Qur'an&Sunnah

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)

Section V02/P173–V02/P174

ولنا أن المشهور أن النبي صلى الله عليه وسلم قرن بين الحج والعمرة رواه عمر وعلي وابن عباس وجابر وأنس رضي الله عنهم وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال أتاني آت من ربي وأنا بالعقيق فقال قم فصل في هذا الوادي المبارك ركعتين وقل لبيك بعمرة في حجة حتى روي عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصرخ بها صراخا ويقول لبيك بعمرة في حجة فدل أنه صلى الله عليه وسلم كان قارنا وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال تابعوا بين الحج والعمرة فإن المتابعة بينهما تزيد في العمر وتنفي الفقر ولأن القران والتمتع جمع بين عبادتين بإحرامين فكان أفضل من إتيان عبادة واحدة بإحرام واحد وإنما كان القران أفضل من التمتع لأن القارن حجته وعمرته آفاقيتان لأنه يحرم بكل واحدة منهما من الآفاق والمتمتع عمرته آفاقية وحجته مكية لأنه يحرم بالعمرة من الآفاق وبالحجة من مكة والحجة الآفاقية أفضل من الحجة المكية لقوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله وروينا عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما أنهما قالا إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك وما كان أتم فهو أفضل وأما ما رواه الشافعي فالمشهور ما روينا والعمل بالمشهور أولى مع ما أن فيما روينا زيادة ليست في روايته والزيادة برواية العدل مقبولة على أنا نجمع بين الروايتين على ما هو الأصل عند تعارض الدليلين أنه يعمل بهما بالقدر الممكن فنقول كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قارنا لكنه كان يسمي العمرة والحجة في التلبية بهما مرة وكان صلى الله عليه وسلم يلبي بهما لكنه كان يسمي بإحداهما مرة إذ تسمية ما يحرم به في التلبية ليس بشرط لصحة التلبية فراوي الإفراد سمعه يسمى الحجة في التلبية فبنى الأمر على الظاهر فظنه مفردا فراوى ( ( ( فروى ) ) ) الإفراد وراوي القران وقف على حقيقة الحال فروي القران فصل وأما بيان حكم المحرم إذا منع عن المضي في الإحرام وهو المسمى بالمحصر في عرف الشرع فالكلام في الإحصار في الأصل في ثلاث مواضع في تفسير الإحصار أنه ما هو ومم يكون وفي بيان حكم الإحصار وفي بيان حكم زوال الإحصار أما الأول فالمحصر في اللغة هو الممنوع والإحصار هو المنع وفي عرف الشرع هو اسم لمن أحرم ثم منع عن المضي في موجب الإحرام سواء كان المنع من العدو أو المرض أو الحبس أو الكسر أو العرج وغيرها من الموانع من إتمام ما أحرم به حقيقة أو شرعا وهذا قول أصحابنا وقال الشافعي لا إحصار إلا من العدو ووجه قوله أن آية الإحصار وهي قوله تعالى فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي نزلت في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أحصروا من العدو وفي آخر الآية الشريفة دليل عليه وهو قوله عز وجل فإذا أمنتم والأمان من العدو يكون وروي عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما أنهما قالا لا حصر إلا من عدو ولنا عموم قوله تعالى فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي والإحصار هو المنع والمنع كما يكون من العدو يكون من المرض وغيره والعبرة بعموم اللفظ عندنا لا بخصوص السبب إذ الحكم يتبع اللفظ لا السبب وعن الكسائي وأبي معاذ أن الإحصار من المرض والحصر من العدو فعلى هذا كانت الآية خاصة في الممنوع بسبب المرض وأما قوله عز وجل فإذا أمنتم فالجواب عن التعلق به من وجهين أحدهما أن الأمن كما يكون من العدو يكون من زوال المرض لأنه إذا زال مرض الإنسان أمن الموت منه أو أمن زيادة المرض وكذا بعض الأمراض قد تكون أمانا من البعض كما قال النبي صلى الله عليه وسلم الزكام أمان من الجذام والثاني أن هذا يدل على أن المحصر من العدو مراد من الآية الشريفة وهذا لا ينفي كون المحصر من المرض مرادا منها

Section V02/P174–V02/P175

وما روي عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما أنه إن ثبت فلا يجوز أن ينسخ به مطلق الكتاب كيف وإنه لا يرى نسخ الكتاب بالسنة وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل وقوله حل أي جاز له أن يحل بغير دم لأنه لم يؤذن له بذلك شرعا وهو كقول النبي صلى الله عليه وسلم إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا فقد أفطر الصائم ومعناه أي حل له الإفطار فكذا ههنا معناه حل له أن يحل ولأنه إنما صار محصرا من العدو ومن خصاله التحلل لمعنى هو موجود في المرض وغيره وهو الحاجة إلى الترفيه والتيسير لما يلحقه من الضرر والحرج بإبقائه على الإحرام مدة مديدة والحاجة إلى الترفيه والتيسير متحققة في المريض ونحوه فيتحقق الإحصار ويثبت موجبه بل أولى لأنه يملك دفع شر العدو عن نفسه بالقتال فيدفع الإحصار عن نفسه ولا يمكنه دفع المرض عن نفسه فلما جعل ذلك عذرا فلأن يجعل هذا عذرا أولى والله أعلم وسواء كان العدو المانع كافرا أو مسلما لتحقق الإحصار منهما وهو المنع عن المضي في موجب الإحرام فيدخل تحت عموم الآية وكذا ما ذكرنا من المعنى الموجب لثبوت حكم الإحصار وهو إباحة التحلل وغيره لا يوجب الفصل بين الإحصار من المسلم ومن الكافر ولو سرقت نفقته أو هلكت راحلته فإن كان لا يقدر على المشي فهو محصر لأنه منع من المضي في موجب الإحرام فكان محصرا كما لو منعه المرض وإن كان يقدر على المشي فليس بمحصر لأنه قادر على المضي في موجب الإحرام فلا يجوز له التحال ( ( ( التحلل ) ) ) ويجب عليه المشي إلى الحج إن كان محرما بالحج ويجوز أن لا يجب على الإنسان المشي إلى الحج ابتداء ويجب عليه بعد الشروع فيه كالفقير الذي لا زاد له ولا راحلة شرع في الحج أنه يجب عليه المشي وإن كان لا يجب عليه ابتداء قبل الشروع كذا هذا قال أبو يوسف فإن قدر على المشي في الحال وخاف أن يعجز جاز له التحلل لأن المشي الذي لا يوصله إلى المناسك وجوده والعدم بمنزلة واحدة فكان محصرا فيجوز له التحلل كما لو لم يقدر على المشي أصلا وعلى هذا يخرج المرأة إذا أحرمت ولا زوج لها ومعها محرم فمات محرمها أو أحرمت ولا محرم معها ولكن معها زوجها فمات زوجها أنها محصرة لأنها ممنوعة شرعا من المضي في موجب الإحرام بلا زوج ولا محرم وعلى هذا يخرج ما إذا أحرمت بحجة التطوع ولها محرم وزوج فمنعها زوجها إنها محصرة لأن للزوج أن يمنعها من حجة التطوع كما أن له أن يمنعها عن صوم التطوع فصارت ممنوعة شرعا بمنع الزوج فصارت محصرة كالممنوع حقيقة بالعدو وغيره وإن أحرمت ومعها محرم وليس لها زوج فليست بمحصرة لأنها غير ممنوعة عن المضي في موجب الإحرام حقيقة وشرعا وكذلك إذا كان لها محرم ولها زوج فأحرمت بإذن الزوج إنها لا تكون محصرة وتمضي في إحرامها لأن الزوج أسقط حق نفسه بالإذن وإن أحرمت وليس لها محرم فإن لم يكن لها زوج فهي محصرة لأنها ممنوعة عن المضي في موجب الإحرام بغير زوج ولا محرم وإن كان لها زوج فإن أحرمت بغير إذنه فكذلك لأنها ممنوعة من المضي بغير إذن الزوج وإن أحرمت بإذنه لا تكون محصرة لأنها غير ممنوعة وإن أحرمت بحجة الإسلام ولا محرم لها ولا زوج فهي محصرة لأنها ممنوعة عن المضي في موجب الإحرام لحق الله تعالى وهذا المنع أقوى من منع العباد

Section V02/P175–V02/P176

وإن كان لها محرم وزوج ولها استطاعة عند خروج أهل بلدها فليست بمحصرة لأنه ليس للزوج أن يمنعها من الفرائض كالصلوات المكتوبة وصوم رمضان وإن كان لها زوج ولا محرم معها فمنعها الزوج فهي محصرة في ظاهر الرواية لأن الزوج لا يجبر على الخروج ولا يجوز لها الخروج بنفسها ولا يجوز للزوج أن يأذن لها بالخروج ولو أذن لا يعمل إذنه فكانت محصرة وهل للزوج أن يحللها روي عن أبي حنيفة أن له أن يحللها لأنها لما صارت محصرة ممنوعة عن الخروج والمضي بمنع الزوج صار هذا كحج التطوع وهناك للزوج أن يحللها فكذا هذا ولو أحرم العبد والأمة بغير إذن المولى فهو محصر لأنه ممنوع عن المضي بغير إذنه وللمولى أن يحلله وإن كان بإذنه فللمولى أن يمنعه إلا أنه يكره له ذلك لأنه خلف في الوعد ولا يكون الحاج محصرا بعدما وقف بعرفة ويبقى محرما عن النساء إلى أن يطوف طواف الزيارة وإنما قلنا إنه لا يكون محصرا لقوله تعالى فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي أي فإن أحصرتم عن إتمام الحج والعمرة لأنه مبني على قوله وأتموا الحج والعمرة لله وقد تم حجه بالوقوف لقوله صلى الله عليه وسلم الحج عرفة فمن وقف بعرفة فقد تم حجه وبعد تمام الحج لا يتحقق الإحصار ولأن المحصر اسم لفائت الحج وبعد وجود الركن الأصلي وهو الوقوف لا يتصور الفوات فلا يكون محصرا ولكنه يبقى محرما عن النساء إلى أن يطوف طواف الزيارة لأن التحلل عن النساء لا يحصل بدون طواف الزيارة فإن منع حتى مضى أيام النحر والتشريق ثم خلى سبيله يسقط عنه الوقوف بمزدلفة ورمي الجمار وعليه دم لترك الوقوف بمزدلفة ودم لترك الرمي لأن كل واحد منهما واجب وعليه أن يطوف طواف الزيارة وطواف الصدر وعليه لتأخير طواف الزيارة عن أيام النحر دم عند أبي حنيفة وكذا عليه لتأخير الحلق عن أيام النحر دم عنده وعندهما لا شيء عليه والمسألة مضت في موضعها ولا إحصار بعدما قدم مكة أو الحرم إن كان لا يمنع من الطواف ولم يذكر في الأصل أنه إن منع من الطواف ماذا حكمه وذكر الجصاص أنه إن قدر على الوقوف والطواف جميعا أو قدر على أحدهما فليس بمحصر وإن لم يقدر على واحد منهما فهو محصر وروي عن أبي يوسف أنه لا يكون الرجل محصرا بعدما دخل الحرم إلا أن يكون بمكة عدو غالب يحول بينه وبين الدخول إلى مكة كما حال المشركون بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين دخول مكة فإذا كان كذلك فهو محصر وروي عن أبي يوسف أنه قال سألت أبا حنيفة هل على أهل مكة إحصار فقال لا فقلت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحصر بالحديبية فقال كانت مكة إذ ذاك حربا وهي اليوم دار إسلام وليس فيها إحصار والصحيح ما ذكره الجصاص من التفصيل إنه إن كان يقدر على الوقوف أو على الطواف لا يكون محصرا وإن لم يقدر على واحد منهما يكون محصرا أما إذا كان يقدر على الوقوف فلما ذكرنا وأما إذا كان يصل إلى الطواف فلأن التحلل بالدم إنما رخص للمحصر لتعذر الطواف قائما مقامه بدلا عنه بمنزلة فائت الحج أنه يتحلل بعمل العمرة وهو الطواف فإذا قدر على الطواف فقد قدر على الأصل فلا يجوز التحلل وأما إذا لم يقدر على الوصول إلى أحدهما فلأنه في حكم المحصر في الحل فيجوز له أن يتحلل والله عز وجل أعلم ثم الإحصار كما يكون عن الحج يكون عن العمرة عند عامة العلماء وقال بعضهم لا إحصار عن العمرة وجه قوله أن الإحصار لخوف الفوت والعمرة لا تحتمل الفوت لأن سائر الأوقات وقت لها فلا يخاف فوتها بخلاف الحج فإنه يحتمل الفوت فيتحقق الإحصار عنه

Section V02/P176–V02/P177

ولنا قوله تعالى فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي عقيب قوله عز وجل وأتموا الحج والعمرة لله فكان المراد منه والله أعلم فإن أحصرتم عن إتمامهما فما استيسر من الهدي وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم حصروا بالحديبية فحال كفار قريش بينهم وبين البيت وكانوا معتمرين فنحروا هديهم وحلقوا رؤوسهم وقضي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عمرتهم في العام القابل حتى سميت عمرة القضاء ولأن التحللل ( ( ( التحلل ) ) ) بالهدي في الحج لمعنى هو موجود في العمرة وهو ما ذكرنا من التضرر بامتداد الإحرام والله أعلم فصل وأما حكم الإحصار فالإحصار يتعلق به أحكام لكن الأصل فيه حكمان أحدهما جواز التحلل عن الإحرام ( ( ( الإحصار ) ) ) والثاني وجوب قضاء ما أحرم به بعد التحلل أما جواز التحلل فالكلام فيه في مواضع في تفسير التحلل وفي بيان جوازه وفي بيان ما يتحلل به وفي بيان مكانه وفي بيان زمانه وفي بيان حكم التحلل أما الأول فالتحلل هو فسخ الإحرام والخروج منه بالطريق الموضوع له شرعا وأما دليل جوازه فقوله تعالى فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي وفيه إضمار ومعناه والله أعلم فإن أحصرتم عن إتمام الحج والعمرة وأردتم أن تحلوا فاذبحوا ما تيسر من الهدي إذ الإحصار نفسه لا يوجب الهدي ألا ترى أن له أن لا يتحلل ويبقى محرما كما كان إلى أ ن يزول المانع فيمضي في موجب الإحرام وهو كقوله تعالى فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية معناه فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه فحلق ففدية وإلا فكون الأذى في رأسه لا يوجب الفدية وكذا قوله تعالى فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر معناه فأفطر فعدة من أيام أخر وإلا فنفس المرض والسفر لا يوجب الصوم في عدة من أيام أخر وكذا قوله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه معناه فأكل فلا إثم عليه وإلا فنفس الإضطرار لا يوجب الإثم كذا ههنا ولأن المحصر محتاج إلى التحلل لأنه منع عن المضي في موجب لإحرام ( ( ( الإحرام ) ) ) على وجه لا يمكنه الدفع فلو لم يجز له التحلل لبقي محرما لا يحل له ما حظره الإحرام إلى أن يزول المانع فيمضي في موجب الإحرام وفيه من الضرر والحرج ما لا يخفى فمست الحاجة إلى التحلل والخروج من الإحرام دفعا للضرر والحرج وسواء كان الإحصار عن الحج أو عن العمرة أو عنهما عند عامة العلماء لما ذكرنا والله عز وجل أعلم وأما بيان ما يتحلل به فالمحصر نوعان نوع لا يتحلل إلا بالهدي ونوع يتحلل بغير الهدي أما الذي لا يتحلل إلا بالهدي فكل من منع من المضي في موجب الإحرام حقيقة أو منع منه شرعا حقا لله تعالى لا لحق العبد على ما ذكرنا فهذا لا يتحلل إلا بالهدي وهو أن يبعث بالهدي أو بثمنه ليشتري به هديا فيذبح عنه وما لم يذبح لا يحل وهذا قول عامة العلماء سواء كان شرط عند الإحرام إلا حلال بغير ذبح عند الإحصار أو لم يشترط وقال بعض الناس المحصر يحل بغير هدي إلا إذا كان معه هدي فيذبحه ويحل وقيل إنه قول مالك

Section V02/P177

وقال بعضهم إن كان لم يشترط عند الإحرام الإحلال عند الإحصار من غير هدي لا يحل إلا بالهدي وإن كان شرط عند الإحرام الإحلال عند الإحصار من غير هدي لا يحل إلا بالهدي احتج من قال بالتحلل من غير هدي بما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حل عام الحديبية عن احصاره بغير هدي لأن الهدي الذي نحره كان هديا ساقه لعمرته لا لإحصاره فنحر هديه على النية الأولى وحل من إحصاره بغير دم فدل أن المحصر يحل بغير هدي يحقق ما قلنا إنه ليس في حديث صلح الحديبية أنه نحر دمين وإنما نحر دما واحدا ولو كان المحصر لا يحل إلا بدم لنحر دمين وأنه غير منقول ولنا قوله تعالى ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله معناه حتى يبلغ الهدي محله فيذبح نهى عز وجل عن حلق الرأس قبل ذبح الهدي في محله وهو الحرم من غير فصل بين ما إذا كان معه هدي وقت الإحصار أم لا شرط المحصر عند الإحرام الإحلال عند الإحصار أو لم يشرط فيجري على إطلاقه ولأن شرع التحلل ثبت بطريق الرخصة لما فيه من فسخ الإحرام والخروج منه قبل أوانه فكان ثبوته بطريق الضرورة والضرورة تندفع بالتحلل بالهدي فلا يثبت التحلل بدونه وأما الحديث فليس فيه ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم حل عام الحديبية عن إحصاره بغير هدي إذ لا يتوهم على النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون حل من إحصاره بغير هدي والله تعالى أمر المحصر أن لا يحل حتى ينحر هديه بنص الكتاب العزيز ولكن وجه ذلك والله أعلم وهو معنى المروي في حديث صلح الحيبية ( ( ( الحديبية ) ) ) أنه نحر دما واحدا إن الهدي الذي كان ساقه النبي صلى الله عليه وسلم كان هدي متعة أو قران فلما منع عن البيت سقط عنه دم القران فجاز له أن يجعله من دم الإحصار فإن قيل كيف قلتم أن النبي صلى الله عليه وسلم صرف الهدي عن سبيله وأنتم تزعمون أن من باع هدية التطوع فهو مسيء لما أنه صرفه عن سبيله فالجواب أنه لا مشابهة بين الفصلين لأن الذي باعه صرفه عن سبيل التقرب به إلى الله تعالى رأسا فأما النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصرف الهدي عن سبيل التقرب أصلا ورأسا بل صرفه إلى ما هو أفضل وهو الواجب وهو دم الإحصار ومما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الهدي لإحصاره ما روي أنه لم يحلق حتى نحر هديه وقال أيها الناس إنحروا وحلوا والله عز وجل أعلم وإذا لم يتحلل إلا بالهدي وأراد التحلل يجب أن يبعث الهدي أو ثمنه ليشتري به الهدي فيذبح عنه ويجب أن يواعدهم يوما معلوما يذبح فيه فيحل بعد الذبح ولا يحل قبله بل يحرم عليه كما يحرم على المحرم غير المحصر فلا يحلق رأسه ولا يفعل شيئا من محظورات الإحرام حتى يكون اليوم الذي واعدهم فيه ويعلم أن هديه قد ذبح لقوله تعالى ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله حتى لو فعل شيئا من محظورات الإحرام قبل ذبح الهدى يجب عليه ما يجب على المحرم إذا لم يكن محصرا وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى في موضعه حتى لو حلق قبل الذبح تجب عليه الفدية سواء حلق لغير عذر أو لعذر لقوله تعالى فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك أي فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه فحلق ففدية من صيام أو صدقة أو نسك كقوله تعالى فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر أي فأفطر فعدة من أيام أخر وعن كعب بن عجرة قال في نزلت الآية وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بي والقمل يتناثر على وجهي

Section V02/P177–V02/P178

فقال صلى الله عليه وسلم أيؤذيك هوام رأسك فقلت نعم يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم إحلق وأطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من حنطة أو صم ثلاثة أيام أو انسك نسيكة فنزلت الآية والنسك جمع نسيكة والنسيكة الذبيحة والمراد منه الشاة لإجماع المسلمين على أن الشاة مجزئة في الفدية وفي بعض الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة انسك شاة وإذا وجبت الفدية عليه إذا حلق رأسه لأذى بالنص فيجب عليه إذا حلق لا لأذى بدلالة النص لأن العذر سبب تخفيف الحكم في الجملة فلما وجب في حال الضرورة ففي حال الاختيار أولى ولا يجزىء دم الفدية إلا في الحرم كدم الإحصار ودم المتعة والقران وأما الصدقة والصوم فإنهما يجزيان حيث شاء وقال الشافعي لا تجزىء الصدقة إلا بمكة وجه قوله أن الهدي يختص بمكة فكذا الصدقة والجامع بينهما أن أهل الحرم ينتفعون بذلك ولنا قوله تعالى ففدية من صيام أو صدقة أو نسك مطلقا عن المكان إلا أن النسك قيد بالمكان بدليل فمن ادعى تقييد الصدقة فعليه الدليل وأما قوله إن الهدي إنما اختص بالحرم لينتفع به أهل الحرم فكذا الصدقة فنقول هذا الاعتبار فاسد لأنه لا خلاف في أنه لو ذبح الهدي في غير الحرم وتصدق بلحمه في الحرم أنه لا يجوز ولو ذبح في الحرم وتصدق به على غير أهل الحرم يجوز والدليل على التفرقة بين الهدي والإطعام أن من قال لله علي أن أهدي ليس له أن يذبح إلا بمكة ولو قال لله علي إطعام عشرة مساكين أو لله علي عشرة دراهم صدقة له أن يطعم ويتصدق حيث شاء فدل على التفرقة بينهما ولو حل على ظن أنه ذبح عنه ثم تبين أنه لم يذبح فهو محرم كما كان لا يحل ما لم يذبح عنه لعدم شرط الحل وهو ذبح الهدي وعليه لإحلاله تناول محظور إحرامه دم لأنه جنى على إحرامه فيلزمه الدم كفارة لذنبه ثم الهدي بدنة أو بقرة أو شاة وأدناه شاة لما روينا ولأن الهدي في اللغة اسم لما يهدي أي يبعث وينقل وفي الشرع اسم لما يهدي إلى حرم ( ( ( الحرم ) ) ) وكل ذلك مما يهدي إلى الحرم والأفضل هو البدنة ثم البقرة لما ذكرنا في المتمتع ولما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أحصر بالحديبة ( ( ( بالحديبية ) ) ) نحر البدن وكان يختار من الأعمال أفضلها وإن كان قارنا لا يحل إلا بدمين عندنا وعند الشافعي يحل بدم واحد بناء على أصل ذكرناه فيما تقدم أن القارن محرم بإحرامين فلا يحل إلا بهديين وعنده محرم بإحرام واحد ويدخل إحرام العمرة في الحجة فيكفيه دم واحد ولو بعث القارن بهديين ولم يبين أيهما للحج وأيهما للعمرة لم يضره لأن الموجب لهما واحد فلا يشترط فيه تعيين النية كقضاء يومين من رمضان ولو بعث القارن بهدي واحد ليتحلل من الحج ويبقى في إحرام العمرة لم يتحلل من واحد منهما لأن تحلل القارن من أحد الإحرامين متعلق بتحلله من الآخر لأن الهدي بدل عن الطواف ثم لا يتحلل بأحد الطوافين عن أحد الإحرامين فكذا بأحد الهديين ولو كان أحرم بشيء واحد لا ينوي حجة ولا عمرة ثم أحصر يحل بهدي واحد وعليه عمرة استحسانا لأن الإحرام بالمجهول صحيح لما ذكرنا فيما تقدم وكان البيان إليه إن شاء صرفه إلى الحج وإن شاء إلى العمرة لأنه هو المجمل فكان البيان إليه كما في الطلاق وغيره

Section V02/P178–V02/P179

والقياس أن لا تتعين العمرة بالإحصار لعدم التعيين قولا ولا فعلا لأن ذلك أن يأخذ في عمل أحدهما ولم يوجد إلا أنهم استحسنوا وقالوا تتعين العمرة بالإحصار لأن العمرة أقلهما وهو متيقن ولو كان أحرم بشيء واحد وسماه ثم نسيه وأحصر يحل بهدي واحد وعليه حجة وعمرة إما الحل بهدي واحد فلأنه محرم بإحرام واحد وأيهما كان فإنه يقع التحلل منه بدم واحد وإما لزوم حجة وعمرة فلأنه يحتمل أنه كان قد أحرم بحجة ويحتمل بعمرة فإن كان إحرامه بحجة فالعمرة لا تنوب منابها وإن كان بالعمرة فالحجة لا تنوب منابها فيلزمه أن يجمع بينهما احتياطا ليسقط الفرض عن نفسه بيقين كمن نسي صلاة من الصلوات الخمس أنه يجب عليه إعادة خمس صلوات ليسقط الفرض عن نفسه بيقين كذا هذا وكذلك إن لم يحصر ووصل فعليه حجة وعمر ة ويكون عليه ما على القارن لأنه جمع بين الحج والعمرة على طريق النسك وأما مكان ذبح الهدي فالحرم عندنا وقال الشافعي أن يذبح في الموضع الذي أحصر فيه احتج لما ( ( ( بما ) ) ) روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر الهدي عام الحديبية ولم يبلغنا أنه نحر في الحرم ولأن التحلل بالهدي ثبت رخصة وتيسيرا وذلك في الذبح في أي موضع كان ولنا قوله تعالى ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ولو كان كل موضع محلا له لم يكن لذكر المحل فائدة ولأنه عز وجل قال ثم محلها إلى البيت العتيق أي إلى البقعة التي فيها البيت بخلاف قوله تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق إن المراد منه نفس البيت لأن هناك ذكر بالبيت وههنا ذكر إلى البيت وأما ما روي من الحديث فقد روي في رواية أخرى أنه نحر هديه عام الحديبية في الحرم فتعارضت الروايات فلم يصح الاحتجاج به وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل الحديبية فحال المشركون بينه وبين دخول مكة فجاء سهيل بن عمرو يعرض عليه الصلح وأن يسوق البدن وينحر حيث شاء فصالحه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يحتمل أن ينحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدنه في الحل مع إمكان النحر في الحرم وهو بقرب الحرم بل هو فيه وروي عن مروان والمسور بن مخرمة قالا نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية في الحل وكان يصلي في الحرم فهذا يدل على أنه كان قادرا على أن ينحر بدنه في الحرم حيث كان يصلي في الحرم ولا يحتمل أن يترك نحر البدن في الحرم وله سبيل النحر في الحرم ولأن الحديبية مكان يجمع الحل والحرم جميعا فلا يحتمل أن ينحر في الحل مع كونه قادرا على النحر في الحرم ولو حل من إحرامه على ظن أنهم ذبحوا عنه في الحرم ثم ظهر أنهم ذبحوا في غير الحرم فهو على إحرامه ولا يحل منه إلا بذبح الهدي في الحرم لفقد شرط التحلل وهو الذبح في الحرم فبقي محرما كما كان وعليه لإحلاله في تناوله محظورات إحرامه دم لما قلنا وكذلك لو بعث الهدي وواعدهم أن يذبحوا عنه في الحرم في يوم بعينه ثم حل من إحرامه على ظن أنهم ذبحوا عنه فيه ثم تبين إنهم لم يذبحوا فإنه يكون محرما لما قلنا ولو بعث هديين وهو مفرد فإنه يحل من إحرامه بذبح الأول منهما ويكون الأخر تطوعا لوجود شرط الحل عند وجود ذبح الأول منهما ولو كان قارنا لا يحل إلا بذبحهما ولا يحل بذبح الأول لأن شرط الحل في حقه الزمان فما لم يوجد ( ( ( يوجدا ) ) ) إلا يحل ولو أراد أن يتحلل بالهدي فلم يجد هديا يبعث ولا ثمنه هل يحل بالصوم ويكون الصوم بدلا عنه

Section V02/P179–V02/P180

قال أبو حنيفة ومحمد لا يحل بالصوم وليس الصوم بدلا عن هدي المحصر وهو ظاهر قول أبي يوسف ويقيم حراما حتى يذبح الهدي عنه في الحرم أو يذهب إلى مكة فيحل من إحرامه بأفعال العمرة وهو الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ويحلق أو يقصر كما يفعله إذا فاته الحج وهو أحد قولي الشافعي وقال عطاء بن أبي رباح في المحصر لا يجد الهدي قوم الهدي طعاما وتصدق به على المساكين فإن لم يكن عنده طعام صام لكل نصف صاع يوما وهو مروي عن أبي يوسف وقال الشافعي في قول أن الهدي للإحصار بدلا واختلف قوله في ماهية البدل فقال في قول البدل هو الصوم مثل صوم المتعة وفي قول البدل هو الإطعام وهل يقوم الصوم مقامه له فيه قولان وجه قول من قال إن له بدلا أن هذا دم يقع به التحلل فجاز أن يكون له بدل كدم المتعة ولنا قوله تعالى ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله أي حتى يبلغ الهدي محله فيذبح نهى الله عن حلق الرأس ممدودا إلى غاية ذبح الهدي والحكم الممدود إلى غاية لا ينتهي قبل وجود الغاية فيقتضي أن لا يتحصل ( ( ( يتحلل ) ) ) ما لم يذبح الهدي سواء صام أو أطعم أولا ولأن التحلل بالدم قبل إتمام موجب ( ( ( مواجب ) ) ) الإحرام عرف بالنص بخلاف القياس فلا يحوز ( ( ( يجوز ) ) ) إقامة غيره مقامه بالرأي وأما الحلق فليس بشرط للتحلل ويحل المحصر بالذبح بدون الحلق في قول أبي حنيفة ومحمد وإن حلق فحسن وقال أبو يوسف أرى عليه أن يحلق فإن لم يفعل فلا شيء عليه وروي عنه أنه قال هو واجب لا يسعه تركه وذكر الجصاص وقال إنما لا يجب الحلق عندهما إذا أحصر في الحل لأن الحلق يختص بالحرم فأما إذا أحصر في الحرم يجب الحلق عندهما احتج أبو يوسف بما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلق عام الحديبية وأمر أصحابه بالحلق فدل أن الحلق واجب ولهما قوله تعالى فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي معناه فإن أحصرتم وأردتم أن تحلوا فإذبحوا ما استيسر من الهدي جعل ذبح الهدي في حق المحصر إذا أراد الحل كل موجب الإحصار فمن أوجب الحلق فقد جعله بعض الموجب وهذا خلاف النص ولأن الحلق للتحلل عن أفعال الحج والمحصر لا يأتي بأفعال الحج فلا حلق عليه وأما الحديث فعلى ما ذكره الجصاص لا حجة فيه لأن الحديبية بعضها في الحل وبعضها في الحرم فيحتمل أنه أحصر في الحرم فأمر بالحلق وأما على جواب المذكور في الأصل فهو محمول على الندب والاستحباب وأما زمان ذبح الهدي فمطلق الوقت لا يتوقت بيوم النحر سواء كان الإحصار عن الحج أو عن العمرة وهذا قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد إن المحصر عن الحج لا يذبح عنه إلا في أيام النحر لا يجوز في غيرها ولا خلاف في المحصر عن العمرة إنه يذبح عنه في أي وقت كان وجه قولهما أن هذا الدم سبب للتحلل من إحرام الحج فيختص بزمان التحلل كالحلق بخلاف العمرة فإن التحلل من إحرامها بالحلق لا يختص بزمان فكذا بالهدي ولأبي حنيفة أن التحلل من المحصر تحلل قبل أوان التحلل يباح لضرورة دفع الضرر ببقائه محرما رخصة وتيسيرا فلا يختص بيوم النحر كالطواف الذي يتحلل به فائت الحج إذ المحصر فائت الحج والله أعلم وأما حكم التحلل فصيرورته حلالا يباح له تناول جميع ما حظره الإحرام لارتفاع الحاظر فيعود حلالا كما كان قبل الإحرام وأما الذي يتحلل به بغير ذبح الهدي فكل محصر منع عن المضي في موجب الإحرام شرعا لحق العبد كالمرأة والعبد الممنوعين شرعا لحق الزوج والمولى بأن أحرمت المرأة بغير إذن زوجها أو أحرم العبد بغير إذن مولاه فللزوج والمولى أن يحللهما في الحال من غير ذبح الهدي فيقع الكلام في هذا في موضعين أحدهما في جواز هذا النوع من التحلل

Section V02/P180

والثاني في بيان ما يتحلل به أما الجواز فلأن منافع بضع المرأة حق الزوج وملكه عليها فيحتاج إلى استيفاء حقه ولا يمكنه ذلك مع قيام الإحرام فيحتاج إلى التحلل ولا سبيل إلى توقيفه على ذبح الهدي في الحرم لما فيه من إبطال حقه للحال فكان له أن يحللها للحال وعلى المرأة أن تبعث الهدي أو ثمنه إلى الحرم ليذبح عنها لأنها تحللت بغير طواف وعليها حجة وعمرة كما على الرجل المحصر إذا تحلل بالهدي بخلاف ما إذا أحرمت بحجة الإسلام ولا زوج لها ولا محرم أو كان لها زوج أو محرم فمات إنها لا تتحلل إلا بالهدي لأن المنع هناك لحق الله تعالى لا لحق العبد فكان تحللها جائزا لاحقا مستحقا عليها لأحد ألا ترى أن لها أن تبقى على إحرامها ما لم تجد محرما أو زوجا فكان تحللها بما هو الموضوع للتحلل في الأصل وهو ذبح الهدي فهو الفرق وكذا العبد بمنافعه ملك المولى فيحتاج إلى تصريفه في وجوه مصالحه ولا يمكنه ذلك مع قيام الإحرام فيحتاج إلى التحلل في الحال لما فيه من التوقيف على ذبح الهدي في الحرم من تعطيل مصالحه فيحلله المولى للحال وعلى العبد إذا عتق هدي الإحصار وقضاء حجة وعمرة لأن الحج وجب عليه بالشروع لكونه مخاطبا أهلا إلا أنه تعذر عليه المضي لحق المولى فإذا عتق زال حقه وتجب عليه العمرة لفوات الحج في عامه ذلك ولو كان أحرم العبد بإذن مولاه يكره للمولى أن يحلله بعد ذلك لأنه رجوع عما وعد وخلف في الوعد فيكره ولو حلله جاز لأن العبد بمنافعه ملك المولى وروي عن أبي يوسف وزفر أن المولى إذا أذن للعبد في الحج ليس له أن يحلله لأنه لما أذن له فقد أسقط حقه بالإذن فأشبه الحر والصحيح جواب ظاهر الرواية لأن المحلل بعد الإذن قائم وهو الملك إلا أنه يكره لما قلنا وإذا حلله لا هدي عليه لأن المولى لا يجب عليه لعبده شيء ولو أحصر العبد بعدما أحرم بإذن المولى ذكر القدوري في شرحه مختصر الكرخي أنه لا يلزم المولى إنفاذ هدي لأنه لو لزمه للزمه لحق العبد ولا يجب للعبد على مولاه حق فإن أعتقه وجب عليه أن يبعث الهدي لأنه إذا أعتق صار ممن يثبت له عليه حق فصار كالحر إذا حج عن غيره فأحصر أنه يجب على المحجوج عنه أن يبعث الهدي وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أن على المولى أن يذبح عنه هديا في الحرم فيحل لأن هذا الدم وجب لبلية ابتلي بها العبد بإذن المولى فصار بمنزلة النفقة والنفقة على المولى وكذا دم الإحصار ولهذا كان دم الإحصار في مال الميت إذا أحصر الحاج عن الميت لا عليه كذا هذا ولو أحرم العبد أو الأمة بإذن المولى ثم باعهما يجوز البيع وللمشتري أن يمنعهما ويحللهما في قول أصحابنا الثلاثة وفي قول زفر ليس له ذلك وله أن يردهما بالعيب وعلى هذا الخلاف المرأة إذا أحرمت بحجة التطوع ثم تزوجت فللزوج أن يحللها وعند زفر ليس له ذلك كذا حكى القاضي الخلاف في شرحه مختصر الطحاوي وذكر القدوري في شرحه مختصر الكرخي الخلاف بين أبي يوسف وزفر وجه قول زفر أن الذي انتقل إلى المشتري هو ما كان للبائع ولم يكن للبائع أن يحلله عنده لما ذكرنا أنه أسقط حق نفسه بالإذن كذا المشتري ولنا أن الإحرام لم يقع بإذن المشتري فصار كأنه أحرم في ملكه ابتداء بغير إذنه ولو كان كذلك كان له أن يحلله كذا هذا

Section V02/P180–V02/P181

وقال محمد إذا أذن الرجل لعبده في الحج ثم باعه لا أكره للمشتري أن يحلله لأن الكراهة في حق البائع لما فيه من خلف الوعد ولم يوجد ذلك من المشتري وروي ابن سماعة عن محمد في أمة لها زوج أذن لها مولاها في الحج فأحرمت ليس لزوجها أن يحللها لأن التحلل إنما ثبت للزوج بمنعها من السفر ليستوفي حقه منها ومنع الأمة من السفر إلى مولاها دون الزوج ألا ترى أن المولى لو سافر بها لم يكن للزوج منعها فكذا إذا أذن لها في السفر وأما بيان ما يتحلل به فالتحلل عن هذا النوع من الإحصار يقع بفعل الزوج والمولى أدنى محظورات الإحرام من قص ظفرهما أو تطييبهما أو بفعلهما ذلك بأمر الزوج والمولى أو بامتشاط الزوجة رأسها بأمر الزوج أو تقبيلها أو معانقتها فتحل بذلك والأصل فيه ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها حين حاضت في العمرة امتشطي وارفضي عنك العمرة ولأن التحلل صار حقا عليهما للزوج والمولى فجاز بمباشرتهما أدنى ما يحظره الإحرام ولا يكون التحلل بقوله حللتك لأن هذا تحليل من الإحرام فلا يقع بالقول كالرجل الحر إذا أحصر فقال حللت نفسي وأما وجوب قضاء ما أحرم به بعد التحلل فجملة الكلام فيه أن المحصر لا يخلو إما إن كان أحرم بالحجة لا غير وإما إن كان أحرم بالعمرة لا غير وإما إن كان أحرم بهما بأن كان قارنا فإن كان أحرم بالحجة لا غير فإن بقي وقت الحج عند زوال الإحصار وأراد أن يحج من عامه ذلك أحرم وحج وليس عليه نية القضاء ولا عمرة عليه كذا ذكره محمد في الأصل وذكر ابن أبي مالك عن أبي يوسف عن أبي حنيفة وعليه دم لرفض الإحرام الأول وإن تحولت السنة فعليه قضاء حجة وعمرة ولا تسقط عنه تلك الحجة إلا بنية القضاء وروى الحسن عن أبي حنيفة أن عليه قضاء حجة وعمرة في الوجهين جميعا وعليه نية القضاء فيهما وهو قول زفر ذكره القاضي في شرحه مختصر الطحاوي وعلى هذا التفصيل والاختلاف ما إذا أحرمت المرأة بحجة التطوع بغير إذن زوجها فمنعها زوجها فحللها ثم أذن لها بالإحرام فأحرمت في عامها ذلك أو تحولت السنة فأحرمت وجه قول زفر أن ما تحجه في هذا العام دخل في حد القضاء لأنه يؤدي بإحرام جديد لانفساخ الأول بالتحلل فيكون قضاء فلا يتأدى إلا بنية القضاء وعليه حجة وعمرة كما لو تحولت السنة ولنا أن القضاء اسم للفائت عن الوقت ووقت الحج باق فكان فعل الحج فيه أداء لا قضاء فلا يفتقر إلى نية القضاء ولا تلزمه العمرة لأن لزومها لفوات الحج في عامه ذلك ولم يفت وقال الشافعي عليه قضاء حجة لا غير وإن تحولت السنة واحتج بما روي عن ابن عباس أنه قال حجة بحجة وعمرة بعمرة وهو المعنى له في المسألة أن القضاء يكون مثل الفائت والفائت هو الحجة لا غير فمثلها الحجة لا غير وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من كسر أو عرج حل وعليه الحج من قابل ولم يذكر العمرة ولو كانت واجبة لذكرها ولنا الأثر والنظر أما الأثر فما روي عن ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهما أنهما قالا في المحصر بحجة يلزمه حجة وعمرة وأما النظر فلأن الحج قد وجب عليه بالشروع ولم يمض فيه بل فاته في عامه ذلك وفائت الحج يتحلل بأفعال العمرة فإن قيل فائت الحج يتحلل بالطواف لا بالدم والمحصر قد حل بالدم وقام الدم مقام الطواف من الذي يفوته الحج فكيف يلزمه طواف آخر

Section V02/P181–V02/P182

فالجواب أن الدم الذي حل به المحصر ما وجب بدلا عن الطواف ليقال أنه قام مقام الطواف فلا يجب عليه طواف آخر وإنما وجب لتعجيل الإحلال لأن المحصر لو لم يبعث هديا لبقي على إحرامه مدة مديدة وفيه حرج وضرر فجعل له أن يتعجل الخروج من إحرامه ويؤخر الطواف الذي لزمه بدم يهريقه فحل بالدم ولم يبطل الطواف وإذا لم يبطل الدم عنه الطواف ولم يجعل بدلا عنه فعليه أن يأتي به بإحرام جديد فيكون ذلك عمرة والدليل على أن دم الإحصار ما وجب بدلا عن الطواف الذي يتحلل به فائت الحج ( ( ( لحج ) ) ) أن فائت الحج لو أراد أن يفسخ الطواف الذي لزمه بدم يريقه بدلا عنه ليس له ذلك بالإجماع فثبت أن دم الإحصار لتعجيل الإحلال به لا بدلا عن الطواف فاندفع الإشكال بحمد الله تعالى ومنه وأما حديث ابن عباس رضي الله عنهما إن ثبت فهو تمسك بالمسكوت لأن قوله حجة بحجة وعمرة بعمرة يقتضي وجوب الحجة بالحجة والعمرة بالعمرة وهذا لا ينفي وجوب العمرة والحجة بالحجة ولا يقتضي أيضا فكان مسكوتا عنه فيقف على قيام الدليل وقد قام دليل الوجوب وهو ما ذكرنا وهو كقوله تعالى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى أنه لا ينفي قتل الحر بالعبد والأنثى بالذكر بالإجماع كذا هذا ويحمل على فائت الحج وهو الذي لم يدرك الوقوف بعرفة بدليل أنه يتحلل بأفعال العمرة وعليه قضاء الحج من قابل ولا عمرة عليه وإن كان إحرامه بالعمرة لا غير قضاها لوجوبها بالشروع في أي وقت شاء لأنه ليس لها وقت معين وإن كان أحرم بالعمرة والحجة إن كان قارنا فعليه قضاء حجة وعمرتين أما قضاء حجة وعمرة فلوجوبهما بالشروع وأما عمرة أخرى فلفوات الحج في عامه ذلك وهذا على أصلنا فأما على أصل الشافعي فليس عليه إلا حجة بناء على أصله أن القارن محرم بإحرام واحد ويدخل إحرام العمرة في الحجة فكان حكمه حكم المفرد بالحج والمفرد بالحج إذا أحضر ( ( ( أحصر ) ) ) لا يجب عليه إلا قضاء حجة عنده فكذا القارن والله تعالى أعلم وأما حكم زوال الإحصار فالإحصار إذا زال لا يخلو من أحد وجهين إما إن زال قبل بعث الهدي أو بعدما بعث فإن زال قبل أن يبعث الهدي مضى على موجب إحرامه وإن كان قد بعث الهدي ثم زال الإحصار فهذا لا يخلو من أربعة أوجه إما إن كان يقدر على إدراك الهدي والحج أو لا يقدر على إدراكهما جميعا أو يقدر على إدراك الهدي دون الحج أو يقدر على إدراك الحج دون الهدي فإن كان يقدر على إدراك الهدي والحج لم يجز له التحلل ويجب عليه المضي فإن إباحة التحلل لعذر الإحصار والعذر قد زال وإن كان لا يقدر على إدراك واحد منهما لم يلزمه المضي وجاز له التحلل لأنه لا فائدة في المضي فتقرر الإحصار فيتقرر حكمه وإن كان يقدر على إدراك الهدي ولا يقدر على إدراك الحج لا يلزمه المضي أيضا لعدم الفائدة في إدراك الهدي دون إدراك الحج إذ الذهاب لأجل إدراك الحج فإذا كان لا يدرك الحج فلا فائدة في الذهاب فكانت قدرته على إدراك الهدي والعدم بمنزلة واحدة وإن كان يقدر على إدراك الحج ولا يقدر على إدراك الهدي قيل إن هذا الوجه الرابع إنما يتصور على مذهب أبي حنيفة لأن دم الإحصار عنده لا يتوقف بأيام النحر بل يجوز قبلها فيتصور إدراك الحج دون إدراك الهدي فأما على مذهب أبي يوسف ومحمد فلا يتصور هذا الوجه إلا في المحصر عن العمرة لأن دم الإحصار عندهما مؤقت بأيام النحر فإذا أدرك الحج فقد أدرك الهدي ضرورة وإنما يتصور عندهما في المحصر عن العمرة لأن الإحصار عنها لا يتوقت بأيام النحر بلا خلاف

Section V02/P182–V02/P183

وإذا عرف هذا فقياس مذهب أبي حنيفة في هذا الوجه أنه يلزمه المضي ولا يجوز له التحلل لأنه إذا قدر على إدراك الحج لم يعجز عن المضي في الحج فلم يوجد عذر الإحصار فلا يجوز له التحلل ويلزمه المضي وفي الاستحسان لا يلزمه المضي ويجوز له التحلل إلا أنه إذا كان لا يقدر على إدراك الهدي صار كأن الإحصار زال عنه بالذبح فيحل بالذبح عنه ولأن الهدي قد مضى في سبيله بدليل إنه لا يجب الضمان بالذبح على من بعث على يده بدنة فصار كأنه قدر على الذهاب بعد ما ذبح عنه والله أعلم فصل وأما بيان ما يحظره الإحرام وما لا يحظره وبيان ما يجب بفعل المحظور فجملة الكلام فيه أن محظورات الإحرام في الأصل نوعان نوع لا يوجب فساد الحج ونوع يوجب فساده أما الذي لا يوجب فساد الحج فأنواع بعضها يرجع إلى اللباس وبعضها يرجع إلى الطيب وما يجري مجراه من إزالة الشعث وقضاء التفث وبعضها يرجع إلى توابع الجماع وبعضها يرجع إلى الصيد أما الأول فالمحرم لا يلبس المخيط جملة ولا قميصا ولا قباء ولا جبة ولا سراويل ولا عمامة ولا قلنسوة ولا يلبس خفين إلا أن لا يجد نعلين فلا بأس أن يقطعهما أسفل الكعبين فيلبسهما والأصل فيه ما روي عن عبد الله بن عمر أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم وقال ما يلبس المحرم من الثياب فقال لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف إلا أحد لا يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين ولا يلبس من الثياب شيئا مسه الزعفران ولا الورس ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين فإن قيل في هذا الحديث ضرب إشكال لأن فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عما يلبس المحرم فقال لا يلبس كذا وكذا من المخيط فسئل عن شيء فعدل عن محل السؤال وأجاب عن شيء آخر لم يسئل ( ( ( يسأل ) ) ) عنه وهذا محيد عن الجواب أو يوجب أن يكون إثبات الحكم في مذكور دليلا على أن الحكم في غيره بخلافه وهذا خلاف المذهب فالجواب عنه من وجوه أحدها أنه يحتمل أن يكون السؤال عما لا يلبسه المحرم وأضمر ( لا ) في محل السؤال لأن لا تارة تزاد في الكلام وتارة تحذف عنه قال الله تعالى يبين الله لكم أن تضلوا أي لا تضلوا فكان معنى الكلام أنه سئل عما لا يلبسه المحرم فقال لا يلبس المحرم كذا وكذا فكان الجواب مطابقا للسؤال والثاني يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم علم غرض السائل ومراده أنه طلب منه بيان ما لا يلبسه المحرم بعد إحرامه إما بقرينة حاله أو بدليل آخر أو بالوحي فأجاب عما في ضميره من غرضه ومقصوده ونظيره قوله تعالى خبرا عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر فأجابه الله عز وجل بقوله ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره سأل إبراهيم عليه الصلاة والسلام ربه عز وجل أن يرزق من آمن من أهل مكة من الثمرات فأجابه تعالى أنه يرزق الكافر أيضا لما علم أن مراد إبراهيم عليه الصلاة والسلام من سؤاله أن يرزق ذلك المؤمن منهم دون الكافر فأجابه الله تعالى عما كان في ضميره كذا هذا والثالث أنه لما خص المخيط أنه لا يلبسه المحرم بعد تقدم السؤال عما يلبسه دل أن الحكم في غير المخيط بخلافه والتنصيص على حكم في مذكور إنما لا يدل على تخصيص ذلك الحكم به بشرائط ثلاثة أحدها أن لا يكون فيه حيد عن الجواب ممن لا يجوز عليه الحيد فأما إذا كان فإنه يدل عليه صيانة لمنصب النبي صلى الله عليه وسلم عن الحيد عن الجواب عن السؤال

Section V02/P183

والثاني من المحتمل أن يكون حكم غير المذكور خلاف حكم المذكور وههنا لا يحتمل لأنه يقتضي أن لا يلبس المحرم أصلا وفيه تعريضه للهلاك بالحر أو البرد والعقل يمنع من ذلك فكان المنع من أحد النوعين في مثله إطلاقا للنوع الآخر ونظيره قوله تعالى الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه أن جعل الليل للسكون يدل على جعل النهار للكسب وطلب المعاش إذ لا بد من القوت للبقاء وكان جعل الليل للسكون تعيينا للنهار لطلب المعاش والثالث أن يكون ذلك في غير الأمر والنهي فأما في الأمر والنهي فيدل عليه لما قد صح من مذهب أصحابنا ان الأمر بالشيء نهى عن ضده والنهي عن الشيء أمر بضده والتنصيص ههنا في محل النهي فكان ذلك دليلا على أن الحكم في غير المخيط بخلافه والله عز وجل الموفق ولأن لبس المخيط من باب الارتفاق بمرافق المقيمين والترفه في اللبس وحال المحرم ينافيه ولأن الحاج في حال إحرامه يريد أن يتوسل بسوء حاله إلى مولاه يستعطف نظره ومرحمته بمنزلة العبد المسخوط عليه في الشاهد أنه يتعرض بسوء حاله لعطف سيده ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم المحرم الأشعث الأغبر وإنما يمنع المحرم من لبس المخيط إذا لبسه على الوجه المعتاد فأما إذا لبسه لا على أوجه ( ( ( الوجه ) ) ) المعتاد فلا يمنع منه بأن اتشح بالقميص أو اتزر بالسراويل لأن معنى الارتفاق بمرافق المقيمين والترفه في اللبس لا يحصل به ولأن لبس القميص والسراويل على هذا الوجه في معنى الارتداء والإتزار لأنه يحتاج في حفظه إلى تكلف كما يحتاج إلى التكلف في حفظ الرداء والإزار وذا غير ممنوع عنه ولو أدخل منكبيه في القباء ولم يدخل يديه في كميه جاز له ذلك في قول أصحابنا الثلاثة وقال زفر لا يجوز وجه قوله إن هذا لبس المخيط إذ اللبس هو التغطية وفيه تغطية أعضاء كثيرة بالمخيط من المنكبين والظهر وغيرها فيمنع من ذلك كإدخال اليدين في الكمين ولنا أن الممنوع عنه هو اللبس المعتاد وذلك في القباء الإلقاء على المنكبين مع إدخال اليدين في الكمين ولأن الإرتفاق بمرافق المقيمين والترفه في اللبس لا يحصل إلا به ولم يوجد فلا يمنع منه ولأن إلقاء القباء على المنكبين دون إدخال اليدين في الكمين يشبه الارتداء والاتزار لأنه يحتاج إلى حفظه عليه لئلا يسقط إلى تكلف كما يحتاج إلى ذلك في الرداء والإزار وهو لم يمنع من ذلك كذا هذا بخلاف ما إذا أدخل يديه في كميه لأن ذلك لبس معتاد يحصل به الارتفاق به والترفه في اللبس ويقع به الأمن عن السقوط ولو ألقاه على منكبيه وزره لا يجوز لأنه إذا زره فقد ترفه في لبس المخيط ألا ترى أنه لا يحتاج في حفظه إلى تكلف ولو لم يجد رداء وله قميص فلا بأس بأن يشق قميصه ويرتدي به لأنه لما شقه صار بمنزلة الرداء وكذا إذا لم يجد إزارا وله سراويل فلا بأس أن يفتق سراويله خلا موضع التكة ويأتزر به لأنه لما فتقه صار بمنزلة الإزار وكذا إذا لم يجد نعلين وله خفان فلا بأس أن يقطعهما أسفل الكعبين فيلبسهما لحديث ابن عمر رضي الله عنه ورخص بعض مشايخنا المتأخرون لبس الصندلة قياسا على الخف المقطوع لأنه في معناه وكذا لبس الميثم لما قلنا ولا يلبس الجوربين لأنهما في معنى الخفين ولا يغطي رأسه بالعمامة ولا غيرها مما يقصد به التغطية لأن المحرم ممنوع عن تغطية رأسه بما يقصد به التغطية

Section V02/P183–V02/P184

والأصل فيه ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في المحرم الذي وقصت به ناقته في أحافيق ( ( ( أخاقيق ) ) ) حردان ( ( ( جرذان ) ) ) فمات لا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبا فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا ولو حمل على رأسه شيئا فإن كان مما يقصد به التغطية من لباس الناس لا يجوز له ذلك لأنه كاللبس وإن كان مما لا يقصد به التغطية كإجانة أو عدل بز وضعه على رأسه فلا بأس بذلك لأنه لا يعد ذلك لبسا ولا تغطية وكذا لا يغطي الرجل وجهه عندنا وقال الشافعي يجوز له تغطية الوجه وأما المرأة فلا تغطي وجهها وكذا لا بأس أن تسدل على وجهها بثوب وتجافيه عن وجهها احتج الشافعي بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إحرام الرجل في رأسه وإحرام المرأة في وجهها جعل إحرام كل واحد منهما في محل خاص ولا خصوص مع الشركة ولهذا لما خص الوجه في المرأة بأن إحرامها فيه لم يكن في رأسها فكذا في الرجل ولأن مبني أحوال المحرم على خلاف العادة وذلك فيما قلنا لأن العادة هو الكشف في الرجال فكان الستر على خلاف العادة بخلاف النساء فإن العادة فيهن الستر فكان الكشف خلاف العادة ولنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إحرام الرجل في رأسه ووجهه ولا حجة له فيما روي لأن فيه أن إحرام الرجل في رأسه وهذا لا ينفي أن يكون في وجهه ولا يوجب أيضا فكان مسكوتا عنه فيقف على قيام الدليل وقد قام الدليل وهو ما روينا وهكذا نقول في المرأة إنا إنما عرفنا أن إحرامها ليس في رأسها لا بقوله وإحرام المرأة في وجهها بل بدليل آخر نذكره إن شاء الله تعالى ولا يلبس ثوبا أصبغ بورس أو زعفران وإن لم يكن مخيطا لخبر ابن عمر رضي الله عنه ولأن الورس والزعفران طيب والمحرم ممنوع من استعمال الطيب في بدنه ولا يلبس المعصفر وهو المصبوغ بالعصفر عندنا وقال الشافعي يجوز واحتج بما روي أن عائشة رضي الله عنها لبست الثياب المعصفرة وهي محرمة وروي أن عثمان رضي الله عنه أنكر على عبد الله بن جعفر لبس المعصفر في الإحرام فقال علي رضي الله عنه ما أرى أن أحدا يعلمنا السنة ولنا ما روى أن عمر رضي الله عنه أنكر على طلحة لبس المعصفر في الإحرام فقال طلحة رضي الله عنه إنما هو ممشق بمغرة فقال عمر رضي الله عنه إنكم أئمة يقتدى بكم فدل إنكار عمر واعتذار طلحة رضي الله عنهما على أن المحرم ممنوع من ذلك وفيه إشارة إلى أن الممشق مكروه أيضا لأنه قال إنكم أئمة يقتدى بكم أي من شاهد ذلك ربما يظن أنه مصبوغ بغير المغرة فيعتقد الجواز فكان سببا للوقوع في الحرام عسى فيكره ولأن المعصفر طيب لأن له رائحة طيبة فكان كالورس والزعفران وأما حديث عائشة رضي الله عنها فقد روي عنها أنها كرهت المعصفر في الإحرام أو يحمل على المصبوغ بمثل العصفر كالمغرة ونحوها وهو الجواب عن قول عمر ( ( ( علي ) ) ) رضي الله عنه على أن قوله معارض بقول عثمان رضي الله عنه وهو إنكاره فسقط الاحتجاج به للتعارض هذا إذا لم يكن مغسولا فأما إذا كان قد غسل حتى صار لا ينفض فلا بأس به لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا بأس أن يحرم الرجل في ثوب مصبوغ بورس أو زعفران قد غسل وليس له نفض ولا ردغ

Section V02/P184–V02/P185

وقوله صلى الله عليه وسلم لا ينفض له تفسيران منقولان عن محمد روى عنه لا يتناثر صبغه وروي لا يفوح ريحه والتعويل على زوال الرائحة حتى لو كان لا يتناثر صبغه ولكن يفوح ريحه يمنع منه لأن ذلك دليل بقاء الطيب إذ الطيب ما له رائحة طيبة وكذا ما صبغ بلون الهروي لأنه صبغ خفيف فيه أدنى صفرة لا توجد منه رائحة وقال أبو يوسف في الإملاء لا ينبغي للمحرم أن يتوسد ثوبا مصبوغا بالزعفران ولا الورس ولا ينام عليه لأنه يصير مستعملا للطيب فكان كاللبس ولا بأس بلبس الخز والصوف والقصب والبرد وإن كان ملونا كالعدني وغيره لأنه ليس فيه أكثر من الزينة والمحرم غير ممنوع من ذلك ولا بأس أن يلبس الطيلسان لأن الطيلسان ليس بمخيط ولا يزره كذا روي عن ابن عمر رضي الله عنه وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه لا بأس به والصحيح قول ابن عمر لأن الزرة مخيط في نفسها فإذا زره فقد اشتمل المخيط عليه فيمنع منه ولأنه إذا زرة لا يحتاج في حفظه إلى تكلف فأشبه لبس المخيط بخلاف الرداء والإزار ويكره أن يخلل الإزار بالخلال وأن يعقد الإزار لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى محرما قد عقد ثوبه بحبل فقال له انزع الحبل ويلك وروي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كره أن يعقد المحرم الثوب عليه ولأنه يشبه المخيط في عدم الحاجة في حفظه إلى تكلف ولو فعل لا شيء عليه لأنه ليس بمخيط ولا بأس أن يتحزم بعمامة يشتمل بها ولا يعقدها لأن اشتمال العمامة عليه اشتمال غير المخيط فأشبه الاتشاح بقميص فإن عقدها كره له ذلك لأنه يشبه المخيط كعقد الإزار ولا بأس بالهميان والمنطقة للمحرم سواء كان في الهميان نفقته أو نفقة غيره وسواء كان شد المنطقة بالإبزيم أو بالسيور وعن أبي يوسف في المنطقة إن شده بالإبزيم يكره وإن شده بالسيور لا يكره وقال مالك في الهميان إن كان فيه نفقته لا يكره وإن كان فيه نفقة غيره يكره وجه قوله أن شد الهميان لمكان الضرورة وهي استيثاق النفقة ولا ضرورة في نفقة غيره وجه رواية أبي يوسف أن الإبزيم مخيط فالشد به يكون كزر الإزار بخلاف السير ولنا ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن الهميان فقالت أوثق عليك نفقتك أطلقت القضية ولم تستفسر وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهميان يشده المحرم في وسطه إذا كانت فيه نفقته وعليه جماعة من التابعين وروي عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه أنه لا بأس بالهيمان ( ( ( بالهميان ) ) ) وهو قول سعيد بن جبير وعطاء وطاوس رضي الله تعالى عنهم ولأن اشتمال الهميان والمنطقة عليه كاشتمال الإزار فلا يمنع عنه ولا بأس أن يستظل المحرم بالفسطاط عند عامة العلماء وقال مالك يكره واحتج بما بما روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كره ذلك ولنا ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يلقى على شجرة ثوبا أو نطعا فيستظل به وروى أنه ضرب لعثمان رضي الله عنه فسطاطا ( ( ( فسطاط ) ) ) بمنى فكان يستظل به ولأن الاستظلال بما لا يماسه بمنزلة الاستظلال بالسقف وذا غير ممنوع عنه كذا هذا فإن دخل تحت ستر الكعبة حتى غطاه فإن كان الستر يصيب وجهه ورأسه يكره له ذلك لأنه يشبه ستر وجهه ورأسه بثوب وإن كان متجافيا فلا يكره لأنه بمنزلة الدخول تحت ظلة ولا بأس أن تغطي المرأة سائر جسدها وهي محرمة بما شاءت من الثياب المخيطة وغيرها وأن تلبس الخفين غير أنها لا تغطي وجهها أما ستر سائر بدنها فلأن بدنها عورة وستر العورة بما ليس بمخيط متعذر فدعت الضرورة إلى لبس المخيط وأما كشف وجهها فلما روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إحرام المرأة في وجهها

Section V02/P185–V02/P186

وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا حاذونا أسدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا رفعنا فدل الحديث على أنه ليس للمرأة أن تغطي وجهها وأنها لو أسدلت على وجهها شيئا وجافته عنه لا بأس بذلك ولأنها إذا جافته عن وجهها صار كما لو جلست في قبة أو استترت بفسطاط ولا بأس لها أن تلبس الحرير والذهب وتتحلى بأي حلية شاءت عند عامة العلماء وعن عطاء أنه كره ذلك والصحيح قول العامة لما روي أن ابن عمر رضي الله عنه كان يلبس نساءه الذهب والحرير في الإحرام ولأن لبس هذه الأشياء من باب التزين والمحرم غير ممنوع من الزينة ولا يلبس ثوبا مصبوغا لأن المانع ما فيه من الصبغ من الطيب لا من الزينة والمرأة تساوي الرجل في الطيب وأما لبس القفازين فلا يكره عندنا وهو قول علي وعائشة رضي الله عنهما وقال الشافعي لا يجوز واحتج بحديث ابن عمر رضي الله عنه فإنه ذكر في آخره ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين ولأن العادة في بدنها الستر فيجب مخالفتها بالكشف كوجهها ولنا ما روى أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كان يلبس بناته وهن محرمات القفازين ولأن لبس القفازين ليس إلا تغطية يديها بالمخيط وإنها غير ممنوعة عن ذلك فإن لها أن تغطيهما بقميصها وإن كان مخيطا فكذا بمخيط آخر بخلاف وجهها وقوله ولا تلبس القفازين نهي ندب حملناه عليه جمعا بين الدلائل بقدر الإمكان وأما بيان ما يجب بفعل هذا المحظور وهو لبس المخيط فالواجب به يختلف في بعض المواضع يجب الدم عينا وفي بعضها تجب الصدقة عينا وفي بعضها يجب أحد الأشياء الثلاثة غير عين الصيام أو الصدقة أو الدم وجهات التعيين إلى من عليه كما في كفارة اليمين والأصل أن الارتفاق الكامل باللبس يوجب فداء كاملا فيتعين فهي ( ( ( فيه ) ) ) الدم لا يجوز غيره إن فعله من غير عذر وإن فعله لعذر فعليه أحد الأشياء الثلاثة والارتفاق القاصر يوجب فداء قاصرا وهو الصدقة إثباتا للحكم على قدر العلة وبيان هذه الجملة إذا لبس المخيط من قميص أو جبة أو سراويل أو عمامة أو قلنسوة أو خفين أو جوربين من غير عذر وضرورة يوما كاملا فعليه الدم لا يجوز غيره لأن لبس أحد هذه الأشياء يوما كاملا ارتفاق كامل فيوجب كفارة كاملة وهي الدم لا يجوز غيره لأنه فعله من غير ضرورة وإن لبس أقل من يوم لا دم عليه وعليه الصدقة وكان أبو حنيفة يقول أولا إن لبس أكثر اليوم فعليه دم وكذا روي عن أبي يوسف ثم رجع وقال لا دم عليه حتى يلبس يوما كاملا وروي عن محمد أنه إذا لبس أقل من يوم يحكم عليه بمقدار ما لبس من قيمة الشاة إن لبس نصف يوم فعليه قيمة نصف شاة على هذا القياس وهكذا روي عنه في الحلق وقال الشافعي يجب عليه الدم وإن لبس ساعة واحدة وجه قوله إن اللبس ولو ساعة ارتفاق كامل لوجود اشتمال المخيط على بدنه فيلزمه جزاء كامل وجه رواية محمد اعتبار البعض بالكل وجه قول أبي حنيفة الأول بأن الارتفاق باللبس في أكثر اليوم بمنزلة الارتفاق في كل ( ( ( كله ) ) ) لأنه ارتفاق كامل فإن الإنسان قد يلبس أكثر اليوم ثم يعود إلى منزله قبل دخول الليل وجه قوله الآخر إن اللبس أقل من يوم ارتفاق ناقص لأن المقصود منه دفع الحر والبرد وذلك باللبس في كل اليوم ولهذا اتخذ الناس في العادة للنهار لباسا ولليل لباسا ولا ينزعون لباس النهار إلا في الليل فكان اللبس في بعض اليوم ارتفاقا قاصرا فيوجب كفارة قاصرة وهي الصدقة كقص ظفر واحد ومقدار الصدقة نصف صاع من بر

Section V02/P186–V02/P187

كذا روى ابن سماعة عن أبي يوسف أنه يطعم مسكينا نصف صاع من بر وكل صدقة تجب بفعل ما يحظره الإحرام فهي مقدرة بنصف صاع إلا ما يجب بقتل القملة والجرادة وروى ابن سماعة عن محمد أن من لبس ثوبا يوما إلا ساعة فعليه من الدم بمقدار ما لبس أي من قيمة الدم لما قلنا والصحيح قول أبي يوسف لأن الصدقة المقدرة للمسكين في الشرع لا تنقص عن نصف صاع كصدقة الفطر وكفارة اليمين والفطر والظهار وكذا لو أدخل منكبيه في القباء ولم يدخل يديه في كميه لكنه زره عليه أو زر عليه طيلسانا يوما كاملا فعليه دم لوجود الارتفاق الكامل بلبس المخيط إذ المزرر مخيط وكذا لو غطى ربع رأسه يوما فصاعدا فعليه دم وإن كان أقل من الربع فعليه صدقة كذا ذكر في الإصل وذكر ابن سماعة في نوادره عن محمد أنه لا دم عليه حتى يغطي الأكثر من رأسه ولا أقول حتى يغطي رأسه كله وجه رواية ابن سماعة عن محمد أن تغطية الأقل ليس بارتفاق كامل فلا يجب به جزاء كامل وجه رواية الأصل أن ربع الرأس له حكم الكل في هذا الباب كحلق ربع الرأس وعلى هذا إذا غطت المرأة ربع وجهها وكذا لو غطى الرجل ربع وجهه عندنا وعند الشافعي لا شيء عليه لأنه غير ممنوع عن ذلك عنده والمسألة قد تقدمت ولو عصب على رأسه أو وجهه يوما أو أكثر فلا شيء عليه لأنه لم يوجد ارتفاق كامل وعليه صدقة لأنه ممنوع عن التغطية ولو عصب شيئا من جسده لعلة أو غير علة لا شيء عليه لأنه غير ممنوع عن تغطية بدنه بغير المخيط ويكره أن يفعل ذلك بغير عذر لأن الشد عليه يشبه لبس المخيط هذا إذا لبس المخيط يوما كاملا حالة الاختيار فأما إذا لبسه لعذر وضرورة فعليه أي الكفارات شاء الصيام أو الصدقة أو الدم والأصل فيه قوله تعالى في كفارة الحلق من مرض أو أذى في الرأس فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لكعب بن عجرة أيؤذيك هوام رأسك قال نعم فقال احلق واذبح شاة أو صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من بر والنص وإن ورد بالتخيير في الحلق لكنه معلول بالتيسير والتسهيل للضرورة والعذر وقد وجد ههنا والنص الوارد هناك يكون واردا ههنا دلالة وقيل إن عند الشافعي يتخير بين أحد الأشياء الثلاثة في حالة الاختيار أيضا وأنه غير سديد لأن التخيير في حال الضرورة للتيسير والتخفيف والجاني لا يستحق التخفيف ويجوز في الطعام التمليك والتمكين وهو طعام الإباحة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد لا يجوز فيه إلا التمليك ونذكر المسألة في كتاب الكفارات إن شاء الله تعالى ويجوز في الصيام التتابع والتفرق لإطلاق اسم الصوم في النص ولا يجوز الذبح إلا في الحرم كذبح المتعة إلا إذا ذبح في غير الحرم وتصدق بلحمه على ستة مساكين على كل واحد منهم قدر قيمة نصف صاع من حنطة فيجوز على طريق البدل عن الطعام ويجوز الصوم في الأماكن كلها بالإجماع وكذا الصدقة عندنا وعند الشافعي لا تجزيه إلا بمكة نظرا لأهل مكة لأنهم ينتفعون به ولهذا لم يجز الدم إلا بمكة ولنا إن نص الصدقة مطلق عن المكان فيجري على إطلاقه والقياس على الدم بمعنى الانتفاع فاسد لما ذكرنا في الإحصار وإنما عرف اختصاص جواز الذبح بمكة بالنص وهو قوله تعالى حتى يبلغ الهدي محله ولم يوجد مثله في الصدقة وقد ذكرنا أن المحرم إذا لم يجد الإزار وأمكنه فتق السراويل والتستر به فتقه فإن لبسه يوما ولم يفتقه فعليه دم في قول أصحابنا وقال الشافعي يلبسه ولا شيء عليه وجه قوله إن الكفارة إنما تجب بلبس محظور ولبس السراويل في هذه الحالة ليس بمحظور لأنه لا يمكنه لبس غير المخيط إلا بالفتق وفي الفتق تنقيص ماله

Section V02/P187

ولنا أن حظر لبس المخيط ثبت بعقد الإحرام ويمكنه التستر بغير المخيط في هذه الحالة بالفتق فيجب عليه الفتق والستر بالمفتوق أولى فإذا لم يفعل فقد ارتكب محظور إحرامه يوما كاملا فيلزمه الدم وقوله في الفتق تنقيص ماله مسلم لكن لإقامة حق الله تعالى وأنه جائز كالزكاة وقطع الخفين أسفل من الكعبين إذا لم يجد النعلين ويستوي في وجوب الكفارة بلبس المخيط العمد والسهو والطوع والكره عندنا وقال الشافعي لا شيء على الناسي والمكره ويستوى أيضا ما إذا لبس بنفسه أو ألبسه غيره وهو لا يعلم به عندنا خلافا له وجه قوله أن الكفارة إنما تجب بارتكاب محظور الإحرام لكونه جناية ولا حظر مع النسيان والإكراه فلا يوصف فعله بالجناية فلا تجب الكفارة ولهذا جعل النسيان عذرا في باب الصوم بالإجماع والإكراه عندي ولنا أن الكفارة إنما تجب في حال الذكر والطوع لوجود ارتفاق كامل وهذا يوجد في حال الكره والسهو وقوله فعل الناسي والمكره لا يوصف بالحظر ممنوع بل الحظر قائم حالة النسيان والإكراه وفعل الناسي والمكره موصوف بكونه جناية وإنما أثر النسيان والإكراه في ارتفاع المؤاخذة في الآخرة لأن فعل الناسي والمكره جائز المؤاخذة عليه عقلا عندنا وإنما رفعت المؤاخذة شرعا ببركة دعاء ( ( ( دعا ) ) ) النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا وقوله ? < رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه > ? والاعتبار بالصوم غير سديد لأن في الإحرام أحوالا مذكرة يندر النسيان معها غاية الندرة فكان ملحقا بالعدم ولا مذكر للصوم فجعل عذرا دفعا للحرج ولهذا لم يجعل عذرا في باب الصلاة لأن أحوال الصلاة مذكرة كذا هذا ولو جمع المحرم اللباس كله القميص والعمامة والخفين لزمه دم واحد لأنه لبس واحد وقع على جهة واحدة فيكفيه كفارة واحدة كالإيلاجات في الجماع ولو اضطر المحرم إلى لبس ثوب فلبس ثوبين فإن لبسهما على موضع الضرورة فعليه كفارة واحدة وهي كفارة الضرورة بأن اضطر إلى قميص واحد فلبس قميصين أو قميصا وجبة أو اضطر إلى القلنسوة فلبس قلنسوة وعمامة لأن اللبس حصل على وجه واحد فيوجب كفارة واحدة كما إذا اضطر إلى لبس قميص فلبس جبة وإن لبسهما على موضعين مختلفين موضع الضرورة وغير موضع الضرورة كما إذا اضطر إلى لبس العمامة أو القلنسوة فلبسهما مع القميص أو غير ذلك فعليه كفارتان كفارة الضرورة للبسه ما يحتاج إليه وكفارة الاختيار للبسه ما لا يحتاج إليه ولو لبس ثوبا للضرورة ثم زالت الضرورة فدام على ذلك يوما أو يومين فما دام في شك من زوال الضرورة لا يجب عليه إلا كفارة واحدة كفارة الضرورة وإن تيقن بأن الضرورة قد زالت فعليه كفارتان كفارة ضرورة وكفارة اختيار لأن الضرورة كانت ثابتة بقين ( ( ( بيقين ) ) ) فلا يحكم بزوالها بالشك على الأصل المعهود أن الثابت يقينا لا يزال بالشك وإذا كان كذلك فاللبس الثاني وقع على الوجه الذي وقع عليه الأول فكان لبسا واحدا فيوجب كفارة واحدة وإذا استيقن بزوال الضرورة فاللبس الثاني حصل على غير الوجه الذي حصل عليه الأول فيوجب عليه كفارة أخرى

Section V02/P187–V02/P188

ونظير هذا ما إذا كان به قرح أو جرح اضطر إلى مداواته بالطيب أنه ما دام باقيا فعليه كفارة واحدة وإن كان تكرر عليه الدواء لأن الضرورة باقية فوقع الكل على وجه واحد ولو برأ ذلك القرح أو الجرح وحدث قرح آخر أو جراحة أخرى فداواها ( ( ( فداوها ) ) ) بالطيب يلزمه كفارة أخرى لأن الضرورة قد زالت فوقع الثاني على غير الوجه الأول وكذا المحرم إذا مرض أو أصابته الحمى وهو يحتاج إلى لبس الثوب في وقت ويستغني عنه في وقت الحمى فعليه كفارة واحدة ما لم تزل عنه تلك العلة لحصول اللبس على جهة واحدة ولو زالت عنه تلك الحمى وأصابته حمى أخرى عرف ذلك أو زال عنه ذلك المرض وجاءه مرض آخر فعليه كفارتان سواء كفر للأول أو لم يكفر في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد عليه كفارة واحدة ما لم يكفر للأول فإن كفر للأول فعليه كفارة أخرى وسنذكر المسألة إن شاء الله في بيان المحظور الذي يفسد الحج وهو الجماع بأن جامع في مجلسين مختلفين ولو جرح له قرح أو أصابه جرح وهو يداويه بالطيب فخرجت قرحة أخرى أو أصابه جرح آخر والأول على حاله لم يبرأ فداوى الثاني فعليه كفارة واحدة لأن الأول لم يبرأ فالضرورة باقية فالمداواة الثانية حصلت على الجهة التي حصلت عليها الأولى فيكفيه كفارة واحدة ولو حصره عدو فاحتاج إلى لبس الثياب فلبس ثم ذهب فنزع ثم عاد فعاد أو كان العدو لم يبرح مكانه فكان يلبس السلاح فيقاتل بالنهار وينزع بالليل فعليه كفارة واحدة ما لم يذهب هذا العدو ويجيء عدو آخر لأن العذر واحد والعذر الواحد لا يتعلق باللبس له إلا كفارة واحدة والأصل في جنس هذه المسائل أنه ينظر إلى اتحاد الجهة واختلافها لا إلى صورة اللبس فإن لبس المخيط أياما فإن لم ينزع ليلا ولا نهارا يكفيه دم واحد بلا خلاف لأن اللبس على وجه واحد وكذلك إذا كان بلبسه ( ( ( يلبسه ) ) ) بالنهار وينزعه بالليل للنوم من غير أن يعزم على تركه لا يلزمه إلا دم واحد بالإجماع لأنه إذا لم يعزم على الترك كان اللبس على وجه واحد فإن لبس يوما كاملا فأراق دما ثم دام على لبسه يوما كاملا فعليه دم آخر بلا خلاف لأن الدوام على اللبس بمنزلة لبس مبتدأ بدليل أنه لو أحرم وهو مشتمل على المخيط فدام عليه بعد الإحرام يوما كاملا يلزمه دم ولو لبسه يوما كاملا ثم نزعه وعزم على تركه ثم لبس بعد ذلك فإن كان كفر للأول فعليه كفارة أخرى بالإجماع لأنه لما كفر للأول فقد التحق اللبس الأول بالعدم فيعتبر الثاني لبسا آخر مبتدأ وإن لم يكفر للأول فعليه كفارتان في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وفي قول محمد عليه كفارة واحدة وجه قول محمد أنه ما لم يكفر للأول كان اللبس على حاله فإذا وجد الثاني فلا يتعلق به إلا كفارة واحدة وإذا كفر للأول بطل الأول فيعتبر الثاني لبسا ثانيا فيوجب كفارة أخرى كما إذا جامع في يومين من شهر رمضان ولهما أنه لما نزع على عزم الترك فقد انقطع حكم اللبس الأول فيعتبر الثاني لبسا مبتدأ فيتعلق به كفارة أخرى والأصل عندهما أن النزع على عزم الترك يوجب اختلاف اللبستين في الحكم تخللهما التكفير أولا وعنده لا يختلف إلا إذا تخللهما التكفير ولو لبس ثوبا مصبوغا بالورس أو الزعفران فعليه دم لأن الورس والزعفران لهما رائحة طيبة فقد استعمل الطيب في بدنه فيلزمه الدم وكذا إذا لبس المعصفر عندنا لأنه محظور الإحرام عندنا إذ المعصفر طيب لأن له رائحة طيبة وعلى القارن في جميع ما يوجب الكفارة مثلا ما على المفرد من الدم والصدقة عندنا لأنه محرم بإحرامين فأدخل النقص في كل واحد منهما فيلزمه كفارتان والله أعلم بالصواب فصل وأما الذي يرجع إلى الطيب وما يجري مجراه من إزالة الشعث وقضاء التفث

Section V02/P188–V02/P189

أما الطيب فنقول لا يتطيب المحرم لقول النبي صلى الله عليه وسلم المحرم الأشعث الأغبر والطيب ينافي الشعث وروي أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعليه مقطعان مضمخان بالخلوق فقال ما أصنع في حجتي يا رسول الله فسكت النبي صلى الله عليه وسلم حتى أوحى الله إليه فلما سرى عنه قال صلى الله عليه وسلم أين السائل فقال الرجل أنا فقال اغسل هذا الطيب عنك واصنع في حجتك ما كنت صانعا في عمرتك وروينا أن محرما وقصت به ناقته فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبا فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا جعل كونه محرما علة حرمة تخمير الرأس والتطيب في حقه فإن طيب عضوا كاملا كالرأس والفخذ والساق ونحو ذلك فعليه دم وإن طيب أقل من عضو فعليه صدقة وقال محمد يقوم ما يجب فيه الدم فيتصدق بذلك القدر حتى لو طيب ربع عضو فعليه من الصدقة قدر قيمة ربع شاة وإن طيب نصف عضو تصدق بقدر قيمة نصف شاة هكذا وذكر الحاكم في المنتقى في موضع إذا طيب مثل الشارب أو بقدره من اللحية فعليه صدقة وفي موضع إذا طيب مقدار ربع الرأس فعليه دم أعطى الربع حكم الكل كما في الحلق وقال الشافعي في قليل الطيب وكثيره دم لوجود الارتفاق ومحمد اعتبر البعض بالكل والصحيح ما ذكر في الأصل لأن تطييب عضو كامل ارتفاق كامل فكان جناية كاملة فيوجب كفارة كاملة وتطييب ما دونه ارتفاق قاصر فيوجب كفارة قاصرة إذا الحكم يثبت على قدر السبب فإن طيب مواضع متفرقة من كل عضو يجمع ذلك كله فإذا بلغ عضوا كاملا يجب عليه دم وإن لم يبلغ فعليه صدقة لما قلنا وإن طيب الأعضاء كلها فإن كان في مجلس واحد فعليه دم واحد لأن جنس الجناية واحد حظرها إحرام واحد من جهة غير متقومة فيكفيه دم واحد وإن كان في مجلسين مختلفين بأن طيب كل عضو في مجلس على حدة فعليه لكل واحد دم في قول أبي حنيفة وأبي يوسف سواء ذبح للأول أو لم يذبح كفر للأول أو لم يكفر وقال محمد إن ذبح للأول فكذلك وإن لم يذبح فعليه دم واحد والاختلاف فيه كالاختلاف في الجماع بأن جامع قبل الوقوف بعرفة ثم جامع إنه إن كان ذلك في مجلس واحد يجب على كل واحد منهما دم واحد وإن كان في مجلسين مختلفين يجب على كل واحد منهما دمان في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد إن ذبح للأول فعليه دم آخر وإن لم يذبح يكفي دم واحد قياسيا ( ( ( قياسا ) ) ) على كفارة الإفطار في شهر رمضان وسنذكر المسألة إن شاء الله تعالى ولو ادهن بدهن فإن كان الدهن مطيبا كدهن البنفسج والورد والزئبق والبان والحري وسائر الأدهان التي فيها الطيب فعليه دم إذا بلغ عضوا كاملا وحكي عن الشافعي أن البنفسج ليس بطيب وأنه غير سديد لأنه دهن مطيب فأشبه ألبان وغيره من الأدهان المطيبة وإن كان غير مطيب بأن أدهن بزيت أو بشيرج فعليه دم في قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد عليه صدقة وقال الشافعي إن استعمله في شعره فعليه دم وإن استعمله في بدنه فلا شيء عليه واحتجا ( ( ( احتجا ) ) ) بما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ادهن بزيت وهو محرم ولو كان ذلك موجبا للدم لما فعل صلى الله عليه وسلم لأنه ما كان يفعل ما يوجب الدم ولأن غير المطيب من الإدهان يستعمل استعمال الغذاء فأشبه اللحم والشحم والسمن إلا أنه يوجب الصدقة لأنه يقتل الهوام لا لكونه طيبا

Questions

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî) · 32 · Qur'an & Sunnah