Qur'an&Sunnah

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)

Section V03/P218–V03/P219

وأما دلالة الإجماع فهي أنه لا ينفذ تبرعه فيما زاد على الثلث في حق الأجانب وفي حق الورقة ( ( ( الورثة ) ) ) لا ينفذ بشيء أصلا ورأسا حتى كان الورثة ( ( ( للورثة ) ) ) أن يأخذوا الموهوب من يد الموهوب لهمن غير رضاه إذا لم يدفع القيمة ولو نفذ لما كان لهم الأخذ من غير رضاه فدل عدم النفاذ على زوال الملك وإذا زال يزول إلى الورثة لما بينا وأما المعقول فهو أن المال الفاضل عن حاجة الميت يصرف إلى الورثة بلا خلاف والكلام فيما إذا فضل ووقع من وقت المرض الفراغ عن حوائج الميت فهذه الدلائل تدل على ثبوت الملك من كل وجه للوارث في المال الفاضل عن حوائج الميت فيدل على ثبوت الملك من وجه لا محالة وأما على التفسير الثالث وهو ثبوت حق الملك رأسا فلدلالة الإجماع والمعقول أما دلالة الإجماع فهو أن ينقض تبرعه بعد الموت ولولا تعلق حق الوارث بماله في مرض موته لكان التبرع تصرفا من أهل في محل مملوك له لا حق للغير فيه فينبغي أن لا ينقض فدل حق النقض على تعلق الحق وأما المعقول فهو أن النكاح حال مرض الموت صار وسيلة إلى الإرث عند الموت ووسيلة حق الإنسان حقه لأنه ينتفع به والطلاق البائن والثلاث إبطال لهذه الوسيلة فيكون إبطالا لحقها وذلك إضرار بها فيرد عليه ويلحق بالعدم في حق إبطال الإرث في الحال عملا بقوله ( ( ( بقول ) ) ) النبي لا ضرر ولا إضرار ( ( ( ضرار ) ) ) في الإسلام فلم يعمل الطلاق في الحال في إبطال سببية النكاح لاستحقاق الإرث وكونه وسيلة إليه دفعا للضرار ( ( ( للضرر ) ) ) عنها وتأخر عمله فيه إلى ما بعد انقضاء العدة وكذلك إذا أبانها بغير طلاق بخيار البلوغ بأن اختار نفسه وتقبيل ابنتها أو أمها وردته إن ذلك إن كان في الصحة لا ترث هي منه ولا هو منها بالإجماع كما لو أبانها بالطلاق لانعدام سبب الاستحقاق في وقت الاستحقاق وهو مرض الموت إلا في الردة بأن ارتد الزوج في حال صحته فمات على الردة أو قتل أو لحق بدار الحرب وهي في العدة فإنها ترث منه لأن الردة من الزوج في معنى مرض الموت لما نذكر إن شاء الله تعالى وإن كانت هذه الأسباب في حال المرض فهو على الاختلاف الذي ذكرنا في الطلاق أنها ترث منه عندنا خلافا للشافعي ولا يرث هو منها بالإجماع ولو جامعها ابنه مكرهة أو مطاوعة لا ترث أما إذا كانت مطاوعة فلأنها رضيت بابطال حقها وإن كانت مكرهة فلم يوجد من الزوج إبطال حقها المتعلق بالإرث لوقوع الفرقة بفعل غيره وإن كانت البينونة ( ( ( البيونة ) ) ) من قبل المرأة كما إذا قبلت ابن زوجها أو أباه بشهوة طائعة أو مكرهة أو اختارت نفسها في خيار الإدراك أو العتاق أو عدم الكفاءة فإن كان ذلك في حال الصحة فإنهما لا يتوارثان بالإجماع كما إذا كانت البينونة ( ( ( البيونة ) ) ) من قبل الزوج وكذا إذا ارتدت بخلاف ردة الزوج في حال صحته

Section V03/P219–V03/P220

ووجه الفرق أن ردة الزوج في معنى مرض موته لأنها تفضي إلى الموت إلا إن احتمال الصحة باحتمال الإسلام قائم فإذا قتل على الردة أو مات عليها فقد زال الاحتمال وكذا إذا لحق ( ( ( ألحق ) ) ) بدار الحرب لأن الظاهر أنه لا يعود فتقرر المرض فتبين أن سبب الاستحقاق كان ثابتا في وقت الاستحقاق وهو مرض الموت وإن سبب الفرقة وجد في مرض الموت فترث منه كما لو كان مريضا حقيقة فأما ردتها فليست في معنى مرض موتها ليقال ينبغي أن يرث الزوج منها وإن كانت هي لا ترث منه لأنها لا تقضي ( ( ( تفضي ) ) ) إلى الموت لأنها لا تقتل عندنا فلم يكن النكاح القائم حال ردتها سببا لاستحقاق الإرث في حقه لانعدامه وقت الاستحقاق وهو مرض الموت لذلك افترقا والله عز وجل أعلم وإن كان في حال المرض فإن كان في حال مرض الزوج لا ترث منه وإن كانت في العدة لعدم شرط الإرث وهو عدم رضاها بسبب الفرقة ولحصول الفرقة بفعل غير الزوج ويرث الزوج منها إن كان سبب الفرقة منها في مرضها وماتت قبل انقضاء عدتها لوجوب سبب الاستحقاق في حقه وهو النكاح في وقت الاستحقاق وهو مرض موتها ولوجود سبب إبطال حقه منها في حال المرض والقياس فيما إذا ارتدت في مرضها ثم ماتت في العدة أن لا يرثها زوجها وإنما يرثها استحسانا وجه القياس أن الفرقة لم تقع بفعلها لأن فعلها الردة والفرقة لا تقع بها وإنما تقع باختلاف الدينين ولا صنيع لها في ذلك فلم يوجد منها في مرضها إبطال حق الزوج ليرد عليها فلا يرث منها وجه الاستحسان ما ذكرنا ولسنا نسلم أن الفرقة لم تقع بفعلها فإن الردة من أسباب الفرقة وقد حصلت منها في حال تعلق حقه بالإرث وهو مرض موتها فيرث منها والله عز وجل أعلم وأما شرائط الاستحقاق فنوعان نوع يعم أسباب الإرث كلها ونوع يخص النكاح أما الذي يعم الأسباب كلها فمنها شرط الأهلية وهو أن لا يكون الوارث مملوكا ولا مرتدا ولا قاتلا فلا يرث المملوك ولا المرتد من أحد ولا يرث القاتل من المقتول ودلائل هذه الجملة تذكر في كتاب الفرائض إن شاء الله تعالى ويعتبر وجود الأهلية منها وقت الطلاق ودوامها إلى وقت الموت حتى لو كانت مملوكة أو كتابية وقت الطلاق لا ترث وإن أعتقت أو أسلمت في العدة لأن السبب لا ينعقد مفيدا للحكم بدون شرطه فإذا لم يكن وقت صيرورة النكاح سببا للاستحقاق وهو مرض الموت من أهل الميراث لم ينعقد سببا فلا يعتبر حدوث الأهلية بعد ذلك ولو كانت مسلمة وقت الطلاق ثم ارتدت في عدتها ثم أسلمت فلا ميراث لها وإن كانت من أهل الميراث وقت الطلاق أما على طريق الاستناد فلأن الحكم من وجه يثبت عند الموت فلا بد من قيام السبب من وجه عنده ليثبت ثم يستند وقد بطل السبب بالردة رأسا فتعين الاستناد وكذا من يقول بثبوت الحل في المرض دون الملك يعتبر قيام النكاح في حق الإرث عند الموت ولم يبق لبطلانه بالردة وأما على طريق الظهور المحض فيشكل تخريج هذه المسألة لأنه تبين إن الملك من كل وجه كان ثابتا للوارث وقت المرض والنكاح كان قائما من كل وجه في ذلك الوقت والأهلية كانت موجودة وبقاء السبب ليس بشرط لبقاء الحكم وكذا الأهلية شرط الثبوت لا شرط البقاء وهذا بخلاف ما إذا طلقها في مرضه ثم قبلت ابن زوجها أو أباه بشهوة في عدتها ترث لأنها بالتقبيل لم تخرج عن أهلية الإرث إذ ليس تحت التقبيل إلا التحريم والتحريم لا يبطل أهلية الإرث بخلاف الردة فإنها مبطلة للأهلية ومنها شرط المحلية وهو أن يكون المتروك مالا فاضلا فارغا عن حوائج الميت حاجة أصلية فلا يثبت الإرث في المال المشغول بحاجته الأصلية ومنها اتحاد الدين ومنها اتحاد الدار لما نذكر إن شاء الله تعالى في كتاب الفرائض

Section V03/P220

وأما الذي يخص النكاح فشرطان أحدهما قيام العدة حتى لو مات الزوج بعد انقضاء عدتها لا ترث وهذا قول عامة العلماء وقال ابن أبي ليلى هذا ليس بشرط وترث بعد انقضاء العدة ما لم تتزوج والصحيح قول العامة لأن جريان الإرث بعد الإبانة والثلاث ثبت بخلاف القياس بإجماع الصحابة وهم شرطوا قيام العدة على ما روينا عنهم فصار شرطا بالإجماع غير معقول فيتبع معقد الإجماع ولأن العدة إذا كانت قائمة كان بعض أحكام النكاح قائما من وجوب النفقة والسكنى والفراش وغير ذلك فأمكن إبقاؤه في حق حكم الإرث فالتوريث يكون موافقا للأصول وإذا انقضت العدة لم يبق شيء من علائق النكاح فكان القول بالتوريث فصب ( ( ( نصب ) ) ) شرع بالرأي وهذا لا يجوز وقالوا فيمن طلق زوجته في مرضه ودام به المرض أكثر من سنتين فمات ثم جاءت بولد بعد موته بشهر أنه لا ميراث لها في قول أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف لها الميراث بناء على انقضاء عدتها بالأقراء ويوضع ( ( ( وبوضع ) ) ) الحمل عندهما بالأقراء وعنده بوضع الحمل وجه قول أبي يوسف أن الحمل حادث لأن الولد لا يبقى في البطن أكثر من سنتين فيحمل على أنها وطئت بشبهة فلا يحكم بانقضاء عدتها إلا بوضع الحمل فلم تكن مقضية العدة عند موت الزوج فترث وهما يقولان لا شك أن الولد حصل بوطء حادث بعد الطلاق فلا يخلو إما إن يحمل على أن الزوج وطئها أو غيره لا سبيل إلى الأول لأن وطأه أياها حرام والظاهر من حاله أنه لا يرتكب الحرام ولا وجه للثاني لأن غير الزوج إما إن وطئها بنكاح أو بشبهة والوطء بشبهة حرام أيضا فتعين حمل أمرها على النكاح الصحيح وهو أن عدتها انقضت قبل التزوج بستة أشهر ثم تزوجت فكانت عدتها منقضية قبل موت الزوج فلا ترث ولهذا قال أبو حنيفة ومحمد إنها ترد نفقة ستة أشهر وقال أبو يوسف لا ترد والله عز وجل أعلم والثاني عدم الرضا منها بسبب الفرقة وشرطها فإن رضيت بذلك لا ترث لأنها رضيت ببطلان حقها وللتوريث ( ( ( والتوريث ) ) ) ثبت نظرا لها لصيانة حقها فإذا رضيت بإسقاط حقها لم تبق مستحقة للنظر وعلى هذا تخريج ما إذا قال لها في مرضه أمرك بيدك أو اختاري فاختارت نفسها أو قال لها طلقي نفسك ثلاثا ففعلت أو قالت لزوجها طلقني ثلاثا ففعل أو اختلعت من زوجها ثم مات الزوج وهي في العدة إنها لا ترث لأنها رضيت بسبب البطلان أو بشرطه أما إذا اختارت نفسها فلا شك فيه لأنها باشرت سبب البطلان بنفسها وكذا إذا أمرها بالطلاق فطلقت وكذا إذا سألته الطلاق فطلقها لأنها رضيت مباشرة ( ( ( بمباشرة ) ) ) السبب من الزوج وفي الخلع باشرت الشرط بنفسها فكل ذلك دليل الرضا ولو قالت لزوجها طلقني للرجعة فطلقها ثلاثا ورثت لأن ما رضيت به وهو الطلاق الرجعي ليس بسبب لبطلان الإرث وما هو سبب البطلان وهو ما أتى به الزوج ما رضيت به فترث

Section V03/P220–V03/P221

وعلى هذا يخرج ما إذا علق الطلاق في مرضه أو صحته بشرط وكان الشرط في المرض وجملة الكلام فيه أن الأمر لا يخلو إما أن كان التعليق ووجود الشرط جميعا في الصحة وإما إن كانا جميعا في المرض وإما إن كان أحدهما في الصحة والآخر في المرض ولا يخلو إما أن علق بفعل نفسه أو بفعلها أو بفعل أجنبي أو بأمر سماوي فإن كان التعليق ووجود الشرط جميعا في الصحة لا شك أنها لا ترث أي شيء كان المعلق به لانعدام سبب استحقاق الإرث في وقت الاستحقاق وهو وقت مرض الموت وإن كانا جميعا في المرض فإنها ترث أي شيء كان المعلق به لوجود سبب الاستحقاق في وقته وانعدام الرضا منها ببطلان حقها إلا إذا كان التعليق بفعلها الذي لها منه بد فإنها لا ترث لوجود الرضا منها بالشرط لأنها فعلت من اختيار ولو أجل العنين وهو مريض ومضى الأجل وهو مريض وخيرت المرأة فاختارت نفسها فلا ميراث لها لأن الفرقة وقعت باختيارها لأنها تقدر أن تصير ( ( ( تصبر ) ) ) عليه فإذا لم تصير ( ( ( تصبر ) ) ) واختارت نفسها وقد باشرت سبب بطلان حقها باختيارها ورضاها فلا ترث ولو آلى منها وهو مريض وبانت بالإيلاء وهو مريض ورثت ما دامت في العدة لوجود سبب الاستحقاق في وقته مع شرائطه ولو كان صحيحا وقت الإيلاء وانقضت مدة الإيلاء وهو مريض لم ترث لعدم سبب الاستحقاق في وقته لأنه باشر الطلاق في صحته ولم يصنع في المرض شيئا ولو قذف امرأته في المرض أو لاعنها في المرض ورثت في قولهم جميعا لأن سبب الفرقة وجد في وقت تعلق حقها بالإرث ولم يوجد منها دليل الرضا ببطلان حقها لكونها مضطرة إلى المطالبة باللعان لدفع الشين عن نفسها والزوج هو الذي اضطرها بقذفه فيضاف فعلها إليه كأنه أكرهها عليه وإن كان القذف في الصحة واللعان في المرض ورثت في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد لا ترث وجه قوله أن سبب الفرقة وجد من الزوج في حال لم يتعلق حقها بالإرث وهو حال الصحة والمرأة مختارة في اللعان فلا يضاف إلى الزوج ولهما أن فعل المرأة يضاف إلى الزوج لأنها مضطرة في المطالبة باللعان لاضطرارها إلى دفع العار عن نفسها والزوج هو الذي ألجأها إلى هذا فيضاف فعلها إليه كأنه أوقع الفرقة في المرض والله عز وجل أعلم وإن كان أحدهما في الصحة والآخر في المرض فإن كان التعليق في الصحة والشرط في المرض فإن كان التعليق بأمر سماوي بأن قال لها إذا جاء رأس شهر كذا فأنت طالق فجاء وهو مريض ثم مات وهي في العدة لا ترث عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر ترث وجه قوله أن المعلق بالشرط كالمنجز عند الشرط فيصير قائلا عند الشرط أنت طالق ثلاثا وهو مريض ولنا أن الزوج لم يصنع في مرض موته شيئا لا السبب ولا الشرط ليرد عليه فعله فلم يصر فارا وقوله المعلق بالشرط يجعل منجزا عند الشرط ممنوع بل يقع الطلاق بالكلام السابق من غير أن يقدر باقيا إلى وقت وجود الشرط على ما عرف في مسائل الخلاف وكذا إن كان بفعل أجنبي سواء كان منه بد كقدوم زيد أو لا بد منه كالصلاة المفروضة والصوم المفروض ونحوهما لما قلنا أنه لم يوجد من الزوج صنع في المرض لا بمباشرة السبب ولا بمباشرة الشرط وإن كان بفعل نفسه ترث سواء كان فعلا له منه بد كما إذا قال لها إن دخلت الدار فأنت طالق أو لابد منه كما إذا قال إن صليت أنا الظهر فأنت طالق لأنه باشر شرط بطلان حقها فصار متعديا عليها مضرا بها لمباشرة الشرط فيرد عليه رفعا للضرر عنها لأن العذر لا يعتبر في موضع التعدي والضرر كمن أتلف مال غيره نائما أو خاطئا أو أصابته مخمصة فأكل طعام غيره حتى يجب عليه الضمان ولم يجعل معذورا في مباشرة الفعل الذي لا بد له منه لما قلنا كذا هذا

Section V03/P221–V03/P222

وإن كان بفعل المرأة فإن كان فعلا لها منه بد كدخول الدار وكلام زيد ونحو ذلك لا ترث لأنها رضيت ببطلان حقها حيث باشرت شرط البطلان من غير ضرورة وإن كان فعلا لا بد لها منه كالأكل والشرب والصلاة المفروضة والصوم المفروض وحجة الإسلام وكلام أبويها واقتضاء الديون من غريمها فإنه ( ( ( فإنها ) ) ) ترث في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد لا ترث وكذا إذا علق بدخول دار لا غنى لها عن دخولها فهو على هذا الخلاف كذا روي عن أبي يوسف وجه قول محمد أنه لم يوجد من الزوج مباشرة بطلان حقها ولا شرط البطلان فلا يصير فارا كما لو علق بأمر سماوي أو بفعل أجنبى أو بفعلها الذي لها منه بد وجه قولهما أن المرأة فيما فعلت من الشرط عاملة للزوج من وجه لأن منفعة عملها عائدة عليه لأنه منعها عما لو امتنعت عنه لحق الزوج مأثم فإذا لم تمتنع وفعلت لم يلحقه مأثم فكانت منفعة فعلها عائدة عليه فجعل ذلك فعلا له من وجه فوجب إبطال فعله صيانة لحقها ومن الوجه الذي بقي مقصورا عليها ليس بدليل الرضا ( ( ( للرضا ) ) ) لأنها فعلته مضطرة لدفع العقوبة عن نفسها في الآخرة لا برضاها وقارا ( ( ( وقالوا ) ) ) فيمن فوض طلاق امرأته إلى الأجنبي في الصحة فطلقها في المرض أن التفويض إن كان على وجه لا يملك عزله عنه بأن ملكه الطلاق لا ترث لأنه لما لم يقدر على فسخه بعد مرضه صار الإيقاع في المرض كالإيقاع في الصحة وإن كان التفويض على وجه يمكنه العزل عنه فطلق في المرض ورثت لأنه لما أمكنه عزله بعد مرضه فلم يفعل وصار كأنه أنشأ التوكيل في المرض لأن الأصل في كل تصرف غير لازم أن يكون لبقائه حكم الابتداء والله عز وجل الموفق وعلى هذا إذا قال في صحته لامرأته أن لم آت البصرة فأنت طالق ثلاثا فلم يأتها حتى مات ورثته لأنه علق طلاقها بعدم إتيانه البصرة فلما بلغ إلى حالة وقع اليأس له عن إتيانه البصرة فقد تحقق العدم وهو مريض في ذلك الوقت فقد باشر شرط بطلان حقها في الميراث فصار فارا فترثه وإن ماتت هي وبقي الزوج ورثها لأنها ماتت وهي زوجته لأن الطلاق لم يقع لعدم شرط الوقوع وهو عدم إتيانه البصرة لجواز أن يأتيها بعد موتها فلم يقع الطلاق فماتت وهي زوجته فيرثها ولو قال لها إن لم تأت البصرة فأنت طالق ثلاثا فلم تأتها حتى مات الزوج ورثته لأنه مات وهو زوجها لعدم وقوع الطلاق لانعدام شرط وقوعه لأنها ما دامت حية يرجى منها الإتيان وإن ماتت هي وبقي الزوج لم يرثها لأنه لم يوجد منها سبب الفرقة في مرضها فلم تصر فارة فلا يرثها ولو قال لها إن لم أطلقك فأنت طالق ثلاثا فلم يطلقها حتى مات ورثته لأنه علق طلاقها بشرط عدم التطليق منه وقد تحقق العدم إذا صار إلى حالة لا يتأتى منه التطليق وهو مريض في تلك الحالة فيصير فارا بمباشرة شرط بطلان حقها فترثه ولو ماتت هي وبقي الزوج لم يرثها لأنها لم تصر فارة لانعدام سبب الفرقة منها في مرضها فلا يرثها وكذلك لو قال لها إن لم أتزوج عليك فأنت طالق ثلاثا فلم يفعل حتى مات ورثته وإن ماتت هي وبقي الزوج لم يرثها لما ذكرنا في الحلف بالطلاق ولو قال لامرأتين له في صحته إحدا كما طالق ثم مرض فعين الطلاق في إحداهما ثم مات ورثته المطلقة لأن وقوع الطلاق المضاف إلى المبهم معلق بشرط البيان هو الصحيح لما نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى والصحيح إذا علق طلاق امرأته بفعل ففعل في مرضه فإنها ترثه والله عز وجل أعلم

Section V03/P222–V03/P223

وقالوا فيمن قال في صحته لأمتين تحته إحداكما طالق اثنتين فأعتقتا ثم اختار الزوج أن يوقع على إحداهما في مرضه فلا ميراث للمطلقة ولا يملك الزوج الجرعة ( ( ( الرجعة ) ) ) وهو الجواب عن قول من يقول إن الطلاق واقع في المعين والبيان تعيين من وقع عليه الطلاق لا شرط وقوع الطلاق ويقال أنه قول محمد لأن الإيقاع والوقوع حصلا في حال لا حق لواحدة منهما وهي حالة الصحة فلا ترث ولا يملك الزوج الرجعة لأن الإيقاع صادفها وهي أمة وطلاق الأمة اثنتان ( ( ( ثنتان ) ) ) على لسان رسول الله فتثبت الحرمة الغليظة فلا يملك الرجعة وأما على قول من يقول الطلاق غير واقع للحال بل معلق وقوعه بالاختيار وهو تفسير الإيقاع في الذمة ويقال انه قول أبي يوسف فينبغي أن ترث ويملك الرجعة لأن وقوع الطلاق تعلق بشرط اختياره والصحيح إذا علق طلاق امرأته بفعله ففعل وهو مريض ثم مات وهو ( ( ( وهي ) ) ) في العدة ترثه سواء كان فعلا له منه بد أو لا بد له منه كما إذا قال وهو صحيح إن دخلت أنا الدار فأنت طالق فدخلها وهو مريض يملك الرجعة لأن الطلاق واقع عليها وهي حرة فلا تحرم حرمة غليظة فيملك مراجعتها ولو كانت إحداهما حرة فقال في صحته إحداكما طالق ثنتين فأعتقت الأمة ثم مرض الزوج فبين الطلاق في الأمة فالطلاق رجعي وللمطلقة الميراث في قول أبي يوسف الأول وهو قول محمد ثم رجع أبو يوسف وقال إذا اختار أن يوقع على التي كانت أمة فإنها لا تحل له إلا بعد زوج وذكر هذه المسألة في الزيادات وقال في جوابها إنها لا تحل له إلا بعد زوج ولها الميراث ولم يذكر خلافا واختلاف الجواب بناء على اختلاف الطريق فمن جعل الطلاق واقعا في الجملة وجعل البيان تعيين من وقع عليه الطلاق يقول لا يملك الرجعة لأنه وقع الطلاق عليها وهي أمة فحرمت حرمة غليظة وكان ينبغي أن ترث لأن الإيقاع والوقوع كل ذلك وجد في حال الصحة لأنه إنما قال بالتوريث لكون الزوج منهما ( ( ( متهما ) ) ) في البيان لجواز أنه كان في قلبه الأخرى وقت الطلاق فبين في هذه فكان متهما في البيان فترث فأما من لا يرى الطلاق واقعا قبل الاختيار يقول يملك الرجعة لان الطلاقين وقعا وهي حرة فلا تحرم حرمة غليظة وترث لأن الطلاق رجعي وإن كان التعليق في المرض والشرط في الصحة بأن طلقها ثلاثا أو بائنا وهو مريض ثم صح ثم مات لم ترث لأنه لما صح تبين أن ذلك المرض لم يكن مرض الموت فلم يوجد الإيقاع ولا الشرط في المرض فكان هذا والإيقاع في حال الصحة سواء ولهذا كان هذا المرض والصحة سواء في جميع الأحكام وأما وقت الاستحقاق فهو وقت مرض الموت عندنا لما ذكرنا فيما تقدم فلا بد من معرفة مرض الموت لتفريق الأحكام المتعلقة به فنقول وبالله التوفيق ذكر الكرخي أن المريض مرض الموت هو الذي أضناه المرض وصار صاحب فراش فأما إذا كان يذهب ويجيء وهو مع ذلك يحم فهو بمنزلة الصحيح وذكر الحسن بن زياد عن أبي حنيفة المريض الذي إذا طلق امرأته كان فارا هو أن يكون مضني لا يقوم إلا بشدة وهو في حال يعذر في الصلاة جالسا والحاصل أن مرض الموت هو الذي يخاف منه الموت غالبا ويدخل في هذه العبارة ما ذكره الحسن عن أبي حنيفة وما ذكره الكرخي لأنه إذا كان مضني لا يقدر على القيام إلا بشدة يخشى عليه الموت غالبا وكذا إذا كان صاحب فراش وكذا إذا كان يذهب ويجيء ولا يخشى عليه الموت غالبا وإن كان يحم فلا يكون ذلك مرض الموت

Section V03/P223–V03/P224

وكذلك صاحب الفالج والسل والنقرس ونحوها إذا طال به ذلك فهو في حكم الصحيح لأن ذلك إذا طال لا يخاف منه الموت غالبا فلم يكن مرض الموت إلا إذا تغير حاله من ذلك ومات من ذلك التغير فيكون حال التغير مرض الموت لأنه إذا تغير يخشى منه الموت غالبا فيكون مرض الموت وكذا الزمن والمقعد ويابس الشق وعلى هذا قالوا في المحصور والواقف في صف القتال ومن وجب عليه القتل في حد أو قصاص فحبس ليقتل أنه كالصحيح لأنه ليس الغالب من هذه الأحوال الموت فإن الإنسان يتخلص منها غالبا لكثرة أسباب الخلاص ولو قدم ليقتل أو بارز قرنه وخرج من الصف فهو كالمريض إذ الغالب من هذه الحالة الهلاك فترتب عليه أحكام المريض إذا مات في ذلك الوجه ولو كان في السفينة فهو كالصحيح إلا إذا هاجت الأمواج فيصير في حكم المريض في تلك الحالة لأنه يخشى عليه منها الموت غالبا ولو أعيد المخرج إلى القتل أو إلى الحبس أو رجع المبارز بعد المبارزة إلى الصف أو سكن الموج صار في حكم الصحيح كالمريض إذا برأ من مرضه والمرأة إذا ما أخذها الطلق فهي في حكم المريض إذا ماتت من ذلك لأن الغالب منه خوف الهلاك وإذا سلمت من ذلك فهي في حكم الصحيح كما إذا كانت مريضة ثم صحت ولو طلقها وهو مريض ثم صح وقام من مرضه وكان يذهب ويجيء ويقوي على الصلاة قائما ثم نكس فعاد إلى حالته التي كان عليها ثم مات لم ترثه في قول أصحابنا الثلاثة وقال زفر ترثه وجه قوله أن وقت تعلق الحق بالإرث ووقت الموت وقت ثبوت الإرث والمرض قد أحاط بالوقتين جميعا فانقطاعه فيما بين ذلك لا يعتبر لأنه ليس وقت التعليق ولا وقت الإرث ولنا أنه لما صح بعد المرض تبين أن ذلك لم يكن مرض الموت فلم يوجد الطلاق في حال المرض فلا ترث والله عز وجل أعلم وأما الذي يخص الطلاق المبهم فهو أن يكون لفظ الطلاق مضافا إلى مجهولة فجملة الكلام فيه أن الجهالة إما إن كانت أصلية وإما أن كانت طارئة أما الجهالة الأصلية فهي أن يكون لفظ الطلاق من الإبتداء مضافا إلى المجهول وجهالة المضاف إليه يكون ( ( ( تكون ) ) ) لمزاحمة غيره إياه في الاسم والمزاحم إياه في الاسم لا يخلو إما أن يكون محتملا للطلاق وإما أن لا يكون محتملا له والمحتمل للطلاق لا يخلو إما أن يكون ممن يملك الزوج طلاقه أو لا يملك طلاقه فإن كان ممن يملك طلاقه صحت الإضافة بالإجماع نحو أن يقول لنسائه الأربع إحداكن طالق ثلاثا أو يقول لامرأتين له إحداكما طالق ثلاثا والكلام فيه يقع في موضعين أحدهما في بيان كيفية هذا التصرف أعني قوله لامرأتيه إحداكما طالق والثاني في بيان الأحكام المتعلقة به أما الأول فقد اختلف مشايخنا في كيفية هذا التصرف قال بعضهم هو إيقاع الطلاق في غير المعين على معنى أنه يقع الطلاق للحال في واحدة منهما غير عين واختيار ( ( ( واختار ) ) ) الطلاق في إحداهما وبيان الطلاق فيها ( ( ( فيهما ) ) ) تعيين لمن وقع عليها الطلاق ويقال إن هذا قول محمد وقال بعضهم هو إيقاع الطلاق معلقا بشرط البيان معنى ومعناه أن قوله إحداكما طالق ينعقد سببا للحال لوقوع الطلاق عند البيان والاختيار لا للحال بمنزلة تعليق الطلاق بسائر الشروط من دخول الدار وغيره غير أن هناك الشرط يدخل على السبب والحكم جميعا وههنا يدخل على الحكم لا على السبب كما في البيع بشرط الخيار فإذا اختار طلاق إحداهما فقد وجد شرط وقوع الطلاق في حقها فيقع الطلاق عليها بالكلام السابق عند وجود شرط الوقوع وهو الاختيار كأنه علقه به نصا فقال إن اخترت طلاق إحداكما فهي طالق ويقال إن هذا قول أبي يوسف

Section V03/P224

والمسائل متعارضة في الظاهر بعضها يؤيد القول الأول وبعضها ينصر القول الثاني ونحن نشير إلى ذلك ههنا ونذكر وجه كل واحد من القولين وترجيح أحدهما على الآخر وتخريج المسائل عليه في كتاب العتاق إن شاء الله تعالى وقال بعضهم البيان إظهار من وجه وإنشاء من وجه وزعموا أن المسائل تخرج عليه وإنه كلام لا يعقل بل هو محال والبناء على المحال محال وأما الأحكام المتعلقة به فنوعان نوع يتعلق به في حال حياة الزوج ونوع يتعلق به بعد مماته أما النوع الأول فنقول إذا قال لامرأتيه إحداكما طالق ثلاثا فله خيار التعيين يختار أيهما شاء للطلاق لأنه إذا ملك الإبهام ملك التعيين ولو خاصمناه ( ( ( خاصمتاه ) ) ) واستعدتا عليه القاضي حتى يبين أعدى عليه وكلفه البيان ولو امتنع أجبره عليه بالحبس لأن لكل واحدة منهما حقا أما استيفاء حقوق النكاح منه وأما التوصل إلى زوج آخر وحق الإنسان يجب إيفاؤه عند طلبه وإذا امتنع من عليه الحق يجبره القاضي على الإيفاء وذلك بالبيان ههنا فكان البيان حقها لكونه وسيلة إلى حقها ووسيلة حق الإنسان حقه والجبر على البيان يؤيد القول الأول لأن الوقوع لو كان معلقا بشرط البيان لما أجبر إذ الحالف لا يجبر على تحصيل الشرط ولأن البيان إظهار الثابت وإظهار الثابت ولا ثابت محال ثم البيان نوعان نص ودلالة أما النص فنحو أن يقول إياها عنيت أو نويت أو أردت أو ما يجري مجرى هذا ولو قال إحداكما طالق ثلاثا ثم طلق إحداهما عينا بأن قال لها أنت طالق وقال أردت به بيان الطلاق الذي لزمني لا طلاقا مستقبلا كان القول قوله لأن البيان واجب عليه وقوله أنت طالق يحتمل البيان لأنه إن جعل إنشاء في الشرع لكنه يحتمل الإخبار فيحتمل البيان إذ هو إخبار عن كائن وهذا أيضا ينصر القول الأول لأن الطلاق لو لم يكن واقعا لم يصدق في إرادة البيان للواقع وأما الدلالة فنحو أن يفعل أو يقول ما يدل على البيان نحو أن يطأ إحداهما أو يقبلها أو يطلقها أو يحلف بطلاقها أو يظاهر منها لأن ذلك كله لا يجوز إلا في المنكوحة فكان الإقدام عليه تعيينا لهذه بالنكاح وإذا تعينت هي للنكاح تعينت الأخرى للطلاق ضرورة انتفاء المزاحم وإذا كن أربعا أو ثلاثا تعينت الباقيات لبيان الطلاق في واحدة منهن نصا أو دلالة بالفعل أو بالقول بأن يطأ الثانية والثالثة فتتعين الرابعة للطلاق أو يقول هذه منكوحة وهذه الرابعة إن كن أربعا وإن كن ثلاثا تتعين الثالثة للطلاق بوطء الثانية أو بقوله الثانية ( ( ( للثانية ) ) ) هذه منكوحة وكذلك إذا ماتت إحداهما قبل البيان طلقت الباقية لأن التي ماتت خرجت عن احتمال البيان فيها لأن الطلاق يقع عند البيان وقد خرجت عن احتمال الطلاق فخرجت عن احتمال البيان فتعينت الباقية للطلاق وهذا يؤيد القول الثاني لأن الطلاق لو كان وقع في غير المعين لما افترقت الحال في البيان بين الحياة والموت إذ هو إظهار ما كان فرق بين هذا وبين ما إذا باع أحد عبديه على أن المشتري بالخيار يأخذ أيهما شاء ويرد الآخر فمات أحدهما قبل البيان أنه لا يتعين الباقي منهما للبيع بل يتعين الميت للبيع ويصير المشتري مختارا للبيع في الميت قبيل الموت ويجب عليه رد الباقي إلى البائع ووجه الفرق أن هناك وجد المبطل للخيار قبيل الموت وهو حدوث عيب لم يكن وقت الشراء وهو المرض إذ لا يخلو الإنسان عن مرض قبيل الموت عادة وحدوث العيب في المبيع الذي فيه خيار مبطل للخيار فبطل الخيار قبيل الموت ودخل العبد في ملك المشتري فتعين الآخر للرد ضرورة وهذا المعنى لم يوجد في الطلاق لأن حدوث العيب في المطلقة لا يوجب بطلان الخيار

Section V03/P224–V03/P225

ولو ماتت إحداهما قبل البيان فقال الزوج إياها عنيت لم يرثها وطلقت الباقية لأنها كما ماتت تعينت الباقية للطلاق فإذا قال عنيت الأخرى فقد أراد صرف الطلاق عن الباقية فلا يصدق فيه ويصدق في إبطال الإرث لأن ذلك حقه والإنسان في إقراره بإبطال حق نفسه مصدق لانتفاء التهمة وكذلك إذا ماتتا جميعا أو إحداهما بعد الأخرى ثم قال عنيت التي ماتت أولا لم يرث منهما أما من الثانية فلتعينها للطلاق بموت الأولى وأما من الأولى فلإقراره أنه لا حق له في ميراثها وهو مصدق على نفسه ولو ماتتا جميعا بأن سقط عليهما حائط أو غرقتا يرث من كل واحدة منهما نصف ميراثها لأنه لا يستحق ميراث كل واحدة منهما في حال ولا يستحقه في حال فيتنصف كما هوأصلنا في اعتبار الأحوال وكذلك إذا ماتتا جميعا أو إحداهما بعد الأخرى لكن لا يعرف التقدم والتأخر فهذا بمنزلة موتهما معا ولو ماتتا معا ثم عين إحداهما بعد موتهما وقال إياها عنيت لا يرث منها ويرث من الأخرى نصف ميراث زوج لأنهما لما ماتتا فقد استحق من كل واحدة منهما نصف ميراث لما بينا فإذا أراد إحداهما عينا فقد أسقط حقه من ميراثها وهو النصف فيرث من الأخرى النضف ( ( ( النصف ) ) ) ولو ارتدتا جميعا قبل البيان فانقضت عدتهما وبانتا لم يكن له أن يبين الطلاق الثلاث في إحداهما أما البينونة فلأن الملك قد زال من كل وجه بالردة وانقضاء العدة وإذا زال الملك لا يملك البيان وهذا يدل على أن الطلاق لم يقع قبل البيان إذ لو وقع لصح البيان بعد البينونة لأن البيان حينئذ يكون تعيين من وقع عليه الطلاق فلا تفتقر صحته إلى قيام الملك ولو كانتا رضيعتين فجاءت امرأة فأرضعتهما قبيل البيان بانتا وهذا دليل ظاهر على صحة القول الثاني لأنه لو وقع الطلاق على إحداهما لصارت أجنبية فلا يتحقق الجمع بين الأختين بالرضاع نكاحا فينبغي أن لا تبينا وقد بانتا وإذا بانتا بالرضاع لم يكن له أن يبين الطلاق في إحداهما لما قلنا وهو دليل على ما قلنا ولو بين الطلاق في إحداهما تجب عليها العدة من وقت البيان كذا روي عن أبي يوسف حتى لو راجعها بعد ذلك صحت رجعته وكذا إذا بين الطلاق في إحداهما وقد كانت حاضت قبل البيان ثلاث حيض لا تعتد بما حاضت قبله وتستأنف العدة من وقت البيان وهذا يدل على أن الطلاق لم يكن واقعا قبل البيان وروي عن محمد أنه تجب العدة من وقت الإرسال وتنقضي إذا حاضت ثلاث حيض من ذلك الوقت ولا تصح الرجعة بعد ذلك وهذا يدل على أن الطلاق نازل في غير المعين ومن هذا حقق القدوري الخلاف بين أبي يوسف ومحمد في كيفية هذا التصرف على ما ذكرنا من القولين واستدل على الخلاف بمسألة العدة ولو قال لامرأتين له إحداكما طالق واحدة والأخرى طالق ثلاثا فحاضت إحداهما ثلاث حيض بانت بواحدة والأخرى طالق ثلاثا لأن كل واحدة منهما مطلقة إلا أن إحداهما بواحدة والأخرى بثلاث فإذا حاضت إحداهما ثلاث حيض فقد زال ملكه عنها بيقين فخرجت عن احتمال بيان الثلاث فيها فتعينت الأخرى للثلاث ضرورة ولو كان تحته أربع نسوة لم يدخل بهن فقال إحداكن طالق ثلاثا ثم تزوج أخرى جاز له وإن كان مدخولا بهن فتزوج أخرى لم يجز وهذا حجة القول الأول لأن الطلاق لو لم يكن واقعا في إحداهن لما جاز نكاح امرأة أخرى في الفصل الأول لأنه يكون نكاح الخامسة ولجاز في الفصل الثاني لأنه يكون نكاح الرابعة ولما كان الأمر على القلب من ذلك دل أن الطلاق لم يكن واقعا قبل البيان

Section V03/P225–V03/P226

ولو قال لامرأتين له في الصحة إحداكما طالق ثم بين في إحداهما في مرضه يصير فارا وترثه المطلقة مع المنكوحة ويكون الميراث بينهما نصفين وهذا حجة القول الثاني لأن الطلاق لو كان واقعا في إحداهما غير عين لكان وقوع الطلاق في الصحة فينبغي أن لا يصير فارا كما إذا طلق واحدة منهما عينا والله عز وجل أعلم وأما الذي يتعلق بما بعد موت الزوج فأنواع ثلاثة حكم المهر وحكم الميراث وحكم العدة إذا مات قبل البيان أما حكم المهر فإن كانتا مدخولا بهما فلكل واحدة منهما جميع المهر لأن كل واحدة منهما تستحق جميع المهر منكوحة كانت أو مطلقة أما المنكوحة فلا شك فيها وأما المطلقة فلأنها مطلقة بعد الدخول وإن كانتا غير مدخول بهما فلهما مهر ونصف مهر بينهما لكل واحدة منهما ثلاثة أرباع المهر لأن كل واحدة منهما يحتمل أن تكون منكوحة ويحتمل أن تكون مطلقة فإن كانت منكوحة تستحق جميع المهر لأن الموت بمنزلة الدخول وإن كانت مطلقة تستحق النصف لأن النصف قد سقط بالطلاق قبل الدخول فلكل واحدة منهما كل المهر في حال والنصف في حال وليست إحداهما بأولى من الأخرى فيتنصف فيكون لكل واحدة ثلاثة أرباع مهر هذا إذا كان قد سمى لهما مهرا فإن كان لم يسم لهما مهرا فلهما مهر ومتعة بينهما لأن كل واحدة منهما إن كانت منكوحة فلها كمال مهر المثل وإن كانت مطلقة فلها كمال المتعة فكل واحدة منهما تستحق كمال مهر المثل في حال ولا تستحق شيئا من مهر المثل في حال وكذا المتعة فتتنصف كل واحدة منهما فيكون لهما مهر ومتعة بينهما لكل واحدة منهما نصف مهر المثل ونصف متعة وإن كان سمى لإحداهما مهرا ولم يسم للأخرى فللمسمى لها ثلاثة أرباع المهر وللتي لم يسم لها مهرا نصف مهر المثل لأن المسمى لها إذا كانت منكوحة فلها جميع المسمى وإن كانت مطلقة فلها النصف فيتنصف كل ذلك فيكون لها ثلاثة أرباع المهر المسمى والتي لم يسم لها إن كانت منكوحة فلها جميع مهر المثل وإن كانت مطلقة فليس لها من مهر المثل شيء فاستحقت في حال ولم تستحق شيئا منه في حال فيكون لها نصف مهر المثل والقياس أن يكون لها نصف المتعة أيضا وهو قول زفر وفي الاستحسان ليس لها إلا نصف مهر المثل وجه القياس أنها إن كانت منكوحة فلها كمال مهر المثل وإن كانت مطلقة فلها كمال المتعة فكان لها كمال مهر المثل في حال وكمال المتعة في حال فيتنصف كل واحدة منهما فيكون لها نصف مهر مثلها ونصف متعتها وجه الاستحسان أن نصف مهر المثل إذا وجب لها امتنع وجوب المتعة لأن المتعة بدل عن نصف مهر المثل والبدل والمبدل لا يجتمعان هذا إذا كانت المسمى لها مهر المثل معلومة فإن لم تكن معلومة فلها مهر وربع مهر إذا كان مهر مثلها سواء ويكون بينهما لأن كل واحدة منهما يحتمل أن تكون هي المسمى لها المهر فيكون لها ثلاثة أرباع المهر لما ذكرنا ويحتمل أن تكون غير المسمى لها المهر فيكون لها نصف مهر المثل ففي حال يجب ثلاثة أرباع المهر وفي حال يجب نصف المهر فيتنصف كل ذلك فيكون لهما مهر وربع مهر بينهما لكل واحدة منهما نصف مهر وثمن مهر نصف مهر المسمى وثمن مهر المثل ولا تجب المتعة استحسانا والقياس أن يجب نصف المتعة أيضا ويكون بينهما وهو قول زفر وجه القياس والاستحسان على نحو ما ذكرنا والله عز وجل أعلم وهذه المسائل تدل على أن الطلاق قد وقع في إحداهما غير عين وقت الإرسال حيث شاع فيهما بعد الموت إذ الواقع يشيع والله عز وجل الموفق

Section V03/P226–V03/P227

وأما حكم الميراث فهو أنهما يرثان منه ميراث امرأة واحدة ويكون بينهما نصفين في الأحوال كلها لأن إحداهما منكوحة بيقين وليست إحداهما بأولى من الأخرى فيكون قدر ميراث امرأة واحدة بينهما فإن كان للزوج امرأة أخرى سواهما لم يدخلها في الطلاق فلها نصف ميراث النساء ولهما النصف لأنه لا يزاحمها إلا واحدة منهما لأن المنكوحة واحدة منهما والأخرى مطلقة فكان لها النصف ثم النصف الثاني يكون بين الأخريين نصفين إذ ليست إحداهما بأولى من الأخرى وأما حكم العدة فعلى كل واحدة منهما عدة الوفاة وعدة الطلاق لأن إحداهما منكوحة والأخرى مطلقة وعلى المنكوحة عدة الوفاة لا عدة الطلاق وعلى المطلقة عدة الطلاق لا عدة الوفاة فدارت كل واحدة من العدتين في حق كل واحدة من المرأتين بين الوجوب وعدم الوجوب والعدة يحتاط في إيجابها ومن الاحتياط القول بوجوبها على كل واحدة منهما والله تعالى الموفق وإن كان ممن لا يملك طلاقها لا تصح الإضافة بالإجماع بأن جمع بين امرأته وبين أجنبية فقال إحداكما طالق حتى لا تطلق زوجته لأن هذا الكلام يستعمل للإنشاء ويستعمل للأخبار ولو حمل على الإخبار لصح لأنه يخبر أن إحداهما طالق والأمر على ما أخبر ولو حمل على الإنشاء لم يصح لأن إحداهما وهي الأجنبية لا تحتمل الإنشاء لعدم النكاح ولا طلاق قبل النكاح على لسان رسول الله فكان حمله على الإخبار أولى هذا إذا كان المزاحم في الاسم محتملا للطلاق فأما إذا لم يكن نحو ما إذا جمع بين امرأته وبين حجر أو بهيمة فقال إحداكما طالق فهل تصح الإضافة اختلف فيه قال أبو حنيفة وأبو يوسف تصح حتى يقع الطلاق على امرأته وقال محمد لا تصح ولا تطلق امرأته وجه قوله أن الجمع بين المنكوحة وغير المنكوحة يوجب شكا في إيقاع الطلاق على المنكوحة كما لو جمع بين امرأة وبين أجنبية وقال إحداكما طالق فلا يقع مع الشك ولهما أنه إذا جمع بين من يحتمل الطلاق وبين من لا يحتمل الطلاق في الاسم وأضاف الطلاق إليهما فالظاهر أنه أراد به من يحتمل الطلاق لا من لا يحتمل الطلاق لأن إضافة الطلاق إلى من لا يحتمله سفه فانصرف مطلق الإضافة إلى زوجته بدلالة الحال بخلاف ما إذا جمع بينها وبين أجنبية لأن الأجنبية محتملة للطلاق في الجملة وهي محتملة للطلاق في الحال إخبارا إن كانت لا تحتمله إنشاء وفي الصرف إلى الإخبار صيانة كلامه عن اللغو فصرف إليه ولو جمع بين زوجته وبين رجل فقال إحداكما طالق لم يصح في قول أبي حنيفة حتى لا تطلق زوجته وقال أبو يوسف يصح وتطلق زوجته وجه قول أبي يوسف أن الرجل لا يحتمل الطلاق ألا ترى أنه لو قال لامرأته أنا منك طالق لم يصح فصار كما إذا جمع بين امرأته وبين حجر أو بهيمة وقال إحداكما طالق ولأبي حنيفة أن الرجل يحتمل الطلاق في الجملة ألا ترى أنه يحتمل البينونة حتى لو قال لامرأته أنا منك بائن ونوى الطلاق يصح والإبانة من ألفاظ الطلاق فإن الطلاق نوعان رجعي وبائن وإذا كان محتملا للطلاق في الجملة حمل كلامه على الإخبار كما إذا جمع بينها ( ( ( بينهما ) ) ) وبين أجنبية وقال إحداكما طالق ولو جمع بين امرأته وبين امرأة ميتة فقال أنت طالق أو هذه وأشار إلى الميتة لم تصح الإضافة بالإجماع حتى لا تطلق زوجته الحية لأن الميتة من جنس ما يحتمل الطلاق وقد كانت محتملة للطلاق قبل موتها فصار كما لو جمع بينها وبين أجنبية والله عز وجل الموفق وأما الجهالة الطارئة فهي أن يكون الطلاق مضافا إلى معلومة ثم تجهل كما إذا طلق الرجل امرأة بعينها من نسائه ثلاثا ثم نسي المطلقة والكلام في هذا الفصل في موضعين أيضا أحدهما في بيان كيفية هذا التصرف والثاني في بيان أحكامه

Section V03/P227–V03/P228

أما الأول فلا خلاف في أن الواحدة منهن طالق قبل البيان لأنه أضاف الطلاق إلى معينة وإنما طرأت الجهالة بعد ذلك والمعينة محل لوقوع الطلاق فيكون البيان ههنا إظهارا أو تعيينا لمن وقع عليها الطلاق وأما الأحكام المتعلقة به فنوعان أيضا على ما مر أما الذي يتعلق به في حال حياة الزوج فهو أنه لا يحل له أن يطأ واحدة منهن حتى يعلم التي طلق فيجتنبها لأن إحداهن محرمة بيقين وكل واحدة منهما يحتمل أن تكون هي المحرمة فلو وطىء واحدة منهما وهو لا يعلم بالمحرمة فربما وطيء المحرمة والأصل فيه ما روي عن رسول الله أنه قال لوابصة بن معبد الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك ولا يجوز أن تطلق واحدة منهن بالتحري والأصل فيه أن كل ما لا يباح عند الضرورة لا يجوز فيه التحري والفرج لا يباح عند الضرورة فلا يجوز فيه التحري بخلاف الذكية إذا اختلطت بالميتة أنه يجوز التحري في الجملة وهي ما إذا كانت الغلبة للذكية عندنا لأن الميتة مما تباح عند الضرورة فإن جحدت كل واحدة منهن أن تكون المطلقة فاستعدين عليه الحاكم في النفقة والجماع أعدى عليه وحبسه على بيان التي طلق منهن وألزمه النفقة لهن لأن لكل واحدة منهن حق المطالبة بحقوق النكاح ومن عليه الحق إذا امتنع من الإيفاء مع قدرته عليه يحبس كمن امتنع من قضاء دين عليه وهو قادر على قضائه فيحبسه الحاكم ويقضي بنفقتهن عليه لأن النفقة من حقوق النكاح فإن ادعت كل واحدة منهن أنها هي المطلقة ولا بينة لها وجحد الزوج فعليه اليمين لكل واحدة منهن لأن الاستحلاف ( ( ( الاستخلاف ) ) ) للنكول والنكول بذل أو إقرار والطلاق يحتمل البذل والإقرار فيستحلف فيه فإن أبى أن يحلف فرق بينه وبينهن لأنه بذل الطلاق لكل واحدة منهن أو أقر به والطلاق يحتمل كل واحدة منهن وإن حلف لهن لا يسقط عنه البيان بل لا بد أن يبين لأن الطلاق لا يرتفع باليمين فبقي على ما كان عليه فيؤخذ بالبيان وروى ابن سماعة عن محمد أنه قال إذا كانتا امرأتين فحلف للأولى طلقت التي لم يحلف لها لأنه لما أنكر للأولى أن تكون مطلقة تعينت الأخرى للطلاق ضرورة وإن لم يحلف للأولى طلقت لأنه بالنكول بذل الطلاق لها أو أقر به فإن تشاحنا على اليمين حلف لهما جميعا بالله تعالى ما طلق واحدة منهما لأنهما استويا في الدعوى ويمكن إيفاء حقهما في الحلف فيحلف لهما جميعا فإن حلف لهما جميعا حجب عنهما حتى يبين لأن إحداهما قد بقيت مطلقة بعد الحلف إذ الطلاق لا يرتفع باليمين فكانت إحداهما محرمة فلا يمكن منها إلى أن يبين فإن وطء إحداهما فالتي لم يطأها مطلقة لأن فعله محمول على الجواز ولا يجوز إلا بالبيان فكان الوطء بيانا أن الموطوءة منكوحة فتعينت الأخرى للطلاق ضرورة انتفاء المزاحم كما لو قال إحداكما طالق ثم وطىء إحداهما وإذا طلق واحدة من نسائه بعينها فنسيها ولم يتذكر فينبغي فيما بينه وبين الله تعالى أن يطلق كل واحد ( ( ( واحدة ) ) ) منهن تطليقة رجعية ويتركها حتى تنقضي عدتها فتبين لأنه لا يجوز له أن يمسكهن فيقربهن جميعا لأن إحداهن محرمة بيقين ولا يجوز له أن يطأ واحدة منهن بالتحري لأنه لا مدخل للتحري في الفرج ولا يجوز له أن يتركهن بغير بيان لما فيه من الإضرار بهن بإبطال حقوقهن من هذا الزوج ومن غيره بالنكاح إذ لا يحل لهن النكاح لأن كل واحدة منهن يحتمل أن تكون منكوحة فيوقع على كل واحدة منهن تطليقة رجعية ويتركها حتى تنقضي عدتها فتبين وإذا انقضت عدتهن وبن فأراد أن يتزوج الكل في عقدة واحدة قبل أن يتزوجن لم يجز لأن واحدة منهن مطلقة ثلاثة بيقين

Section V03/P228

وإن أراد أن يتزوج واحدة منهن فالأحسن أن لا يتزوجها إلا بعد أن يتزوجن كلهن بزوج آخر لجواز أن تكون التي يتزوجها هي المطلقة ثلاثا فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره فإذا تزوجن بغيره فقد حللن بيقين فلو أنه تزوج واحدة منهن قبل أن يتزوجن بغيره جاز نكاحها لأن فعله يحمل على الجواز والصحة ولا يصح إلا بالبيان فكان إقدامه على نكاحها بيانا أنها ليست بمطلقة بل هي منكوحة وكذا إذا تزوج الثانية والثالثة جاز لما قلنا وتعينت الرابعة للطلاق ضرورة انتفاء المزاحم وكذا إذا كانتا اثنتين فتزوج إحداهما تعينت الأخرى للطلاق لأنا نحمل نكاح التي تزوجها على الجواز ولا جواز له إلا بتعيين الأخرى للطلاق فتتعين الأخرى للطلاق ضرورة هذا إذا كان الطلاق ثلاثا فإن كان بائنا ينكحهن جميعا نكاحا جديدا ولا يحتاج إلى الطلاق وإن كان رجعيا يراجعهن جميعا وإذا كان الطلاق ثلاثا فماتت واحدة منهن قبل البيان فالأحسن أن لا يطأ الباقيات إلا بعد بيان المطلقة لجواز أن تكون المطلقة فيهن وإن وطئهن قبل البيان جاز لأن فعل العاقل المسلم يحمل على وجه الجواز ما أمكن وههنا أمكن بأن يحمل فعله على أن تذكر أن الميتة كانت هي المطلقة إذ البيان في الجهالة الطارئة إظهار وتعيين لمن وقع عليها الطلاق بلا خلاف فلا تكون حياتها شرطا لجواز بيان الطلاق فيها وإذا تعينت هي للطلاق تعينت الباقيات للنكاح فلا يمنع من وطئهن بخلاف الجهالة الأصلية إذا ماتت واحدة منهن أنها لا تتعين للطلاق لأن الطلاق هناك يقع عند وجود الشرط وهو البيان مقصورا عليه والمحل ليس بقابل لوقوع الطلاق وقت البيان ثم البيان ضربان نص ودلالة أما النص فهو أن يبين المطلقة نصا فيقول هذه هي التي كنت طلقتها وأما الدلالة فهي أن يفعل أو يقول ما يدل على البيان مثل أن يطأ واحدة أو يقبلها أو يطلقها أو يحلف بطلاقها أو يظاهر منها فإن كانتا اثنتين تعينت الأخرى للطلاق لأن فعله أو قوله يحمل على الجواز ولا يجوز إلا بتعيين الأخرى للطلاق فكان الإقدام عليه تعيينا للأخرى للطلاق ضرورة وكذا إذا قال هذه منكوحة وأشار إلى إحداهما تتعين الأخرى للطلاق ضرورة وكذا إذا قال هذه منكوحة وإن كن أربعا أو ثلاثا تعينت الباقيات لكون المطلقة فيهن فتتعين بالبيان نصا أو دلالة بالفعل أو بالقول على ما مر بيانه في الفصل الأول ولو كن أربعا ولم يكن دخل بهن فتزوج أخرى قبل البيان جاز لأن الطلاق واقع في إحداهن فكان هذا نكاح الرابعة فلا يتحقق الجمع بين الخمس فيجوز وإن كن مدخولا بهن لا يجوز لأنه يتحقق الجمع لقيام النكاح من وجه لقيام العدة ولو كان الطلاق في الصحة فبين في واحدة منهن في مرضه ثم مات لم ترثه لأن البيان ههنا إظهار وتعيين لمن وقع عليه الطلاق والوقوع كان في الصحة فلا ترث بخلاف الفصل الأول وأما الذي يتعلق به بعد موت الزوج فأحكامه ثلاثة حكم المهر وحكم الميراث وحكم العدة وقد بيناها في الفصل الأول والفصلان لا يختلفان في هذه الأحكام فما عرفت من الجواب في الأول فهو الجواب في الثاني والله سبحانه وتعالى أعلم كتاب الظهار

Section V03/P228–V03/P229

يحتاج في هذا الكتاب إلى معرفة ركن الظهار وإلى معرفة شرائط الركن وإلى معرفة حكم الظهار وإلى معرفة ما ينتهي به حكمه وإلى معرفة كفارة الظهار أما ركن الظهار فهو اللفظ الدال على الظهار والأصل فيه قول الرجل لامرأته أنت علي كظهر أمي يقال ظاهر الرجل من امرأته وأظاهر ( ( ( وظاهر ) ) ) وتظاهر وأظهر وتظهر أي قال لها أنت علي كظهر أمي ويلحق به قوله أنت علي كبطن أمي أو فخذ أمي أو فرج أمي ولأن معنى الظهار تشبيه الحلال بالحرام ولهذا وصفه الله تعالى بكونه منكرا من القول وزورا فقال سبحانه وتعالى في آية الظهار وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وبطن الأم وفخذها في الحرمة مثل ظهرها ولفرجها مزيد حرمة فتزداد جنايته في كون قوله منكرا من القول وزورا فيتأكد الجزاء وهو الحرمة فصل وأما الشرائط فأنواع بعضها يرجع إلى المظاهر وبعضها يرجع إلى المظاهر منه وبعضها يرجع إلى المظاهر به أما الذي يرجع إلى المظاهر فأنواع منها أن يكون عاقلا إما حقيقة أو تقديرا فلا يصح ظهار المجنون والصبي الذي لا يعقل لأن حكم الحرمة وخطاب التحريم لا يتناول من لا يعقل ومنها أن لا يكون معتوها ولا مدهوشا ولا مبرسما ولا مغمى عليه ولا نائما فلا يصح ظهار هؤلاء كما لا يصح طلاقهم وظهار السكران كطلاقه وهو على التفصيل الذي ذكرناه في كتاب الطلاق ومنها أن يكون بالغا فلا يصح ظهار الصبي وإن كان عاقلا لما مر في ظهار المجنون ولأن الظهار من التصرفات الضارة المحضة فلا يملكه الصبي كما لا يملك الطلاق والعتاق وغيرهما من التصرفات التي هي ضارة محضة ومنها أن يكون مسلما فلا يصح ظهار الذمي وهذا عندنا وعند الشافعي إسلام المظاهر ليست ( ( ( ليس ) ) ) بشرط لصحة ظهاره ويصح ظهار الذمي واحتج بعموم قوله عز وجل والذين يظاهرون من نسائهم من غير فصل بين المسلم والكافر ولأن الكافر من أهل الظهار لأن حكمه الحرمة والكفار مخاطبون بشرائع هي حرمات ولهذا كان أهلا للطلاق فكذا الظهار ( ( ( للظهار ) ) ) ولنا أن عمومات النكاح لا يقتضي ( ( ( تقتضي ) ) ) حل وطء الزوجات على الأزواج نحو قوله تعالى والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين وقوله عز وجل نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم والظهار لا يوجب زوال النكاح والزوجية لأن لفظ الظهار لا ينبىء عنه ولهذا لا يحتاج إلى تجديد النكاح بعد الكفارة لأن المسلم صار مخصوصا فمن ادعى تخصيص الذمي يحتاج إلى الدليل ولأن حكم الظهار حرمة مؤقتة بالكفارة أو بتحرير يخلفه الصوم والكافر ليس من أهل هذا الحكم فلا يكون من أهل الظهار وقد خرج الجواب عما ذكره من المعنى وأما آية الظهار فإنها تتناول المسلم لدلائل أحدها أن أول الآية خاص في حق المسلمين وهو قوله عز وجل الذين يظاهرون منكم فقوله تعالى منكم كناية عن المسلمين ألا ترى إلى قوله سبحانه وتعالى وإن الله لعفو ( ( ( لغفور ) ) ) غفور ( ( ( رحيم ) ) ) والكافر غير حائز ( ( ( جائز ) ) ) المغفرة وقوله تعالى والذين يظاهرون من نسائهم بناء على الأول والثاني أن فيها أمرا بتحرير يخلفه الصيام إذا لم يجد الرقبة والصيام يخلفه الطعام إذا لم يستطع وكل ذلك لا يتصور إلا في حق المسلم والثالث أن المسلم مراد من هذه الآية بلا شك والمذهب عندنا أن العام يبنى على الخاص ومتى بني العام على الخاص خرج المسلم عن عموم الآية ولم يقل به أحد وأما كونه حرا فليس بشرط لصحة الظهار فيصح ظهار العبد لأن الظهار تحرم ( ( ( تحريم ) ) ) والعبد من أهل التحريم ألا ترى أنه يملك التحريم بالطلاق فكذا بالظهار ولعموم قوله عز وجل والذين يظاهرون من نسائهم

Section V03/P229–V03/P230

فإن قيل هذه الآية لا تتناول العبد لأنه جعل حكم الظهار التحرير بقوله تعالى فتحرير رقبة والعبد ليس من أهل التحرير فلا يكون من أهل حكم الظهار فلا يكون من أهل الظهار فلا يتناوله نص الظهار فالجواب أنه ممنوع أنه جعل حكم الظهار التحرير على الإطلاق بل جعل حكمه في حق من وجد فأما في حق من لم يجد فإنما جعل حكمه الصيام بقوله تعالى فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين والعبد غير واجد لأنه لا يكون واجدا إلى بالملك والعبد ليس من أهل الملك فلا يكون واجدا فلا يكون الاعتاق حكم الظهار في حقه إذ لا عتق فيما لا يملكه ابن آدم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يجوز له التفكير ( ( ( التكفير ) ) ) بالاعتاق وكذا بالإطعام إذ الإطعام على وجه التمليك أو الإباحة والإباحة لا تتحقق بدون الملك ولو كفر العبد بهما بإذن مولاه أو المولى كفر عنه بهما لم يجز لأن الملك لم يثبت له فلا يقع الاعتاق والإطعام عنه بخلاف الفقير إذا أعتق عنه غيره أو أطعم فإنه يجوز لأن الفقير من أهل الملك فثبت الملك له أولا ثم يؤدي عنه بطريق النيابة والعبد ليس من أهل الملك فلا يملك المؤدي فلا يجزيه في الكفارة إلا الصيام وليس لمولاه أن يمنعه من صيام الظهار بخلاف صيام النذر وكفارة اليمين لأن للمولى أن يمنعه عن ذلك لأن صوم الظهار قد تعلق به حق المرأة لأنه يتعلق به استباحة وطئها الذي استحقه بعقد النكاح فكان منعه إياها عن الصيام منعا له عن إيفاء حق مستحق للغير فلا يملك ذلك بخلاف صوم النذر وكفارة اليمين لأنه لم يتعلق به حق أحد فكان العبد بالصوم متصرفا في المنافع المملوكة لمولاه من غير إذنه لا حق لأحد فيه فكان له منعه عن ذلك سواء كان العبد قنا أو مدبرا أو أم ولد أو مكاتبا أو مستسعى على أصل أبي حنيفة لما قلنا وكذا كونه جادا فليس بشرط لصحة الظهار حتى يصح ظهار الهازل كما يصح طلاقه وكذا كونه طائعا أو عامدا ليس بشرط عندنا فيصح ظهار المكره والخاطىء ( ( ( والخاطئ ) ) ) كما يصح طلاقهما وعند الشافعية ( ( ( الشافعي ) ) ) شرط فلا يصح ظهارهما كما لا يصح طلاقهما وهذه من مسائل الإكراه وكذا التكلم بالظهار ليس بشرط حتى يصير مظاهرا بالكتابة المستبينة والإشارة المعلومة من الأخرس وكذا الخلو عن شرط الخيار ليس بشرط فيصح ظهار شارط ( ( ( شرط ) ) ) الخيار لما ذكرنا في كتاب الطلاق وأما كون المظاهر رجلا فهل هو شرط صحة الظهار قال أبو يوسف ليس بشرط وقال محمد شرط حتى لو قالت المرأة لزوجها أنت علي كظهر أمي تصير مظاهرة عند أبي يوسف وعليها كفارة الظهار وعند محمد لا تصير مظاهرة ولما حكى قولهما للحسن بن زياد فقال هما شيخا الفقه أخطآ عليهما كفارة اليمين إذا وطئها زوجها وجه قول الحسن أن الظهار تحريم فتصير كأنها قالت لزوجها أنت علي حرام ولو قالت ذلك تلزمها الكفارة إذا وطئها كذا هذا وجه قول محمد أن الظهار تحريم بالقول والمرأة لا تملك التحريم بالقول ألا ترى أنها لا تملك الطلاق فكذا الظهار ولأبي يوسف أن الظهار تحريم يرتفع بالكفارة وهي من أهل الكفارة فكانت من أهل الظهار والله أعلم ومنها النية عند أبي حنيفة وأبي يوسف في بعض أنواع الظهار دون بعض وبيان ذلك أنه لو قال لامرأته أنت علي كظهار ( ( ( كظهر ) ) ) أمي كان مظاهرا سواء نوى الظهار أو لا نية له أصلا لأن هذا صريح في الظهار إذ هو ظاهر المراد مكشوف المعنى عند السماع بحيث يسبق إلى أفهام السامعين فكان صريحا لا يفتقر إلى النية كصريح الطلاق في قوله أنت طالق

Section V03/P230–V03/P231

وكذا إذا نوى به الكرامة أو المنزلة أو الطلاق أو تحريم اليمين لا يكون إلا ظهارا لأن هذا اللفظ صريح في الظهار فإذا نوى به غيره فقد أراد صرف اللفظ عما وضع له إلى غيره فلا ينصرف إليه كما إذا قال لامرأته أنت طالق ونوى به الطلاق عن الوثاق أو الطلاق عن العمل أنه لا ينصرف إليه ويقع الطلاق لما قلنا كذا هذا ولو قال أردت به الإخبار عما مضى كذبا لا يصدق في القضاء لأنه خلاف الظاهر لأن هذا اللفظ في الشرع جعل إنشاءا ( ( ( إنشاء ) ) ) فلا يصدق في إرادة الإخبار عنه كقوله أنت طالق إذا أراد به الأخبار عن الماضي كاذبا ( ( ( كذبا ) ) ) ولا يسع المرأة ( ( ( للمرأة ) ) ) أن تصدقه كما لا يسع للقاضي لأن القاضي إنما لا يصدقه لادعائه خلاف الظاهر وهذا موجود في حق المرأة ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى لأنه نوى ما يحتمله كلامه وكذا إذا قال أنا منك مظاهرا ( ( ( مظاهر ) ) ) وقد ظاهرتك فهو مظاهر نوى به الظهار أو لا نية له لأن هذا اللفظ صريح في الظهار أيضا إذ هو مكشوف المراد عند السامع فلا يفتقر إلى النية وأي شيء نوى لا يكون إلا ظهارا وإن أراد به الخبر عن الماضي كاذبا لا يصدق قضاء ويصدق ديانة لما قلنا كما لو قال أنت مطلقة أو قد طلقتك وكذا لو قال أنت علي كبطن أمي أو كفخذ أمي أو كفرج أمي فهذا وقوله أنت علي كظهر أمي على السواء لأنه يجري مجرى الصريح لما ذكرنا فيما تقدم ولو قال لها أنت علي كأمي أو مثل أمي يرجع إلى نيته فإن نوى به الظهار كان مظاهرا وإن نوى به الكرامة كان كرامة وإن نوى به الطلاق كان طلاقا وإن نوى به اليمين كان إيلاء لأن اللفظ يحتمل كل ذلك إذ هو تشبيه المرأة بالأم فيحتمل التشبيه في الكرامة والمنزلة أي أنت علي في الكرامة والمنزلة كأمي ويحتمل التشبيه في الحرمة ثم يحتمل ذلك حرمة الظهار ويحتمل حرمة الطلاق وحرمة اليمين فأي ذلك نوى فقد نوى ما يحتمله لفظه فيكون على ما نوى وإن لم يكن له نية لا يكون ظهارا عند أبي حنيفة وهو قول أبي يوسف إلا أن عند أبي حنيفة لا يكون شيئا وعند أبي يوسف يكون تحريم اليمين وعند محمد يكون ظهارا احتج ( ( ( واحتج ) ) ) محمد بقوله تعالى في آية الظهار ردا على المظاهرين ما هن أمهاتهم وذكر الله سبحانه وتعالى الأم ولم يذكر ظهر الأم فدل أن تشبيه المرأة بالأم وهو قوله أنت علي كأمي ظهار حقيقة كقوله أنت علي كظهر أمي بل أولى لأن قوله أنت علي كظهر أمي تشبيه المرأة بعضو من أعضائها وقوله أنت كأمي تشبيه بكلها ثم ذاك لما كان ظهارا فهذا أولى ولأن كاف التشبيه تختص بالظهار فعند الإصلاق ( ( ( الطلاق ) ) ) تحمل عليه ولأبي حنيفة وأبي يوسف أن هذا اللفظ يحتمل الظهار وغيره احتمالا على السواء لما ذكرنا فلا يتعين الظهار إلا بدليل معين ولم ويوجد ( ( ( يوجد ) ) ) إلا أن أبا يوسف يقول يحمل على تحريم اليمين لأن الظاهر ( ( ( الظهار ) ) ) أنه أراد بهذا التشبيه في التحريم وذلك يحتمل تحريم الطلاق وتحريم اليمين إلا أن تحريم اليمين أدنى فيحمل عليه والجواب إنا لا نسلم إنه أراد به التشبيه في التحريم بل هو محتمل يحتمل الحرمة وغيرها فلا يتغير التحريم من غير دليل مع ما أن معنى الكرامة والمنزلة أدنى فيحمل مطلق التشبيه عليه وما ذكره محمد أن الله تعالى ذكر الأمهات لا ظهورهن قلنا هذا لا يدل على أن التشبيه بالأم ظهار حقيقة لأنه لو كان حقيقة لقال ما هن كأمهاتهم لأنه أثبت الأمومية لها

Section V03/P231

ولو قال أنت علي حرام كأمي حمل على نيته لأنه إذا ذكر مع التشبيه التحريم لم يحتمل معنى الكرامة فتعين التحريم ثم هو يحتمل تحريم الظهار ويحتمل تحريم الطلاق والإيلاء فيرجع إلى نيته فإن لم يكن له نية يكون ظهارا لأن حرف التشبيه يختص بالظهار فمطلق التحريم يحمل عليه ولو قال أنت علي حرام كظهر أمي فإن نوى الظهار أو لا نية له أصلا فهو ظهار وإن نوى الطلاق لم يكن إلا ظهارا في قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد يكون طلاقا وروي عن أبي يوسف أنه يكون ظهارا وطلاقا معا وجه قولهما أن قوله أنت علي حرام يحتمل الطلاق كما يحتمل الظهار فإذا نوى به الطلاق فقد نوى ما يحتمله لفظه فصحت نيته وأبو حنيفة يقول لما قال بعد قوله حرام كظهر أمي فقد فسر التحريم بتحريم الظهار فزال الاحتمال فكان صريحا في الظهار فلا تعمل فيه النية وما روي عن أبي يوسف غير سديد لأنه حمل اللفظ الواحد على معنيين واللفظ الواحد لا ينتظم معنيين مختلفين ولو قال أنت علي كالميتة أو كالدم أو الخمر ( ( ( كالخمر ) ) ) أو كلحم الخنزير يرجع إلى نيته إن نوى الطلاق كان طلاقا وإن نوى التحريم أو لا نية له يكون يمينا ويصير موليا وإن قال عنيت به الكذب لم يكن شيئا ولا يصدق في نفي اليمين في القضاء وقد ذكرنا هذه المسألة في كتاب الطلاق في فصل الإيلاء فصل وأما الذي يرجع إلى المظاهر منه فمنها أن تكون زوجته وهي أن تكون مملوكة له بملك النكاح فلا يصح الظهار من الأجنبية لعدم الملك ويصح ظهار زوجته تنجيزا وتعليقا وإضافة إلى وقت بأن قال لها أنت علي كظهر أمي إلى رأس شهر كذا لقيام الملك وتعليقا في الملك بأن قال لها إن دخلت الدار أو إن كلمت فلانا فأنت علي كظهر أمي لوجود الملك وقت اليمين وأما تعليقه بالملك وهو إضافته إلى سبب الملك فصحيح عندنا خلافا للشافعي بأن قال لأجنبية إن تزوجتك فأنت علي كظهر أمي حتى لو تزوجها صار مظاهرا عندنا لوجود الإضافة إلى سبب الملك وعنده لا يصح لعدم الملك للحال ولو قال لأجنبية إن دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي لا يقع الظهار حتى لو تزوجها فدخلت الدار لا يصير مظاهرا بالإجماع لعدم الملك والإضافة إلى سبب الملك وعلى هذا يخرج الظهار من الأمة والمدبرة وأم الولد والمكاتبة والمستسعاة على أصل أبي حنيفة أنه لا يصح لعدم الزوجية ثم إنما كانت الزوجية شرطا لصحة الإظهار لأن ثبوت الحرمة بالظهار أمر ثبت تعبدا غير معقول المعنى لأن قوله أنت علي كظهر أمي تشبيه المرأة بالأم وأنه محتمل يحل ( ( ( يحتمل ) ) ) التشبيه في الكرامة والمنزلة ويحتمل التشبيه في الحرمة ثم التشبيه في الحرمة محتمل أيضا يحتمل حرمة الظهار وهي الحرمة المؤقتة بالكفارة ويحتمل حرمة الطلاق وحرمة اليمين وهذه الوجوه كلها في احتمال اللفظ سواء فلا يجوز تنزيله على بعض الوجوه من غير دليل معين إلا أن هذه الحرمة تثبت شرعا غير معقول فيقصر على مورد الشرع وهي الزوجية قال الله تعالى الذين ( ( ( والذين ) ) ) يظاهرون منكم من نسائهم والمراد منه الزوجات كما في قوله تعالى للذين يؤلون من نسائهم وقوله تعالى وأمهات نسائكم وقوله عز وجل نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ونحو ذلك وسواء كانت الزوجة حرة أو أمة قنة أو مدبرة وأم ولد أو ولد أم ولد أو مكاتبة أو مستسعاة على أصل أبي حنيفة لعموم قوله تعالى الذين ( ( ( والذين ) ) ) يظاهرون منكم من نسائهم

Section V03/P231–V03/P232

ومنها قيام ملك النكاح من كل وجه فلا يصح الظهار من المطلقة ثلاثا ولا المبانة والمختلعة وإن كانت في العدة بخلاف الطلاق لأن المختلعة والمبانة يلحقهما صريح الطلاق لأن الظهار تحريم وقد ثبتت الحرمة بالإبانة والخلع وتحريم المحرم محال ولأنه لا يفيد لأن الثاني لا يفيد إلا ما أفاده الأول فيكون عبثا لخلوه عن العاقبة الحميدة بخلاف الطلاق ولأن الطلاق إزالة حل المحلية وأنه قائم بعد الإبانة فلم يكن إثبات الثابت فلم يكن مستحيلا وكذا الثاني يفيد غير ما أفاده الأول وهو نقصان العدد فهو الفرق بين الفصلين وكذا إذا علق الطلاق بشرط ثم أبانها قبل وجود الشرط ثم وجد الشرط وهي في العدة أنه لا ينزل الظهار بخلاف ما إذا علق الإبانة بشرط فنجز الإبانة ثم وجد الشرط وهي في العدة أنه يلحقها البائن المعلق لما ذكرنا أن الظهار تحريم والمبانة محرمة فلو لحقها الظهار بيمين كانت قبل الإبانة لكان تحريم المحرم وهو مستحيل ثم هو غير مفيد فاستوى فيه الظهار المبتدأ والمعلق بشرط بخلاف البينونة المعلقة بشرط لأن ثبوتها بعد تنجيز الإبانة غير مستحيل وهو مفيد أيضا وهو نقصان العدد والله عز وجل الموفق ومنها أن يكون الظهار مضافا إلى بدن الزوجة أو إلى عضو منها جامع أو شائع وهذا عندنا وعند الشافعي ليس بشرط وتصح الإضافة إليها أو إلى كل عضو منها وعلى هذا يخرج ما إذا قال لها رأسك علي كظهر أمي أو وجهك أو رقبتك أو فرجك أنه يصير مظاهرا لأن هذه الاعضاء يعبر بها عن جميع البدن فكانت الإضافة إليها إضافة إلى جميع البدن وكذا إذا قال لها ثلثك علي كظهر أمي أو ربعك أو نصفك ونحو ذلك من الأجزاء الشائعة ولو قال يدك أو رجلك أو أصبعك لا يصير مظاهرا عندنا خلافا للشافعي واختلف مشايخنا في الظهر والبطن وهذه الجملة قد مرت في كتاب الطلاق فصل وأما الذي يرجع إلى المظاهر به فمنها أن يكون من جنس النساء حتى لو قال لها أنت علي كظهر أبي أو ابني لا يصح لأن الظهار عرفا موجبا بالشرع والشرع إنما ورد بها فيما إذا كان المظاهر به امرأة ومنها أن يكون عضوا لا يحل له النظر إليه من الظهر والبطن والفخذ والفرج حتى لو شبهها برأس أمه أو بوجهها أو يدها أو رجلها لا يصير مظاهرا لأن هذه الأعضاء من أمه يحل له النظر إليها ومنها أن تكون هذه الأعضاء من امرأة يحرم نكاحها عليه على التأبيد سواء حرمت عليه بالرحم كالأم والبنت والأخت وبنت الأخ والأخت والعمة والخالة أو بالرضاع أو بالصهرية كامرأة أبيه وحليلة ابنه لأنه يحرم عليه نكاحهن على التأبيد وكذا أم امرأته سواء كانت امرأته مدخولا بها أو غير مدخول بها لأن نفس العقد على البنت محرم للأم فكانت محرمة عليه على التأبيد وأما بنت امرأته فإن كانت امرأته مدخولا بها فكذلك لأنه إذا دخل بها فقد حرمت عليه ابنتها على التأبيد وإن كانت غير مدخول بها لا يصير مظاهرا لعدم الحرمة على التأبيد ولو شبهها بظهر امرأة زنى بها أبوه أو ابنه قال أبو يوسف هو مظاهر وقال محمد ليس بمظاهر بناء على أن قاضيا لو قضى بجواز نكاح امرأة زنى بها أبوه أو ابنه لا ينفذ قضاؤه عند أبي يوسف حتى لو رفع قضاؤه إلى قاض آخر أبطله فكانت محرمة النكاح على التأبيد وعند محمد ينفذ قضائه ( ( ( قضاؤه ) ) ) وليس للقاضي الثاني أن يبطله إذا رفع إليه فلم تكن محرمة على التأبيد

Section V03/P232–V03/P233

وجه قول أبي يوسف أن حرمة نكاح موطوءة الأب منصوص عليها قال قال الله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء لأن النكاح في اللغة الضم وحقيقة الضم في الوطء فلم يكن هذا محل الاجتهاد إذ الاجتهاد المخالف للنصوص باطل فالقضاء بالجواز يكون مخالفا للنص فكان باطلا بخلاف ما إذا شبهها بامرأة قد فرق بينه وبينها باللعان أنه لا يكون مظاهرا وإن كان لا يجوز له نكاحها عندي لأنه لو حكم حاكم بجواز نكاحها جاز لأن حرمة نكاحها غير منصوص عليه فلم تكن محرمة على التأبيد ( ( ( التأييد ) ) ) وجه قول محمد أن جواز نكاح هذه المرأة مجتهد فيه ظاهر الاجتهاد وأنه جائز عند الشافعي وقد ظهر الاختلاف فيه في السلف فكان محل الاجتهاد وظاهر النص محتمل التأويل فكان للاجتهاد فيه مساغا وللرأي مجالا أو لو شبهها بظهر امرأة هي أم المزني بها أو بنت المزني بها لم يكن مظاهرا لأن هذا فصل مجتهد فيه ظاهر الاجتهاد في ( السلف ) فلم تكن المرأة المظاهر بها محرمة على التأبيد ولو قبل أجنبية بشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة ثم شبه زوجته بابنتها لم يكن مظاهرا عند أبي حنيفة قال ولا يشبه هذا الوطء الوطء أبين وأظهر عنى بذلك أنه لو شبه زوجته ببنت موطوأته ( ( ( موطوءته ) ) ) فلا يصير مظاهرا فهذا أولى لأن التقبيل واللمس والنظر إلى الفرج سبب مفض إلى الوطء فكان دون حقيقة الوطء فلما لم يصر مظاهرا بذلك فهذا ( ( ( فبهذا ) ) ) أولى وعند أبي يوسف يكون مظاهرا لأن الحرمة بالنظر منصوص عليها قال النبي صلى الله عليه وسلم من كشف خمار امرأة أو نظر إلى فرجها حرمت عليه أمها وابنتها وعلى هذا يخرج ما إذا شبهها بامرأة محرمة عليه في الحال وهي ممن تحل له في حال أخرى كأخت امرأته أو امرأة لها زوج أو مجوسية أو مرتدة أنه لا يكون مظاهرا لأنها غير محرمة على التأبيد والله أعلم فصل وأما حكم الظهار فللظهار أحكام منها حرمة الوطء قبل التكفير لقوله ( ( ( ولقوله ) ) ) عز وجل والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا أي فليحرروا كما في قوله سبحانه وتعالى والوالدات يرضعن أولادهن أي ليرضعن وقوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن أي ليتربصن أمر المظاهر بتحرير رقبة قبل المسيس فلو لم يحرم الوطء قبل المسيس لم يكن للأمر بتقديم التحرير قبل المسيس معنى وهو كقوله عز وجل يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة وأنه يدل على حرمة النجوى قبل الصدقة إذ لو لم يحرم لم يكن للأمر بتقديم الصدقة على النجوى معنى فكذا هذا وروي أن مسلمة بن صخر البياضي ظاهر من امرأته ثم أبصرها في ليلة قمراء وعليها خلخال فضة فأعجبته فوطأها ( ( ( فوطئها ) ) ) فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم استغفر الله ولا تعد حتى تكفر أمره صلى الله عليه وسلم بالاستغفار والاستغفار إنما يكون عن الذنب فدل على حرمة الوطء وكذا نهي المظاهر عن العود إلى الجماع ومطلق النهي للتحريم فيدل على حرمة الجماع قبل الكفارة وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال إذا قال أنت علي كظهر أمي لم تحل له حتى يكفر

Section V03/P233–V03/P234

ومنها حرمة الاستمتاع بها من المباشرة والتقبيل واللمس عن شهوة والنظر إلى فرجها عن شهوة قبل أن يكفر لقوله عز وجل من قبل أن يتماسا وأخف ما يقع عليه اسم المس هو اللمس باليد إذ هو حقيقة لهما جميعا أعني الجماع واللمس باليد لوجود معنى المس باليد فيهما ولأن الاستمتاع داع إلى الجماع فإذا حرم الجماع حرم الداعي إليه إذ لو لم يحرم لأدى إلى التناقض ولهذا حرم في الاستبراء وفي الإحرام بخلاف باب الحيض والنفاس لأن الاستمتاع هناك لا يفضي إلى الجماع لوجود المانع وهو استعمال الأذى فامتنع عمل الداعي للتعارض فلا يفضي إلى الجماع ولأن هذه الحرمة إنما حصلت بتشبيه امرأته بأمه فكانت قبل انتهائها بالتكفير وحرمة الأم سواء وتلك الحرمة تمنع من الاستمتاع كذا هذه ولأن الظهار كان طلاق القوم في الجاهلية فنقله الشرع من تحريم المحل إلى تحريم الفعل فكانت حرمة الفعل في المظاهر منها مع بقاء النكاح كحرمة الفعل في المطلقة بعد زوال النكاح وتلك الحرمة تعم البدن كله كذا هذه ولا ينبغي للمرأة إذا ظاهر منها زوجها أن تدعه يقربها بالوطء والاستمتاع حتى يكفر لأن ذلك حرام عليه والتمكين من الحرام حرام ومنها أن للمرأة أن تطالبه بالوطء وإذا طالبته به فعلى الحاكم أن يجبره حتى يكفر ويطأ لأنه بالتحريم بالظهار أضر بها حيث منعها حقها في الوطء مع قيام الملك فكان لها المطالبة بإيفاء حقها ودفع التضرر عنها وفي وسعه إيفاء حقها بإزالة الحرمة بالكفارة فيجب عليه ذلك ويجبر عليه لو امتنع ويستوي في هذه الأحكام جميع أنواع الكفارات كلها من الإعتاق والصيام والطعام أعني كما أنه لا يباح له وطؤها والاستمتاع بها قبل التحرير والصوم لا يباح له قبل الإطعام وهذا قول عامة العلماء وقال مالك إن كانت كفارته الإطعام جاز له أن يطأها قبله لأن الله تعالى ما شرط تقديم هذا النوع على المسيس في كتابه الكريم ألا ترى أنه لم يذكر فيه من قبل أن يتماسا وإنما شرط سبحانه وتعالى في النوعين الأولين فقط فيقتصر الشرط على الموضع المذكور ولنا أنه لو أبيح له الوطء قبل الإطعام فيطؤها ومن الجائز أنه يقدر على الإعتاق والصيام في خلال الإطعام ( ( ( الطعام ) ) ) فتنتقل كفارته إليه فتبين أن وطأه كان حراما فيجب صيانته عن الحرام بإيجاب تقديم الإطعام احتياطا وعلى هذا يخرج ما إذا ظاهر الرجل من أربع نسوة له أن عليه أربع كفارات سواء ظاهر منهن بأقوال مختلفة أو بقول واحد وقال الشافعي إذا ظاهر بكلمة واحدة فعليه كفارة واحدة وجه قوله أن الظهار أحد نوعي التحريم فيعتبر بالنوع الآخر وهو الإيلاء وهناك لا يجب إلا كفارة واحدة بأن قال لنسائه الأربع والله لا أقربكن فقربهن فكذا ههنا ولنا الفرق بين الظهار وبين الإيلاء وهو أن الظهار وإن كان بكلمة واحدة فإنها تتناول كل واحدة منهن على حيالها فصار مظاهرا من كل واحدة منهن والظهار تحريم لا يرتفع إلا بالكفارة فإذا تعدد التحريم تتعدد الكفارة بخلاف الإيلاء لأن الكفارة ثمة تجب لحرمة اسم الله تعالى جبرا لهتكه والاسم اسم واحد فلا تجب إلا كفارة واحدة وكذا إذا ظاهر من امرأة واحدة بأربعة أقوال يلزمه أربع كفارات لأنه أتى بأربع تحريمات ولو ظاهر من امرأة واحدة في مجلس واحد ثلاثا أو أربعا فإن لم يكن له نية فعليه لكل ظهار كفارة لأن كل ظهار يوجب تحريما لا يرتفع إلا بالكفارة

Questions