Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
وكذا إذا قال لها إن ولدت ولدا فهو حر وعبدي فلان فولدت ولدا ميتا عتق عبده ولو لم تكن هذه الولادة شرطا لما عتق فإذا ولدت ولدا ميتا فقد وجد الشرط لكن المحل غير قابل للجزاء فينحل اليمين لا إلى جزاء وتبطل كما إذا قال لعبده إن دخلت الدار فأنت حر فباعه قبل الدخول ثم دخل تنحل اليمين لكن لا إلى جزاء حتى لو اشتراه ودخل لا يعتق وإن أمكن تقييد التعليق بالملك كأنه قال إن دخلت الدار وأنت في ملكي مع ذلك لم يتقيد به كذا ههنا ولأبي حنيفة أن الإيجاب أضيف إلى محل قابل للحرية إذ العاقل الذي لا يقصد إيجاب الحرية فيما لا يحتمل الحرية لأنه سفه والقابل للحرية هو الولد الحي فيتقيد به كأنه قال أول ولد ولدتيه حيا فهو حر كما إذا قال لآخر إن ضربتك فعبدي حر أنه يتقيد بحال الحياة للمضروب حتى لو ضربه بعد موته لا يحنث لعدم قبول المحل للضرب كذا ههنا ولا فرق سوى أن ههنا تقيد لنزول الجزاء وهناك تقيد لتحقق الشرط بخلاف ما إذا علق بالولادة عتق عبد آخر أو طلاق إمرأته لأن هناك المحل المضاف إليه الإيجاب قابل للعتاق والطلاق فلا ضرورة إلى التقييد بحياة الولد كما إذا قال لها إن ولدت ولدا فأنت حرة أو قال أول ولد تلدينه فأنت حرة فولدت ولدا ميتا عتقت وههنا بخلافه وهو الجواب عن قوله إذا ولدت ولدا فهو حر وعبدي فلان إن ولادة الولد الميت تصلح شرطا في عتق عبد آخر لكون المحل قابلا للتعليق ولا تصلح شرطا في عتق الولد لعدم قبول المحل ويجوز أن يعلق بشرط واحد جزآن ( ( ( جزاءان ) ) ) ثم ينزل عند وجود أحدهما دون الآخر لمانع كمن قال لامرأته إذا حضت فأنت طالق وفلانة معك فقالت حضت فكذبها يقع الطلاق عليها ولا يقع على الأخرى وإن كان الشرط واحدا كذا هذا وأما التعليق بدخول الدار فإنما لم يتقيد بالملك لأن التقييد للتصحيح والإيجاب هناك صحيح بدون الملك لقبول المحل العتق عند وجود الشرط ألا ترى أنه يقف على إجازة المالك والباطل لا يقف على الإجازة وإنما الملك شرط النفاذ أما ههنا فلا وجه لتصحيح الإيجاب في الميت رأسا لعدم احتمال المحل إذ لا سبيل إلى إعتاق الميت بوجه فدعت الضرورة إلى التقييد بصفة الحياة وذكر محمد في الأصل إذا قال أول عبد يدخل علي فهو حر فأدخل عليه عبد ميت ثم حي عتق الحي ولم يذكر خلافا فمن أصحابنا من قال هذا قول أبي حنيفة خاصة لأن ما أضيف إليه الإيجاب وهو العبد لا يحتمل الوجوب إلا بصفة الحياة فصار كأنه قال أول عبد يدخل علي حيا فهو حر كما في الولادة فأما على قولهما فلا يعتق لأن الحالف أطلق اسم العبد فيجري على إطلاقه ولا يقيد بحياة العبد كما في الولادة ومنهم من قال هذا قولهم جميعا قال القدوري وهو الصحيح لأنه علق العتق باسم العبد والعبد اسم للمرقوق وقد بطل الرق بالموت فلم يوجد الشرط بإدخاله عليه فيعتق الثاني لوجود الشرط في حقه بخلاف الولد لأن الولد اسم للمولود والميت مولود حقيقة فإن قيل الرق لا يبطل بالموت بدليل أنه يجب على المولى كفن عبده الميت فالجواب أن وجوب الكفن لا يدل على الملك ألا ترى أن من مات ولم يترك شيئا فكفنه على أقاربه وإن لم يكن هناك ملك وإذا زال ملكه عن الميت صار الثاني أول عبد من عبيده أدخل عليه فوجد الشرط فعتق ( ( ( فيعتق ) ) ) ومن هذا القبيل قول الرجل كل مملوك لي فهو حر ويقع على ما في ملكه في الحال حتى لو لم يكن يملك شيئا يوم الحلف كان اليمين لغوا حتى لو ملكه في المستقبل لا يعتق لأن هذا الكلام لا يستعمل إلا للحال فلا يتعلق به عتق ما ليس بمملوك له في الحال
وكذا إذا علق بشرط قدم الشرط أو أخر بأن قال إن دخلت هذه الدار فكل مملوك لي حر أو قال إذا دخلت أو إذا ما دخلت أو متى دخلت أو متى ما دخلت أو قال كل مملوك لي حر إن دخلت الدار فهذا كله على ما في ملكه يوم حلف وكذا إذا قال كل مملوك أملكه ولا نية له لأن صيغة أفعل وإن كانت تستعمل للحال والاستقبال لكن عند الإطلاق يراد به الحال عرفا وشرعا ولغة أما العرف فإن من قال فلان يأكل أو يفعل كذا يريد به الحال أو يقول الرجل أنا أملك ألف درهم يريد به الحال وأما الشرع فإن من قال أشهد أن لا إله إلا الله يكون مؤمنا ولو قال أشهد أن لفلان على فلان كذا يكون شاهدا ولو قال أقر أن لفلان علي كذا صح إقراره وأما اللغة فإن هذه الصيغة موضوعة للحال على طريق الأصالة لأنه ليس للحال صيغة أخرى وللاستقبال السين وسوف فكانت الحال أصلا فيها والاستقبال دخيلا فعند الإطلاق يصرف إلى الحال ولو قال عنيت به ما استقبل ملكه عتق ما في ملكه للحال وما استحدث الملك فيه لما ذكرنا أن ظاهر هذه الصيغة للحال فإذا قال أردت به الاستقبال فقد أراد صرف الكلام عن ظاهره فلا يصدق فيه ويصدق في قوله أردت ما يحدث ملكي فيه في المستقبل فيعتق عليه بإقراره كما إذا قال زينب طالق وله امرأة معروفة بهذا الاسم ثم قال لي امرأة أخرى بهذا الاسم عنيتها طلقت المعروفة بظاهر هذا اللفظ والمجهولة باعترافه كذا ههنا وكذا لو قال كل مملوك أملكه الساعة فهو حر إن هذا يقع على ما في ملكه وقت الحلف ولا يعتني ( ( ( يعتق ) ) ) ما يستفيده بعد ذلك إلا أن يكون نوى ذلك فيلزمه ما نوى لأن المراد من الساعة المذكورة هي الساعة المعروفة عند الناس وهي الحال لا الساعة الزمانية التي يذكرها المنجمون فيتناول هذا الكلام من كان في ملكه وقت التكلم لا من يستفيده بعده فإن قال أردت به من أستفيده في هذه الساعة الزمانية يصدق فيه لأن اللفظ يحتمله وفيه تشديد على نفسه ولكن لا يصدق في صرفه اللفظ عمن يكون في ملكه للحال سواء أطلق أو علق بشرط قدم الشرط أو أخر بأن قال إن دخلت الدار فكل مملوك أملكه حر أو قال كل مملوك أملكه حر إن دخلت الدار فهذا والأول سواء في أن اليمين إنما يتعلق بما في ملكه يوم حلف لأنه علق العتق بشرط فيتناول ما في ملكه لا ما يستفيده كما إذا قال كل عبد يدخل الدار فهو حر فإن قال أردت به ما استحدث ملكه عتق ما في ملكه إذا وجد الشرط باليمين وما يستحدث بإقراره لأنه لا يصدق في صرف الكلام عن ظاهره ويصدق في التشديد على نفسه فإن لم يكن في ملكه يوم حلف مملوك فاليمين لغو لأنها تتناول الحال فإذا لم يكن له مملوك للحال لا تنعقد اليمين لانعدام المحلوف عليه بخلاف قوله إن كلمت فلانا أو إن دخلت الدار فكل مملوك اشتريه فهو حر أو كل امرأة أتزوجها فهي طالق لأن قوله أشتري أو أتزوج لا يحتمل الحال فاقتضى ملكا مستأنفا وقد جعل الكلام أو الدخول شرطا لانعقاد اليمين فيمن يشتري أو يتزوج فيعتبر ذلك بعد اليمين ولو قال كل مملوك أملكه اليوم فهو حر ولا نية له وله مملوك فاستفاد في يومه ذلك مملوكا آخر عتق ما في ملكه وما استفاد ملكه في اليوم لو قال هذا الشهر أو هذه السنة لأنه لما وقت باليوم أو الشهر أو السنة فلا بد وأن يكون التوقيت مقيدا ولو لم يتناول إلا ما في ملكه يوم الحلف لم يكن مقيدا فإن قال عنيت به أحد الصنفين دون الآخر لم يدين في القضاء لأنه نوى تخصيص العموم وأنه خلاف الظاهر فلا يصدق في القضاء ويصدق فيما بينه وبين الله عز وجل لأن الله مطلع على نيته
ولو قال كل مملوك أملكه غدا فهو حر ولا نية له ذكر محمد في الجامع أنه يعتق من ملكه في غد ومن كان في ملكه قبله وهو قوله في الإملاء أيضا وهو إحدى روايتي ابن ( ( ( أبي ) ) ) سماعة عنه وقال أبو يوسف لا يعتق إلا من استفاد ملكه في غد ولا يعتق من جاء غد وهو في ملكه وهو إحدى روايتي ابن سماعة عن محمد وجه قول محمد أنه أوجب العتق لكل من يضاف إليه الملك في غد فيتناول الذي ملكه في غد والذي ملكه قبل الغد كأنه قال في الغد كل مملوك أملكه اليوم فهو حر فيتناول الكل وجه قول أبي يوسف أن قوله أملك إن كان للحال عند الإطلاق ولكنه لما أضاف العتق إلى زمان في المستقبل أنصرف إلى الاستقبال بهذه القرينة كما ينصرف إليه بقرينة السير ( ( ( السين ) ) ) فلا يتناول الحال وعلى هذا الخلاف إذا قال كل مملوك أملكه رأس شهر كذا فهو حر ورأس الشهر الليلة التي يهل فيها الهلال ومن الغد إلى الليل وكان القياس أن يكون رأس الشهر أول ساعة منه لأن رأس كل شهر ما رأس عليه وهو أوله إلا أنهم جعلوه اسما لما ذكرنا للعرف والعادة فإنه يقال في العرف والعادة لأول يوم من الشهر هذا رأس الشهر وروى ابن سماعة عن أبي يوسف فيمن قال كل مملوك أملكه يوم الجمعة فهو حر قال ليس هذا على ما في ملكه إنما هو على ما يملكه يوم الجمعة فهذا على أصل أبي يوسف صحيح لأنه أضاف العتق إلى زمان مستقبل فإن قال كل مملوك لي حر يوم الجمعة فهذا على من في ملكه يعتقون يوم الجمعة ليس هو على من يستقبل لأنه عقد يمينه على من في ملكه في الحال وجعل عتقهم موقتا بالجمعة فلا يدخل فيه الاستقبال فأما إذا قال كل مملوك أملكه إذا جاء غد فهو حر فهذا على ما في ملكه في قولهم لأنه جعل مجيء الغد شرطا لثبوت العتق لا غير فيعتق من في ملكه لكن عند مجيء غد والله عز وجل أعلم ومن هذا القبيل الإعتاق للمضاف ( ( ( المضاف ) ) ) إلى المجهول عند بعض مشايخنا لأنه تعليق معنى لا صورة ولا يثبت العتق في أحدهما قبل الاختيار وإنما ثبت عند الاختيار في أحدهما عينا وهو الذي يختار العتق فيه مقصورا على الحال كأنه علق عتق أحدهما بشرط اختيار العتق فيه كالتعليق بسائر الشروط ومن دخول الدار وغير ذلك إلا أنه ثمة الشرط يدخل على السبب والحكم جميعا وههنا يدخل على الحكم لا على السبب كالتدبير والبيع بشرط الخيار كذا قال بعض مشايخنا في كيفية الإعتاق المضاف إلى المجهول وبعضهم نسب هذا القول لأبي يوسف ويقال إنه قول أبي حنيفة أيضا وقال بعضهم هو تنجيز للعتق ( ( ( العتق ) ) ) في غير العتق للحال واختيار العتق في أحدهما بيان وتعيين لمن وقع عليه العتق بالكلام السابق من حين وجوده وبعضهم نسب هذا القول إلى محمد والحاصل أن الخلاف في كيفية هذا التصرف على الوجه الذي وصفنا غير منصوص عليه من أصحابنا لكنه مدلول عليه ومشار إليه أما الدلالة فإنه ظهر الاختلاف بين أبي يوسف ومحمد في الطلاق فيمن قال لامرأتيه إحداكما طالق أن العدة تعتبر من وقت الاختيار في قول أبي يوسف والعدة إنما تجب من وقت وقوع الطلاق فيدل على أن الطلاق لم يكن واقعا وإنما يقع عند الاختيار مقصورا عليه وفي قول محمد تعتبر من وقت الكلام السابق وهذا يدل على أن الطلاق قد وقع من حين ( ( ( حيث ) ) ) وجوده وإنما الاختيار بيان وتعيين لمن وقع عليها الطلاق وأما الإشارة فإنه روي عن أبي يوسف أنه قال إذا أعتق أحد عبديه تعلق العتق بذمته ويقال له أعتق وهذا إشارة إلى أن العتق غير نازل في المحل إذ لو كان نازلا لما كان معلقا بالذمة
ومعنى قوله يقال له أعتق أي اختر العتق لإجماعنا على أنه لا يكلف بإنشاء الإعتاق وذكر محمد في الزيادات يقال له بين وهذا إشارة إلى الوقوع في غير المعين لأن البيان للموجود لا للمعدوم وإلى هذا ذهب الكرخي والقدوري وحققا الاختلاف بين أبي يوسف ومحمد إلا أن القدوري حكى عن الكرخي أنه كان يفرق بين العتاق والطلاق فيجعل الاختيار بيانا في الطلاق بالإجماع من قبل أن العتاق يحتمل الثبوت في الذمة والطلاق لا يحتمل قال وكان غيره من أصحابنا يسوي بينهما لأن الطلاق أيضا يحتمل الثبوت في الذمة في الجملة ألا ترى أن الفرقة واجبة على العنين وإنما يقوم القاضي مقامه في التفريق وهو الصحيح أنهما يستويان لأن تعلق العتق بالذمة ليس معناه إلا انعقاد سبب الوقوع من غير وقوع وهو معنى حق الحرية دون الحقيقة وهما في هذا المعنى مستويان وجه القول الأول أن قوله أحدكما حر تنجيز الحرية في أحدهما وليس بتعليق حقيقة لانعدام حرف التعليق إلا أنه تنجيز في غير المعين فيتعين بالاختيار ووجه القول الثاني أن العتق إما أن يثبت باختيار العتق وإما أن يثبت بالكلام السابق والثاني لا سبيل إليه لأن اختيار العتق لم يعرف إعتاقا في الشرع ألا ترى أنه لو قال لعبده اخترت عتقك لا يعتق فلا بد وأن يثبت بالكلام السابق فلا يخلو إما أن يثبت حال وجوده في أحدهما غير عين ويتعين باختياره وإما أن يثبت عند وجود الاختيار في أحدهما عينا وهو تفسير التعليق بشرط الاختيار لا وجه للأول لأنه ربما يختار غير الحر فيلزم القول بانتقال الحرية من الحر إلى الرقيق أو انتقال الرق من الرقيق إلى الحر أو استرقاق الحر والأول محال والثاني غير مشروع فتعين الثاني ضرورة وهي أن يثبت العتق عند وجود الاختيار بالكلام السابق مقصورا على حال الاختيار وهو تفسير التعليق ثم القائلون بالبيان اختلفوا في كيفية البيان منهم من قال البيان إظهار محض ومنهم من قال هو إظهار من وجه وإنشاء من وجه واستدلوا بما ذكر محمد في الزيادات في موضع يقال له بين وفي موضع يقال له أعتق وزعموا أن المسائل تتخرج عليه وهذا غير سديد لأن القول الواحد لا يكون إظهارا وإنشاء إذ الإنشاء إثبات أمر لم يكن والإظهار إبداء أمر قد كان وبينهما تناف وثمرة هذا الاختلاف تظهر في الأحكام وإنها في الظاهر متعارضة بعضها يدل على صحة القول الأول وبعضها يدل على صحة القول الثاني ونحن نشير إلى ذلك إذا انتهينا إلى بيان حكم الإعتاق وبيان وقت ثبوت حكمه فأما ترجيح أحد القولين على الآخر وتخرج المسائل عليه فمذكوران في الخلافيات وأما التعليق بالملك أو بسببه صورة ومعنى فنحو أن يقول لعبد لا يملكه إن ملكتك فأنت حر أو إن اشتريتك فأنت حر وأنه صحيح عندنا حتى لو ملكه أو اشتراه يعتق وإن لم يكن الملك موجودا وقت التعليق وقال الشافعي لا يصح ولا يعتق وقال بشر المريسي يصح التعليق بالملك ولا يصح بسبب الملك وهو الشراء أما الكلام مع الشافعي فعلى نحو ما ذكرنا في كتاب الطلاق وأما مع بشر فوجه قوله أن اليمين بالطلاق والعتاق لا يصح إلا في الملك أو مضافا إلى الملك ولم توجد الإضافة إلى الملك لأن الشراء قد يفيد الملك للمشتري وقد لا يفيد كالشراء بشرط الخيار وشراء الوكيل فلم توجد الإضافة إلى الملك فلا يصح بخلاف قوله إن ملكتك ولنا أن مطلق الشراء ينصرف إلى الشراء المتعارف وهو الشراء لنفسه ومن غير شرط الخيار وأنه من أسباب الملك فكان ذكره ذكرا للملك والإضافة إليه إضافة إلى الملك كأنه قال إن ملكتك فأنت حر ولأنه لما علق العتق بالشراء ولا بد من الملك عند الشراء لثبوت العتق كان هذا تعليق العتق بالشراء الموجب للملك كأنه قال إن اشتريتك شراء موجبا للملك فأنت حر فإذا اشتراه شراء موجبا للملك فقد وجد الشرط فيعتق
ولو قال إن تسريت جارية فهي حرة فاشترى جارية فتسراها لا تعتق عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر تعتق ولو تسرى جارية كانت في ملكه يوم حلف عتقت بالإجماع وجه قول زفر أنه وجدت الإضافة إلى الملك لأن التسري لا يصح بدون الملك فكانت الإضافة إلى التسري إضافة إلى الملك فيصح التعليق ولنا أنه لم يوجد الملك وقت التعليق ولا الإضافة إلى الملك والكلام فيه ولا إلى سبب الملك لأن التسري ليس من أسباب الملك ألا ترى أنه يتحقق في غير الملك كالجارية المغصوبة واليمين بالعتاق والطلاق لا يصح إلا في الملك أو مضافا إلى الملك أو سببه ولم يوجد شيء من ذلك وأما قوله إن التسري لا صحة له بدون الملك فهذا مسلم أن الملك شرط صحة التسري وجوازه لكن الحالف جعل وجوده شرط العتق والتسري نفسه يوجد من غير ملك فلم يكن التعليق به تعليقا بسبب الملك فلم يصح ثم اختلف في تفسير التسري قال أبو حنيفة ومحمد هو أن يطأها ويحصنها ويمنعها من الخروج والبروز سواء طلب منها الولد أو لم يطلب وقال أبو يوسف طلب الولد مع التحصين شرط وجه قوله أن الإنسان يطأ جاريته ويحصنها ولا يقال لها سرية وإنما يقال ذلك إذا كان يطلب منها الولد أو تكون أم ولده هذا هو العرف والعادة ولهما أنه ليس في لفظ التسري ما يدل على طلب الولد لأنه لا يخلو إما أن يكون مأخوذا من السرو وهو الشرف فتسمى الجارية سرية بمعنى أنه أسرى الجواري أي أشرفهن وإما أن يكون مأخوذا من السر وهو الجماع قال الله تعالى ولكن لا تواعدوهن سرا قيل جماعا وليس في أحدهما ما ينبي عن طلب الولد ولو وطىء جارية كانت في ملكه يوم الحلف فعلقت منه لم تعتق لعدم التسري لأنه لم يوجد منه إلا الوطء والوطء وحده لا يكون تسريا بلا خلاف فلم يوجد شرط العتق فلا تعتق ولو قال لامرأة حرة إن ملكتك فأنت حرة أو قال لها إن اشتريتك فأنت حرة فارتدت عن الإسلام ولحقت بدار الحرب ثم سببت ( ( ( سبيت ) ) ) فاشتراها الحالف ذكر محمد في الجامع أن على قياس قول أبي حنيفة لا تعتق وعند أبي يوسف ومحمد تعتق يعني به قياس قوله في المكاتب والعبد المأذون إذا قال كل عبد أملكه فيما استقبل فهو حر أو قال كل عبد أشتريه فهو حر فيعتق ثم ملك عبدا أو أشترى عبدا على قول أبي حنيفة لا يعتق وعلى قولهما يعتق والمسألة تأتي في موضعها ولو قال لأمة لا يملكها إن اشتريتك فأنت حرة بعد موتي فاشتراها صارت مدبرة لأنه علق تدبيرها بسبب الملك وهو الشراء لأن قوله أنت حرة بعد موتي صورة التدبير وقد علقه بالشراء فيصير عند الشراء قائلا أنت حرة بعد موتي وأما التعليق بالملك أو بسببه معنى لا صورة فهو أن يقول الحر كل مملوك أملكه فيما يستقبل فهو حر ويتعلق العتق بملك يستفيده لأنه نص على الاستقبال وروى ابن سماعة عن محمد في النوادر إذا قال كل جارية أشتريها إلى سنة فهي حرة فكل جارية يشتريها إلى سنة فهي حرة ساعة يشتريها قال وإن قال كل جارية أشتريها فهي حرة إلى سنة فأشترى جارية لم تعتق إلى سنة لأنه في الفصل الأول عقد يمينه على الشراء في السنة فتعتق كل جارية يشتريها في السنة ساعة الشراء كأنه قال عند الشراء أنت حرة فتعتق وفي الفصل الثاني جعل الشراء شرطا لعتق مؤقت بالسنة فكأنه قال بعد الشراء أنت حرة إلى سنة قال ولو قال كل مملوك أشتريه فهو حر غدا فهذا عندي على كل مملوك يشتريه قبل الغد وإن اشترى مملوكا غدا لا يعتق لأنه جعل الشراء شرطا لزوال حرية مؤقتة بوجود الغد فلا بد من تقدم الملك على الغد لينزل العتق الموقت به
ولو قال كل مملوك أملكه إلى ثلاثين سنة فهذا على ما يستقبل ملكه في الثلاثين سنة أولها من حين حلف بعد سكوته في قولهم جميعا ولا يكون على ما في ملكه قبل ذلك لأنه لما أضاف العتق إلى الاستقبال تعين اللفظ للمستقبل وإذا انصرف إلى الاستقبال لا يحمل على الحال إذ اللفظ الواحد لا ينتظم معنيين مختلفين بخلاف قوله غدا عند محمد لأن ذاك ليس أصلا إلى الاستقبال بل هو إيقاع عتق على موصوف بصفة فيتناول كل من كان على تلك الصفة وكذلك إذا قال كل مملوك أملكه ثلاثين سنة أو في ثلاثين سنة أو قال أملكه إلى سنة أو سنة أو في سنة أو قال أملكه أبدا أو إلى أن أموت فهذا كله باب واحد يدخل فيه ما يستقبل دون ما كان في ملكه لأنه أضاف الحرية إلى المستقبل فإن قال أردت بقولي كل مملوك أملكه سنة أن يكون ما في ملكه يوم حلف مستداما سنة دين فيما بينه وبين الله تعالى ولم يدين في القضاء لأن الظاهر أنه إنما وقت السنة لاستفادة الملك لا لاستمرار الملك القائم فلا يصدق في العدول عن الظاهر ولو قال إن دخلت الدار فكل مملوك أملكه يومئذ فهو حرا ( ( ( حر ) ) ) أو قال إذا قدم فلان فكل مملوك أملكه يومئذ فهو حر ولا نية له عتق ما في ملكه يوم دخل الدار لأنه علق عتق كل عبد يكون مملوكا له يوم الدخول بالدخول لأن معنى قوله يومئذ أي يوم الدخول هذا هو مقتضى اللغة لأن تقديره يوم إذا دخل الدار لأنه حذف الفعل وعوض عنه بالتنوين فيعتق كل ما كان مملوكا له يوم الدخول فكأنه قال عند الدخول كل مملوك لي فهو حر وسواء دخل الدار ليلا أو نهارا لأن اليوم يذكر ويراد به الوقت المطلق قال الله سبحانه وتعالى ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير وهذا الوعد يلحق المولى دبره ليلا ونهارا ولأن غرض الحالف الامتناع من تحصيل الشرط فلا يختص بوقت دون وقت ولو قال كل مملوك اشتريته فهو حر إن كلمت أو إذا كلمت فلانا أو إذا جاء غد ولا نية له فهذا يقع على ما يشتريه قبل الكلام فكل مملوك اشتراه قبل الكلام ثم تكلم عتق وما اشتراه بعد الكلام لا يعتق ولو قدم الشرط فقال إن كلمت فلانا أو إذا كلمت فلانا أو إذا جاء غد فكل مملوك اشتريته فهو حر فهذا على ما يشتريه بعد الكلام لا قبله حتى لو كان اشترى مماليك قبل الكلام ثم كلم لا يعتق واحد منهم وما اشترى بعده يعتق ووجه الفرق أن في الفصل الأول جعل الكلام شرط انحلال اليمين لأن قوله كل مملوك أشتريه فهو حر يمين تامة لوجود الشرط والجزاء فإذا قال إن كلمت فلانا فقد جعل كلام فلان غاية لانحلالها فإذا كلمه انحلت فلا يدخل ما بعد الكلام كقوله كل مملوك لي حر إن دخلت الدار وفي الفصل الثاني جعل كلام فلان شرط انعقاد اليمين فإذا كلمه الآن انعقدت اليمين فيدخل فيه ما بعده لا ما قبله فيصير كأنه قال عند الكلام كل مملوك أشتريه فهو حر وذلك يتناول المستقبل ولو قال كل مملوك أشتريه إذا دخلت الدار فهو حر أو قال إن قدم فلان فهذا على ما يشتري بعد الفعل الذي حلف عليه ولا يعتق ما أشترى قبل ذلك إلا أن يعينهم لأنه جعل دخول الدار شرطا لانعقاد اليمين فيصير عند دخول الدار كأنه قال كل مملوك أشتريه فهو حر
والدليل على أنه جعل دخول الدار شرط انعقاد اليمين أن قوله كل مملوك أشتريه شرط وقوله إذا دخلت الدار شرط آخر ولا يمكن أن يجعلا شرطا واحدا لعدم حرف العطف ولا سبيل إلى إلغاء الشرط الثاني لأن إلغاء تصرف العاقل مع إمكان تصحيحه خارج عن العقل ولتصحيحه وجهان أحدهما أن يجعل الشرط الثاني مع جزائه يمينا وجزاء الشرط الأول وحينئذ لا بد من إدراج حرف الفاء لأن الجزاء المتعقب للشرط لا يكون بدون حرف الفاء وفيه تغيير والثاني أن يجعل شرط الانعقاد وفيه تغيير أيضا يجعل ( ( ( بجعل ) ) ) المقدم من الشرطين مؤخرا إلا أن التغيير فيه أقل لأن فيه تبديل محل الكلام لا غير وفي الأول إثبات ما ليس بثابت فكان الثاني أقل تغييرا فكان التصحيح به أولى وتسمى هذه اليمين اليمين المعترضة لاعتراض شرط بين الشرط والجزاء ولو نوى الوجه الأول صحت نيته لأن اللفظ يحتمله ولهذا قال محمد إلا أن يعني غير ذلك فيكون على ما عنى ولو قال المكاتب أو العبد المأذون كل عبد أملكه فهو حر فعتق ثم ملك عبدا لا يعتق لأن قوله أملك للحال لما يتناوله للحال نوع ملك إلا أنه غير صالح للإعتاق فتنحل اليمين لا إلى جزاء ولو قال كل مملوك أملكه إذا أعتقت فهو حر فعتق فملك عبدا عتق لأنه علق العتق بالملك الحاصل له بعد عتقه وإنه ملك صالح للإعتاق فصحت الإضافة بخلاف الصبي إذا قال كل مملوك أملكه بعد البلوغ فهو حر ثم بلغ فملك عبدا أنه لا يعتق لأن الصبي ليس من أهل الإعتاق تنجيزا وتعليقا لكونه من التصرفات الضارة المحضة فأما العبد فهو من أهله لكونه عاقلا بالغا إلا أنه لا ينفذ تنجيز العتق منه لعدم شرط ( ( ( شرطه ) ) ) وهو الملك الصالح فإذا علق بملك يصلح شرطا له صح ولو قال كل مملوك أملكه فيما استقبل فهو حر أو قال كل مملوك أشتريه فهو حر فعتق فملك بعد ذلك عبدا أو أشترى عبدا لا يعتق عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد يعتق وجه قولهما أن قوله أملكه فيما استقبل يتناول كل ما يملكه إلى آخر عمره فيعمل بعموم اللفظ كما في الحر ولأن في الحمل على الاستقبال تصحيح تصرفه وفي الحمل على الحال إبطال فكان الحمل على الاستقبال أولى ولأبي حنيفة أن للمكاتب نوع ملك ضروري ينسب إليه في حالة الرق في حالة الكتابة بمنزلة المجاز لمقابلة الملك المطلق ألا ترى إلى قول النبي ? < من باع عبدا وله مال > ? الحديث أضاف المال إليه بلام الملك دل أن له نوع ملك فهو مراد بهذا الإيجاب بالإجماع بدليل أنه لو قال إن ملكت هذا العبد بعينه في المستقبل فهو حر فملكه في حال الكتابة فباعه ثم اشتراه بعدما صار حرا لا يعتق وتنحل اليمين بالشراء الأول لأن الملك المجازي مراد فخرجت الحقيقة عن الإرادة كي لا يؤدي إلى الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ واحد وقد قالوا في عبد قال لله تعالى علي عتق نسمة أو إطعام مسكين لزمه ذلك وكان عليه إذا عتق لأن هذا إيجاب الإعتاق والإطعام في الذمة وذمته تحتمل الإيجاب فيصح ويلزمه الخروج عنه بعد العتق ولو قال إن اشتريت هذا العبد فهو حر أو إن اشتريت هذه الشاة فهي هدي لم يلزمه ذلك في قياس قول أبي حنيفة حتى يضيف إلى ما بعد العتق فيقول إن اشتريته بعد العتق
وقال أبو يوسف ومحمد يلزمانه لأن من أصل أبي حنيفة أن العبد يضاف إليه الشراء في الحال وإن كان بمنزلة المجاز بمقابلة الشراء بعد الحرية والمجاز مراد فلا تكون الحقيقة مرادة ومن أصلهما أن هذا يتناول ما يستقبل من الشراء في عمره وتصحيح اليمين أيضا أولى من إبطالها وقد قالوا جميعا في مكاتب أو عبد قال إن دخلت هذه الدار فعبدي هذا حر ثم أعتق فدخل الدار لم يعتق العبد لأن هذا الملك غير صالح للعتق ولم توجد الإضافة إلى ما يصلح وقالوا في حر قال لامرأة حرة إذا ملكتك فأنت حرة أو إذا اشتريتك فأنت حرة فارتدت ولحقت بدار الحرب ثم سبيت فاشتراها الحالف أنها لا تعتق في قياس قول أبي حنيفة وعندهما تعتق بناء على أن من أصل أبي حنيفة أنه يحمل الملك أو الشراء على ما يقبله المحل في الحال وهو ملك النكاح ههنا والشراء أيضا يصلح عبارة عن سبب هذا الملك وهو النكاح والحرية أيضا تصلح عبارة عما يبطله وهو الطلاق وكلام أبي حنيفة في هذا الفصل ظاهر لأن اليمين تحمل على ما يسبق إلى الأوهام ولا تنصرف الأوهام إلى ارتدادها ولحوقها بدار الحرب وسبيها لأن ذلك غير مظنون بالمسلمة فكان صرف كلامه إلى ما ذكرنا أولى من صرفه إلى ما تسبق إليه الأوهام ومن أصلهما أنه يحمل مطلق الملك على الملك الحقيقي الصالح للإعتاق وهو الذي يوجد بعد السبي ولو قال لها إذا ارتدت ( ( ( ارتددت ) ) ) وسبيت فملكتك أو اشتريتك فأنت حرة فكان ذلك عتقت في قولهم لأنه أضاف العتق إلى الملك الحقيقي فيضاف إليه والله عز وجل أعلم ومن هذا القبيل إذا قال أول عبد أشتريه فهو حر فاشترى عبدا عتق لأن الأول اسم لفرد سابق وقد وجد ولو اشترى عبدين معا لم يعتق أحدهما لأنه إن وجد معنى السبق فلم يوجد معنى التفرد فإن اشترى عبدين معا ثم اشترى آخر لم يعتق الثالث لأنه إن وجد فيه معنى التفرد فقد انعدم معنى السبق وقد استشهد محمد في الكتاب لبيان الثالث ليس بأول أنه لو قال آخر عبد اشتريته فهو حر فاشترى عبدين معا ثم اشترى آخر ثم مات المولى أنه يعتق الثالث فدل أنه آخر وإذا كان آخرا لا يكون أولا ضرورة لاستحالة كونه ذات ( ( ( ذاتا ) ) ) واحدة من المخلوقين أولا وآخرا ولو قال أول عبد أشتريه واحدا فهو حر عتق الثالث لأنه أعتق عبدا يتصف بكونه فردا سابقا في حال الشراء وقد وجد هذا الوصف في العبد الثالث ولو قال آخر عبد أشتريه فهو حر فاشترى عبدا ثم لم يشتر غيره حتى مات المولى لم يعتق لأن الآخر اسم لفرد لاحق وهذا فرد سابق فكان أولا لا آخرا ولو اشترى عبدا ثم عبدا ثم مات المولى عتق الثاني لأنه آخر عبد اشتراه واختلف في وقت ثبوت العتق فعند أبي حنيفة يعتق يوم اشتراه وعند أبي يوسف ومحمد يوم مات وجه قولهما أنه علق العتق بصفة الآخرية وإنما يتحقق عند موته إذا لم يشتر آخرا ( ( ( آخر ) ) ) ألا ترى أنه لو اشترى بعده عبدا آخر حرم هو من أن يكون آخرا فيتوقف اتصافه بكونه آخرا على عدم الشراء بعده ولا يتحقق ذلك إلا بالموت لأبي حنيفة أنه لما لم يشتر آخر بعده حتى مات تبين أنه كان آخرا يوم اشتراه إلا أنا كنا لا نعرف ذلك لجواز أن يشتري آخر بعده فتوقفنا في تسميته آخرا فإذا لم يشتر آخر حتى مات زال التوقف وتبين أنه كان آخرا من وقت الشراء ولو اشترى عبدا ثم عبدين معا لم يعتق أحدهم
أما الأول فلا شك فيه لأنه أول فلا يكون آخرا وأما الآخران فلأن الآخر اسم لفرد لاحق ولم يوجد معنى التفرد فلا يعتق أحدهما وأما بيان ما يظهر به وجود الشرط فالحالف لا يخلو إما أن يكون مقرا بوجود الشرط وإما أن يكون منكرا وجوده فإن كان مقرا يظهر بإقراره كائنا ما كان من الشرط وإن كان منكرا فإن كان الشرط مما لا يعرف إلا من قبل المحلوف بعتقه كمشيئة ومحبة وبغضة والحيض ونحو ذلك يظهر بقوله وإذا اختلفا كان القول قوله لأنه إذا كان أمرا لا يعرف إلا من قبله كان الظاهر شاهدا له فكان القول قوله وإن كان أمرا يمكن الوصول إليه من قبل غيره كدخول الدار وكلام زيد وقدوم عمرو ونحو ذلك إذا اختلفا لا يظهر إلا ببينة تقوم عليه من العبد ويكون القول عند عدم البينة قول المولى لأن العبد يدعي عليه العتق وهو ينكر فكان القول قول المنكر مع يمينه ولو كان الشرط ولادة الأمة بأن قال لها إن ولدت فأنت حرة فقالت ولدت فكذبها المولى فشهدت امرأة على الولادة لا تعتق عند أبي حنيفة حتى يشهد بالولادة رجلان أو رجل وامرأتان وعندهما تعتق بشهادة امرأة واحدة ثقة والمسألة مرت في فصول العدة من كتاب الطلاق وأما الثالث وهو بيان من يدخل تحت مطلق اسم المملوك في الإعتاق المضاف إليه ومن لا يدخل فنقول وبالله التوفيق يدخل تحته عبد الرهن والوديعة والآبق والمغصوب والمسلم والكافر والذكر والأنثى لانعدام الخلل في الملك والإضافة ولو قال عنيت به الذكور دون الإناث لم يدين في القضاء لأنه أدخل كلمة الإحاطة على المملوك فإذا نوى به البعض فقد نوى تخصيص العموم وأنه خلاف الظاهر فلا يصدق في القضاء ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى لأنه نوى ما يحتمله كلامه ويدخل فيه المدبر والمدبرة وأم الولد وولداهما لما قلنا ألا ترى أن للمولى أن يطأ المدبرة وأم الولد مع أن حل الوطء منفي شرعا إلا بأحد نوعي الملك مطلقا بقوله تعالى والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ولا يدخل فيه المكاتب إلا أن يعينه لأنه خرج عن يده بعقد الكتابة وصار حرا يدا فاختل الملك والإضافة فلا يدخل تحت إطلاق اسم المملوك ولهذا لا يحل له وطؤها ولو وطئها يلزمه العقر وإن عنى المكاتبين عتقوا لأن الاسم يحتمل ما عنى وفيه تشديد على نفسه فيصدق وكذا لا يدخل فيه العبد الذي أعتق بعضه لأنه حر عندهما وعنده بمنزلة المكاتبة ويدخل عبده المأذون سواء كان عليه دين أو لم يكن لما قلنا وأما عبيد عبده المأذون إذا لم يكن عليه دين فهل يدخلون قال أبو حنيفة وأبو يوسف لا يدخلون إلا أن ينويهم وقال محمد يدخلون من غير نية وجه قوله إنه إذا لم يكن على العبد دين فعبد عبده ملكه بلا خلاف فيعتق ولهما أن في الإضافة إليه قصور ( ( ( قصورا ) ) ) ألا ترى أنه يقال هذا عبد فلان وهذا عبد عبده فلا يدخل تحت مطلق الإضافة إلا بالنية لأنه لما نوى فقد اعتبر الملك دون الإضافة والحاصل أن محمدا يعتبر نفس الملك ولا خلل في نفسه وهما يعتبران معه الإضافة وفي الإضافة خلل واعتبارهما أولى لأن الحالف اعتبر الأمرين جميعا بقوله كل مملوك لي فما لم يوجدا على الإطلاق لا يعتق وإن كان على عبده دين محيط برقبته وبما في يده لم يعتق عبيده عند أبي حنيفة وإن نواهم بناء على أصله أن المولى لا يملك عبد عبده المأذون المديون دينا مستغرقا لرقبته وكسبه
وقال أبو يوسف إن نواهم عتقوا لأنهم مماليكه إلا أنهم لا يضافون إليه عند الإطلاق فإذا نوى وفيه تشديد على نفسه عتقوا وعند محمد يعتقون وإن لم ينوهم بناء على ما ذكرنا أن محمدا لا ينظر إلا إلى الملك وهما ينظران إلى الملك والإضافة جميعا ولا يدخل فيه مملوك بينه وبين أجنبي كذا قال أبو يوسف لأن بعض المملوك لا يسمى مملوكا حقيقة وإن نواه عتق استحسانا لأنه نوى ما يحتمله لفظه في الجملة وفيه تشديد على نفسه فيصدق وهل يدخل فيه الحمل إن كان أمة في ملكه يدخل ويعتق بعتقها وإن كان في ملكه الحمل دون الأمة بأن كان موصي له بالحمل لم يعتق لأنه لا يسمى مملوكا على الإطلاق لأن في وجوده خطرا ولهذا لا يجب على المولى صدقة الفطر عنه والدليل عليه أنه لو قال إن اشتريت مملوكين فهما حران فاشترى جارية حاملا لم يعتقا لأن شرط الحنث شراء مملوكين والحمل لا يسمى مملوكا على الإطلاق وكذا لو قال لأمته كل مملوك لي غيرك حر لم يعتق حملها فثبت أن إطلاق اسم المملوك لا يتناول الحمل فلا يعتق إلا إذا كانت أمة في ملكه فيعتق بعتقها لأنه في حكم أجزائها وأما التعليق الذي فيه معنى المعاوضة فهو الكتابة والإعتاق على مال أما الكتابة فلها كتاب مفرد وأما الإعتاق على مال فالكلام فيه في مواضع في بيان ألفاظه وفي بيان ماهية الإعتاق على مال وفي بيان ما يصح تسميته فيه من البدل وما لا يصح وفي بيان حكم صحة التسمية وفسادها أما الأول فنحو أن يقول لعبده أنت حر على ألف درهم أو بألف درهم أو على أن تعطيني ألفا أو على أن تؤدي إلي ألفا أو على أن تجيئني بألف أو على أن لي عليك ألفا أو على ألف تؤديها إلي وكذا لو قال بعت نفسك منك على كذا أو ( ( ( ووهبت ) ) ) وهبت لك نفسك على أن تعوضني كذا فهذا وقوله أنت حر على كذا أو أعتقك على كذا سواء إذا قبل عتق لما ذكر فيما تقدم أن البيع إزالة ملك البائع عن المبيع والهبة إزالة ملك الواهب عن الموهوب ثم لو كان المشتري والموهوب له ممن يصح له الملك في المبيع والموهوب يثبت الملك لهما والعبد ممن لا يصح أن يملك نفسه لما فيه من الاستحالة فنفي البيع والهبة إزالة الملك لا إلى أحد ببدل على العبد وهذا تفسير الإعتاق على مال ولو قال أنت حر وعليك ألف درهم يعتق من غير قبول ولا يلزمه المال عند أبي حنيفة وعندهما لا يعتق إلا بالقبول فإذا قبل عتق ولزمه المال وعلى هذا الخلاف إذا قال العبد لمولاه اعتقني ولك ألف درهم فأعتقه والمسألة ذكرت في كتاب الطلاق
وأما بيان ماهيته فالإعتاق على مال من جانب المولى تعليق وهو تعليق العتق بشرط قبول العوض فيراعي فيه من جانبه أحكام التعليق حتى لو ابتدأ المولى فقال أنت حر على ألف درهم ثم أراد أن يرجع عنه قبل قبول العبد لا يملك الرجوع عنه ولا الفسخ ولا النهي عن القبول ولا يبطل بقيامه عن المجلس قبل قبول العبد ولا يشترط حضور العبد حتى لو كان غائبا عن المجلس يصح ويصح تعليقه بشرط وإضافته إلى وقت بأن يقول له إن دخلت الدار وإن كلمت فلانا فأنت حر على ألف درهم أو يقول إن دخلت أو إن كلمت فلانا فأنت حر على ألف درهم غدا أو رأس شهر كذا ونحو ذلك ولا يصح شرط الخيار فيه بأن قال أنت حر على ألف على أني بالخيار ثلاثة أيام ومن جانب العبد معاوضة وهو معاوضة المال بالعتق لأنه من جانبه تمليك المال بالعوض وهذا معنى معاوضة المال فيراعى فيه من جانبه أحكام معاوضة المال كالبيع ونحوه حتى لو ابتدأ العبد فقال اشتريت نفسي منك بكذا فله أن يرجع عنه ويبطل بقيامه عن المجلس قبل قبول المولى وبقيام المولى أيضا ولا يقف على الغائب عن المجلس ولا يحتمل التعليق بالشرط والإضافة إلى الوقت بأن قال اشتريت نفسي منك بكذا إذا جاء غد أو قال عند رأس شهر كذا ولو قال إذا جاء غد فأعتقني على كذا جاز لأن هذا توكيل منه بالإعتاق حتى يملك العبد عزله قبل وجود الشرط وبعده وقبل أن يعتق ولو لم يعزله حتى أعتقه نفذ إعتاقه ويجوز بشرط الخيار لهما عند أبي حنيفة على ما ذكرنا في كتاب الطلاق في فصل الخلع والطلاق على مال ولا يصح الإعتاق على مال إلا في الملك لأن التعليق بما سوى الملك وسببه من الشروط لا صحة له بدون الملك وكذا المعاوضة ويعتق العبد بنفس القبول لأنه من جانبه تعليق العتق بشرط قبول العوض وقد وجد الشرط فينزل المعلق كالتعليق بدخول الدار وغيره ومن جانب العبد معاوضة وزوال الملك عن المعوض يتعلق بنفس قبول العوض في المعاوضات كالبيع ونحوه بخلاف قوله إن أديت إلي ألفا فأنت حر لأنه ليس فيه معنى المعاوضة رأسا بل هو تعليق محض وقد علقه بشرط الأداء فلا يعتق قبله والعتق ههنا تعلق بالقبول فإذا قبل عتق ولو قال المولى أعتقتك أمس بألف درهم فلم يقبل وقال العبد قبلت فالقول قول المولى مع يمينه لأنه من جانب المولى تعليق بشرط القبول والعبد يدعي وجود الشرط والمولى ينكر فكان القول قول المولى كما لو قال لعبده إن دخلت الدار اليوم فأنت حر فمضى اليوم والعبد يدعي الدخول وأنكر المولى كان القول قول المولى كذا ههنا ولو كان الاختلاف في البيع كان القول قول المشتري بأن قال البائع بعتك عبدي أمس بألف درهم فلم تقبل وقال المشتري بل قبلت فالقول قول المشتري والفرق أن البيع لا يكون بيعا إلا بعد قبول المشتري فإذا قال بعتك فقد أقر بالقبول فبقوله لم تقبل يريد الرجوع عما أقر به وإبطال ذلك فلم يقبل بخلاف الإعتاق على مال لأنه كونه تعليقا لا يقف على وجود القبول من العبد إنما ذاك شرط وقوع العتق فكان الاختلاف واقعا في ثبوت العتق وعدمه فكان القول قول المولى
ولو اختلف المولى والعبد في مقدار البدل فالقول قول العبد لأنه هو المستحق عليه المال فكان القول قوله في القدر المستحق كما في سائر الديون ولأنه لو وقع الاختلاف في أصل الدين كان القول قول المنكر فكذا إذا وقع في القدر وإن أقاما بينة فالبينة بينة المولى لأنها تثبت زيادة بخلاف التعليق بالأداء إذا اختلفا في مبلغ المال أن القول فيه قول المولى لأن الاختلاف هناك وقع في شرط ثبوت العتق إذ هو تعليق محض فالعبد يدعي العتق على المولى وهو ينكر فكان القول قوله وإن أقاما البينة فالبينة بينة العبد لأن الأصل هو العمل بالبينتين ما أمكن إذ هو عمل بالدليلين وههنا أمكن الجمع بينهما لعدم التنافي لأنا نجعل كأن المولى علق عتقه بكل واحد من الشرطين على حياله فأيهما وجد عتق ثم إذا قبل العبد عتق وصار البدل المذكور دينا في ذمته إذا كان مما يحتمل الثبوت في الذمة في الجملة على ما تبين ويسعى وهو حر في جميع أحكامه وذكر علي الرازي أصلا فقال المستسعى على ضربين كل من يسعى في تخليص رقبته فهو في حكم المكاتب عند أبي حنيفة وكل من يسعى في بدل رقبته الذي لزمه بالعتق أو في قيمة رقبته لأجل بدل شرط عليه أو لدين ثبت في رقبته فهو بمنزلة الحر في أحكامه مثل أن يعتق الراهن عبده المرهون وهو معسر وكذلك العبد المأذون إذا اعتق وعليه دين وكذلك أمة أعتقها سيدها على أن تتزوجه فقبلت ثم أبت فإنها تسعى في قيمتها وهي بمنزلة الحرة وكذلك إذا قال لعبده أنت حر رقبتك فقبل ذلك فهو بمنزلة الحر وإنما كان كذلك لأن السعاية في هذه الفصول لزمت بعد ثبوت الحرية وفي الفصل الأول قبل ثبوتها وإنما يسعى ليتوسل بالسعاية إلى الحرية عند أبي حنيفة وعلى هذا لو أبرأ المولى المكاتب من مال الكتابة فلم يقبل فهو حر وعليه أن يؤدي الكتابة لأن الإبراء يصح من غير قبول إلا أنه يرتد بالرد لكن فيما يحتمل الرد والعتق لا يحتمل الرد فلم يرتد بالرد والمال يحتمل الرد فيرتد بالرد فيعتق ويلزمه المال ولو قال لأمته أنت حرة على ألف درهم فقبلت ثم ولدت ثم ماتت لم يكن على الولد أن يسعى في شيء مما أعتقت عليه لأنها عتقت بالقبول ودين الحرة لا يلزم ولدها وسواء أعتق عبده على عوض فقبل أو نصف عبده على عوض فقبل أنه يصح غير أنه إذا أعتق نصفه على عوض فقبل يعتق نصفه بالعوض ويسعى العبد في نصف قيمته عن النصف الآخر فإذا أدى بالسعاية عتق باقيه وهو قبل الأداء بمنزلة المكاتب في جميع أحكامه إلا أنه لا يرد في الرق وهذا قول أبي حنيفة وعلى قول أبي يوسف ومحمد يعتق كله ولا سعاية عليه بناء على أن العتق يتجزأ عنده فعتق البعض يوجب عتق الباقي فيجب تخريجه إلى العتاق فيلزمه السعاية وعندهما لا يتجرأ ( ( ( يتجزأ ) ) ) فكان عتق البعض بعوض عتقا للكل بذلك العوض وذكر محمد في الزيادات فيمن قال لعبده أنت حر على ألف درهم أنت حر على مائة دينار فقال العبد قد قبلت عتق وكان عليه المالان جميعا وكذا لو قال لامرأته أنت طالق ثلاثا على ألف درهم أنت طالق ثلاثا على مائة دينار فقالت قد قبلت طلقت ثلاثا بالمالين جميعا وهذا قول محمد وقال أبو يوسف في مسألة الطلاق القبول على الكلام الأخير وهي طالق ثلاثا بمائة دينار قال الكرخي وكذلك قياس قوله في العتق ووجهه أنه لما أوجب العتق بعوض ثم أوجبه بعوض آخر فقد انفسخ الإيجاب الأول فتعلق القبول بالثاني كما في البيع ولمحمد أن الاعتاق والطلاق على مال تعليق من جانب المولى والزوج وأنه لا يحتمل الانفساخ فلم يتضمن الإيجاب الثاني انفساخ الأول فيصح الإيجابان وينصرف القبول إليهما جميعا إذ هو يصلح جوابا لهما جميعا فيلزم المالان جميعا بخلاف البيع لأن إيجاب البيع يحتمل الفسخ فيتضمن الثاني انفساخ الأول
ولو باع المولى العبد من نفسه أو وهب له نفسه على عوض فله أن يبيع العوض قبل القبض لأنه مملوك بسبب لا ينفسخ بهلاكه فجاز التصرف فيه قبل قبضه كالميراث وله أن يعتقه على مال مؤجل ويكون ذلك دينا عليه مؤجلا وله أن يشتري منه شيئا يدا بيد ولا خير فيه نسيئة لأن من أصل أصحابنا أن جميع الديون يجوز التصرف فيها قبل القبض كاثمان البياعات والعروض والغصوب إلا بدل الصرف والسلم إلا أنه لا بد من القبض في الملجس ( ( ( المجلس ) ) ) لئلا يكون افتراقا عن دين بدين ولو أعطاه كفيلا بالمال الذي أعتقه عليه فهو جائز لأنه صار حرا بالقبول والكفالة بدين على حر جائزة كالكفالة بسائر الديون وولاؤه يكون للمولى لأنه عتق على ملكه والمال دين على العبد لأنه في جانبه معاوضة والمولى أيضا لم يرض بخروجه عن ملكه إلا ببدل وقد قبله العبد والله عز وجل أعلم وأما بيان ما تصح تسميته من البدل وما لا تصح وبيان حكم التسمية وفسادها فالبدل لا يخلو إما أن يكون عين مال وإما أن يكون منفعة وهي الخدمة فإن كان عين مال فإما أن يكون بعينه بأن كان معينا مشارا إليه وأما إن كان بغير عنيه ( ( ( عينه ) ) ) بأن كان مسمى غير مشار إليه فإن كان بعينه عتق إذا قبل لأن عدم ملكه لا يمنع صحة تسميته عوضا لأنه مال معصوم متقوم معلوم ثم إن أجاز المالك سلم عينه إلى المولى وإن لم يجز فعلى العبد قيمة العين لأن تسميته قد صحت ثم تعذر تسليمه لحق الغير فتجب قيمته إذ الإعتاق على القيمة جائز كما إذا قال أعتقتك على قيمة رقبتك أو على قيمة هذا الشيء فقبل يعتق وكذا عدم الملك في باب البيع لا يمنع صحة التسليم أيضا حتى لو اشترى شيئا بعبد مملوك لغيره صح العقد إلا أن هناك إن لم يجز المالك يفسخ العقد إذ لا سبيل إلى إيقاعه على القيمة إذ البيع على القيمة بيع فاسد وههنا لا يفسخ لإمكان الإيقاع على القيمة إذ الإعتاق على القيمة إعتاق صحيح فتجب قيمته كما في النكاح والخلع والطلاق على مال وإن كان بغير عينه فإن كان المسمى معلوم الجنس والنوع والصفة كالمكيل والموزون فعليه المسمى وإن كان معلوم الجنس والنوع مجهول الصفة كالثياب الهروية والحيوان من الفرس والعبد والجارية فعليه الوسط من ذلك وإذا جاء بالقيمة يجبر المولى على القبول لأن جهالة الصفة لا تمنع صحة التسمية فيما وجب بدلا عما ليس بمال كالمهر وبدل الخلع والصلح من دم العمد وإن كان مجهول الجنس كالثوب والدابة والدار فعليه قيمة نفسه لأن الجهالة متفاحشة ففسدت التسمية
والأصل فيه أن كل جهالة تزيد على جهالة القيمة توجب فساد التسمية كالجهالة الزائدة على جهالة مهر المثل في باب النكاح والكلام فيه كالكلام في المهر وقد ذكرناه على سبيل الاستقصاء في كتاب النكاح إلا أن هناك إذا فسدت التسمية يجب مهر المثل وههنا تجب قيمة العبد لأن الموجب الأصلي هناك مهر المثل لأنه قيمة البضع وهو العدل والمصير إلى المسمى عند صحة التسمية فإذا فسدت صير إلى الموجب الأصلي والموجب الأصلي ههنا قيمة العبد لأن الإعتاق على مال معاوضه من جانب العبد ومبنى المعاوضة على المعادلة وقيمة الشيء هي التي تعادله إلا أن عند صحة التسمية يعدل عنها إلى المسمى فإذا فسدت وجب العوض الأصلي وهو قيمة نفس العبد وإن كان البدل منفعة وهي خدمته بأن قال لعبده أنت حر على أن تخدمني سنة فقبل فهو حر حين قبل ذلك والخدمة عليه يؤخذ بها لأن تسمية الخدمة قد صحت فيلزمه المسمى كما إذا أعتقه على مال عين فإن مات المولى قبل الخدمة بطلت الخدمة لأنه قبل الخدمة للمولى وقد مات المولى لكن للورثة أن يأخذوا العبد بقيمة نفسه وإن كان قد خدم بعض السنة فلهم أن يأخذوه بقدر ما بقي من الخدمة وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف وقال محمد يؤخذ العبد بقيمة تمام الخدمة إن كان لم يخدم وإن كان قد خدم بعض الخدمة يؤخذ بقيمة ما بقي من الخدمة وكذلك إذا قال أنت حر على أن تخدمني أربع سنين فمات المولى قبل الخدمة على قولهما على العبد قيمة نفسه وعلى قول محمد عليه قيمة خدمته أربع سنين ولو كان العبد خدمه ثم مات المولى فعلى قولهما على العبد ثلاثة أرباع قيمة نفسه وعلى قول محمد عليه قيمة خدمته ثلاث سنين وكذلك لو مات العبد وترك مالا يقضي لمولاه في ماله بقيمة نفسه عندهما وعنده يقضي بقيمة الخدمة وأصل المسألة أن من باع العبد من نفسه بجارية بعينها ثم استحقت الجارية فعلى قولهما يرجع على العبد بقيمة نفسه وعلى قول محمد يرجع عليه بقيمة الجارية وكذلك لو لم تستحق ولكنه وجد بها عيبا فردها فهو على هذا الاختلاف وجملة الكلام فيه أن المولى إذا قبض العوض ثم استحق من يده فإن كان العوض بغير عينه كالمكيل والموزون الموصوفين في الذمة أو العروض والحيوان كالثوب الهروي والفرس والعبد والجارية فعلى العبد مثله في المكيل والموزون والوسط في الفرس والحيوان لأن العقد وقع على مال في الذمة وإنما المقبوض عوض عما في الذمة فإذا استحق المقبوض فقد انفسخ فيه القبض فبقي موجب العقد على حاله فله أن يرجع على العبد بذلك وإن كان عينا في العقد وهو مكيل أو موزون فكذلك يرجع المولى على العبد بمثله لما قلنا وإن كان عرضا أو حيوانا فقد قال أبو حنيفة وأبو يوسف يرجع على العبد بقيمة نفسه وقال محمد يرجع عليه بقيمة المستحق وجه قول محمد إن العقد لم يفسخ باستحقاق العوض لأنه لا يحتمل الفسخ فيبقى موجبا لتسليم العوض وقد عجز عن تسليمه فيرجع عليه بقيمته كالخلع والصلح عن دم العمد ولهما أن العقد قد انفسخ في حق أحد العوضين وهو المستحق لأنه تبين أنه وقع على عين هي ملك المستحق ولم يجز وإذا انفسخ العقد في حقه لم يبق موجبا على العبد تسليمه فلا يجب عليه قيمته وانفساخه في حق أحد العوضين يقتضي انفساخه في حق العوض الآخر وهو نفس العبد إلا أنه تعذر إظهاره في صورة العبد فيجب إظهاره في معناه وهو قيمته فتجب عليه إذ قيمته قائمة مقام رد عينه كمن باع عبدا بجارية فأعتقها ومات العبد قبل التسليم أنه يجب على البائع رد قيمة العبد لا رد قيمة الجارية كذا ههنا ثم ما ذكرنا من الاختلاف في العيب إذا كان العيب فاحشا لأن العيب الفاحش في هذا الباب يوجب الرد بلا خلاف كما في باب النكاح فأما إذا كان غير فاحش فكذلك عندهما
وأما عند محمد فلا يملك ردها لأنه مبادلة المال بمال ليس بمال فأشبه النكاح والمرأة في باب النكاح لا تملك رد المهر إلا في العيب الفاحش وكذا المولى ههنا ولو قال عبد رجل لرجل اشتر لي نفسي من مولاي بألف درهم فاشتراه فالوكيل لا يخلو إما أن يبين وقت الشراء أنه يشتري نفس العبد للعبد وإما أن لم يبين فإن بين جاز ( ( ( الشراء ) ) ) للشراء وعتق العبد بقبول الوكيل ويجب الثمن لأنه أتى بما وكل به فنفذ على الموكل ثم ذكر في الجامع أن المولى يطالب الوكيل ثم الوكيل يطالب العبد فقد جعل هذا التصرف في حكم معاوضة المال بالمال كالبيع ونحوه لأن حقوق العبد إنما ترجع إلى الوكيل في مثل هذه المعاوضة وذكر في كتاب الوكالة أنه يطالب العبد ولا يطالب الوكيل واعتبره معاوضة المال بما ليس بمال كالنكاح والخلع والطلاق على مال والصلح عن دم العمد وإن لم يبين يصير مشتريا لنفسه لا للعبد لأنه إذا لم يبين فالبائع رضي بالبيع لا بالاعتاق فلو قلنا أنه يصير مشتريا للعبد ويعتق لكان فيه إثبات الولاية على البائع من غير رضاه وهذا لا يجوز وكذلك لو بين لكنه لو خالف في الثمن بأن اشترى بزيادة يكون مشتريا لنفسه لما قلنا هذا إذا أمر العبد رجلا فأما إذا أمر رجل العبد بأن يشتري نفسه من مولاه بألف درهم فاشترى فإن بين وقت الشراء أنه يشتري للآمر فيكون للآمر ولا يعتق لأنه اشترى للآمر لا لنفسه فيقع الشراء للآمر ويصير قابضا لنفسه بنفس العقد لأنه في يد نفسه وليس للبائع أن يحبسه لاستيفاء الثمن لأنه صار مسلما إياه حيث عقد على شيء هو في يده وهو نفسه ولو وجد الآمر ( ( ( الآخر ) ) ) به عيبا له أن يرده ولكن العبد هو الذي يتولى الرد لأنه وكيل وحقوق هذا العقد ترجع إلى العاقد وإن لم يبين وقال لمولاه بع نفسي مني بألف درهم فباع صار مشتريا لنفسه وعتق لأن بيع نفس العبد منه إعتاق وكذا إذا بين وخالف أمره يصير مشتريا لنفسه ويعتق ولو قال لعبد واحد أنت حر على ألف درهم فقبل أن يقبل قال له أنت حر على مائة دينار فإن قال قبلت بالمالين عتق ويلزمه المالان جميعا بلا خلاف وإن قال قبلت مبهما ولم يبين فكذلك في قول محمد وكذلك لو قال لامرأته أنت طالق ثلاثا على ألف درهم أنت طالق ثلاثا على مائة دينار أنها إن قالت قبلت بالمالين طلقت بالمالين بلا خلاف وإن أبهمت بأن قالت قبلت طلقت ثلاثا بالمالين جميعا في قول محمد وأما عند أبي يوسف فالقبول على الكلام الأخير في المسألتين ووجهه أن القبول خرج عقب الإيجاب الأخير فينصرف إليه ولأنه لما أوجب بعوض ثم أوجب بعوض آخر تضمن الثاني انفساخ الأول كما في البيع فيتعلق القبول بالثاني كما في البيع ولمحمد الفرق بين الاعتاق والطلاق على مال وبين البيع وهو أن الاعتاق والطلاق على مال تعليق من جانب المولى والزوج وأنه لا يحتمل الانفساخ فلم يوجب الثاني رفع الأول بخلاف البيع لأنه يحتمل الرفع والفسخ فيوجب الثاني ارتفاع الأول هذا إذا قبل بالمالين أو قبل على الإبهام فأما إذا قبل بأحد المالين بأن قال قبلت بالدراهم أو قال قبلت بالدنانير ذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنه لا يعتق وعلل بأن للمولى أن يقول اعتقتك بالمالين جميعا فلا يعتق بقبول أحدهما مع الشك وذكر أبو يوسف في الأمالي أنه يعتق ووجهه أن المولى أتى بإيجابين مختلفين فكان للعبد أن يقبل بأيهما شاء ولو قال أنت حر على ألف درهم أو مائة دينار فإن قبل بأحد المالين عينا عتق بأن قال قبلت بالدراهم أو قال قبلت بالدنانير لأنه أعتقه بأحد المالين وإن قبل بأحد المالين غير عين عتق أيضا لوجود الشرط ويلزمه أحد المالين والبيان إليه كما إذا قال لفلان علي ألف درهم أو مائة دينار يلزمه أحدهما والبيان إليه كذا
ولو قال قبلت بالمالين لا شك أنه يعتق لأن في قبول المالين قبول أحدهما فوجد شرط العتق فيعتق ويلزمه أحد المالين لأنه أعتقه على أحد المالين فلا تلزمه الزيادة والبيان إلى العبد يختار أيهما شاء وكذلك إذا قال قبلت ولم يبين يعتق ويلزمه أحد المالين وخيار التعيين إليه لأن قوله قبلت يصلح جواب الإيجاب فيصير كأنه قال قبلت بأحدهما ولم يعين أو قبلت بهما وهناك يعتق وخيار التعيين إليه كذا ههنا وعلى هذا إذا قال لامرأته أنت طالق على ألف درهم أو على مائة دينار فقبلت بأحدهما عينا أو غير عين أو قبلت بالمالين أو أبهمت لما قلنا في العتق وكذلك لو قال أنت حر على ألف درهم أو على ألفين إلا أن ههنا إذا قبل بالمالين يعتق بألف ولا يخير لأن الجنس متحد والتخيير بين الأكثر والأقل في الجنس الواحد لا يفيد لأنه لا يختار إلا الأقل بخلاف الفصل الأول لأن هناك اختلف الجنس فكان التخيير مفيدا هذا كله إذا أضاف العتق إلى معين فإن أضافه إلى مجهول بأن قال لعبديه أحدكما حر بألف درهم لا يعتق واحد منهما ما لم يقبلا جميعا حتى لو قبل أحدهما ولم يقبل الآخر لا يعتق لأن قوله أحدكما كما يقع على القابل يقع على غير القابل فمن الجائز أنه عنى به غير القابل ألا ترى أن له أن يقول عنيت به غير القابل فلو حكمنا بعتق القابل لكان فيه إثبات العتق بالشك وإن قبلا جميعا فإن قبل كل واحد منهما بخمسمائة لا يعتق واحد منهما لأنه أعتق أحدهما بألف لا بخمسمائة وإن قبل كل واحد منهما بألف بأن قال كل واحد منهما قبلت بألف درهم أو قال قبلت ولم يقل بألف أو قالا ما قبلنا بألف أو قالا قبلنا ولم يذكرا الألف عتق أحدهما بألف لوجود شرط العتق وهو قبول كل واحد منهما الألف ويقال للمولى اختر العتق في أحدهما لأنه هو الذي أجمل العتق فكان البيان إليه فإيهما اختار عتق ولزمته الألف فإن مات قبل البيان يعتق من كل واحد منهما نصفه بخمسمائة ويسعى في نصف قيمته لأنه لما مات قبل البيان وقد شاع عتق رقبة فيهما فيقسم عليهما نصفين ولو قال أحدكما حر بألف درهم فقبلا ثم قال أحدكما حر بألف درهم أو قال أحدكما حر بغير شيء فاللفظ الثاني لغو لأنهما لما قبلا العتق بالإيجاب الأول فقد نزل العتق في أحدهما لوجود شرط النزول وهو قبولهما فالإيجاب الثاني يقع جمعا بين حر وعبد فلا يصح ولو لم يقبلا ثم قال أحدكما حر بغير شيء عتق أحدهما باللفظ الثاني بغير شيء لأنهما لما لم يقبلا لم ينزل العتق بالإيجاب الأول فصح الإيجاب الثاني وهو تنجيز العتق على أحدهما غير عين فيقال للمولى اصرف اللفظ الثاني إلى أحدهما فإذا صرفه إلى أحدهما عتق ذلك بغير شيء لأن التنجيز حصل بغير بدل وأما الآخر فإن قبل البدل في المجلس يعتق وإلا فلا لأن الإيجاب الأول وقع صحيحا لحصوله بين عبدين وتعلق العتق بشرط القبول وقد وجد فيه ضرب إشكال وهو أن شرط وجوب الحرية لأحدهما هو قبولهما ولم يوجد ههنا إلا قبول أحدهما فينبغي أن لا يعتق العبد الآخر
والجواب أن الإيجاب أضيف إلى أحدهما ألا ترى ( ( ( يرى ) ) ) أنه قال أحدكما حر وقد وجد القبول من أحدهما ههنا إلا أنه إذا لم ينجز عتق أحدهما يتوقف عتق أحدهما على قبولهما جميعا لاحتمال أنه أراد به الآخر فإذا عينه في التخيير علم أنه ما أراده بالإيجاب الأول لأن الإعتاق من المعتق لا يتصور فتعين الآخر للقبول وقد قيل ( ( ( قبل ) ) ) فيعتق ولو قبلا جميعا قبل البيان عتقا لأن العتق لم ينزل بالإيجاب الأول لأنه تعليق العتق بشرط القبول فلا ينزل قبل وجود الشرط فيصح الإيجاب الثاني فإذا قبلا جميعا فقد تيقنا بعتقهما لأن أيهما أريد بالإيجاب الأول عتق بالقبول وأيهما أريد بالإيجاب الثاني عتق من غير قبول لأنه إيجاب بغير بدل فكان عتق كل واحد منهما متيقنا به لكن عتق أحدهما بالإيجاب الأول وعتق الآخر بالإيجاب الثاني فيعتقان ولا يقضي عليهما بشيء لأن أحدهما وإن عتق بالإيجاب يبدل ( ( ( ببدل ) ) ) إلا أنه مجهول والقضاء بإيجاب المال على المجهول متعذر كرجلين قالا لرجل لك على أحدنا ألف درهم أنه لا يلزمهما بهذا الإقرار شيء لكون المقضي عليه مجهولا كذا هذا ولو لم يقبلا جميعا ولكن قيل ( ( ( قبل ) ) ) أحدهما لا يعتق إلا أحدهما لوجود شرط عتق أحدهما وهو قبول أحدهما في هذه الصورة لما بينا من الفقه ثم إن صرف المولى اللفظ الثاني إلى غير القابل عتق غير القابل بغير شيء وعتق القابل بألف وإن صرف اللفظ الثاني إلى القابل عتق القابل بغير شيء وعتق غير القابل باللفظ الأول بألف إن قبل في المجلس لأن القابل منهما يعتق بالإيجاب الأول وأنه إيجاب ببدل فيعتق ببدل وغير القابل يعتق بالإيجاب الثاني وإنه إيجاب بغير بدل فيعتق بغير بدل ولو قال لعبديه أحدكما حر بغير شيء ثم قال أحدكما حر بألف درهم فالكلام الثاني لغو لأن أحدهما عتق بالإيجاب الأول لوجود تنجيز العتق في احدهما فالثاني يقع جمعا بين الحر والعبد فيبطل ولو قال أحدكما حر بألف درهم فقبل أن يقبلا قال أحدكما حر بمائة دينار فإن قبل كل واحد منهما العتق بأحد المالين بأن قبل أحدهما بألف درهم وقبل الآخر بمائة دينار أو قبل أحدهما بالمالين ولم يقبل الآخر أو قبل أحدهما بالمالين وقبل الآخر بمال واحد لا يعتق واحد منهما لأن للمولى أن يجمع المالين على أحدهما فيقول عنيتك بالمالين أو يقول عنيت غيرك فلا يثبت العتق مع الشك فإن قبلا جميعا بالمالين بأن قال كل واحد منهما قبلت بالمالين أو قالا جميعا قد قبلنا يخير المولى فيقال له إما أن تصرف اللفظين جميعا إلى أحدهما فتجمع المالين عليه فيعتق بالمالين ويبقى الآخر رقيقا وإما أن تصرف أحد اللفظين إلى أحدهما والآخر إلى صاحبه فيعتق أحدهما بألف درهم والآخر بمائة دينار لأن الإيجابين وقعا صحيحين أما الأول فلا شك فيه ولأنه أضيف إلى أحد العبدين وكذا الثاني لأن الإيجاب الأول لم يتصل به القبول والعتق معلق بالقبول فالإيجاب الثاني حصل مضافا إلى أحد عبدين فيصح ومتى صح الإيجاب الثاني فيحتمل أنه عنى به من عناه بالإيجاب الأول ويحتمل أنه عنى به العبد الآخر لذلك خير المولى فإن مات قبل البيان عتق من كل واحد ثلاثة أرباعه بنصف المالين لأن أحدهما حر بيقين لأنه أراد بالإيجاب الثاني غير من أراده بالأول فكان الثابت بالكلامين عتقين بكل كلام عتق وإن أراد بالثاني عين من أراده بالأول كان الثابت بالكلامين عتق واحد فإذا عتق واحد ثابت بيقين والعتق الآخر يثبت في حال ولا يثبت في حال فينصف فثبت عتق ونصف عتق بالمالين وليس أحدهما بكمال العتق بأولى من الآخر فينقسم عتق ونصف عتق بينهما فيصيب كل واحد منهما ثلاثة أرباع العتق بنصف المالين ويسعى في ربع قيمته
ولو قال لعبد له بعينه أنت حر على ألف درهم فقبل أن يقبل جمع بين عبد له آخر وبينه فقال أحدكما حر بمائة دينار فقالا قبلنا يخير المولى فإن شاء صرف اللفظين إلى المعين وعتق بالمالين جميعا وإن شاء صرف أحد اللفظين إلى أحدهما والآخر إلى الآخر وعتق المعين بألف درهم وغير المعين بمائة دينار لأن الإيجابين صحيحان لما قلنا فيحتمل أنه أراد بالثاني المعين أيضا ويحتمل أنه أراد به غير المعين فيقال له بين فأيهما بين فالحكم للبيان فإن مات قبل البيان عتق المعين كله لأنه دخل تحت الإيجابين جميعا أما الإيجاب الأول فلا شك فيه لأنه خصه به فلا يشاركه فيه غيره وأما الإيجاب الثاني فلأن قوله أحدكما يقع على كل واحد منهما فإذا قبل الإيجابين وجد شرط عتقه فيعتق فيلزمه ألف درهم وخمسون دينارا أما الألف فلأنه لا مشاركة للثاني فيهما وأما نصف المائة الدينار فلأنه في حال يلزمه مائة دينار وهي ما عناه باللفظين وفي حال لا يلزمه منها شيء وهي ما إذا عنى باللفظ الثاني غيره فيتنصف ذلك فيلزمه خمسون دينارا وأما غير المعين فإنه يعتق نصفه بنصف المائة لأنه يعتق في حال ولا يعتق في حال لأنه إن عناه بالإيجاب الثاني يعتق كله بكل المائة وإن لم يعنه لا يعتق شيء منه ولا يلزمه شيء فيعتق في حال ولم يعتق في حال فتغير ( ( ( فتعبر ) ) ) الأحوال ويعتق نصفه بنصف المائة وهو خمسون هذا إذا عرف المعين من غير المعين فإن لم يعرف وقال كل واحد منهما أنا المعين يعتق من كل واحد منهما ثلاثة أرباعه بنصف المالين وهو نصف الألف ونصف المائة الدينار لاستوائهما في ذلك والثابت عتق ونصف عتق فيصيب كل واحد منهما ثلاثة أرباع العتق ويسعى في ربع قيمته ولو قال لعبديه أحدكما حر على ألف درهم والآخر على خمسمائة فإن قالا جميعا قبلنا أو قال كل واحد منهما قبلت بالمالين أو قال كل واحد منهما قبلت بأكثر المالين عتقا جميعا فيلزم كل واحد منهما خمسمائة أما عتقهما فلأن الإيجابين خرجا على الصحة بخروج كل واحد منهما بين عبدين والمراد بالإيجاب الثاني ههنا غير المراد بالإيجاب الأول فإذا قبلا فقد وجد شرط نزول ( ( ( بزوال ) ) ) العتق فيهما جميعا وانقطع خيار المولى ههنا فيعتقان جميعا وعلى كل واحد منهما خمسمائة لأن أحدهما عتق بألف والآخر بخمسمائة لكنا لا ندري الذي عليه الألف والذي عليه خمسمائة إلا أنا تيقنا بوجوب خمسمائة على كل واحد منهما وفي الفصل الثاني شك فيجب المتيقن ولا يجب المشكوك فيه كاثنين قالا لرجل لك على أحدنا ألف درهم وعلى الآخر خمسمائة لا يطالب كل واحد منهما إلا بخمسمائة لما قلنا فكذا هذا ولو قبل أحدهما بأقل المالين والآخر بأكثر المالين عتق الذي قبل العتق بأكثر المالين لأنه لا يخلو إما أن عناه المولى بالإيجاب بالأقل أو بالإيجاب بالأكثر فتيقنا بعتقه ثم في الأكثر قدر الأقل وزيادة فيلزمه خمسمائة كأنه قال قبلت بالمالين فيلزمه الأقل وهو خمسمائة ويصير بعد العتق كأنه قال لك علي ألف درهم أو خمسمائة ولو قال ذلك لزمه الأقل كذا ههنا ولو قبل كل واحد منهما بأقل المالين لا يعتقان لأن حجة المولى لم تنقطع لأن له أن يقول لم أعتقك بهذا المال بخلاف ما إذا قبل أحدهما بأكثر المالين لأن الأقل داخل في الأكثر ولو قال أحدكما حر بألف والآخر بألفين فإن قبل ( ( ( قبلا ) ) ) بأن قال كل واحد منهما قبلت بالمالين أو قالا قبلنا عتقا لوجود شرط عتقهما وعلى كل واحد منهما ألف لأنه أعتق أحدهما بألف والآخر بألفين فتيقنا بوجوب الألف على كل واحد منهما كرجلين قالا لرجل لك على أحدنا ألف وعلى الآخر ألفان يلزم كل واحد منهما ألف لكون الألف تيقنا بها كذا هذا
وإن قبل أحدهما المالين جميعا بأن قال قبلت بالمالين أو قال قبلت أو قبل بأكثر المالين بأن قال قبلت بالمالين أو قال قبلت بألفين يعتق لوجود شرط العتق وهو القبول أما إذا قبل بالمالين أو قال قبلت فلا شك فيه وكذا إذا قبل بأكثر المالين لوجود القبول المشروط بيقين فيعتق وقيل هذا على قياس قولهما فأما على قياس قول أبي حنيفة ينبغي أن لا يعتق وهو القياس على مسألة الشهادة بالألف والألفين والصحيح أنه يعتق بلا خلاف وإذا عتق لا يلزمه الألف درهم لأن الواجب أحد المالين وأحدهما أقل والآخر أكثر والجنس متحد فيتعين بالأقل للوجوب ولا يخير العبد ههنا لأن التخيير بين الأقل والأكثر عند اتحاد الجنس غير مفيد لأنه يختار الأقل لا محالة وإن قبل أحدهما الألف لا يعتق لأن للمولى أن يصرف العتق إلى الآخر كما إذا قال أحدكما حر بألفين فقبل أحدهما ولو قال أحدكما حر بألف أحدكما حر بمائة دينار فإن قبلا عتقا لوجود شرط العتق ولا شيء عليهما لأن المقضي عليه مجهول إذ لا يدري الذي عليه الألف منهما والذي عليه المائة الدينار كاثنين قالا لرجل لك على أحدنا ألف درهم وعلى الآخر مائة دينار أنه لا يلزم أحدهما شيء كذا هذا وكذا هذا في الطلاق بأن قال لامرأتيه إحداكما طالق بألف والأخرى بمائة دينار فقبلتا جميعا طلقت كل واحدة منهما طلقة بائنة ولا يلزمهما شيء لما قلنا وإن قبل أحدهما العتق بألف درهم أو بمائة دينار أو قبل أحدهما العتق بأحد المالين والآخر بالمال الآخر لا يعتق واحد منهما لأن للمولى أن يقول لم أعنك بهذا المال الذي قبلت ولو قبل أحدهما بالمالين عتق ويلزمه أي المالين اختاره لأن الواجب أحدهما وهما جنسان مختلفان فكان التخيير مفيدا فيخير بخلاف الفصل الأول فإن قبل الآخر في المجلس عتقا وسقط المال عن القابل الأول لأن المقضي عليه مجهول هذا إذا كان قبل قبل البيان من الأول فإن قبل بعد البيان عتق الثاني بغير شيء وعتق الأول بالمالين لأن بيانه في حق نفسه صحيح وفي حق الآخر لم يصح ولو قال أحدكما حر بألف والآخر حر بغير شيء فإن قبلا جميعا عتقا لوجود شرط عتقهما وهو قبولهما ولا شيء عليهما لأن الذي عليه البدل مجهول ولا يمكن القضاء على المجهول كرجلين قالا لرجل لك على أحدنا ألف درهم ولا شيء على الآخر لا يجب على أحدهما شيء لجهالة من عليه الواجب كذا ههنا وإن قبل أحدهما بألف ولم يقبل الآخر يقال للمولى اصرف اللفظ الذي هو إعتاق بغير بدل إلى أحدهما فإن صرفه إلى غير القابل عتق غير القابل بغير شيء وعتق القابل بألف وإن صرفه إلى القابل عتق القابل بغير شيء ويعتق الآخر بالإيجاب الذي هو يبدل إذا قبل في المجلس وكذا لو لم يقبل واحد منهما حتى صرف الإيجاب الذي هو بغير بدل إلى أحدهما يعتق هو ويعتق الآخر إن قبل البدل في المجلس وإلا فلا وإن مات المولى قبل البيان عتق القابل كله وعليه خمسمائة وعتق نصف الذي لم يقبل ويسعى في نصف قيمته أما عتق القابل كله فلأن عتقه ثابت بيقين لأنه إن أريد بالإيجاب الأول عتق وإن أريد بالإيجاب الثاني عتق فكان عتقه متيقنا به وأما لزوم خمسمائة لأنه إن أعتق بالإيجاب الأول يعتق بألف وإن أعتق بالإيجاب الثاني يعتق بغير شيء فينصف الألف فيلزمه خمسمائة وأما عتق النصف من غير القابل فلأنه إن أريد باللفظ الأول لا يعتق وإن أريد باللفظ الثاني يعتق فيعتق في حال دون حال فيتنصف عتقه فيعتق نصفه ويسعى في نصف قيمته
هذا إذا كان الإعتاق تنجيزا أو تعليقا بشرط فأما إذا كان أضافه إلى وقت فلا يخلو إما أن أضافه إلى وقت واحد وإما أن أضافه إلى وقتين فإن أضافه إلى وقت واحد فإما أن أضافه إلى مطلق الوقت وإما أن أضافه إلى وقت موصوف بصفة وفي الوجوه كلها يشترط وجود الملك وقت الإضافة لأن إضافة الإعتاق إلى وقت إثبات العتق في ذلك الوقت لا محالة ولا ثبوت للعتق بدون الملك ولا يوجد الملك في ذلك الوقت إلا إذا كان موجودا وقت الإضافة لأنه إن كان موجودا وقت الإضافة فالظاهر أنه يبقى إلى الوقت المضاف إليه فيثبت العتق وإذا لم يكن موجودا كان الظاهر بقاءه على العدم فلا يثبت العتق في الوقت المضاف إليه لا محالة فيكون خلاف تصرفه والأصل اعتبار تصرف العاقل على الوجه الذي أوقعه أما الإضافة إلى وقت مطلق فنحو أن يقول لعبده أنت حر غدا أو رأس شهر كذا فيعتق إذا جاء غد أو رأس الشهر لأنه جعل الغد أو رأس الشهر ظرفا للعتق فلا بد من وقوع العتق عنده ليكون ظرفا له وليس هذا تعليقا بشرط لانعدام أدوات التعليق وهي كلمات الشرط ولهذا لو حلف لا يحلف فقال هذه المقالة لا يحنث بخلاف ما إذا قال أنت حر إذا جاء غد لأن ذلك تعليق بشرط لوجود كلمة التعليق فإن قيل كيف يكون تعليقا بشرط والشرط ما في وجوده خطر ومجيء الغد كائن لا محالة قيل له من مشايخنا من قال إن الغد في مجيئه خطر لاحتمال قيام الساعة في كل ساعة قال الله سبحانه وتعالى وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب فيصلح مجيء الغد شرطا لكن هذا الجواب ليس بسديد لأن الساعة لا تقوم إلا عند وجود أشراطها من خروج يأجوج ومأجوج ودابة الأرض وخروج الدجال وطلوع الشمس من مغربها ونحو ذلك مما دل عليه الكتاب ووردت به الأخبار والجواب الصحيح أن يقال أن مجيء الغد وإن كان متيقن الوجود يمكن كونه شرطا لوقوع العتق وليس بمتيقن الوجود بل له خطر الوجود والعدم لاحتمال موت العبد قبل مجيء الغد أو موت المولى أو موتهما وحينئذ لا يكون شرطا لعدم تصور الجزاء على أن الشرط اسم لما جعل علما لنزول الجزاء سواء كان موهوم الوجود أو متيقن الوجود وأما الإضافة إلى وقت موصوف فنحو أن يقول لعبده أنت حر قبل دخولك الدار بشهر أو قبل قدوم فلان بشهر أو قبل موت فلان بشهر ولا شك أنه لا يعتق قبل وجود الوقت الموصوف حتى لو وجد شيء من هذه الحوادث قبل تمام الشهر لا يعتق لأنه أضاف العتق إلى الوقت الموصوف فلا يثبت قبله ويشترط تمام الشهر وقت التكلم وإن كان العبد في ملكه قبل ذلك بشهور بل بسنين لأن إضافة العتق إلى وقت إيجاب العتق فيه غير إيجاب العتق في الزمان الماضي وإيجاب العتق في الزمان الماضي لا يتصور فلا يحمل كلام العاقل عليه ولا شك أن العتق ثبت عند وجود هذه الحوادث لتمام الشهر واختلف في كيفية ثبوته فقال زفر يثبت من أول الشهر بطريق الظهور وقال أبو يوسف ومحمد يثبت مقتصرا على حال وجود الحوادث وأبو حنيفة فرق بين القدوم والدخول وبين الموت فقال في القدوم والدخول كما قالا وفي الموت كما قال زفر حتى لو كان المملوك أمة فولدت في وسط الشهر يعتق الولد في قول أبي حنيفة وزفر وعندهما لا يعتق