Qur'an&Sunnah

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)

Section V05/P112–V05/P113

وروي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال يا أهل المدينة إن الله تبارك وتعالى قد أنزل تحريم الخمر فمن كتب هذه الآية وعنده شيء منها فلا يشربها ولا يبيعها ( ( ( يبعها ) ) ) فسكبوها في طرق المدينة إلا أنها تورث لأن الملك في الموروث ثبت شرعا من غير صنع العبد فلا يكون ذلك من باب التمليك والتملك والخمر إن لم تكن متقومة فهي مال عندنا فكانت قابلة للملك في الجملة ومنها أنه لا يضمن متلفها إذا كانت لمسلم لأنها ليست متقومة في حق المسلم وإن كانت مالا في حقه وإتلاف مال غير متقوم لا يوجب الضمان وإن كانت لذمي يضمن عندنا خلافا للشافعي رحمه الله وهي من مسائل الغصب ومنها أنها نجسة غليظة حتى لو أصاب ثوبا أكثر من قدر الدرهم يمنع جواز الصلاة لأن الله تبارك وتعالى سماها رجسا في كتابه الكريم بقوله رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ولو بل بها الحنظة ( ( ( الحنطة ) ) ) فغسلت وجففت وطحنت فإن لم يوجد منها طعم الخمر ورائحتها يحل أكله وإن وجد لا يحل لأن قيام الطعم والرائحة دليل بقاء أجزاء الخمر وزوالها دليل زوالها ولو سقيت بهيمة منها ثم ذبحت فإن ذبحت ساعة سقيت به تحل من غير كراهة لأنها في أمعائها بعد فتطهر بالغسل وإن مضى عليها يوم أو أكثر تحل مع الكراهة لاحتمال أنها تفرقت في العروق والأعصاب ومنها إذا تخللت بنفسها يحل شرب الخل بلا خلاف لقوله عليه السلام نعم الإدام الخل وإنما يعرف التخلل بالتغير من المرارة إلى الحموضة بحيث لا يبقى فيها مرارة أصلا عند أبي حنيفة رضي الله عنه حتى لو بقي فيها بعض المرارة لا يحل وعند أبي يوسف ومحمد تصير خلا بظهور قليل الحموضة فيها لأن من أصل أبي حنيفة رحمه الله أن العصير من ماء العنب لا يصير خمرا إلا بعد تكامل معنى الخمرية فيه فكذا الخمر لا يصير خلا إلا بعد تكامل معنى الخلية فيه وعندهما يصير خمورا ( ( ( خمرا ) ) ) بظهور دليل الخمرية ويصير خلا بظهور دليل الخلية فيه هذا إذا تخللت بنفسها فأماإذا خللها صاحبها بعلاج من خل أو ملح أو غيرهما فالتخليل جائز والخل حلال عندنا وعند الشافعي لا يجوز التخليل ولا يحل الخل وإن خللها بالنقل من موضع إلى موضع فلا شك أنه يحل عندنا وللشافعي رحمه الله قولان واحتج بما روي أن بعد نزول تحريم الخمر كانت عند أبي طلحة الأنصاري رحمه الله خمور لأيتام فجاء إلى رسول الله وقال ما نصنع بها يا رسول الله فقال عليه الصلاة والسلام أرقها فقال أبو طلحة أفلا أخللها قال عليه الصلاة والسلام لا نص عليه الصلاة والسلام على النهي عن التخليل وحقيقة النهي للتحريم ولأن في الاشتغال بالتخليل احتمال الوقوع في الفساد ويتجنس ( ( ( ويتنجس ) ) ) الظاهر منه ضرورة وهذا لا يجوز بخلاف ما إذا تخللت بنفسها ولنا ما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال أيما إهاب دبغ فقد طهر كالخمر إذا تخلل فيحل فحقق عليه الصلاة والسلام التخليل وأثبت حل الخل شرعا ولأن التخليل سبب لحصول الحل فيكون مباحا استدلالا بما إذا أمسكها حتى تخللت والدليل على أنه سبب لحصول الحل أن بهذا الصنع صار المائع حامضا بحيث لا يبين في الذوق أثر المرارة فلا يخلو أما إن كان ذلك لغلبة الحموضة المرارة مع بقائها في ذاتها وأما إن كان لتغير الخمر من المرارة إلى الحموضة لا سبيل إلى الأول لأنها لا حموضة في الملح لتغلب المرارة وكذا بإلقاء حلو قليل يصير حامضا في مدة قليلة لا تتخلل بنفسها عادة والقليل لا يغلب الكثير فتعين أن ظهور الحموضة بإجراء الله تعالى العادة على أن مجاوزة الخل يغيرها من المرارة إلى الحموضة في مثل هذا الزمان فثبت أن التخليل سبب لحصول الحل فيكون مباحا لأنه حينئذ يكون اكتساب مال متقوم عندنا وعنده يكون اكتساب المال وكل ذلك مشروع

Section V05/P113–V05/P114

وأما الحديث فقد روي أن أبا طلحة رحمه الله لما قال أفلا أخللها قال عليه الصلاة والسلام نعم فتعارضت الروايتان فسقط الاحتجاج على أنه يحمل على النهي عن التخليل لمعنى في غيره وهو دفع عادة العامة لأن القوم كانوا حديثي العهد بتحريم الخمر فكانت بيوتهم لا تخلو عن خمر وفي البيت غلمان وجواري ( ( ( وجوار ) ) ) وصبيان وكانوا ألفوا شرب الخمر وصار عادة لهم وطبيعة والنزوع عن العادة أمر صعب فقيم البيت إن كان ينزجر عن ذلك ديانة فقل ما يسلم الأتباع عنها لو أمر بالتخليل إذ لا يتخلل من ساعتها بل بعد وقت معتبر فيؤدي إلى فساد العامة وهذا لا يجوز وقد انعدم ذلك المعنى في زماننا ليقرر التحريم ويألف الطبع تحريمها حملناه على هذا دفعا للتناقض عن الدليل وبه تبين أن ليس فيما قلناه احتمال الوقوع في الفساد وقوله تنجيس الظاهر من غير ضرورة نعم لكن لحاجة وإنه لجائز كدبغ جلد الميتة والله سبحانه وتعالى أعلم ثم لا فرق في ظاهر الرواية بين ما إذا ألقى فيها شيئا قليلا من الملح أو السمك أو الخل أو كثيرا حتى تحل في الحالين جميعا وروي عن أبي يوسف أنه إن كان الخل كثيرا لا يحل وجه رواية أبي يوسف رحمه الله أن الملقى من الخل إذا كان قليلا فهذا تخليل لظهور الحموضة فيها بطريق التغيير فأما إذا كان كثيرا فهذا ليس بتخليل بل هو تغليب لغلبة الحموضة المرارة فصار كما لو ألقى فيها كثيرا من الحلاوات حتى صار حلوا أنه لا يحل بل يتنجس الكل فكذا هذا وجه ظاهر الرواية أن كل ذلك تخليل أما إذا كان قليلا فظاهر وكذلك إذا كان كثيرا لما ذكرنا أن ظهور الحموضة عند إلقاء الملح والسمك لا يكون بطريق التغليب لانعدام الحموضة فيهما فتعين أن يكون بطريق التغيير وفي الكثير يكون أسرع والله سبحانه وتعالى أعلم وأما السكر والفضيخ ونقيع الزبيب فيحرم شرب قليلها وكثيرها لما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال الخمر من هاتين الشجرتين وأشار عليه الصلاة والسلام إلى النخلة والكرمة والتي ههنا هو المستحق لاسم الخمر فكان حراما وسئل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن التداوي بالسكر فقال إن الله تبارك وتعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال السكر هي الخمر ليس لها كنية وروي أنه لما سئل عن نقيع الزبيب قال الخمر أحيتها أشار إلى علة الحرمة وهي أن إيقاع الزبيب في الماء إحياء للخمر لأن الزبيب إذا نقع في الماء يعود عنبا فكان نقيعه كعصير العنب ولأن هذا لا يتخذ إلا للسكر فيحرم شرب قليلها وكثيرها فإن قيل أليس أن الله تبارك وتعالى قال ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا وهذا خرج مخرج تذكير النعمة والتنبيه على شكرها فيدل على حلها فالجواب قيل إن الآية منسوخة بآية تحريم الخمر فلا يصح الاحتجاج بها والثاني إن لم تكن منسوخة فيحتمل أن ذلك خرج مخرج التغيير أي إنكم تجعلون ما أعطاكم الله تعالى من ثمرات النخيل والأعناب التي هي حلال بعضها حراما وهو الشراب والبعض حلالا وهو الدبس والزبيب والخل ونحو ذلك

Section V05/P114

نظيره قوله تعالى قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا وعلى هذا كانت الآية حجة عليكم لأن التغيير على الحرام لا على الحلال ولا يكفر مستحلها ولكن يضلل لأن حرمتها دون حرمة الخمر لثبوتها بدليل غير مقطوع به من أخبار الآحاد وآثار الصحابة رضي الله عنهم على ما ذكرنا ولا يحد بشرب القليل منها لأن الحد إنما يجب بشرب القليل من الخمر ولم يوجد بالسكر لأن حرمة السكر من كل شراب كحرمة الخمر لثبوتها بدليل مقطوع به وهو نص الكتابة ( ( ( الكتاب ) ) ) العزيز قال الله تعالى جل شأنه في الآية الكريمة إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون وهذه المعاني تحصل بالسكر من كل شراب فكانت حرم ( ( ( حرمة ) ) ) السكر من كل شراب ثابتة بنص الكتاب العزيز كحرمة الخمر ولهذا جمع رسول الله بين الحرمتين في قوله عليه الصلاة والسلام حرمت عليكم الخمر لعينها قليلها وكثيرها والسكر من كل شراب ومعلوم أنه عليه الصلاة والسلام ما أراد به أصل الحرمة لأن ذلك لا يقف على السكر في كل شراب دل أن المراد منه الحرمة الكاملة التي لا شبهة فيها كحرمة الخمر وكذا جمع سيدنا علي رضي الله عنه بينهما في الحد فقال فيما أسكر من النبيذ ثمانون وفي الخمر قليلها وكثيرها ثمانون ويجوز بيعها عند أبي حنيفة مع الكراهة وعند أبي يوسف ومحمد لا يجوز أصلا وجه قولهما أن محل البيع هو المال وإنه اسم لما يباح الانتفاع به حقيقة وشرعا ولم يوجد فلا يكون مالا فلا يجوز بيعها كبيع الخمر وجه قول أبي حنيفة رضي الله عنه أن البيع مبادلة شيء مرغوب فيه بشيء مرغوب فيه قال الله تبارك وتعالى أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين وقد وجد ههنا لأن الأشربة مرغوب فيها والمال اسم لشيء مرغوب فيه إلا الخمر مع كونها مرغوبا فيها لا يجوز بيعها بالنص الذي روينا والنص ورد باسم الخمر فيقتصر على مورد النص وعلى هذا الخلاف إذا أتلفها إنسان يضمن عنده وعندهما لا يضمن ومنها حكم نجاستها فقد روي عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنها لو أصابت الثوب أكثر من قدر الدرهم تمنع جواز الصلاة لأنه يحرم شرب قليلها وكثيرها كالخمر فكانت نجاستها غليظة كنجاسة الخمر وروي أنها لا تمنع أصلا لأن نجاسة الخمر إنما تثبت ( ( ( ثبتت ) ) ) بالشرع بقوله عز شأنه رجس من عمل الشيطان فيختص باسم الخمر وعن أبي يوسف رحمه الله أنه اعتبر فيها الكثير الفاحش كما في النجاسة الحقيقية لأنها وإن كانت محرمة الانتفاع لكن حرمتها دون حرمة الخمر حتى لا يكفر مستحلها ولا يحد بشرب القليل منها فأوجب ذلك خفة في نجاستها هذا الذي ذكرنا حكم النيء من عصير العنب ونبيذ التمر ونقيع الزبيب وأما حكم المطبوخ منها أما عصير العنب إذا طبخ أدنى طبخة وهو الباذق أو ذهب نصفه وبقي النصف وهو المنصف فيحرم شرب قليله وكثيره عند عامة العلماء رضي الله عنهم وروى بشر عن أبي يوسف رحمهما الله الأول أنه مباح وهو قول حماد بن أبي سليمان ويصح قول العامة لأنه إذا ذهب أقل من الثلثين بالطبخ فالحرام فيه بان وهو ما زاد على الثلث

Section V05/P114–V05/P115

والدليل على أن الزائد على الثلث حرام ما روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه كتب إلى عمار بن ياسر رضي الله عنه إني أتيت بشراب من الشام طبخ حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه يبقى حلاله ويذهب حرامه وريح جنونه فمر من قبلك فليتوسعوا من أشربتهم نص على أن الزائد على الثلث حرام وأشار إلى أنه ما لم يذهب ثلثاه فالقوة المسكرة فيه قائمة وكان ذلك بمحضر من الصحابة الكرام رضي الله عنهم ولم ينقل عنهم خلافه فكان إجماعا منهم ولا يحد شاربه ما لم يسكر وإذا شكر ( ( ( سكر ) ) ) حد ولا يكفر مستحله لما مر ويجوز بيعه عن أبي حنيفة وإن كان لا يحل شربه وعندهما لا يحل شربه ولا يجوز بيعه على ما ذكرنا هذا إذا طبخ عصير العنب فأما إذا طبخ العنب كما هو فقد حكى أبو يوسف عن أبي حنيفة رضي الله عنهما أن حكمه حكم العصير لا يحل حتى يذهب ثلثاه وروى الحسن عن أبي حنيفة رضي الله عنهما أن حكمه حكم الزبيب حتى لو طبخ أدنى طبخة يحل بمنزلة الزبيب وأما المطبوخ من نبيذ التمر ونقيع الزبيب أدنى طبخة والمنصف منهما فيحل شربه ولا يحرم إلا السكر منه وهو طاهر يجوز بيعه ويضمن متلفه وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف رضي الله عنهما وعن محمد رحمه الله روايتان في رواية لا يحل شربه لكن لا يجب الحد إلا بالسكر وفي رواية قال لا أحرمه ولكن لا أشرب منه والحجج تذكر في الثلث ( ( ( المثلث ) ) ) فأبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله يحتاجان إلى الفرق بين المطبوخ أدنى طبخة والمنصف من عصير العنب ووجه الفرق لهما أن طبخ العصير على هذا الحد وهو أن يذهب أقل من ثلثيه لا أثر له في العصر لأن بعد الطبخ بقيت فيه قوة الإسكار بنفسه ألا ترى أنه لو ترك يغلي ويشتد من غير أن يخلط بغيره كما كان قبل الطبخ لم يعمل فيه هذا النوع من الطبخ فبقي على حاله بخلاف نبيذ التمر ونقيع الزبيب لأنه ليس فيه قوة الإسكار بنفسه ألا ترى أنه لو ترك على حاله ولا يخلط به الماء لم يحتمل الغليان أصلا كعصير العنب إذا طبح ( ( ( طبخ ) ) ) حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه والماء يغلي ويسكر إذا خلط فيه الماء وإذا لم يكن مسكرا بنفسه بل بغيره جاز أن يتغير حاله بالطبخ بخلاف العصير على ما ذكرنا وإلى هذا أشار سيدنا عمر رضي الله عنه فيما روينا عنه من قوله يذهب حرامه وريح جنونه يعني إذا كان يغلي بنفسه من غير صب الماء عليه فقد بقي سلطانه وإذا صار بحيث لا يغلي بنفسه بأن طبخ حتى ذهب ثلثاه فقد ذهب سلطانه والله سبحانه وتعالى أعلم هذا إذا نقع الزبيب المدقوق في الماء ثم طبخ نقيعه أدنى طبخة فأما إذا نقع الزبيب كما هو وصفي ماؤه ثم طبخ أدنى طبخة فقد روى محمد عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهم الله أنه لا يحل حتى يذهب بالطبخ ثلثاه ويبقى ثلثه ووجهه ما ذكرنا أن إنقاع الزبيب إحياء للعنب فلا يحل به عصيره إلا بما يحل به عصير العنب وروي عن أبي يوسف رحمه الله أنه يعتبر في ذلك أدنى طبخة لأنه زبيب انتفخ بالماء فلا يتغير حكمه والله سبحانه وتعالى أعلم وأما المثلث فنقول لا خلاف في أنه ما دام حلوا لا يسكر يحل شربه وأما المعتق المسكر فيحل شربه للتداوي واستمراء الطعام والتقوي على الطاعة عند أبي حنيفة وأبي يوسف رضي الله عنهما وروى محمد رحمه الله لا يحل وهو قول الشافعي رحمه الله وأجمعوا على أنه لا يحل شربه للهو والطرب كذا روى أبو يوسف رحمه الله في الأمالي وقال لو أراد أن يشرب المسكر فقليله وكثيره حرام وقعوده لذلك والمشي إليه حرام

Section V05/P115–V05/P116

وجه قول محمد والشافعي رحمهما الله ما روي عن سيدتنا عائشة رضي الله عنها أن رسول الله قال ما أسكر كثيره فقليله حرام وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال كل مسكر من عصير العنب إنما سمي خمرا لكونه مخامرا للعقل ومعنى المخامرة يوجد في سائر الأشربة المسكرة وأبو حنيفة وأبو يوسف رضي الله عنهما احتجا بحديث رسول الله وآثار الصحابة الكرام رضي الله عنهم أما الحديث فما ذكره الطحاوي رحمه الله في شرح الآثار عن عبد الله بن سيدنا عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام أتى بنبيذ فشمه فقطب وجهه لشدته ثم دعا بماء فصبه عليه وشرب منه وأما الآثار فمنها ما روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه كان يشرب النبيذ الشديد ويقول إنا لتنحر ( ( ( لننحر ) ) ) الجزور وأن العتق منها لآل عمر ولا يقطعه إلا النبيذ الشديد ومنها ما روينا عنه أنه كتب إلى عمار بن ياسر رضي الله عنهما أني أتيت بشراب من الشام طبخ حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه يبقى حلاله ويذهب حرامه وريح جنونه فمر من قبلك فليتوسعوا من أشربتهم نص على الحل ونبه على المعنى وهو زوال الشدة المسكرة بقوله ويذهب ريح جنونه وندب إلى الشرب بقوله فليتوسعوا من أشربتهم ومنها ما روي عن سيدنا علي رضي الله تعالى عنه أنه أضاف قوما فسقاهم فسكر بعضهم فحده فقال الرجل تسقيني ثم تحدني فقال سيدنا علي رضي الله عنه إنما أحدك للسكر وروى هذا المذهب عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن سيدنا عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال حين سئل عن النبيذ اشرب الواحد والإثنين والثلاثة فإذا خفت السكر فدع وإذا ثبت الإحلال من هؤلاء الكبار من الصحابة الكرام رضي الله عنهم فالقول بالتحريم يرجع إلى تفسيقهم وأنه بدعة ولهذا عد أبو حنيفة رضي الله عنه إحلال المثلث من شرائط مذهب السنة والجماعة فقال في بيانها أن يفضل الشيخين ويحب الختنين وأن يرى المسح على الخفين وأن لا يحرم نبيذ الخمر لما أن في القول بتحريمه تفسيق كبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم والكف عن تفسيقهم والإمساك عن الطعن فيهم من شرائط السنة والجماعة وأما ما ورد من الأخبار ففيها طعن ثم بها تأويل ثم قول بموجبها أما الطعن فإن يحيى بن معين رحمه الله قد ردها وقال لا تصح عن النبي عليه السلام وهو من نقلة الأحاديث فطعنه يوجب جرحا في الحديثين وأما التأويل فهو أنها محمولة على الشرب للتلهي توفيقا بين الدلائل صيانة لها عن التناقض وأما القول بالموجب فهو أن المسكر عندنا حرام وهو القدم ( ( ( القدح ) ) ) الأخير لأن المسكر ما يحصل به الإسكار وأنه يحصل بالقدح الأخير وهو حرام قليله وكثيره وهذا قول بموجب الأحاديث أن ثبتت بحمد الله تعالى وأما قولهم إن هذه الأشربة خمر لوجود معنى الخمر فيها وهو صفة مخامرة العقل قلنا اسم الخمر للنيء من ماء العنب إذا صار مسكرا حقيقة ولسائر الأشربة مجاز لأن معنى الاسكار والمخامرة فيه كامل وفي غيره من الأشربة ناقص فكان حقيقة له مجازا لغيره وهذا لأنه لو كان حقيقة لغيره لكان الأمر لا يخلو من أحد وجهين إما أن يكون اسما مشتركا وإما أن يكون إسما عاما لا سبيل إلى الأول لأن شرط الاشتراك اختلاف المعنى فالاسم المسترك ( ( ( المشترك ) ) ) ما يقع على مسميات مختلفة الحدود والحقائق كاسم العين ونحوها وههنا ما اختلف ولا سبيل إلى الثاني لأن من شرط العموم أن تكون أفراد العموم متساوية في قبول المعنى الذي وضع له اللفظ لا متفاوتة ولم يوجد التساوي ههنا وإذا لم يكن بطريق الحقيقة تعين أنه بطريق المجاز فلا يتناولها مطلق اسم الخمر والله أعلم وأما الجمهوري فحكمه حكم المثلث لأنه مثلث يرق بصب الماء عليه ثم يطبخ أدنى طبخة لئلا يفسد

Section V05/P116–V05/P117

وأما الخليطان فحكمهما عند الاجتماع ما هو حكمهما عند الانفراد من النيء عنهما والمطبوخ وقد ذكرناه وقد روي عن رسول الله أنه نهى عن شرب التمر والزبيب جميعا والزهو والرطب جميعا وهو محمول على النيء والسكر منه والله عز وجل أعلم وروي أنه عليه السلام نهى عن نبيذ البسر والتمر والزبيب جميعا ولو طبخ أحدهما ثم صب قدح من النيء فيه أفسده سواء كان من جنسه أو خلاف جنسه لأنه اجتمع الحلال والحرام فيغلب الحرام الحلال ولو خلط العصير بالماء فإن ترك حتى اشتد لا شك أنه لا يحل وإن طبخ حتى ذهب ثلثاه ففيه نظر إن كان الماء هو الذي يذهب أولا بالطبخ يطبخ حتى يذهب قدر الماء ثم يطبخ العصير حتى يذهب ثلثاه فيحل وإن كان الماء والعصير يذهبان معا بالطبخ حتى يذهب ثلثا الجملة فلا يحل والله عز وجل أعلم وأما المزر والجعة والبتع وما يتخذ من السكر والتين ونحو ذلك فيحل شربه عند أبي حنيفة رضي الله عنه قليلا كان أو كثيرا مطبوخا كان أو نيأ ( ( ( نيئا ) ) ) ولا يحد شاربه وإن سكر وروي عن محمد رحمه الله أنه حرام بناء على أصله وهو أن ما أسكر كثيره فقليله حرام كالمثلث وقال أبو يوسف رحمه الله ما كان من هذه الأشربة يبقى بعدما يبلغ عشرة أيام ولا يفسد فإني أكرهه وكذا روي عن محمد ثم رجع أبو يوسف عن ذلك إلى قول أبي حنيفة رضي الله عنه وجه قول أبي يوسف الأول إن بقاءه وعدم فساده بعد هذه المدة دليل شدته وشدته دليل حرمته وجه قول أبي حنيفة رحمه الله أن الحرمة متعلقة بالخمرية لا تثبت إلا بشدة والشدة لا توجد في هذه الأشربة فلا تثبت الحرمة والدليل على انعدام الخمرية أيضا ما روينا عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال الخمر من هاتين الشجرتين ذكر عليه الصلاة والسلام الخمر بلام الجنس فاقتضى اقتصار الخمرية على ما يتخذ من الشجرتين وإنما لا يجب الحد وإن سكر منه لأنه سكر حصل بتناول شيء مباح وأنه لا يوجب الحد كالسكر الحاصل من تناول البنج والخبز في بعض البلاد بخلاف ما إذا سكر بشرب المثلث أنه يجب الحد لأن السكر هناك حصل بتناول المخظور ( ( ( المحظور ) ) ) وهو القدح الأخير وأما ظروف الأشربة المحرمة فيباح الشرب منها إذا غسلت إلا الخزف الجديد الذي يتشرب فيها على الاختلاف الذي عرف في كتاب الصلاة والأصل فيه قول النبي عليه الصلاة والسلام إني كنت نهيتكم عن الشرب في الدباء والحنتم والمزفت ألا فاشربوا في كل ظرف فإن الظروف لا تحل شيئا ولا تحرمه وأما بيان حد السكر الذي يتعلق به وجوب الحد فقد اختلف في حده قال أبو حنيفة رضي الله عنه السكران الذي يحد هو الذي لا يعقل قليلا ولا كثيرا ولا يعقل الأرض من السماء والرجل من المرأة وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى ومحمد رحمه الله السكران هو الذي يغلب على كلامه الهذيان

Section V05/P117

وروي عن أبي يوسف أنه يمتحن ب قل يا أيها الكافرون فيستقرأ فإن لم يقدر على قراءتها فهو سكران لما روي أن رجلا صنع طعاما فدعى ( ( ( فدعا ) ) ) سيدنا أبا بكر وسيدنا عمر وسيدنا عثمان وسيدنا عليا وسيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم فأكلوا وسقاهم خمرا وكان قبل تحريم الخمر فحضرتهم صلاة المغرب فأفهم ( ( ( فأمهم ) ) ) واحد منهم فقرأ قل يا أيها الكافرون على طرح لا أعبد ما تعبدون فنزل قوله تبارك وتعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون وهذا الامتحان غير سديد لأن من السكارى من لم يتعلم هذه السورة من القرآن أصلا ومن تعلم فقد يتعذر عليه قراءتها في حالة الصحو خصوصا من لا اعتناء له بأمر القرآن فكيف في حالة السكر وقال الشافعي رحمه الله إذا شرب حتى ظهر أثره في مشيه وأطرافه وحركاته فهو سكران وهذا أيضا غير سديد لأن هذا أمر لا ثبات له لأنه يختلف باختلاف أحوال الناس منهم من يظهر ذلك منه بأدنى شيء ومنهم من لا يظهر فيه وإن بلغ به السكر غايته وجه قولهما شهادة العرف والعادة فإن السكران في متعارف الناس اسم لمن هذى وإليه أشار سيدنا علي رضي الله عنه بقوله إذا سكر هذي وإذا هذي افترى وحد المفتري ثمانون وأبو حنيفة عليه الرحمة يسلم ذلك في الجملة فيقول أصل السكر يعرف بذلك لكنه اعتبر في باب الحدود ما هو الغاية في الباب احتيالا للدرء المأمور به بقوله ادرؤا الحدود ما استطعتم ولا يعرف بلوغ السكر غايته إلا بما ذكر والله عز وجل أعلم كتاب الاستحسان وقد يسمى كتاب الحظر والإباحة وقد يسمى كتاب الكراهة والكلام في هذا الكتاب في الأصل في موضعين في بيان معنى اسم الكتاب وفي بيان أنواع المحظورات والمباحات المجموعة فيه أما الأول فالاستحسان يذكر ويراد به كون الشيء على صفة الحسن ويذكر ويراد به فعل المستحسن وهو رؤية الشيء حسنا يقال استحسنت كذا أي رأيته حسنا فاحتمل تخصيص هذا الكتاب بالتسمية بالاستحسان لاختصاص عامة ما أورد فيه من الأحكام بحسن ليس في غيرها ولكونها على وجه يستحسنها العقل والشرع وأما التسمية بالحظر والإباحة فتسمية طابقت معناها وافقت ( ( ( ووافقت ) ) ) مقتضاها لاختصاصه ببيان جملة من المحظورات والمباحات وكذا التسمية بالكراهة لأن الغالب فيه بيان المحرمات وكل محرم مكروه في الشرع لأن الكراهة ضد المحبة والرضا قال الله تبارك وتعالى وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والشرع لا يحب الحرام ولا يرضى به إلا أن ما تثبت حرمته بدليل مقطوع به من نص الكتاب العزيز أو غير ذلك فعادة محمد أنه يسميه حراما على الإطلاق وما تثبت حرمته بدليل غير مقطوع به من أخبار الآحاد وأقاويل الصحابة الكرام رضي الله عنهم وغير ذلك يسميه مكروها وربما يجمع بينهما فيقول حرام مكروه اشعارا منه إن حرمته ثبتت بدليل ظاهر لا بدليل قاطع وأما بيان أنواع المحرمات والمحللات المجموعة فيه فنقول وبالله تعالى التوفيق المحرمات المجموعة في هذا الكتاب في الأصل نوعان نوع ثبتت حرمته في حق الرجال والنساء جميعا ونوع ثبتت حرمته في حق الرجال دون النساء أما الذي ثبتت حرمته في حق الرجال والنساء جميعا فبعضها مذكور في مواضعه في الكتب فلا نعيده ونذكر ما لا ذكر له في الكتب ونبدأ بما بدأ به محمد رحمه الله الكتاب وهو حرمة النظر والمس والكلام فيها في ثلاث مواضع أحدها في بيان ما يحل من ذلك ويحرم للرجل من المرأة والمرأة من الرجل والثاني في بيان ما يحل ويحرم للرجل من الرجل والثالث في بيان ما يحل ويحرم للمرأة من المرأة

Section V05/P117–V05/P118

وأما الأول فلا يمكن الوصول إلى معرفته إلا بعد معرفة أنواع النساء فنقول وبالله تعالى التوفيق النساء في هذا الباب سبعة أنواع نوع منهن المنكوحات ونوع منهن المملوكات ونوع منهن ذوات الرحم المحرم وهو الرحم المحرم للنكاح كالأم والبنت والعمة والخالة ونوع منهن ذوات الرحم بلا محرم وهن المحارم من جهة الرضاع والمصاهرة ونوع منهن مملوكات الأغيار ونوع منهن من لا رحم لهن أصلا ولا محرم وهن الأجنبيات الحرائر ونوع منهن ذوات الرحم بلا محرم وهو الرحم الذي لا يحرم النكاح كبنت العم والعمة والخال والخالة أما النوع الأول وهو ( ( ( وهن ) ) ) المنكوحات فيحل للزوج النظر إلى زوجته ومسها من رأسها إلى قدمها لأنه يحل له وطؤها لقوله تعالى والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين وإنه فوق النظر والمس فكان إحلالا لهما من طريق الأولى إلا أنه لا يحل له وطؤها في حالة الحيض لقوله تبارك وتعالى ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فصارت حالة الحيض مخصوصة عن عموم النص الذي تلونا وهل يحل الاستمتاع بها فيما دون الفرج اختلف فيه قال أبو حنيفة وأبو يوسف رضي الله عنهما لا يحل الاستمتاع بما فوق الإزار وقال محمد رحمه الله يجتنب شعار الدم وله ما سوى ذلك واختلف المشايخ في تفسير قولهما بما فوق الإزار قال بعضهم المراد منه ما فوق السرة فيحل الاستمتاع بما فوق سرتها ولا يباح بما تحتها إلى الركبة وقال بعضهم المراد منه مع الإزار فيحل الاستمتاع بما تحت سرتها سوى الفرج لكن مع المئزر لا مكشوفا ويمكن العمل بعموم قولهما بما فوق الإزار لأنه يتناول ما فوق السرة وما تحتها سوى الفرج مع المئزر إذ كل ذلك فوق الإزار فيكون عملا بعموم اللفظ والله سبحانه وتعالى أعلم وجه قول محمد ظاهر قوله تبارك وتعالى ويسألونك عن المحيض قل هو أذى جعل الحيض أذى فتختص الحرمة بموضع الأذى وقد روى أن سيدتنا عائشة رضي الله عنها سئلت عما يحل للرجل من امرأته الحائض فقالت يتقي شعار الدم وله ما سوى ذلك ووجه قولهما ما روي عن رسول الله أنه قال لنا ما تحت السرة وله ما فوقها وروي أن أزواج النبي عليه الصلاة والسلام كن إذا حضن أمرهن أن يتزرن ثم يضاجعهن ولأن الاستمتاع بها بما يقرب من الفرج سبب الوقوع في الحرام قال رسول الله ألا إن لكل ملك حمى وإن حمى الله محارمه فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه وفي رواية من رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه والمستمتع بالفخذ يحوم حول الحمى ويرتع حوله فيوشك أن يقع فيه دل أن الاستمتاع به سبب الوقوع في الحرام وسبب الحرام حرام أصله الخلوة بالأجنبية وأما الآية الكريمة فحجة عليه لأن ما حول الفرج لا يخلو عن الأذى عادة فكان الاستمتاع به استعمال الأذى وقول سيدتنا عائشة رضي الله عنها له ما سوى ذلك أي مع الأزار فحمل على هذا توفيقا بين الدلائل صيانة لها عن التناقض وكذلك المرأة يحل لها النظر إلى زوجها واللمس من فرقه إلى قدمه لأنه حل لها ما هو أكثر من ذلك وهو التمكين من الوطء فهذا أولى ويحل النطر ( ( ( النظر ) ) ) إلى عين فرج المرأة المنكوحة لأن الاستمتاع به حلال فالنظر إليه أولى إلا أن الأدب غض البصر عنه من الجانبين لما روي عن سيدتنا عائشة رضي الله عنها أنها قالت قبض رسول الله وما نظرت إلى ما منه ولا نظر إلى ما مني ولا يحل إتيان الزوجة في دبرها لأن الله تعالى عز شأنه نهى عن قربان الحائض ونبه على المعنى وهو كون المحيض أذى والأذى في ذلك المحل أفحش وأذم فكان أولى بالتحريم

Section V05/P118–V05/P119

وروي عن سيدنا عمر ( ( ( علي ) ) ) رضي الله عنه أن رسول الله قال من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو أتى كاهنا فصدقه فيما يقول فهو كافر بما أنزل على محمد نهى عن إتيان النساء في محاشهن أي أدبارهن وعلى ذلك جاءت الآثار من الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم أنها سميت اللوطية الصغرى ولأن حل الاستمتاع في الدنيا لا يثبت لحق قضاء الشهوات خاصة لأن لقضاء الشهوات خاصة دارا أخرى وإنما يثبت لحق قضاء الحاجات وهي حاجة بقاء النسل إلى انقضاء الدنيا إلا أنه ركبت الشهوات في البشر للبعث على قضاء الحاجات وحاجة النسل لا تحتمل الوقوع في الأدبار فلو ثبت الحل لثبت لحق قضاء الشهوة خاصة والدنيا لم تخلق له وأما النوع الثاني وهن المملوكات فحكمهن حكم المنكوحات فيحل للمولى النظر إلى سائر بدن جاريته ومسها من رأسها إلى قدمها لأنه حل له ما هو أكثر منه لقوله عز وجل أو ما ملكت أيمانكم الآية إلا أن حالة الحيض صارت مخصوصة فلا يقربها في حالة الحيض ولا يأتي في دبرها لما ذكرنا من الدلائل وفي الاستمتاع بها فيما دون الفرج على الاختلاف وكذا إذا ملكها بسائر أسباب الملك لا يحل له أن يقربها قبل أن يستبرئها والأصل فيه ما روي عن رسول الله أنه قال في سبايا أوطاس ألا لا توطأ الحبالى حتى يضعن ولا الحيالى حتى يستبرأن بحيضة ولأن فيه خوف اختلاط المياه وقد قال رسول الله من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقين ماءه زرع غيره وكذا فيه وهم ظهور الحبل بها فيدعيه ويستحقها فيتبين أنه يستمتع بملك الغير وأما الدواعي من القبلة والمعانقة والنظر إلى الفرج عن شهوة فلا يحل عند عامة العلماء إلا في المسبية وقال مكحول رحمه الله يحل وجه قوله أن الملك في الأصل مطلق التصرف ولهذا لم تحرم الدواعي في المسبية ولا على الصائم فكان ينبغي أن لا يحرم القربان أيضا إلا أن الحرمة عرفناها بالنص فتقتصر الحرمة على مورد النص على أن النص إن كان معلولا بخوف اختلاط المياه فهذا معنى لا يحتمل التعدية إلى الدواعي فلا يتعدى إليها وجه قول العامة إن حرمة القربان إنما تثبت خوفا عن توهم العلوق وظهور الحبل وعند الدعوة والاستحقاق يظهر أن الاستمتاع صادف ملك الغير وهذا المعنى موجود في الدواعي من المستبرأة ونحوها فيتعدى إليها ولا يتعدى في المسبية فيقتصر الحكم فيها على مورد النص ولأن الاستمتاع بالدواعي وسيلة إلى القربان والوسيلة إلى الحرام حرام أصله الخلوة وهذا أولى لأن الخلوة في التوسل إلى الحرام دون المس فكان تحريمها تحريما للمس بطريق الأولى كما في تحريم التأفيف من الضرب والشتم ومن اعتمد على هذه النكتة منع فضل المسبية وزعم أن لا نص فيها عن أصحابنا وهو غير سديد فإنحل الدواعي من المسبية منصوص عليه من محمد رحمه الله فلا يستقيم المنع فكان الصحيح هو العلة الأولى وحرمة الدواعي في باب الظهار والإحرام ثبت لمعنى آخر ذكرناه في كتاب الحج والظهار

Section V05/P119–V05/P120

وأما النوع الثالث وهو ذات الرحم المحرم فيحل للرجل النظر من ذوات محارمه إلى رأسها وشعرها وأذنيها وصدرها وعضدها وثديها وساقها وقدمها لقوله تبارك وتعالى ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن الآية نهاهن سبحانه وتعالى عن إبداء الزينة مطلقا واستثنى سبحانه إبداءها للمذكورين في الآية الكريمة منهم ذو الرحم المحرم والاستثناء من الحظر إباحة في الظاهر والزينة نوعان ظاهرة وهو الكحل في العين والخاتم في الأصبع والفتخة للرجل وباطنة وهو العصابة للرأس والعقاص للشعر والقرط للأذن والحمائل للصدر والدملوج للعضد والخلخال للساق والمراد من الزينة مواضعها لا نفسها لأن إبداء نفس الزينة ليس بمنهي وقد ذكر سبحانه وتعالى الزينة مطلقة فيتناول النوعين جميعا فيحل النظر إليها بظاهر النص ولأن المخالطة بين المحارم للزيارة وغيرها ثابتة عادة فلا يمكن صيانة مواضع الزينة عن الكشف إلا بحرج وأنه مدفوع شرعا وكل ما جاز النظر إليه منهن من غير حائل جاز مسه لأن المحرم يحتاج إلى إكابها ( ( ( إركابها ) ) ) وإنزالها في المسافرة معها وتتعذر صيانة هذه المواضع عن الانكشاف فيتعذر على المحرم الصيانة عن مس المكشوف ولأن حرمة النظر إلى هذه المواضع ومسها من الأجنبيات إنما ثبت خوفا عن حصول الشهوة الداعية إلى الجماع والنظر إلى هذه الأعضاء ومسها في ذوات المحارم لا يورث الشهوة لأنهما لا يكونان للشهوة عادة بل للشفقة ولهذا جرت العادة فيما بين الناس بتقبيل أمهاتهم وبناتهم وقد روي أن رسول الله كان إذا قدم من الغزو قبل رأس السيدة فاطمة رضي الله عنها وهذا إذا لم يكن النظر والمس عن شهوة ولا غلب على ظنه أنه لا يشتهي فأما إذا كان يشتهي أو كان غالب ظنه وأكبر رأيه أنه لو نظر أو مس اشتهى لم يجز له النظر والمس لأنه يكون سببا للوقوع في الحرام فيكون حراما ولا بأس أن يسافر بها إذا أمن الشهوة لما روي عن رسول الله أنه قال لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر ثلاثا فما فوقها إلا ومعها زوجها أو ذو رحم محرم منها ولأن الذي يحتاج المحرم إليه في السفر مسها في الحمل والإنزال ويحل له مسها فتحل المسافرة معها وكذا لا بأس أن يخلو بها إذا أمن على نفسه لأنه لما حل المس فالخلوة أولى فإن خاف على نفسه لم يفعل لما روي عن رسول الله أنه قال لا يخلون الرجل بمغيبة وإن قبل ( ( ( قيل ) ) ) حموها ألا حموها الموت وهو محمول على حالة الخوف أو يكون نهى ندب وتنزيه والله أعلم ولا يحل النظر إلى بطنها وظهرها وإلى ما بين السرة والركبة منها ومسها لعموم قوله تبارك وتعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم الآية إلا أنه سبحانه وتعالى رخص النظر للمحارم إلى مواضع الزينة الظاهرة والباطنة بقوله عز شأنه ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن الآية فبقي غض البصر عما وراءها مأمورا به وإذا لم يحل النظر فالمس أولى لأنه رخصة النظر إلى مواضع الزينة للحاجة التي ذكرناها ولا حاجة إلى النظر إلى ما وراءها فكان النظر إليها بحق الشهوة وإنه حرام ولأن الله تبارك وتعالى جعل الظهار منكرا من القول وزورا والظهار ليس إلا تشبيه المنكوحة بظهر الأم في حق الحرمة ولو لم يكن ظهر الأم حرام النظر والمس لم يكن الظهار منكرا من القول وزورا فيؤدي إلى الخلف في خبر من يستحيل عليه الخلف

Section V05/P120

هذا إذا كانت هذه الأعضاء مكشوفة فأما إذا كانت مستورة بالثياب واحتاج ذو الرحم المحرم إلى أركابها وإنزالها فلا بأس بأن يأخذ بطنها أو ظهرها أو فخذها من وراء الثوب إذا كان يأمن على نفسه لما ذكرنا إن مس ذوات الرحم المحرم لا يورث الشهوة عادة خصوصا من وراء الثوب حتى لو خاف الشهوة في المس لا يمسه وليجتنب ما استطاع وكل ما يحل للرجل من ذوات الرحم المحرم منه من النظر والمس يحل للمرأة ذلك من ذي رحم محرم منها وكل ما يحرم عليه يحرم عليها والله عز وجل أعلم وأما النوع الرابع وهو ذوات المحرم بلا رحم فحكمهن حكم ذوات الرحم المحرم وقد ذكرناه والأصل فيه قول النبي عليه الصلاة والسلام يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب وروي أن أفلح بن أبي قيس ( ( ( القعيس ) ) ) رحمه الله استأذن أن يدخل على سيدتنا عائشة رضي الله تعالى عنها فسألت رسول الله عن ذلك فقال عليه السلام ليلج عليك فإنه عمك أرضعتك امرأة أخيه وأما النوع الخامس وهو مملوكات الأغيار فحكمهن أيضا في حل النظر والمس وحرمتهما حكم ذوات الرحم المحرم فيحل النظر إلى مواضع الزينة منهن ومسها ولا يحل ما سوى ذلك والأصل فيه ما روي أن رسول الله مس ناصية أمة ودعا لها بالبركة وروي أن سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه رأى أمة متقنعة فعلاها بالدرة وقال ألقي عنك الخمار يا دفار أتتشبهين بالحرائر فدل على حل النظر إلى رأسها وشعرها وأذنها وروي عن سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه أنه مر بجارية تعرض على البيع فضرب بيده على صدرها وقال اشتروا ولو كان حراما لم يتوهم منه رضي الله عنه أن يمسها ولأن بالناس حاجة إلى النظر إلى هذه المواضع ومسها عند البيع والشراء لمعرفة بشرتها من اللين والخشونة ونحو ذلك لاختلاف قيمتها باختلاف أطرافها فألحقت بذوات الرحم المحرم دفعا للحرج عن الناس ولهذا يحل بهن المسافرة بلا محرم ولا حاجة إلى المس والنظر إلى غيرها لأنها تصير معلومة بالنظر إلى الأطراف ومسها وهذا إذا أمن على نفسه الشهوة فإن لم يأمن وخاف على نفسه أن يشتهي لو نظر أو مس فلا بأس أن ينظر إليها وإن اشتهى إذا أراد أن يشتريها فلا بد له من النظر لما قلنا فيحتاج إلى النظر فصار النظر من المشتري بمنزلة النظر من الحاكم والشاهد والمتزوج فلا بأس بذلك وإن كان عن شهوة فكذا هذا وكذا لا بأس له أن يمس وإن اشتهى إذا أراد أن يشتريها عند أبي حنيفة رضي الله عنه وروي عن محمد رحمه الله أنه يكره للشاب مس شيء من الأمة والصحيح قول أبي حنيفة رضي الله عنه لأن المشتري يحتاج إلى العلم ببشرتها ولا يحصل ذلك إلا باللمس فرخص للضرورة وكذا يحل للأمة النظر والمس من الرجل الأجنبي ما فوق السرة ودون الركبة إلا أن تخاف الشهوة فتجنب ( ( ( فتجتنب ) ) ) كالرجل وكل جواب عرفته في القنة فهو الجواب في المدبرة وأم الولد لقيام الرق فيهما وأما النوع السادس وهو الأجنبيات الحرائر فلا يحل النظر للأجنبي من الأجنبية الحرة إلى سائر بدنها إلا الوجه والكفين لقوله تعالى ( ( ( تبارك ) ) ) قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم إلا أن النظر إلى مواضع الزينة الظاهرة وهي الوجه والكفان رخص بقوله تعالى ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها والمراد من الزينة مواضعها ومواضع الزينة الظاهرة الوجه والكفان فالكحل زينة الوجه والخاتم زينة الكف ولأنها تحتاج إلى البيع والشراء والأخذ والعطاء ولا يمكنها ذلك عادة إلا بكشف الوجه والكفين فيحل لها الكشف وهذا قول أبي حنيفة رضي الله عنه وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله أنه يحل النظر إلى القدمين أيضا

Section V05/P120–V05/P121

وجه هذه الرواية ما روي عن سيدتنا عائشة رضي الله تعالى عنها في قوله تبارك وتعالى إلا ما ظهر منها القلب والفتخة وهي خاتم أصبع الرجل فدل على جواز النظر إلى القدمين ولأن الله تعالى نهى عن إبداء الزينة واستثنى ما ظهر منها والقدمان ظاهرتان ألا ترى أنهما يظهران عند المشي فكانا من جملة المستثنى من الحظر فيباح إبداؤهما وجه ظاهر الرواية ما روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال في قوله جل شأنه إلا ما ظهر منها أنه الكحل والخاتم وروي عنه في رواية أخرى أنه قال الكف والوجه فيبقي ما وراء المستثنى على ظاهر النهي ولأن إباحة النظر إلى وجه الأجنبية وكفيها للحاجة إلى كشفها في الأخذ والعطاء ولا حاجة إلى كشف القدمين فلا يباح النظر إليهما ثم إنما يحل النظر إلى مواضع الزينة الظاهرة منها من غير شهوة فأما عن شهوة فلا يحل لقوله عليه الصلاة والسلام العينان تزنيان وليس زنا العينين إلا النظر عن شهوة ولأن النظر عن شهوة سبب الوقوع في الحرام فيكون حراما إلا في حالة الضرورة بأن دعى إلى شهادة أو كان حاكما فأراد أن ينظر إليها ليجيز إقرارها عليها فلا بأس أن ينظر إلى وجهها وإن كان لو نظر إليها لاشتهى أو كان أكبر رأيه ذلك لأن الحرمات قد يسقط اعتبارها لمكان الضرورة ألا ترى أنه خص النظر إلى عين الفرج لمن قصد إقامة حسبة الشهادة على الزنا ومعلوم أن النظر إلى الفرج في الحرمة فوق النظر إلى الوجه ومع ذلك سقطت حرمته لمكان الضرورة فهذا أولى وكذا إذا أراد أن يتزوج امرأة فلا بأس أن ينظر إلى وجهها وإن كان عن شهوة لأن النكاح بعد تقديم النظر أدل على الألفة والموافقة الداعية إلى تحصيل المقاصد على ما قال النبي عليه الصلاة والسلام للمغيرة بن شعبة رضي الله عنه حين أراد أن يتزوج امرأة اذهب فانظر إليها فإنه أحرى أن يدوم ( ( ( يؤدم ) ) ) بينكما دعاه عليه الصلاة والسلام إلى النظر مطلقا وعلل عليه الصلاة والسلام بكونه وسيلة إلى الألفة والموافقة وأما المرأة فلا يحل لها النظر من الرجل الأجنبي ما بين السرة إلى الركبة ولا بأس أن تنظر إلى ما سوى ذلك إذا كانت تأمن على نفسها والأفضل للشاب غض البصر عن وجه الأجنبية وكذا الشابة لما فيه من خوف حدوث الشهوة والوقوع في الفتنة يؤيده المروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما أنه قال في قوله تبارك وتعالى إلا ما ظهر منها أنه الرداء والثياب فكان غض البصر وترك النظر أزكى وأطهر وذلك قوله عز وجل قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم وروي أن أعميين دخلا على رسول الله وعنده بعض أزواجه سيدتنا عائشة رضي الله تعالى عنها وأخرى فقال لهما قوما فقالتا إنهما أعميان يا رسول الله فقال لهما أعمياوان أنتما إلا إذا لم يكونا من أهل الشهوة بأن كانا شيخين كبيرين لعدم احتمال حدوث الشهوة فيهما والعبد فيما ينظر إلى مولاته كالحر الذي لا قرابة بينه وبينها سواء وكذا الفحل والخصي والعنين والمخنث إذا بلغ مبلغ الرجال سواء لعموم قوله تبارك وتعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم وإطلاق وله عز شأنه ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ولأن الرق والخصاء لا يعدمان الشهوة وكذا العنة والخنوثة أما الرق فظاهر وأما الخصاء فإن الخصي رجل إلا أنه مثل به إلى هذا أشارت سيدتنا عائشة رضي الله عنها فقالت أنه رجل مثل به أفتحل له المثلة ما حرم الله تبارك وتعالى على غيره

Section V05/P121–V05/P122

وأما العنة والخنوثة فالعنين والمخنث رجلان فإن قيل أليس إن المملوك بملك اليمين للمرأة مستثنى من قوله جل وعلا ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن إلى قوله عز شأنه ولا ما ملكت أيمانهن من غير فصل بين العبد والأمة والاستثناء من الحظر إباحة فالجواب أن قوله سبحانه وتعالى ولا ما ملكت أيمانهن ينصرف إلى الإماء لأن حكم العبيد صار معلوما بقوله سبحانه وتعالى أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال إذ العبد من جملة التابعين من الرجال فكان قوله عز شأنه ولا ما ملكت أيمانهن مصروفا إلى الإماء لئلا يؤدي إلى التكرار فإن قيل حكم الإماء صار معلوما بقوله تبارك وتعالى أو التابعين فالصرف إليهن يؤدي إلى التكرار أيضا فالجواب أن المراد بالنساء الحرائر فوقعت الحاجة إلى تعريف حكم الإماء فأبان بقوله جل شأنه أو ما ملكت أيمانهن إن حكم الحرة والأمة فيه سواء وروي عن سيدتنا عائشة رضي الله عنها أنها قالت كان يدخل على نساء رسول الله مخنث فكانوا يعدونه من غير أولى الإربة فدخل رسول الله ذات يوم وهو ينعت امرأة فقال لا أرى هذا يعلم ما ههنا لا يدخل عليكن فحجبوه وكذا روي أن رسول الله دخل على أم سلمة رضي الله عنها وعندها مخنث فأقبل على أخي أم سلمة فقال يا عبد الله إن فتح الله عليكم غدا الطائف دللتك على بنت غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان فقال عليه الصلاة والسلام لا أرى يعرف هذا ما ههنا لا يدخلن عليكم هذا إذا بلغ الأجنبي مبلغ الرجال فإن كان صغيرا لم يظهر على عورات النساء ولا يعرف العورة من غير العورة فلا بأس لهن من إبداء الزينة لهم لقوله جل وعلا أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء مستثنى من قوله عز شأنه ولا يبدين زينتهن إلا لمن ذكر والطفل في اللغة الصبي ما بين أن يولد إلى أن يحتلم وأما الذي يعرف التمييز بين العورة وغيرها وقرب من الحلم فلا ينبغي لها أن تبدي زينتها له ألا ترى أن مثل هذا الصبي أمر بالاستئذان في بعض الأوقات بقوله تبارك وتعالى والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات إلا إذا لم يكونا من أهل الشهوة بأن كانا شيخين كبيرين لعدم احتمال حدوث الشهوة فيهما وروي أن أعميين دخلا على سيدنا رسول الله وعنده بعض أزواجه سيدتنا عائشة وأخرى فقال لهما قوما فقالتا إنما ( ( ( إنهما ) ) ) أعميان يا رسول الله فقال أعمياوان أنتما هذا حكم النظر إلى الوجه والكفين وأما حكم مس هذين العضوين فلا يحل مسهما لأن حل النظرين ( ( ( النظر ) ) ) للضرورة التي ذكرناها ولا ضرورة إلى المس مع ما إن المس في بعث الشهوة وتحريكها فوق النظر وإباحة أدنى الفعلين لا يدل على إباحة أعلاهما هذا إذا كان شابين فإن كانا شيخين كبيرين فلا بأس بالمصافحة لخروج المصافحة منهما من أن تكون مورثة للشهوة لانعدام الشهوة وقد روي أن رسول الله كان يصافح العجائز ثم إنما يحرم النظر من الأجنبية إلى سائر أعضائها سوى الوجه والكفين أو القدمين أيضا على اختلاف الروايتين إذا كانت مكشوفة فأما إذا كانت مستورة بالثوب فإن كان ثوبها صفيقا لا يلتزق ببدنها فلا بأس أن يتأملها ويتأمل جسدها لأن المنظور إليه الثوب وإن كان ثوبها رقيقا يصف ما تحته ويشف أو كان صفيقا لكنه يلتزق ببدنها حتى يستبين له جسدها فلا يحل له النظر لأنه إذا استبان جسدها كانت كاسية صورة عارية حقيقة وقد قال النبي لعن الله الكاسيات العاريات

Section V05/P122–V05/P123

وروي عن سيدتنا عائشة رضي الله عنها أنها قالت دخلت على أختي السيدة أسماء وعليها ثياب شامية رقاق وهي اليوم عندكم صفاق فقال رسول الله هذه ثياب تمجها سورة النور فأمر بها فأخرجت فقلت يا رسول الله زارتني أختي فقلت لها ما قلت فقال يا عائشة إن المرأة إذا حاضت لا ينبغي أن يرى منها إلا وجهها وكفاها فإن ثبت هذا من النبي عليه الصلاة والسلام كان تفسيرا لقوله عز وجل إلا ما ظهر منها فدل على صحة ظاهر الرواية أن الحرة لا يحل النظر منها إلا إلى وجهها وكفيها والله سبحانه وتعالى أعلم وأما النوع السابع وهو ذوات الرحم بلا محرم فحكمهن حكم الأجنبيات الحرائر لعموم الأمر بغض البصر والنهي عن إبداء زينتهن إلا للمذكورين في محل الاستثناء وذو الرحم بلا محرم غير مذكور في المستثني فبقيت منهية عن إبداء الزينة له والله سبحانه وتعالى أعلم وأما الثاني وهو ما يحل من ذلك ويحرم للرجل من الرجل لنقول ( ( ( فنقول ) ) ) وبالله التوفيق يحل للرجل أن ينظر من الرجل الأجنبي إلى سائر جسده إلا ما بين السرة والركبة إلا عند الضرورة فلا بأس أن ينظر الرجل من الرجل إلى موضع الختان ليختنه ويداويه بعد الختن وكذا إذا كان بوضع ( ( ( بموضع ) ) ) العورة من الرجل قرح أو جرح أو وقعت الحاجة إلى مداواة الرجل ولا ينظر إلى الركبة ولا بأس بالنظر إلى السرة فالركبة عورة والسرة ليست بعورة عندنا وعند الشافعي على العكس من ذلك والصحيح قولنا لما روي عن رسول الله أنه قال ما تحت السرة عورة والركبة ما تحتها فكانت عورة إلا أن ما تحت الركبة صار مخصوصا فبقيت الركبة تحت العموم ولأن الركبة عضو مركب من عظم الساق والفخذ على وجه يتعذر تمييزه والفخذ من العورة والساق ليس من العورة فعند الاشتباه يجب العمل بالاحتياط وذلك فيما قلنا بخلاف السرة لأنه اسم لموضع معلوم لا اشتباه فيه وقد روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه كان إذا اتزر أبدى سرته ولو كانت عورة لما احتمل منه كشفها هذا حكم النظر وأما حكم المس فلا خلاف في أن المصافحة حلال لقوله عليه السلام تصافحوا تحابوا وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال إذا لقي المؤمن أخاه فصافحه تناثرت ذنوبه ولأن الناس يتصافحون في سائر الأعصار في العهود والمواثيق فكانت سنة متوارثة واختلف في القبلة والمعانقة قال أبو حنيفة رضي الله عنه ومحمد رحمه الله يكره للرجل أن يقبل فم الرجل أو يده أو شيئا منه أو يعانقه وروي عن أبي يوسف رحمه الله أنه لا بأس به ووجهه ما روي أنه لما قدم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه من الحبشة عانقه سيدنا رسول الله وقبل بين عينيه وأدنى درجات فعل النبي الحل وكذا روي أن أصحاب رسول الله كانوا إذا رجعوا من أسفارهم كان يقبل بعضهم بعضا ويعانق بعضهم بعضا واحتجا بما روي أنه سئل رسول الله فقيل أيقبل بعضنا بعضا فقال لا فقيل أيعانق بعضنا بعضا فقال عليه الصلاة والسلام لا فقيل أيصافح بعضنا بعضا فقال عليه الصلاة والسلام نعم وذكر الشيخ أبو منصور رحمه الله أن المعانقة إنما تكره إذا كانت شبيهة بما وضعت للشهوة في حالة التجرد فأما إذا قصد بها المبرة والإكرام فلا تكره وكذا التقبيل الموضوع لقضاء الوطر والشهوة هو المحرم فإذا زال عن تلك الحالة أبيح وعلى هذا الوجه الذي ذكره الشيخ يحمل الحديث الذي احتج به أبو يوسف رحمه الله والله أعلم بالصواب

Section V05/P123–V05/P124

وأما الثالث وهو بيان ما يحل من ذلك وما يحرم للمرأة من المرأة فكل ما يحل للرجل أن ينظر إليه من الرجل يحل للمرأة أن تنظر إليه من المرأة وكل ما لا يحل له لا يحل لها فتنظر المرأة من المرأة إلى سائر جسدها إلا ما بين السرة والركبة لأنه ليس في نظر المرأة إلى المرأة خوف الشهوة والوقوع في الفتنة كما ليس ذلك في نظر الرجل إلى الرجل حتى لو خافت ذلك تجتنب عن النظر كما في الرجل ولا يجوز لها أن تنظر ما بين سرتها إلى الركبة إلا عند الضرورة بأن كانت قابلة فلا بأس لها أن تنظر إلى الفرج عند الولادة وكذا لا بأس أن تنظر إليه لمعرفة البكارة في امرأة العنين والجارية المشتراة على شرط البكارة إذا اختصما وكذا إذا كان بها جرح أو قرح في موضع لا يحل للرجال النظر إليه فلا بأس أن تداويها إذا علمت المداواة فإن لم تعلم تعلم ثم تداويها فإن لم توجد امرأة تعلم المداواة ولا امرأة تتعلم وخيف عليها الهلاك أو بلاء أو وجع لا تحتمله يداويها الرجل لكان ( ( ( لكن ) ) ) لا يكشف منها إلا موضع الجرح ويغض بصره ما استطاع لأن الحرمات الشرعية جاز أن يسقط اعتبارها شرعا لمكان الضرورة كحرمة الميتة وشرب الخمر حالة المخمضة ( ( ( المخمصة ) ) ) والإكراه لكن الثابت بالضرورة لا يعدو موضع الضرورة لأن علة ثبوتها الضرورة والحكم لا يزيد على قدر العلة هذا الذي ذكرنا حكم النظر والمس وأما حكم الدخول في بيت الغير فالداخل لا يخلو إما أن يكون أجنبيا أو من محارمه فإن كان أجنبيا فلا يحل له الدخول فيه من غير استئذان لقوله تبارك وتعالى يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها قيل تستأنسوا أي تستأذنوا وقيل تستعلموا وهما متقاربان لأن الاستئذان طلب الإذن والاستعلام طلب العلم والإذن إعلام وسواء كان السكن في البيت أو لم يكن لقوله تعالى فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وهذا يدل على أن الاستئذان ليس للسكان أنفسهم خاصة بل لأنفسهم ولأموالهم لأن الإنسان كما يتخذ البيت سترا لنفسه يتخذه سترا لأمواله وكما يكره إطلاع الغير على نفسه يكره إطلاعه على أمواله وفي بعض الأخبار إن من دخل بيتا بغير إذن قال له الملك الموكل به عصيت وآذيت فيسمع صوته الخلق كلهم إلا الثقلين فيصعد صوته إلى السماء الدنيا فتقول ملائكة السماء أف لفلان عصى ربه وأذى وإذا استأذن فأذن له حل له الدخول يدخل ثم يسلم ولا يقدم التسليم على الدخول كما قال بعض الناس لقوله سبحانه وتعالى فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة ولأنه لو سلم قبل الدخول فإذا دخل يحتاج إلى التسليم ثانيا وإن لم يؤذن له بالدخول وقيل له ارجع فليرجع ويكره له أن يقعد على الباب لقوله عز وجل وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا وفي بعض الأخبار الاستئذان ثلاث مرات من لم يؤذن له فيهن فليرجع أما الأول فيسمع الحي وأما الثاني فيأخذوا حذرهم وأما الثالث فإن شاؤا أذنوا وإن شاؤا ردوا فإذا استأذن ثلاث مرات ولم يؤذن له ينبغي أن يرجع ولا يقعد على الباب لينتظر لأن للناس حاجات وأشغالا في المنازل فلو قعد على الباب وانتظر لضاق ذرعهم وشغل قلوبهم ولعله ( ( ( ولعل ) ) ) لا تلتئم حاجاتهم فكان الرجوع خيرا له من القعود وذلك قوله تعالى هو أزكى لكم هذا إذا كان الدخول للزيارة ونحوها فأما إذا كان الدخول لتغيير المنكر بأن سمع في دار صوت المزامير والمعازف فليدخل عليهم بغير إذنهم لأن تغيير المنكر فرض فلو شرط الإذن لتعذر التغير ( ( ( التغيير ) ) ) والله سبحانه وتعالى أعلم

Section V05/P124

وإن كان من محارمه فلا يدخل بغير استئذان أيضا وإن كان يجوز له النظر إلى مواضع الزينة الظاهرة والباطنة لعموم النص الذي تلونا ولو دخل عليها من غير استئذان فربما كانت مكشوفة العورة فيقع بصره عليها فيكرهان ذلك وهكذا روي أن رجلا سأل النبي عليه الصلاة والسلام وقال أنا أخدم أمي وأفرشها إلي ( ( ( ألا ) ) ) أستأذن عليها فقال رسول الله نعم فسأله ثلاثا فقال عليه الصلاة والسلام يسرك أن تراها عريانة فقال لا قال استأذن عليها وكذا روي عن حذيفة رضي الله عنه أن رجلا سأله فقال أستأذن على أختي فقال رضي الله عنه إن لم تستأذن رأيت ما يسوءك إلا أن الأمر في الاستئذان على المحارم أيسر وأسهل لأن المحرم مطلق النظر إلى موضع الزينة منها شرعا هذا الذي ذكرنا حكم الأحرار البالغين وأما حكم المماليك والصبيان أما المملوك فيدخل في بيت سيده من غير استئذان إلا في ثلاثة أوقات قبل صلاة الفجر وعند الظهر وبعد صلاة العشاء الآخرة لقوله تبارك وتعالى يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم إلى قوله تعالى ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض ولأن هذه أوقات التجرد وظهور العورة في العادة أما قبل صلاة الفجر فوقت الخروج من ثياب النوم ووقت الظهيرة وقت وضع الثياب للقيلولة وأما بعد صلاة العشاء فوقت وضع ثياب النهار للنوم ولا كذلك بعد هذه الأوقات الثلاث لأن العورات بعدها تكون مستورة عادة والعبد والأمة في ذلك سواء سواء كان المملوك صغيرا أو كبيرا بعد أن كان يعرف العورة من غير العورة لأن هذه أوقات غرة وساعات غفلة فربما يكون على حالة يكره أن يراه أحد عليها وهذا المعنى يستوي فيه الذكر والأنثى والكبير والصغير بعد أن يكون من أهل التمييز ويكون الخطاب في الصغار للسادات بالتعليم والتأديب كما في الآباء مع الأبناء الصغار وأما الصبيان فإن كان الصغير ممن لا يميز بين العورة وغيرها فيدخل في الأوقات كلها وإن كان من أهل التمييز بأن قرب من البلوغ يمنعه الأب من الدخول في الأوقات الثلاثة تأديبا وتعليما لأمور الدين كالأمر بالصلاة إذا بلغ سبعا وضربه عليها إذا بلغ عشرا والتفريق بينهم في المضاجع والله أعلم هذا إذا كان البيت مسكونا بأن كان له ساكن وأما إذا لم يكن كالخانات والرباطات التي تكون للمارة والخربات التي تقضي فيها حاجة البول والغائط فلا بأس أن يدخله من غير استئذان لقوله سبحانه وتعالى ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم أي منفعة بكم ( ( ( لكم ) ) ) وهي منفعة دفع الحر والبرد في الخانات والرباطات ومنفعة قضاء الحاجة من البول والغائط في الخربات والله سبحانه وتعالى أعلم وروي في الخبر أنه لما نزلت آية الاستئذان قال سيدنا أبو بكر رضي الله عنه يا رسول الله فكيف بالبيوت التي بين مكة والمدينة وبين المدينة والشام ليس فيها ساكن فأنزل الله تعالى عز وجل قوله ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم والله عز وجل الموفق هذا الذي ذكرنا حكم الدخول وأما حكم ما بعد الدخول وهو الخلوة فإن كان في البيت امرأة أجنبية أو ذات رحم محرم لا يحل للرجل أن يخلو بها لأن فيه خوف الفتنة والوقوع في الحرام وقد روي عن رسول الله أنه قال لا يخلون رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان وإن كانت المرأة ذات رحم محرم منه فلا بأس بالخلوة

Section V05/P124–V05/P125

والأفضل أن لا يفعل لما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما أنه قال ما خلوت بامرأة قط مخافة أن أدخل في نهي النبي عليه الصلاة والسلام ويكره للمرأة أن تصل شعر غيرها من بني آدم بشعرها لقوله عليه السلام لعن الله الواصلة والمستوصلة ولأن الآدمي بجميع أجزائه مكرم والانتفاع بالجزء المنفصل منه إهانة له ولهذا كره بيعه ولا بأس بذلك من شعر البهيمة وصوفها لأنه انتفاع بطريق التزين بما يحتمل ذلك ولهذا احتمل الاستعمال في سائر وجوه الانتفاع فكذا في التزين ولا بأس للرجل أن يعزل عن أمته بغير إذنها وأما المنكوحة فإن كانت حرة يكره له العزل من غير إذنها بالإجماع لأن لها في الولد حقا وفي العزل فوت الولد ولا يجوز تفويت حق الإنسان من غير رضاه فإذا رضيت جاز وإن كانت أمة فلا بد من الإذن أيضا بلا خلاف لكن الكلام في أن الإذن بذلك إلى المولى أم إليها قال أبو حنيفة رحمه الله الإذن فيه ( ( ( فيها ) ) ) إلى مولاها وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله إليها وجه قولهما إن لها حقا في قضاء الشهوة والعزل يوجب نقصانا فيه ولا يجوز إبطال حق الإنسان من غير رضاه وجه قول أبي حنيفة رضي الله عنه أن الكراهة في الحرة لمكان خوف فوت الولد الذي لها فيه حق والحق ههنا في الولد للمولى لا للأمة وقولهما فيه نقصان قضاء الشهوة فنعم لكن حقها في أصل قضاء الشهوة لا في وصف الكمال ألا ترى أن من الرجال من لا ماء له وهو يجامع امرأته من غير إنزال ولا يكون لها حق الخصومة دل أن حقها في أصل قضاء الشهوة لا في وصف الكمال والله سبحانه وتعالى أعلم ويكره للرجل أن يقول في دعائه أسألك بحق أنبيائك ورسلك وبحق فلان لأنه لا حق لأحد على الله سبحانه وتعالى جل شأنه وكذا يكره أن يقول في دعائه أسألك بمعقد العز من عرشك وروي عن أبي يوسف أنه لا بأس بذلك لورود الحديث وهو ما روي عن رسول الله أنه كان يقول في دعائه اللهم إني أسألك بمعقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك وباسمك الأعظم وجدك الأعلى وكلماتك التامة وجه ظاهر الرواية أن ظاهر هذا اللفظ يوهم التشبيه لأن العرش خلق من خلائق الله تبارك وتعالى جل وعلا فاستحال أن يكون عز الله تبارك وتعالى معقودا به وظاهر الخبر الذي هو في حد الآحاد إذا كان موهما للتشبيه فالكف عن العمل به أسلم ويكره حمل الخرقة لمسح العرق والامتخاط ترفعا بها وتكبرا لأن التكبر من المخلوق مذموم وكذا هو تشبيه بزي العجم وقال سيدنا عمر رضي الله عنه إياكم وزي العجم فأما لحاجة ( ( ( الحاجة ) ) ) فلا بأس به لأنه لو لم يحمل لاحتاج إلى الأخذ بالكم والذيل وفيه إفساد ثوبه ولا بأس بربط الخيط في الأصبع أو الخاتم للحاجة لأن فيه استعانة على قضاء حاجة المسلم بالتذكير ودفع النسيان وأنه أمر مندوب إليه وروي أن رسول الله أمر بعض الصحابة بذلك ويكره استقبال القبلة بالفرج في الخلاء لما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال إذا أتيتم الغائط فعظموا قبلة الله تبارك وتعالى فلا تستقبلوها ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا وهذا بالمدينة وأما الاستدبار فعن أبي حنيفة رضي الله عنه فيه روايتان في رواية يكره وفي رواية لا يكره لما روي عبد الله بن سيدنا عمر رضي الله عنهما أنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام مستقبل الشام مستدبر القبلة ولأن فرجه لا يوازي القبلة حالة الاستدبار وإنما يوازي الأرض بخلاف حالة الاستقبال هذا إذا كان في الفضاء فإن كان في البيوت فكذلك عندنا وعند الشافعي عليه الرحمة لا بأس بالاستقبال في البيوت واحتج بما روي عبد الله بن سيدنا عمر رضي الله عنهما سئل عن ذلك فقال إنما ذلك في الفضاء

Section V05/P125–V05/P126

ولنا ما روينا من حديث رسول الله مطلقا من غير فصل بين الفضاء والبيوت والعمل بقول رسول الله أولى من العمل بقول الصحابي ولأن الفارق بين الفضاء وبين البيوت إن كان وجود الحائل من الجدار ونحوه فقد وجد الحائل في الفضاء وهو الجبال وغيرها ولم يمنع الكراهة فكذا هذا ويكره أن تكون قبلة المسجد إلى متوضأ أو مخرج أو حمام لأن فيه ترك تعظيم المسجد وأما مسجد البيت وهو الموضع الذي عينه صاحب البيت للصلاة فلا بأس بذلك لأنه ليس بمسجد حقيقة فلا يكون له حكم المسجد وتكره التصاوير في البيوت لما روي عن رسول الله عن سيدنا جبريل عليه الصلاة والسلام أنه قال لا ندخل بيتا فيه كلب أو صورة ولأن إمساكها تشبه بعبدة الأوثان إلا إذا كانت على البسط أو الوسائد الصغار التي تلقى على الأرض ليجلس عليها تكره لأن دوسها بالأرجل إهانة لها فإمساكها في موضع الإهانة لا يكون تشبها بعبدة الأصنام إلا أن يسجد عليها فيكره لحصول معنى التشبه ويكره على الستور وعلى الأزر المضروبة على الحائط وعلى الوسائد الكبار وعلى السقف لما فيه من تعظيمها ولو لم يكن لها رأس فلا بأس لأنها لا تكون صورة بل تكون نقشا فإن قطع رأسه بأن خاط على عنقه خيطا فذاك ليس بشيء لأنها لم تخرج عن كونها صورة بل ازدادت حلية كالطوق لذوات الأطواق من الطيور ثم المكروه صورة ذي الروح فأما صورة ما لا روح له من الأشجار والقناديل ونحوها فلا بأس به ويكره التعشير والنقط في المصحف لقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما جردوا مصاحفكم وذلك في ترك التعشير والنقط ولأن ذلك يؤدي إلى الخلل في تحفظ القرآن لأنه يتكل عليه فلا يجتهد في التحفظ بل يتكاسل لكن قيل هذا في بلادهم فأما في بلاد العجم فلا يكره لأن العجم لا يقدرون على تعلم القرآن بدونه ولهذا جرى التعارف به في عامة البلاد من غير نكير فكان مسنونا لا مكروها ولا بأس بنقش المسجد بالجص والساج وماء الذهب لأن تزين ( ( ( تزيين ) ) ) المسجد من تعظيمه لكن مع هذا تركه أفضل لأن صرف المال إلى الفقراء أولى وإليه أشار عمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما حين رأى مالا ينقل إلى المسجد الحرام فقال المساكين أحوج من الأساطين وكان لمسجد رسول الله جريد النخل وهذا إذا نقش من مال نفسه فأما من مال المسجد فلا ينبغي أن يفعل ولو فعل القيم من مال المسجد قيل إنه يضمن ولا يعق عن الغلام والجارية عندنا وعند الشافعي رحمه الله العقيقة سنة واحتج بما روي أن رسول الله عق عن سيدنا الحسن وسيدنا الحسين رضي الله عنهما كبشا كبشا ولنا ما روي عن سيدنا رسول الله أنه قال نسخت الأضحية كل دم كان قبلها ونسخ صوم رمضان كل صوم كان قبله ونسخت الزكاة كل صدقة كانت قبلها والعقيقة كانت قبل الأضحية فصارت منسوخة بها كالعتيرة والعقيقة ما كانت قبلها فرضا بل كانت فضلا وليس بعد نسخ الفضل إلا الكراهة بخلاف صوم عاشوراء وبعض الصدقات المنسوخة حيث لا يكره التنفل بها بعد النسخ لأن ذلك كان فرضا وانتساخ الفرضية لا يخرجه عن كونه قربة في نفسه والله سبحانه وتعالى أعلم ويكره للرجل أن يجعل الراية في عنق عبده ولا بأس بأن يقيده أما الراية وهي الغل فلأنه شيء أحدثته الجبابرة

Section V05/P126–V05/P127

وقد قال رسول الله كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار فأما التقييد فليس بمحدث بل كان يستعمله الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم روي أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قيد عبدا له يعلمه تأويل القرآن وبه جرت العادة في سائر الأعصار من غير نكير فيكون إجماعا ولأن ضرب الراية على العبد لإبقاء التمكن من الانتفاع مع الأمن عن الآباق إلا أن لا يحصل بالراية لأن كل أحد إذا رآه يمشي مع الراية يظنه آبقا فيصرفه عن وجهه ويرده إلى مولاه فلا يمكنه الانتفاع به فلم يكن ضرب الراية عليه مفيدا ولا بأس بالحنقة ( ( ( بالحقنة ) ) ) لأنها من باب التداوي وأنه أمر مندوب إليه قال النبي عليه الصلاة والسلام تداووا فإن الله تعالى لم يخلق داء إلا وقد خلق له دواء إلا السام والهرم ويكره اللعب بالنرد والشطرنج والأربعة عشر وهي لعب تستعمله اليهود لأنه قمار أو لعب وكل ذلك حرام أما القمار فلقوله عز وجل يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس وهو القمار كذا روي عن ابن عباس وابن سيدنا عمر رضي الله عنهم وروي عن مجاهد وسعيد بن جبير والشعبي وغيرهم رضي الله عنهم أنهم قالوا الميسر القمار كله حتى الجوز الذي يلعب به الصبيان وعن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال الشطرنج ميسر الأعاجم وعن النبي أنه قال ما ألهاكم عن ذكر الله فهو ميسر وأما اللعب فلقوله عليه الصلاة والسلام كل لعب حرام إلا ملاعبة الرجل امرأته وقوسه وفرسه وقوله عليه الصلاة والسلام ما أنا من دد ولا دد مني وحكي عن الشافعي رحمه الله أنه رخص في اللعب بالشطرنج وقال لأن فيه تشحيذ الخاطر وتذكية الفهم والعلم بتدابير الحرب ومكايده فكان من باب الأدب فأشبه الرماية والفروسية وبهذا لا يخرج عن كونه قمارا ولعبا وكل ذلك حرام لما ذكرنا وكره أبو يوسف التسليم على اللاعبين بالشطرنج تحقيرا لهم لزجرهم عن ذلك ولم يكرهه أبو حنيفة رضي الله عنه لأن ذلك يشغلهم عما هم فيه فكان التسليم بعض ما يمنعهم عن ذلك فلا يكره ولا بأس بعيادة اليهود والنصارى لما روي أن رسول الله عاد يهوديا فقال له قل لا إله إلا الله محمد رسول الله فنظر إلى أبيه فقال له أبوه أجب محمدا فأسلم ثم مات فقال رسول الله الحمد لله الذي أنقذ بي نسمة من النار ولأن عيادة الجار قضاء حق الجوار وأنه مندوب إليه قال الله تبارك وتعالى والجار الجنب من غير فصل مع ما في العيادة من الدعوة إلى الإيمان رجاء الإيمان فكيف يكون مكروها ويكره الابتداء بالتسليم على اليهودي والنصراني لأن السلام اسم لكل بر وخير ولا يجوز مثل هذا الدعاء للكافر إلا أنه إذا سلم لا بأس بالرد عليه مجازاة له ولكن لا يزيد على قوله وعليك لما روي عن رسول الله أنه قال إن اليهود إذا سلم عليكم أحدهم فإنما يقول السام عليكم فقولوا وعليكم ( ( ( وعليك ) ) ) ولا بأس بدخول أهل الذمة المساجد عندنا وقال مالك رحمه الله والشافعي لا يحل لهم دخول المسجد الحرام احتج مالك رحمه الله بقوله عز وجل إنما المشركون نجس وتنزيه المسجد عن النجس واجب يحققه أنه يجب تنزيه المسجد عن بعض الطاهرات كالنخامة ونحوها قال رسول الله إن المسجد لينزوي من النخامة كما تنزوي الجلدة من النار فعن النجاسة أولى واحتج الشافعي رحمه الله بقوله جلا ( ( ( جل ) ) ) وعلا فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا خص المسجد الحرام بالنهي عن قربانه فيدل على اختصاص حرمة الدخول به ليكون التخصيص مفيدا ولنا أن المشركين من وفود العرب وغيرهم كانوا يدخلون المسجد على رسول الله فإنه روي أن أبا سفيان دخل المسجد عام الحديبية وكذا وفد ثقيف دخلوا المسجد

Section V05/P127–V05/P128

وقال رسول الله يوم فتح مكة من دخل المسجد فهو آمن جعل عليه الصلاة والسلام المسجد مأمنا ودعاهم إلى دخوله وما كان عليه الصلاة والسلام ليدعو إلى الحرام وأما الآية الكريمة فالمراد أنهم نجس الاعتقاد والأفعال لا نجس الأعيان إذ لا نجاسة على أعيانهم حقيقة وقوله عز وجل فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا نهى عن دخول مكة للحج لا عن دخول المسجد الحرام نفسه لقوله تعالى وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء ومعلوم أن خوف العيلة إنما يتحقق بمنعهم عن دخول مكة لا عن دخول المسجد الحرام نفسه لأنهم إذا دخلوا مكة ولم يدخلوا المسجد الحرام لا يتحقق خوف العيلة ولما روي أن رسول الله بعث سيدنا عليا رضي الله عنه ينادي ألا لا يحجن بعد هذا العام مشرك فثبت أن هذا نهي عن دخول مكة للحج إلا أنه سبحانه وتعالى ذكر المسجد الحرام لما أن المقصد من إتيان مكة البيت والبيت في المسجد والله سبحانه وتعالى أعلم مسلم ( ( ( ومسلم ) ) ) باع خمرا وأخذ ثمنها وعليه دين يكره لصاحب الدين أن يأخذه منه ولو كان البائع نصرانيا فلا بأس بأخذه ووجه الفرق أن بيع الخمر من المسلم باطل لأنها ليست بمتقومة في حق المسلم فلا يملك ثمنها فبقي على حكم ملك المشتري فلا يصح قضاء الدين به وإن كان البائع نصرانيا فالبيع صحيح لكونها مالا متقوما في حقه فملك ثمنها فصح قضاء الدين منه والله عز وجل أعلم رجل دعي إلى وليمة أو طعام وهناك لعب أو غناء جملة الكلام فيه أن هذا في الأصل لا يخلو من أحد وجهين إما أن يكون عالما أن هناك ذاك وإما إن لم يكن عالما به فإن كان عالما به فإن كان من غالب رأيه أنه يمكنه التغيير يجيب لأن إجابة الدعوى مسنونة قال النبي عليه الصلاة والسلام إذا دعى أحدكم إلى وليمة فليأتها وتغيير المنكر مفروض فكان في الإجابة إقامة الفرض ومراعاة السنة وإن كان في غالب رأيه أنه لا يمكنه التغيير لا بأس بالإجابة لما ذكرنا أن إجابة الدعوة مسنونة ولا تترك السنة لمعصية توجد من الغير ألا ترى أنه لا يترك تشييع الجنازة وشهود المأتم وإن كان هناك معصية من النياحة وشق الجيوب ونحو ذلك كذا ههنا وقيل هذا إذا كان المدعو إماما يقتدي به بحيث يحترم ويحتشم منه فإن لم يكن فترك الإجابة والقعود عنها أولى وإن لم يكن عالما حتى ذهب فوجد هناك لعبا أو غناء فإن أمكنه التغيير غير وإن لم يمكنه ذكر في الكتاب وقال لا بأس بأن يقعد ويأكل قال أبو حنيفة رضي الله عنه ابتليت بهذا مرة لما ذكرنا أن إجابة الدعوة أمر مندوب إليه فلا يترك لأجل معصية توجد من الغير هذا إذا لم يعلم به حتى دخل فإن علمه قبل الدخول يرجع ولا يدخل وقيل هذا إذا لم يكن إماما يقتدي به فإن كان لا يمكث بل يخرج لأن في المكث استخفافا بالعلم والدين وتجرئة لأهل الفسق على الفسق وهذا لا يجوز وصبر أبي حنيفة رحمه الله محمول على وقت لم يصر فيه مقتدى به على الإطلاق ولو صار لما صبر ودلت المسألة على أن مجرد الغناء معصية وكذا الاستماع إليه وكذا ضرب القصب والاستماع إليه ألا ترى أن أبا حنيفة رضي الله عنه سماه ابتلاء ويكره الاحتكار والكلام في الاحتكار في موضعين أحدهما في تفسير الاحتكار وما يصير به الشخص محتكرا والثاني في بيان حكم الاحتكار أما الأول فهو أن يشتري طعاما في مصر ويمتنع عن بيعه وذلك يضر بالناس وكذلك لو اشتراه من مكان قريب يحمل طعامه إلى المصر وذلك المصر صغير وهذا يضر به يكون محتكرا وإن كان مصرا كبيرا لا يضر به لا يكون محتكرا ولو جلب إلى مصر طعاما من مكان بعيد وحبسه لا يكون احتكارا

Questions