Qur'an&Sunnah

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)

Section V03/P046

وعلى هذا قالوا في عامل استحلف رجلا أن يرفع إليه كل من علم به من فاسق أو داعر أو سارق في محلته ولم يعلم من ذلك حتى عزل العامل عن عمله ثم علم فليس عليه أن يرفعه وقد خرج عن يمينه وبطلت عنه لأنها تقيدت بحال عمله بدلالة الغرض لأن غرض العامل أن يرفع إليه ما دام واليا فإذا زالت ولايته ارتفعت اليمين فإن عاد العامل عاملا بعد عزله لم يكن عليه أيضا أن يرفع ذلك إليه لأن اليمين قد بطلت فلا تعود سواء عاد عاملا بعد ذلك أو لم يعد ولو كان الحالف علم ببعض ما استحلف عليه فأخر رفع ذلك حتى عزل العامل حنث في يمينه ولم ينفعه رفع ذلك إليه بعد عزله لأن الرفع تقيد بحال قيام الولاية فإذا زالت الولاية فقد فات شرط البر قال محمد في الزيادات إلا أن يعني أن يرفع إليهم على كل حال في السلطان وغيره وأدينه فيما بينه وبين الله عز وجل وفي القضاء لأنه نوى ظاهر كلامه وهو العموم فيصدق ديانة وقضاء وقال محمد في الزيادات إذا حلف أن لا تخرج امرأته من هذه الدار ولا عبده فبانت منه أو خرج العبد عن ملكه ثم خرجت حنث ولا يتقيد بحال قيام الزوجية والملك لانعدام دلالة التقييد وهي قوله إلا بإذنه فيعمل بعموم اللفظ فإن عنى به ما دامت امرأته يدين فيما بينه وبين الله عز وجل لأنه عنى ما يحتمله لفظ ( ( ( لفظه ) ) ) ولا يدين في القضاء لأنه نوى تخصيص العموم وأنه خلاف الظاهر وكذلك من طولب بحق فحلف أن لا يخرج من دار مطالبه حنث بالخروج زال ذلك الحق أو لم يزل لما قلنا وإن أرادت المرأة أن تخرج وقد أخذت في ذلك أو العبد أو أراد الرجل أن يضرب عبده وقد نهض لذلك فقال أنت طالق ان خرجت أو قال المولى أنت حر إن خرجت أو قال رجل للضارب عبدي حر إن ضربته فكفوا عن ذلك فقد سقطت اليمين حتى لو خرج المحلوف عليه بعد ذلك أو ضرب الرجل عبده لا يحنث الحالف لأن غرضه من هذه اليمين المنع من الخروج في الحال أو الضرب فتقيدت بالحال بدلالة الغرض فتزول اليمين بزوال الحالف فلا يتصور الحنث بالخروج بعد ذلك وهذه من مسائل يمين الفور ونظائرها تأتي إن شاء تعالى في مواضعها فصل وأما الحلف على الكلام فالمحلوف عليه وهو الكلام قد يكون مؤبدا وقد يكون مطلقا وقد يكون مؤقتا أما المؤبد فهو أن يحلف أن لا يكلم فلانا أبدا فهو على الأبد لا شك فيه لأنه نص عليه

Section V03/P046–V03/P047

وأما المطلق فهو أن يحلف أن يكلم فلانا ولا يذكر الأبد وهذا أيضا على الأبد حتى لو كلمه في أي وقت كلمه في ليل أو نهار وفي أي مكان كان وعلى أي حال حنث لأنه منع نفسه من كلام فلان ليبقى الكلام من قبله على العدم ولا يتحقق العدم إلا بالامتناع من الكلام في جميع العمر فإن نوى شيئا دون شيء بأن نوى يوما أو وقتا أو بلدا أو منزلا لا يدين في القضاء ولا فيما بينه وبين الله عز وجل لأنه نوى تخصيص ما ليس بملفوظ فلا يصدق رأسا ولا يحنث حتى يكون منه كلام مستأنف بعد اليمين فينقطع عنها فإن كان موصولا لم يحنث بأن قال إن كلمتك فأنت طالق فاذهبى أو فقومي فلا يحنث بقوله فاذهبى أو فقومي كذا قال أبو يوسف لأنه متصل باليمين وهذا لأن قوله لا أكلم أو إن كلمتك يقع على الكلام المقصود باليمين وهو ما يستأنف بعد تمام الكلام الأول وقوله فاذهبي أو فقومي وإن كان كلاما حقيقة فليس بمقصود باليمين فلا يحنث به ولأنه لما ذكره بحرف العطف دل أنه ليس بكلام مبتدأ وكذا إذا قال واذهبي لما قلنا فإن أراد به كلاما مستأنفا يصدق لأنه كلام حقيقة وفيه تشديد على نفسه وإن أراد بقوله فاذهبي الطلاق فإنها تطلق بقوله فاذهبي لأنه من كنايات الطلاق ويقع عليها تطليقة أخرى باليمين لأنه لما نوى به الطلاق فقد صار كلاما مبتدأ فيحنث به وإن كان في الحال التي حلف ما يدل على تخصيص اليمين كانت خاصة بأن قال له رجل كلم لي زيدا اليوم في كذا فيقول والله لا أكلمه يقع هذا على اليوم دون غيره بدلالة الحال وعلى هذا قالوا لو قال ائتني اليوم فقال امرأتي طالق أن أتيتك فهذا على اليوم وكذا إذا قال ائتني في منزلي فحلف بالطلاق لا يأتيه فهو على المنزل وهذا إذا لم يطل الكلام بين دلالة التخصيص وبين اليمين فإن طال كانت اليمين على الأبد فإن قال لم لا تلقني في المنزل وقد أسأت في تركك لقائي وقد أتيتك غير مرة فلم ألقك فقال الآخر امرأته طالق إن أتاك فهذا على الأبد وعلى كل منزل لأن الكلام كثير فيما بين ابتدائه بذكر المنزل وبين المنزل وبين الحلف فانقطعت اليمين عنه وصارت يمينا مبتدأة فإن نوى هذا الاتيان في المنزل دين فيما بينه وبين الله تعالى ولم يدين في القضاء لأنه يحتمله كلامه لكنه خلاف الظاهر ولو صلى الحالف خلف المحلوف عليه فسها الإمام فسبح به الخالف ( ( ( الحالف ) ) ) أو فتح عليه بالقراءة لم يحنث لأن هذا لا يسمى كلاما في العرف وإن كان كلاما في الحقيقة ألا ترى أن الكلام العرفي يبطل الصلاة وهذا لا يبطلها وقد قالوا فيمن حلف لا يتكلم فصلى أن القياس أن يحنث لأن التكبير والقراءة كلام حقيقة وفي الاستحسان لا يحنث لأنه لا يسمى كلاما عرفا ألا ترى أنهم يقولون فلان لا يتكلم في صلاته وإن كان قد قرأ فيها ولو قرأ القرآن خارج الصلاة يحنث لأنه تكلم حقيقة وقيل هذا إذا كان الحالف من العرب فإن كان الحالف من العجم أو كان لسانه غير لسان العرب لا يحنث سواء قرأ في الصلاة أو خارج الصلاة لأنه لا يعد متكلما ولو سبح تسبيحة أو كبر أو هلل خارج الصلاة يحنث عندنا وعند الشافعي لا يحنث والصحيح قولنا لأنه وجد الكلام حقيقة إلا أنا تركنا الحقيقة حالة الصلاة بالعرف ولا عرف خارج الصلاة وقيل هذا في عرفهم فأما في عرفنا فلا يحنث خارج الصلاة أيضا لأنه لا يسمى كلاما في الحالين جميعا ولو فتح عليه في غير الصلاة حنث لأنه كلام حقيقة إلا أنه ترك الحقيقة في الصلاة للعرف فإن كان الإمام هو الحالف والمحلوف عليه خلفه فسلم لم يحنث بالتسليمة الأولى وإن كان على يمينه ونواه لأنه في الصلاة وسلام الصلاة لا يعد كلاما كتكبيرها والقراءة فيها

Section V03/P047–V03/P048

ألا ترى أنه لا يفسد الصلاة ولو كان من كلام الناس لكان مفسدا وإن كان على يساره فنواه اختلف المشايخ فيه قد قال بعضهم يحنث وقال بعضهم لا يحنث وإن كان المقتدى هو الحالف فكذلك في قول أبي حنيفة وأبي يوسف بناء على أن المقتدى لا يصير خارجا عن الصلاة بسلام الإمام عندهما وعند محمد يحنث لأنه خارج عن صلاته بسلام الإمام عنده فقد تكلم كلاما خارج الصلاة فيحنث ولو مر الحالف على جماعة فيهم المحلوف عليه فسلم عليهم حنث لأنه كلم جماعتهم بالسلام فإن نوى القوم دونه لم يحنث فيما بينه وبين الله تعالى لأن ذكر الكل على إرادة البعض جائز ولا يدين في القضاء لأنه خلاف الظاهر ولو نبه الحالف المحلوف عليه من النوم حنث وإن لم ينتبه لأن الصوت يصل إلى سمع النائم لكنه لا يفهم فصار كما لو كلمه وهو غافل ولأن مثل هذا يسمى كلاما في العرف كتكلم الغافل فيحنث ولو دق عليه الباب فقال من هذا أو من أنت حنث لأنه كلمه بالاستفهام ولو كان في مكانين فدعاه أو كلمه فإن كان ذلك بحيث يسمع مثله لو أصغى إليه فإنه يحنث وإن لم يسمعه وإن كان في موضع لا يسمع في مثله عادة فإن أصغى إليه لبعد ما بينهما لم يحنث لأن الموضع إذا كان قريبا بحيث يسمع مثله عادة يسمى مكلما إياه لما ذكرناه وإن لم يسمع لعارض وليس كذلك إذا كان بعيدا ولأنه إذا كان قريبا يحمل على أنه وصل الصوت إلى سمعه لكنه لم يفهمه فأشبه الغافل وإذا كان بعيدا لا يصل إليه رأسا وقالوا فيمن حلف لا يكلم إنسانا فكلم غيره وهو يقصد أن يسمعه لم يحنث لأن مثل هذا لا يسمى مكلما إياه إذا لم يقصده بالكلام ولو حلف لا يكلم امرأته فدخل داره وليس فيها غيرها فقال من وضع هذا أو أين هذا حنث لأنه كلمها حيث استفهم وليس هناك غيرها لئلا يكون لاغيا فإن كان في الدار غيرها لم يحنث لجواز أنه استفهم غيرها فإن قال ليت شعري من وضع هذا لم يحنث لأنه لم يكلمها وإنما كلم نفسه ولو حلف لا يكلم فلانا فكتب إليه كتابا فانتهى الكتاب إليه أو أرسل إليه رسولا فبلغ الرسالة إليه لا يحنث لأن الكتابة لا تسمى كلاما وكذا الرسالة وأما الموقت فنوعان معين ومبهم أما المعين فنحو أن يحلف الرجل بالليل لا يكلم فلانا يوما فيحنث بكلامه من حين حلف إلى أن تغيب الشمس من الغد فيدخل في يمينه بقية الليل حتى لو كلمه فيما بقي من الليل أو في الغد يحنث لأن قوله لا أكلم فلانا يقع على الأبد ويقتضي منع نفسه عن كلام فلان أبدا لولا قوله يوما فكان قوله يوما لإخراج ما وراءه عن اليمين فيبقى زمان ما بعد اليمين بلا فصل داخلا تحتها فيدخل فيها بقية تلك الليلة وكذلك لو حلف بالنهار لا يكلمه ليلة أنه يحنث بكلامه من حين حلف إلى طلوع الفجر لما قلنا ولو حلف في بعض النهار لا يكلمه يوما فاليمين على بقية اليوم والليلة المستقبلة إلى مثل تلك الساعة التي حلف فيها من الغد لأنه حلف على يوم منكر فلا بد من استيفائه ولا يمكن استيفاؤه إلا باتمامه من اليوم الثاني فيدخل الليل من طريق التبع وكذلك إذا حلف ليلا لا يكلمه ليلة فاليمين من تلك الساعة إلى أن يجيء مثلها من الليلة المقبلة ويدخل النهار الذي بينهما في ذلك لأنه حلف على ليلة منكرة فلا بد من الاستيفاء منها وذلك فيما قلنا فإن قال في بعض اليوم والله لا أكلمك اليوم فاليمين على باقي اليوم فإذا غربت الشمس سقطت اليمين وكذلك إذا قال بالليل والله لا أكلمك الليلة فإذا طلع الفجر سقطت لأنه حلف على زمان معين لأنه أدخل لام التعريف على اليوم والليلة فلا يتناول غير المعرف بخلاف قوله يوما لأنه ذكر اليوم منكرا فلا بد من استيفائه وذلك من اليوم الثاني

Section V03/P048

ولو حلف لا يكلمه شهرا يقع على ثلاثين يوما ولو قال الشهر يقع على بقية الشهر ولو حلف لا يكلمه السنة يقع على بقية السنة ولو قال والله لا أكلمك اليوم ولا غدا فاليمين على بقية اليوم وعلى غد ولا تدخل الليلة التي بينهما في اليمين روى ذلك ابن سماعة عن أبي يوسف ومحمد لأنه أفرد كل واحد من الوقتين بحرف النفي فيصير كل واحد منهما منفيا على الانفراد أصله قوله تعالى فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج فلا تدخل الليلة المتخللة بين الوقتين ولو قال والله لا أكلمك اليوم وغدا دخلت الليلة التي بين اليوم والغد في يمينه لأن ههنا جمع بين الوقت الثاني وبين الأول بحرف الجمع وهو الواو فصار وقتا واحدا فدخلت الليلة المتخللة وروى بشر عن أبي يوسف أن الليلة لا تدخل لأنه عقد اليمين على النهار ولا ضرورة توجب إدخال الليل فلا يدخل ولو حلف لا يكلمه يومين تدخل فيه الليلة سواء كان قبل طلوع الفجر أو بعده وكذلك الجواب في الليل ولو قال والله لا أكلمك يوما ولا يومين فهو مثل قوله والله لا أكلمك ثلاثة أيام في قول أبي حنيفة ومحمد حتى لو كلمه في اليوم الأول أو الثاني أو الثالث يحنث وكذلك روى بشر عن أبي يوسف هكذا ذكر الكرخي في مختصره وذكر محمد في الجامع أنه على يومين حتى لو كلمه في اليوم الأول أو الثاني يحنث وإن كلمه في اليوم الثالث لا يحنث وجه ما ذكره الكرخي ظاهر لأنه عطف اليومين على اليوم والمعطوف غير المعطوف عليه فاقتضى يومين آخرين غير الأول فصار كأنه قال والله لا أكلم فلانا يوما ويومين أو قال ثلاثة أيام وجه ما ذكره محمد في الجامع أن كل واحد منهما يمين مفردة لانفراد كل واحد منهما بكلمة النفي والواو للجمع بين اليمينين وصار تقديره أكلم فلانا يوما ولا أكلمه يومين لئلا تلغو كلمة النفي فصار لكل يمين مدة على حدة فصار على اليوم الأول يمينان وعلى اليوم الثاني يمين واحد بخلاف ما إذا قال والله لا أكلم فلانا يوما ويومين فكلمه في اليوم الثالث أنه يحنث لأنه لما لم يعد كلمة النفي فلم يوجد ما يدل على أنه أراد نفي الكلام في كل مرة على حدة ليكون يمينين فبقي يمينا واحدة والواو للجمع بين المدتين كما لو جمع بين المدتين بكلمة الجمع فقال والله لا أكلم فلانا ثلاثة أيام والدليل على التفرقة بينهما أنه لو قال والله لا أكلم زيدا ولا عمرا فكلم أحدهما يحنث ولو قال والله لا أكلم زيدا وعمرا فما لم يكلمهما لا يحنث وقال بشر عن أبي يوسف لو قال والله لا أدخل الدار يوما ويوما فهو مثل حلفه على يومين قال أبو يوسف ولا يشبه هذا قوله ولا أدخلها اليوم وغدا لأن قوله يوما ويوما عطف زمان منكر على زمان منكر فصار كقوله يومين فيدخل الليل وقوله اليوم وغدا عطف زمان معين على زمان معين ولا ضرورة إلى إدخال الليل فيه فلا يدخل ولو قال والله لا أكلم زيدا يوما والله لا أكلمه يومين والله لا أكلمه ثلاثة أيام فاليوم الأول من حين فرغ من اليمين الثالثة عليه ثلاثة أيام واليوم الثاني عليه يمينان الثانية والثالثة واليوم الثالث عليه يمين واحدة وهي الثالثة لأن كل يمين ذكرها تختص بما يعقبها فانعقدت اليمين الأولى على الكلام في يوم عقيب اليمين والثانية في يومين عقيب اليمين والثالثة في ثلاثة أيام عقيب اليمين فانعقدت على الكلام في اليوم الأول ثلاثة أيمان وعلى الثاني يمينان وعلى الثالث واحدة ونظير هذه المسائل ما روى داود بن رشيد عن محمد فيمن قال والله لا أكلمك اليوم سنة أو لا أكلمك اليوم شهرا فعليه أن يدع كلامه في ذلك اليوم شهرا

Section V03/P048–V03/P049

وفي ذلك اليوم سنة حتى يكمل كلما دار ذلك اليوم في ذلك الشهر أو في تلك السنة لأن اليوم الواحد يستحيل أن يكون شهرا أو سنة فلم يكن ذلك مراد الحالف فكان مراده أن لا يكلمه في مثله شهرا أو سنة فإن قال لا أكلمك اليوم عشرة أيام وهو في يوم السبت فهذا على سبتين لأن اليوم لا يكون عشرة أيام فلم يكن ذلك مرادا فيقع على عشرة أيام لأنه لا يدور في عشرة أيام أكثر من سبت واحد وكذلك لو قال والله لا أكلمك السبت مرتين كان على سبتين لأن السبت لا يكون يومين فكان المراد منه مرتين وكذلك لو قال لا أكلمك يوم السبت ثلاثة أيام كان كلها يوم السبت لما بينا ولو قال لا أكلمك يوما ما أو لا أكلمك يوم السبت يوما فله أن يجعله أي يوم شاء لأنه عقد يمينه على يوم شائع في أيام فكان التعيين إليه ولو قال ابن سماعة عن محمد فيمن قال لا أكلمك يوما بين يومين ولا نية له قال فكل يوم بين يومين وهو عندي بمنزلة قوله لا أكلمك يوما فيكون على يوم من ساعة حلف والله عز وجل أعلم وأما المبهم فنحو أن يحلف أن لا يكلم فلانا زمنا أو حينا أو الزمان أو الحين فإن لم يكن له نية يقع على ستة أشهر لأن الحين يذكر ويراد به الوقت القصير قال الله تعالى فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون قيل حين تمسون صلاة المغرب والعشاء وحين تصبحون صلاة الفجر ويذكر ويراد به الوقت الطويل قال الله تعالى هل أتى على الإنسان حين من الدهر قيل المراد منه أربعون سنة ويذكر ويراد به الوسط قال الله تعالى تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها قيل أي ستة أشهر من وقت طلوعها إلى وقت ادراكها قال ابن عباس رضي الله عنهما هي النخلة ثم عند الإطلاق لا يحمل على الوقت القصير لأن اليمين تعقد للمنع ولا حاجة إلى اليمين للمنع في مثل هذه المدة لأنه يمنع بدون اليمين ولا يحمل على الطويل لأنه لا يراد ذلك عادة ومن أراد ذلك بلفظة الأبد فتعين الوسط وكذا روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه حمله على ذلك ولأن كل واحد من الطرفين في غاية البعد عن صاحبه والوسط قريب منهما فيحمل عليه وإذا ثبت هذا في الحين ثبت في الزمان لكونهما من الأسماء المترادفة وعن ثعلب أن الزمان في كلام العرب ستة أشهر وإن نوى الحالف شيئا مما ذكرنا فهو على ما نوى لأنه نوى ما يحتمله كلامه ولفظه لما بينا ومنهم من قال يصدق في الوقت اليسير في الحين ولا يصدق في الزمان لأنه قد ثبت استعمال اللفظ في اليسير في الحين كما في قوله تعالى فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ولم يثبت في الزمان وذكر الكرخي في الجامع عن أبي حنيفة أنه يدين في الزمان والحين في كل ما نوى من قليل أو كثير وهو الصحيح وروي عن أبي يوسف أنه لا يدين فيما دون ستة أشهر في القضاء ولو قال لا أكلمه دهرا أو ( ( ( والدهر ) ) ) الدهر فقال أبو حنيفة إن كانت له نية فهو على ما نوى وإن لم تكن له نية فلا أدري ما الدهر وقال أبو يوسف ومحمد إذا قال دهرا فهو ستة أشهر وإذا قال الدهر فهو على الأبد ومن مشايخنا من قال لا خلاف في الدهر المعروف أنه الأبد وإنما توقف أبو حنيفة رضي الله عنه في الدهر المنكر فإنه قال إذا قال دهرا لا أدري ما هو وذكر في الجامع الكبير أن قوله الدهر ينصرف إلى جميع العمر ولم يذكر فيه الخلاف وقوله دهرا لا يدري تفسيره وفي الجامع الصغير أشار إلى التوقف في الدهر المعرف أيضا فإنه قال والدهر لا أدري ما هو

Section V03/P049–V03/P050

وروى بشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة في قوله دهرا والدهر أنهما سواء فهما جعلا قوله دهرا كالحين والزمان لأنه يستعمل استعمال الحين والزمان يقال ما رأيتك من دهر وما رأيتك من حين على السواء فإذا أدخل عليه الألف واللام صار عبارة عن جميع الزمان وروي عن أبي يوسف أن قوله الدهر يقع على ستة أشهر لكنه خلاف ظاهر الرواية عنهما وأبو حنيفة كأنه رأى الاستعمال مختلفا فلم يعرف مراد المتكلم عند إطلاق الاسم فتوقف وقال لا أدري أي لا أدري بماذا يقدر إذ لا نص فيه عن أحد من أرباب اللسان بخلاف الحين والزمان فإن فيهما نصا عن ابن عباس رضي الله عنهما فانه فسر قوله تعالى تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها بستة أشهر والزمان والحين ينبآن ( ( ( ينبئان ) ) ) عن معنى واحد وهذا على قول من قال من مشايخنا أنه توقف في المنكر لا في المعرف أو لم يعرف حقيقة معناه لغة فتوقف فيه والتوقف فيما لا يعرف لعدم دليل المعرفة ولتعارض الأدلة وانعدام ترجيح البعض على البعض أمارة كمال العلم وتمام الورع فقد روي أن ابن عمر رضي الله عنهما سئل عن شيء فقال لا أدري وروي أن رسول الله سئل عن أفضل البقاع فقال لا أدري فلما نزل جبريل عليه الصلاة والسلام سأله فعرج إلى السماء ثم هبط فقال سألت ربي عز وجل عن أفضل البقاع فقال المساجد وأفضل أهلها من جاءها أولا وانصرف آخرا وشر أهلها من جاءها آخرا وانصرف أولا ولو قال يوم أكلم فلانا فامرأته طالق ولا نية له فكلمه ليلا أو نهارا يحنث وكذا إذا قال يوم أدخل هذه الدار لأن اليوم إذا قرن بفعل غير ممتد يراد به مطلق الوقت في متعارف أهل اللسان قال الله عز وجل ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله الآية ومن ولى دبره بالليل يلحقه الوعيد كما لو ولى بالنهار فإن نوى به الليل خاصة دين في القضاء لأنه نوى حقيقة كلامه وروي عن أبي يوسف أنه لا يدين لأن اللفظ جعل عبارة عن مطلق الوقت في عرف الاستعمال فلا يصدق في الصرف عنه وإن قال ليلة أكلم فلانا أو ليلة يقدم فلان فأنت طالق فكلمه نهارا أو قدم نهارا لا تطلق لأن الليلة في اللغة اسم لسواد الليل يقال لليلة المظلمة ليلة ليلاء وليل أليل ولا عرف ههنا يصرف اللفظ عن مقتضاه لغة حتى لو ذكر الليالي حملت على الوقت المطلق لأنهم تعارفوا استعمالها في الوقت المطلق معروف ذلك في أشعارهم كما قالوا ليالي لاقتنا جذام وحميرا ( ( ( وحمير ) ) ) ولو قال لامرأته يوم يقدم فلان فأمرك بيدك فقدم فلان ليلا لا يكون لها من الأمر شيء لأن ذكر اليوم في حال ذكر الأمر يراد به الوقت المعين لأن ذكر الأمر يقتضي الوقت لا محالة وهو المجلس لأن الصحابة رضي الله عنهم جعلوا للمخيرة الخيار ما دامت في مجلسها فقد وقتوا للأمر وقتا فإذا كان كذلك استغنى عن الوقت فيقع ذكر اليوم على بياض النهار فإذا قدم نهارا صار الأمر بيدها علمت أو لم تعلم ويبطل بمضي الوقت لأن هذا أمر موقت فيبطل بمضي الوقت والعلم ليس بشرط كما إذا قال أمرك بيدك اليوم فمضى اليوم أنه يخرج الأمر من يدها وأما في الأمر المطلق فيقتصر على مجلس علمها ولو قال ليلة يقدم فلان فأمرك بيدك فقدم نهارا لم يثبت لها ذلك الأمر لما ذكرنا أن الليلة عبارة عن سواد الليل

Section V03/P050–V03/P051

وذكر في الجامع إذا قال والله لا أكلمك الجمعة فله أن يكلمه في غير يوم الجمعة لأن الجمعة اسم ليوم مخصوص فصار كما لو قال لا أكلمك يوم الجمعة وكذلك لو قال جمعا له أن يكلمه في غير يوم الجمعة لأن الجمع جمع جمعة وهي يوم الجمعة فلا يتناول غيره بخلاف ما إذا قال لا أكلمه أياما أنه يدخل فيه الليالي لأنا إنما عرفنا ذلك بعرف الاستعمال قال الله تعالى في قصة زكريا عليه الصلاة والسلام ثلاثة أيام إلا رمزا وقال تعالى في موضع آخر ثلاث ليال سويا والقصة واحدة ومثل هذا الاستعمال لم يوجد في مثل قوله جمعا ثم إذا قال والله لا أكلمك جمعا فهو على ثلاث جمع لأن أقل الجمع الصحيح ثلاثة عندنا فيحمل عليه لكونه متيقنا وإذا قال الجمع فهو على عشر جمع في قول أبي حنيفة وكذلك الأيام والأزمنة والأحايين والشهور والسنين ( ( ( والسنون ) ) ) أن ذلك يقع على عشرة أيام وعشرة أحايين أو أزمنة وعشرة أشهر وعشرة سنين وقال أبو يوسف ومحمد في الجمع والسنين أنه يقع على الأبد وكذا في الأحايين والأزمنة وفي الأيام على سبعة وفي الشهور على اثني عشر والأصل عندهما فيما دخل عليه حرف التعريف وهو اللام من أسماء الجمع أن ينظر إن كان هناك معهود ينصرف إليه كالسبعة في الأيام والاثني عشر في الشهور وإن لم يكن هناك معهود ينصرف إلى جميع الجنس فيستغرق العمر كالسنين والأحايين والأزمنة والأصل عند أبي حنيفة أنه ينصرف ذلك إلى أقصى ما يطلق عليه لفظ الجمع عند اقترانه بالعدد وذلك عشرة وجه قولهما أن اللفظ المعرف إذا لم يصرف إلى الجنس فإما أن يصرف إلى المعهود وإما أن يصرف إلى بعض الجنس والصرف إلى المعهود أولى لأنه لا يحتاج فيه إلى الإدراج وفي الصرف إلى البعض يحتاج إلى إدراج لفظة البعض فكان الصرف إلى المعهود أولى والمعهود في الأيام السبعة التي يتركب منها الشهر ( ( ( الأسبوع ) ) ) وهي من السبت إلى الجمعة وفي الشهور الاثني عشر التي تركب منها السنة وإذا لم يكن هناك معهود فالصرف إلى الجنس أولى فيصرف إليه ولأبي حنيفة استعمال أرباب أهل اللغة وأهل اللسان في الجموع فإن أقصى ما يطلق عليه لفظ الجمع عند اقترانه بالعدد هو العشرة ويقال ثلاثة رجال وأربعة رجال وعشرة رجال ثم إذا جاوز العشرة يقال أحد عشر رجلا وعشرون رجلا ومائة رجل وألف رجل ولأن لفظ الجمع يطلق على كل قدر من هذه الأقدار التي ذكرنا إلى العشرة في حالة الإبهام والتعيين جميعا ويطلق على ما وراءها من الأقدار في حالة الإبهام ولا يطلق في حالة التعيين والاسم متى كان ثابتا لشيء في حالين كان أثبت مما هو اسم له في حال دون حال بل يكون نازلا من الأول منزلة المجاز من الحقيقة فكان الصرف إلى ما هو اسم له في الحالين أولى فلهذا اقتصر على العشرة ولو حلف لا يكلمه أياما فقد ذكر في الأصل أنه على عشرة أيام في قول أبي حنيفة وسواء بينه وبين الإمام وذكر في الجامع أنه على ثلاثة أيام ولم يذكر فيها الخلاف وهو الصحيح لأنه ذكر لفظ الجمع منكرا فيقع على أدنى الجمع الصحيح وهو ثلاثة عندنا ولو قال لا أكلمك سنين فهو على ثلاث سنين في قولهم جميعا لما ذكرنا في الأيام ولو حلف لا يكلمه العمر فهو على جميع العمر إذا لم تكن له نية ولو قال عمرا فعن أبي يوسف روايتان في رواية يقع على يوم وفي رواية يقع على ستة أشهر كالحين وهو الأظهر ولو حلف لا يكلمه حقبا فهو على ثمانين سنة لأنه اسم له ولو حلف لا يكلمه أياما كثيرة فهو على عشرة أيام في قياس قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف مثله لأنه أدخل الكثرة على اسم الجمع فصار كما لو ذكر بلام الجنس

Section V03/P051

وذكر في الجامع الصغير أن على قول أبي يوسف ومحمد يقع على سبعة أيام ولو قال لا أكلمك كذا وكذا يوما فهو على أحد وعشرين لأنه أقل عدد يعطف على عدد بحرف العطف ولو قال كذا كذا يوما فهو على أحد عشر يوما ولو حلف لا يكلمه بضعة عشر يوما فهو على ثلاثة عشر يوما لأن البضع من ثلاثة إلى تسعة فيحمل على أقلها ولو حلف لا يكلمه إلى بعيد يقع على شهر فصاعدا ولو حلف لا يكلمه إلى قريب ولا نية له فهو على أقل من شهر ولو حلف لا يكلمه عاجلا ولا نية له فهو على أقل من شهر لأن الشهر في حكم الكثير لأنه يجعل أجلا في الديون فكان بعيدا وآجلا وما دونه عاجلا ولو حلف لا يكلمه مليا يقع على شهر كالبعيد سواء إلا أن يعني به غيره وذكر الكرخي إذا قال والله لأهجرنك مليا فهو على شهر وأكثر فإن نوى أقل من ذلك لم يدين في القضاء لأنه جاء في تأويل قوله واهجرني مليا أي طويلا وهذا يقتضي ما زاد على الشهر ( ( ( شهر ) ) ) ولو حلف أن لا يكلمه الشتاء فأول ذلك إذا لبس الناس الحشو والفراء وآخر ذلك إذا ألقوها على البلد الذي حلف فيه والصيف على ضده وهو من حين إلقاء الحشو إلى لبسه والربيع آخر الشتاء ومستقبل الصيف إلى أن يبس ( ( ( ييبس ) ) ) العشب والخريف فصل بين الشتاء والصيف والمرجع في ذلك كله إلى اللغة وقال خلف بن أيوب سألت محمدا عن رجل حلف لا يكلم رجلا إلى الموسم قال يكلمه إذا أصبح يوم النحر لأنه أول الموسم وقال أبو يوسف يكلمه إذا زالت الشمس يوم عرفة لأنه وقت الركن الأصلي وهو الوقوف بعرفة وقال عمرو ( ( ( عمر ) ) ) عن ( ( ( وعن ) ) ) محمد غرة الشهر ورأس الشهر أول ليلة ويومها وأول الشهر إلى ما دون النصف وآخره إلى مضي خمسة عشر يوما وقد روي عن أبي يوسف فيمن قال لله علي أن أصوم أول يوم من آخر الشهر وآخر يوم من أول الشهر فعليه صوم اليوم الخامس عشر والسادس عشر لأن الخامس عشر آخر أوله والسادس عشر أول آخره إذا قال والله لأكلمنك أحد يومين أو لأخرجن أحد يومين أو قال اليومين أو قال أحد أيامي فهذا كله على أقل من عشرة أيام إن كلمه قبل العشرة أو خرج قبل العشرة لم يحنث ويدخل في ذلك الليل والنهار لأن مثل هذا لا يراد به يومان بأعيانهما وإنما يذكر على طريق التقريب على طريق العشرة وما دونها في حكم الزمان الحاضر فإن قال أحد يومي هذين فهذا على يومه ذلك والغد لأنه أشار إلى اليومين والإشارة تقع على المعين ولو حلف لا يكلم فلانا وفلانا هذه السنة إلا يوما فإن جمع كلامهما في يوم له استثناه لا يحنث لأن اليوم الذي يكلمهما فيه مستثنى من اليمين فإن كلم أحدهما في يوم والآخر في يوم حنث لأن المستثنى يوم يكلمهما جميعا فيه ولو يوجد فقد كلمهما في غير اليوم المستثنى فيحنث فإن كلم أحدهما ثم كلمهما جميعا في يوم لم يحنث لأن اليوم الذي كلمهما فيه مستثنى وشرط الحنث في غيره كلامهما لا كلام أحدهما وإن كلمهما في يوم آخر لم يحنث لأن الاستثناء وقع على يوم منكر يكلمهما فيه فكأنه قال إلا يوم أكلمهما فيه ولو استثنى يوما معروفا فكلم أحدهما فيه والآخر في الغد لم يحنث لأن شرط الحنث في غير اليوم المستثنى كلامهما ولم يوجد فلم يوجد الشرط بل بعضه وقال محمد إذا قال لا أكلمهما إلا يوما لم يحنث بكلامهما في يوم واحد وإن كلمهما في يوم آخر حنث لأنه لم يستثن إلا يوما واحدا وقد وجد فصارت اليمين بعده مطلقة

Section V03/P051–V03/P052

وروى هشام عن محمد إذا قال لا أكلمك شهرا إلا يوما أو قال غير يوم أنه على ما نوى إن لم تكن له نية فله أن يتحرى أي يوم شاء لأنه استثنى يوما منكرا وكل يوم من الشهر يصلح للاستثناء فإن قال نقصان يوم فهذا على تسعة وعشرين يوما لأن نقصان الشهر يكون من آخره والله عز وجل أعلم ولو حلف لا يكلم فلانا أو فلانا فكلم أحدهما حنث لأن كلمة أو إذا ذكرت عقيب كلمة النفي أوجبت انتفاء كل واحد من المذكورين على الانفراد قال الله تعالى ولا تطع منهم آثما أو كفورا أي ولا كفورا وكذلك لو قال ولا فلانا لأن كلمة النفي إذا أعيدت تناولت كل واحد من المذكورين على حياله قال الله تعالى فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ولو حلف لا يكلم فلانا وفلانا لم يحنث حتى يكلمهما لأن حرف الواو للجمع والجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظ الجمع فكأنه حلف لا يكلمهما فقد علق الجزاء بشرطين فلا ينزل عند وجود أحدهما دون الآخر ولو حلف لا يكلم فلانا وفلانا أو فلانا فإن كلم أحد الأولين لا يحنث ما لم يكلمهما وإن كلم الثالث حنث لأنه جعل شرط الحنث كلام الأولين جميعا أو كلام الثالث فأي ذلك وجد حنث ولو قال لا أكلم هذا أو هذا وهذا فإن كلم الأول حنث وإن كلم أحد الآخرين لم يحنث لأنه جعل شرط الحنث كلام الأول أولا ثم الآخرين فيراعى شرطه ولو حلف لا يكلم الناس أو لا يكلم بني آدم فكلم واحدا منهم يحنث لأنه لا يمكن حمله على الجنس والعموم لأن الحالف إنما يمنع نفسه عما في وسعه وليس في وسعه تكليم الناس كلهم فلم يكن ذلك مراده وإلى هذا أشار محمد في الجامع فقال ألا ترى أنه لا يقدر أن يكلم بني آدم كلهم وليس ههنا معهود يصرف اللفظ إليه فتعين الصرف إلى بعض الجنس ويضمر فيه لفظة البعض وإن عنى به الكل لا يحنث أبدا ويكون مصدقا فيما بينه وبين الله عز وجل وفي القضاء أيضا لأنه نوى حقيقة كلامه وهي الجنس وروي عن أبي يوسف أنه لا يدين في القضاء لأنه لا يراد الجنس بهذا الكلام فقد نوى خلاف الظاهر فلا يصدق قضاء وعلى هذا إذا حلف لا يتزوج النساء أو لا يشتري العبيد ولو حلف لا يبتدىء فلانا بكلامه أبدا فالتقيا فسلم كل واحد منهما على صاحبه معا لم يحنث الحالف لعدم شرط الحنث وهو ابتداؤه فلانا بالكلام لأن ذلك بتكليمه قبل تكليم صاحبه ولم يوجد وكذلك لو قال إن كلمتك قبل أن تكلمني فإنه لما خرج كلاماهما معا فلم يكلم الحالف قبل تكليمه فلم يوجد شرط الحنث ولو قال إن كلمتك حتى تكلمني فتكلما معا لم يحنث في قول أبي يوسف وقال محمد يحنث وجه قوله أن الحالف بقوله إن كلمتك منع نفسه عن تكليمه مطلقا وجعل تكليم صاحبه إياه غاية لانحلال اليمين فإذا كلمه قبل وجود الغاية حنث ولأبي يوسف أن غرض الحالف من هذا الكلام أن يمنع نفسه عن تكليم المحلوف عليه قبل كلامه ولم يوجد ذلك فصار كأنه قال إن بدأتك وعلى هذا الخلاف إذا قال لا أكلمك إلا أن تكلمني لأن كلمة إلا أن إذا دخلت على ما يتوقت كانت بمعنى حتى قال الله تعالى لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم وكذلك لو حلف لا يدخل هذه الدار حتى يدخلها فلان وحلف الآخر على مثل ذلك فدخلا جميعا لم يحنث عند أبي يوسف ويحنث عند محمد والله عز وجل أعلم فصل وأما الحلف على الإظهار والإفشاء والإعلان والكتمان والإسرار والإخفاء والإخبار والبشارة والقراءة ونحوها

Section V03/P052–V03/P053

إذا حلف لا أظهر سرك لفلان أو لا أفشي أو حلف ليكتمن سره أو ليسترنه أو ليخفينه فكلم فلانا بسره أو كتب إليه فبلغه الكتاب أو أرسل إليه رسولا فبلغه الرسالة أو سأله فلان عن ذلك وقال أكان من الأمر كذا فأشار الحالف برأسه أي نعم فهو حانث لوجود شرط الحنث وهو إظهار السر إذ الإظهار إثبات الظهور وذلك لا يقف على العبارة بل يحصل بالدلالة والإشارة ألا ترى أنه يقال ظهر لي اعتقاد فلان إذا فعل ما يدل على اعتقاده وكذا الإشارة بالرأس عقيب السؤال يثبت به ظهور المشار إليه فكان إظهارا فإن نوى به الكلام أو الكتاب دون الإيماء دين في ذلك لأنه نوى تخصيص ما في لفظه فيدين فيما بينه وبين الله عز وجل وكذلك لو حلف لا يعلم فلانا بمكان فلان فسأله المحلوف عليه أفلان في موضع كذا وكذا فأومأ برأسه أي نعم يحنث لوجود شرط الحنث وهو الإعلام إذ هو إثبات العلم الذي يحد بأنه صفة يتجلى بها المذكور لمن قامت هي به فإن نوى به الإخبار بالكلام أو بالكتاب يدين فيما بينه وبين الله تعالى لأنه نوى تخصيص العموم وأنه جائز وإن كان خلاف الظاهر فيصدق فيما بينه وبين الله تعالى ولا يصدق في القضاء لمخالفته الظاهر ولو كان مكان الإعلام إخبار بأن حلف لا يخبر فلانا بمكان فلان لا يحنث إلا بالكلام أو بالكتاب أو بالرسالة ولو أومأ برأسه لا يحنث وكذا لو ذهب به حتى أوقفه على رأس فلان لا يحنث لأن شرط الحنث هو الإخبار والإشارة ليست بخبر وكذا الإيقاف على رأسه إذ الخبر من أقسام الكلام ألا ترى أنهم قالوا أقسام الكلام أربعة أمر ونهي وخبر واستخبار ويحد بأنه كلام عري عن معنى التكليف والإشارة ليست بكلام فلم تكن خبرا والإيقاف على رأسه من باب الإعلام لا من باب الخبر وكل خبر إعلام وليس كل إعلام خبرا والدليل عليه أن الكتاب إذا قرىء ( ( ( قرئ ) ) ) على إنسان وقيل له أهو كما كتب فيه فأشار برأسه أي نعم لا يصير مقرا وكل إقرار إخبار وكذا لو حلف لا يقر لفلان بمال فقيل له ألفلان عليك ألف درهم فأشار برأسه أي نعم لا يكون ذلك منه إقرارا وكذا إذا قرأ على إنسان كتاب الإخبار فقيل له أهو كما قرأت عليك فأومأ برأسه أي نعم لا يصير مقرا وكل إقرار إخبار وكذا إذا قرأ على إنسان كتاب الأخبار فقيل له أهو كما قرأت عليك فأومأ برأسه أي نعم ليس له أن يروى عنه بحدثنا ولا بأخبرنا فدل أن الإيماء ليس بأخبار ولو نوى بالإخبار الإظهار أو الإعلام يحنث إذا أومأ لأنه جعله مجازا عن الإظهار لمناسبة بينهما وفيه تشديد على نفسه فيصدق ثم في يمين الإظهار والإعلام لو أراد الحالف أن لا يحنث ويحصل العلم والظهور ينبغي أن يقال له أنا نعد عليك أمكنة أو أشياء من الأسرار فإن لم تتكلم بمكان فلان ولا سره فقل لنا ليس كما تقولون وإن تكلمنا بسره أو بمكانه فاسكت ففعل ذلك لا يحنث لانعدام شرط الحنث وهو الإظهار والإعلام لما ذكرنا أن الإظهار هو إثبات الظهور والإعلام هو إثبات العلم ولم يوجد لأن الظهور والعلم حصل من غير صنعه وهذه الحيلة منقولة عن أبي حنيفة والقصة مشهورة

Section V03/P053–V03/P054

وكذلك لو حلف لا يدلهم ففعل مثل ذلك فهذا ليس بدلالة لأن الحالف حلف على فعل نفسه وهو الدلالة لا على فعلهم وهو الاستدلال والموجود ههنا فعلهم لا فعله فلم يوجد شرط الحنث فلا يحنث ولو أومأ إليهم برأسه أو أشار إليهم كان ذلك دلالة إلا أن يعني بالدلالة الخبر باللسان أو بالكتاب فيكون على ما عنى لأن اسم الدلالة يقع على الفعل والقول لوجود معناها فيهما فإذا نوى به أحدهما فقد نوى تخصيص ما في لفظه فيصدق والبشارة حكمها حكم الخبر في أنها لا تتناول إلا الكلام أو الكتاب لأنها خبر إلا أنها خبر موصوف بصفة وهو الخبر الذي يؤثر في بشرة وجه المخبر له بإظهار أثر السرور وقد يستعمل فيما يؤثر في بشرته بإظهار أثر الحزن مجازا كما في قوله عز وجل فبشرهم بعذاب أليم لكن عند الإطلاق يقع على الأول وإنما يقع على الثاني بالقرينة وكذا الإقرار بأن حلف أن لا يقر لفلان بحقه فهو على مثل الخبر ولا يحنث بالإشارة لأن الإقرار إخبار عن الماضي ثم يقع الفرق بين البشارة والإعلام وبين الإخبار من حيث أن الإعلام والبشارة يشترط لثبوتهما ( ( ( لثبوتها ) ) ) الصدق فلا يثبتان بالكذب ولا بما علمه المخاطب قبل الإعلام والبشارة سواء وصل ذلك بحرف الباء أو بكلمة أن حتى أنه لو قال لغيره إن أعلمتني أن فلانا قدم أو قال إن أعلمتني بقدوم فلان فأخبره كاذبا لا يحنث لأن الإعلام إثبات العلم والكذب لا يفيد العلم وكذا لو كان المخاطب عالما بقدومه لأن إثبات الثابت محال وكذا في البشارة لأنها اسم لخبر سار والكذب لا يسر وإذا كان عالما بقدومه فالسرور كان حاصلا وتحصيل الحاصل مستحيل وأما الخبر فإن وصله بحرف الباء بأن قال إن أخبرتني بقدوم فلان فالجواب فيه وفي الإعلام والبشارة سواء وإن وصله بكلمة أن بأن قال إن أخبرتني أن فلانا قدم فأخبره كاذبا أو أخبره بعد ما كان علم المخاطب بقدومه بإخبار غيره يحنث والفرق يعرف في الجامع الكبير ولو حلف لا يتكلم بسر فلان ولا بمكانه فكتب أو أشار لا يحنث لأن الكتابة والإشارة ليست بكلام وإنما تقوم مقامه ألا ترى أن الله تعالى أنزل إلينا كتابا ولا يقال إن الله تعالى في العرف كلمنا فإن سئل عنه فقال نعم فقد تكلم لأن قوله نعم لا يستقل بنفسه ويضمر فيه السؤال كما في قوله تعالى فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم أي وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فقد أتى بكلام دال على المراد ولو حلف لا يستخدم فلانة فاستخدمها بكلام أو أمرها بشيء من خدمة أو أشار إليها بالخدمة فقد استخدمها فهو حانث لأن الاستخدام طلب الخدمة وقد وجد ولو كانت هذه الأيمان كلها وهو صحيح ثم خرس فصار لا يقدر على الكلام كانت أيمانه في هذا كله على الإشارة والكتاب في جميع ما وصفنا إلا في خصلة واحدة وهي أن يحلف أن لا يتكلم بسر فلان فلا يحنث إلا بالتكلم لأن الكلام العرفي اسم لحروف منظومة تدل على معنى مفهوم وذلك لا يوجد في الإشارة والخبر والإفشاء والإظهار من الأخرس إنما يكون بالإشارة فيحنث بهما وكل شيء حنث فيه من هذه الأشياء بالإشارة فقال أشرت وأنا لا أريد الذي حلفت عليه فإن كان فعل ذلك جوابا لشيء ( ( ( بالشيء ) ) ) مما سئل عنه لم يصدق في القضاء لأن الإشارة فيها احتمال فإن كان هناك دلالة حال زال الاحتمال وإن لم يكن يرجع إلى نيته وذكر ابن سماعة في نوادره عن محمد إذا قال والله لا أقول كذا لفلان فهو عندي مثل الخبر والبشارة ألا يرى أن رجلا لو قال والله لا أقول لفلان صبحك الله بخير ثم أرسل إليه رسولا فقال قل لفلان يقول لك فلان صبحك الله بخير فإنه حانث قال ألا ترى أن القائل هو المرسل وأن الرسول هو القائل ذلك لفلان ولو كان هو هذا الذي حلف عليه لم يحنث

Section V03/P054

ألا ترى أن الرجل يقول قال الله عز وجل لنا في كتابه الكريم كذا ولو قال والله لا أكلم فلانا بهذا الأمر فهذا على الكلام بعينه لا يحنث بكتاب ولا رسول ألا ترى أنك لا تقول كلمنا الله تعالى بكذا وأما الحديث فهو على المشافهة لأن ما سوى الكلام ليس بحديث ولو قال أي عبيدي يبشرني بكذا فهو حر فبشروه جميعا عتقوا لوجود البشارة من كل واحد منهم لوجود حد البشارة وهو ما ذكرناه ولو بشره واحد بعد واحد لم يعتق الثاني لأنه ليس بمبشر وإنما هو مخبر ألا ترى أن خبر الثاني لا يؤثر في وجه المخبر له ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه لما بلغه قول النبي صلى الله عليه وسلم من أراد أن يقرأ القرآن غضا طريا كما أنزل فليقرأ بقراءة ابن أم عبد وأخبره بذلك أبو بكر ثم عمر رضي الله عنهما فقال رضي الله عنه بشرني به أبو بكر ثم أخبرني به عمر رضي الله عنهما فإن أرسل إليه أحدهم رسولا فإن أضاف الرسول الخبر إلى المرسل فقال إن عبدك فلان ( ( ( فلانا ) ) ) يخبرك بكذا عتق العبد لأن المرسل هو المبشر وإن أخبر الرسول ولم يضف ذلك إلى العبد لم يعتق العبد لأن البشارة منه لا من المرسل ولو حلف لا يكتب إلى فلان فأمر غيره فكتب فقد روى هشام عن محمد أنه قال سألني هارون الرشيد أمير المؤمنين أصلحه الله عن هذا فقلت إن كان سلطانا يأمر بالكتاب ولا يكاد هو يكتب فإنه يحنث لأنه إذا كان لا يباشر الكتابة بنفسه عادة بل يستكتب غيره فيمينه تقع على العادة وهو الأمر بالكتابة قال هشام قلت لمحمد فما تقول إذا حلف لا يقرأ لفلان كتابا فنظر في كتابه حتى أتى آخره وفهمه ولم ينطق به قال سأل هارون أبا يوسف عن ذلك وقد كان ابتلي بشيء منه فقال لا يحنث ولا أرى أنا ذلك وقد روى خلف بن أيوب وداود بن رشيد وابن رستم أيضا عن محمد أنه يحنث فأبو يوسف اعتبر الحقيقة لأنه لم يقرأه حقيقة إذ القراءة لا تكون إلا بتحريك اللسان بالحروف ولم يوجد ألا ترى أن المصلي القادر على القراءة إذا لم يحرك لسانه بالحروف لا تجوز صلاته وكذا لو حلف لا يقرأ سورة من القرآن فنظر فيها وفهمها ولم يحرك لسانه لم يحنث ومحمد اعتبر العرف والعادة ومعاني كلام الناس وهم إنما يريدون بمثل هذه اليمين الامتناع عن الوقوف على ما في الكتاب وقد وقف على ما فيه فيحنث قال هشام عن محمد إذا قرأ الكتاب إلا سطرا قال كأنه قرأه قلت فإن قرأ نصفه قال لا يعني لم يقرأه قال محمد إذا قرأ بعضه فإن أتى على المعاني التي يحتاج إليها فكأنه قد قرأه لأن تلك المعاني هي المقصودة بالكتاب ولو حلف لا يقرأ سورة فترك منها حرفا حنث وإن ترك آية طويلة لم يحنث لأنه يسمى قارئا للسورة مع ترك حرف منها ولا يسمى مع ترك ما هو في حكم الآية الطويلة وروى ابن رستم عن محمد أنه قال لا أبلغك مثل لا أخبرك وكذلك أذكرك بشيء أو لا أذكرك شيئا فإنه يحنث بالكتاب فأما الذكر والإخبار والإعلام والإبلاغ على الكتاب والقول والكلام على الكتاب أيضا قال عمرو ( ( ( عمر ) ) ) سألت ( ( ( وسألت ) ) ) محمدا عن رجل حلف لا يتمثل بشعر فتمثل بنصف بيت قال لا يحنث قال قلت فإن كان نصف البيت من شعر آخر قال لا أدري ما هذا لا يحنث لأن الشعر ما ظهر فيه النظم وذلك لا يكون إلا في بيت قال وسألت محمدا عن رجل فارسي حلف أن يقرأ الحمد بالعربية فقرأها فلحن قال لا يحنث

Section V03/P054–V03/P055

وإن حلف رجل فصيح أن يقرأ الحمد بالعربية فقرأها فلحن حنث إذا لم يكن لأحدهما نية لأن العربي إنما أراد بيمينه أن يقرأ بموضوع العرب وذلك المعرب دون الملحون فأما العجمي فإنما يريد اللغة العربية دون العجمية والملحون يعد من العربية والله عز وجل أعلم فصل وأما الحلف على الأكل والشرب والذوق والغداء والعشاء والسحور والضحوة والتصبح فلا بد من بيان معاني هذه الأشياء فالأكل هو إيصال ما يحتمله المضغ بفيه إلى الجوف مضغ أو لم يمضغ كالخبز واللحم والفاكهة ونحوها والشرب إيصال ما لا يحتمل المضغ من المائعات إلى الجوف مثل الماء والنبيذ واللبن والعسل الممخوض ( ( ( والممخوض ) ) ) والسويق الممخوض وغير ذلك فإن وجد ذلك يحنث وإلا فلا يحنث إلا إذا كان يسمى ذلك أكلا أو شربا في العرف والعادة فيحنث إذا عرف هذا فنقول إذا حلف لا يأكل كذا ولا يشربه فأدخله في فيه ومضغه ثم ألقاه لم يحنث حتى يدخله في جوفه لأنه بدون ذلك لا يكون أكلا وشربا بل يكون ذوقا لما نذكر معنى الذوق إن شاء تعالى في موضعه قال هشام سألت محمدا عن رجل حلف لا يأكل هذه البيضة أو لا يأكل هذه الجوزة فابتلعها قال قد حنث لوجود حد الأكل وهو ما ذكرنا ولو حلف لا يأكل عنبا أو رمانا فجعل يمضغه ويرمي بثفله ويبلغ ( ( ( ويبلع ) ) ) ماءه لم يحنث في الأكل ولا في الشرب لأن ذلك ليس بأكل ولا شرب بل هو مص وإن عصر ماء العنب فلم يشربه وأكل قشره وحصرمه فإنه يحنث لأن الذاهب ليس إلا الماء وذهاب الماء لا يخرجه من أن يكون أكلا له ألا ترى أنه إذا مضغه وابتلع الماء أنه لا يكون أكلا بابتلاع الماء بل بابتلاع الحصرم فدل أن أكل العنب هو أكل القشر والحصرم منه وقد وجد فيحنث وقال هشام عن محمد في رجل حلف لا يأكل سكرا فأخذ سكرة فجعلها في فيه فجعل يبلع ماءها حتى ذابت قال لم يأكل لأنه حين أوصلها إلى فيه وصلت وهي لا تحتمل المضغ وكذا روى عن أبي يوسف فيمن حلف لا يأكل رمانا فمص رمانة أنه لا يحنث ولو حلف لا يأكل هذا اللبن فأكله بخبز أو تمر أو حلف لا يأكل هذا الخل فأكله بخبز يحنث لأن أكل اللبن هكذا يكون وكذلك الخل لأنه من جملة الإدام فيكون أكله بالخبز كاللبن فإن أكل ذلك بانفراده لا يحنث لأن ذلك شرب وليس بأكل فإن صب على ذلك الماء ثم شربه لم يحنث في قوله لا آكل لعدم الأكل ويحنث في قوله لا أشرب لوجود الشرب وكذلك إن حلف لا يأكل هذا الخبز فجففه ثم دقه وصب عليه الماء فشربه لا يحنث لأن هذا شرب لا أكل فإن أكله مبلولا أو غير مبلول يحنث لأن الخبز هكذا يؤكل عادة وكذلك السويق إذا شربه بالماء فهو شارب وليس بأكل ولو حلف لا يأكل طعاما فإن ذلك يقع على الخبز واللحم والفاكهة سوى التمر ونحو ذلك ويقع على ما يؤكل على سبيل الإدام مع الخبز لأن الطعام في اللغة اسم لما يطعم إلا أنه في العرف اختص بما يؤكل بنفسه أو مع غيره عادة ولا يقع على الهليلج والسقمونيا وإن كان ذلك مطعوما في نفسه لأنه لا يؤكل عادة وإن حلف لا يأكل من طعام فلان فأخذ من خله أو زيته أو كامخه أو ملحه فأكله ( ( ( فأكل ) ) ) بطعام نفسه يحنث لأن العادة قد جرت بأكل هذه الأشياء مع الخبز إداما له قال النبي نعم الإدام الخل فكان طعاما عرفا فيحنث فإن أخذ من نبيذ فلان أو مائه فأكل به خبزا لا يحنث لأنه لا يؤكل مع الخبز عادة فلا يسمى طعاما وكذا قال أبو يوسف الخل طعام والنبيذ والماء شراب وقال محمد الخل والملح طعام لما ذكرنا أن الخل والملح مما يؤكل مع غيره عادة والنبيذ والماء لا يؤكل عادة

Section V03/P055–V03/P056

ولو حلف لا يشتري طعاما فإنه يقع على الحنطة ودقيقها وكان ينبغي في القياس أن يقع على جميع المطعومات كما في اليمين على الأكل إلا أن في الاستحسان يقع على الحنطة ودقيقها لأن البيع لا يتم بنفسه بل بالبائع وبائع الحنطة يسمى بائع الطعام في العرف والأكل يتم بنفسه فيعتبر نفس الأكل دون غيره وصار هذا كمن حلف لا يشتري حديدا فاشترى سيفا لم يحنث لأن بائعه لا يسمى حدادا ولو حلف لا يمس حديدا فمس سيفا يحنث لأن المس فعل يتم بنفسه وعلى هذا باب الزيادات وروي عن أبي يوسف فيم ( ( ( فيمن ) ) ) حلف لا يأكل طعاما فاضطر إلى ميتة فأكل منها لم يحنث وقال الكرخي وهو إحدى الروايتين عن محمد وروى ابن رستم عن محمد أنه يحنث وجه هذه الرواية أن الميتة في حال المخمصة طعام مباح في حق المضطر بمنزلة الطعام المباح في غير هذه الحالة فوجد شرط الحنث فيحنث وجه قول أبي يوسف وإحدى الروايتين عن محمد إن إطلاق اسم الطعام لا يتناوله لأنه لا يسمى طعاما عرفا وعادة لأنه لا يؤكل عادة ومبني الإيمان على معاني كلام الناس وروى عن أبي يوسف في رجل حلف لا يأكل حراما فاضطر إلى ميتة فأكلها قال لا يحنث وروى عنه أنه حانث في يمينه واثمه موضوع وجه هذه الرواية أن الميتة محرمة والرخصة أثرها في تغيير الحكم وهو المؤاخذة لا في تغيير وصف الفعل وهو الحرمة كالمكره على أكل مال الغير وجه الرواية الأولى وهي الصحيحة أن الميتة حال المخمصة مباحة مطلقا لا حظر فيها بوجه في حق المضطر وأثر الرخصة في تغيير الحكم والوصف جميعا بدليل أنه لو امتنع حتى مات يؤاخذ به ولو بقيت الحرمة لم تثبت المؤاخذة كما لو امتنع من تناول مال الغير حالة المخمصة أو الإكراه قال خلف بن أيوب سألت أسد بن عمر رضي الله عنهما في رجل حلف لا يأكل حراما فأكل لحم قرد أو كلب أو حدأة أو غراب قال لا يحنث إلا أن يعني ذلك فيحنث لأن مطلق الحرام هو ما تثبت حرمته بدليل مقطوع به وحرمة هذه الأشياء محل الاجتهاد وقال خلف بن أيوب سألت الحسن فقال هذا كله حرام لقيام دليل الحرمة فيها وإن لم يكن مقطوعا به وروى المعلى عن أبي يوسف ومحمد فيمن حلف لا يركب حراما قال هذا على الزنا لأن الحرام المطلق ينصرف إلى الحرام لعينه وهو الزنا ولأنه يراد به الزنا في العرف فينصرف إليه وقال محمد فإن كان الحالف خصيا أو مجبوبا فهو على القبلة الحرام وما أشبهها وقال ابن سماعة عن أبي يوسف فيمن حلف لا يطأ امرأة وطأ حراما فوطىء ( ( ( فوطئ ) ) ) امرأته وقد ظاهر منها أو وهي حائض قال لا يحنث إلا أن ينوي ذلك لأن الحرمة تثبت بعارض الحيض والظهار ومطلق التحريم لا يقع على التحريم العارض وقال ابن رستم عن محمد فيمن حلف لا يأكل حراما فاشترى بدرهم غصبه من إنسان طعاما فأكله لم يحنث لأن مطلق اسم الحرام إنما يقع على ما كانت حرمته لحق الله تعالى وحرمة هذا لحق العبد ولو غصب خبزا أو لحما فأكله يحنث بعرف الناس ولو حلف لا يأكل من طعام اشتراه فلان فأكل من طعام اشتراه مع آخر حنث إلا أن يكون نوى شراءه وحده وكذلك لو حلف لا يأكل من طعام ملكه فلان لأن بعض الطعام طعام حقيقة ويسمى طعاما عرفا أيضا بخلاف ما إذا حلف لا يدخل دار فلان فدخل دارا بينه وبين آخر أنه لا يحنث لأن بعض الدار لا يسمى دارا وكذلك لو حلف لا يلبس ثوبا يملكه فلان أو يشتريه فلان فلبس ثوبا اشتراه فلان مع آخر لا يحنث لأن بعض الثوب لا يسمى ثوبا

Section V03/P056–V03/P057

ولو حلف لا يأكل إداما فالإدام كل ما يصطبغ ( ( ( يضطبع ) ) ) به مع الخبز عادة كاللبن والزيت والمرق والخل والعسل ونحو ذلك وما لا يصطبغ ( ( ( يضطبع ) ) ) به فليس بإدام مثل اللحم والشوي والجبن والبيض وهذا قول أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أبي يوسف وقال محمد وهو أحد الروايتين عن أبي يوسف أن كل ما يؤكل بالخبز فهو إدام مثل اللحم والشواء ( ( ( والشوى ) ) ) والبيض والجبن وروى ابن سماعة عن أبي يوسف أن الجوز اليابس إدام واحتج محمد بما روى عن رسول الله أنه قال سيد إدام أهل الجنة اللحم وسيد رياحين أهل الجنة الفاغية وهي ورد الحناء وهذا نص ولأن الأدام من الائتدام وهو الموافقة قال النبي لمغيرة حين أراد أن يتزوج امرأة لو نظرت إليها لكان أحرى أن يؤدم بينكما أي يكون بينكما الموافقة ومعنى الموافقة بين الخبز وبين هذه الأشياء في الأكل ظاهر فكانت إداما ولأن الناس يأتدمون بها عرفا وعادة ولأبي حنيفة أن معنى الإدام وهو الموافقة على الإطلاق والكمال لا يتحقق إلا فيما لا يؤكل بنفسه مقصودا بل يؤكل تبعا لغيره عادة وأما ما يؤكل بنفسه مقصودا فلا يتحقق فيه معنى الموافقة وما لا يصطبغ ( ( ( يضطبع ) ) ) يؤكل بنفسه فيختل معنى الإدام فيه واللحم ونحوه مما يؤكل بنفسه عادة مع ما إن من سكان البراري من لا يتغذى إلا باللحم وبه تبين أن إطلاق اسم الإدام عليه في الحديث على طريق المجاز والبطيخ ليس بإدام في قولهم جميعا لأنه لا يحتمل الاضطباع به ولا يؤكل بالخبز عادة وكذا البقل ليس بإدام في قولهم ألا ترى أن آكله لا يسمى مؤتدما وسئل محمد عن رجل حلف لا يأكل خبزا مأدوما فقال الخبز المأدوم الذي يثرد ثردا يعني في المرق والخل وما أشبهه فقيل له فإن ثرده في ماء أو ملح فلم ير ذلك مأدوما لأن من أكل خبزا بماء لا يسمى مؤتدما في العرف وقال ابن سماعة عن أبي يوسف إن تسمية هذه الأشياء على ما يعرف أهل تلك البلاد في كلامهم ولو حلف لا يأكل خبزا ولا نية له فهو على خبز الحنطة والشعير إلا إن كان الحالف في بلد لا يأكل ( ( ( يؤكل ) ) ) فيها إلا خبز الحنطة فإن يمينه تقع على خبز الحنطة لا غير وإن أكل من خبز لوذينج ( ( ( لوزينج ) ) ) وأشباه ذلك لا يحنث إلا أن يكون نواه وإن أكل من خبز الذرة والأرز فإن كان من أهل بلاد ذلك طعامهم حنث وإن كان من أهل الكوفة ونحوها ممن لا يأكل ذلك عامتهم لا يحنث إلا أن ينوي ذلك لأن اسم الخبز يقع على خبز الحنطة والشعير ولا يراد به خبز القطائف عند الإطلاق فلا يحمل عليه وكذا خبز الأرز في البلاد التي لا يعتاد أكله فيها ولو حلف لا يأكل لحما فأي لحم أكل من سائر الحيوان غير السمك يحنث ثم يستوي فيه المحرم وغير المحرم والمطبوخ والمشوي والضعيف لأن اللحم اسم لأجزاء الحيوان الذي يعيش في البر فيحنث إذا أكل لحم ميتة أو خنزير أو إنسان أو لحم شاة ترك ذابحها التسمية على ذبحها عمدا أو أكل ذبيحة مجوسي أو مرتد أو لحم صيد ذبحه المحرم ويستوي فيه لحم الغنم والبقر والإبل لأن اسم اللحم يتناول الكل وإن أكل سمكا لا يحنث وإن سماه الله عز وجل لحما في القرآن العظيم بقوله تعالى لحما طريا لأنه لا يراد به عند الإطلاق اسم اللحم فإن الرجل يقول ما أكلت اللحم كذا وكذا يوما وإن كان قد أكل سمكا ألا ترى أن من حلف لا يركب دابة فركب كافرا لا يحنث وإن سماه الله عز وجل دابة بقوله عز وجل إن شر الدواب عند الله الذين كفروا

Section V03/P057–V03/P058

وكذا لو حلف لا يخرب بيتا فخرب بيت العنكبوت لم يحنث وإن سماه الله سبحانه وتعالى بيتا في كتابه العزيز بقوله وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون وكذا كل شيء يسكن الماء فهو مثل السمك ولو أكل أحشاء البطن مثل الكرش والكبد والفؤاد والكلى والرئة والأمعاء والطحال ذكر الكرخي أنه يحنث في هذا كله إلا في شحم البطن وهذا الجواب على عادة أهل الكوفة في زمن أبي حنيفة وفي الموضع الذي يباع مع اللحم وأما في البلاد التي لا يباع مع اللحم أيضا فلايحنث به فأما شحم البطن فليس بلحم ولا يتخذ منه ما يتخذ من اللحم ولا يباع مع اللحم أيضا فإن نواه يحنث لأنه شدد على نفسه وكذلك الإلية لا يحنث بأكلها لأنها ليست بلحم فإن أكل شحم الظهر أو ما هو على اللحم حنث لأنه لحم لكنه لحم سمين ألا ترى أنه يقال لحم سمين وكذا يتخذ منه ما يتخذ من اللحم وكذلك لو أكل رؤوس الحيوانات ما خلا السمك يحنث لأن الرأس عضو من أعضاء الحيوان فكان لحمه كلحم سائر الأعضاء بخلاف ما إذا حلف لا يشتري لحما فاشترى رأسا إنه لا يحنث لأن مشتريه لا يسمى مشتري لحم وإنما يقال اشترى رأسا ولو حلف لا يأكل شحما فاشترى شحم الظهر لم يحنث في قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد يحنث وذكر في الجامع الصغير في رجل حلف لا يشتري شحما فأي شحم اشترى لم يحنث إلا أن يشتري شحم البطن وكذا لو حلف لا يأكل شحما ولهما قوله تعالى ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما والمستثنى من جنس المستثنى منه فدل أن شحم الظهر شحم حقيقة ولأبي حنيفة أنه لا يسمى شحما عرفا وعادة بل يسمى لحما سمينا فلا يتناوله اسم الشحم عند الإطلاق وتسمية الله تعالى إياه شحما لا يدل على دخوله تحت اليمين إذا لم يكن الاسم متعارفا لأن مطلق كلام الناس ينصرف إلى ما يتعارفونه كما ضربنا من الأمثلة في لحم السمك وقال الله تعالى وجعل الشمس سراجا وقال سبحانه وتعالى الأرض بساطا ثم لا يدخلان في اليمين على البساط والسراج كذا هذا وقد قالوا فيمن حلف لا يشتري شحما ولا لحما فاشترى إلية أنه لا يحنث لأنها ليست بشحم ولا لحم وقال عمرو عن محمد فيمن أمر رجلا أن يشتري له شحما فاشترى شحم الظهر أنه لا يجوز على الأمر وهذا يدل على أن إطلاق اسم الشحم لا يتناول شحم الظهر كما قاله أبو حنيفة فيكون حجة على محمد ولو حلف لا يأكل له لحم دجاج فأكل لحم ديك حنث لأن الدجاج اسم للأنثى والذكر جميعا قال جرير لما مررت بدير الهند أرقني صوت الدجاج وضرب بالنواقيس فأما الدجاجة فإنها اسم للأنثى والديك اسم للذكر واسم الإبل يقع على الذكور والأناث قال النبي في خمس من الإبل السائمة شاة ولم يرد به أحد النوعين خاصة وكذا اسم الجمل والبعير والجزور وكذا هذه الأسامي الأربعة تقع على البخاتي والعراب وغير ذلك من أنواع الإبل واسم البختي لا يقع على العربي وكذا اسم العربي لا يقع على البختي واسم البقر يقع على الذكور والإناث قال النبي في ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة وأراد به الذكور والإناث جميعا وكذا اسم البقرة قال الله عز وجل إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة وقيل إن بقرة بني إسرائيل كانت ذكرا وتأنيثها بالذكر بقوله تعالى قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي لتأنيث اللفظ دون المعنى كما في قوله تعالى وإذ قالت طائفة وقال سبحانه وتعالى وإن من أمة إلا خلا فيها نذير والشاة تقع على الذكر والأنثى

Section V03/P058

قال النبي في أربعين شاة والمراد منه الذكور والإناث وكذا الغنم اسم جنس والنعجة اسم للأنثى والكبش للذكر والفرس اسم للعراب ذكرها وأنثاها والبرذون اسم لغير العراب من الطحارية ذكرها وأنثاها وقالوا إن البرذون اسم للتركي ذكره وأنثاه والخيل اسم جنس يتناول الأفراس العراب والبراذين والحمار اسم للذكر والحمارة والأتان اسم للأثنى ( ( ( للأنثى ) ) ) والبغل والبغلة كل واحد منهما اسم للذكر والأثنى ( ( ( والأنثى ) ) ) وإن حلف لا يأكل رأسا فإن نوى الرؤوس كلها من السمك والغنم وغيرها فأي ذلك أكل حنث لأن اسم الرأس يقع على الكل وإن لم يكن له نية فهو على رؤوس الغنم والبقر خاصة في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد اليمين اليوم على رؤوس الغنم خاصة والأصل في هذا أن قوله لا آكل رأسا فبظاهره يتناول كل رأس لكنه معلوم أن العموم غير مراد لأن اسم الرأس يقع على رأس العصفور ورأس الجراد ويعلم أن الحالف ما أراد ذلك فكان ذلك المراد بعض ما يتناوله الاسم وهو الذي يكبس في التنور ويباع في السوق عادة فكان أبو ( ( ( أبا ) ) ) حنيفة رأى أهل الكوفة يكبسون رؤوس الغنم والبقر والإبل ويبيعونها في السوق فحمل اليمين على ذلك ثم رآهم تركوا رؤوس الإبل واقتصروا على رؤوس الغنم والبقر فحمل اليمين على ذلك وأبو يوسف ومحمد دخلا بغداد وقد ترك الناس البقر واقتصروا على الغنم فحملا اليمين على ذلك فلم يكن بينهم خلاف في الحقيقة ولو حلف لا يأكل بيضا فإن نوى بيض كل شيء بيض السمك وغيره فأي ذلك أكل حنث وإن لم يكن له نية فهو على بيض الطير كله الإوز والدجاج وغيرهما ولا يحنث إذا أكل بيض السمك لأن اسم البيض يقع على الكل فإذا نوى فقد نوى ما يحتمله الاسم وإذا لم تكن له نية فيقع على ماله قشر وهو بيض الطير لأنه يراد به ذلك عند الإطلاق فيحمل عليه ولو حلف لا يأكل طبيخا فالقياس ينصرف إلى كل ما يطبخ من اللحم وغيره لأنه طبيخ حقيقة إلا أنه صرف إلى اللحم خاصة وهو اللحم الذي يجعل في الماء ويطبخ ليسهل أكله للعرف ألا ترى أنه لا يقال لمن أكل الباقلاء أنه أكل الطبيخ وإن كان طبيخا حقيقة وإن أكل سمكا مطبوخا لا يحنث لأنه لا يسمى طبيخا في العرف فإن نوى بقوله لا يأكل طبيخا من اللحم وغيره فهو على ما نوى لأنه طبيخ حقيقة وفيه تشديد على نفسه وكذا إذا حلف لا يأكل شواء وهو ينوي كل شيء يشوى فأي ذلك أكل حنث ( ( ( الحنث ) ) ) وإن لم يكن له نية فإنما يقع على اللحم خاصة لأن حقيقة الشواء هي ما يشوى بالنار ليسهل أكله إلا أن عند الإطلاق ينصرف إلى اللحم المشوي دون غيره للعرف ألا ترى أنه يصح أن يقال فلان لم يأكل الشواء وإن أكل الباذنجان المشوي والجزر المشوي ويسمى بائع اللحم المشوي شاويا فإن أكل سمكا مشويا لم يحنث لأنه لا يراد به ذلك عند الإطلاق وإن أكل قلية يابسة أو لونا من الألوان لا مرق فيه لا يحنث لأن هذا لا يسمى طبيخا وإنما يقال له لحم مقلي ولا يقال مطبوخ إلا للحم طبخ في الماء فإن طبخ من اللحم طبيخا له مرق فأكل من لحمه أو من مرقه يحنث لأنه يقال أكل الطبيخ وإن لم يأكل لحمه لأن المرق فيه أجزاء اللحم قال ابن سماعة في اليمين على الطبيخ ينبغي أن يكون على الشحم أيضا لأنه قد يسمى طبيخا في العادة فإن طبخ عدسا بودك فهو طبيخ وكذلك إن طبخه بشحم أو إلية فإن طبخه بسمن أو زيت لم يكن طبيخا ولا يكون الأرز طبيخا ولا يكون الطباهج طبيخا ولا الجواذب طبيخا والاعتماد فيه على العرف

Section V03/P058–V03/P059

وقال داود بن رشيد عن محمد في رجل حلف لا يأكل من طبيخ امرأته فسخنت له قدرا قد طبخها غيرها أنه لا يحنث لأن الطبيخ فعيل من طبخ وهو الفعل الذي يسهل به أكل اللحم وذلك وجد من الأول لا منها ولو حلف لا يأكل الحلو فالأصل في هذا أن الحلو عندهم كل حلو ليس من جنسه حامض وما كان من جنسه حامض فليس بحلو والمرجع فيه إلى العرف فيحنث بأكل الخبيص والعسل والسكر والناطف والرب والرطب والتمر وأشباه ذلك وكذا روى المعلى عن محمد إذا أكل تينا رطبا أو يابسا يحنث لأنه ليس من جنسها حامض فخلص معنى الحلاوة فيه ولو أكل عنبا حلوا أو بطيخا حلوا أو رمانا حلوا أو اجاصا حلوا لم يحنث لأن من جنسه ما ليس بحلو فلم يخلص معنى الحلاوة فيه وكذا الزبيب ليس من الحلو لأن من جنسه ما هو حامض وكذلك إذا حلف لا يأكل حلاوة فهو مثل الحلوى وإن حلف لا يأكل تمرا ولا نية له فأكل قضبا لا يحنث وكذلك إاذ أكل بسرا مطبوخا أو رطبا لأن ذلك لا يسمى تمرا في العرف ولهذا يختص كل واحد باسم على حدة إلا أن ينوي ذلك لأنه تمر حقيقة وقد شدد على نفسه ولو أكل حيسا حنث لأنه اسم لتمر ينقع في اللبن ويتشرب فيه اللبن فكان الاسم باقيا له لبقاء عينه وقيل هو طعام يتخذ من تمر ويضم إليه شيء من السمن أو غيره والغالب هو التمر فكان أجزاء التمر بحالها فيبقى الاسم ولو حلف لا يأكل بسرا فأكل بسرا مذنبا ههنا أربع مسائل ثنتان متفق عليهما وثنتان مختلف فيهما أما الأوليان فإن من يحلف لا يأكل بسرا مذنبا أو حلف لا يأكل رطبا فأكل رطبا فيه شيء من البسر يحنث فيهما جميعا في قولهم لأن المذنب هو البسر الذي ذنب أي رطب ذنبه فكانت الغلبة للذي حلف عليه فكان الاسم باقيا وأما الآخريان فإن من يحلف لا يأكل رطبا فيأكل بسرا مذنبا أو يحلف لا يأكل بسرا فيأكل رطبا فيه شيء من البسر قال أبو حنيفة ومحمد يحنث وقال أبي ( ( ( أبو ) ) ) يوسف لا يحنث وجه قوله إن الاسم للغالب في العرف والمغلوب في حكم المستهلك وكذا المقصود في الأكل هو الذي له الغلبة والغلبة للبسر في الأول وفي الثاني للرطب فلا يحنث ولهما أنه أكل ما حلف عليه وغيره لأنه يراه بعينه ويسميه باسمه فصار كما لو ميز أحدهما عن الآخر فقطعه وأكلهما جميعا وأما قوله إن أحدهما غالب فنعم لكن الغلبة إنما توجب استهلاك المغلوب في اختلاط الممازجة أما في اختلاط المجاورة فلا لأنه يراه بعينه فلا يصير مستهلكا فيه كما إذا حلف لا يأكل سويقا أو سمنا فأكل سويقا قد لت بسمن بحيث يستبين أجزاء السويق في السمن يحنث لقيام كل واحد منهما بعد الاختلاط بعينه كذا هذا ولو حلف لا يأكل حبا فأي حب أكل من سمسم أو غيره مما يأكله الناس عادة يحنث لأن مطلق يمينه يقع عليه فإن عنى شيئا من ذلك بعينه أو سماه حنث فيه ولم يحنث في غيره لأنه نوى تخصيص الملفوظ فيصدق ديانة لا قضاء لأنه خلاف الظاهر ولا يحنث إذا ابتلع لؤلؤة لأن الأوهام لا تنصرف إلى اللؤلؤة عند إطلاق اسم الحب ولو حلف لا يأكل عنبا فأكل زبيبا لا يحنث لأن اسم العنب لا يتناوله ولو حلف لا يأكل جوزا فأكل منه رطبا أو يابسا حنث وكذلك اللوز والفستق والتين وأشباه ذلك لأن الاسم يتناول الرطب واليابس جميعا ولو حلف لا يأكل فاكهة فأكل تفاحا أو سفرجلا أو كمثري أو خوخا أو تينا أو أجاصا أو مشمشا أو بطيخا حنث وإن أكل قثاء أو خيارا أو جزرا لا يحنث وإن أكل عنبا أو رمانا أو رطبا لا يحنث في قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد يحنث ولو أكل زبيبا أو حب الرمان أو تمرا لا يحنث بالإجماع

Section V03/P059–V03/P060

وجه قولهما أن كل واحدة من هذه الأشياء تسمى فاكهة في العرف بل تعد من رؤوس الفواكه ولأن الفاكهة اسم لما يتفكه به وتفكه الناس بهذه الأشياء ظاهر فكانت فواكه ولأبي حنيفة قوله تعالى فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا عطف الفاكهة على العنب وقوله عز وجل فيهما فاكهة ونخل ورمان عطف الرمان على الفاكهة والمعطوف غير المعطوف عليه هو الأصل لأن الفاكهة اسم لما يقصد بأكله التفكه وهو التنعم والتلذذ دون الشبع والطعام ما يقصد بأكله التغذي والشبع والتمر عندهم يؤكل بطريق التغذي والشبع حتى روي عن النبي أنه قال بيت لا تمر فيه جياع أهله وقال عليه أفضل الصلاة والسلام يوم الفطر أغنوهم عن المسئلة ( ( ( المسألة ) ) ) في مثل هذا اليوم ثم ذكر في جملة ما تقع به الغنية التمر وفي بعضها الزبيب ولأن الفاكهة لا يختلف حكم رطبها ويابسها فما كان رطبه فاكهة كان يابسه فاكهة كالتين والمشمش والإجاص ونحو ذلك واليابس من هذه الأشياء ليس بفاكهة بالإجماع وهو الزبيب والتمر وحب الرمان فكذا رطبها وما ذكراه من العرف ممنوع بل العرف الجاري بين الناس أنهم يقولون ليس في كرم فلان فاكهة إنما فيه العنب فحسب فالحاصل أن ثمر الشجر كلها فاكهة عندهما وعنده كذلك إلا ثمر النخل والكرم وشجر الرمان لأن سائر الثمار من التفاح والسفرجل والإجاص ونحوها يقصد بأكلها التفكه دون الشبع وكذا يابسها فاكهة كذا رطبها قال محمد التوت فاكهة لأنه يتفكه به والقثاء والخيار والجزر والباقلاء الرطب أدام وليس بفاكهة ألا يرى أنه لا يؤكل للتفكه وإن عنى بقوله لا أكل فاكهة العنب والرطب والرمان فأكل من ذلك شيئا حنث كذا ذكر في الأصل لأن هذه الأشياء مما يتفكه بها وإن كان لا يطلق عليها اسم الفاكهة وقال محمد بسر السكر والبسر الأحمر فاكهة لأن ذلك مما يتفكه به وقال أبو يوسف اللوز والعناب فاكهة رطب ذلك من الفاكهة الرطبة ويابسه من اليابسة لأن ذلك يؤكل على وجه التفكه قال والجوز رطبه فاكهة ويابسه أدام وقال في الأصل وكذلك الفاكهة اليابسة فيدخل فيها الجوز واللوز وأشباههما وروى المعلى عن محمد أن الجوز اليابس ليس بفاكهة لأنه يؤكل مع الخبز غالبا فأما رطبه فلا يؤكل إلا للتفكه وجه ما ذكر في الأصل أنه فاكهة ما ذكرنا أن رطبه ويابسه مما لا يقصد به الشبع فصار كسائر الفواكه وذكر المعلى عن محمد في رجل حلف لا يأكل من الثمار شيئا ولا نية له إن ذلك على الرطب واليابس فإن أكل تينا يابسا أو لوزا يابسا حنث فجعل الثمار كالفاكهة لأن أحد الاسمين كالآخر وقال المعلى قلت لمحمد فإن حلف لا يأكل من فاكهة العام أو من ثمار العام ولا نية له قال إن حلف في أيام الفاكهة الرطبة فهذا على الرطب فإن أكل من فاكهة ذلك العام شيئا يابسا لم يحنث وكذلك الثمرة وإن حلف في غير وقت الفاكهة الرطبة كانت يمينه على الفاكهة اليابسة من فاكهة ذلك العام وكان ينبغي في القياس إن كان وقت الفاكهة الرطبة أن يحنث في الرطب واليابس لأن اسم الفاكهة يتناولهما ( ( ( يتناولها ) ) ) إلا أنه استحسن لأن العادة في قولهم فاكهة العام إذا كان في وقت الرطب أنهم يريدون به الرطب دون اليابس فإذا مضى وقت الرطب فلا تقع اليمين إلا على اليابس فيحمل عليه والله عز وجل أعلم ولو حلف لا يأكل من هذه الحنطة أو لا يأكل هذه الحنطة فإن عنى بها أن لا يأكلها حبا كما هي فأكل من خبزها أو من سويقها لم يحنث وإنما يحنث إذا قضمها وإن لم تكن له نية فكذلك عند أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد يحنث وهل يحنث عندهما إذا أكل عينها

Section V03/P060–V03/P061

ذكر محمد في الأصل عنهما ما يدل على أنه لا يحنث لأنه قال فيه إن اليمين تقع على ما يصنع الناس وذكر عنهما في الجامع الصغير ما يدل على أنه يحنث فإنه قال وقال أبو يوسف ومحمد إن أكلها خبزا حنث أيضا فهذا يدل على أنه إذا قضمها يحنث عندهما كما يحنث إذا أكلها خبزا وجه قولهما أن المتعارف في إطلاق أكل الحنطة أكل المتخذ منها وهو الخبز لا أكل عينها يقال فلان يأكل من حنطة كذا أي من خبزها ومطلق الكلام يحمل على المتعارف خصوصا في باب الأيمان وجه قول أبي حنيفة رضي الله عنه أن اسم الحنطة لا يقع على الخبز حقيقة لأنها اسم لذات مخصوصة مركبة فيزول الاسم بزوال التركيب حقيقة فالحمل على الخبز يكون حملا على المجاز فكان صرف الكلام إلى الحقيقة أولى وأما قولهما أن مطلق الكلام يحمل على المتعارف فنعم لكن على المتعارف عند أهل اللسان وهو المتعارف في الاستعمال اللغوي كما يقول مشايخ العراق لا على المتعارف من حيث الفعل كما يقول مشايخ بلخ بدليل أنه لو حلف لا يأكل لحما فأكل لحم الآدمي أو الخنزير يحنث وإن لم يتعارف أكله لوجود التعارف في الاسم واستعمال اسم الحنطة في مسماها متعارف عند أهل اللسان إلا أنه يقل استعماله فيه لكن قلة الاستعمال فيه لقلة محل الحقيقة وهذا لا يوجب الحمل على المجاز كما في لحم الآدمي ولحم الخنزير على أن المتعارف فعل ثابت في الجملة لأن الحنطة تطبخ وتقلى فتؤكل مطبوخا ومقليا ( ( ( وقليا ) ) ) وإن لم يكن في الكثرة مثل أكلها خبزا ولو حلف لا يأكل شعيرا فأكل حنطة فيها حبات من شعير حنث ولو كان اليمين على الشراء لم يحنث لأن من اشترى حنطة فيها حبات شعير يسمى مشتري الحنطة لا مشتري الشعير وصرف الكلام إلى الحقيقة المستعملة في الجملة أولى من الصرف إلى المجاز وإن كان استعماله في المجاز أكثر لأن الحقيقة شاركت المجاز في أصل الاستعمال والمجاز ما شارك الحقيقة في الوضع رأسا فكان العمل بالحقيقة أولى ولو حلف لا يأكل من هذا الدقيق فأكل من خبزه ولم تكن له نية حنث لأن الدقيق هكذا يؤكل عادة ولا يستف إلا نادرا والنادر ملحق بالعدم فلم يكن له حقيقة مستعملة وله مجاز مستعمل وهو كلما يتخذ منه فحمل عليه وإن نوى أن لا يأكل الدقيق بعينه لا يحنث بأكل ما يخبز منه لأنه نوى حقيقة كلامه ولو حلف لا يأكل من هذا الكفرى شيئا فصار بسرا أو لا يأكل من هذا البسر شيئا فصار رطبا أو لا يأكل من هذا الرطب شيئا فصار تمرا أو لا يأكل من هذا العنب شيئا فصار زبيبا فأكله أو حلف لا يأكل من هذا اللبن شيئا فأكل من جبن صنع منه أو مصل أو أقط أو شيراز أو حلف لا يأكل من هذه البيضة فصارت فرخا فأكل من فرخ خرج منها أو حلف لا يذوق من هذه الخمر شيئا فصارت خلا لم يحنث في جميع ذلك والأصل أن اليمين متى تعلقت بعين تبقى ببقاء العين وتزول بزوالها والصفة في العين المشار إليه غير معتبرة لأن الصفة لتمييز الموصوف من غيره والإشارة تكفي للتعريف فوقعت الغنية عن ذكر الصفة وغير المعين لا يحتمل الإشارة فيكون تعريفه بالوصف وإذا عرف هذا نقول العين بدلت في هذه المواضع فلا تبقى اليمين التي عقدت على الأول والعين في الرطب وإن لم تبدل لكن زال بعضها وهو الماء بالجفاف لأن اسم الرطب يستعمل على العين والماء الذي فيها فإذا جف فقد زال عنها الماء فصار آكلا بعض العين المشار إليها فلا يحنث كما لو حلف لا يأكل هذا الرغيف فأكل بعضه بخلاف ما إذا حلف لا يكلم هذا الشاب فكلمه بعد ما صار شيخا أنه يحنث لأن هناك العين قائمة وإنما الفائت هو الوصف لا بعض الشخص فيبقى كل المحلوف عليه فبقيت اليمين

Questions

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî) · 45 · Qur'an & Sunnah