ماتت جواريه فاشترى غيرهن أو باع النخل واشترى غيرها فإن للموصى له نخلة من نخله يوم يموت وليس للورثة أن يعطوه غير ذلك لما بينا أن الوصية عقد مضاف إلى الموت فكأنه قال في تلك الحالة لفلان شاة من غنمي فيستحق شاة من الموجود دون ما قبله قال فإن ولدت الغنم قبل أن يموت الموصي أو ولدت الجواري قبل موته فلحقت الأولاد الأمهات ثم مات الموصي فإن للورثة أن يعطوه إن شاؤوا من الأمهات وإن شاؤوا من الأولاد لأن الاسم يتناول الكل عند الموت فكان المستفاد بالولادة كالمستفاد بالشراء قال فإن اختار الورثة أن يعطوه شاة من غنمه ولها ولد قد ولدته بعد موت الموصي فإن ولدها يتبعها وكذلك صوفها ولبنها لأن الوصية وإن تعلقت بشاة غير معينة لكن التعيين من الورثة يكون بيانا أن الشاة المعينة هي من الموصى بها كأن الوصية وقعت بهذه المعينة ابتداء فما حدث من نماتها ( ( ( نمائها ) ) ) بعد الموت يكون للموصى له قال فأما ما ولدت قبل موت الموصى فلا يستحقه الموصى له لأن الوصية اعتبارها عند الموت فالحادث قبل الموت يحدث على ملك الورثة وكذلك الصوف المنفصل واللبن المنفصل واللبن المنفصل قبل الموت لما قلنا فأما إن كان متصلا بها فهو للموصى له وإن حدث قبل الموت لأنه لا ينفرد عنها بالتمليك قال ولو استهلكت الورثة لبن الشاة أو صوفها وقد حدث بعد الموت فعليهم ضمانه لأن الموصى له ملكه بملك الأصل فيكون مضمونا بالإتلاف قال ولو قال أوصيت له بشاة من غنمي هذه أو بجارية من جواري هؤلاء أو قال قد أوصيت له بإحدى جاريتي هاتين فهذا على هذه الغنم وهؤلاء الجواري لأنه عين الموصى به وهو الشاة من الغنم المشار إليها حتى لو ماتت الغنم أو باعها بطلت الوصية كما لو قال أوصيت بهذه الشاة أو بهذه الجارية فهلكت

Section V07/P332–V07/P333

ولو ولدت الغنم أو الجواري في حال حياة الموصى ثم أراد الورثة أن يعطوه من الأولاد ليس لهم ذلك لأن الوصية تعلقت بعين مشار إليها وإن لم يثبت الملك فيها ينزل في غيرها فإن دفع الورثة إليه جارية من الجواري لم يستحق ما ولدت قبل الموت لأن الوصية لم تكن وجبت فيها لأن الملك في الوصية إنما ينتقل ( ( ( ينقل ) ) ) بالموت فما حدث قبل الموت يحدث على ملك الميت فيكون للورثة وما ولدت بعد الموت فهو للموصى له لأنه ملكها بالموت فحدث الولد على ملكه قال فإن ماتت الأمهات كلها إلا واحدة تعينت الوصية فيها لأنه لم يبق من يزاحمها في تعلق الوصية فتعينت ضرورة انتفاء المزاحم فإن ماتت الأمهات كلها وقد بقي لها أولاد حدثت بعد الموت أو أحرق النخل وبقي لها ثمر حدث بعد الموت فعلى الورثة أن يدفعوا إليه ولد جارية وثمرة نخلة لأن الوصية كانت متعلقة بها فيظهر الاستحقاق في الولد الحادث بعده فإذا هلكت الأم بقي الحق في الولد على حاله ولا يظهر فيما حدث قبل الموت والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما شرائط الركن فبعضها يرجع إلى نفس الركن وبعضها يرجع إلى الموصي وبعضها يرجع إلى الموصى له وبعضها يرجع إلى الموصى به أما الذي يرجع إلى نفس الركن فهو أن يكون القبول موافقا للإيجاب فإن خالف الإيجاب لم يصح القبول لأنه إذا خالفه لم يرتبط فبقي الإيجاب بلا قبول فلا يتم الركن وبيان ذلك إذا قال لرجلين أوصيت بهذه الجارية لكما فقبل أحدهما بعد موت الموصي ورد الآخر لم يصح القبول لأنه أوصى لهما جميعا فكان وصية لكل واحد منهما بنصف الجارية وكانت الجارية بينهما لو قبلا فإذا رد أحدهما لم يوجد الشرط وهو قبولهما جميعا فبطلت الوصية ولو أوصى بها لإنسان ثم أوصى بها لآخر فقبل أحدهما الوصية بعد موت الموصي ورد الآخر فالنصف للموصى له والنصف لورثة الموصي لأنه أوصى لكل واحد منهما على حياله فلا يشترط اجتماعهما في القبول فإذا رد أحدهما بعد موت الموصي لم يتم الركن في حقه بل بطل الإيجاب في حقه فعاد نصيبه إلى ورثة الموصي فصح القبول من الآخر فاستحق نصف الوصية كالشفيعين إذا سلم أحدهما الشفعة بعد قضاء القاضي بالشفعة أن ذلك النصف يكون للمشتري ولا يكون للشفيع الآخر وأما الذي يرجع إلى الموصي فأنواع منها أن يكون من أهل التبرع في الوصية بالمال وما يتعلق به لأن الوصية بذلك تبرع بإيجابه بعد موته فلا بد من أهلية التبرع فلا تصح من الصبي والمجنون لأنهما ليسا من أهل التبرع لكونه من التصرفات الضارة المحضة إذ لا يقابله عرض ( ( ( عوض ) ) ) دنيوي وهذا عندنا وقال الشافعي رحمه الله في أحد قوليه وصية الصبي العاقل في القرب صحيحة واحتج بما روي أن سيدنا عمر رضي الله عنه أجاز وصية غلام يافع وهو الذي قرب إدراكه ولأن في وصيته نظرا له لأنه يثاب عليه ولو لم يوصي ( ( ( يوص ) ) ) لزال ملكه إلى الوارث من غير ثواب لأنه يزول عنه جبرا شاء أو أبى فكان هذا تصرفا نافعا في حقه فأشبه صلاة التطوع وصوم التطوع والجواب أما إجازة سيدنا عمر رضي الله عنه فيحتمل أن وصية ذلك الصبي كانت لتجهيزه وتكفينه ودفنه ووصية الصبي في مثله جائزة عندنا لأنه يثبت من غير وصية وأما قوله يحصل له عوض وهو الثواب فمسلم لكنه ليس بعوض دنيوي فلا يملكه الصبي كالصدقة مع ما أن هذا في حد التعارض لأنه كما يثاب على الوصية يثاب على الترك للوارث بل هو أولى في بعض الأموال لما بينا فيما تقدم وسواء مات قبل الإدراك وبعده لأنها وقعت باطلة فلا تنقلب إلى الجواز بالإدراك إلا بالاستئناف وسواء كان الصبي مأذونا في التجارة أو محجورا لأن الوصية ليست من باب التجارة إذ التجارة معاوضة المال بالمال

Section V07/P333–V07/P334

ولو أضاف الوصية إلى ما بعد الإدراك بأن قال إذا أدركت ثم مت فثلث مالي لفلان لم يصح لأن عبارته لم تقع صحيحة فلا تعتبر في إيجاب الحكم بعد الموت ولا تصح وصية العبد المأذون والمكاتب لأنهما ليسا من أهل التبرع ولو أوصيا ثم أعتقا وملكا مالا ثم ماتا لم تجز لوقوعها باطلة من الابتداء ولو أضاف أحدهما الوصية إلى ما بعد العتق بأن قال إذا أعتقت ثم مت فثلث مالي لفلان صح فرقا بين العبد والصبي ووجه الفرق أن عبارة الصبي فيما يتضرر به ملحقة بالعدم لنقصان عقله فلم تصح عبارته من الأصل بل بطلت والباطل لا حكم له بل هو ذاهب متلاشي ( ( ( متلاش ) ) ) في حق الحكم فأما عبارة العبد فصحيحة لصدورها عن عقل مميز إلا أن امتناع تبرعه لحق المولى فإذا عتق فقد زال المانع والله سبحانه وتعالى أعلم ومنها رضا الموصى لأنها إيجاب ملك أو ما يتعلق بالملك فلا بد فيه من الرضا كإيجاب الملك بسائر الأشياء فلا تصح وصية الهازل والمكره والخاطىء ( ( ( والخاطئ ) ) ) لأن هذه العوارض تفوت الرضا وأما إسلام الموصي فليس بشرط لصحة وصيته فتصح وصية الذمي ( ( ( الذي ) ) ) بالمال للمسلم والذمي في الجملة لأن الكفر لا ينافي أهلية التمليك ألا ترى أنه يصح بيع الكافر وهبته فكذا وصيته وكذا الحربي المستأمن إذا أوصى للمسلم أو الذمي يصح في الجملة لما ذكرنا غير أنه إن كان دخل وارثه معه في دار الإسلام وأوصى بأكثر من الثلث وقف ما زاد على الثلث على إجازة وارثه لأنه بالدخول مستأمنا التزم أحكام الإسلام أو ألزمه من غير التزامه لإمكان إجراء الأحكام عليه ما دام في دار الإسلام ومن أحكام الإسلام أن الوصية بما زاد على الثلث ممن له وارث تقف على إجازة وارثه وإن لم يكن له وارث أصلا تصح من جميع المال كما في المسلم والذمي وكذلك إذا كان له وارث لكنه في دار الحرب لأن امتناع الزيادة على الثلث لحق الورثة وحقهم غير معصوم لأنه لا عصمة لأنفسهم وأموالهم فلأن لا يكون لحقهم الذي في مال مورثهم عصمة أولى وذكر في الأصل ولو أوصى الحربي في دار الحرب بوصية ثم أسلم أهل الدار أو صاروا ذمة ثم اختصما إلي في تلك الوصية فإن كانت قائمة بعينها أجزتها وإن كانت قد استهلكت قبل الإسلام أبطلتها لأن الحربي من أهل التمليك ألا يرى أنه من أهل سائر التمليكات كالبيع ونحوه فكانت وصيته جائزة في نفسها إلا أنه ليس لنا ولاية اجراء أحكام الإسلام وتنفيذها في دارهم فإذا أسلموا أو صاروا ذمة قدرنا على التنفيذ فنفذها ( ( ( فننفذها ) ) ) ما دام الموصى به قائما فأما إذا صار مستهلكا أبطلنا الوصية وألحقناها بالعدم لأن أهل الحرب إذا أسلموا أو صاروا ذمة لا يؤاخذون بما استهلك بعضهم على بعض وبما اغتصب بعضهم من بعض بل يبطل ذلك كذا هذا ومنها أن لا يكون على الموصي دين مستغرق لتركته فإن كان لا تصح وصيته لأن الله تبارك وتعالى قدم الدين على الوصية والميراث لقوله تبارك وتعالى في آية المواريث من بعد وصية يوصي بها أو دين ويوصي بها أو دين وتوصون ( ( ( و ) ) ) بها ( ( ( يوصين ) ) ) أودين ويوصين بها أو دين ولما روي عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال إنكم تقرؤون ( ( ( تقرءون ) ) ) الوصية قبل الدين وقد شهدت رسول الله بدأ بالدين قبل الوصية أشار سيدنا علي رضي الله عنه إلى أن الترتيب في الذكر لا يوجب الترتيب في الحكم

Section V07/P334–V07/P335

وروي أنه قيل لابن عباس رضي الله عنهما إنك تأمر بالعمرة قبل الحج وقد بدأ الله تبارك وتعالى بالحج فقال تبارك وتعالى وأتموا الحج والعمرة لله فقال رضي الله عنه كيف تقرؤون ( ( ( تقرءون ) ) ) آية الدين فقالوا ( من بعد وصية يوصي بها أو دين ) فقال وبماذا تبدؤون ( ( ( تبدءون ) ) ) قالوا بالدين قال رضي الله عنه هو ذاك ولأن الدين واجب والوصية تبرع والواجب مقدم على التبرع ومعنى تقدم الدين على الوصية والميراث أنه يقضى الدين أولا فإن فضل منه شيء يصرف إلى الوصية والميراث وإلا فلا وأما معنى تقدم الوصية على الميراث فليس معناه أن يخرج الثلث ويعزل عن التركة ويبدأ بدفعه إلى الموصى له ثم يدفع الثلثان إلى الورثة لأن التركة بعد قضاء الدين تكون بين الورثة وبين الموصى له على الشركة والموصى له شريك الورثة في الاستحقاق كأنه واحد من الورثة لا يستحق الموصى له من الثلث شيئا قل أو كثر إلا ويستحق منه الورثة ثلثيه ويكون فرضهما معا لا يقدم أحدهما على الآخر حتى لو هلك شيء من التركة قبل القسمة يهلك على الموصى له والورثة جميعا ولا يعطى الموصى له كل الثلث من الباقي بل الهالك يهلك على الحقين والباقي يبقى على الحقين كما إذا هلك شيء من المواريث بعد الوصايا بخلاف الدين فإنه إذا هلك بعض التركة وبقي البعض يستوفى كل الدين من الباقي وإنما معناه أنه يحسب قدر الوصية من جملة التركة أولا لتظهر سهام الورثة كما تحسب سهام أصحاب الفرائض أولا ليظهر الفاضل للعصبة ويحتمل أن يكون معنى قوله تبارك وتعالى يوصيكم الله في أولادكم للذكر إلى قوله تعالى من بعد وصية يوصي بها أي سوى ما لكم أن توصوه من الثلث أوصاكم الله بكذا وتكون بعد بمعنى سوى والله تعالى أعلم وأما الذي يرجع إلى الموصى له فمنها أن يكون موجودا فإن لم يكن موجودا لا تصح الوصية لأن الوصية للمعدوم لا تصح وعلى هذا يخرج ما إذا قال أوصيت بثلث مالي لما في بطن فلانة أنها إن ولدت لما يعلم أنه كان موجودا في البطن صحت الوصية وإلا فلا وإنما يعلم ذلك إذا ولدت لأقل من ستة أشهر ثم يعتبر ذلك من وقت موت الموصي في ظاهر الرواية وعند الطحاوي رحمه الله من وقت وجود الوصية وجه ما ذكره الطحاوي رحمه الله أن سبب الاستحقاق هو الوصية فيعتبر وجوده وجه ظاهر الرواية أن وقت نفوذ الوصية واعتبارها في حق الحكم وقت الموت فيعتبر وجوده من ذلك الوقت لأنها إذا جاءت به لأقل من ستة أشهر من وقت الموت أو من وقت الوصية على اختلاف الروايتين تيقنا أنه كان موجودا إذ المرأة لا تلد لأقل من ستة أشهر وإذا جاءت به لستة أشهر فصاعدا لا يعلم وجوده في البطن لاحتمال أنها علقت بعده فلا يعلم وجوده بالشك إلا إذا كانت المرأة معتدة من زوجها من طلاق أو وفاة فولدت إلى سنتين منذ طلقها أو مات عنها زوجها فله الوصية لأن نسب الولد يثبت من زوجها إلى سنتين ومن ضرورة ثبات النسب الحكم بوجوده في البطن وقت موت الموصي فرق بين الوصية لما في البطن وبين الهبة لما في البطن أن الهبة لا تصح والوصية صحيحة لأن الهبة لا صحة لها بدون القبض ولم يوجد والوصية لا تقف صحتها على القبض ولو قال إن كان في بطن فلانة جارية فلها وصية ألف وإن كان في بطنها غلام فله وصية ألفان فولدت جارية لستة أشهر إلا يوما وولدت غلاما بعد ذلك بيومين فلهما جميع الوصية لأنهما أوصى لهما جميعا لكن لأحدهما بألف وللآخر بألفين وقد علم كونهما في البطن أما الجارية فلا شك فيها لأنها ولدت لأقل من ستة أشهر من وقت موت الموصي فعلم أنها كانت موجودة في البطن في ذلك الوقت

Section V07/P335–V07/P336

وكذا الغلام لأنه لما ولد لأكثر من ستة أشهر بيوم أو يومين علم أنه كان في البطن مع الجارية لأنه توأم فكان من ضرورة كون أحدهما في البطن كون الآخر كذلك لأنهما علقا من ماء واحد فإن ولدت غلامين وجاريتين لأقل من ستة أشهر فذلك إلى الورثة يعطون أي الغلامين شاؤوا وأي الجاريتين شاؤوا إلا أنه ما أوصى لهما جميعا وإنما أوصى لأحدهما وليس أحدهما بأولى من الآخر فكان البيان إلى الورثة لأنهم قائمون مقام المورث وقيل إن هذا الجواب على مذهب محمد رحمه الله تعالى فأما على قول أبي حنيفة رضي الله عنه فالوصية باطلة بناء على مسألة أخرى وهو ما إذا أوصى بثلث ماله لفلان وفلان أو أوصى بثلث ماله لأحد هذين الرجلين روي عن أبي حنيفة رضي الله عنه أن الوصية باطلة وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله أنها صحيحة غير أن عند أبي يوسف الوصية لهما جميعا وعند محمد لأحدهما وخيار التعيين إلى الورثة يعطون أيهما شاؤوا فقاسوا هذه المسألة على تلك لأن المعنى يجمعهما وهو جهالة الموصى له ومنهم من قال ههنا يجوز في قولهم جميعا وفرق بين المسألتين من حيث أن الجهالة هناك مقارنة للعقد وههنا طارئة لأن الوصية هناك حال وجودها أضيفت إلى ما في البطن لا إلى أحد الغلامين وإحدى الجاريتين ثم طرأت بعد ذلك بالولادة والبقاء أسهل من الابتداء كالعدة إذا قارنت النكاح منعته من الإنعقاد فإذا طرأت عليه لا ترفعه كذا ههنا ولو قال إن كان الذي في بطن فلانة غلاما فله ألفان وإن كان جارية فلها ألف فولدت غلاما وجارية فليس لواحد منهما شيء من الوصية لأنه جعل شرط استحقاق الوصية لكل واحد منهما أن يكون هو كل ما في البطن بقوله إن كان الذي في بطنها كذا فله كذا وكل واحد منهما ليس هو كل ما في البطن بل بعض ما فيه فلم يوجد شرط صحة استحقاق الوصية في كل واحد منهما فلا يستحق أحدهما شيئا بخلاف المسألة الأولى لأن قوله إن كان في بطن فلانة جارية فلها كذا وإن كان في بطنها غلام فله كذا ليس فيه شرط أن يكون كل واحد كل ما في البطن بل الشرط فيه أن يكون في بطنها غلام وأن يكون في بطنها جارية وقد كان في بطنها غلام وجارية فوجد شرط الاستحقاق وكذلك لو أوصى بما في بطن دابة فلان أن ينفق عليه أن الوصية جائزة إذا قبل صاحبها وتعتبر فيه المدة على ما ذكرنا هذا هو حكم الوصية لما في البطن فأما حكم الإقرار بمال لما في بطن فلانة فهذا في الأصل على وجهين إما إن بين السبب وإما إن لم يبين بل أطلق فإن بين السبب فإما إن بين سببا هو جائز الوجود وإما إن بين سببا هو مستحيل الوجود عادة فإن بين سببا هو جائز الوجود عادة بأن قال لما في بطن فلانة علي ألف درهم لأني استهلكت ماله أو غصبت أو سرقت جاز إقراره في قولهم جميعا وإن بين سببا هو مستحيل الوجود عادة بأن قال لما في بطن فلانة علي ألف درهم لأني استقرضت منه لا يجوز في قولهم جميعا لأنه أسند إقراره إلى سبب هو محال عادة وإن لم يبين للإقرار سببا بل سكت عنه بأن قال لما في بطن فلانة علي ألف درهم ولم يزد عليه فهذا الإقرار باطل في قولهما وعند محمد صحيح وجه قوله أن تصرف العاقل يحمل على الصحة ما أمكن وأمكن تصحيحه بالحمل على سبب متصور الوجود فيحمل عليه تصحيحا له ولهما أن الإقرار المطلق بالدين يراد به الإقرار بسبب المداينة لأنه هو السبب الموضوع لثبوت الدين وأنه في الدين ههنا محال عادة والمستحيل عادة كالمستحيل حقيقة

Section V07/P336

ومنها أن يكون حيا وقت موت الموصي حتى لو قال أوصيت بثلث مالي لما في بطن فلانة فولدت لأقل من ستة أشهر من وقت موت الموصي ولدا ميتا لا وصية له لأن الميت ليس من أهل استحقاق الوصية كما ليس من أهل استحقاق الميراث بأن ولد ميتا وأنها أخت الميراث ولو ولدت ولدين حيا وميتا فجميع الوصية للحي لأن الميت لا يصلح محلا لوضع الوصية فيه ولهذا لو أوصى لحي وميت كان كل الوصية للحي كما لو أوصى لآدمي وحائط والله سبحانه وتعالى أعلم ومنها أن لا يكون وارث الموصي وقت موت الموصي فإن كان لا تصح الوصية لما روي عن أبي قلابة رضي الله عنه عن رسول الله أنه قال إن الله تبارك وتعالى أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث وفي هذا حكاية وهي ما حكي أن سليمان بن الأعمش رحمه الله تعالى كان مريضا فعاده أبو حنيفة رضي الله عنه فوجده يوصي لإبنيه فقال أبو حنيفة رضي الله عنه أن هذا لا يجوز فقال ولم يا أبا حنيفة فقال لأنك رويت لنا أن رسول الله قال لا وصية لوارث فقال سليمان رحمه الله يا معشر الفقهاء أنتم الأطباء ونحن الصيادلة فقد نفى الشارع عليه الصلاة والسلام أن يكون لوارث وصية نصا وأشار إلى تحول الحق من الوصية إلى الميراث على ما بينا فيما تقدم ولأنا لو جوزنا الوصية للورثة لكان للموصي أن يؤثر بعض الورثة وفيه إيذاء البعض وإيحاشهم فيؤدي إلى قطع الرحم وأنه حرام وما أفضى إلى الحرام فهو حرام دفعا للتناقض ثم الشرط أن لا يكون وارث الموصي وقت موت الموصي لا وقت الوصية حتى لو أوصى لأخيه وله ابن وقت الوصية ثم مات قبل موت الموصي ثم مات الموصي لم تصح الوصية لأن الموصى له وهو الأخ صار وارث الموصي عند موته ولو أوصى لأخيه ولا ابن له وقت الوصية ثم ولد له ابن ثم مات الموصي صحت الوصية لأن الأخ ليس بوارثه عند الموت لصيرورته محجوبا بالابن وإنما اعتبرت الوراثة وقت موت الموصي لا وقت وصيته لأن الوصية ليست بتمليك للحال ليعتبر كونه وارثا وقت وجودها بل هي تمليك عند الموت فيعتبر ذلك عند الموت وكذلك الهبة في المرض بأن وهب المريض لوارثه شيئا ثم مات أنه يعتبر كونه وارثا له وقت الموت لا وقت الهبة لأن هبة المريض في معنى الوصية حتى تعتبر من الثلث وعلى هذا يخرج ما إذا أوصى لامرأة أجنبية وهو مريض أو صحيح ثم تزوجها أنه لا يصح ولو أقر المريض لامرأة أجنبية بدين ثم تزوجها جاز إقراره لأن الوصية إنما تصير ملكا عند موت الموصي فيعتبر كونها وارثة له حينئذ وهي وارثته عند موته لأنها زوجته فلم تصح الوصية فأما الإقرار فاعتباره حال وجوده وهي أجنبية حال وجوده فاعتراض الزوجية بعد ذلك لا يبطله وكذا لو وهب لها هبة في مرض موته ثم تزوجها بطلت الهبة لأن تبرعات المريض مرض الموت تعتبر بالوصايا ولو أوصى وهو مريض أو صحيح لابنه النصراني صح لأنه ليس بوارثه فلو أسلم الابن قبل موته بطلت وصيته لما قلنا إن اعتبارها بعد الموت وهو وارث بعد الموت ولو أقر المريض بدين لابنه النصراني ثم أسلم لم يجز إقراره عند أصحابنا الثلاثة رحمهم الله تعالى وعند زفر رحمه الله تعالى يصح وجه قوله على نحو ما ذكرنا في المرأة أن الإقرار يعتبر حال وقوعه وأنه غير وارث وقت الإقرار فاعتراض الوراثة بعد ذلك لا يبطل الدين الثابت كما قلنا في المرأة

Section V07/P336–V07/P337

ولنا أن الوراثة وإن لم تكن موجودة عند الإقرار لكن سببها كان قائما وهو القرابة لكن لم يظهر عملها للحال لمانع وهو الكفر فعند زوال المانع يلحق بالعدم من الأصل ويعمل السبب من وقت وجوده لا من وقت زوال ( ( ( زاول ) ) ) المانع كما في البيع بشرط الخيار أن عند سقوط الخيار يعمل السبب وهو البيع في الحكم من وقت وجوده لا من وقت سقوط الخيار والجامع أن العامل عند ارتفاع المانع ذات البيع وذات القرابة فتستند السببية إلى وقت وجود ذاته فيظهر أنه أقر لوارثه فلم يصح أو يقال إن إقرار المريض لوارثه إنما يرد التهمة ( ( ( للتهمة ) ) ) وسبب التهمة وقت الإقرار موجود وهو القرابة بخلاف ما إذا أقر لامرأة أجنبية ثم تزوجها لأن هناك سبب القرابة لم يكن موجودا وقت الإقرار لأن السبب هو الزوجية ولم تكن وقت الإقرار وإنما وجدت بعد ذلك وبعد وجودها لا تحتمل الاستناد فيقتصر على حال وجودها ولم يكن ذلك إقرارا لوارثه فيصح ويثبت الدين في ذمته فلا يسقط بحدوث الزوجية وعلى التقريب الثاني لم يوجد سبب التهمة وقت الإقرار فيصح ولو كان ابنه مسلما لكنه مملوك فأوصى له ثم أعتق فالوصية باطلة لما ذكرنا أن أوان اعتبار الوصية أوان الموت وهو وارثه عند الموت ولو أقر له بالدين وهو مريض أو وهب له هبة فقبضها فإن لم يكن عليه دين جاز ذلك لأنه إذا لم يكن عليه دين كان الإقرار والهبة لمولاه وأنه أجنبي عن الموصي فجاز وإن كان عليه دين لا يجوز لأن الإقرار والهبة يقعان له لا لمولاه لأنه يقضي منه ديونه فتبين أن الإقرار كان لوارثه من طريق الاستناد فلا يصح أو لا يصح لقيام سبب شبهة التهمة وقت الإقرار كما قلنا في الإقرار لابنه النصراني إذا أسلم ولو أوصى لبعض ورثته فأجاز الباقون جازت الوصية لأن امتناع الجواز كان لحقهم لما يلحقهم من الأذى والوحشة بإيثار البعض ولا يوجد ذلك عند الإجازة وفي بعض الروايات عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال لا وصية لوارث إلا أن يجيزها الورثة ولو أوصى بثلث ماله لبعض ورثته ولأجنبي فإن أجاز بقية الورثة جازت الوصية لهما جميعا وكان الثلث بين الأجنبي وبين الوارث نصفين وإن ردوا جازت في حصة الأجنبي وبطلت في حصة الوارث وقال بعض الناس يصرف الثلث كله إلى الأجنبي لأن الوارث ليس بمحل للوصية فالتحقت الإضافة إليه بالعدم كما لو أوصى لحي وميت أن الوصية كلها للحي لما قلنا كذا هذا

Section V07/P337–V07/P338

وهذا غير سديد لأن الوصية للوارث ليست وصية باطلة بدليل أنه لو اتصلت بها الإجازة جازت والباطل لا يحتمل الجواز بالإجازة وبه تبين أن الوارث محل للوصية لأن التصرف المضاف إلى غير محله يكون باطلا دل أنه محل وأن الإضافة إليه وقعت صحيحة إلا أنها تبطل في حصته برد الباقين وإذا وقعت صحيحة فقد أوصى لكل واحد منهما بنصف الثلث ثم بطلت الوصية في حق الوارث بالرد فبقيت في حق الأجنبي على حالها كما لو أوصى لأجنبيين فرد أحدهما دون الآخر بخلاف المريض إذا أقر بدين لبعض ورثته ولأجنبي كما إذا أقر لهما بألف درهم والوارث مع الأجنبي تصادفا ( ( ( تصادقا ) ) ) أنه لا يصح لهما الإقرار أصلا لا للوارث ولا للأجنبي لأن الوصية تمليك فبطلانه في حق أحدهما لا يوجب البطلان في حق الآخر لأنه لا يوجب الشركة والإقرار لهما بالدين اخبار عن دين مشترك بينهما فلو صح في حق الأجنبي لكان فيه قسمة الدين قبل القبض وإنها باطلة ولأنه إذا كان إخبارا عن دين مشترك بينهما فالوارث يشارك الأجنبي فيما يقبض ثم تبطل حصته وفيه إقرار الوارث ( ( ( للوارث ) ) ) وأنه باطل بخلاف الوصية فإن الوارث لا يشارك الأجنبي وإذا بطل الإقرار أصلا تقسم التركة بين ورثة المقر فما أصاب الوارث المقر له من ذلك يكون بينه وبين الأجنبي إلى تمام الإقرار وما زاد على ذلك يكون للوارث لأنهما إذا تصادقا فمن زعمهما أن هذا القدر دين على الميت والدين مقدم على الميراث هذا إذا تصادقا فإن تكاذبا أو أنكر الأجنبي شركة الوارث أو رد الورثة إقراره فالإقرار باطل أيضا في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله لما ذكرنا وإذا بطل كان المال ميراثا بين ورثة المقر فما أصاب الوارث فهو له كله ولا شركة للأجنبي فيه لأنه يكذبه في ذلك وعند محمد يصح إقراره في حق الأجنبي ويكون له خمسمائة وإن كان الأجنبي يكذب الوارث والوارث يصدقه في ذلك فالخمسمائة مما أصابه للأجنبي لأنه لما صدقه الوارث فقد أقر أنه كان له على الميت خمسمائة دين وأنه مقدم على الميراث إلا أنه ادعى الشركة فيه وهو يكذبه في الشركة فكان القول قول الأجنبي ويأخذ تلك الخمسمائة كلها ولو أوصى لعبد وارثه لا يصح سواء كان على العبد دين أو لم يكن أما إذا لم يكن عليه دين فظاهر لأن الوصية تقع لمولاه لأن الملك يقع له فكانت الوصية لوارثه وإن كان عليه دين فالوصية تقع لمولاه من وجه لأنه إذا سقط عنه الدين يصير الموصى به للوارث وقت الوصية فكان وصية للوارث من وجه فلا تصح إلا إذا عتق قبل موت الموصى فيصح ( ( ( فتصح ) ) ) الوصية لأن الوصية إيجاب الملك عند موت الموصى وهو كان حرا عند موته وكذا إذا أوصى لعبد نفسه فأعتقه قبل موته صحت وصيته له فإن مات وهو عبد بطلت لأن وصيته لمولاه ومولاه وارثه ولو أوصى لمكاتب وارثه لا يصح لأن منفعة الوصية تحصل لوارثه في الحال والمآل في الحال بأداء بدل الكتابة وفي المآل بالعجز ولو أوصى لمكاتب نفسه جاز لأنه إما أن يعتق بأداء بدل الكتابة فيصير أجنبيا فتجوز له الوصية وإما أن يعجز ويرد في الرق فيصير ميراثا لجميع ورثته لا لبعضهم دون بعض فلا يكون في هذه الوصية إيثار بعض الورثة على بعض فتجوز كما لو أوصى بثلث ماله لورثته ومنها أن لا يكون قاتل الموصي قتلا حراما على سبيل المباشرة فإن كان لم تصح الوصية له عندنا وبه أخذ الشافعي رحمه الله وقال مالك رحمه الله هذا ليس بشرط وتصح الوصية للقاتل واحتج بما ذكرنا من الدلائل لجواز الوصية في أول الكتاب من غير فصل بين القاتل وغيره ولأن الوصية تمليك وتملك والقتل لا ينافي أهلية التمليك ولنا ما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال لا وصية لقاتل وهذا نص

Section V07/P338–V07/P339

ويروى أنه قال ليس لقاتل شيء ذكر الشيء نكرة في محل النفي فتعم الميراث والوصية جميعا وبه تبين أن القاتل مخصوص عن عمومات الوصية ولأن الوصية أخت الميراث ولا ميراث للقاتل لما روي عن سيدنا عمر وسيدنا علي رضي الله عنهما لما ( ( ( أنهما ) ) ) يجعلا للقاتل ميراثا وعن عبيدة السلماني أنه قال لا يرث قاتل بعد صاحب البقرة ويروى لا يورث قاتل بعد صاحب البقرة وهذا منه بيان لإجماع المسلمين من زمن سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام إلى زمن التابعين رضي الله عنهم على أنه لا ميراث للقاتل وذكر محمد رحمه الله هذه الآثار في الأصل وقال والوصية عندنا بمنزلة ذلك لا وصية للقاتل ولأن الورثة تتأذى بوضع الوصية في القاتل كما يتأذى البعض بوضعها في البعض فيؤدي إلى قطع الرحم وأنه حرام ولأن المجروح إذا صار صاحب فراش فقد تعلق حق الورثة بماله نظرا لهم لئلا يزيل المورث ملكه إلى غيرهم لعداوة أو أذى لحقه من جهتهم فيتضررون بذلك لكن مع بقاء ملك المورث نظرا له لحاجته إلى دفع حوائجه الأصلية وسبب ثبوت حقهم في مرض الموت ما هو سبب ثبوت ملكهم بعد الموت وهو القرابة فكان ينبغي أن لا يملك التبرع بشيء من ماله إلا أنه ملك ذلك على غير القاتل والوارث بخلاف القياس فيبقى الأمر فيهما على أصل القياس ولأن القتل بغير حق جناية عظيمة فتستدعي الزجر بأبلغ الوجوه وحرمان الوصية يصلح زاجرا لحرمان الميراث فيثبت وسواء كان القتل عمدا أو خطأ لأن القتل الخطأ قتل وأنه جاز المؤاخذة عليه عقلا وسواء أوصى له بعد الجناية أو قبلها لأن الوصية إنما تقع تمليكا بعد الموت فتقع وصية للقاتل تقدمت الجناية أو تأخرت ولا تجوز الوصية لعبد القاتل كان على العبد دين أو لم يكن ولا لمكاتبه لما ذكرنا في عبد الوارث ومكاتبه وتجوز الوصية لابن القاتل ولأبويه ولجميع قرابته لأن ملك كل واحد منهما منفصل عن ملك صاحبه فلا تكون الوصية لأحدهما وصية لصاحبه ولو اشترك عشرة في قتل رجل فأوصى لبعضهم بعد الجناية لم تصح لأن كل واحد منهم قاتل على الكمال حين وجب القصاص على كل واحد منهم فكانت وصية لقاتله فلم تصح ولو كان أحدهم عبد الموصى فوصى ( ( ( فأوصى ) ) ) لبعضهم بعد الجناية وأعتق عبده ثم مات فالوصية باطلة ولا يبطل العتق ولكن العبد يسعى في قيمته أما بطلان الوصية فلما ذكرنا أن كل واحد منهم قاتل فكان الموصى له قاتلا فلم تصح الوصية له وأما صحة الإعتاق ونفاذه ففيه ضرب إشكال وهو إن الإعتاق حصل في مرض الموت والإعتاق في مرض الموت وصية والوصية للقاتل لا تصح والعبد قاتل فينبغي أن لا ينفذ إعتاقه والجواب عنه من وجهين أحدهما أن الإعتاق في مرض الموت ليس بوصية حقيقة لأن الوصية تمليك والإعتاق إسقاط الملك وإزالته لا إلى أحد ( ( ( أحدهما ) ) ) وهما متغايران بل متنافيان حقيقة وكذا الإعتاق ينجز ( ( ( ينجر ) ) ) حكمه للحال وحكم الوصية يتأخر إلى ما بعد الموت فلم يكن الإعتاق في مرض الموت وصية حقيقة إلا أنه يشبه الوصية من حيث أنه يعتبر من الثلث لا غير والثاني إن كان في معنى الوصية فالوصية بالإعتاق مردودة من حيث المعنى وإن كانت نافذة صورة ألا ترى أن العبد يسعى في قيمته والسعاية قيمة الرقبة فكانت السعاية ردا للوصية معنى والعتق بعد وقوعه وإن كان لا يحتمل النقض صورة يحتمله معنى برد السعاية التي هي قيمة الرقبة ولو أوصى لعبده بالثلث ثم قتله العبد لم تصح وصيته غير أنه يعتق ويسعى في جميع قيمته أما بطلان الوصية فلأنه وصية للقاتل

Section V07/P339

وأما نفاذ العتاق ( ( ( العتق ) ) ) فلأن الوصية للقاتل ليست بباطلة بل هي صحيحة ألا ترى أنها تقف على إجازة الورثة في ظاهر الرواية فإذا أوصى له بثلث ماله فقد أوصى له بثلث رقبته لأن رقبته من ماله فدخلت تحت الوصية بالثلث فلما مات الموصى ملك ثلث رقبته وتمليك ثلث رقبته منه يكون إعتاقا لثلثه عند الموت فيعتق ثلثه عند الموت ثم ينقض من حيث المعنى برد السعاية كما لو أعتقه نصا في مرض موته أو أضاف العتق إلى ما بعد الموت بالتدبير غير أن عند أبي حنيفة رضي الله عنه وقعت الوصية له بثلث الرقبة لأن الإعتاق متجزىء عنده فيعتق ثلث رقبته ويسعى في ثلثيه لأنه معتق البعض ويسعى في ذلك الثلث للذي ( ( ( الذي ) ) ) عتق ردا للوصية معنى بالسعاية لأنه لا وصية للقاتل فيرد برد السعاية وعندهما وقعت الوصية له بكل الرقبة لأنه عتق كله لأن الإعتاق لا يتجزأ عندهما ومتى عتق كله يسعى في كل قيمته ردا للوصية معنى فاتفق الجواب وهو السعاية في جميع قيمته وإنما اختلف الطريق ولو أوصى للقاتل ثم أجازت الورثة الوصية بعد موت الموصى ذكر في الأصل أنه يجوز ولم يذكر خلافا وذكر في الزيادات أن على قول أبي يوسف لا يجوز وسكت عن قولهما فيدل على الجواز عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لأبي يوسف ما روينا عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال لا وصية لقاتل وقال عليه الصلاة والسلام ليس لقاتل شيء من غير فصل بين حال الإجازة وعدمها ولأن المانع من الجواز هو القتل والإجازة لا تمنع القتل ولهما أن امتناع الجواز كان لحق الورثة لأنهم يتأذون بوضع الوصية في القاتل أكثر مما يتأذى البعض بإيثار البعض بالوصية ثم جازت الوصية للبعض بإجازة الباقين فههنا أولى والدليل على أن المانع هو حق الورثة أن الورثة ينتفعون ببطلان الوصية للقاتل وحق الإنسان ما ينتفع به فإذا أجازوا ( ( ( جازوا ) ) ) فقد زال المانع فجازت ولهذا جازت الوصية لبعض الورثة بإجازة الباقين كذا هذا ولو كان القتل قصاصا لا يمنع صحة الوصية لأنه ليس بقتل حرام وكذا لو كان القاتل صبيا لأن قتله لا يوصف بالحرمة ولهذا لم يتعلق بشيء من ذلك حرمان الميراث فكذا حرمان الوصية وكذا القتل تسبيبا لا يمنع جواز الوصية كما لا يمنع حرمان الميراث على ما عرف في كتاب الفرائض وأما الإقرار للقاتل بالدين فإن صار صاحب فراش لم يجز وإن كان يذهب ويجيء جاز لأن إقرار المريض مرض الموت في معنى الوصية ألا ترى أنه لا يصح لوارثه كما لا تصح وصيته له وإذا كان يذهب ويجيء كان في حكم الصحيح فيجوز كما لو أقر لوارثه في هذه الحالة وكذا الهبة في المرض في معنى الوصية فلا تصح للقاتل وعفو المريض عن القاتل في دم العمد جائز لقوله تعالى وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم مطلقا من غير فصل بين حال المرض والصحة ولأن المانع من نفاذ تصرف المريض هو تعلق حق الورثة أو الغرماء وإنما يتعلق حقهم بالمال والقصاص ليس بمال وبهذا علل في الأصل وإن كان القتل خطأ يجوز العفو من الثلث لأن القتل الخطأ يوجب المال فكان عفوه بمنزلة الوصية بالمال وإنها جائزة من الثلث ودلت هذه المسألة على أن الدية كلها تجب على العاقلة ولا يجب على القاتل شيء لأنه لو وجب لم يصح عفوه من الثلث في حصة القاتل لأنه يكون وصية للقاتل في ذلك القدر ولا وصية للقاتل ولما جاز العفو ههنا من الثلث علم أن الدية لا تجب على القاتل وإنما تجب على عاقلة القاتل حتى تكون وصية لعاقلة القاتل ثم الوصية للقاتل إنما لا تجوز إذا لم تجز الورثة فإن أجازوا جازت ولم يذكر في الأصل اختلافا وذكر في الزيادات قول أبي يوسف أنها لا تجوز وإن أجازت الورثة وسكت عن قول أبي حنيفة ومحمد رحمهم الله تعالى

Section V07/P339–V07/P340

وجه قول أبي يوسف أن المانع من الجواز هو القتل وأنه لا ينعدم بالإجازة ولهذا حرم الميراث أجازته الورثة أو لا ولأنه لما قتله بغير حق صار كالحربي والوصية للحربي لا تجوز أجازت الورثة أم لم تجز كذا القاتل وجه ظاهر الرواية أن عدم الجواز لمكان حق الورثة لما ذكرنا في الوصية لبعض الورثة فيجوز عند إجازتهم كما جازت لبعض الورثة عند إجازة الباقين بل أولى لأن من الناس من يقول بجواز الوصية للقاتل وهو مالك ولا أحد يقول بجواز الوصية للوارث فلما لحقتها الإجازة هناك فلأن تلحقها ههنا أولى ومنها أن لا يكون حربيا عند مستأمن فإن كان لا تصح الوصية له من مسلم أو ذمي لأن التبرع بتمليك المال إياه يكون إعانة له على الحراب ( ( ( الخراب ) ) ) وإنه لا يجوز وأما كونه مسلما فليس بشرط حتى لو كان ذميا فأوصى له مسلم أو ذمي جاز وكذا لو أوصى ذمي ذميا لقوله عليه الصلاة والسلام فإذا قبلوا عقد الذمة فأعلمهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين وللمسلم أن يوصي مسلما أو ذميا كذا لهم وسواء أوصى لأهل ملته لغير أهل ملته لعموم الحديث ولأن الاختلاف بينه وبين غير أهل ملته لا يكون أكثر من الاختلاف بيننا وبينهم وذا لا يمنع جواز الوصية فهذا أولى وإن كان مستأمنا فأوصى له مسلم أو ذمي ذكر في الأصل أنه لا يجوز لأنه في عهدنا فأشبه الذمي الذي هو في عهدنا وتجوز الوصية للذمي وكذا الحربي المستأمن وروي عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه لا يجوز وهذه الرواية بقول أصحابنا رحمهم الله أشبه فإنهم قالوا إنه لا يجوز صرف الكفارة والنذر وصدقة الفطر والأضحية إلى الحربي المستأمن لما فيه من الإعانة على الحراب ويجوز صرفها إلى الذمي لأنا ما نهينا عن بر أهل الذمة لقوله سبحانه وتعالى لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم وقيل إن في التبرع عليه في حال الحياة بالصدقة والهبة روايتين عن أصحابنا فالوصية له على تلك الروايتين أيضا وكذا كونه من أهل الملك ليس بشرط حتى لو أوصى مسلم بثلث ماله للمسجد أن ينفق عليه في إصلاحه وعمارته وتجصيصه يجوز لأن قصد المسلم من هذه الوصية التقرب إلى الله سبحانه وتعالى بإخراج ماله إلى الله سبحانه وتعالى لا التمليك إلى أحد ولو أوصى المسلم لبيعة أو كنيسة بوصية فهو باطل لأنه معصية ولو أوصى الذمي بثلث ماله للبيعة أو لكنيسة أن ينفق عليها في إصلاحها أو أوصى لبيت النار أو أوصى بأن يذبح لعيدهم أو للبيعة أو لبيت النار ذبيحة جاز في قول أبي حنيفة رحمه الله وعندهما لا يجوز وجملة الكلام في وصايا أهل الذمة أنها لا تخلو إما إن كان الموصى به أمرا هو قربة عندنا وعندهما ( ( ( وعندهم ) ) ) أو كان أمرا هو قربة عندنا لا عندهم

Section V07/P340–V07/P341

وأما إن كان أمرا هو قربة عندهم لا عندنا فإن كان الموصى به شيئا هو قربة عندنا وعندهم بأن أوصى بثلث ماله أن يتصدق به على فقراء المسلمين أو على فقراء أهل الذمة أو بعتق الرقاب أو بعمارة المسجد الأقصى ونحو ذلك جاز في قولهم جميعا لأن هذا مما يتقرب به المسلمون وأهل الذمة وإن كان شيئا هو قربة عندنا وليس بقربة عندهم بأن أوصى بأن يحج عنه أو أوصى أن يبني مسجدا للمسلمين ولم يبين لا يجوز في قولهم جميعا لأنهم لا يتقربون به فيما بينهم فكان مستهزئا في وصيته والوصية يبطلها الهزل والهزل وإن كان شيئا هو قربة عندهم لا عندنا بأن أوصى بأرض له تبنى بيعة أو كنيسة أو بيت نار أو بعمارة البيعة أو الكنيسة أو بيت النار أو بالذبح لعيدهم أو للبيعة أو لبيت النار ذبيحة فهو على الاختلاف الذي ذكرنا أن عند أبي حنيفة رحمه الله يجوز وعندهما لا يجوز وجه قولهما أن الوصية بهذه الأشياء وصية بما هو معصية والوصية بالمعاصي لا تصح وجه قول أبي حنيفة أن المعتبر في وصيتهم ما هو قربة عندهم لا ما هو قربة حقيقة لأنهم ليسوا من أهل القربة الحقيقية ( ( ( الحقيقة ) ) ) ولهذا لو أوصى بما هو قربة عندنا وليس بقربة عندهم لم تجز وصيته كالحج وبناء المسجد للمسلمين فدل أن المعتبر ما هو قربة عندهم وقد وجد ولكنا أمرنا أن لا نتعرض لهم فيما يدينون كما لا نتعرض لهم في عبادة الصليب وبيع الخمر والخنزير فيما بينهم ولو بنى الذمي في حياته بيعة أو كنيسة أو بيت نار كان ميراثا بين ورثته في قولهم جميعا على اختلاف المذهبين أما على أصلهما فظاهر لأنه معصية وأما عنده فلأنه بمنزلة الوقف والمسلم لو جعل دارا وقفا إن مات صارت ميراثا كذا هذا فإن قيل لم لا يجعل حكم البيعة فيما بينهم كحكم المسجد فيما بين المسلمين فالجواب أن حال المسجد يخالف حال البيعة لأن المسجد صار خالصا لله تبارك وتعالى وانقطعت عنه منافع المسلمين وأما البيعة فإنها باقية على منافعهم فإنه يسكن فيها أساقفتهم ويدفن فيها موتاهم فكانت باقية على منافعهم فأشبه الوقف فيما بين المسلمين والوقف فيما بين المسلمين لا يزيل ملك الرقبة عنده فكذا هذا لو أوصى مسلم بغلة جاريته أن تكون في نفقة المسجد ومؤنته فانهدم المسجد وقد اجتمع من غلتها شيء أنفق ذلك في بنائه لأنه بالانهدام لم يخرج من أن يكون مسجدا وقد أوصى له بغلتها فتنفق في بنائه وعمارته والله أعلم ومنها أن لا يكون مملوكا للموصي إذا كانت الوصية بدراهم أو دنانير مسماة أو بشيء معين من ماله سوى رقبة العبد حتى لو أوصى لعبده بدراهم أو دنانير مسماة أو بشيء معين من ماله سوى رقبة العبد لا تصح الوصية لأنه إذ ذاك يكون موصيا لنفسه ولو أوصى له بشيء من رقبته بأن أوصى له بثلث رقبته جاز لأن الوصية له بثلث رقبته تمليك ثلث رقبته منه وتمليك نفس العبد منه يكون إعتاقا فيصير ثلثه مدبرا في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وعندهما يصير كله مدبرا لأن التدبير يتجزأ عنده كالإعتاق وعندهما لا يتجزأ ولو أوصى له بثلث ماله جازت وصيته وعتق ثلثه بعد موته لأن رقبته دخلت في الوصية لأنها ماله فوقعت الوصية عليها وعلى سائر أملاكه ثم ينظر إن كان ماله دراهم ودنانير ينظر إلى ثلثي العبد فإن كانت قيمة ثلثي العبد مثل ما وجب له في سائر أمواله صار قصاصا وإن كان في المال زيادة تدفع إليه الزيادة وإن كان في ثلثي قيمة العبد زيادة تدفع الزيادة إلى الورثة وإن كانت التركة عروضا لا تصير قصاصا إلا بالتراضي لاختلاف الجنس وعليه أن يسعى في ثلثي قيمته وله الثلث من سائر أمواله وللورثة أن يبيعوا الثلث من سائر أمواله حتى تصل إليهم السعاية وهذا قول أبي حنيفة رضي الله عنه

Section V07/P341–V07/P342

وأما عندهما صار كله مدبرا فإذا مات عتق كله ويكون العتق مقدما على سائر الوصايا فإن زاد الثلث على مقدار قيمته فعلى الورثة أن يدفعوا إليه فإن كانت قيمته أكثر فعليه أن يسعى في الفضل والله سبحانه وتعالى أعلم ومنها أن لا يكون مجهولا جهالة لا يمكن إزالتها فإن كان لم تجز الوصية له لأن الجهالة التي لا يمكن استدراكها تمنع من تسليم الموصى به إلى الموصى له فلا تفيد الوصية وعلى هذا يخرج ما إذا أوصى بثلث ماله لرجل من الناس أنه لا يصح بلا خلاف ولو أوصى لأحد هذين الرجلين لا يصح في قول أبي حنيفة رضي الله عنه وعندهما يصح غير أن عند أبي يوسف رحمه الله الوصية تكون بينهما نصفين وعند محمد رحمه الله الخيار إلى الوارث يعطي أيهما شاء وجه قول محمد إن الإيجاب وقع صحيحا لأن أحدهما وإن كان مجهولا ولكن هذه جهالة تمكن إزالتها ألا ترى إن الموصي لو عين أحدهما حال حياته لتعين ثم إن محمدا يقول لما مات عجز عن التعيين بنفسه فيقوم وارثه مقامه في التعيين وأبو يوسف يقول لما مات قبل التعيين شاعت الوصية لهما وليس أحدهما بأولى من الآخر كمن أعتق أحد عبديه ثم مات قبل البيان أن العتق يشيع فيهما جميعا فيعتق من كل واحد منهما نصفه كذا ههنا يكون لكل واحد منهما نصف الوصية ولأبي حنيفة أن الوصية تمليك عند الموت فتستدعي كون الموصى له معلوما عند الموت والموصى له عند الموت مجهول فلم تصح الوصية من الأصل كما لو أوصى لواحد من الناس فلا يمكن القول بالشيوع ولا يقام الوارث مقام الموصي في البيان لأن ذلك حكم الإيجاب الصحيح ولم يصح إلا أن الموصي لو بين الوصية في أحدهما حال حياته صحت لأن البيان إنشاء الوصية لأحدهما فكان وصية مستأنفة لأحدهما عينا وإنها صحيحة ولو كان له عبدان فأوصى بأرفعهما لرجل وبأخسهما لآخر ثم مات الموصي ثم مات أحد العبدين ولا يدري أيهما هو فالوصية بطلت في قول أبي حنيفة وزفر رحمهما الله اجتمعا على أخذ الباقي أو لم يجتمعا وقال أبو يوسف رحمه الله إن اجتمعا على أخذ الباقي فهو بينهما نصفان وإن لم يجتمعا على أخذه فلا شيء لهما وروي عن أبي يوسف أنه بينهما نصفان اجتمعا أو لم يجتمعا وعلى هذا يخرج الوصية لقوم لا يحصون أنها باطلة إذا لم يكن في اللفظ ما ينبىء عن الحاجة وإن كان فيه ما ينبىء عن الحاجة فالوصية جائزة لأنهم إذا كانوا لا يحصون ولم يذكر في اللفظ ما يدل على الحاجة وقعت الوصية تمليكا منهم وهم مجهولون والتمليك من المجهول جهالة لا يمكن إزالتها لا يصح ثم اختلف في تفسير الإحصاء قال أبو يوسف إن كانوا لا يحصون إلا بكتاب أو حساب فهم لا يحصون وقال محمد إن كانوا أكثر من مائة فهم لا يحصون وقيل إن كانوا بحيث لا يحصيهم محص حتى يولد منهم مولود ويموت منهم ميت فهم لا يحصون وقيل يفوض إلى رأي القاضي وإن كان في اللفظ ما يدل على الحاجة كان وصيته بالصدقة وهي إخراج المال إلى الله سبحانه وتعالى والله سبحانه وتعالى واحد معلوم فصحت الوصية ثم إذا صحت الوصية فالأفضل للوصي أن يعطي الثلث لمن يقرب إليه ( ( ( إليهم ) ) ) منهم فإن جعله في واحد فما زاد جاز عند أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد لا يجوز إلا أن يعطي اثنين منهم فصاعدا ولا يجوز أن يعطي واحدا إلا نصف الوصية وبيان هذه الجملة في مسائل إذا أوصى بثلث ماله للمسلمين لم تصح لأن المسلمين لا يحصون وليس في لفظ المسلمين ما ينبىء عن الحاجة فوقعت الوصية تمليكا من مجهول فلم تصح

Section V07/P342

ولو أوصى لفقراء المسلمين أو لمساكينهم صحت الوصية لأنهم وإن كانوا لا يحصون لكن عندهم اسم الفقير والمسكين ينبىء عن الحاجة فكانت الوصية لهم تقربا إلى الله تبارك وتعالى طلبا لمرضاته لا لمرضاة الفقير فيقع المال لله تعالى عز وجل ثم الفقراء يتملكون بتمليك الله تعالى منهم والله سبحانه وتعالى عز شأنه واحد معلوم ولهذا ( ( ( ولذا ) ) ) كان إيجاب الصدقة من الله سبحانه وتعالى من الأغنياء على الفقراء صحيحا وإن كانوا لا يحصون وإذا صحت الوصية فلو صرف الوصي جميع الثلث إلى فقير واحد جاز عند أبي حنيفة وأبي يوسف وقال محمد لا يجوز إلا أن يعطى منهم اثنين فصاعدا ولا يجوز أن يعطى واحدا منهم إلا نصف الثلث وجه قول محمد أن الفقراء اسم جمع وأقل الجمع الصحيح ثلاثة إلا أنه أقام الدليل على أن الاثنين في باب الوصية يقومان مقام الثلاث لأن الوصية أخت الميراث والله تعالى أقام الثنتين من البنات مقام الثلاث منهن في استحقاق الثلثين وكذا الاثنان من الاخوة والأخوات يقومان مقام الثلاث في نقص حق الأم من الثلث إلى السدس ولا دليل على قيام الواحد مقام الجماعة مع ما أن الجمع مأخوذ من الاجتماع وأقل ما يحصل به الاجتماع اثنان ومراعاة معنى الاسم واجب ما أمكن ولهما إن هذا النوع من الوصية وصية بالصدقة وهي إلزام المال حقا لله تبارك وتعالى وجنس الفقراء مصرف ما يجب لله عز وجل من الحقوق المالية فكان ذكر الفقراء لبيان المصرف لا لإيجاب الحق لهم فيجب الحق لله تبارك وتعالى ثم يصرف إلى من ظهر رضا الله سبحانه وتعالى بصرف حقه المال إليه وقد حصل بصرفه إلى فقير واحد ولهذا جاز صرف ما وجب من الصدقات الواجبة بإيجاب الله عز وجل إلى فقير واحد وإن كان المذكور بلفظ الجماعة بقوله تبارك وتعالى إنما الصدقات للفقراء وقد خرج الجواب عما ذكره محمد رحمه الله على أن مراعاة معنى الجمع إنما تجب عند الإمكان فأما عند التعذر فلا بل يحمل اللفظ على مطلق الجنس كما في قوله والله لا أتزوج النساء وقوله إن كلمت بني آدم أو إن اشتريت العبيد أنه يحمل على الجنس ولا يراعى فيه معنى الجمع حتى يحنث بوجود الفعل منه في واحد من الجنس وههنا لا يمكن اعتبار معنى الجمع لأن ذلك مما لا غاية له ولا نهاية فيحمل على الجنس بخلاف ما إذا أوصى لمواليه وله مولى واحد أنه لا يصرف كل الثلث إليه بل نصفه لأن هناك ما التزم المال حقا لله تعالى عز وجل بل ملكه للموالي وهو اسم جمع فلا بد من اعتباره وكذا ذلك الجمع له غاية ونهاية فكان اعتبار معنى الجمع ممكنا فلا ضرورة إلى الحمل على الجنس بخلاف جمع الفقراء وكذلك لو أوصى لفقراء بني فلان دون أغنيائهم وبنو فلان قبيلة لا تحصى ولا يحصى فقرائهم ( ( ( فقراؤهم ) ) ) فالوصية جائزة لما قلنا بل أولى لأنه لما صحت الوصية لفقراء المسلمين مع كثرتهم فلأن تصح لفقراء القبيلة أولى فإن لم يقل لفقرائهم ولكنه أوصى لبني فلان ولم يزد عليه فهذا لا يخلو من أحد وجهين إما إن كان فلان أبا قبيلة وإما إن لم يكن أبا قبيلة بل هو رجل من الناس يعرف بأبي فلان فإن كان أبا قبيلة مثل تميم وأسد ووائل فإن كان بنوه يحصون جازت الوصية لهم لأنهم إذا كانوا يحصون فقد قصد الموصي تمليك المال منهم لا الإخراج إلى الله تعالى فكان الموصى له بالثلث معلوما فتصح الوصية له كما لو أوصى لأغنياء بني فلان وهم يحصون

Section V07/P342–V07/P343

ويدخل فيه الذكور والإناث لأن الإضافة إلى أب القبيلة إضافة النسبة كالإضافة إلى القبيلة ألا يرى أنه يصح أن يقال هذه المرأة من بني تميم كما يصح أن يقال هذا الرجل من بني تميم فيدخل فيه كل من ينتسب إلى فلان ذكرا كان أو أنثى غنيا كان أو فقيرا لأنه ليس في اللفظ ما ينبىء عن الحاجة وصار كما لو أوصى لقبيلة فلان ولو كان لبني فلان موالي عتاقة يدخلون في الوصية وكذا موالي مواليهم وحلفائهم وعبيدهم وكذا لو كان لهم موالي الموالاة لما ذكرنا أن المراد من قوله بني فلان إذا كان فلان أبا قبيلة هو القبيلة لا أبناؤه حقيقة فكان المراد منه المنتسبين إلى هذه القبيلة والمنتمون إليهم والحلفاء والموالي ينتسبون إلى القبيلة وينتمون إليهم في العرف والشرع قال عليه الصلاة والسلام موالي القوم منهم وفي رواية موالي القوم من أنفسهم وحليفهم منهم وروي أنه قال في جملة ذلك وعبيدهم منهم ولأن بني فلان إذا كانوا لا يحصون سقط اعتبار حقيقة البنوة فصار عبارة عمن يقع بهم لهم التناصر والموالي يقع بهم لهم التناصر وكذا الحليف والعديد إذ الحليف هو الذي حلف للقبيلة أنه ينصرهم ويذب عنهم كما يذب عن نفسه وهم حلفوا له كذلك والعديد هو الذي يلحق بهم من غير حلف ولو أوصى لقبيلة فلان دخل فيه الموالي لأن المراد من القبيلة الذين ينسبون إليه والموالى ينسبون إليه هذا إذا كانوا يحصون فإن كانوا لا يحصون لا تجوز الوصية لما قلنا في الوصية لبني فلان بخلاف ما إذا أوصى لبني فلان وهم يحصون وفلان أب خاص لهم وليس بأبي قبيلة حيث كان الثلث لبني صلبه ولا يدخل فيه مواليه لأنه ما جرى العرف هناك أنهم يريدون بهذه اللفظة المنتسب إليهم فبقيت اللفظة محمولة على الحقيقة ولهذا لا يدخل في الوصية بنو بنيه والدليل على التفرقة بين الفصلين أن زيدا لو أعتق عبدا لا يقول المعتق أنا من بني زيد إذا كان زيد أبا خاصا وإن كان زيد أبا قبيلة يقول المعتق أنا من بني زيد هذا هو المتعارف عندهم ولأن بني فلان إذا كانوا لا يحصون لم تصح الوصية لأن الوصية وقعت لهم تمليك المال منهم وهم مجهولون ولا يمكن أن يجعل هذا وصية بالصدقة لأنه ليس في لفظ الابن ما ينبىء عن الحاجة لغة فلا يصح كما لو أوصى للمسلمين أنه لا يصح لجهالة الملك منه ولم يجعل وصية بالصدقة لما قلنا كذا هذا وإن كان أبا نسب وهو رجل من الناس يعرف كابن أبي ليلى وابن سيرين ونحو ذلك فإن كانوا كلهم ذكورا دخلوا في الوصية لأن حقيقة اسم البنين للذكور لأنه جمع الابن فيجب العمل بالحقيقة ما أمكن وقد أمكن وإن كانوا كلهم أناثا لا يدخل فيه واحدة منهن لأن اللفظ لا يتناولهن عند انفرادهن وإن كانوا ذكورا وإناثا فقد اختلف فيه قال أبو حنيفة وأبو يوسف رضي الله عنهم الوصية للذكور دون الإناث وقال محمد عليه الرحمة يدخل فيه الذكور والإناث وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة رواه يوسف بن خالد السمتي وذكر القدوري في شرحه مختصر الكرخي الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه وجه قول محمد رحمه الله أن الذكور مع الإناث إذا اجتمعا غلب الذكور الإناث ويتناول اسم الذكور الذكور والإناث وإن كان لا يتناولهن حالة الانفراد ولهذا تتناول الخطابات التي في القرآن العظيم باسم الجمع الذكور والإناث جميعا فكذا في الوصية ولهما اعتبار الحقيقة وهو أن البنين جمع ابن والابن اسم للذكر حقيقة وكذا البنون فلا يتناول إلا الذكور ولهذا لم يتناولهن حالة الانفراد فكذا حالة الاجتماع وهكذا نقول في خطابات القرآن العظيم أن خطاب الذكور لا يتناول الإناث بصيغته بل بدليل زائد

Section V07/P343–V07/P344

والدليل عليه ما روي أن النساء شكون إلى رسول الله فقلن يا رسول الله إن الله سبحانه وتعالى يخاطب الرجال دوننا فنزل قوله تبارك وتعالى إن المسلمين والمسلمات الآية فلو كان خطاب الرجال يتناولهن لم يكن لشكايتهن معنى بخلاف ما إذا كان فلان أبا قبيلة أو بطن أو فخذ لأن الإضافة إلى القبيلة والبطن والفخذ لا يراد بها الأعيان وإنما يراد بها الأنساب ( ( ( الإنسان ) ) ) وهي أن يكون منسوبا إلى القبيلة والبطن والفخذ والذكر والأنثى في النسبة على السواء ولهذا يتناول الاسم الإناث منهم وإن لم يكن فيهن ذكر ولا يتناول الاسم من ولد الرجل المعروف الإناث اللاتي لا ذكر معهن فإن كان لفلان بنو صلب وبنو ابن فالوصية لبني الصلب لأنهم بنوه في الحقيقة وأما بنو الابن فبنو بنيه حقيقة لا بنوه وإنما يسمون بنيه مجازا وإطلاق اللفظ يحمل على الحقيقة ما أمكن فإن لم يكن له بنو الصلب فالوصية لبني الابن لأنهم بنوه مجازا فيحمل عليه عند تعذر العمل بالحقيقة وأما أبناء البنات فلا يدخلون في الوصية عند أبي حنيفة عليه الرحمة وذكر الخصاف عن محمد رحمه الله أنهم يدخلون كأبناء البنين وسنذكر المسألة إن شاء الله تعالى فإن كان له ابنان لصلبه فالوصية لهما في قولهم جميعا لأن اسم الجمع في باب الوصية يتناول الاثنين فصاعدا فقد وجد من يستحق كل الوصية فلا يحمل على غيرهم وإن كان له ابن واحد لصلبه صرف نصف الثلث إليه لأن المذكور بلفظ الجمع وليس في الواحد معنى الجمع فلا يستحق الواحد كل الوصية بل النصف ويرد النصف الباقي إلى ورثة الموصي وإن كان له ابن واحد لصلبه وابن ابنه فالنصف لابنه والباقي يرد على ورثة الموصي في قول أبي حنيفة رضي الله عنه وعندهما النصف لابنه وما بقي فلابن ابنه والصحيح قول أبي حنيفة لأن اللفظ الواحد لا يحمل على الحقيقة والمجاز في زمان واحد وإذا صارت الحقيقة مرادة سقط المجاز وعندهما يجوز حمل اللفظ الواحد على الحقيقة والمجاز في حالة واحدة وهذا غير سديد لأن الحقيقة اسم للثابت المستقر في موضعه والمجاز ما انتقل عن موضعه والشيء الواحد في زمان واحد يستحيل أن يكون ثابتا في محله ومنتقلا عن محله ولو كان له بنات وبنو ابن فلا شيء للفريقين في قول أبي حنيفة رضي الله عنه وفي قولهما هو بينهم بالسوية لأن عند أبي حنيفة ولد الصلب إذا كان حيا يسقط معه ولد الولد غير أن ولد الصلب ههنا البنات على الانفراد واسم البنين لا يتناول البنات على الانفراد فلم تصح الوصية في الفريقين جميعا وعلى أصلهما تحمل الوصية على ولد الولد إذا لم يجر ( ( ( يجز ) ) ) أولاد الولد بالوصية ويتناولهما الاسم على الاشتراك وصاروا كالبطن الواحد فيشترك ذكورهم وإناثهم ولو قال أوصيت بثلث مالي لاخوة فلان وهم ذكور وأناث فهو على الخلاف الذي ذكرنا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله هو للذكور دون الإناث وعند محمد رحمه الله هو بينهم بالسواء لا يزاد الذكر على الأنثى والحجج على نحو ما ذكرنا في المسألة المتقدمة ولو أوصى لولد فلان فالذكر فيه والأنثى سواء في قولهم جميعا لأن الولد اسم للمولود وإنه يتناول الذكر والأنثى ولو كانت له امرأة حامل دخل ما في بطنها في الوصية لأن الوصية أخت الميراث لأن الاستحقاق في كل واحد منهما يتعلق بالموت ثم الحمل يدخل في الميراث فيدخل في الوصية فإن كان له بنات وبنو ابن فالوصية لبناته دون بني ابنه لأن اسم الولد للبنات بانفرادهن حقيقة ولأولاد الابن مجاز ومهما أمكن حمل اللفظ على الحقيقة لا يحمل على المجاز فإن لم يكن له ولد صلب فالوصية لولد الابن يستوي فيه ذكورهم وإناثهم لأنه تعذر العمل بحقيقة اللفظ فيعمل بالمجاز تصحيحا لكلام العاقل ولا يدخل أولاد البنات في الوصية في قول أبي حنيفة رضي الله عنه

Section V07/P344–V07/P345

وذكر الخصاف عن محمد رحمهما الله أن ولد البنات يدخلون فيها كولد البنين وذكر في السير الكبير إذا أخذ الأمان لنفسه وولده لم يدخل فيه أولاد البنات فصار عن محمد رحمه الله روايتان وجه رواية الخصاف أن الولد ينسب إلى أبويه جميعا لأنه ولد أبيه وولد أمه حقيقة لانخلاقه من مائهما جميعا ثم ولد ابنه ينسب إليه فكذا ولد بنته ولهذا يضاف أولاد سيدتنا فاطمة رضي الله تعالى عنها إلى أبيها رسول الله وقال للحسن رضي الله عنه إن ابني هذا لسيد وإن الله تبارك وتعالى يصلح به بين الفئتين وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال للحسن والحسين رضي الله عنهما إن ابني لسيدا كهول أهل الجنة وكذا يقال لسيدنا عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام أنه من بني آدم وإن كان لا ينتسب إليه إلا من قبل أمه ولأبي حنيفة أن أولاد البنات ينسبون إلى آبائهم لا إلى أب الأم قال الشاعر بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد وأما قوله إن الولد ينسب إلى أبيه وإلى أمه قلنا نعم وبنت الرجل ولده حقيقة فكان ولدها ولده حقيقة بواسطتها حتى تثبت جميع أحكام الأولاد في حقه كما تثبت في أولاد البنين إلا أن النسب إلى الأمهات مهجور عادة فلا ينسب أولاد البنات إلى آباء الأمهات بوساطتهن ولا يدخلون تحت النسبة المطلقة وأولاد سيدتنا فاطمة رضي الله تعالى عنهم لم تهجر نسبتهم إليها فينسبون إلى رسول الله بواسطتها وقيل إنهم خصوا بالنسبة إليه عليه الصلاة والسلام تشريفا وإكراما لهم وقد روى بعض مشايخنا عن شمس الأئمة الحلواني رحمه الله في هذا حديثا عن رسول الله أنه قال كل بني بنت بنوا ( ( ( بنو ) ) ) أبيهم إلا أولاد فاطمة رضي الله تعالى عنها فإنهم أولادي فإن لم يكن له إلا ولد واحد فالثلث له سواء كان ذكرا أو أنثى لأن اسم الولد يتناول الولد الواحد فما زاد عليه حقيقة ولا يتناول الجمع قال هشام سألت محمدا عن رجل له ابن وبنت فقال أوصيت لفلان بمثل نصيب أحد ابني ثم مات الموصي فكم يجعل للموصى له قال ذلك إلى الورثة إن شاؤوا أعطوه أقل الأنصباء قلت له فإن كان له ابنتان وابن قال فكذلك أيضا قلت فإن كان له ابنان وبنت أو ابنان وبنتان أو بنون وبنات فقال قد أوصيت لفلان بمثل نصيب أحد ابني فقال يعطى الموصى له في هذا نصيب ابن وإنما كان كذلك لأنه إذا قال أحد ابني وله ابن وبنت علم أنه سمى الأنثى ابنا لاجتماعها مع الذكر فدخلت في الكلام فكان للورثة أن يحملوا الوصية على نصيبهما وإذا كان له بنون وبنات أو ابنان وبنات فقال أحد بني يقع على الذكور فتحمل الوصية على نصيب واحد منهم دون نصيب البنات قال محمد رحمه الله فإذا كان له بنت وابن أو ابن وبنتان أو ابن وبنات فالابن وحده لا يكون بنين والأمر على ما ذكره محمد لأن اسم الجمع لا يتناول الواحد فلا بد من إدخال الإناث معه فحملت الوصية على نصيب أحدهم فهذا إشارة إلى اعتباره حقيقة اللفظ وأن الاسم يحمل على الذكور إلا عند التعذر ولو أوصى ليتامى بني فلان فإن كان يتاماهم يحصون جازت الوصية لأنهم إذا كانوا يحصون وقعت الوصية لهم بأعيانهم لكونهم معلومين فأمكن إيقاعها تمليكا منهم فصحت كما لو أوصى ليتامى هذه السكة أو هذه الدار ويستوي فيها الغني والفقير لأن اليتيم في اللغة اسم لمن مات أبوه ولم يبلغ الحلم وهذا لا يتعرض للفقر والغنا ( ( ( والغنى ) ) ) وقال الله سبحانه وتعالى إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما وقال عليه الصلاة والسلام ابتغوا في أموال اليتامى خيرا كيلا تأكلها الصدقة قد سموا يتامى وإن كان لهم مال فكل صغير مات أبوه يدخل تحت الوصية ومن لا فلا

Section V07/P345–V07/P346

فإن كانوا لا يحصون فالوصية جائزة وتصرف إلى الفقراء منهم لأنها لو صرفت إلى الأغنياء لبطلت لجهالة الموصى له ولو صرفت إلى الفقراء لجازت لأنها وصية بالصدقة وإخراج للمال إلى الله تعالى والله تعالى واحد معلوم وأمكن أن تجعل الوصية للفقراء وإن لم يكن في اللفظ ما ينبىء عن الحاجة لغة لكنه ينبىء عن سبب الحاجة وعما يوجب الحاجة بطريق الضرورة لأن الصغر والانفراد عن الأب أعظم أسباب الحاجة إذ الصغير عاجز عن الانتفاع بماله ولا بد له ممن يقوم بإيصال منافع ماله إليه وكذا هو عاجز عن القيام بحفظ ماله واستنمائه ولا بقاء للمال عادة إلا بالحفظ والاستنماء وهو عاجز عن ذلك كله فيصير في الحكم كمن انقطعت عليه منافع ماله بسبب بعده عن ماله وهو ابن السبيل فصار الإسم بهذه الوساطة منبئا عن الحاجة ولهذا المعنى جعل الله لليتامى سهما من خمس الغنيمة بقوله تبارك وتعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى وقال تبارك وتعالى ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى وأراد به المحتاجين منهم دون الأغنياء وإذا كان كذلك أمكن تصحيح هذا التصرف بجعله إيضا ( ( ( إيصاء ) ) ) بالصدقة وكذلك إذا أوصى لزمنى بني فلان أو لعميانهم لأن الاسم يدل على سبب الحاجة عادة وهو الزمانة والعمى بخلاف ما إذا أوصى لبني فلان وهم لا يحصون أنه لا يصح لأنه لا يمكن تصحيحه بطريق التمليك بجهالة الموصي لهم ولا بطريق الإيصاء بالصدقة لأنه ليس في لفظ الابن ما ينبىء عن الحاجة ولا ما يوجب الحاجة وههنا بخلافه على ما بينا فتصح الوصية ثم إذا صحت وانصرفت الوصية إلى الفقراء من اليتامى فإن صرف إلى اثنين منهم فصاعدا جاز بالإجماع وإن صرف جميع الثلث إلى واحد فهو على الخلاف الذي ذكرنا والأفضل للموصي أن يصرف إلى كل من قدر منهم لأنه أقرب إلى العمل بحقيقة اللفظ وتحقيق مقصود الموصي ولو أوصى بثلث ما له لأرامل بني فلان جازت الوصية سواء كن يحصين أو لا يحصين أما إذا كن يحصين فلا يشكل فإن الوصية وقعت تمليكا منهن بأعيانهن لكونهن معلومات وذلك ( ( ( وكذلك ) ) ) إذا كن لا يحصين لأن في الاسم ما يدل على الحاجة لأن الأرملة اسم لامرأة بالغة فارقت زوجها بطلاق أو وفاة دخل بها أو لم يدخل كذا قال محمد رحمه الله وقال ابن الأنباري الأرملة التي لا زوج لها من قولهم أرمل القوم فهم مرملون إذا فني زادهم ومن فنى زاده كان محتاجا فكان في الاسم ما ينبىء عن الحاجة فتقع وصية بالصدقة وإخراج المال إلى الله تبارك وتعالى والله سبحانه وتعالى واحد معلوم وهل يدخل في هذه الوصية الرجال الذين فارقوا أزواجهم قال عامة العلماء رضي الله عنه ( ( ( عنهم ) ) ) لا يدخلون وقال الشافعي رحمه الله يدخل في كل من خرج من كرمة فلان ذكرا كان أو أنثى وإليه ذهب القتبي واحتجا بقول جرير الشاعر هذي الأرامل قد قضيت حاجتها فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر أطلق اسم الأرمل على الرجل ولنا أن حقيقة هذا الاسم للمرأة لما ذكرنا عن محمد وهو من كبار أهل اللغة روى عنه أبو عبيد وأبو العباس ثعلب وأقرانهم كما روينا عن الخليل والأصمعي وأقرانهما وقال الخليل يقال امرأة أرملة ولا يقال رجل أرمل إلا في المليح من الشعر وقال ابن الأنباري رحمه الله لا يقال رجل أرمل إلا في الشعر ونحو ذلك ولأن الاسم لما كان مشتقا من قولهم أرمل القوم إذا فنى زادهم فالمرأة هي التي في ( ( ( فني ) ) ) زادها بموت زوجها لأن النفقة على الزوج لا على المرأة فإذا مات فقد فني زادها وبه تبين أن قول جرير محمول على مليح الشعر كما قال الخليل أو هو شاذ كما قال ابن الأنباري أو لازدواج الكلام قال الله سبحانه وتعالى وجزاء سيئة سيئة مثلها

Section V07/P346–V07/P347

وقال تعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم وقوله سبحانه وتعالى وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به وكما قال الشاعر فإن تنكحي أنكح وأن تتأيمي مدا ( ( ( مدى ) ) ) الدهر ما لم تنكحي أتأيم ومعلوم أن الرجل لا يسمى أيما لكن أطلق عليه لازدواجه بقوله وأن تتأيمى كذا ههنا وإطلاق الاسم لا ينصرف إلى ما لا يذكر إلا لضرورة تمليح الشعر وازدواج الكلام أو في الشذوذ لأن مطلق الاسم ينصرف إلى ما تتسارع إليه الأفهام والأوهام وذلك ما قلنا ولو أوصى لأيامى بني فلان فإن كن يحصين جازت الوصية لما قلنا وإن كن لا يحصين لا تجوز لأنه ليس في لفظ الأيم ما ينبىء عن الحاجة لتجعل وصيته بالصدقة لأن الأيم في اللغة اسم لامرأة جومعت في قبلها فارقها ( ( ( وفارقها ) ) ) زوجها وشرحه محمد رحمه الله قال الأيم كل امرأة جومعت بنكاح جائز أو فاسد أو فجوز ( ( ( فجور ) ) ) ولا زوج لها غنية كانت أو فقيرة صغيرة كانت أو كبيرة وليس في هذه المعاني ما ينبىء عن الحاجة فلا يكون إيصاء بالتصدق بخلاف الوصية لأرامل بني فلان وهن لا يحصين أنها جائزة لأن اسم الأرملة ينبىء عن الحاجة على ما بينا فجعل وصية بالصدقة ثم إذا كن يحصين حتى جازت الوصية يدخل فيها الصغيرة والبالغة والغنية والفقيرة لأن الاسم في اللغة لا يتعرض لما سوى الأنوثة وحلول الجماع بها في قبلها وفراقها زوجها وقال الله تبارك وتعالى وأنكحوا الأيامى منكم وإنه يتناول الكبيرة والصغيرة حتى يجوز إنكاح الصغار كما يجوز إنكاح الكبار وكذا لا يتعرض للفقر والغنا ( ( ( والغنى ) ) ) لأنه سبحانه وتعالى قال عز من قائل إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ولو كان متعرضا لشيء من ذلك لم يكن لقوله سبحانه وتعالى إن يكونوا فقراء معنى وهذا الذي ذكرنا أن الأيم اسم لامرأة جومعت في قبلها فارقها زوجها قول عامة المسلمين وقال أبو القاسم الصفار البلخي وأبو الحسن الكرخي رحمهما الله أن الجماع ليس بشرط لثبوت هذا الاسم وكذا الأنوثة بل يقع هذا الاسم على المدخول بها وعلى البكر ويقع على الرجل كما يقع على المرأة واحتجا بقول الشاعر إن القبور تنكح الأيامى النسوة الأرامل اليتامى ومعلوم أن القبر يضم البكر إلى نفسه كما يضم الثيب وقال الشاعر فإن تنكحي أنكح وان تتأيمي مدى الدهر ما لم تنكحي أتأيم أي أمكث بلا زوج ما مكثت أنت بلا زوج وقال آخر فلا تنكحن جبارة إن شرها عليك حرام فانكحن أو تأيما والجواب أن حقيقة اللغة ما حكينا عن نقلة اللغة وهم أهل دقائق الألفاظ فيقبل نقلهم إياها ( ( ( إياه ) ) ) فيما وضعت له وما ورد في استعمال بعض الفصحاء معدولا به عن تلك الحقائق فحمل على المجاز إما بطريق المقابلة والإزدواج أو باعتبار بعض المعاني التي وضع لها الاسم والدليل على أن الأنوثة أصل وأنه لا يقع على الذكر أنه لا يدخل علامة التأنيث فيه يقال امرأة أيم ولا يقال أيمة ولو كان الاسم يتناول الذكر والأنثى لفرقوا بينهما بإدخال علامة التأنيث في المرأة وذكر الفقيه أبو جعفر الهندواني أن ما ذكر محمد في صفة الأيم جومعت بفجور أو غير فجور مذهبهما فأما عند أبي حنيفة رحمه الله التي جومعت بفجور لا تدخل في هذه الوصية لأن التي جومعت بفجور بكر لا أيم عنده حتى تزوج كما تزوج الأبكار عنده ومنهم من قال هذا قولهم جميعا لأنها أيم حقيقة لوجود الجماع إلا أنها تزوج كما تزوج الأبكار عنده لمشاركتها الأبكار عنده في المعنى الذي أقيم فيه السكوت مقام الرضا نطقا في حقها باعتبار السكوت وهو الحياء على ما عرف في مسائل الخلاف

Section V07/P347

ولو أوصى لكل ثيب من بني فلان إن كن يحصين صحت الوصية لما ذكرنا في المسائل المتقدمة ويدخل تحت هذه الوصية كل امرأة جومعت بحلال أو حرام لها زوج أو لم يكن لها زوج بلغت مبلغ النساء أو لم تبلغ كذا ذكر محمد ويدخل فيه الفقيرة والغنية والصغيرة والكبيرة لأن اللفظ لا يتعرض لذلك وقال الله تبارك وتعالى ثيبات وأبكارا أدخل فيه الصغار والكبار والفقيرات والغنيات يدل عليه أنهن دخلن فيما يقابله وهو قوله سبحانه وتعالى وأبكارا فكذا في قوله تعالى ثيبات فدل الأمر على اشتراط الدخول لأنه قابل الثيبات بالأبكار وهن اللاتي لم يجامعن فكانت الثيبات اللاتي جومعن لتصح المقابلة ولا تشترط مفارقتها زوجها بخلاف الأرملة لأن اللغة كذا تقتضي فيتبع فيه وضع أرباب اللغة ولا يدخل فيه الرجل لأن هذا الاسم لا يتناول الرجل حقيقة وإن ورد في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة لأن ذلك إطلاق بطريق المجاز للإزدواج والمقابلة وإن كن لا يحصين لم تجز الوصية لأنه ليس في الاسم ما ينبىء عن الحاجة لما ذكرنا أنه اسم لانثى من بنات آدم عليه الصلاة والسلام جومعت وليس في الأوصاف المذكورة في الحد ما ينبىء عن الحاجة فلا يراد بهذه الوصية إلا التمليك والمتملك مجهول فلا يصح ولو أوصى لكل بكر من بني فلان يجوز إذا كن محصوات لما قلنا ويدخل فيه الصغيرة والكبيرة الغنية والفقيرة إذ البكر اسم لامرأة لم تجامع بنكاح ولا غيره كذا قال محمد رحمه الله وإطلاق هذا الاسم على الذكر في الحديث وهو قوله عليه الصلاة والسلام البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام بطريق المجاز وهو المجاز بطريق المقابلة والازدواج أو كان لها حقيقة ثم غلب استعماله في متعارف الخلق على الأنثى فصار بحال لا تنصرف أوهام الناس عند إطلاقه إلا إلى الأنثى فيحمل الحديث على المجاز ولو كانت عذرتها زالت بالوضوء أو بالوثبة أو بذرور الدم تستحق الوصية لأنها لم تجامع ومن الناس من خالف محمدا رحمه الله قالوا إن هذه أيضا لا تستحق الوصية لأنها ليست ببكر والصحيح ما ذكره محمد رحمه الله لما ذكرنا وذكر محمد رحمه الله أن التي زالت بكارتها بفجور لا تكون بكرا ولا تكون لها وصية وقال بعض مشايخنا منهم الفقيه أبو جعفر الهندواني رحمه الله إن هذا قولهما فأما عند أبي حنيفة رحمه الله فإنها بكر وتستحق الوصية ومنهم من قال لا خلاف في أنها لا تستحق الوصية لأنها ليست ببكر حقيقة لعدم حد البكارة وإنما تزوج تزوج الأبكار عند أبي حنيفة رحمه الله لما ذكرنا والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب ولو أوصى لذوي قرابته أو قراباته أو لأنسابه أو لأرحامه أو لذوي أرحامه هذه الألفاظ الخمسة سواء فعند أبي حنيفة الوصية بهذه الألفاظ للأقرب فالأقرب فالحاصل أن عند أبي حنيفة عليه الرحمة يعتبر في هذه الوصية خمسة أشياء الرحم المحرم والأقرب فالأقرب وجمع الوصية وهو اثنان فصاعدا وأن يكون سوى الوالدين والمولودين وأن يكون ممن لا يرث وعندهما يدخل في هذه الوصية ذوا ( ( ( ذو ) ) ) الرحم المحرم والقريب والبعيد إلى أقصى أب له في الإسلام حتى لو أوصى للعلوية والعباسية يصرف الثلث إلى من اتصل بسيدنا علي وبسيدنا العباس رضي الله عنهما لا إلى من فوقهما من الآباء ولا خلاف في اعتبار الأوصاف الثلاثة وهي اعتبار جمع الوصية وأن لا يكون والدا ولا ولدا وأن يكون ممن لا يرث أما الأول فلأن لفظ ذوي لفظ جمع وأقل الجمع في باب الوصية اثنان لأن الوصية أخت الميراث وفي باب الميراث كذلك فإن الثنتين من البنات والأخوات ألحقتا بالثلاث فصاعدا في استحقاق الثلثين وحجب الأم من الثلث إلى السدس على ما مر حتى لو أوصى لذوي قرابته استحق الواحد فصاعدا كل الوصية لأن ذي ليس بلفظ جمع

Questions