Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
والجواب أن الحكم ببطلان هذا البيع لمكان الضرورة فلو اعتبرنا وجود الشرط عند البيع لا تندفع الضرورة ولو أجاز أحدهما دون الآخر لم يجز وإن أجازاه جاز كذا ذكر محمد لأن الشرط السابق وهو المواضعة منعت انعقاد العقد في حق الحكم بمنزلة شرط خيار المتبايعين فلا يصح إلا بتراضيهما ولا يملكه المشتري بالقبض حتى لو كان المشتري عبدا فقبضه وأعتقه لا ينقذ ( ( ( ينفذ ) ) ) إعتاقه بخلاف المكره على البيع والتسليم إذا باع وسلم فأعتقه المشتري أن ينقذ ( ( ( ينفذ ) ) ) إعتاقه لأن بيع المكره انعقد سببا للحكم لوجود الرضا بمباشرة السبب عقلا لما فيه من صيانة نفسه عن الهلاك فانعقد السبب إلا أنه فسد لانعدام الرضا طبعا فتأخر الملك فيه إلى وقت القبض أما ههنا فلم يوجد الرضا بمباشرة السبب في الجانبين أصلا فلم ينعقد السبب في حق الحكم فتوقف على أحدهما فأشبه البيع بشرط خيار المتبايعين هذا إذا كانت التلجئة في إنشاء البيع فإما أذا كانت في الإقرار به فإن اتفقا على أن يقرا ببيع لم يكن فأقرا بذلك ثم اتفقا على أنه لم يكن فالبيع باطل حتى لا يجوز بإجازتهما لأن الإقرار إخبار وصحة الإخبار بثبوت المخبر به حال وجود الإخبار فإن كان ثابتا كان الإخبار صدقا وإلا فيكون كذبا والمخبر به ههنا وهو البيع ليس بثابت فلا يحتمل الإجازة لأنها تلحق الموجود لا المعدوم هذا كله إذا كانت التلجئة في نفس البيع إنشاء كان أو إقرارا فأما إذا كانت في الثمن فهذا أيضا لا يخلو من أحد وجهين إما إن كانت في قدر الثمن وإما إن كانت في جنسه فإن كانت في قدره بأن تواضعا في السر والباطن على أن يكون الثمن ألفا ويتبايعان في الظاهر بألفين فإن لم يقولا عند المواضعة ألف منهما رياء وسمعة فالثمن ما تعاقدا عليه لأن الثمن اسم للمذكور عند العقد والمذكور عند العقد ألفان فإن لم يذكر ( ( ( يذكرا ) ) ) أن أحدهما رياء وسمعة صحت تسمية الألفين وإن قالا عند المواضعة ألف منهما رياء وسمعة فالثمن ثمن السر والزيادة باطلة في ظاهر الرواية عند أبي حنيفة وهو قول أبي يوسف ومحمد وروي عن أبي يوسف أن الثمن ثمن العلانية وجه هذه الرواية أن الثمن هو المذكور في العقد والألفان مذكوران في العقد وما ذكرا في المواضعة لم يذكراه في العقد فلا يعتبر وجه ظاهر الرواية أن ما تواضعا في السر هو ما تعاقدا عليه في العلانية إلا أنهما زادا عليه ألفا أخرى والمواضعة السابقة أبطلت الزيادة لأنهما في هزلانها حيث لم يقصداها فلم يصح ذكر الزيادة في البيع فيبقى البيع بما تواضعا عليه وهو الألف وإن كانت في جنسه بأن اتفقا في السر على أن الثمن ألف درهم لكنهما يظهرا أن البيع بمائة دينار فإن لم يقولا في المواضعة أن ثمن العلانية رياء وسمعة فالثمن ما تعاقدا عليه لما قلنا وإن قالا ذلك فالقياس أن يبطل العقد وفي الاستحسان يصح بمائة دينار وجه القياس أن ثمن السر لم يذكراه في العقد وثمن العلانية لم يقصداه فقد هزلا به فسقط وبقي بيعا بلا ثمن فلا يصح وجه الاستحسان أنهما لم يقصدا بيعا باطلا بل بيعا صحيحا فيجب حمله على الصحة ما أمكن ولا يمكن حمله على الصحة إلا بثمن العلانية فكأنهما انصرفا عما شرطاه في الباطن فتعلق الحكم بالظاهر كما لو اتفقا على أن يبيعاه بيع تلجئة فتواهبا بخلاف الألف والألفين لأن الثمن المذكور المشروط في السر مذكور في العقد وزيادة فتعلق العقد به هذا إذا تواضعا في السر ولم يتعاقدا في السر فأما إذا تعاقدا في السر بثمن ثم تواضعا على أن يظهرا العقد بأكثر منه أو بجنس آخر فإن لم يقولا أن العقد الثاني رياء وسمعة فالعقد الثاني يرفع العقد الأول والثمن هو المذكور في العقد الثاني لأن البيع يحتمل الفسخ والإقالة فشروعهما في العقد الثاني إبطال للأول فبطل الأول وانعقد الثاني بما سمي عنده
وإن قالا رياء وسمعة فإن كان الثمن من جنس آخر فالعقد هو العقد الأول لأنهما لم يذكرا الرياء والسمعة فقد أبطلا المسمى في العقد الثاني فلم يصح العقد فبقي العقد الأول وإن كان من جنس الأول فالعقد هو العقد الثاني لأن البيع يحتمل الفسخ فكان العقد هو العقد الثاني لكن بالثمن الأول والزيادة باطلة لأنهما أبطلاها حيث هزلا بها هذا إذا تواضعا واتفقا في التلجئة في البيع فتبايعا وهما متفقان على ما تواضعا فأما إذا اختلفا فادعى أحدهما التلجئة وأنكر الآخر وزعم أن البيع بيع رغبة فالقول قول منكر التلجئة لأن الظاهر شاهد له فكان القول قوله مع يمينه على ما يدعيه صاحبه من التلجئة إذا طلب الثمن وإن أقام المدعي البينة على التلجئة تقبل بينته لأنه أثبت الشرط بالبينة فتقبل بينته كما لو أثبت الخيار بالبينة ثم هذا التفريع على ظاهر الرواية عن أبي حنيفة رحمه الله لأنه يعتبر المواضعة السابقة فأما على رواية أبي يوسف عنه فلا يجيء هذا التفريع لأنه يعتبر العقد الظاهر فلا يلتفت إلى هذه الدعوى لأنها وإن صحت لا تؤثر في البيع الظاهر وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه فقال على قول أبي حنيفة القول قول من يدعي جواز البيع وعلى قولهما القول قول من يدعي التلجئة والعقد فاسد ولو اتفقا على التلجئة ثم قالا عند البيع كل شرط كان بيننا فهو باطل تبطل التلجئة ويجوز البيع لأنه شرط فاسد زائد فاحتمل السقوط بالإسقاط ومتى سقط صار العقد جائزا إلا إذا اتفقا عند المواضعة وقالا إن ما نقوله عند البيع أن كل شرط بيننا فهو باطل فذلك القول منا باطل فإذا قالا ذلك لا يجوز العقد لأنهما اتفقا على أن ما يبطلانه من الشرط عند العقد باطل إلا إذا حكيا في العلانية ما قالا في السر فقالا إنا شرطنا كذا وكذا وقد أبطلنا ذلك ثم تبايعا فيجوز البيع ثم كما لا يجوز بيع التلجئة لا يجوز الإقرار بالتلجئة بأن يقول لآخر إني أقر لك في العلانية بمالي أو بداري وتواضعا على فساد الإقرار لا يصح إقراره حتى لا يملكه المقر له والله سبحانه وتعالى أعلم وأما الذي يخص بعض البياعات دون بعض فأنواع أيضا منها أن يكون الأجل معلوما في بيع فيه أجل فإن كان مجهولا لا يفسد البيع سواء كانت الجهالة متفاحشة كهبوب الريح ومطر السماء وقدوم فلان وموته والميسرة ونحو ذلك أو متقاربة كالحصاد والدياس والنيروز والمهرجان وقدوم الحاج وخروجهم والجذاذ والجزار والقطاف والميلاد وصوم النصارى وفطرهم قبل دخولهم في صومهم ونحو ذلك لأن الأول فيه غرر الوجود والعدم والنوع الثاني ما ( ( ( مما ) ) ) يتقدم ويتأخر فيؤدي إلى المنازعة فيوجب فساد البيع ولو باع العين بثمن دين إلى أجل مجهول جهالة متقاربة ثم أبطل المشتري الأجل قبل محله وقبل أن يفسخ العقد بينهما لأجل الفساد جاز العقد عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر لا يجوز ولو لم يبطل حتى حل الأجل وأخذ الناس في الحصاد ثم أبطل لا يجوز العقد بالإجماع وإن كانت الجهالة متفاحشة فأبطل المشتري الأجل قبل الافتراق ونقد الثمن جاز البيع عندنا وعند زفر لا يجوز ولو افترقا قبل الإبطال لا يجوز بالإجماع وعلى هذا إذا باع بشرط الخيار ولم يوقت للخيار وقتا معلوما بأن قال أبدا أو أياما أو لم يذكر الوقت حتى فسد البيع بالإجماع
ثم أن صاحب الخيار أبطل خياره قبل مضي ثلاثة أيام قبل أن يفسخ ( ( ( يفسد ) ) ) العقد بينهما جاز البيع عندنا خلافا لزفر رحمه الله وإن أبطل بعد مضي الأيام الثلاثة لا يجوز العقد عند أبي حنيفة رحمه الله وزفر وعند أبي يوسف ومحمد يجوز وإن وقت وقتا معلوما بأن قال أربعة أيام أو شهرا ( ( ( شهر ) ) ) فأبطل الخيار قبل مضي ثلاثة أيام وقبل أن يفسخ العقد بينهما لأجل الفساد جاز عندنا وعند زفر لا يجوز وعندهما هذا الخيار جائز ولو مضت الأيام الثلاثة ثم أبطل صاحب الخيار خياره لا يجوز البيع بالإجماع وعلى هذا لو عقدا عقد السلم بشرط الخيار حتى فسد السلم ثم إن صاحب الخيار أبطل خياره قبل الافتراق جاز السلم عندنا إذا كان رأس المال قائما في يده ولو افترقا قبل الإبطال ثم أبطل لا يجوز بالإجماع وعلى هذا إذ اشترى ثوبا برقمه ولم يعلم المشتري رقمه حتى فسد البيع ثم علم رقمه فإن علم قبل الإفتراق واختار البيع جاز البيع عندنا وعند زفر لا يجوز وإن كان بعد الافتراق لا يجوز بالإجماع والأصل عند زفر أن البيع إذا انعقد على الفساد لا يحتمل الجواز بعد ذلك برفع المفسد والأصل عندنا أنه ينظر إلى الفساد فإن كان قويا بأن دخل في صلب العقد وهو البدل أو المبدل لا يحتمل الجواز برفع المفسد كما قال زفر إذا باع عبدا بألف درهم ورطل من خمر فحط الخمر عن المشتري وإن كان ضعيفا لم يدخل في صلب العقد بل في شرط جائز يحتمل الجواز برفع المفسد كما في البيع بشرط خيار لم يوقت أو وقت إلى وقت مجهول كالحصاد والدياس أو لم يذكر الوقت وكما في بيع الدين بالدين إلى أجل مجهول على ما ذكرنا ثم اختلف مشايخنا في العبارة عن هذا العقد قال مشايخ العراق أنه انعقد فاسدا لكن فسادا غير متقرر فإن أبطل الشرط قبل تقرره بأن لم يدخل وقت الحصاد أو اليوم الرابع ينقلب إلى الجواز وإن لم يبطل حتى دخل تقرر الفساد وهو قول بعض مشايخنا بما وراء النهر وقال مشايخ خراسان وبعض مشايخنا بما وراء النهر العقد موقوف إن أسقط الشرط قبل وقت الحصاد واليوم الرابع تبين أنه كان جائزا من الأصل وإن لم يسقط حتى دخل اليوم الرابع أو أوان الحصاد تبين أنه وقع فاسدا من حين وجوده وذكر عن الحسن بن زياد رحمه الله أنه قال قال أبو حنيفة لو أن رجلا اشترى عبدا على أنه بالخيار أكثر من ثلاثة أيام فالبيع موقوف فإن قال المشتري قبل مضي الثلاث أنا أبطل خياري واستوجب المبيع قبل أن يقول البائع شيئا كان له ذلك وتم البيع وعليه الثمن ولم يكن للبائع أن يبطل البيع وإن قال البائع قد أبطلت البيع قبل أن يبطل المشتري خياره بطل البيع ولم يكن للمشتري أن يستوجبه بعد ذلك وأن يبطل خياره فقد نص على التوقف وفسره حيث جعل للبائع حق الفسخ قبل إجازة المشتري وهذا أمارة البيع الموقوف أن يكون لكل واحد من العاقدين حق الفسخ وجه قول زفر أن هذا بيع انعقد بوصف الفساد من حين وجوده فلا يتصور أن ينقلب جائزا لما فيه من الاستحالة ولهذا لم ينقلب إلى الجواز إذا دخل اليوم الرابع أو وقت الحصاد والدياس ولنا طريقان أحدهما أن هذا العقد موقوف للحال لا يوصف بالفساد ولا بالصحة لأن الشرط المذكور يحتمل أن يكون مفسدا حقيقة ويحتمل أن لا يكون فإذا سقط قبل دخول أوان الحصاد واليوم الرابع تبين أنه ليس بمفسد لأنه تبين أنه ما شرط الأجل والخيار إلا إلى هذا الوقت فتبين أن العقد وقع صحيحا مفيدا للملك بنفسه من حين وجوده كما لو أسقط الأجل الصحيح والخيار الصحيح وهو خيار ثلاثة أيام بعد مضي يوم وإن لم يسقط حتى مضت الأيام الثلاثة ودخل الحصاد تبين أن الشرط كان إلى هذا الوقت وأنه شرط مفسد
والثاني أن العقد في نفسه مشروع لا يحتمل الفساد على ما عرف وكذا أصل الأجل والخيار لأنه ملائم للعقد وأنه يوصف العقد بالفساد للحال لا لعينه بل لمعنى مجاور له زائد عليه وعلى أصل الأجل والخيار وهو الجهالة وزيادة الخيار على المدة المشروعة فإن سقط قبل دخول وقت الحصاد أو اليوم الرابع فقد أسقط المفسد قبل تقرره فزال الفساد فبقي العقد مشروعا كما كان من غير وصف الفساد وإذا دخل الوقت فقد تقرر المفسد فتقرر الفساد والفساد بعد تقرره لا يحتمل الزوال وقوله العقد ما وقع فاسدا من حين وجوده قلنا على الطريق الأول ممنوع بل هو موقوف وعلى الطريق الثاني مسلم لكن لا لعينه بل لغيره وهو الشرط المجاور المفسد وقد أسقط المفسد قبل تقرره فزال الفساد الثابت لمعنى في غيره فبقي مشروعا والله سبحانه وتعالى الموفق ولو باع بثمن حال ثم أخر إلى الآجال المتقاربة جاز التأخير ولو أخر إلى الآجال المتفاحشة لم يجز والدين على حاله حال فرق بين التأجيل والتأخير لم ( ( ( ولم ) ) ) يجوز التأجيل إلى هذه الآجال أصلا وجوز التأخير إلى المتقارب منها ووجه الفرق أن التأجيل في العقد جعل الأجل شرطا في العقد وجهالة الأجل المشروط في العقد وإن كانت متقاربة توجب فساد العقد لأنها تفضي إلى المنازعة فأما التأخير إلى الآجال المجهولة جهالة متقاربة فلا تفضي إلى المنازعة لأن الناس يؤخرون الديون إلى هذه الآجال عادة ومبنى التأخير على المسامحة فالظاهر أنهم يسامحون ولا ينازعون وما جرت العادة منهم بالتأخير إلى آجال تفحش جهالتها بخلاف التأجيل لأن ما جعل شرطا في البيع مبناه على المضايقة فالجهالة فيها وإن قلت تفضي إلى المنازعة ولهذا لا يجوز البيع إلى الآجال المتقاربة وجازت الكفالة إليها لأن مبنى الكفالة على المسامحة فإن المكفول له لا يضيق الأمر على الكفيل عادة لأن له سبيل الوصول إلى الدين من جهة الأصيل فالتأجيل إليها لا يفضي إلى المنازعة بخلاف البيع فإن الجهالة في باب البيع مفضية إلى المنازعة فكانت مفسدة للبيع ولو اشترى عينا بثمن دين على أن يسلم إليه الثمن في مصر آخر فهذا لا يخلو إما أن يكون الثمن مما لا حمل له ولا مؤنة وإما أن يكون مما له حمل ومؤنة وعلى كل ذلك لا يخلو من أن ضرب له الأجل أو لم يضرب فإن لم يضرب له الأجل فالبيع فاسد سواء كان الثمن له حمل ومؤنة أو لم يكن لأنه إذا لم يضرب له الأجل كان شرط التسليم في موضع على سبيل التأجيل وأنه أجل مجهول فيوجب فساد العقد وروي عن أبي يوسف رحمه الله أن الثمن إذا كان لا حمل له ولا مؤنة فالبيع جائز لأن شرط التأجيل في مكان آخر ليس بتأجيل حقيقة بل هو تخصيص التسليم بمكان آخر فيجوز البيع ويجبر المشتري على تسليم الثمن في أي موضع طالبه وإن ضرب له أجلا على أن يسلم إليه الثمن بعد محل الأجل في مصر آخر فإن كان الأجل مقدار ما لا يمكن الوصول إلى الموضع المشروط في قدر تلك المدة فالبيع فاسد أيضا لأنه إذا كان لا يمكن الوصول فيه إلى الموضع المشروط صار كأن لم يضرب وإن كان ضرب أجلا يمكن الوصول فيه إلى المكان المشروط فالبيع صحيح والتأجيل صحيح لأنه إذا ضرب له أجلا يمكن الوصول فيه إلى ذلك المكان علم أن شرط التسليم في ذلك المكان لم يكن على سبيل التأجيل بل على تخصيص ذلك المكان بالتسليم فيه فإذا حل الأجل وطالبه البائع بالثمن في غير المكان المشروط ينظر إن كان الثمن مما ليس له حمل ولا مؤنة يجبر المشتري على تسليمه في أي موضع طالبه البائع بعد حل الأجل وإن كان الثمن له حمل ومؤنة لا يجبر على تسليمه إلا في الموضع المشروط
وكذلك لو أراد المشتري أن يسلمه في غير المكان المشروط وأبى البائع ذلك إلا في الموضع المشروط فهو على هذا التفصيل ولو كان الثمن عينا فشرط تسليمه في مصر آخر فالبيع فاسد سواء شرط الأجل أو لم يشرط لأن فيه غررا والله سبحانه وتعالى أعلم ومنها القبض في بيع المشتري المنقول فلا يصح بيعه قبل القبض لما روي أن النبي عليه الصلاة ( ( ( وسلم ) ) ) والسلام نهى عن بيع ما لم يقبض والنهي يوجب فساد المنهي ولأنه بيع فيه غرر الانفساخ بهلاك المعقود عليه لأنه إذا هلك المعقود عليه قبل القبض يبطل البيع الأول فينفسخ الثاني لأنه بناه على الأول وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع فيه غرر وسواء باعه من غير بائعه أو من بائعه لأن النهي مطلق لا يوجب الفصل بين البيع من غير بائعه وبين البيع من بائعه وكذا معنى الغرر لا يفصل بينهما فلا يصح الثاني والأول على حاله ولا يجوز إشراكه وتوليته لأن كل ذلك بيع ولو قبض نصف المبيع دون النصف فأشرك رجلا لم يجز فيما لم يقبض وجاز فيما قبض لأن الإشراك نوع بيع والمبيع منقول فلم يكن غير المقبوض محلا له شرعا فلم يصح في غير المقبوض وصح في قدر المقبوض وله الخيار لتفرق الصفقة عليه ولا تجوز إجارته لأن الإجارة تمليك المنفعة بعوض وملك المنفعة تابع لملك العين ولا يجوز فيه تمليك العين فلا يجوز تمليك المنفعة ولأن الإجارة عقد يحتمل الفسخ فيتمكن فيه غرر الانفساخ بهلاك المعقود عليه ولأن ما روينا من النهي يتناول الإجارة لأنها نوع بيع وهو بيع المنفعة ويجوز إعتاقه بعوض وغير عوض وكذا تدبيره واستيلاده بأن كانت أمة فأقر أنها كانت ولدت له لأن جواز هذه التصرفات يعتمد قيام ملك الرقبة وقد وجد بخلاف البيع فإن صحته تفتقر إلى ملك الرقبة واليد جميعا لافتقاره إلى التسليم وكذا الإجارة بخلاف الإعتاق والتدبير ولأن المانع هو القبض وبهذه التصرفات يصير قابضا على ما نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى ولأن الفساد لتمكن الغرر وهو غرر انفساخ العقد بهلاك المعقود عليه لما نذكره وهذه التصرفات مما لا يحتمل الانفساخ فلم يوجد فلزم الجواز بدليله وهل تجوز كتابته لا رواية فيه عن أصحابنا فاحتمل أن يقال لا يجوز قياسا على البيع لأن كل واحد منهما مما يحتمل الفسخ والإقالة وجائز أن يقال يجوز فرقا بينها وبين البيع لأنها أوسع إضرارا من البيع وروي عن أبي يوسف إذا كاتبه المشتري قبل القبض فللبائع أن يبطله فإن لم يبطله حتى نقد المشتري الثمن جازت الكتابة ذكرها في العيون ولو وهبه من البائع فإن لم يقبله لم تصح الهبة والبيع على حاله لأن الهبة لا تصح بدون القبول فإن قبله البائع لم تجز الهبة لأنها تمليك المبيع قبل القبض وأنه لا يجوز كالبيع وانفسخ البيع بينهما ويكون إقالة للبيع فرق بين الهبة من البائع وبين البيع منه حيث جعل الهبة منه إقالة دون البيع منه ووجه الفرق أن بين الهبة والإقالة مقاربة فإن كل واحد منهما يستعمل في إلحاق ما سلف بالعدم يقال وهبت منك جريمتك كما يقال أقلت عثرتك أو جعلت ذلك كالعدم في حق المؤاخذة به ألا ترى أنه يستعمل كل واحد منهما مكان الآخر فأمكن جعل الهبة مجازا عن الإقالة عند تعذر العمل بالحقيقة بخلاف البيع فإنه لا مقاربة بينه وبين الإقالة فتعذر جعله مجازا عنها فوقع لغوا وكذلك لو تصدق به عليه فهو على التفصيل الذي ذكرنا ولو وهب لغير البائع أو تصدق به على غير البائع وأمر بالقبض من البائع أو رهنه عند آخر وأمره أن يقبض من البائع فقبضه بأمره أو ( ( ( وأقرضه ) ) ) أقرضه وأمره بالقبض لم تجز هذه العقود كلها عند أبي يوسف وعند محمد جازت
وجه قول محمد أن صحة هذه العقود بالقبض فإذا أمره بالقبض فقد أنابه مناب نفسه في القبض فصار بمنزلة الوكيل له فإذا قبض بأمره يصير قابضا عنه أولا بطريق النيابة ثم لنفسه فيصح ولأبي يوسف أن جواز هذه العقود مبني على الملك المطلق وهو ملك الرقبة واليد جميعا لأن به يقع الأمن عن غرر الانفساخ بهلاك المعقود عليه وغرر الانفساخ ههنا ثابت فلم يكن الملك مطلقا فلم يجز ولو أوصى به لرجل قبل القبض ثم مات جازت الوصية لأن الوصية أخت الميراث ولو مات قبل القبض صار ذلك ميراثا لورثته كذا الوصية ولو قال المشتري للبائع بعه لي لم يكن نقضا بالإجماع وإن باعه لم يجز بيعه ولو قال بعه لنفسك كان نقضا بالإجماع ولو قال بعه مطلقا كان نقضا عند أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف لا يكون نقضا وجه قوله أن إطلاق الأمر بالبيع ينصرف إلى البيع للآمر لا للمأمور لأن الملك له لا للمأمور فصار كأنه قال له بعه لي ولو نص عليه لا يكون نقضا للبيع لأنه أمره ببيع فاسد فكذا هذا ولهما أن مطلق الأمر بالبيع يحمل على بيع صحيح يصح ( ( ( صح ) ) ) ولو حملناه على البيع للآمر لما صح لأنه يكون أمرا ببيع من لا يملك بنفسه فلا يصح فيحمل على البيع لنفسه كأنه نص عليه فقال بعه لنفسك ولا يتحقق البيع لنفسه إلا بعد انفساخ البيع الأول فيتضمن الأمر بالبيع لنفسه انفساخ البيع الأول فينفسخ مقتضى الأمر كما في قول الرجل لغيره أعتق عبدك عني على ألف درهم ولو قال المشتري للبائع أعتقه فأعتقه البائع فإعتاقه جائز عن نفسه عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف إعتاقه باطل وجه قول أبي يوسف أن مطلق الأمر بالإعتاق ينصرف إلى الإعتاق عن الأمر لا عن نفسه لأن الملك للآمر والإعتاق عنه بمنزلة القبض والبائع لا يصلح نائبا عن المشتري في القبض عنه فلا يصلح نائبا عنه في الإعتاق ولأبي حنيفة رحمه الله أن الأمر بالإعتاق يحمل على وجه يصح ولو حمل على الإعتاق عن الآمر لم يصح لما ذكرتم فيحمل على الإعتاق عن نفسه فإذا أعتق يقع عنه وأما بيع المشتري العقار قبل القبض فجائز عند أبي حنيفة وأبي يوسف استحسانا وعند محمد وزفر والشافعي رحمهم الله لا يجوز قياسا واحتجوا بعموم النهي الذي روينا ولأن القدرة على القبض عند العقد شرط صحة العقد لما ذكرنا ولا قدرة إلا بتسليم الثمن وفيه غرر ولهما عمومات البياعات من الكتاب العزيز من غير تخصيص ولا يجوز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد عندنا أو نحمله على المنقول توفيقا بين الدلائل صيانة لها عن التناقض ولأن الأصل في ركن البيع إذا صدر من الأهل في المحل هو الصحة والامتناع لعارض الغرر وهو غرر انفساخ العقد بهلاك المعقود عليه ولا يتوهم هلاك العقار فلا يتقرر الغرر فبقي بيعه على حكم الأصل وكما لا يجوز بيع المشتري المنقول قبل القبض لا يجوز بيع الأجرة المنقولة قبل القبض إذا كانت عينا وبدل الصلح المنقول إذا كان عينا والأصل أن كل عوض ملك بعقد ينسخ ( ( ( ينفسخ ) ) ) فيه العقد بهلاكه قبل القبض لا يجوز التصرف فيه كالمبيع والأجرة وبدل الصلح إذا كان منقولا معينا وكل عوض ملك بعقد لا ينفسخ العقد فيه بهلاكه قبل القبض يجوز التصرف فيه كالمهر وبدل الخلع وبدل العتق وبدل الصلح عن دم العمد وفقه هذا الأصل ما ذكرنا أن الأصل هو الصحة في التصرف الصادر من الأهل المضاف إلى المحل والفساد بعارض غرر الانفساخ ولا يتوهم ذلك في هذه التصرفات لأنها لا تحتمل الفسخ فكان القول بجواز هذه التصرفات عملا بالأصل وأنه واجب وكذلك الميراث يجوز التصرف فيه قبل القبض لأن معنى الغرر لا يتقرر فيه ولأن الوارث خلف الميت في ملك الموروث وخلف الشيء قائم مقامه كأنه هو فكان المورث قائم ولو كان قائما لجاز تصرفه فيه كذا الوارث
وكذلك الموصى به بأن أوصى إلى إنسان بشيء ثم مات الموصي فللموصى له أن يتصرف قبل القبض لأن الوصية أخت الميراث ويجوز التصرف في الميراث قبل القبض فكذا في الموصى به وهل يجوز بيع المقسوم بعد القسمة قبل القبض ينظر إن كان ما وقع عليه القسمة مما يجبر عليه الشركاء إذا طلبها واحد منهم جاز لواحد منهم أن يبيع نصيبه بعد القسمة قبل القبض سواء كان منقولا أو غير منقول لأن القسمة في مثله إفراز وإن كان مما لا يجبر عليه الشركاء عند طلب واحد منهم كالأشياء المختلفة والرقيق على قول أبي حنيفة لا يجوز بيعه قبل القبض إن كان منقولا وإن كان عقارا فعلى الاختلاف الذي ذكرنا لأن قسمة هذه الأشياء فيها معنى المبادلة فتشبه البيع والله عز اسمه أعلم وأما بيع الدين قبل القبض فنقول وبالله التوفيق الديون أنواع منها ما لا يجوز بيعه قبل القبض ومنها ما يجوز أما الذي لا يجوز بيعه قبل القبض فنحو رأس مال السلم لعموم النهي ولأن قبضه في المجلس شرط وبالبيع يفوت القبض حقيقة وكذا المسلم فيه لأنه مبيع لم يقبض وكذا لو باع رأس مال السلم بعد الإقالة قبل القبض لا يجوز استحسانا والقياس أن يجوز وهو قول زفر وجه القياس أن عقد السلم ارتفع بالإقالة لأنها فسخ وفسخ العقد رفعه من الأصل وجعله كأنه لم يكن وإذا ارتفع العقد من الأصل عاد رأس المال إلى قديم ملك رب المال فكان محلا للاستبدال كما كان قبل السلم ولهذا يجب قبض رأس المال بعد الإقالة في مجلس الإقال ( ( ( الإقالة ) ) ) وجه الاستحسان عموم النهي الذي روينا إلا من حيث خص بدليل وفي الباب نص خاص وهو ما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال لرب السلم لا تأخذ إلا سلمك أو رأس مالك وفي رواية خذ سلمك أو رأس مالك نهى النبي عليه الصلاة والسلام رب السلم عن الأخذ عاما واستثنى أخذ السلم أو رأس المال فبقي أخذ ما وراءهما على أصل النهي وكذا إذا انفسخ السلم بعد صحته لمعنى عارض نحو ذمي أسلم إلى ذمي عشرة دراهم في خمر ثم أسلما أو أسلم أحدهما قبل قبض الخمر حتى بطل السلم ووجب على المسلم إليه رد رأس المال لا يجوز لرب السلم الاستبدال استحسانا لما روينا ولو كان السلم فاسدا من الأصل ووجب على المسلم إليه رد رأس المال لفساد السلم يجوز الاستبدال لأن السلم إذا كان فاسدا في الأصل لا يكون له حكم السلم فكان رأس مال السلم بمنزلة سائر الديون من القرض وثمن المبيع وضمان الغصب والاستهلاك وأما بدل الصرف فلا يجوز بيعه قبل القبض في الابتداء وهو حال بقاء العقد ويجوز في الانتهاء وهو ما بعد الإقالة بخلاف رأس مال السلم فإنه لا يجوز بيعه في الحالين ووجه الفرق أن القياس جواز الاستبدال بعد الإقالة في الناس جميعا لما ذكرنا أن الإقالة فسخ وفسخ العقد رفعه من الأصل كأن لم يكن ولو لم يكن العقد لجاز الاستبدال فكذا إذا رفع وألحق بالعدم فكان ينبغي أن يجوز الاستبدال فيهما جميعا إلا أن الحرمة في باب السلم ثبتت نصا بخلاف القياس وهو ما روينا والنص ورد في السلم فبقي جواز الاستبدال بعد الإقالة في الصرف على الأصل وكذا الثياب الموصوفة في الذمة المؤجلة لا يجوز بيعها قبل القبض للنهي سواء كان ثبوتها في الذمة بعقد السلم أو غيره لأن الثياب كما تثبت في الذمة مؤجلة بطريق السلم تثبت دينا في الذمة مؤجلة لا بطريق السلم بأن باع عبدا بثوب موصوف في الذمة مؤجل فإنه يجوز بيعه ولا يكون جوازه بطريق السلم بدليل أن قبض العبد ليس بشرط وقبض رأس مال السلم شرط جواز السلم
وكذا إذا أجر داره بثوب موصوف في الذمة مؤجل جازت الإجارة ولا يكون سلما وكذا لو ادعى عينا في يد رجل فصالحه من دعواه على ثوب موصوف في الذمة مؤجل جاز الصلح ولا يكون هذا سلما ولا يجوز الاستبدال به كما لا يجوز بالمسلم فيه وإن لم يكن ثبوته بعقد السلم فهذه جملة الديون التي لا يجوز بيعها قبل القبض وما سواها من ثمن المبيع والقرض وقيمة المغصوب والمستهلك ونحوها فيجوز بيعها ممن عليه قبل القبض وقال الشافعي رحمه الله ثمن المبيع إذا كان عينا لا يجوز بيعه قبل القبض قولا واحدا وإن كان دينا لا يجوز في أحد قوليه أيضا بناء على أن الثمن والمثمن عنده من الأسماء المترادفة يقعان على مسمى واحد فكان كل واحد منهما مبيعا فكان بيع المبيع قبل القبض وكذا النهي عن بيع ما لم يقبض عام لا يفصل بين المبيع والثمن وأما على أصلنا فالمبيع والثمن من الأسماء المتباينة في الأصل يقعان على معنيين متباينين على ما نذكره إن شاء الله تعالى في موضعه ولا حجة له في عموم النهي لأن بيع ثمن المبيع ممن عليه صار مخصوصا بحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما على ما نذكره وأما بيع هذه الديون من غير من عليه والشراء بها من غير من عليه فينظر إن أضاف البيع والشراء إلى الدين لم يجز بأن يقول لغيره بعت منك الدين الذي في ذمة فلان بكذا أو يقول اشتريت منك هذا الشيء بالدين الذي في ذمة فلان لأن ما في ذمة فلان غير مقدور التسليم في حقه والقدرة على التسليم شرط انعقاد العقد على ما مر بخلاف البيع والشراء بالدين ممن عليه الدين لأن ما في ذمته مسلم له وإن لم يضف العقد إلى الدين الذي عليه جاز ولو اشترى شيئا بثمن دين ولم يضف العقد إلى الدين حتى جاز ثم أحال البائع على غريمه بدينه الذي له عليه جازت الحوالة سواء كان الدين الذي أحيل به دينا يجوز بيعه قبل القبض أو لا يجوز كالسلم ونحوه وذكر الطحاوي رحمه الله أنه لا تجوز الحوالة بدين لا يجوز بيعه قبل القبض وهذا غير سديد لأن هذا توكيل بقبض الدين فإن المحال له يصير بمنزلة الوكيل للمحيل بقبض دينه من المحتال له والتوكيل بقبض الدين جائز أي دين كان ويكون قبض وكيله كقبض موكله ولو باع هذا الدين ممن عليه الدين جاز بأن اشترى منه شيئا بعينه بدينه الذي له في ذمته لأنه باع ما هو مقدور التسليم عند الشراء لأن ذمته في يده بخلاف الأول وكذا إذا صالح معه من دينه على شيء بعينه جاز الصلح والله سبحانه وتعالى أعلم ومنها أن يكون البدل منطوقا به في أحد نوعي المبادلة وهي المبادلة القولية فإن كان مسكوتا عنه فالبيع فاسد بأن قال بعت منك هذا العبد وسكت عن ذكر الثمن فقال المشتري اشتريت لما ذكرنا أن البيع في اللغة مبادلة شيء مرغوب بشيء مرغوب وفي الشرع مبادلة المال بالمال فإذا لم يكن البدل منطوقا به ولا بيع بدون البدل إذ هو مبادلة كان بدله قيمته فكان هذا بيع العبد بقيمته وأنه فاسد وهكذا السبيل في البياعات الفاسدة أنها تكون بيعا بقيمة المبيع على ما نذكر في موضعه هذا إذا سكت عن ذكر الثمن فأما إذا نفاه صريحا بأن قال بعتك هذا العبد بغير ثمن أو بلا ثمن فقال المشتري اشتريت اختلف المشايخ فيه قال بعضهم هذا والسكوت عن الثمن سواء والبيع فاسد وقال بعضهم البيع باطل وجه قول الأولين أن قوله بلا ثمن باطل لأن البيع عقد مبادلة فكان ذكره ذكرا للبدل فإذا قال بغير ثمن فقد نفى ماأثبته فبطل قوله بلا ثمن وبقي قوله بعت مسكوتا عن ذكر الثمن فكأنه باع وسكت عن ذكر الثمن وجه قول الآخرين أن عند السكوت عن ذكر الثمن يصير البدل مذكورا بطريق الدلالة فإذا نص على نفي الثمن بطلت الدلالة فلم يكن هذا بيعا أصلا والله سبحانه وتعالى أعلم
ومنها الخلو عن الربا وإن شئت قلت ومنها المماثلة بين البدلين في أموال الربا حتى لو انتفت فالبيع فاسد لأنه بيع ربا والبيع الذي فيه ربا فاسد لأن الربا حرام بنص الكتاب الكريم قال الله عز وجل وحرم الربا والكلام في مسائل الربا في الأصل في ثلاثة مواضع أحدها في بيان الربا في عرف الشرع أنه ما هو والثاني في بيان علته أنها ما هي والثالث في بيان شرط جريان الربا أما الأول فالربا في عرف الشرع نوعان ربا الفضل وربا النساء أما ربا الفضل فهو زيادة عين مال شرطت في عقد البيع على المعيار الشرعي وهو الكيل أو الوزن في الجنس عندنا وعند الشافعي هو زيادة مطلقة في المطعوم خاصة عند اتحاد الجنس خاصة وأما ربا النساء فهو فضل الحلول على الأجل وفضل العين على الدين في المكيلين أو الموزونين عند اختلاف الجنس أو في غير المكيلين أو الموزونين عند اتحاد الجنس عندنا وعند الشافعي رحمه الله هو فضل الحلول على الأجل في المطعومات والأثمان خاصة والله تعالى أعلم وأما الثاني وهو بيان العلة فنقول الأصل المعلول في هذا الباب بإجماع القائسين الحديث المشهور وهو ما روى أبو سعيد الخدري وعبادة بن الصامت رضي الله عنهما عن النبي أنه قال الحنطة بالحنطة مثلا بمثل يدا بيد والفضل ربا والشعير بالشعير مثلا بمثل يدا بيد والفضل ربا والتمر بالتمر مثلا بمثل يدا بيد والفضل ربا والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد والفضل ربا والفضة بالفضة مثلا بمثل يدا بيد والفضل ربا والذهب بالذهب مثلا بمثل يدا بيد والفضل ربا أي بيعوا الحنطة بالحنطة مثلا بمثل يدا بيد وروي مثل بمثل بالرفع أي بيع الحنطة بالحنطة مثل بمثل يد بيد جائز فهذا النص معلول باتفاق القائسين غير أنهم اختلفوا في العلة قال أصحابنا علة ربا الفضل في الأشياء الأربعة المنصوص عليها الكيل مع الجنس وفي الذهب والفضة والوزن ( ( ( الوزن ) ) ) مع الجنس فلا تتحقق العلة إلا باجتماع الوصفين وهما القدر والجنس وعلة ربا النساء هي أحد وصفي علة ربا الفضل أما الكيل أو الوزن المتفق أو الجنس وهذا عندنا وعند الشافعي علة ربا الفضل في الأشياء الأربعة الطعم وفي الذهب والفضة الثمنية في قول وفي قول هما غير معلولين وعلة ربا النساء ما هو علة ربا الفضل وهي الطعم في المطعومات والثمنية في الأثمان دون الجنس إذ الأصل عنده حرمة بيع المطعوم بجنسه وأما التساوي في المعيار الشرعي مع اليد مخلص من الحرمة بطريق الرخصة احتج الشافعي لإثبات هذا الأصل بما روي عن رسول الله أنه قال لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء هذا الأصل يدل على أن الأصل حرمة بيع المطعوم بجنسه وإنما الجواز بعارض التساوي في المعيار الشرعي لأنه عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع الطعام بالطعام مطلقا واستثنى حالة المساواة فيدل على أن الحرمة هي الأصل في بيع المطعوم بالمطعوم من غير فصل بين القليل والكثير وفيه دليل أيضا على جعل الطعم علة لأنه أثبت الحكم عقيب اسم مشتق من معنى والأصل أن الحكم إذا ثبت عقيب اسم مشتق من معنى يصير موضع الاشتقاق علة للحكم المذكور كقوله تعالى جل وعلا والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما وقوله سبحانه وتعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة والطعام اسم مشتق من الطعم فيدل على كون الطعم علة ولأن العلة اسم لوصف مؤثر في الحكم ووصف الطعم مؤثر في حرمة بيع المطعوم والحكم متى ثبت عقيب وصف مؤثر يحال إليه كما في الزنا والسرقة ونحو ذلك
وبيان تأثير الطعم أنه وصف ينبىء عن العزة والشرف لكونه متعلق البقاء وهذا يشعر بعزته وشرفه فيجب أظهار عزته وشرفه وذلك في تحريم بيع المطعوم بجنسه وتعليق جوازه بشرطي التساوي في المعيار الشرعي واليد لأن في تعلقه بشرطين تضييق طريق إصابته وما ضاق بطريق ( ( ( طريق ) ) ) إصابته يعز وجوده فيعز إمساكه ولا يهون في عين صاحبه فكان الأصل فيه هو الحظر ولهذا كان الأصل في الأبضاع الحرمة والحظر والجواز بشرطي الشهادة والولي إظهارا لشرفها لكونها منشأ البشر الذين هم المقصودون في العالم وبهم قوامها والأبضاع وسيلة إلى وجود الجنس والقوت وسيلة إلى بقاء الجنس فكان الأصل فيها الحظر والجواز بشرطين ليعز وجوده ولا تتيسر إصابته فلا يهون إمساكه فكذا هذا وكذا الأصل في بيع الذهب والفضة بجنسهما هو الحرمة لكونهما أثمان الأشياء فيها وعليها فكان قوام الأموال والحياة بها فيجب إظهار شرفها في الشرع بما قلنا ولنا في إثبات الأصل إشارات النصوص من الكتاب العزيز والسنة والاستدلال أما الكتاب فقوله تعالى أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين وزنوا بالقسطاس المستقيم ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين وقال سبحانه وتعالى ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا ( ( ( تعثوا ) ) ) في الأرض بعد ( ( ( مفسدين ) ) ) إصلاحها جعل حرمة الربا بالمكيل والموزون مطلقا عن شرط الطعم فدل على أن العلة هي الكيل والوزن وقال سبحانه وتعالى ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألحق الوعيد الشديد بالتطفيف في الكيل والوزن مطلقا من غير فصل بين المطعوم وغيره وأما السنة فما روي أن عامل خيبر أهدى إلى رسول الله تمر جنيبا فقال أو كل تمر خيبر هكذا فقال لا ولكني أعطيت صاعين وأخذت صاعا فقال عليه الصلاة والسلام أربيت هلا بعت تمرك بسلعة ثم ابتعت بسلعتك تمرا وكذلك الميزان وأراد به الموزون بطريق الكناية لمجاورة بينهما مطلقا من غير فصل بين المطعوم وغير المطعوم وكذا روى مالك بن أنس ومحمد بن إسحاق الحنظلي بإسنادها ( ( ( بإسنادهما ) ) ) الحديث المشهور الذي رواه محمد في كتاب البيوع عن النبي أنه قال في أخره وكذلك كل ما يكال أو يوزن وأما الاستدلال فهو أن الفضل على المعيار الشرعي من الكيل والوزن في الجنس إنما كان ربا في المطعومات والأثمان من الأشياء الستة المنصوص عليها لكونه فضل مال خال عن العوض يمكن التحرز عنه في عقد المعاوضة وقد وجد في الجص والحديد ونحوهما فورود الشرع ثمة يكون ورودا ههنا ( ( ( هنا ) ) ) دلالة وبيان ذلك أن البيع لغة وشرعا مبادلة المال بالمال وهذا يقتضي التساوي في البدلين على وجه لا يخلو كل جزء من البدل من هذا الجانب عن البدل من ذلك الجانب لأن هذا هو حقيقة المبادلة ولهذا لا يملك الأب والوصي بيع مال اليتيم بغبن فاحش ولا يصح من المريض إلا من الثلث والقفيز من الحنطة مثل القفيز من الحنطة صورة ومعنى وكذلك الدينار مع الدينار أما الصورة فلأنهما متماثلان في القدر وأما المعنى ( ( ( معنى ) ) ) فإن المجانسة في الأموال عبارة عن تقارب المالية فكان القفيز مثلا للقفيز والدينار مثلا للدينار ولهذا لو أتلف على آخر قفيزا من حنطة يلزمه فقيز ( ( ( قفيز ) ) ) مثله ولا يلزمه قيمته وإذا كان القفيز من الحنطة مثلا للقفيز من الحنطة كان القفيز الزائد فضل مال خال عن العوض يمكن التحرز عنه في عقد المعاوضة فكان ربا وهذا المعنى لا يخص المطعومات والأثمان بل يوجد في كل مكيل بجنسه وموزون بمثله فالشرع الوارد هناك يكون واردا ههنا دلالة وأما قوله الأصل حرمة بيع المطعوم بجنسه فممنوع ولا حجة له في الحديث لأنه عليه الصلاة والسلام ما اقتصر على النهي عن بيع الطعام بالطعام ليجعل الحظر فيه أصلا بل قرن به الاستثناء
فقال عليه الصلاة والسلام إلا سواء بسواءفلا يدل على كون الحرمة فيه أصلا وقوله جعل الطعم علة دعوى ممنوعة أيضا والاسم المشتق من معنى إنما يجعل علة للحكم المذكور عقيبه عندنا إذا كان له أثر كالزنا والسرقة ونحوهما فلم قلتم بأن للطعم أثرا وكونه متعلق البقاء لا يكون أثره في الإطلاق أولى من الحظر فإن الأصل فيه هو التوسيع دون التضييق على ما عرف والله أعلم وعلى هذا الأصل تبنى مسائل الربا نقدا ونسيئة وفروع الخلاف بيننا وبين الشافعي أما ربا النقد ففائدة الخلاف فيه تظهر في موضعين أحدهما في بيع مكيل بجنسه غير مطعوم أو موزون بجنسه غير مطعوم ولا ثمن كبيع قفيز جص بقفيزي جص وبيع من حديد بمنوي حديد عندنا لا يجوز لأنه بيع ربا لوجود علة الربا وهو الكيل مع الجنس أو الوزن مع الجنس وعنده يجوز لأن العلة هي الطعم أو الثمنية ولم يوجد وعلى هذا الخلاف بيع كل مقدر بجنسه من الميكلات ( ( ( المكيلات ) ) ) والموزونات غير المطعومات والأثمان كالنورة والزرنيخ والصفر والنحاس ونحوها وأما بيع المكيل المطعوم بجنسه متفاضلا وبيع الموزون المطعوم بجنسه متفاضلا كبيع قفيز أرز بقفيزي أرز وبيع من سكر بمنوي سكر فلا يجوز بالإجماع أما عندنا فلوجود القدر والجنس وعنده لوجود الطعم والجنس وكذا كل موزون هو مأكول أو مشروب كالدهن والزيت والخل ونحوها ويجوز بيع المكيل بغير جنسه متفاضلا مطعوما كان أو غير مطعوم بعد أن يكون يدا بيد كبيع قفيز حنطة بقفيزي شعير وبيع قفيز جص بقفيزي نورة ونحو ذلك لأن علة الربا الفضل مجموع الوصفين وقد انعدم أحدهما وهو الجنس وكذا بيع الموزون بغير جنسه متفاضلا جائز ثمنين كانا أو مثمنين بعد أن يكون يدا بيد كبيع دينار بمائة درهم وبيع من حديد بمنوي نحاس أو رصاص ونحو ذلك لما قلنا ويجوز بيع المذروعات والمعدودات المتفاوتة واحدا باثنين يدا بيد كبيع ثوب بثوبين وعبد بعبدين وشاة بشاتين ونصل بنصلين ونحو ذلك بالإجماع أما عندنا فلانعدام أحد الوصفين وهو الكيل والوزن وعنده لانعدام الطعم والثمنية وأما بيع الأواني الصفرية واحدا باثنين كبيع قمقمة بقمقمتين ونحو ذلك فإن كان مما يباع عددا يجوز لأن العد في العدديات ليس من أوصاف علة الربا فلا يتحقق الربا وإن كان مما يباع وزنا لا يجوز لأنه بيع مال الربا بجنسه مجازفة ويجوز بيع المعدودات المتقاربة من غير المطعومات بجنسها متفاضلا عند أبي حنيفة وأبي يوسف بعد أن يكون يدا بيد كبيع الفلس بالفلسين بأعيانهما وعند محمد لا يجوز وجه قوله أن الفلوس أثمان فلا يجوز بيعها بجنسها متفاضلا كالدراهم والدنانير ودلالة الوصف عبارة عما تقدر به مالية الأعيان ومالية الأعيان كما تقدر بالدراهم والدنانير تقدر بالفلوس فكانت أثمانا ولهذا كانت أثمانا عند مقابلتها بخلاف جنسها وعند مقابلتها بجنسها حالة المساواة وإن كانت ثمنا فالثمن لا يتعين وإن عين كالدراهم والدنانير فالتحق التعيين ( ( ( التعين ) ) ) فيهما بالعدم فكان بيع الفلس بالفلسين بغير أعيانهما وذا لا يجوز ولأنها إذا كانت أثمانا فالواحد يقابل الواحد فبقي الآخر فضل مال لا يقابله عوض في عقد المعاوضة وهذا تفسير الربا ولهما أن علة ربا الفضل هي القدر مع الجنس وهو الكيل أو الوزن المتفق عند اتحاد الجنس والمجانسة إن وجدت ههنا فلم يوجد القدر فلا يتحقق الربا وقوله الفلوس أثمان قلنا ثمنيتها قد بطلت في حقهما قبل البيع فالبيع صادفها وهي سلع عددية فيجوز بيع الواحد بالإثنين كسائر السلع العددية كالقماقم العددية وغيرها إلا أنها بقيت أثمانا عند مقابلتها بخلاف جنسها وبجنسها حالة المساواة لأن خروجها عن وصف الثمينة ( ( ( الثمنية ) ) ) كان لضرورة صحة العقد وجوازه لأنهما قصدا الصحة ولا صحة إلا بما قلنا ولا ضرورة ثمة لأن البيع جائز في الحالين بقيت على صفة الثمينة ( ( ( الثمنية ) ) ) أو خرجت عنها
والثاني في بيع مطعوم بجنسه ليس بمكيل ولا موزون كبيع حفنة حنطة بحفنتين منها أو بطيخة ببطيختين أو تفاحة بتفاحتين أو بيضة ببيضتين أو جوزة بجوزتين يجوز عندنا لعدم العلة وبقي الكيل مع الجنس أو الوزن وعنده لا يجوز لوجود الطعم والجنس وكذا لو باع حفنة بحفنة أو تفاحة بتفاحة أو بيضة ببيضة يجوز عندنا لما قلنا وعنده لا يجوز لوجود الطعم لأن حرمة بيع المطعوم بجنسه هو العزيمة عنده والتساوي في الكيل أو الوزن مخلص عن الحرمة بطريق الرخصة ولم يوجد المخلص فبقي على أصل الحرمة وأما ربا النساء وفروعه وفائدة الاختلاف فيه فالأصل فيه ما روي عن إبراهيم النخعي أنه قال أسلم ما يكال فيما يوزن وأسلم ما يوزن فيما يكال ولا تسلم ما يكال فيما يكال ولا ما يوزن فيما يوزن وإذا اختلف النوعان مما يكال أو يوزن فلا بأس به اثنان بواحد يدا بيد ولا خير فيه نسيئة ولا بد من شرح هذه الجملة وتفصيل ما يحتاج منها إلى التفصيل لأنه رحمه الله أجرى القضية فيها عامة ومنها ما يحتمل العموم ومنها ما لا يحتمل فلا بد من بيان ذلك فنقول وبالله التوفيق لا يجوز إسلام المكيلات في المكيلات على العموم سواء كانا مطعومين كالنحطة ( ( ( كالحنطة ) ) ) في الحنطة أو في الشعير أو غير مطعومين كالجص في الجص أو في النورة وكذلك بيع المكيل بالمكيل حالا سلما لكن دينا موصوفا في الذمة لا يجوز سواء كانا من جنس واحد أو من جنسين مطعومين كانا أو غير مطعومين عندنا لأن أحد وصفي علة ربا الفضل جمعهما وهو الكيل وعند الشافعي رحمه الله إن كانا مطعومين فكذلك وإن لم يكونا مطعومين جاز لأن العلة عنده الطعم وأما إسلام الموزونات في الموزونات ففيه تفصيل إن كانا جميعا مما يتعينان في العقد لا يجوز أيضا سواء كانا مطعومين كالسكر في الزعفران أو غير مطعومين كالحديد في النحاس لوجود أحد وصفي علة ربا الفضل الذي هو علة تامة لربا النساء وعند الشافعي يجوز في غير المطعوم ولا يجوز في المطعوم لما قلنا وإن كانا مما لا يتعينان في العقد كالدراهم في الدنانير والدنانير في الدراهم أو الدراهم في الدراهم والدنانير في الدنانير أو لا يتعين المسلم فيه كالحديد في الدراهم والدنانير لا يجوز لأن المسلم فيه مبيع لما روي أن رسول الله نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في السلم فهذا يقتضي أن يكون السلم بيع ما ليس عند الإنسان لأنه رخص في بعض ما دخل تحت النهي والداخل تحت النهي هو البيع دل أن السلم نوع بيع ليستقيم إثبات الرخصة فيه فكان المسلم فيه مبيعا والمبيع مما يتعين بالتعيين والدراهم والدنانير لا يحتملان التعيين شرعا في عقود المعاوضات فلم يكونا متعينين فلا يصلحان مسلما فيهما وإن كان رأس المال مما لا يتعين والمسلم فيه مما يتعين كما لو أسلم الدراهم أو الدنانير في الزعفران أو في القطن أو الحديد وغيرها من سائر الموزونات فإنه يجوز لانعدام العلة وهي القدر المتفق أو الجنس أما المجانسة فظاهرة الانتفاء وأما القدر المتفق فلأن وزن الثمن يخالف وزن المثمن ألا ترى أن الدراهم توزن بالمثاقيل والقطن والحديد يوزنان بالقبان فلم يتفق القدر فلم توجد العلة فلا يتحقق الربا هذا إذا أسلم الدراهم أو الدنانير في سائر الموزونات فأما إذا أسلم نقرة فضة أو تبر ذهب أو المصوغ فيها فهل يجوز ذكر الاختلاف فيه بين أبي يوسف وزفر على قول أبي يوسف يجوز وعلى قول زفر لا يجوز وجه قول زفر أنه وجد علة ربا النساء وهي أحد وصفي علة ربا الفضل وهو الوزن في المالين فيتحقق الربا وجه قول أبي يوسف أن أحد الوصفين الذي هو علة القدر المتفق لا مطلق القدر ولم يوجد لأن النقرة أو التبر من جنس الأثمان وأصل الأثمان ووزن الثمن يخالف وزن المثمن على ما ذكرنا فلم يتفق القدر فلم توجد العلة فلا يتحقق الربا كما إذا أسلم فيها الدراهم والدنانير
ولو أسلم فيها الفلوس جاز لأن الفلس عددي والعدد في العدديات ليس من أوصاف العلة ولو أسلم فيها الأواني الصفرية ينظر إن كانت تباع وزنا لم يجز لوجود الوزن الذي هو أحد وصفي علة ربا الفضل وإن كانت تباع عددية جاز لانعدام العلة وأما إسلام المكيلات في الموزونات فهو أيضا على التفصيل فإن كان الموزون مما يتعين بالتعيين يجوز سواء كانا مطعومين كالحنطة في الزيت أو الزعفران أو غير مطعومين كالجص في الحديد عندنا لعدم العلة وعند الشافعي لا يجوز في المطعومين لوجود العلة وإن كان مما لا يتعين بالتعيين وهو الدراهم والدنانير لا يجوز لما مر أن شرط جواز السلم فيه مبيعا والدراهم والدنانير أثمان أبدا بخلاف سائر الموزونات ثم إذا لم يجز هذا العقد سلما هل يجوز بيعا ينظر أن كان بلفظ البيع يجوز ويكون بيعا بثمن مؤجل لأنه إن تعذر تصحيحه أمكن تصحيحه سلما بيعا بثمن مؤجل فيجعل بيعا به وإن كان بلفظ السلم اختلف المشايخ فيه قال بعضهم لا يجوز لأن السلم يخالف مطلق البيع في الأحكام والشرائط فإذا لم يصح سلما بطل رأسا وقال بعضهم يجوز لأن السلم نوع بيع ألا ترى أن النبي عليه الصلاة والسلام سماه بيعا حين نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في السلم ولهذا ينعقد بلفظ البيع إلا أنه اختص بشرائط مخصوصة فإذا تعذر تصحيحه بيعا هو سلم يصحح بيعا بثمن مؤجل تصحيحا للتصرف بالقدر الممكن وأما إسلام الموزونات في المكيلات فجائز على العموم سواء كان الموزون الذي جعله رأس المال عرضا يتعين بالتعيين أو ثمنا لا يتعين بالتعيين وهو الدراهم والدنانير لأنه لم يجمعها أحد الوصفين وهو القدر المتفق أو الجنس فلم توجد العلة ولو أسلم جنسا في جنسه وغير جنسه كما إذا أسلم مكيلا في مكيل وموزون لم يجز السلم في جميعه عند أبي حنيفة رحمه الله وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله يجوز في حصة خلاف الجنس وهو الموزون وهو على اختلافهم فيما ( ( ( فيمن ) ) ) جمع بين حر وعبد وباعها ( ( ( وباعهما ) ) ) صفقة واحدة وقد ذكرناه فيما تقدم وأما إسلام غير المكيل والموزون في جنسه من الذرعيات والعدديات كالهروي في الروي ( ( ( الهروي ) ) ) والمروي في المروي والحيوان في الحيوان فلا يجوز عندنا وعند الشافعي رحمه الله يجوز ولقب هذه المسألة أن الجنس بانفراده يحرم النساء عندنا وعنده لا يحرم فلا يجوز إسلام الجوز في الجوز والبيض في البيض والتفاح في التفاح والحفنة في الحفنة بالإجماع لوجود الجنس عندنا ولوجود الطعم عنده وأجمعوا على أنه يجوز إسلام الهروي في المروي لانعدام أحد الوصفين عندنا وعنده لانعدام الطعم والثمنية ويجوز إسلام الجوز في البيض والتفاح في السفرجل والحيوان في الثوب عندنا لما قلنا وعنده لا يجوز في المطعوم لوجود الطعم ولو أسلم الفلوس في الفلوس لا يجوز عندنا لوجود الجنس وعنده لوجود الثمنية وكذا إذا أسلم الأواني الصفرية في جنسها وهي تباع عددا لا يجوز عندنا لوجود المجانسة وعنده لوجود الثمنية والكلام في مسألة الجنس بانفراده مبني على الكلام في مسألة الربا
وأصل الشافعي فيها ما ذكرنا أن حرمة بيع المطعوم بجنسه وحرمة بيع الأثمان بجنسها هي الأصل والتساوي في المعيار الشرعي مع اليد مخلص عن الحرمة بطريق الرخصة أو ربا النساء عنده هو فضل الحلول على الأجل في المطعومات والثمنية في الأثمان وقد ذكرنا ما له من الدليل على صحة هذا الأصل فيما تقدم والكلام لأصحابنا في هذه المسألة على نحو ما ذكرنا في علة ربا الفضل وهو أن السلم في المطعومات والأثمان إنما كان ربا لكونه فضلا خاليا عن العوض يمكن التحرز عنه في عقد المعاوضة لأن البيع عقد مبادلة على طريق المقابلة والمساواة في البدلين ولهذا لو كانا نقدين يجوز ولا مساواة بين النقد والنسيئة لأن العين خير من الدين والمعجل أكثر قيمة من المؤجل فكان ينبغي أن يكون كل فضل مشروط في البيع ربا سواء كان الفضل من حيث الذات أو من حيث الأوصاف إلا ما لا يمكن التحرز عنه دفعا للحرج وفضل التعيين يمكن التحرز عنه بأن يبيع عينا بعين وحالا غير مؤجل وهذا المعنى موجود في غير المطعوم والأثمان فورود الشرع ثمة يكون ورودا ههنا دلالة وابتداء الدليل لنا في المسألة ما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال لا ربا إلا في النسيئة وروي إنما الربا في النسيئة حقق عليه الصلاة والسلام الربا في النسيئة من غير فصل بين المطعوم والأثمان وغيرها فيجب القول بتحقيق الربا فيها على الإطلاق والعموم إلا ما خص أو قيد بدليل والربا حرام بنص الكتاب العزيز وإذا كان الجنس أحد وصفي علة ربا الفضل وعلة ربا النسيئة عندنا وشرط علة ربا الفضل عنده فلا بد من معرفة الجنس من كل ما يجري فيه الربا فنقول وبالله التوفيق الحنطة كلها على اختلاف أنواعها وأوصافها وبلدانها جنس واحد وكذلك الشعير وكذلك دقيقهما وكذا سويقهما وكذلك التمر وكذلك الملح وكذلك العنب وكذلك الزبيب وكذلك الذهب والفضة فلا يجوز بيع كل مكيل من ذلك بجنسه متفاضلا في الكيل وإن تساويا في النوع والصفة بلا خلاف وأما متساويا في الكيل متفاضلا في النوع والصفة فنقول لا خلاف في أنه يجوز بيع الحنطة بالحنطة والسقية ( ( ( السقية ) ) ) بالسقية والنحسية بالنحسية وإحداهما بالأخرى والجيدة بالجيدة والرديئة بالرديئة وإحداهما بالأخرى والجديدة بالجديدة والعتيقة بالعتيقة وإحداهما بالأخرى والمقلوة بالمقلوة وكذلك الشعير على هذا وكذلك دقيق الحنطة ودقيق الشعير فيجوز بيع دقيق الحنطة بدقيق الحنطة وسويق الحنطة بسويق الحنطة وكذا دقيق الشعير وسويقه وكذا التمر بالتمر البرني بالمعقلي والجيد بالرديء والجديد بالجديد والعتيق بالعتيق وأحدهما بالآخر وكذلك العنب بالعنب والزبيب اليابس بالزبيب اليابس ولا خلاف في أنه لا يجوز بيع حنطة مقلية بحنطة غير مقلية والمطبوخة بغير المطبوخة ( ( ( مطبوخة ) ) ) وبيع الحنطة بدقيق الحنطة وبسويق الحنطة وبيع تمر مطبوخ بتمر غير مطبوخ متفاضلا في الكيل أو متساويا فيه لأن المقلية ينضم بعض أجزائها إلى بعض يعرف ذلك بالتجربة فيتحقق الفضل من حيث القدر في الكيل فيتحقق الربا وكذا المطبوخة بغير المطبوخة لأن المطبوخ ينتفخ بالطبخ فكان غير المطبوخة أكثر قدرا عند العقد فيتحقق الفضل وكذلك بيع الحنطة بدقيق الحنطة لأن في الحنطة دقيقا إلا أنه مجتمع لوجود المانع من التفرق وهو التركيب وذلك أكثر من الدقيق المتفرق عرف ذلك بالتجربة إلا أن الحنطة إذا طحنت ازداد دقيقها على المتفرق ومعلوم أن الطحن لا أثر له في زيادة القدر فدل أنه كان أزيد في الحنطة فيتحقق الفضل من حيث القدر بالتجربة عند العقد فيتحقق الربا وأما بيع الحنطة المبلولة أو الندية بالندية أو الرطبة بالرطبة أو المبلولة بالمبلولة أو اليابسة باليابسة وبيع التمر بالرطب والرطب بالرطب أو بالتمر والمنقع بالمنقع والعنب بالزبيب اليابس واليابس بالمنقع والمنقع بالمنقع متساويا في الكيل فهل يجوز قال أبو حنيفة رحمه الله كل ذلك جائز وقال أبو يوسف رحمه الله كله جائز إلا بيع التمر بالرطب وقال محمد رحمه الله كله فاسد إلا بيع الرطب بالرطب والعنب بالعنب وقال الشافعي رحمه الله كله باطل
ويجوز بيع الكفري بالتمر والرطب بالبسر متساويا ومتفاضلا بالإجماع لعدم الجنس والكيل إذ هو اسم لوعاء الطلع فأبو حنيفة رحمه الله يعتبر المساواة في الحال عند العقد ولا يلتفت إلى النقصان في المآل ومحمد رحمه الله يعتبرها حالا ومآلا واعتبار أبي يوسف مثل اعتبار أبي حنيفة إلا في الرطب بالتمر فإنه يفسده بالنص وأصل الشافعي رحمه الله ما ذكرنا في مسألة علة الربا أن حرمة بيع المطعوم بجنسه هي الأصل والتساوي في المعيار الشرعي مع اليد مخلص إلا أنه يعتبر التساوي ههنا في المعيار الشرعي في أعدل الأحوال وهي حالة الجفاف واحتج أبو يوسف ومحمد بما روي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسول الله نهى عن بيع الرطب بالتمر وقال عليه الصلاة والسلام إنه ينقص إذا جف بين عليه السلام الحكم وعلته وهي النقصان عند الجفاف فمحمد عدى هذا الحكم إلى حيث تعدت العلة وأبو يوسف قصره على محل النص لكونه حكما ثبت على خلاف القياس ولأبي حنيفة رحمه الله الكتاب الكريم والسنة المشهورة أما الكتاب فعمومات البيع من نحو قوله وأحل الله البيع وقوله عز شأنه يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم فظاهر النصوص يقتضي جواز كل بيع إلا ما خص بدليل وقد خص البيع متفاضلا على المعيار الشرعي فبقي البيع متساويا على ظاهر العموم وأما السنة المشهورة فحديث أبي سعيد الخدري وعبادة بن الصامت رضي الله عنهما حيث جوز رسول الله بيع الحنطة بالحنطة والشعير بالشعير والتمر بالتمر مثلا بمثل عاما مطلقا من غير تخصيص وتقييد ولا شك أن اسم الحنطة والشعير يقع على كل جنس الحنطة والشعير على اختلاف أنواعهما وأوصافهما وكذلك اسم التمر يقع على الرطب والبسر لأنه اسم لتمر النخل لغة فيدخل فيه الرطب واليابس والمذنب والبسر والمنقع وروي أن عامل خيبر أهدى إلى رسول الله تمر أجنبيا فقال عليه الصلاة والسلام أو كل تمر خيبر هكذا وكان أهدى إليه رطبا فقد أطلق عليه الصلاة والسلام اسم التمر على الرطب وروى أنه نهى عليه الصلاة والسلام عن بيعه ( ( ( بيع ) ) ) التمر حتى يزهو أي يحمر أو يصفر وروى حتى يحمار أو يصفار والأحمرار والإصفرار من أوصاف البسر فقد أطلق عليه الصلاة والسلام اسم التمر على البسر فيدخل تحت النص وأما الحديث فمداره على زيد بن عياش وهو ضعيف عند النقلة فلا يقبل في معارضة الكتاب والسنة المشهورة ولهذا لم يقبله أبو حنيفة رحمه الله في المناظرة في معارضة الحديث المشهور مع أنه كان من صيارفة الحديث وكان من مذهبه تقديم الخبر وإن كان في حد الآحاد على القياس بعد أن كان راويه عدلا ظاهر العدالة أو بأدلة فيحمله على بيع الرطب بالتمر نسيئة أو تمرا من مال اليتيم توفيقا بين الدلائل صيانة لها عن التناقض والله سبحانه وتعالى أعلم وكذلك الذهب والفضة لا يجوز بيع كل بجنسه متفاضلا في الوزن سواء اتفقا في النوع والصفة بأن كانا مضروبين دراهم أو دنانير أو مصوغين أو تبرين جيدين أو رديئين أو اختلفا للحديث المشهور مثلا بمثل والفضل ربا وأما متساويا في الوزن متفاضلا في النوع والصفة كالمصوغ بالتبر والجيد بالرديء فيجوز عندنا وقال الشافعي رحمه الله لا يجوز بيع الجيد بالرديء واحتج بالحديث المشهور مثلا بمثل ولا مماثلة بين الجيد والرديء في القيمة وأما الحديث المشهور مثلا بمثل فالمراد منه المماثلة في الوزن وكذا روي في بعض الروايات وزنا بوزن وقوله عليه الصلاة والسلام جيدها ورديئها سواء وبه تبين أن الجودة عند المقابلة بجنسها لا قيمة لها شرعا فلا يظهر الفضل واللحوم معتبرة بأصولها فإن تجانس الأصلان تجانس اللحمان فتراعى فيه المماثلة ولا يجوز إلا متساويا وإن اختلف الإصلان اختلف اللحمان فيجوز بيع أحدهما بالآخر متساويا ومتفاضلا بعد أن يكون يدا بيد ولا يجوز نسيئة لوجود أحد وصفي علة ربا الفضل وهو الوزن
إذا عرف هذا فنقول لحوم الإبل كلها على اختلاف أنواعها من لحوم العراب والبخاتي والهجين وذي السنامين وذي سنام واحد جنس واحد لأن الإبل كلها جنس واحد فكذا لحومها وكذا لحوم البقر والجواميس كلها جنس واحد ولحوم الغنم من الضأن والنعجة والمعز والتيس جنس واحد اعتبارا بالأصول وهذا عندنا وقال الشافعي رحمه الله اللحوم كلها جنس واحد اتحدت أصولها أو اختلفت حتى لا يجوز بيع لحم الإبل بالبقر والبقر بالغنم متفاضلا وجه قوله أن اللحمين استويا اسما ومنفعة وهي التغذي والتقوي فاتحد الجنس فلزم اعتبار المماثلة في بيع بعضها ببعض ولنا أن أصول هذه اللحوم مختلفة الجنس فكذا اللحوم لأنها فروع تلك الأصول واختلاف الأصل يوجب اختلاف الفرع قوله الاسم شامل والمقصود متحد قلنا المعتبر في اتحاد الجنس اتحاد المقصود الخاص لا العام ألا ترى أن المطعومات كلها في معنى الطعم متحدة ثم لا يجعل كلها جنسا واحدا كالحنطة مع الشعير ونحو ذلك حتى يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا مع اتحادهما في معنى الطعم لكن لما كان ذلك معنى عالم ( ( ( عاما ) ) ) يوجب اتحاد الجنس كذا هذا وروي عن أبي يوسف أنه يجوز بيع الطير بعضه ببعض متفاضلا وإن كانا من جنس واحد لأنه لا يوزن عادة وعلى هذا الباب هذه الحيوانات حكمها حكم أصولها عند الاتحاد والاختلاف لأنها متفرعة من الأصول فكانت معتبرة بأصولها وكذا خل الدقل مع خل العنب جنسان مختلفان اعتبارا بأصلهما واللحم مع الشحم جنسان مختلفان لاختلاف الاسم والمنافع وكذا مع الإلية والإلية مع الشحم جنسان مختلفان لما قلنا وشحم البطن مع شحم الظهر جنسان مختلفان وكذا مع الإلية بمنزلة اللحم مع شحم البطن والإلية لأنه لحم سمين وصوف الشاة مع شعر المعز جنسان مختلفان لاختلاف الاسم والمنفعة وكذا غزل الصوف مع غزل الشعر والقطن مع الكتان جنسان مختلفان وكذا غزل القطن مع غزل الكتان ولا يجوز بيع غزل القطن بالقطن متساويا لأن القطن ينقص بالغزل فلا يجوز بيع أحدهما بالآخر كبيع الدقيق بالحنطة وأما الحيوان مع اللحم فإن اختلف الأصلان فهما جنسان مختلفان كالشاة الحية مع لحم الإبل والبقر فيجوز بيع البعض بالبعض مجازفة نقدا ونسيئة لانعدام الوزن والجنس فلا يتحقق الربا أصلا وإن اتفقا كالشاة الحية مع لحم الشاة من مشايخنا من اعتبرهما جنسين مختلفين وبنوا عليه جواز بيع لحم الشاة بالشاة الحية مجازفة عند أبي حنيفة وأبي يوسف وعللوا لهما بأنه باع الجنس بخلاف الجنس ومنهم من اعتبرهما جنسا واحدا وبنوا مذهبهما على أن الشاة ليست بموزونة وجريان ربا الفضل يعتمد اجتماع الوصفين الجنس مع القدر فيجوز بيع أحدهما بالآخر مجازفة ومفاضلة بعد أن يكون يدا بيد وهو الصحيح على ما عرف في الخلافيات وقال محمد لا يجوز إلا على وجه الاعتبار على أن يكون وزن اللحم الخالص أكثر من اللحم الذي في الشاة الحية بالحزر والظن فيكون اللحم بإزاء اللحم والزيادة بإزاء إخلاف ( ( ( خلاف ) ) ) الجنس من الأطراف والسقط من الرأس والأكارع والجلد والشحم فإن كان اللحم الخالص مثل قدر اللحم الذي في الشاة الحية أو أقل أو لا يدري لا يجوز وعلى هذا الخلاف إذا باع الشاة الحية بشحم الشاة أو بإليتها وهذا مذهب أصحابنا وقال الشافعي رحمه الله اللحوم كلها جنس واحد فلا يجوز بيع اللحم بالحيوان كيف ما كان سواء اتفق الأصلان أن اختلفا باع مجازفة أو على طريق الاعتبار وأجمعوا على أنه لا يجوز بيع الشاة بلحم الشاة نسيئة لوجود الجنس المحرم للنساء لأن اللحم الخالص من جنس اللحم الذي في الشاة وأجمعوا على أنه لا يجوز بيع دهن السمسم بالسمسم إلا على طريق الاعتبار وهو أن يكون الدهن الخالص أكثر من الدهن الذي في السمسم حتى يكون الدهن بإزاء الدهن والزائد بإزاء خلاف جنسه وهو الكسب وكذلك دهن الجوز بلب الجوز وأما دهن الجوز بالجوز فقد اختلف المشايخ فيه قال بعضهم يجوز مجازفة
وقال بعضهم لا يجوز إلا على طريق الاعتبار وأجمعوا على أن بيع النصال بالحديد غير المصنوع جائز مجازفة بعد أن يكون يدا بيد أما الكلام مع الشافعي رحمه الله فهو بنى مذهبه على أصل له ذكرناه غير مرة وهو أن حرمة بيع مأكول بجنسه هو العزيمة والجواز عند التساوي في المعيار الشرعي رخصة ولا يعرف التساوي بين اللحم الخالص وبين اللحم الذي في الشاة فيبقى على أصل الحرمة وقد أبطلنا هذا الأصل في علة الربا وأما الكلام مع أصحابنا فوجه قول محمد رحمه الله أن في تجويز المجازفة ههنا احتمال الربا فوجب التحرز عنه ما أمكن وأمكن بمراعاة طريق الاعتبار فلزم مراعاته قياسا على بيع الدهن بالسمسم والدليل على أن فيه الربا أن اللحم موزون فيحتمل أن يكون اللحم المنزوع أقل من اللحم الذي في الشاة وزنا فيكون شيء من اللحم مع السقط زيادة ويحتمل أن يكون مثله في الوزن فيكون السقط زيادة فوجب مراعاة طريق الاعتبار تحرزا عن الربا عند الإمكان ولهذا لم يجز بيع الدهن بالسمسم والزيت بالزيتون إلا على طريق الاعتبار كذا هذا ولهذا قلنا أن هذا بيع الموزون بما ليس بموزون يدا بيد فيجوز مجازفة ومفاضلة استدلالا ببيع الحديد الغير المصنوع بالنصال مجازفة ومفاضلة يدا بيد ودلالة الوصف أن اللحم المنزوع وإن كان موزونا فاللحم الذي في الشاة ليس بموزون لأن الموزون ماله طريق إلى معرفة مقدار ثقله ولا طريق إلى معرفة ثقل اللحم الذي في الشاة لأن الطريق إما أن يكون الوزن بالقبان وإما أن يكون الاستدلال بالتجربة وأما أن يكون بالحزر والتخمين من غير تفاوت فاحش وشيء من ذلك لا يصلح طريقا لمعرفة مقدار اللحم الذي في الشاة أما الوزن بالقبان فلأن الشاة لا توزن بالقبان عرفا ولا عادة ولو صلح الوزن طريقا لوزن لأن إمكان الوزن ثابت والحاجة إلى معرفة مقدار اللحم الذي فيها ماسة حتى يتعرف المشتري ذلك بالجس والمس باليد والرفع من الأرض ونحو ذلك ولأن الحي يثقل بنفسه مرة ويخف أخرى فيختلف وزنه فدل أن الوزن لا يصلح طريق المعرفة وأما التجربة فإن ذلك بالذبح ووزن المذبوح ليعرف اللحم الذي كان فيها عند العقد بطريق الظهور لا يمكن لأن الشاة تحتمل الزيادة والنقصان والسمن والهزال ساعة فساعة فلا يعرف به مقدار ثقله حالة العقد بالتجربة وأما الحزر والظن فإنه لا حزر لمن لا بصارة له في هذا الباب بل يخطىء ( ( ( يخطئ ) ) ) لا محالة ومن له بصارة يغلط أيضا ظاهرا وغالبا ويظهر تفاوت فاحش فدل أنه لا طريق لمعرفة اللحم الذي في الشاة الحية فلم يكن موزنا ( ( ( موزونا ) ) ) فلا يكون محلا لربا الفضل بخلاف بيع دهن السمسم بالسمسم لأن ذلك بيع الموزون بالموزون لأنه يمكن معرفة مقدار الدهن في السمسم بالتجربة بأن يوزن قدر من السمسم فيستخرج دهنه فيظهر وزن دهنه الذي في الجملة بالقياس عليه أو يعصر الجملة فيظهر قدر الدهن الذي كان فيها حالة العقد أو يعرف بالحزر والتخمين أنه كم يخرج من الدهن من هذا القدر من غير تفاوت فاحش يلحق الضرر بأحد العاقدين فكان ذلك بيع الموزون بالموزون مجازفة فلم يجز لاحتمال الربا والله سبحانه وتعالى أعلم لأ ولو باع شاة مذبوحة غير مسلوخة بلحم شاة لا يجوز إلا على طريق الاعتبار بالإجماع لأن اللحم الذي في الشاة المذبوحة موزون فقد باع الموزون بجنسه وبخلاف جنسه فيراعى فيه طريق الاعتبار بخلاف اللحم الذي في الشاة الحية فإنه غير موزون لما قلنا فلم يتحقق الربا فجازت المجازفة فيه ولو باع شاة حية بشاة مذبوحة غير مسلوخة مجازفة جاز بالإجماع أما عندهما فظاهر لأنه باع الموزون بما ليس بموزون فلا يتحقق الربا كما لو باع شاة حية بلحم الشاة وأما عند محمد فلأن اللحم يقابل اللحم وزيادة اللحم في إحداهما مع سقطها يكون بمقابلة سقط الأخرى فلا يتحقق الربا
وكذلك لو باع شاتين حيتين بشاة واحدة مذبوحة غير مسلوخة جاز بالإجماع على اختلاف الأصلين ولو باع شاتين مذبوحتين غير مسلوختين بشاة واحدة مذبوحة غير مسلوخة يجوز ويكون اللحم بمقابلة اللحم وزيادة اللحم في أحد الجانبين مع السقط يكون بمقابلة سقط الأخرى ولو باع شاتين مذبوحتين مسلوختين بشاة واحدة مذبوحة غير مسلوخة يجوز ويقابل اللحم باللحم ومقابلة اللحم من المسلوختين بمقابلة سقط الأخرى ولو باع شاتين مذبوحتين غير مسلوختين بشاة مذبوحة مسلوخة لا يجوز لأن زيادة اللحم من غير المسلوختين مع السقط لا يقابله عوض فيكون ربا ولو باع شاتين مسلوختين بشاة مسلوخة لا يجوز لأنهما مالان جمعهما الوزن فلا يجوز بيع أحدهما بالآخر مفاضلة ومجازفة حتى لو كانا مستويين في الوزن يجوز يدا بيد ولا يجوز بيع الزيت بالزيتون ودهن الكتان بالكتان والعصير بالعنب والسمن بلبن فيه سمن والصوف بشاة على ظهرها صوف واللبن بحيوان في ضرعه لبن من جنسه والتمر بأرض ونخل عليه تمر والحنطة بأرض فيها زرع قد أدرك ونحو ذلك من أموال الربا حتى يكون المفرد أكثر من المجموع ليكون المثل بالمثل والزيادة بمقابله خلاف الجنس وسنذكر أجناس هذه المسائل في مواضعها إن شاء الله تعالى هذا إذا قوبل بدل من جنس ببدل من جنسه أو ببدلين من جنسه أو من خلاف جنسه فأما إذا قوبل أبدال من جنسين مختلفين بأبدال من جنسين مختلفين فإن كان من غير أموال الربا فلا شك أنه يجوز وتقسم الأبدال من أحد الجانبين بالأبدال من الجانب الآخر قسمة توزيع وإشاعة من حيث التقويم وإن كان من أموال الربا فيجوز أيضا عند أصحابنا الثلاثة ويصرف الجنس إلى خلاف الجنس فيقسم قسمة تصحيح لا قسمة إشاعة وتوزيع وعند زفر والشافعي لا يجوز ويقسم قسمة توزيع وإشاعة من حيث القيمة كما في غير أموال الربا وبيان ذلك في مسائل إذا باع كر حنطة وكر شعير بكري حنطة وكري شعير جاز عند علمائنا الثلاثة وتصرف الحنطة إلى الشعير والشعير إلى الحنطة وعندهما لا يجوز وكذلك إذا باع درهما ودينارا بدرهمين ودينارين ويصرف ( ( ( يصرف ) ) ) الدرهم إلى الدينارين والدينار إلى الدرهمين وجه قول زفر والشافعي أن هذا بيع ربا فلا يجوز كبيع الدرهم بالدرهمين والدينار بالدينارين ودلالة الوصف أنه قابل الجملة بالجملة مطلقا ومطلق مقابلة الجملة بالجملة يقتضي انقسام كل بدل من أحد الجانبين بجميع الأبدال من الجانب الآخر على سبيل الشيوع من حيث القيمة إذا كانت الأبدال مختلفة القيم استدلالا بسائر البياعات في غير أموال الربا فإنه إذا باع عبدا وجارية بفرس وثوب وقيمتهما مختلفة يقسم العبد على قيمة الفرس والثوب وكذا الجارية حتى لو وجد بواحد من الجملة عيبا يرده بحصته من البدلين وكذا لو استحق واحد منهما يرده بحصته من البدلين على البائع وكذا لو كان أحد البدلين دارا فالشفيع يأخذها بحصتها من البدلين فكان التقسيم على الوجه الذي قلنا هو الموجب الأصلي في البياعات كلها والانقسام على هذا الوجه في أموال الربا يحقق الربا لأنه يصير بائعا كر حنطة وكري شعير بكري شعير وبكر حنطة فيتحقق الربا على أنه إن لم يتحقق الربا ففيه احتمال الربا وأنه مفسد للعقد كبيع الصبرة بالصبرة مجازفة ولنا عمومات البيع من غير فصل فمن ادعى التخصيص فعليه الدليل ولأن المتعاقدين أطلقا مقابلة الجملة بالجملة والمطلق يتعرض للذات لا للصفات والجهات فلا يكون مقابلة الجنس بالجنس عينا ولا مقابلة الجنس بخلاف الجنس عينا فلا يتحقق الربا لأنه اسم لفضل مال في مقابلة الجنس بالجنس عينا ولم يوجد أو نقول مطلق المقابلة تحتمل مقابلة الجنس بالجنس على سبيل الشيوع من حيث القيمة كما قلتم وتحتمل مقابلة الجنس بخلاف الجنس لأن كل ذلك مقابلة الجملة بالجملة إلا أنا لو حملناه على الأول يفسد العقد ولو حملناه على الثاني لصح فالحمل على ما فيه الصحة أولى
وقوله موجب البيع المطلق المشتمل على إبدال من الجانبين انقسام كل بدل من أحد الجانبين على جميع الأبدال من الجانب الآخر على الشيوع من حيث التقويم قلنا ممنوع لأن هذا موجب العقد المطلق في موضع في مسائل البياعات في غير أموال الربا ما ثبت الانقسام موجبا له بل بحكم المعاوضة والمساواة في الأبدال لأنهما لما أطلقا البيع وهو يشتمل على أبدال من الجانبين من غير تعيين مقابلة البعض بالبعض وليس البعض بأولى من البعض في التعيين فلزم القول بالإشاعة والتقسيم من حيث القيمة حكما للمعاوضة والمساواة وعند تحقق الضرورة وهي ضرورة الرد بالعيب بالإشاعة والرجوع عند الاستحقاق ونحو ذلك فلا يثبت الانقسام عند القيمة قبل تحقق الضرورة على ما عرف وقوله فيه احتمال الربا قلنا احتمال الربا ههنا يوجب فساد العقد عند مقابلة الجنس بالجنس عينا كما في بيع الصبرة بالصبرة لا على الإطلاق لأن عند مقابلة الجنس بالجنس يلزم رعاية المماثلة المشروطة ولم توجد ههنا فلا توجب الفساد وعلى هذا إذا باع دينارا ودرهمين بدرهمين ودينارين أنه يجوز عندنا ويكون الدينار بالدرهمين والدرهمان بالدينارين وكذا إذا باع درهمين ودينارا بدينارين ودرهم يجوز عندنا بأن يجعل الدرهمان بالدينارين والدينار بالدرهم وكذا إذا باع عشرة دراهم بخمسة دراهم ودينار أنه جائز عندنا وتكون الخمسة بمقابلة الخمسة والخمسة الأخرى بمقابلة الدينار وكذلك إذا باع أحد عشر درهما بعشرة دراهم ودينار جاز عندنا وكانت العشرة بمثلها ودينار بدرهم وكذلك قال أبو حنيفة عليه الرحمة أنه إذا باع مائة درهم ودينار بألف درهم يجوز ولا بأس به وتكون المائة بمقابلة المائة والتسعمائة بمقابلة الدينار فلا يتحقق الربا وكذا روي عن محمد أنه قال إذا باع الدراهم بالدراهم وفي أحدهما فضل من حيث الوزن وفي الجانب الذي لا فضل فيه فلوس فهو جائز في الحكم ولكني أكرهه فقيل كيف تجده في قلبك قال أجده مثل الجبل والحاصل أنه ينظر إلى ما يقابل الزيادة من حيث الوزن من خلاف الجنس إن بلغت قيمته قيمة الزيادة أو كانت أقل منها مما يتغابن الناس فيه عادة جاز البيع من غير كراهة وإن كانت شيئا قليل القيمة كفلس وجوزة ونحو ذلك يجوز مع الكراهة وإن كان شيئا لا قيمة له أصلا ككف من تراب ونحوه لا يجوز البيع أصلا لأن الزيادة لا يقابلها عوض فيتحقق الربا فصل وأما شرائط جريان الربا فمنها أن يكون البدلان معصومين فإن كان أحدهما غير معصوم لا يتحقق الربا عندنا وعند أبي يوسف هذا ليس بشرط ويتحقق الربا وعلى هذا الأصل يخرج ما إذا دخل مسلم دار الحرب تاجرا فباع حربيا درهما بدرهمين أو غير ذلك من سائر البيوع الفاسدة في حكم الإسلام أنه يجوز عند أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف لا يجوز وعلى هذا الخلاف المسلم الأسير في دار الحرب أو الحربي الذي أسلم هناك ولم يهاجر إلينا فبايع أحدا من أهل الحرب وجه قول أبي يوسف أن حرمة الربا كما هي ثابتة في حق المسلمين فهي ثابتة في حق الكفار لأنهم مخاطبون بالحرمات في الصحيح من الأقوال فاشتراطه في البيع يوجب فساده كما إذا بايع المسلم الحربي المستأمن في دار الإسلام ولهما أن مال الحربي ليس بمعصوم بل هو مباح في نفسه إلا أن المسلم المستأمن منع من تملكه من غير رضاه لما فيه من الغدر والخيانة فإذا بدله باختياره ورضاه فقد زال هذا المعنى فكان الأخذ استيلاء على مال مباح غير مملوك وأنه مشروع مفيد للملك كالاستيلاء على الحطب والحشيش وبه تبين أن العقد ههنا ليس بتملك بل هو تحصيل شرط التملك وهو الرضا لأن ملك الحربي لا يزول بدونه وما لم يزل ملكه لا يقع الأخذ تملكا لكنه إذا زال فالملك للمسلم يثبت بالأخذ والاستيلاء لا بالعقد فلا يتحقق الربا لأن الربا اسم لفضل يستفاد بالعقد بخلاف المسلم إذا باع حربيا دخل دار الإسلام بأمان لأنه استفاد العصمة بدخوله دار الإسلام بأمان والمال المعصوم لا يكون محلا للاستيلاء فتعين التملك فيه بالعقد وشرط الربا في العقد مفسد
وكذلك الذمي إذا دخل دار الحرب فباع حربيا درهما بدرهمين أو غير ذلك من البيوع الفاسدة في الإسلام فهو على هذا الخلاف الذي ذكرنا لأن ما جاز من بيوع المسلمين جاز من بيوع أهل الذمة وما يبطل أو يفسد من بيوع المسلمين يبطل أو يفسد من بيوعهم إلا الخمر والخنزير على ما نذكر إن شاء الله تعالى ومنها أن يكون البدلان متقومين شرعا وهو أن يكونا مضمونين حقا للعبد فإن كان أحدهما غير مضمون حقا للعبد لا يجري فيه الربا وعلى هذا الأصل يخرج ما إذا دخل المسلم دار الحرب فبايع رجلا أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا درهما بدرهمين أو غير ذلك من البيوع الفاسدة في دار الإسلام أنه يجوز عند أبي حنيفة وعندهما لا يجوز لأن العصمة وإن كانت ثابتة فالتقوم ليس بثابت عنده حتى لا يضمن نفسه بالقصاص ولا بالدية عنده وكذا ماله لا يضمن بالإتلاف لأنه تابع للنفس وعندهما نفسه وماله معصومان متقومان والمسألة تأتي في كتاب السير ولو دخل مسلمان دار الحرب فتبايعا درهما بدرهمين أو غيره من البيوع الفاسدة في دار الإسلام لا يجوز لأن مال كل واحد منهما معصوم متقوم فكان التملك بالعقد فيفسد بالشرط الفاسد ولو أسلم الحربي الذي بايع المسلم ودخل دار الإسلام أو أسلم أهل الدار فما كان من ربا مقبوض أو بيع فاسد مقبوض فهو جائز ماض وما كان غير مقبوض يبطل لقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين أمرهم سبحانه وتعالى بترك ما بقي من الرب ( ( ( الربا ) ) ) والأمر بترك ما بقي من الربا نهي عن قبضه فكأنه تعالى قال اتركوا قبضه فيقتضي حرمة القبض وروي عن النبي أنه قال كل ربا في الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي والوضع عبارة عن الحط والإسقاط وذلك فيما لم يقبض ولأن بالإسلام حرم ابتداء العقد فكذا القبض بحكم العقد لأنه تقرير العقد وتأكيده فيشبه العقد فيلحق به إذ هو عقد من وجه فيلحق بالثابت من كل وجه في باب الحرمات احتياطا ومتى حرم القبض لم يكن في بقاء العقد فائدة ومنها أن لا يكون البدلان ملكا لأحد المتبايعين فإن كان لا يجري الربا وعلى هذا يخرج العبد المأذون إذا باع مولاه درهما بدرهمين وليس عليه دين أنه يجوز لأنه إذا لم يكن عليه دين فما في يده لمولاه فكان البدلان ملك المولى فلا يكون هذا بيعا فلا يتحقق الربا إذ هو مختص بالبياعات وكذلك المتعاوضان إذا تبايعا درهما بدرهمين يجوز لأن البدل من كل واحد منهما مشترك بينهما فكان مبادلة ماله بماله فلا يكون بيعا ولا مبادلة حقيقة وكذلك الشريكان شركة العنان إذا تبايعا درهما بدرهمين من مال الشركة جاز لما قلنا ولو تبايعا من غير مال الشركة لا يجوز لأنهما في غير مال الشركة أجنبيان ولو كان على العبد المأذون دين فباعه مولاه درهما بدرهمين لا يجوز بالإجماع أما عند أبي حنيفة رحمه الله فظاهر لأن المولى لا يملك كسب عبده المأذون المديون عنده فلم يجتمع البدلان في ملك واحد وعندهما وإن كان يملك لكن ملكا محجورا عن التصرف فيه لتعلق حق الغرماء به فكان المولى كالأجنبي عنه وكذلك المولى إذا عاقد مكاتبه عقد الرب ( ( ( الربا ) ) ) لم يجز لأن المكاتب في حق الاكتساب ملحق بالأحرار لانقطاع تصرف المولى عنها فأشبه الأجانب وأما إسلام المتبايعين فليس بشرط لجريان الربا فيجري الربا بين أهل الذمة وبين المسلم والذمي لأن حرمة الربا ثابتة في حقهم لأن الكفار مخاطبون بشرائع هي حرمات إن لم يكونوا مخاطبين بشرائع هي عبادات عندنا قال الله تعالى وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وروي أن رسول الله كتب إلى مجوس هجر إما أن تذروا الربا أو تأذنوا بحرب من الله ورسوله وهذا في نهاية الوعيد فيدل على نهاية الحرمة والله سبحانه وتعالى أعلم