Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
والقدوري اعتمد على هذه الرواية وقال هي الصحيحة والمذكور في الأصل مضطرب ولو عاد إلى عرفة بعد الغروب لا يسقط عنه الدم بلا خلاف لأنه لما غربت الشمس عليه قبل العود فقد تقرر عليه الدم الواجب فلا يحتمل السقوط بالعود والله الموفق وأما بيان حكمه إذا فات فحكمه أنه يفوت الحج في تلك السنة ولا يمكن استدراكه فيها لأن ركن الشيء ذاته وبقاء الشيء مع فوات ذاته محال فصل وأما طواف الزيارة فالكلام فيه في مواضع في بيان أنه ركن وفي بيان ركنه وفي بيان شرائطه وواجباته وسننه وفي بيان مكانه وفي بيان زمانه وفي بيان مقداره وفي بيان حكمه إذا فات عن أيام النحر أما الأول فالدليل على أنه ركن قوله تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق والمراد منه طواف الزيارة بالإجماع ولأنه تعالى أمر الكل بالطواف فيقتضي الوجوب على الكل وطواف اللقاء لا يجب أصلا وطواف الصدر لا يجب على الكل لأنه لا يجب على أهل مكة فيتعين طواف الزيارة مرادا بالآية وقوله تعالى ولله على الناس حج البيت والحج في اللغة هو القصد وفي عرف الشرع هوزيارة البيت والزيارة هي القصد إلى الشيء للتقرب قال الشاعر ألم تعلمي يا أم سعد بأنما تخاطاني ريب الزمان لأكثرا وأشهد من عوف حلولا كثيرة يحجون بيت الزبرقان المزعفرا وقوله يحجون أي يقصدون ذلك البيت للتقرب فكان حج البيت هو القصد إليه للتقرب به وإنما يقصد البيت للتقرب بالطواف به فكان الطواف به ركنا والمراد به طواف الزيارة لما بينا ولهذا يسمى في عرف الشرع طواف الركن فكان ركنا وكذا الأمة أجمعت على كونه ركنا ويجب على أهل الحرم وغيرهم لعموم قوله تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق وقوله عز وجل ولله على الناس حج البيت فصل وأما ركنه فحصوله كائنا حول البيت سواء كان بفعل نفسه أو بفعل غيره وسوا ( ( ( وسواء ) ) ) ءكان عاجزا عن الطواف بنفسه فطاف به غيره بأمره أو بغير أمره أو كان قادرا على الطواف بنفسه فحمله غيره بأمره أو بغير أمره غير أنه إن كان عاجزا أجزأه ولا شيء عليه وإن كان قادرا أجزأه ولكن يلزمه الدم أما الجواز فلأن الفرض حصوله كائنا حول البيت وقد حصل وأما لزوم الدم فتلركه ( ( ( فلتركه ) ) ) الواجب وهو المشي ( ( ( الشيء ) ) ) بنفسه مع القدرة عليه فدخله نقص فيجب جبره بالدم كما إذا طاف راكبا أو زحفا وهو قادر على المشيء ( ( ( المشي ) ) ) وإذا كان عاجزا عن المشي لا يلزمه شيء لأنه لم يترك الواجب إذ لا وجوب مع العجز ويجوز ذلك عن الحامل والمحمول جميعا لما ذكرنا أن الفرض حصوله كائنا حول البيت وقد حصل كل واحد منهما كائنا حول البيت غير أن أحدهما حصل كائنا بفعل نفسه والآخر بفعل غيره فإن قيل إن مشى الحامل فعل والفعل والواحد ( ( ( الواحد ) ) ) كيف يقع عن شخصين فالجواب من وجهين أحدهما أن المفروض ليس هو الفعل في الباب بل حصول الشخص حول البيت بمنزلة الوقوف بعرفة أن المفروض منه حصوله كائنا بعرفة لا فعل الوقوف على ما بينا فيما تقدم والثاني أن مشي الواحد جاز أن يقع عن اثنين في باب الحج كالبعير الواحد إذا ركبه اثنان فطافا عليه وكذا يجوز في الشرع أن يجعل فعل واحد حقيقة كفعلين معنى كالأب والوصي ( ( ( الوصي ) ) ) إذا باع مال نفسه من الصغير أو اشترى مال الصغير لنفسه ونحو ذلك كذا ههنا فصل وأما شرطه وواجباته
فشرطه النية وهو أصل النية دون التعيين حتى لو لم ينو أصلا بأن طاف هاربا من سبع أو طالبا لغريم لم يجز فرق أصحابنا بين الطواف وبين الوقوف أن الوقوف يصح من غير نية الوقوف عند الوقوف والطواف لا يصح من غير نية الطواف عند الطواف كذا ذكره القدوري في شرحه مختصر الكرخي وأشار القاضي في شرحه مختصر الطحاوي إلى أن نية الطواف عند الطواف ليست بشرط أصلا وإن نية الحج عند الإحرام كافية ولا يحتاج إلى نية مفردة كما في سائر أفعال الحج وكما في أفعال الصلاة ووجه الفرق على ما ذكره القدوري أن الوقوف ركن يقع في حال قيام نفس الإحرام لانعدام ما يضاده فلا يحتاج إلى نية مفردة بل تكفيه النية السابقة وهي نية الحج كالركوع والسجود في باب الصلاة لأنه لا يحتاج إلى إفرادهما بالنية لاشتمال نية الصلاة عليهما كذا الوقوف فأما الطواف فلا يؤتى به في حال قيام نفس الإحرام لوجود ما يضاده لأنه تحليل لأنه يقع به التحليل ولا إحرام حال وجود التحليل لأن الشيء حال وجوده موجود ووجوده يمنع الإحرام من الوجود فلا تشتمل عليه نية الحج فتقع الحاجة إلى الإفراد بالنية كالتسليم في باب الصلاة إذ التسليم تحليل أو نقول أن الوقوف يوجد في حال قيام الإحرام المطلق لبقائه في حق جميع الأحكام فيتناوله نية الحج فلا يحتاج إلى نية على حدة ولا كذلك الطواف فإنه يوجد حال زوال الإحرام من وجه لوقوع التحلل قبله من وجه بالحلق أو التقصير ألا ترى أنه يحل له كل شيء إلا النساء فوقعت الحاجة إلى نية على حدة فأما تعيين النية حال وجوده في وقته فلا حاجة إليه حتى لو نفر في النفر الأول فطاف وهو لا يعين طوافا يقع عن طواف الزيارة لا عن الصدر لأن أيام النحر متعينة لطواف الزيارة فلا حاجة إلى تعيين النية كما لو صام رمضان بمطلق النية ( ( ( لنية ) ) ) أنه يقع عن رمضان لكون الوقت متعينا لصومه كذا هذا وكذا لو نوى تطوعا يقع عن طواف الزيارة كما لو صام رمضان بنية التطوع وكذلك كل طواف واجب أو سنة يقع في وقته من طواف اللقاء وطواف الصدر فإنما يقع عما يستحقه الوقت وهو الذي انعقد عليه الإحرام دون غيره سواء عين ذلك بالنية أو لم يعين فيقع عن الأول وإن نوى الثاني لا يعمل بنيته في تقديمه على الأول حتى إن المحرم إذا قدم مكة وطاف لا يعين شيأ أو نوى التطوع فإن كان محرما بعمرة يقع طوافه للعمرة وإن كان محرما بحجة يقع طوافه للقدوم لأن عقد الإحرام انعقد عليه وكذلك القارن إذا طاف لا يعين شيأ أو نوى التطوع كان ذلك للعمرة فإن طاف طوافا آخر قبل أن يسعى لا يعين شيأ أو نوى تطوعا كان ذلك للحج والله أعلم فأما الطهارة عن الحدث والجنابة والحيض والنفاس فليست بشرط لجواز الطواف وليست بفرض عندنا بل واجبة حتى يجوز الطواف بدونها وعند الشافعي فرض لا يصح الطواف بدونها واحتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الطواف صلاة إلا أن الله تعالى أباح فيه الكلام وإذا كان صلاة فالصلاة لا جواز لها بدون الطهارة ولنا قوله تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق أمر بالطواف مطلقا عن شرط الطهارة ولا يجوز تقييد مطلق الكتاب بخبر الواحد فيحمل على التشبيه كما في قوله تعالى وأزواجه أمهاتهم أي كأمهاتهم ومعناه الطواف كالصلاة إما في الثواب أو في أصل الفرضية في طواف الزيارة لأن كلام التشبيه لا عموم له فيحمل على المشابهة في بعض الوجوه عملا بالكتاب والسنة أو نقول الطواف يشبه الصلاة وليس بصلاة حقيقة فمن حيث أنه ليس بصلاة حقيقة لا تفترض له الطهارة ومن حيث أنه يشبه الصلاة تجب له الطهارة عملا بالدليلين بالقدر الممكن
وإن كانت الطهارة من واجبات الطواف فإذا طاف من غير طهارة فما دام بمكة تجب عليه الإعادة لأن الإعادة جبر له بجنسه وجبر الشيء بجنسه أولى لأن معنى الجبر وهو التلافي فيه أتم ثم إن أعاد في أيام النحر فلا شيء عليه وإن أخره عنها فعليه دم في قول أبي حنيفة والمسألة تأتي إن شاء الله تعالى في موضعها وإن لم يعد ورجع إلى أهله فعليه الدم غير أنه إن كان محدثا فعليه شاة وإن كان جنبا فعليه بدنة لأن الحدث يوجب نقصانا يسيرا فتكفيه الشاة لجبره كما لو ترك شوطا فأما الجنابة فإنها توجب نقصانا متفاحشا لأنها أكبر الحدثين فيجب لها أعظم الجابرين وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال البدنة تجب في الحج في موضعين أحدهما إذا طاف جنبا والثاني إذا جامع بعد الوقوف وإذا لم تكن الطهارة من شرائط الجواز فإذا طاف وهو محدث أو جنب وقع موقعه حتى لو جامع بعده لا يلزمه شيء لأن الوطء لم يصادف الإحرام لحصول التحلل بالطواف هذا إذا طاف بعد أن حلق أو قصر ثم جامع فأما إذا طاف ولم يكن حلق ولا قصر ثم جامع فعليه دم لأنه إذا لم يحلق ولم يقصر فالإحرام باق والوطء إذا صادف الإحرام يوجب الكفارة إلا أنه يلزمه الشاة لا البدنة لأن الركن صار مؤدى فارتفعت الحرمة المطلقة فلم يبق الوطء جنابة محضة بل خف معنى الجنابة فيه فيكفيه أخف الجابرين فأما الطهارة عن النجس فليست من شرائط الجواز بالإجماع فلا يفترض تحصيلها ولا تجب أيضا لكنه سنة حتى لو طاف وعلى ثوبه نجاسة أكثر من قدر الدرهم جاز ولا يلزمه شيء إلا أنه يكره وأما ستر العورة فهو مثل الطهارة عن الحدث والجنابة أي أنه ليس بشرط الجواز وليس بفرض لكنه واجب عندنا حتى لو طاف عريانا فعليه الإعادة ما دام بمكة فإن رجع إلى أهله فعليه الدم وعند الشافعي شرط الجواز كالطهارة عن الحدث والجنابة وحجته ما روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الطواف صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام وستر العورة من شرائط جواز الصلاة وحجتنا قوله تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق أمر بالطواف مطلقا عن شرط الستر فيجري على إطلاقه والجواب عن تعلقه بالحديث على نحو ما ذكرنا في الطهارة والفرق بين ستر العورة وبين الطهارة عن النجاسة أن المنع من الطواف مع الثوب النجس ليس لأجل الطواف بل لأجل المسجد وهو صيانته عن إدخال النجاسة فيه وصيانته عن تلويثه فلا يوجب ذلك نقصانا في الطواف فلا حاجة إلى الجبر فأما المنع من الطواف عريانا فلأجل الطواف لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الطواف عريانا بقوله صلى الله عليه وسلم ألا لا يطوفن بعد عامي هذا مشرك ولا عريان وإذا كان النهي لمكان الطواف تمكن فيه النقص فيجب جبره بالدم لكن بالشاة لا بالبدنة لأن النقص فيه كالنقص بالحدث لا كالنقص بالجنابة قال محمد ومن طاف تطوعا على شيء من هذه الوجوه فأحب إلينا إن كان بمكة أن يعيد الطواف وإن كان قد رجع إلى أهله فعليه صدقة سوى الذي طاف وعلى ثوبه نجاسة لأن التطوع يصير واجبا بالشروع فيه إلا أنه دون الواجب ابتداء بإيجاب الله تعالى فكان النقص فيه أقل فيجبر بالصدقة ومحاذاة المرأة الرجل في الطواف لا تفسد عليه طوافه لأن المحاذاة إنما عرفت مفسدة في الشرع على خلاف القياس في صلاة مطلقة مشتركة والطواف ليس بصلاة حقيقة ولا اشتراك أيضا والموالاة في الطواف ليست بشرط حتى لو خرج الطائف من طوافه لصلاة جنازة أو مكتوبة أو لتجديد وضوء ثم عاد بني على طوافه ولا يلزمه الاستئناف لقوله تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق مطلقا عن شرط الموالاة وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خرج من الطواف ودخل السقاية فاستسقى فسقي فشرب ثم عاد وبنى على طوافه والله تعالى أعلم
ومن واجبات الطواف أن يطوف ماشيا لا راكبا إلا من عذر حتى لو طاف راكبا من غير عذر فعليه الإعادة ما دام بمكة وإن عاد إلى أهله يلزمه الدم وهذا عندنا وعند الشافعي ليس بواجب فإذا طاف راكبا من غير عذر لا شيء عليه واحتج بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه طاف راكبا ولنا قوله تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق والراكب ليس بطائف حقيقة فأوجب ذلك نقصا فيه فوجب جبره بالدم وأما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روي أن ذلك كان لعذر كذا روى عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ذلك كان بعدما أسن وبدن ويحتمل أنه فعل ذلك لعذر آخر وهو التعليم كذا روى عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف راكبا ليراه الناس فيسألوه ويتعلموا منه وهذا عذر وعلى هذا أيضا يخرج ما إذا طاف زحفا أنه إن كان عاجزا عن المشي أجزأه ولا شيء عليه لأن التلكيف ( ( ( التكليف ) ) ) بقدر الوسع وإن كان قادرا عليه الإعادة إن كان بمكة والدم إن كان رجع إلى أهله لأن الطواف مشيا واجب عليه ولو أوجب على نفسه أن يطوف بالبيت زحفا وهو قادر على المشيء ( ( ( المشي ) ) ) عليه أن يطوف ماشيا لأنه نذر إيقاع العبادة على وجه غير مشروع فلغت الجهة وبقي النذر بأصل العبادة كما إذا نذر أن يطوف للحج على غير طهارة فإن طاف زحفا أعاد إن كان بمكة وإن رجع إلى أهله فعليه دم لأنه ترك الواجب كذا ذكر في الأصل وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنه إذا طاف زحفا أجزأه لأنه أدى ما أوجب على نفسه فيجزئه كمن نذر أن يصلي ركعتين في الأرض المغصوبة أو يصوم يوم النحر أنه يجب عليه أن يصلي في موضع آخر ويصوم يوما آخر ولو صلى في الأرض المغصوبة وصام يوم النحر أجزأه وخرج عن عهدة النذر كذا هذا وعلى هذا أيضا يخرج ما إذا طاف محمولا أنه إن كان لعذر جاز ولا شيء عليه وإن كان لغير عذر جاز ويلزمه الدم لأن الطواف ماشيا واجب عند القدرة على المشي وترك الواجب من غير عذر يوجب الدم فأما الإبتداء من الحجر الأسود فليس بشرط من شرائط جوازه بل هو سنة في ظاهر الرواية حتى لو افتتح من غير عذر أجزأه مع الكراهة لقوله تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق مطلقا عن شرط الابتداء بالحجر الأسود إلا أنه لو لم يبدأ يكره لأنه ترك السنة وذكر محمد رحمه الله في الرقيات إذا افتتح الطواف من غير الحجر لم يعتد بذلك الشوط إلا أن يصير إلى الحجر فيبدأ منه الطواف فهذا يدل على أن الإفتتاح منه شرط الجواز وبه أخذ الشافعي والدليل على أن الافتتاح من الحجر إما على وجه السنة أو الفرض ما روي أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم لما انتهى في البناء إلى مكان الحجر قال لإسماعيل عليه الصلاة والسلام ائتني بحجر أجعله علامة لابتداء الطواف فخرج وجاء بحجر فقال ائتني بغيره فأتاه بحجر آخر فقال ائتني بغيره فأتاه بثالث فألقاه وقال جاءني بحجر من أغناني عن حجرك فرأى الحجر الأسود في موضعه وأما الإبتداء من يمين الحجر لا من يساره فليس من شرائط الجواز بلا خلاف بين أصحابنا حتى يجوز الطواف منكوسا بأن افتتح الطواف عن يسار الحجر ويعتد به وعند الشافعي هو من شرائط الجواز لا يجوز بدونه واحتج بما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح الطواف من يمين الحجر لا من يساره وذلك تعليم منه صلى الله عليه وسلم مناسك الحج وقد قال عليه الصلاة والسلام خذوا عني مناسككم فتجب البداية بما بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم
ولنا قوله تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق مطلقا من غير شرط البداية باليمين أو باليسار وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم محمول على الوجوب وبه نقول إنه واجب كذا ذكره الإمام القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنه تجب عليه الإعادة ما دام بمكة وإن رجع إلى أهله يجب عليه الدم وكذا ذكر في الأصل ووجهه أنه ترك الواجب وقد قادر على استدراكه بجنسه فيجب عليه ذلك تلافيا للتقصير بأبلغ الوجوه وإذا رجع إلى أهله فقد عجز عن استدراكه الفائت بجنسه فيستدركه بخلاف جنسه جبرا للفائت بالقدر الممكن على ما هو الأصل في ضمان الفوائت في الشرع وذكر القدوري في شرحه مختصر الكرخي ما يدل على أنه سنة فإنه قال أجزأه الطواف ويكره وهذا أمارة السنة وأما سننه فنذكرها عند بيان سنن الحج ولا رمل في هذا الطواف إذا كان الطواف طواف اللقاء وسعى عقيبه وإن كان لم يطف طواف اللقاء أو كان قد طاف لكنه لم يسع عقيبه فإنه يرمل في طواف الزيارة والأصل فيه أن الرمل سنة طواف عقيبه سعى وكل طواف يكون بعده سعي يكون فيه رمل وإلا فلا لما نذكر إن شاء الله عند بيان سنن الحج والترتيب بين أفعاله ويكره إنشاد الشعر والتحدث في الطواف لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الطواف بالبيت صلاة فأقلوا فيه الكلام وروي أنه قال صلى الله عليه وسلم فمن نطق فيه فلا ينطق إلا بخير ولأن ذلك يشغله عن الدعاء ويكره أن يرفع صوته بالقرآن لأنه يتأذى به غيره لما يشغله ذلك عن الدعاء ولا بأس بأن يقرأ القرآن في نفسه وقال مالك يكره وأنه غير سديد لأن قراءة القرآن مندوب إليها في جميع الأحوال إلا في حال الجنابة والحيض ولم يوجد ومن المشايخ من قال التسبيح أولى لأن محمدا رحمه الله ذكر لفظة لا بأس وهذه اللفظة إنما تستعمل في الرخص ولا بأس أن يطوف وعليه خفاه أو نعلاه إذا كانا طاهرتين لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه طاف مع نعليه ولأنه تجوز الصلاة مع الخفين والنعلين مع أن حكم الصلاة أضيق فلأن يجوز الطواف أولى ولا يرمل في هذا الطواف إذا كان طاف طواف اللقاء وسعى عقيبه وإن كان لم يطف طواف اللقاء أو كان قد طاف لكن ( ( ( لكنه ) ) ) لم يسع عقيبه فإنه يرمل في طواف الزيارة والأصل فيه أن الرمل سنة طواف عقيبه سعى فكل طواف بعد سعي يكون فيه رمل وإلا فلا لما نذكر عند بيان سنن الحج والترتيب في أفعاله إن شاء الله تعالى وأما سننه فنذكرها عند بيان سنن الحج إن شاء الله فصل وأما مكان الطواف فمكانه حول البيت لقوله تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق والطواف بالبيت هو الطواف حوله فيجوز الطواف في المسجد الحرام قريبا من البيت أو بعيدا عنه بعد أن يكون في المسجد حتى لو طاف من وراء زمزم قريبا من حائط المسجد أجزأه لوجود الطواف بالبيت لحصوله حول البيت ولو طاف حول المسجد وبينه وبين البيت حيطان المسجد لم يجز لأن حيطان المسجد حاجزة فلم يطف بالبيت لعدم الطواف حوله بل طاف بالمسجد لوجود الطواف حوله لا حول البيت ولأنه لو جاز الطواف حول المسجد مع حيلولة حيطان المسجد لجاز حول مكة والحرم وذا لا يجوز كذا هذا ويطوف من خارج الحطيم لأن الحطيم من البيت على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه روى عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها إن قومك قصرت بهم النفقة فقصروا البيت عن قواعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام وإن الحطيم من البيت ولولا حدثان عهدهم بالجاهلية لرددته إلى قواعد إبراهيم ولجعلت له بابين بابا شرقيا وبابا غربيا وروى أن رجلا نذر أن يصلي في البيت ركعتين فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في الحطيم ركعتين
وروى أن عائشة رضي الله عنها نذرت بذلك فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تصلي في الحطيم ركعتين فإن قيل إذا كان الحطيم من البيت فلم لا يجوز التوجه إليه في الصلاة فالجواب أن كون الحطيم من البيت ثبت بخبر الواحد ووجوب التوجه إلى البيت ثبت بنص الكتاب العزيز وهو قوله تعالى وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ولا يجوز ترك العمل بنص الكتاب بالآحاد وليس في الطواف من وراء الحطيم عملا بخبر الواحد ترك العمل بنص الكتاب العزيز وهو قوله تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق بل فيه عمل بهما جميعا ولو طاف في داخل الحجر فعليه أن يعيد لأن الحطيم لما كان من البيت فإذا طاف في داخل الحطيم فقد ترك الطواف ببعض البيت والمفروض هو الطواف بكل البيت لقوله تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق والأفضل أن يعيد الطواف كله مراعاة للترتيب فإن أعاد على الحجر خاصة أجزأه لأن المتروك هو لا غير وقد ( ( ( فاستدركه ) ) ) استدركه ولو لم يعد حتى عاد إلى أهله يجب عليه الدم لأن الحظيم ( ( ( الحطيم ) ) ) ربع البيت فقد ترك من طوافه ربعه فصل وأما زمان هذا الطواف وهو وقته فأوله حين يطلع الفجر الثاني من يوم النحر بلا خلاف بين أصحابنا حتى لا يجوز قبله وقال الشافعي أول وقته منتصف ليلة النحر وهذا غير سديد لأن ليلة النحر وقت ركن آخر وهو الوقوف بعرفة فلا يكون وقتا للطواف لأن الوقت الواحد لا يكون وقتا لركنين وليس لآخره زمان معين موقت به فرضا بل جميع الأيام والليالي وقته فرضا بلا خلاف بين أصحابنا لكنه موقت بأيام النحر وجوبا في قول أبي حنيفة حتى لو أخره عنها فعليه دم عنده وفي قول أبي يوسف ومحمد غير موقت أصلا ولو أخره عن أيام النحر لا شيء عليه وبه أخذ الشافعي واحتجوا بما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عمن ذبح قبل أن يرمي فقال ارم ولا حرج وما سئل يومئذ عن أفعال الحج قدم شيء منها أو أخر إلا قال افعل ولا حرج فهذا ينفي توقيت آخره وينفي وجوب الدم بالتأخير ولأنه لو توقت آخره لسقط بمضي آخره كالوقوف بعرفة فلما لم يسقط دل أنه لم يتوقت ولأبي حنيفة أن التأخير بمنزلة الترك في حق وجوب الجابر بدليل أن من جاوز الميقات بغير إحرام ثم أحرم يلزمه دم ولو لم يوجد منه إلا تأخير النسك ( ( ( الشك ) ) ) وكذا تأخير الواجب في باب الصلاة بمنزلة الترك في حق وجوب الجابر وهو سجدتا السهو فكان الفقه في ذلك أن أداء الواجب كما هو واجب فمراعاة محل الواجب واجب فكان التأخير تركا للمراعاة الواجبة وهي مراعاته في محله والترك تركا لواجبين أحدهما أداء الواجب في نفسه والثاني مراعاته في محله فإذا ترك هذا الواجب يجب جبره بالدم وإذا توقت هذا الطواف بأيام النحر وجوبا عنده فإذا أخره عنها فقد ترك الواجب فأوجب ذلك نقصانا فيه فيجب جبره بالدم ولما لم يتوقت عندهما ففي أي وقت فعله فقد فعله في وقته فلا يتمكن فيه نقص فلا يلزمه شيء ولا حجة لهما في الحديث لأن فيه نفي الحرج وهو نفي الإثم وانتفاء الإثم لا ينفي وجوب الكفارة كما لو حلق رأسه لأذى فيه أنه لا يأثم وعليه الدم كذا ههنا وقولهما أنه لا يسقط بمضي آخر الوقت مسلم لكن هذا لا يمنع كونه موقتا وواجبا في الوقت كالصلوات المكتوبات أنها لا تسقط بخروج أوقاتها وإن كانت مؤقتة حتى تقضى كذا هذا والأفضل هو الطواف في أول أيام النحر لقوله صلى الله عليه وسلم أيام النحر ثلاثة أولها أفضلها وقد روى أنه صلى الله عليه وسلم طاف في أول أيام النحر ومعلوم أنه كان يأتي بالعبادات في أفضل أوقاتها ولأن هذا الطواف يقع به تمام التحلل وهو التحلل من النساء فكان في تعجيله صيانة نفسه عن الوقوع في الجماع ولزوم البدنة فكان أولى
فصل وأما مقداره فالمقدار المفروض منه هو أكثر الأشواط وهو ثلاثة أشواط وأكثر الشوط الرابع فأما الإكمال فواجب وليس بفرض حتى لو جامع بعد الإتيان بأكثر الطواف قبل الإتمام لا يلزمه البدنة وإنما تلزمه الشاة وهذا عندنا وقال الشافعي الفرض هو سبعة أشواط لا يتحلل بما دونها وجه قوله أن مقادير العبادات لا تعرف بالرأي والاجتهاد وإنما تعرف بالتوقيف ورسول الله صلى الله عليه وسلم طاف سبعة أشواط فلا يعتد بما دونها ولنا قوله تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق والأمر المطلق لا يقتضي التكرار إلا أن الزيادة على المرة الواحدة إلى أكثر الأشواط ثبت بدليل آخر وهو الإجماع ولا إجماع في الزيادة على أكثر الأشواط ولأنه أتى بأكثر الطواف والأكثر يقوم مقام الكل فيما يقع به التحلل في باب الحج كالذبح إذا لم يستوف قطع العروق الأربعة وإنما كان المفروض هذا القدر فإذا أتى به فقد أتى بالقدر المفروض فيقع به التحلل فلا يلزمه البدنة بالجماع بعد ذلك لأن ما زاد عليه إلى تمام السبعة فهو واجب وليس بفرض فيجب بتركه الشاة دون البدنة كرمي الجمار والله تعالى أعلم فصل وأما حكمه إذا فات عن أيام النحر فهو أنه لا يسقط بل يجب أن يأتي به لأن سائر الأوقات وقته بخلاف الوقوف بعرفة أنه إذا فات عن وقته يسقط لأنه موقت بوقت مخصوص ثم إن كان بمكة يأتي به بإحرامه الأول لأأه قائم إذ التحلل بالطواف ولم يوجد وعليه لتأخيره عن أيام النحر دم عند أبي حنيفة وإن كان رجع إلى أهله فعليه أن يرجع إلى مكة بإحرامه الأول ولا يحتاج إلى إحرام جديد وهو محرم عن النساء إلى أن يعود فيطوف وعليه للتأخير دم عند أبي حنيفة ولا يجزىء عن هذا الطواف بدنة لأنه ركن وأركان الحج لا يجزىء عنها البدل ولا يقوم غيرها مقامها بل يجب الاتيان بعينها كالوقوف بعرفة وكذا لو كان طاف ثلاثة أشواط فهو والذي لم يطف سواء لأن الأقل لا يقوم مقام الكل وإن كان طاف جنبا أو على غير وضوء أو طاف أربعة أشواط ثم رجع إلى أهله أما إذا طاف جنبا فعليه أن يعود إلى مكة لا محالة هو العزيمة وبإحرام جديد حتى يعيد الطواف أما وجوب العود بطريق العزيمة فلتفاحش النقصان بالجنابة فيؤمر بالعود كما لو ترك أكثر الأشواط وأما تجديد الإحرام فلأنه حصل التحلل بالطواف مع الجنابة على أصل أصحابنا والطهارة عن الحدث والجنابة ليست بشرط لجواز الطواف فإذا حصل التحلل صار حلالا والحلال لا يجوز له دخول مكة بغير إحرام فإن لم يعد إلى مكة لكنه بعث بدنة جاز لما ذكرنا أن البدنة تجبر النقص بالجنابة لأن العزيمة هو العود لأن النقصان فاحش فكان العود أجبر له لأنه جبر بالجنس وأما إذا طاف محدثا أو طاف أربعة أشواط فإن عاد وطاف جاز لأنه جبر النقص بجنسه وإن بعث شاة جاز أيضا لأن النقص يسير فينجبر بالشاة والأفضل أن يبعث بالشاة لأن الشاة تجبر النقص وتنفع الفقراء وتدفع عنه مشقة الرجوع وإن كان بمكة فالرجوع أفضل لأنه جبر الشيء بجنسه فكان أولى والله تعالى أعلم فصل وأما واجبات الحج فخمسة السعي بين الصفا والمروة والوقوف بمزدلفة ورمي الجمار والحلق أو التقصير وطواف الصدر أما السعي فالكلام فيه يقع في مواضع في بيان صفته وفي بيان قدره وفي بيان ركنه وفي بيان شرائط جوازه وفي بيان سننه وفي بيان وقته وفي بيان حكمه إذا تأخر عن وقته أما الأول فقد قال أصحابنا أنه واجب وقال الشافعي أنه فرض حتى لو ترك الحاج خطوة منه وأتى أقصى بلاد المسلمين يأمر ( ( ( يؤمر ) ) ) بأن يعود إلى ذلك الموضع فيضع قدمه عليه ويخطو تلك الخطوة وقال بعض الناس ليس بفرض ولا واجب واحتج هؤلاء بقوله عز وجل فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما وكلمة لا جناح لا تستعمل في الفرائض والواجبات ويدل عليه قراءة أبي فلا جناح عليه أن يطوف بهما
واحتج الشافعي بما روي عن صفية بنت فلان أنها سمعت إمرأة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال إن الله تعالى كتب عليكم السعي بين الصفا والمروة أي فرض عليكم إذ الكتابة عبارة عن الفرض كما في قوله تعالى كتب عليكم الصيام و كتب عليكم القصاص وغير ذلك ولنا قوله عز وجل ولله على الناس حج البيت وحج البيت هو زيارة البيت لما ذكرنا فيما تقدم فظاهره يقتضي أن يكون طواف الزيارة هو الركن لا غير إلا أنه زيد عليه الوقوف بعرفة بدليل فمن ادعى زيادة ( ( ( زيارة ) ) ) السعي فعليه الدليل وقول النبي صلى الله عليه وسلم الحج عرفة فظاهره يقتضي أن يكون الوقوف بعرفة كل الركن إلا أنه زيد عليه طواف الزيارة فمن ادعى زيادة السعي فعليه الدليل وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت ما تم حج امرىء قط إلا بالسعي وفيه إشارة إلى أنه واجب وليس بفرض لأنها وصفت الحج بدونه بالنقصان لا بالفساد وفوت الواجب هو الذي يوجب النقصان فأما فوت الفرض فيوجب الفساد والبطلان ولأن الفرضية إنما ثبتت بدليل مقطوع به ولا يوجد ذلك في محل الاجتهاد إذا كان الخلاف بين أهل الديانة وأما الآية فليس المراد منها رفع الجناح على الطواف بهما مطلقا بل على الطواف بهما لمكان الأصنام التي كانت هنالك لما قيل أنه كان بالصفا صنم وبالمروة صنم وقيل كان بين الصفا والمروة أصنام فتحرجوا عن الصعود عليهما والسعي بينهما احترازا عن التشبه بعبادة الأصنام والتشبه بأفعال الجاهلية فرفع الله عنهم الجناح بالطواف بهما أو بينهما مع كون الأصنام هنالك وأما قراءة أبي رضي الله عنه فيحتمل أن تكون لا صلة زائدة معناه لا جناح عليه أن يطوف بينهما لأن لا قد تزاد في الكلام صلة كقوله تعالى ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك معناه أن تسجد فكان كالقراءة المشهورة في المعنى وأما الحديث فلا يصح تعلق الشافعي به على زعمه لأنه قال روت صفية بنت فلان فكانت مجهولة لا تدري ( ( ( ندري ) ) ) من هي والعجب منه أنه يأبى مرة قبول المراسيل لتوهم الغلط ويحتج بقول امرأة لا تعرف ولا يذكر اسمها على أنه إن ثبت فلا حجة له فيه لأن الكنية قد تذكر ويراد بها الحكم قال الله تعالى وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله أي في حكم الله وقال عز وجل كتب الله عليهم ( ( ( عليكم ) ) ) أي حكم الله عليكم فإن أريد بها الأول تكون حجة وإن أريد بها الثاني لا تكون حجة لأن حكم الله تعالى لا يقتصر على الفرضية بل الوجوب والانتداب والإباحة من حكم الله تعالى فلا يكون حجة مع الاحتمال أو نحملها على الوجوب دون الفرضية توفيقا بين الدلائل صيانة لها عن التناقض وإذا كان واجبا فإن تركه لعذر فلا شيء عليه وإن تركه لغير عذر لزمه دم لأن هذا حكم ترك الواجب في هذا الباب أصله طواف الصدر وأصل ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من حج هذا البيت فليكن آخر عهده بالبيت الطواف ورخص للحائض بخلاف الأركان فإنها لا تسقط بالعذر لأن ركن الشيء ذاته فإذا لم يأت به فلم يوجد الشيء أصلا كأركان الصلاة بخلاف الواجب ولو ترك أربعة أشواط بغير عذر فعليه دم والأصل أن كل ما وجب في جميعه دم يجب في أكثره دم أصله طواف الصدر ورمي الجمار ولو ترك ثلاثة أشواط أطعم لكل شوط نصف صاع من بر مسكينا إلا أن يبلغه ذلك دما فله الخيار والأصل في ذلك أن كل ما يكون في جميعه دم يكون في أقله صدقة لما نذكر إن شاء الله تعالى ولو ترك الصعود على الصفا والمروة يكره له ذلك ولا شيء عليه لأن الصعود عليهما سنة فيكره تركه ولكن لو ترك لا شيء عليه كما لو ترك الرمل في الطواف فصل وأما قدره
فسبعة أشواط لإجماع الأمة ولفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعد من الصفا إلى المروة شوطا ومن المروة إلى الصفا شوطا آخر كذا ذكر في الأصل وقال الطحاوي من الصفا إلى المروة ومن المروة إلى الصفا شوط واحد والصحيح ما ذكر في الأصل لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بينهما سبعة أشواط ولو كان كما ذكره الطحاوي لكان أربعة عشر شوطا والدليل على أن المذهب ما قلنا أن محمدا رحمه الله ذكر في الأصل فقال يبتدىء بالصفا ويختم بالمروة وعلى ما ذكره الطحاوي يقع الختم بالصفا لا بالمروة فدل أن مذهب أصحابنا ما ذكرنا فصل وأما ركنه فكينونته بين الصفا والمروة سواء كان بفعل نفسه أو بفعل غيره عند عجزه عن السعي بنفسه بأن كان مغمى عليه أو مريضا فسعى به محمولا أو سعى راكبا لحصوله كائنا بين الصفا والمروة وإن كان قادرا على المشي بنفسه فحمل أو ركب يلزمه الدم لأن السعي بنفسه عند القدرة على المشي واجب فإذا تركه فقد ترك الواجب من غير عذر فيلزمه الدم كما لو ترك المشي في الطواف من غير عذر فصل وأما شرائط جوازه فمنها أن يكون بعد الطواف أو بعد أكثره لأن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا فعل وقد قال صلى الله عليه وسلم خذوا عني مناسككم ولأن السعي تبع للطواف وتبع الشيء كاسمه وهو أن يتبعه فيما تقدمه لا يتبعه فلا يكون تبعا له إلا أنه يجوز بعد وجود أكثر الطواف قبل تمامه لأن للأكثر حكم الكل ومنها البداية بالصفا والختم بالمروة في الرواية المشهورة حتى لو بدأ بالمروة وختم بالصفا لزمه إعادة شوط واحد وروي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن ذلك ليس بشرط ولا شيء عليه لو بدأ بالمروة وجه هذه الرواية أنه أتى بأصل السعي وإنما ترك الترتيب فلا تلزمه الإعادة كما لو توضأ في باب الصلاة وترك الترتيب ولنا أن الترتيب ههنا مأمور به لقول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله أما قوله فلما روي أنه لما نزل قوله عز وجل إن الصفا والمروة من شعائر الله قالوا بأيهما نبدأ يا رسول الله فقال صلى الله عليه وسلم ابدؤا ( ( ( ابدءوا ) ) ) بما بدأ الله به وأما فعله صلى الله عليه وسلم فإنه بدأ بالصفا وختم بالمروة وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذا موجبة لما تبين وإذا لزمت البداية بالصفا فإذا بدأ بالمروة إلى الصفا لا يعتد بذلك الشوط فإذا جاء من الصفا إلى المروة كان هذا أول شوط فيجب عليه أن يعود بعد ستة من الصفا إلى المروة حتى يتم سبعة وأما الطهارة عن الجنابة والحيض فليست بشرط فيجوز سعي الجنب والحائض بعد أن كان طوافه بالبيت على الطهارة عن الجنابة والحيض لأن هذا نسك غير متعلق بالبيت فلا تشترط له الطهارة عن الجنابة والحيض كالوقوف إلا أنه يشترط أن يكون الطواف على الطهارة عن الجنابة والحيض لأن السعي مرتب عليه ومن توابعه والطواف مع الجنابة والحيض لا يعتد به حتى تجب إعادته فكذا السعي الذي هو من توابعه ومرتب عليه فإذا كان طوافه على الطهارة عن الحدثين فقد وجد شرط جوازه فجاز وجاز سعي الجنب والحائض تبعا له لوجود شرط جواز الأصل إذ التبع لا يفرد بالشرط بل يكفيه شرط الأصل فصار الحاصل أن حصول الطواف على الطهارة عن الجنابة والحيض من شرائط جواز السعي فإن كان طاهرا وقت الطواف جاز السعي سواء كان طاهرا وقت السعي أو لا وإن لم يكن طاهرا وقت الطواف لم يجز سعيه رأسا سواء كان طاهرا أو لم يكن والله أعلم فصل وأما سننه فالرمل في بعض كل شوط والسعي في البعض وسنذكرها في بيان سنن الحج لأنها من السنن لا من الواجبات حتى لو رمل في الكل أو سعى في الكل لا شيء عليه لكنه يكون مسيئا لتركه السنة والله أعلم فصل وأما وقته
فوقته الأصلي يوم النحر بعد طواف الزيارة لا بعد طواف اللقاء لأن ذلك سنة والسعي واجب فلا ينبغي أن يجعل الواجب تبعا للسنة فأما طواف الزيارة ففرض والواجب يجوز أن يجعل تبعا للفرض إلا أنه رخص السعي بعد طواف اللقاء وجعل ذلك وقتا له ترفيها بالحاج وتيسيرا له لازدحام الاشتغال له يوم النحر فأما وقته الأصلي فيوم النحر عقيب طواف الزيارة لما قلنا والله أعلم فصل وأما بيان حكمه إذا تأخر عن وقته الأصلي وهي أيام النحر بعد طواف الزيارة فإن كان لم يرجع إلى أهله فإنه يسعى ولا شيء عليه لأنه أتى بما وجب عليه ولا يلزمه بالتأخير شيء لأنه فعله في وقته الأصلي وهو ما بعد طواف الزيارة ولا يضره إن كان قد جامع لوقوع التحلل بطواف الزيارة إذ السعي ليس بركن حتى يمنع التحلل وإذا صار حلالا بالطواف فلا فرق بين أن يسعى قبل الجماع أو بعده غير أنه لو كان بمكة يسعى ولا شيء عليه لما قلنا وإن كان رجع إلى أهله فعله ( ( ( فعليه ) ) ) دم لتركه السعي بغير عذر وإن أراد أن يعود إلى مكة يعود باحرام جديد لأن إحرامه الأول قد ارتفع بطواف الزيارة لوقوع التحلل به فيحتاج إلى تجديد الإحرام وإذا عاد وسعى يسقط عنه الدم لأنه تدارك الترك وذكر في الأصل وقال والدم أحب إلي من الرجوع لأن فيه منفعة للفقراء والنقصان ليس بفاحش فصار كما إذا طاف محدثا ثم رجع إلى أهله على ما ذكرنا فيما تقدم والله أعلم فصل وأما الوقوف بمزدلفة فالكلام فيه يقع في مواضع في بيان صفته وركنه ومكانه وزمانه وحكمه إذا فات عن وقته أما الأول فقد اختلف فيه أصحابنا قال بعضهم أنه واجب وقال الليث أنه فرض وهو قول الشافعي واحتجا بقوله تعالى فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام والمشعر الحرام هو المزدلفة والأمر بالذكر عندها يدل على فرضية الوقوف بها ولنا أن الفرضية لا تثبت إلا بدليل مقطوع به ولم يوجد لأن المسألة اجتهادية بين أهل الديانة وأهل الديانة لا يختلفون في موضع هناك دليل قطعي ودليل الوجوب ما روي عن عروة بن المضرس ( ( ( مضرس ) ) ) الطائي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال أتعبت مطيتي فما مررت بشرف إلا علوته فهل لي من حج وفي بعض الروايات قال أتعبت راحلتي وأجهدت نفسي وما تركت جبلا من جبال طيء ( ( ( طيئ ) ) ) إلا وقفت عليه فهل لي من حج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من وقف معنا هذا الوقوف وصلى معنا هذه الصلاة وقد كان وقف قبل ذلك بعرفة ساعة بليل أو نهار فقد تم حجه فقد علق تمام الحج بهذا الوقوف والواجب هو الذي يتعلق التمام بوجوده لا الفرض لأن المتعلق به أصل الجواز لا صفة التمام وقال النبي صلى الله عليه وسلم الحج عرفة من أدرك عرفة فقد أدرك الحج جعل الوقوف بعرفة كل الحج وظاهره يقتضي أن يكون كل الركن وكذا جعل مدرك عرفة مدركا للحج ولو كان الوقوف بمزدلفة ركنا لم يكن الوقوف بعرفة كل الحج بل بعضه ولم يكن أيضا مدركا للحج بدونه وهذا خلاف الحديث وظاهرالحدي ( ( ( وظاهر ) ) ) يقتضي أن يكون الركن هو الوقوف بعرفة لا غير إلا أن طواف الزيارة عرف ركنا بدليل آخر وهو ما ذكرنا فيما تقدم ولأن ترك الوقوف بمزدلفة جائز لعذر على ما نبين ولو كان فرضا لما جاز تكره ( ( ( تركه ) ) ) أصلا كسائر الفرائض فدل أنه ليس بفرض بل هو واجب إلا أنه قد يسقط وجوبه لعذر من ضعف أو مرض أو حيض أو نحو ذلك حتى لو تعجل ولم يقف لا شيء عليه
وأما الآية فقد قيل في تأويلها أن المراد من الذكر هو صلاة المغرب والعشاء بمزدلفة وقيل هو الدعاء وفرضيتها لا تقتضي فرضية الوقوف على أن مطلق الأمر للوجوب لا للفرضية بل الفرضية ثبتت بدليل زائد والله أعلم فصل وأما ركنه فكينونته بمزدلفة سواء كان بفعل نفسه أو بفعل غيره بأن كان محمولا وهو نائم أو مغمى عليه أو كان على دابة لحصوله كائنا بها وسواء علم بها أو لم يعلم لما قلنا ولأن الفائت ليس إلا النية وأنها ليست بشرط كما في الوقوف بعرفة وسواء وقف أو مر مارا لحصوله كائنا بمزدلفة وإن قل ولا تشترط له الطهارة عن الجنابة والحيض لأنه عبادة لا تتعلق بالبيت فتصح من غير طهارة كالوقوف بعرفة ورمي الجمار والله أعلم فصل وأما مكانه فجزء من أجزاء مزدلفة أي جزء كان وله أن ينزل في أي موضع شاء منها إلا أنه لا ينبغي أن ينزل في وادي محسر لقول النبي صلى الله عليه وسلم عرفات كلها موقف إلا بطن عرنة ومزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر وروي أنه قال مزدلفة كلها موقف وارتفعوا عن المحسر فيكره النزول فيه ولو وقف به أجزأه مع الكراهة والأفضل أن يكون وقوفه خلف الإمام على الجبل الذي يقف عليه الإمام وهو الجبل الذي يقال له قزح لأنه روي أنه صلى الله عليه وسلم وقف عليه وقال خذوا عني مناسككم ولانه يكون أقرب إلى الإمام فيكون أفضل والله تعالى أعلم فصل وأما زمانه فما بين طلوع الفجر من يوم النحر وطلوع الشمس فمن حصل بمزدلفة في هذا الوقت فقد أدرك الوقوف سواء بات بها أو لا ومن لم يحصل بها فيه فقد فاته الوقوف وهذا عندنا وقال الشافعي يجوز في النصف الأخير من ليلة النحر كما قال في الوقوف بعرفة وفي جمرة العقبة والسنة أن يبيت ليلة النحر بمزدلفة والبيتوتة ليست بواجبة إنما الواجب هو الوقوف والأفضل أن يكون وقوفه بعد الصلاة فيصلي صلاة الفجر بغلس ثم يقف عند المشعر الحرام فيدعو الله تعالى ويسأله حوائجه إلى أن يسفر ثم يفيض منه قبل طلوع الشمس إلى منى ولو أفاض بعد طلوع الفجر قبل صلاة الفجر فقد أساء ولا شيء عليه لتركه السنة والله أعلم فصل وأما حكم فواته عن وقته إنه إن كان لعذر فلا شيء عليه لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم ضعفة أهله ولم يأمرهم بالكفارة وإن كان فواته لغير عذر فعليه دم لأنه ترك الواجب من غير عذر وإنه يوجب الكفارة والله عز وجل أعلم فصل وأما رمي الجمار فالكلام فيه في مواضع في بيان وجوب الرمي وفي تفسير الرمي وفي بيان وقته وفي بيان مكانه وفي بيان عدد الجمار وقدرها وجنسها ومأخذها ومقدار ما يرمي كل يوم عند كل موضع وكيفية الرمي وما يسن في ذلك ويستحب وما يكره وفي بيان حكمه إذا تأخر عن وقته أو فات عن وقته أما الأول فدليل وجوبه الإجماع وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله أما الإجماع فلأن الأمة أجمعت على وجوبه وأما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فما روي أن رجلا سأله وقال إني ذبحت ثم رميت فقال صلى الله عليه وسلم ارم ولا حرج وظاهر الأمر يقتضي وجوبع ( ( ( وجوب ) ) ) العمل
وأما فعله فلأنه صلى الله عليه وسلم رمى وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم فيما لم يكن بيانا لمجمل الكتاب ولم يكن من حوائج نفسه ولا من أمور الدنيا محمول على الوجوب لورود النصوص بوجوب الاقتداء به والاتباع له ولزوم طاعته وحرمة مخالفته فكانت أفعاله فيما قلنا محمولة على الوجوب لكن عملا لا اعتقادا على طريق التعيين لاحتمال الخصوص كما في بعض الواجبات نحو صلاة الليل وبعض المباحات وهو حل تسع نسوة أو زيادة عليها فاعتقاد الوجوب منها عينا يؤدي إلى اعتقاد غير الواجب واجبا في حقه وغير المباح مباحا في حقه وهذا لا يجوز فأما القول بالوجوب عملا مع الإعتقاد مبهما أن ما أراد الله به فهو حق مما لا ضرر فيه لأنه إن كان واجبا يخرج عن العهدة بفعله وإن لم يكن واجبا يثاب على فعله فكان مما قلناه احترازا عن الضرر بقدر الإمكان وإنه واجب عقلا وشرعا والله أعلم فصل وأما تفسير رمي الجمار فرمي الجمار في اللغة هو القذف بالأحجار الصغار وهي الحصى إذ الجمار جمع جمرة والجمرة هي الحجر الصغير وهي الحصاة وفي عرف الشرع هو القذف بالحصى في زمان مخصوص ومكان مخصوص وعدد مخصوص على ما نبين إن شاء الله تعالى وعلى هذا يخرج ما إذا قام عند الجمرة ووضع الحصاة عندها وضعا إنه لم يجزه لعدم الرمي وهو القذف وإن طرحها طرحا أجزأه لوجود الرمي إلا أنه رمي خفيف فيجزئه وسواء رمى بنفسه أو بغيره عند عجزه عن الرمي بنفسه كالمريض الذي لا يستطيع الرمي فوضع الحصى في كفه فرمى بها أو رمى عنه غيره لأن أفعال الحج تجري فيها النيابة كالطواف والوقوف بعرفة ومزدلفة والله أعلم فصل وأما وقت الرمي فأيام الرمي أربعة يوم النحر وثلاثة أيام التشريق أما يوم النحر فأول وقت الرمي منه ما بعد طلوع الشمس قبل الزوال وهذا عندنا وقال الشافعي إذا انتصف ليلة النحر دخل وقت الجمار كما قال في الوقوف بعرفة ومزدلفة فإذا طلعت الشمس وجب وقال سفيان الثوري لا يجوز قبل طلوع الشمس والصحيح قولنا لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قدم ضعفة أهله ليلة المزدلفة وقال صلى الله عليه وسلم لا ترموا جمرة العقبة حتى تكونوا مصبحين نهى عن الرمي قبل الصبح وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلج ( ( ( يلطح ) ) ) أفخاذ أغيلمة بني عبد المطلب وكان يقول لهم لا ترموا جمرة العقبة حتى تكونوا مصبحين فإن قيل قد روي أنه قال لا ترموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس وهذا حجة سفيان فالجواب أن ذلك محمول على بيان الوقت المستحب توفيقا بين الروايتين بقدر الإمكان وبه نقول أن المستحب ذلك وأما آخره فآخر النهار كذا قال أبو حنيفة إن وقت الرمي يوم النحر يمتد إلى غروب الشمس وقال أبو يوسف يمتد إلى وقت الزوال فإذا زالت الشمس يفوت الوقت ويكون فيما بعده قضاء وجه قول أبي يوسف أن أوقات العبادة لا تعرف إلا بالتوقيف والتوقيف ورد بالرمي في يوم النحر قبل الزوال فلا يكون ما بعده وقتا له أداء كما في سائر أيام النحر لأنه لما جعل وقته فيها بعد الزوال لم يكن قبل الزوال وقتا له ولأبي حنيفة الاعتبار بسائر الأيام وهو أن في سائر الأيام ما بعد الزاول ( ( ( الزوال ) ) ) إلى غروب الشمس وقت الرمي فكذا في هذا اليوم لأن هذا اليوم إنما يفارق سائر الأيام في ابتداء الرمي لا في انتهائه فكان مثل سائر الأيام في الانتهاء فكان آخره وقت الرمي كسائر الأيام فإن لم يرم حتى غربت الشمس فيرمي قبل طلوع الفجر من اليوم الثاني أجزأه ولا شيء عليه في قول أصحابنا وللشافعي فيه قولان في قول إذا غربت الشمس فقد فات الوقت وعليه الفدية وفي قول لا يفوت إلا في آخر أيام التشريق
والصحيح قولنا لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن للرعاء أن يرموا بالليل ولا يقال إنه رخص لهم ذلك لعذر لأنا نقول ما كان لهم عذر لأنه كان يمكنهم أن يستنيب بعضهم بعضا فيأتي بالنهار فيرمي فثبت أن الإباحة كانت لعذر فيدل على الجواز مطلقا فلا يجب الدم فإن أخر الرمي حتى طلع الفجر من اليوم الثاني رمى وعليه دم للتأخير في قول أبي حنيفة وفي قول أبي يوسف ومحمد لا شيء عليه والكلام فيه يرجع إلى أن الرمي مؤقت عنده وعندهما ليس بمؤقت وهو قول الشافعي وهو على الاختلاف الذي ذكرنا في طواف الزيارة في أيام النحر أنه مؤقت بها وجوبا عنده حتى يجب الدم بالتأخير عنها وعندهم ليس بمؤقت أصلا فلا يجب بالتأخير شيء والحجج من الجانبين وجواب أبي حنيفة عن تعلقهما بالخبر والمعنى ما ذكرنا في الطواف والله أعلم فصل وأما وقت الرمي من اليوم الأول والثاني من أيام التشريق وهو اليوم الثاني والثالث من أيام الرمي فيعد ( ( ( فبعد ) ) ) الزوال حتى لا يجوز الرمي فيهما قبل الزوال في الرواية المشهورة عن أبي حنيفة وروي عن أبي حنيفة أن الأفضل أن يرمي في اليوم الثاني والثالث بعد الزوال فإن رمى قبله جاز وجهه ( ( ( وجه ) ) ) هذه الرواية أن قبل الزوال وقت الرمي في يوم النحر فكذا في اليوم الثاني والثالث لأن الكل أيام النحر وجه الرواية المشهورة ما روي عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة يوم النحر ضحى ورمى في بقية الأيام بعد الزوال وهذا باب لا يعرف بالقياس بل بالتوقيف فإن أخر الرمي فيهما إلى الليل فرمى قبل طلوع الفجر جاز ولا شيء عليه لأن الليل وقت الرمي في أيام الرمي لما روينا من الحديث فإذا رمى في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد الزوال فأراد أن ينفر من منى إلى مكة وهو المراد من النفر الأول فله ذلك لقوله تعالى فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه أي من نفر إلى مكة بعد ما رمى يومين من أيام التشريق وترك الرمي في اليوم الثالث فلا إثم عليه في تعجيله والأفضل أن لا يتعجل بل يتأخر إلى آخر أيام التشريق وهو اليوم الثالث منها فيستوفي الرمي في الأيام كلها ثم ينفر وهو المعنى من النفر الثاني وذلك معنى قوله تعالى ومن تأخر فلا إثم عليه وفي ظاهر هذه الآية الشريفة إشكال من وجهين أحدهما أنه ذكر قوله تعالى فلا إثم عليه في المتعجل والمتأخر جميعا وهذا إن كان يستقيم في حق المتعجل لأنه يترخص لا يستقيم في حق المتأخر لأنه أخذ بالعزيمة والأفضل والثاني أنه قال تعالى في المتأخر فلا إثم عليه لمن اتقى قيده بالتقوى وهذا التقييد بالمتعجل أليق لأنه أخذ بالرخصة ولم يذكر فيه هذا التقييد والجواب عن الإشكال الأول ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال في هذه الآية فمن تعجل في يومين غفر له ومن تأخر غفر له وكذا روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال في قوله تعالى فلا إثم عليه رجع مغفورا له وأما قوله تعالى لمن اتقى فهو بيان أن ما سبق من وعد المغفرة للمتعجل والمتأخر بشرط التقوى ثم من أهل التأويل من صرف التقوى إلى الاتقاء عن قتل الصيد في الإحرام أي لمن اتقى قتل الصيد في حال الإحرام وصرف أيضا قوله تعالى واتقوا الله أي فاتقوا الله ولا تستحلوا قتل الصيد في الإحرام ومنهم من صرف التقوى إلى الاتقاء عن المعاصي كلها في الحج وفيما بقي من عمره ويحتمل أن يكون المراد منه التقوى عما حظر عليه الإحرام من الرفث والفسوق والجدال وغيرها والله تعالى أعلم وإنما يجوز له النفر في اليوم الثاني والثالث ما لم يطلع الفجر من اليوم الثاني فإذا طلع الفجر لم يجز له النفر
وأما وقت الرمي من اليوم الثالث من أيام التشريق وهو اليوم الرابع من أيام الرمي فالوقت المستحب له بعد الزوال ولو رمى قبل الزوال يجوز في قول أبي حنيفة وفي قول أبي يوسف ومحمد لا يجوز واحتجا بما روي عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة يوم النحر ضحى ورمى في بقية الأيام بعد الزوال وأوقات المناسك لا تعرف قياسا فدل أن وقته بعد الزوال ولأن هذا يوم من أيام الرمي فكان وقت الرمي فيه بعد الزوال كاليوم الثاني والثالث من أيام التشريق ولأبي حنيفة ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال إذا افتتح النهار من آخر أيام التشريق جاز الرمي والظاهر أنه قاله سماعا من النبي صلى الله عليه وسلم إذ هو باب لا يدرك بالرأي والاجتهاد فصار اليوم الأخير من أيام التشريق مخصوصا من حديث جابر رضي الله عنه بهذا الحديث أو يحمل فعله في اليوم الأخير على الاستحباب ولأن له أن ينفر قبل الرمي ويترك الرمي في هذا اليوم رأسا فإذا جاز له ترك الرمي أصلا فلأن يجوز له الرمي قبل الزوال أولى والله تعالى أعلم فصل وأما مكان الرمي ففي يوم النحر عند جمرة العقبة وفي الأيام الأخر عند ثلاثة مواضع عند الجمرة الأولى والوسطى والعقبة ويعتبر في ذلك كله مكان وقوع الجمرة لا مكان الرمي حتى لو رماها من مكان بعيد فوقعت الحصاة عند الجمرة أجزأه وإن لم تقع عنده لم تجزها إلا إذا وقعت بقرب منها لأن ما يقرب من ذلك المكان كان في حكمه لكونه تبعا له والله أعلم فصل وأما الكلام في عدد الجمار وقدرها وجنسها ومأخذها ومقدار ما يرمى كل يوم عند كل موضع وكيفية الرمي وما يسن في ذلك وما يستحب وما يكره فيأتي إن شاء الله تعالى في بيان سنن أفعال الحج والله أعلم فصل وأما بيان حكمه إذا تأخر عن وقته أو فات فنقول إذا ترك من جمار يوم النحر حصاة أو حصاتين أو ثلاثا إلى الغد فانه يرمي ما ترك أو يتصدق لكل حصاة نصف صاع من حنطة إلا أن يبلغ قدر الطعام دما فينقص ما شاء ولا يبلغ دما والأصل أن ما يجب في جميعه دم يجب في أقله صدقة لما نذكر إن شاء الله تعالى وههنا لو ترك جميع الرمي إلى الغد كان عليه دم عند أبي حنيفة فإذا ترك أقله تجب عليه الصدقة إلا أن يبلغ دما لما نذكر وإن ترك الأكثر منها فعليه دم في قول أبي حنيفة لأن في جميعه دم عنده فكذا في أكثره وعند أبي يوسف ومحمد لا يجب في جميعه دم فكذا في أكثره فإن ترك رمى أحد الجمار الثلاث من اليوم الثاني فعليه صدقة لأنه ترك أقل وظيفة اليوم وهو رمي سبع حصيات فكان عليه صدقة إلى أن يصير المتروك أكثر من نصف الوظيفة لأن وظيفة كل يوم ثلاث جمار فكان رمي جمرة منها أقلها ولو ترك الكل وهو الجمار الثلاث فيه للزمه عنده دم فيجب في أقلها الصدقة بخلاف اليوم الأول وهو يوم النحر إذا ترك الجمرة فيه وهو سبع حصيات أنه يلزمه دم عنده لأن سبع حصيات كل وظيفة اليوم الأول فكان تركه بمنزلة ترك كل وظيفة اليوم الثاني والثالث وذلك أحد وعشرون حصاة وترك ثلاث حصيات فيه بمنزلة ترك جمرة تامة من اليوم الثاني والثالث وهي سبع حصيات فإن ترك الرمي كله في سائر الأيام إلى آخر أيام الرمي وهو اليوم الرابع فإنه يرميها فيه على الترتيب وعليه دم عنده وعندهما لا دم عليه لما بينا أن الرمي مؤقت عنده وعندهما ليس بمؤقت
ثم على قوله لا يلزمه إلا دم واحد وإن كان ترك وطيفة ( ( ( وظيفة ) ) ) يوم واحد بانفراده يوجب دما واحدا ومع ذلك لا يجب عليه لتأخير الكل إلا دم واحد لأن جنس الجناية واحد حظرها إحرام واحد من جهة غير متقومة فيكفيها دم واحد كما لو حلق المحرم ربع رأسه أنه يجب عليه دم واحد ولو حلق جميع رأسه يلزمه دم واحد أيضا وكذا لو طيب عضوا واحدا أو طيب أعضاءه كلها أو لبس ثوبا واحدا أو لبس ثيابا كثيرة لا يلزمه في ذلك كله إلا دم واحد كذا ههنا بخلاف ما إذا قتل صيودا أنه يجب عليه لكل صيد جزاؤه على حدة لأن الجهة هناك متقومة فإن ترك الكل حتى غربت الشمس من آخر أيام التشريق وهو آخر أيام الرمي يسقط عنه الرمي وعليه دم واحد في قولهم جميعا أما سقوط الرمي فلأن الرمي عبادة مؤقتة والأصل في العبادات المؤقتة إذا فات وقتها أن تسقط وإنما القضاء في بعض العبادات المؤقتة يجب بدليل مبتدأ ثم إنما وجب هناك لمعنى لا يوجد ههنا وهو أن القضاء صرف ماله إلى ما عليه فيستدعي أن يكون جنس الفائت مشروعا في وقت القضاء فيمكنه صرف ماله إلى ما عليه وهذا لا يوجد في الرمي لأنه ليس في غير هذه الأيام رمي مشروع على هيئة مخصوصة ليصرف ماله إلى ما عليه فتعذر القضاء فسقط ضرورة ونظير هذا إذا فاتته صلاة في أيام التشريق فقضاها في غيرها إنه يقضيها بلا تكبير لأنه ليس في وقت القضاء تكبير مشروع ليصرف ماله إلى ما عليه فسقط أصلا كذا هذا وأما وجوب الدم فلتركه الواجب عن وقته أما عند أبي حنيفة فظاهر لأن رمي كل يوم مؤقت وعندهما إن لم يكن مؤقتا فهو مؤقت بأيام الرمي فقد ترك الواجب عن وقته فإن ترك الترتيب في اليوم الثاني فبدأ بجمرة العقبة فرماها ثم بالوسطى ثم بالتي تلي المسجد ثم ذكر ذلك في يومه فإنه ينبغي أن يعيد الوسطى وجمرة العقبة وإن لم يعد أجزأه ولا يعيد الجمرة الأولى أما إعادة الوسطى وجمرة العقبة فلتركه الترتيب فإنه مسنون لأن النبي صلى الله عليه وسلم رتب فإذا ترك المسنون تستحب الإعادة ولا يعيد الأولى لأنه إذا أعاد الوسطى والعقبة صارت هي الأولى وإن لم يعد الوسطى والعقبة أجزأه لأن الرميات مما يجوز أن ينفرد بعضها من بعض بدليل أن يوم النحر يرمي فيه جمرة العقبة ولا يرمي غيرها من الجمار وفيما جاز أن ينفرد البعض من البعض لا يشترط فيه الترتيب كالوضوء بخلاف ترتيب السعي على الطواف أنه شرط لأن السعي لا يجوز أن ينفرد عن الطواف بحال فإن رمى كل جمرة بثلاث حصيات ثم ذكر ذلك فإنه يبدأ فيرمي الأولى بأربع حصيات حتى يتم ذلك لأن رمي تلك الجمرة غير مرتب على غيره فيجب عليه أن يتم ذلك بأربع حصيات ثم يعيد الوسطى بسبع حصيات لأن قدر ما فعل حصل قبل الأولى فيعيد مراعاة للترتيب ألا ترى أنه لو فعل الكل يعيد فإذا رمى الثلاث أولى أن يعيد وكذلك جمرة العقبة فإن كان قد رمى كل واحدة بأربع حصيات فإنه يرمي كل واحدة بثلاث ثلاث لأن الأربع أكثر الرمي فيقوم مقام الكل فصار كأنه ذرتب ( ( ( رتب ) ) ) الثاني على رمي كامل وكذا الثالث وإن استقبل رميها فهو أفضل ليكون الرمي في الثلاث البواقي على أوجه ( ( ( الوجه ) ) ) المسنون وهو الترتيب ولو نقص حصاة لا يدري من أيتهن نقصها أعاد على كل واحدة منهن حصاة حصاة إسقاطا للواجب عن نفسه بيقين كمن ترك صلاة واحدة من الصلوات الخمس لا يدري أيتها هي أنه يعيد خمس صلوات ليخرج عن العهدة بيقين كذا هذا والله أعلم فصل وأما الحلق أو التقصير
فالكلام فيه يقع في وجوبه وفي بيان مقدار الواجب وفي بيان زمانه ومكانه وفي بيان حكمه إذا وجد وفي بيان حكم تأخره عن وقته وفعله في غير مكانه أما الأول فالحلق أو التقصير واجب عندنا إذا كان على رأسه شعر لا يتحلل بدونه وعند الشافعي ليس بواجب ويتحلل من الحج بالرمي ومن العمرة بالسعي احتج بما ( ( ( عما ) ) ) روى عن ابن عمر رضي الله عنه أن عمر رضي الله عنه خطب بعرفة وعلمهم أمر الحج فقال لهم إذا جئتم منى فمن رمى الجمرة فقد حل له ما حرم على الحاج إلا النساء والطيب حتى يطوف بالبيت ولنا قوله تعالى ثم ليقضوا تفثهم وروى عن ابن عمر رضي الله عنه أن التفث حلاق الشعر ولبس الثياب وما يتبع ذلك وهو قول أهل التأويل أنه حلق الرأس وقص الأظافير ( ( ( الأظافر ) ) ) والشارب ولأن التفث في اللغة الوسخ يقال امرأة تفثة إذا كانت خبيثة الرائحة وقوله تعالى لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين قيل في بعض وجوه التأويل إن قوله لتدخلن خبر بصيغته ومعناه الأمر أي ادخلوا المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين فيقتضي وجوب الدخول بصفة الحلق أو التقصير لأن مطلق الأمر لوجوب العمل والاستثناء على هذا التأويل يرجع إلى قوله آمنين أي إن شاء الله أن تأمنوا تدخلوا وإن شاء لا تأمنوا لا تدخلونه وإن كانت الآية على الأخبار والوعد على ما يقتضيه ظاهر الصيغة فلا بد وأن يكون المخبر به على ما أخبر وهو دخولهم محلقين ومقصرين وذلك متعلق باختيارهم وقد يوجد وقد لا يوجد فلا بد من الدخول ليكون الوجوب حاملا لهم على التحصيل فيوجد المخبر به ظاهرا وغالبا فالاستثناء على هذا التأويل يكون على طريق التيمن والتبرك باسم الله تعالى أو يرجع إلى دخول بعضهم دون بعض لجواز أن يموت البعض أو يمنع بمانع فيحمل عليه لئلا يؤدي إلى الخلف في الخبر وقوله محلقين رؤوسكم ومقصرين أي بعضكم محلقين وبعضكم مقصرين لإجماعنا على أنه لا يجمع بين الحلق والتقصير فدل أن الحلق أو التقصير واجب لكن الحلق أفضل لأنه روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة واحدة فقال اللهم اغفر للمحلقين فقيل له والمصرين ( ( ( والمقصرين ) ) ) فقال اللهم اغفر للمحلقين فقيل له والمقصرين فقال اللهم اغفر للمحلقين والمقصرين ولأن في الحلق تقصيرا وزيادة ولا حلق في التقصير أصلا فكان الحلق أفضل وأما حديث عمر رضي الله عنه فيضمر فيه الحلق أو التقصير معناه فمن رمى الجمرة وحلق أو قصر فقد حل ويجب حمله على هذا ليكون موافقا للكتاب هذا إذا كان على رأسه شعر فأما إذا لم يكن أجرى الموسى على رأسه لما روي عن ابن عمر أنه قال من جاءه ( ( ( جاء ) ) ) يوم النحر ولم يكن على رأسه شعر أجرى الموسى على رأسه والقدوري رواه مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنه إذا عجزوا ( ( ( عجز ) ) ) عن تحقيق الحلق فلم يعجز عن التشبه بالحالقين وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم من تشبه بقوم فهو منهم فإن حلق رأسه بالنورة أجزأه والموسى أفضل أما الجواز فلحصول المقصود وهو إزالة الشعر وأما أفضلية الحلق بالموسى فلقوله تعالى محلقين رؤوسكم وإطلاق اسم الحلق يقع على الحلق بالموسى وكذا النبي صلى الله عليه وسلم حلق بالموسى وكان يختار من الأعمال أفضلها
وهذا إذا لم يكن محصرا فأما المحصر فلا حلق عليه في قول أبي حنيفة ومحمد وفي قول أبي يوسف عليه الحلق وسنذكر المسألة إن شاء الله تعالى في بيان أحكام الإحصار ولو وجب عليه الحلق أو ( ( ( والتقصير ) ) ) التقصير فغسل رأسه بالخطمى مقام الحلق لا يقوم مقامه وعليه الدم لغسل رأسه بالخطمى في قول أبي حنيفة وفي قول أبي يوسف ومحمد لا دم عليه ذكر الطحاوي الخلاف وقال الجصاص لا أعرف فيه خلافا والصحيح أنه يلزمه الدم لأن الحلق أو التقصير واجب لما ذكرنا فلا يقع التحلل إلا بأحدهما ولم يوجد فكان إحرامه باقيا فإذا غسل رأسه بالخطمى فقد أزال التفث في حال قيام الإحرام فيلزمه الدم والله أعلم ولا حلق على المرأة لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ليس على النساء حلق وإنما عليهن تقصير وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى المرأة أن تحلق رأسها ولأن الحلق في النساء مثلة ولهذا لم تفعله واحدة من نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنها تقصر فتأخذ من أطراف شعرها قدر أنملة لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه سئل فقيل له كم يقصر ( ( ( تقصر ) ) ) المرأة فقال هذه وأشار إلى أنملته ولي ( ( ( وليس ) ) ) على الحاج إذا حلق أن يأخذ من لحيته شيئا وقال الشافعي إذا حلق ينبغي أن يأخذ من لحيته شيئا لله تعالى وهذا ليس بشيء لأن الواجب حلق الرأس بالنص الذي تلونا ولأن حل ( ( ( حلق ) ) ) اللحية من باب المثلة لأن الله تعالى زين الرجال باللحى والنساء بالذوائب على ما روي في الحديث أن لله تعالى ملائكة تسبيحهم سبحان من زين الرجال باللحى والنساء بالذوائب ولأن ذلك تشبه بالنصارى فيكره فصل وأما مقدار الواجب فأما الحلق فالأفضل حلق جميع الرأس لقوله عز وجل محلقين رؤوسكم والرأس اسم لللجميع ( ( ( للجميع ) ) ) وكذا روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلق جميع رأسه فإنه روي أنه رمى ثم ذبح ثم دعا بالحلاق فأشار إلى شقه الأيمن فخلقه ( ( ( فحلقه ) ) ) وفرق شعره بين الناس ثم أشار إلى الأيسر فحلقه وأعطاه لأم سليم وروي أنه قال صلى الله عليه وسلم أول نسكنا في يومنا هذا الرمي ثم الذبح ثم الحلق والحلق المطلق يقع على حلق جميع الرأس ولو حلق بعض الرأس فإن حلق أقل منن الربع لم يجزه وإن حلق ربع الرأس أجزأه ويكره أما الجواز فلأن ربع الرأس يقوم مقام كله في القرب المتعلقة بالرأس كمسح ربع الرأس في باب الوضوء وأما الكراهة فلأن المسنون هو حلق جميع الرأس لما ذكرنا وترك المسنون مكروه وأما التقصير فالتقدير فيه بالأنملة لما روينا من حديث عمر رضي الله عنه لكن أصحابنا قالوا يجب أن يزيد في التقصير على قدر الأنملة لأن الواجب هذا القدر من أطراف جميع الشعر وأطراف جميع الشعر لا يتساوى طولها عادة بل تتفاوت فلو قصر قدر الأنملة لا يصير مستوفيا قدر الأنملة من جميع الشعر بل من بعضه فوجب أن يزيد عليه حتى يستيقن باستيفاء قدر الواجب فيخرج عن العهدة بيقين فصل وأما بيان زمانه ومكانه فزمانه أيام النحر ومكانه الحرم وهذا قول أبي حنيفة أن الحلق يختص بالزمان والمكان وقال أبو يوسف لا يختص بالزمان ولا بالمكان وقال محمد يختص بالمكان ولا بالزمان وقال زفر يختص بالزمان لا بالمكان حتى لو أخر الحلق عن أيام النحر أو حلق خارج الحرم يجب عليه الدم في قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف لا دم عليه فيهما جميعا وعند محمد يجب عليه الدم في المكان ولا يجب في اللزمان ( ( ( الزمان ) ) ) وعند زفر يجب في الزمان ولا يجب في المكان
احتج زفر بما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلق عام الحديبية وأمر أصحابه بالحلق وحديبية من الحل فلو اختص بالمكان وهو الحرم لما جاز في غيره ولو كان كذلك لما فعل بنفسه ولما أمر أصحابه فدل أن الحلق لا يختص جوازه بالمكان وهو الحرم وهذا أيضا حجة أبي يوسف في المكان ولأبي يوسف ومحمد في أنه لا يختص بزمان ما روي أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال حلقت قبل أن أذبح فقال صلى الله عليه وسلم اذبح ولا حرج وجاءه آخر فقال ذبحت قبل أن أرمي فقال ارم ولا حرج فما سئل في ذلك اليوم عن تقديم نسك وتأخيره إلا قال افعل ولا حرج ولأبي حنيفة أنه صلى الله عليه وسلم حلق في أيام النحر في الحرم فصار فعله بيانا لمطلق الكتاب ويجب عليه بتأخيره دم عنده لأن تأخير الواجب بمنزلة الترك في حق وجوب الجابر لما ذكرنا في طواف الزيارة وأما حديث الحديبية فقد ذكرنا أن الحديبية بعضها من الحل وبعضها من الحرم فيحتمل أنهم حلقوا في الحرم فلا يكون حجة مع الاحتمال مع ما أنه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان نزل بالحديبية في الحل وكان يصلي في الحرم فالظاهر أنه لم يحلق في الحل وله سبيل الحلق في الحرم وأما الحديث الآخر فنقول بموجبه أنه لا حرج في التأخير عن المكان والزمان وهو الإثم لكن انتفاء الإثم لا يوجب انتفاء الكفارة كما في كفارة الحلق عند الأذى وكفارة قتل الخطأ ولو لم يحلق حتى خرج من الحرم ثم عاد إلى الحرم فحلق أو قصر فلا دم عليه لوجود الشرط على قول من يجعل المكان شرطا فصل وأما حكم الحلق فحكمه حصول التحلل وهو صيرورته حلالا يباح له جميع ما حظر عليه الإحرام إلا النساء وهذا قول أصحابنا وقال مالك إلا النساء والطيب وقال الليث إلا النساء والصيد وقال الشافعي يحل له بالحلق الوطء فيما دون الفرج والمباشرة احتج مالك بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا حلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء والطيب والصحيح قولنا لما روي عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من رمى ثم ذبح ثم حلق فقد حل له كل شيء إلا النساء والحديث حجة على الكل لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه حل له كل شيء واستثنى النساء فبقي الطيب والصيد داخلين تحت نص المستنثى ( ( ( المستثنى ) ) ) منه وهو إحلال ما سوى النساء وخرج الوطء فيما دون الفرج والمباشرة عن الإحلال بنص الاستثناء وأما حديث عمر فقد ( ( ( فقيل ) ) ) قيل أنه لما بلغ عائشة رضي الله تعالى عنها قالت يغفر الله لهذا الشيخ لقد طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلق فصل وأما حكم تأخيره عن زمانه ومكانه فوجوب الدم عند أبي حنيفة وأبو يوسف خالفه في الزمان والمكان ومحمد وافقه في المكان لا في الزمان وزفر وافقه في الزمان لا في المكان على ما ذكرنا والله أعلم فصل وأما طواف الصدر فالكلام فيه يقع في مواضع في بيان وجوبه وفي بيان شرائطه وفي بيان قدره وكيفيته وما يسن له أن يفعله بعد فراغه منه وفي بيان وقته وفي بيان مكانه وحكمه إذا نفر ولم يطف أما الأول فطواف الصدر واجب عندنا وقال الشافعي سنة
وجه قوله مبني على أنه لا يفرق بين الفرض والواجب وليس بفرض بالإجماع فلا يكون واجبا لكنه سنة لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه على المواظبة وأنه دليل السنة ثم دليل عدم الوجوب أنا أجمعنا على أنه لا يجب على الحائض والنفساء ولو كان واجبا لوجب عليهما كطواف الزيارة ونحن نفرق بين الفرض والواجب على ما عرف ودليل الوجوب ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من حج هذا البيت فليكن آخر عهده به الطواف ومطلق الأمر لوجوب العمل إلا أن الحائض خصت عن هذا العموم بدليل وهو ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للنساء الحيض ترك طواف الصدر لعذر الحيض ولم يأمرهن بإقامة شيء آخر مقامه وهو الدم وهذا أصل عندنا في كل نسك جاز تركه لعذر أنه لا يجب بتركه من المعذور كفارة والله تعالى أعلم فصل وأما شرائطه فبعضها شرائط والوجوب ( ( ( الوجوب ) ) ) وبعضها شرائط الجواز أما شرائط الوجوب فمنها أن يكون من أهل الآفاق فليس على أهل مكة ولا من كان منزله داخل المواقيت إلى مكة طواف الصدر إذا حجوا لأن هذا الطواف إنما وجب توديعا للبيت ولهذا يسمى طواف الوداع ويسمى طواف الصدر لوجوده عند صدور الحجاج ورجوعهم إلى وطنهم وهذا لا يوجد في أهل مكة لأنهم في وطنهم وأهل داخل المواقيت في حكم أهل مكة فلا يجب عليهم كما لا يجب على أهل مكة وقال أبو يوسف أحب إلي أن يطوف المكي طواف الصدر لأنه وضع لختم أفعال الحج وهذا المعنى يوجد في أهل مكة ولو نوى الآفاقي الإقامة بمكة أبدا بأن توطن بها واتخذها دارا فهذا لا يحلو ( ( ( يخلو ) ) ) من أحد وجهين إما إن نوى الإقامة بها قبل أن يحل النفر الأول وإما إن نوى بعدما حل النفر الأول فإن نوى الإقامة قبل أن يحل النفر الأول سقط عنه طواف الصدر أي لا يجب عليه بالإجماع وإن نوى بعدما حل النفر الأول لا يسقط وعليه طواف الصدر في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف يسقط عنه إلا إذا كان شرع فيه ووجه قوله أنه لما نوى الإقامة صار كواحد من أهل مكة وليس على أهل مكة طواف الصدر إلا إذا شرع فيه لأنه وجب عليه بالشروع فلا يجوز له تركه بل يجب عليه المضي فيه ووجه قول أبي حنيفة أنه إذا حل له النفر فقد وجب عليه الطواف لدخول وقته إلا أنه مرتب على طواف الزيارة كالوتر مع العشاء فنية الإقامة بعد ذلك لا تعمل كما إذا نوى الإقامة بعد خروج وقت الصلاة ومنها الطهارة من الحيض والنفاس فلا يجب على الحائض والنفساء حتى لا يجب عليهما ( ( ( عليهم ) ) ) الدم بالترك لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص للحيض ترك هذا الطواف لا إلى بدل فدل أنه غير واجب عليهن إذ لو كان واجبا لما جاز تركه لا إلى بدل وهو الدم فأما الطهارة عن الحدث والجنابة فليست بشرط للوجوب ويجب على المحدث والجنب لأنه يمكنهما إزالة الحدث والجنابة فلم يكن ذلك عذرا والله أعلم فصل وأما شرائط جوازه فمنها النية لأنه عبادة فلا بد له من النية فأما تعيين النية فليس بشرط حتى لو طاف بعد طواف الزيارة لا يعين شيأ أو نوى تطوعا كان للصدر لأن الوقت تعين له فتنصرف مطلق النية إليه كما في صوم رمضان ومنها أن يكون بعد طواف الزيارة حتى إذا نفر في النفر الأول فطاف طوافا لا ينوي شيئا أو نوى تطوعا أو الصدر يقع عن الزيارة لا عن الصدر لأن الوقت له طواف وطواف الصدر مرتب عليه فأما النفر على فور الطواف فليس من شرائط جوازه حتى لو طاف للصدر ثم تشاغل بمكة بعده لا يجب عليه طواف آخر
فإن قيل أليس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من حج هذا البيت فليكن آخر عهده به الطواف فقد أمر أن يكون آخر عهده الطواف بالبيت ولما تشاغل بعده لم يقع الطواف أخر عهده به فيجب أن لا يجوزان ( ( ( يجوز ) ) ) إذ لم يأت بالمأمور به فالجواب أن المراد منه آخر عهده بالبيت نسكا لا إقامة والطواف آخر مناسكه بالبيت وإن تشاغل بغيره وروي عن أبي حنيفة أنه قال إذا طاف للصدر ثم أقام إلى العشاء فأحب إلي أن يطوف طوافا آخر لئلا يحول بين طوافه وبين نفره حائل وكذا الطهارة عن الحدث والجنابة ليست بشرط لجوازه فيجوز طوافه إذا كان محدثا أو جنبا ويعتد به والأفضل أن يعيد طاهرا فإن لم يعد جاز وعليه شاة إن كان جنبا لأن النقص كثير فيجبر بالشاة كما لو ترك أكثر الأشواط وإن كان محدثا ففيه روايتان عن أبي حنيفة في رواية عليه صدقة وهي الرواية الصحيحة وهو قول أبي يوسف ومحمد لأن النقص يسير فصار كشوط أو شوطين وفي رواية عليه شاة لأنه طواف واجب فاشبه طواف الزيارة وكذا ستر عورته ليس بشرط للجواز حتى لو طاف مكشوف العورة قدر ما لا تجوز به الصلاة جاز ولكن يجب عليه الدم وكذا الطهارة عن النجاسة إلا أنه يكره ولا شيء عليه والفرق ما ذكرنا في طواف الزيارة والله أعلم فصل وأما شرائط ( ( ( قدره ) ) ) جوازه ( ( ( وكيفيته ) ) ) فمنها ( ( ( فمثل ) ) ) النية ( ( ( سائر ) ) ) لأنه ( ( ( الأطوفة ) ) ) عبادة ( ( ( ونذكر ) ) ) فلا ( ( ( السنن ) ) ) بد ( ( ( التي ) ) ) له ( ( ( تتعلق ) ) ) من ( ( ( به ) ) ) النية فأما تعيين النية فليس بشرط حتى لو طاف بعد طواف الزيارة لا يعين شيأ أو نوى تطوعا كان للصدر لأن الوقت تعين له فتنصرف مطلق النية إليه كما في صوم ( ( ( بيان ) ) ) رمضان ( ( ( سنن ) ) ) ومنها ( ( ( الحج ) ) ) أن يكون بعد طواف الزيارة حتى إذا نفر في النفر الأول فطاف طوافا لا ينوي شيئا أو نوى تطوعا أو الصدر يقع عن الزيارة لا عن الصدر لأن الوقت له طواف وطواف الصدر مرتب عليه فأما النفر على فور الطواف فليس من شرائط جوازه حتى لو طاف للصدر ثم تشاغل بمكة بعده لا يجب عليه طواف آخر فإن قيل أليس أن النبي ( ( ( شاء ) ) ) صلى الله عليه وسلم قال من حج هذا البيت فليكن آخر عهده به الطواف فقد أمر أن يكون آخر عهده الطواف بالبيت ولما تشاغل بعده لم يقع الطواف أخر عهده به فيجب أن لا يجوزان إذ لم يأت بالمأمور به فالجواب أن المراد منه آخر عهده بالبيت نسكا لا إقامة والطواف آخر مناسكه بالبيت وإن تشاغل بغيره وروي عن أبي حنيفة أنه قال إذا طاف للصدر ثم أقام إلى العشاء فأحب إلي أن يطوف طوافا آخر لئلا يحول بين طوافه وبين نفره حائل وكذا الطهارة عن الحدث والجنابة ليست بشرط لجوازه فيجوز طوافه إذا كان محدثا أو جنبا ويعتد به والأفضل أن يعيد طاهرا فإن لم يعد جاز وعليه شاة إن كان جنبا لأن النقص كثير فيجبر بالشاة