Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
أما الكتاب العزيز ( ( ( العزير ) ) ) فقوله تعالى وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها والتحية وإن كانت تستعمل في معان من السلام والثناء والهدية بالمال قال القائل تحيتهم بيض الولاء بدينهم لكن الثالث تفسير مراد بقرينة من نفس الآية الكريمة وهي قوله تعالى أو ردوها لأن الرد إنما يتحقق في الأعيان لا في الأعراض لأنه عبارة عن إعادة الشيء وذا لا يتصور في الأعراض والمشترك يتعين أحد وجوهه بالدليل وأما السنة فما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال قال رسول الله الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها أي يعوض ( ( ( بعوض ) ) ) جعل عليه الصلاة والسلام الواهب أحق بهبته ما لم يصل إليه العوض وهذا نص في الباب وأما إجماع الصحابة فإنه روي عن سيدنا عمر وسيدنا عثمان وسيدنا علي وعبد الله بن سيدنا عمر وأبي الدرداء وفضالة بن عبيد وغيرهم رضي الله عنهم أنهم قالوا مثل مذهبنا ولم يرد عن غيرهم خلافه فيكون إجماعا ولأن العوض المالي قد يكون مقصودا من هبة الأجانب فإن الإنسان قد يهب من الأجنبي إحسانا إليه وإنعاما عليه وقد يهب له طمعا في المكافأة والمجازاة عرفا وعادة فالموهوب له مندوب إلى ذلك شرعا قال الله تبارك وتعالى هل جزاء الإحسان إلا الإحسان وقال عليه الصلاة والسلام من اصطنع إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى يعلم أنكم قد كافأتموه وقال عليه الصلاة والسلام تهادوا تحابوا والتهادي تفاعل من الهدية فيقتضي الفعل من اثنين وقد لا يحصل هذا المقصود من الأجنبي وفوات المقصود من عقد محتمل للفسخ يمنع لزومه كالبيع لأنه يعدم الرضا والرضا في هذا الباب كما هو شرط الصحة فهو شرط اللزوم كما في البيع إذا وجد المشتري بالمبيع عيبا لم يلزمه العقد لعدم الرضا عند عدم حصول المقصود وهو السلامة كذا هذا وأما الحديث الأول فله تأويلان أحدهما أنه محمول على الرجوع بغير قضاء ولا رضاء وذلك لا يجوز عندنا إلا فيما وهب الوالد لولده فإنه يحل له أخذه من غير رضا الولد ولا قضاء القاضي إذا احتاج إليه للإنفاق على نفسه الثاني أنه محمول على نفي الحل من حيث المروءة والخلف لا من حيث الحكم لأن نفي الحل يحتمل ذلك قال الله عز وجل في رسولنا عليه الصلاة والسلام لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج قيل في بعض التأويلات لا يحل لك من حيث المروءة والخلف أن تتزوج عليهن بعدما اخترن إياك والدار الآخرة على الدنيا وما فيها من الزينة لا من حيث الحكم إذ كان يحل له التزوج بغيرهن وهذا تأويل الحديث والآخر أن المراد منه التشبيه من حيث ظاهر القبح مروءة وطبيعة لا شريعة ألا ترى أنه قال عليه الصلاة والسلام في رواية أخرى العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه وفعل الكلب لا يوصف بالحرمة الشرعية لكنه يوصف بالقبح الطبيعي كذا هذا وقوله فيما يهبه الوالد لولده محمول على أخذ ( ( ( أخذه ) ) ) مال ابنه عند الحاجة إليه لكنه سماه رجوعا لتصوره بصورة الرجوع مجازا وإن لم يكن رجوعا حقيقة على ما نذكره في تلك المسألة إن شاء الله تعالى وأما شرائط الرجوع بعد ثبوت الحق حتى لا يصح بدون القضاء والرضا لأن الرجوع فسخ العقد بعد تمامه وفسخ العقد بعد تمامه يصح بدون القضاء والرضا كالرد بالعيب في البيع بعد القبض وأما العوارض المانعة من الرجوع فأنواع منها هلاك الموهوب لأنه لا سبيل إلى الرجوع في الهالك ولا سبيل إلى الرجوع في قيمته لأنها ليست بموهوبة لانعدام ورود العقد عليها
ومنها خروج الموهوب من ملك الواهب بأي سبب كان من البيع والهبة والموت ونحوها لأن الملك يختلف بهذه الأشياء أما بالبيع والهبة ونحوهما فظاهر وكذا بالموت لأن الثابت للوارث غير ما كان ثابتا للمورث حقيقة لأن الملك عرض يتجدد في كل زمان إلا أنه مع تجدده حقيقة جعل متجددا تقديرا في حق المحل حتى يرد الوارث بالعيب ويرد عليه فيجب العمل بالحقيقة في حق المالك فاختلف الملكان واختلاف الملكين بمنزلة اختلاف العينين ثم لو وهب عينا لم يكن له أن يرجع في عين أخرى فكذا إذا أوجبه ملكا لم يكن له أن يفسخ ملكا آخر بخلاف ما إذا وهب لعبد رجل هبة فقبضها العبد أن للواهب أن يرجع فيها لأن الملك هناك لم يختلف لأن الهبة انعقدت موجبة للملك للمولى ابتداء فلم يختلف الملك وكذا المكاتب إذا وهب له هبة وقبضها فللواهب أن يرجع لما قلنا وكذلك إن أعتق المكاتب لأن الملك الذي أوجبه بالهبة قد استقر بالعتق فكأنه وهب له بعد العتق فإن عجز المكاتب ورد في الرق فللواهب أن يرجع عند أبي يوسف وعند محمد ليس له أن يرجع وهذا بناء على أن المكاتب إذا عجز عن أداء بدل الكتابة فالمولى يملك أكسابه بحكم الملك الأول أو يملكها ملكا مبتدأ فعند أبو ( ( ( أبي ) ) ) يوسف يملكها بحكم الملك الأول فلم يختلف الملك فكان له أن يرجع وعند محمد يملكها ملكا مبتدأ فاختلف الملك فمنع الرجوع وجه قول محمد أن ملك الكسب للمولى قد بطل بالكتابة لأن المكاتب صار أحق بأكسابه بالكتابة فبطل ملك المولى بالكسب والباطل لا يحتمل العود فكان هذا ملكا مبتدأ فيمنع الرجوع كملك الوارث وجه قول أبي يوسف أن سبب ثبوت ملك الكسب هو ملك الرقبة وملك الرقبة قائم بعد الكتابة إلا أنه امتنع ظهور ملك الكسب للمولى لضرورة التوصل إلى المقصود من الكتابة في جانب المكاتب وهو شرف الحرية بأداء بدل الكتابة فإذا عجز زالت الضرورة وظهر ملك الكسب تبعا لملك الرقبة فلم يكن هذا ملكا مبتدأ ومنها موت الواهب لأن الوارث لم يوجب الملك للموهوب له فكيف يرجع في ملك لم يوجبه ومنها الزيادة في الموهوب زيادة متصلة فنقول جملة الكلام في زيادة الهبة أنها لا تخلو إما إن كانت متصلة بالأصل وإما إن كانت منفصلة عنه فإن كانت متصلة بالأصل فإنها تمنع الرجوع سواء كانت الزيادة بفعل الموهوب له أو لا بفعله وسواء كانت متولدة أو غير متولدة نحو ما إذا كان الموهوب جارية هزيلة فسمنت أو دارا فبنى فيها أو أرضا فغرس فيها غرسا أو نصب دولابا وغير ذلك مما يستقى به وهو مثبت في الأرض مبني عليها على وجه يدخل في بيع الأرض من غير تسمية قليلا كان أو كثيرا أو كان الموهوب ثوبا فصبغه بعصفر أو زعفران أو قطعه قميصا وخاطه أو جبة وحشاه أو قباء لأنه لا سبيل إلى الرجوع في الأصل مع الزيادة ( ( ( زيادة ) ) ) لأن الزيادة ليست بموهوبة إذ لم يرد عليها العقد فلا يجوز أن يرد عليها الفسخ ولا سبيل إلى الرجوع في الأصل بدون الزيادة لأنه غير ممكن فامتنع الرجوع أصلا وإن صبغ الثوب بصبغ لا يزيد فيه أو ينقصه فله أن يرجع لأن المانع من الرجوع هو الزيادة فإذا لم يزده الصبغ في القيمة التحقت الزيادة بالعدم وإن كانت الزيادة منفصلة فإنها لا تمنع الرجوع سواء كانت متولدة من الأصل كالولد واللبن والتمر ( ( ( والثمر ) ) ) أو غير متولدة كالأرش والعقر والكسب والغلة لأن هذه الزوائد لم يرد عليها العقد فلا يرد عليها الفسخ وإنما ورد على الأصل ويمكن فسخ العقد في الأصل دون الزيادة بخلاف المتصلة وبخلاف ولد المبيع أنه يمنع الرد بالعيب لأن المانع هناك هو الربا لأنه يبقى الولد بعد رد الأم بكل الثمن مبيعا مقصودا لا يقابله عوض وهذا تفسير الربا
ومعنى الربا لا يتصور في الهبة لأن جريان الربا يختص بالمعاوضات فجاز أن يبقى الولد موهوبا مقصودا بلا عوض بخلاف المبيع وكذا الزيادة في سعر لا تمنع الرجوع لأنه لا تعلق لها بالموهوب وإنما هي رغبة يحدثها الله تعالى في القلوب فلا تمنع الرجوع ولهذا لم تعتبر هذه الزيادة في أصول الشرع فلا تغير ضمان الرهن ولا الغصب ولا تمنع الرد بالعيب وأما نقصان الموهوب فلا يمنع الرجوع لأن ذلك رجوع في بعض الموهوب وله أن يرجع في بعض الموهوب مع بقائه بكماله فكذا إذا نقص ولا يضمن الموهوب له النقصان لأن قبض الهبة ليس بقبض مضمون ومنها العوض لما روينا عن رسول الله أنه قال الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها أي ما لم يعوض ولأن التعويض دليل على أن مقصود الواهب هو الوصول إلى العوض فإذا وصل فقد حصل مقصوده فيمنع الرجوع وسواء قل العوض أو كثر لما روينا من الحديث من غير فصل فنقول العوض نوعان متأخر عن العقد ومشروط في العقد أما العوض المتأخر عن العقد فالكلام فيه يقع في موضعين أحدهما في بيان شرط جواز هذا التعويض وصيرورة الثاني عوضا والثاني في بيان ماهية هذا التعويض أما الأول فله شرائط ثلاثة الأول مقابلة العوض بالهبة وهو أن يكون التعويض بلفظ يدل على المقابلة نحو أن يقول هذا عوض من هبتك أو بدل عن هبتك أو مكان هبتك أو نحلتك هذا عن هبتك أو تصدقت بهذا بدلا عن هبتك أو كافأتك أو جازيتك أو أتيتك وما يجري هذا المجرى لأن العوض اسم لما يقابل المعوض فلا بد من لفظ يدل على المقابلة حتى لو وهب لإنسان شيئا وقبضه الموهوب له ثم إن الموهوب له أيضا وهب شيئا للواهب ولم يقل هذا عوض من هبتك ونحو ذلك مما ذكرنا لم يكن عوضا بل كان هبة مبتدأ ( ( ( مبتدأة ) ) ) ولكل واحد منهما حق الرجوع لأنه لم يجعل الباقي مقابلا بالأول لانعدام ما يدل على المقابلة فكانت هبة مبتدأة فيثبت فيها الرجوع والثاني أن لا يكون العوض في العقد مملوكا بذلك العقد حتى لو عوض الموهوب له الواهب بالموهوب لا يصح ولا يكون عوضا وإن عوضه ببعض الموهوب عن باقيه فإن كان الموهوب على حاله التي وقع عليها العقد لم يكن عوضا لأن التعويض ببعض الموهوب لا يكون مقصود الواهب عادة إذ لو كان ذلك مقصوده لأمسكه ولم يهبه فلم يحصل مقصوده بتعويض بعض ما دخل تحت العقد فلا يبطل حق الرجوع وإن كان الموهوب قد تغير عن حاله تغيرا يمنع الرجوع فإن بعض الموهوب يكون عوضا عن الباقي لأنه بالتغير صار بمنزلة عين أخرى فصلح عوضا هذا إذا وهب شيئا واحدا أو شيئين في عقد واحد فأما إذا وهب شيئين في عقدين فعوض أحدهما عن الآخر فقد اختلف فيه قال أبو حنيفة عليه الرحمة يكون عوضا وقال أبو يوسف لا يكون عوضا وجه قول أبي يوسف أن حق الرجوع ثابت في غير ما عوض لأنه موهوب وحق الرجوع في الهبة ثابت شرعا فإذا عوض يقع عن الحق المستحق شرعا فلا يقع موقع العوض بخلاف ما إذا تغير الموهوب فجعل بعضه عوضا عن الباقي أنه يجوز وكان مكانا ( ( ( ملكا ) ) ) عوضا لأن حق الرجوع قد بطل بالتغير فجاز أن يقع موقع العوض وجه قولهما أنهما ملكا بعقدين متباينين فجاز أن يجعل أحدهما عوضا عن الآخر وهذا لأنه يجوز أن يكون مقصود الواهب من هبته الثانية عود الهبة الأولى لأن الإنسان قد يهب شيئا ثم يبدو له الرجوع فصار الموهوب بأحد العقدين بمنزلة عين أخرى بخلاف ما إذا عوض بعض الموهوب عن الباقي وهو على حاله التي وقع عليها العقد لأن بعض الموهوب لا يكون مقصود الواهب فإن الإنسان لا يهب شيئا ليسلم له بعضه عوضا عن باقيه
وقوله حق الرجوع ثابت شرعا نعم لكن الرجوع في الهبة ليس بواجب فلا يمتنع وقوعه عن جهة أخرى كما لو باعه منه ولو وهب له شيئا وتصدق عليه بشيء فعوضه الصدقة من الهبة كانت عوضا بالإجماع على اختلاف الأصلين أما على أصل أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله فلا يشكل لأنهما لو ملكا بعقدين متفقين لجاز أن يكون أحدهما عوضا عن الآخر فعند اختلاف العقدين أولى وأما على أصل أبي يوسف رحمه الله فلأن الصدقة لا يثبت فيها حق الرجوع فوقعت موقع العوض والثالث سلامة العوض للواهب فإن لم يسلم بأن استحق من يده لم يكن عوضا وله أن يرجع في الهبة لأن بالاستحقاق تبين أن التعويض لم يصح فكأنه لم يعوض أصلا فله أن يرجع إن كان الموهوب قائما بعينه لم يهلك ولم يزدد خيرا ولم يحدث فيه ما يمنع الرجوع فإن كان قد هلك أو استهلكه الموهوب له لم يضمنه كما لو هلك أو استهلكه قبل التعويض وكذا إذا إزداد خيرا لم يضمن كما قبل التعويض وإن استحق بعض العوض وبقي البعض فالباقي عوض عن كل الموهوب وإن شاء رد ما بقي من العوض ويرجع في كل الموهوب إن كان قائما في يده ولم يحدث فيه ما يمنع الرجوع وهذا قول أصحابنا الثلاثة وقال زفر يرجع في الهبة بقدر المستحق من العوض وجه قوله أن معنى المعاوضة ثبت من الجانبين جميعا فكما أن الثاني عوض عن الأول فالأول يصير عوضا عن الثاني ثم لو استحق بعض الهبة الأولى كان للموهوب له أن يرجع في بعض العوض فكذا إذا استحق بعض العوض كان للواهب أن يرجع في بعض الهبة تحقيقا للمعاوضة ولنا أن الباقي يصلح عوضا عن كل الهبة ألا ترى أنه لو لم يعوضه إلا به في الابتداء كان عوضا مانعا عن الرجوع فكذا في الانتهاء بل أولى لأن البقاء أسهل إلا أن للواهب أن يرده ويرجع في الهبة لأن الموهوب له غره حيث عوضه لإسقاط الرجوع بشيء لم يسلم له فيثبت له الخيار وأما سلامة المعوض وهو الموهوب للموهوب له فشرطه لزوم التعويض حتى لو استحق الموهوب كان له أن يرجع فيما عوض لأنه إنما عوض ليسقط حق الرجوع في الهبة فإذا استحق الموهوب تبين أن حق الرجوع لم يكن ثابتا فصار كمن صالح عن دين ثم تبين أنه لا دين عليه وكذلك لو استحق نصف الموهوب فللموهوب له أن يرجع في نصف العوض إن كان الموهوب مما يحتمل القسمة لأنه إنما جعل عوضا عن حق الرجوع في جميع الهبة فإذا لم يسلم له بعضه يرجع في العوض بقدره سواء زاد العوض أو نقص في السعر أو زاد في البدن أو نقص في البدن كان له أن يأخذ نصفه ونصف النقصان كذا روي عن محمد في الإملاء وإنما لم تمنع الزيادة عن الرجوع في العوض لأنه تبين له أنه قبضه بغير حق فصار كالمقبوض بعقد فاسد فيثبت الفسخ في الزوائد وإن قال الموهوب له أرد ما بقي من الهبة وأرجع في العوض كله لم يكن له ذلك لأن العوض لم يكن مشروطا في العقد بل هو متأخر عنه والعوض المتأخر ليس بعوض عن العين حقيقة بل هو لإسقاط الرجوع وقد حصل له سقوط الرجوع فيما بقي من الهبة فلم يكن له أن يرجع في العوض فإن كان العوض مستهلكا ضمن قابض العوض بقدر ما وجب الرجوع للموهوب له فيه من العوض وإن استحق كل الهبة والعوض مستهلك يضمن كل قيمة العوض كذا ذكر في الأصل من غير خلاف وهو إحدى روايتي بشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة رحمهم الله وروى بشر رواية أخرى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه لا يضمن شيئا وهو قول أبي يوسف وجه رواية الأصل أن القبض في العوض ما وقع مجانا وإنما وقع مبطلا حق الرجوع في الأول فإن لم يسلم المقصود منه بقي القبض مضمونا فكما يرجع بعينه لو كان قائما يرجع بقيمته إذا هلك
وجه الرواية الأخرى أن العوض المتأخر عن العقد في حكم الهبة المبتدأة حتى يشترط فيه شرائط الهبة من القبض والحيازة والموهوب غير مضمون بالهلاك هذا إذا كان الموهوب أو العوض شيئا لا يحتمل القسمة فاستحق بعضه فأما إذا كان مما يحتمل القسمة فاستحق بعض أحدهما بطل العوض إن كان هو المستحق وكذا تبطل الهبة إن كانت هي المستحقة فإذا بطل العوض رجع في الهبة وإذا بطلت الهبة يرجع في العوض لأن بالاستحقاق تبين أن الهبة أو ( ( ( والتعويض ) ) ) التعويض وقع في مشاع يحتمل القسمة وذلك باطل الثاني بيان ماهيته فالتعويض المتأخر عن الهبة هبة مبتدأة بلا خلاف من أصحابنا يصح بما تصح به الهبة ويبطل بما تبطل به الهبة لا يخالفها إلا في إسقاط الرجوع على معنى أنه يثبت حق الرجوع في الأولى ولا يثبت في الثانية فأما فيما وراء ذلك فهو في حكم هبة مبتدأة لأنه تبرع بتمليك العين للحال وهذا معنى الهبة إلا أنه تبرع به ليسقط حق الرجوع عن نفسه في الهبة الأولى فكانت هبة مبتدأة مسقطة لحق الرجوع في الهبة الأولى ولو وجد الموهوب له بالموهوب عيبا فاحشا لم يكن له أن يرده ويرجع في العوض وكذلك الواهب إذا وجد بالعوض عيبا لم يكن له أن يرد العوض ويرجع في الهبة لأن الرد بالعيب من خواص المعاوضات والعوض إذا لم يكن مشروطا في العقد لم يكن عوضا على الحقيقة بل كان هبة مبتدأة ولا يظهر معنى العوض فيه إلا في إسقاط الرجوع خاصة فإذا قبض الواهب العوض فليس لكل واحد منهما أن يرجع على صاحبه فيما ملكه أما الواهب فلأنه قد سلم له العوض عن الهبة وإنه يمنع الرجوع وأما الموهوب له فلأنه قد سلم له ما هو في معنى العوض في حقه وهو سقوط حق الرجوع فيمنعه من الرجوع لقوله عليه الصلاة والسلام الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها وسواء عوضه الموهوب له أو أجنبي بأمر الموهوب له أو بغير أمره لم يكن للواهب أن يرجع في هبته ولا للمعوض أن يرجع في العوض على الواهب ولا على الموهوب له أما الواهب فإنما لم يرجع في هبته لأن الأجنبي إنما عوض بأمر الموهوب له قام تعويضه مقام تعويضه بنفسه ولو عوض بنفسه لم يرجع فكذا إذا عوض الأجنبي بأمره وإن عوض بغير أمره فقد تبرع بإسقاط الحق عنه والتبرع بإسقاط الحق عن الغير جائز كما لو تبرع بمخالعة امرأة من زوجها وأما المعوض فإنه لا يرجع على الواهب لأن مقصوده من التعويض سلامة الموهوب للموهوب له وإسقاط حق التبرع وقد سلم له ذلك وإنما لم يرجع على الموهوب له أما إذا كان بغير أمره فلأنه تبرع بإسقاط الحق عنه فلا يملك أن يجعل ذلك مضمونا عليه وأما إذا عوض بأمره لا يرجع عليه أيضا إلا إذا قال له عوض عني على أني ضامن لأنه إذا أمره بالتعويض ولم يضمن له فقد أمره بما ليس بواجب عليه بل هو متبرع به فلم يوجب ذلك الضمان على الآمر إلا بشرط الضمان وعلى هذا قالوا فيمن قال لغيره أطعم عن كفارة يميني أو أد زكاتي ففعل لا يرجع بذلك على الآمر إلا أن يقول له على أني ضامن لأنه أمره بما ليس بمضمون عليه بخلاف ما إذا أمره غيره بقضاء الدين فقضاه أنه يرجع على الآمر وإن لم يقل على أني ضامن نصا لأن قضاء الدين مضمون على الآمر فإذا أمره به فقد ضمن له ولو عوض الموهوب له الواهب عن نصف الهبة كان عوضا عن نصفها وكان للواهب أن يرجع في النصف الآخر ولا يرجع فيما عوض عنه لأن حق الرجوع في الهبة مما يتجزأ ألا ترى أنه لو رجع في نصف الهبة ابتداء دون النصف جاز فجاز أن يثبت حق الرجوع في النصف بدون النصف بخلاف العفو عن القصاص والطلاق لأن ذلك مما لا يتجزأ فكان إسقاط الحق عن البعض إسقاطا عن الكل
وأما العوض المشروط في العقد فإن قال وهبت لك هذا الشيء على أن تعوضني هذا الثوب فقد اختلف في ماهية هذا العقد قال أصحابنا الثلاثة رضي الله عنهم إن عقده عقد هبة وجوازه جواز بيع وربما عبروا أنه هبة ابتداء بيع انتهاء حتى لا يجوز في المشاع الذي ينقسم ولا يثبت الملك في كل واحد منهما قبل القبض ولكل واحد منهما أن يرجع في سلعته ما لم يقبضا وكذا إذا قبض أحدهما ولم يقبض الآخر فلكل واحد منهما أن يرجع القابض وغير القابض فيه سواء حتى يتقابضا جميعا ولو تقابضا كان ذلك بمنزلة البيع يرد كل واحد منهما بالعيب وعدم الرؤية ويرجع في الاستحقاق وتجب الشفعة إذا كان غير منقول وقال زفر رحمه الله عقده عقد بيع وجوازه جواز بيع ابتداء وانتهاء وتثبت فيه أحكام البيع فلا يبطل بالشيوع ويفيد الملك بنفسه من غير شريطة القبض ولا يملكان الرجوع وجه قوله أن معنى البيع موجود في هذا العقد لأن البيع تمليك العين بعوض وقد وجد إلا أنه اختلفت العبارة واختلافها لا يوجب اختلاف الحكم كلفظ البيع مع لفظ التمليك ولنا أنه وجد في هذا العقد لفظ الهبة ومعنى البيع فيعطى شبه العقدين فيعتبر فيه القبض والحيازة عملا بشبه ( ( ( يشبه ) ) ) الهبة ويثبت فيه حق الرد بالعيب وعدم الرؤية في حق الشفعة عملا بشبه ( ( ( يشبه ) ) ) البيع عملا بالدليلين بقدر الإمكان والله عز وجل أعلم ومنها ما هو في معنى العوض وهو ثلاثة أنواع الأول صلة الرحم المحرم فلا رجوع في الهبة لذي رحم محرم من الواهب وهذا عندنا وقال الشافعي رحمه الله يرجع الوالد فيما يهب لولده احتج بما روينا عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال لا يحل لواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد فيما يهب لولده ( ( ( ولده ) ) ) وهذا نص في الباب ولنا ما روينا عن رسول الله أنه قال الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها أي لم يعوض وصلة الرحم عوض معنى لأن التواصل سبب التناصر والتعاون في الدنيا فيكون وسيلة إلى استيفاء النصرة وسبب الثواب في الدار الآخرة فكان أقوى من المال وقد روي عن رسول الله أنه قال اتقوا الله وصلوا الأرحام فإنه أبقى لكم في الدنيا وخير لكم في الدار الآخرة فدخل تحت النص وروي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه قال من وهب هبة لصلة رحم أو على وجه صدقة فإنه لا يرجع فيها وهذا نص في الباب والحديث محمول على النهي عن شراء الموهوب لكنه سماه رجوعا مجازا لتصوره بصورة الرجوع كما روي أن سيدنا عمر رضي الله عنه تصدق بفرس له على رجل ثم وجده يباع في السوق فأراد أن يشتريه فسأل رسول الله عن ذلك فقال لا تعد في صدقتك وسيدنا عمر رضي الله عنه قصد الشراء لا العود في الصدقة لكن سماه عودا لتصوره بصورة العود وهو نهي ندب لأن الموهوب له يستحي فيسامحه في ثمنه فيصير كالراجع في بعضه والرجوع مكروه وهذا المعنى لا يوجد في هبة الوالد لولده لأن الولد لا يستحي عن المضايقة في الثمن لاستيفاء الثمن لمباسطة بينهما عادة فلم يكره الشراء حملناه على هذا توفيقا بين الدليلين صيانة لهما عن التناقض ولو وهب لذي رحم محرم فله أن يرجع لقصور معنى الصلة في هذه القرابة فلا يكون في معنى العوض وكذا إذا وهب لذي محرم لا رحم له لانعدام معنى الصلة أصلا
ولو وهب لعبد ذي رحم ومولاه أجنبي ( ( ( أجنبيا ) ) ) فأما إن كان المولى ذا رحم محرم من الواهب والعبد أجنبيا وأما إن كان المولى والعبد جميعا ذوي رحم من الواهب فإن كان العبد ذا رحم محرم من الواهب والمولى أجنبي ( ( ( أجنبيا ) ) ) فله أن يرجع بلا خلاف بين أصحابنا لأن حكم العقد يقع للمولى وإنما الواقع للعبد صورة العقد بلا حكم وإنه لا يفيد معنى العلة فانعدم معنى العوض أصلا وإن كان المولى ذا رحم محرم من الواهب والعبد أجنبي ( ( ( أجنبيا ) ) ) اختلفوا فيه قال أبو حنيفة رضي الله عنه يرجع وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله لا يرجع وجه قولهما أن بطلان حق الرجوع بحصول الصلة لأنها في معنى العوض على ما بينا ومعنى الصلة إنما يتحقق لوقوع الحكم للقريب والحكم وقع للمولى فصار كأن الواهب أوجب الهبة له ابتداء وإنه يمنع الرجوع كذا هذا وجه قول أبي حنيفة رحمه الله أن الملك لم يثبت للمولى بالهبة لأنها وقعت للعبد ألا ترى أن القبض إليه لا إلى المولى وإنما ثبت ضرورة تعدد الإثبات للعبد فأقيم مقامه وإذا ثبت الملك له بالهبة لم يحصل معنى الصلة بالعقد فلا يمنع الرجوع مع ما أن الملك يثبت له بالهبة لكن الهبة وقعت للمولى من وجه وللعبد من وجه لأن الإيجاب أضيف إلى العبد والملك وقع للمولى إذا لم يكن دين فلم يتكامل معنى الصلة في الهبة فصارت كالهبة لذي رحم محرم فإن كانا جميعا ذا رحم محرم من الواهب فقد ذكر الكرخي عن محمد أن قياس قول أبي حنيفة أن يرجع لأن قرابة العبد لا تؤثر في إسقاط الرجوع لأن الملك لم يقع له وقرابة المولى أيضا لا تؤثر فيه لأن الإيجاب لم يقع له وحق الرجوع هو الأصل في الهبة والامتناع معارض المسقط ولم يوجد فلا يسقط وذكر الفقيه أبو جعفر الهندواني أنه ليس له أن يرجع في هذه المسألة في قولهم لأن الهبة إما أن يعتبر فيها حال العبد أو حال المولى وأيهما كان فرحمة كاملة والصلة الكاملة تمنع الرجوع والجواب أنه لا يعتبر ههنا حال العبد وحده ولا حال المولى وحده بل يعتبر حالهما جميعا واعتبار حالهما لا يمنع الرجوع والله عز وجل أعلم وعلى هذا التفريع إذا وهب لمكاتب شيئا وهو ذو رحم محرم من الواهب أو مولاه ذو رحم محرم من الواهب أنه إن أدى المكاتب فعتق يعتبر حاله في القرابة وعدمها إن كان أجنبيا يرجع وإن كان قريبا لا يرجع لأنه لما أدى فعتق استقر ملكه فصار كأن الهبة وقعت له وهو حر ولو كان كذلك يرجع إن كان أجنبيا وإن كان قريبا لا يرجع كذا هذا وإن عجز ورد في الرق فقياس قول أبي حنيفة رحمه الله أنه يعتبر حال المولى في القرابة وعدمها إن كان أجنبيا فللواهب أن يرجع وإن كان قريبا فليس له أن يرجع بناء على أن الهبة عنده أوجبت ملكا موقوفا على المكاتب وعلى مولاه على معنى أنه إن أدى فعتق تبين أن الملك وقع له من حين وجوده وإن عجز ورد في الرق يظهر أنه وقع للمولى من وقت وجوده كأن الهبة وقعت له من الابتداء وعلى قول محمد لا يرجع في الأحوال كلها لأن عنده كسب المكاتب يكون للمكاتب من غير توقف ثم ينتقل إلى المولى بالعجز كأنه وهب لحي فمات وانتقل الموهوب إلى ورثته الثاني الزوجية فلا يرجع كل واحد من الزوجين فيما وهبه لصاحبه لأن صلة الزوجية تجري مجرى صلة القرابة الكاملة بدليل أنه يتعلق بها التوارث في جميع الأحوال فلا يدخلها حجب الحرمان والقرابة الكاملة مانعة من الرجوع فكذا ما يجري مجراها
الثالث التوارث فلا رجوع في الهبة من الفقير بعد قبضها لأن الهبة من الفقير صدقة لأنه يطلب بها الثواب كالصدقة ولا رجوع في الصدقة على الفقير بعد قبضها لحصول الثواب الذي هو في معنى العوض بوعد الله تعالى وإن لم يكن عوضا في الحقيقة إذ العبد لا يستحق على مولاه عوضا ولو تصدق على غني فالقياس أن يكون له حق الرجوع لأن التصدق على الغني يطلب منه العوض عادة فكان هبة في الحقيقة فيوجب الرجوع إلا أنهم استحسنوا وقالوا ليس له أن يرجع لأن الثواب قد يطلب بالصدقة على الأغنياء ألا ترى أن من له نصاب تجب فيه الزكاة وله عيال لا يكفيه ما في يده ففي الصدقة عليه ثواب وإذا كان الثواب مطلوبا من ذلك في الجملة فإذا أتى بلفظة الصدقة دل أنه أراد به الثواب وإنه يمنع الرجوع لما بينا وأما الشيوع فنقول لا يمنع الرجوع في الهبة فللواهب أن يرجع في نصف الهبة مشاعا وإن كان محتملا للقسمة بأن وهب دارا فباع الموهوب له نصفها مشاعا كان للواهب أن يرجع في الباقي وكذا لو لم يبع نصفها وهي قائمة في يد الموهوب له فله أن يرجع في بعضها دون البعض بخلاف الهبة المستقلة ( ( ( المستقبلة ) ) ) إنها لا تجوز في المشاع الذي يحتمل القسمة لأن القبض شرط جواز العقد والشياع يخل في القبض الممكن من التصرف والرجوع فسخ والقبض ليس بشرط لجواز الفسخ فلا يكون الشيوع مانعا من الرجوع وأما بيان ماهية الرجوع وحكمه شرعا فنقول وبالله التوفيق لا خلاف في أن الرجوع في الهبة بقضاء القاضي فسخ واختلف في الرجوع فيها بالتراضي فمسائل أصحابنا تدل على أنه فسخ أيضا كالرجوع بالقضاء فإنهم قالوا يصح الرجوع في المشاع الذي يحتمل القسمة ولو كان هبة مبتدأة لم يصح مع الشياع وكذا لا تقف صحته على القبض ولو كانت هبة مبتدأة لوقف صحته على القبض وكذا لو وهب لإنسان شيئا ووهبه الموهوب له لآخر ثم رجع الثاني في هبته كان للأول أن يرجع ولو كان هبة مبتدأة لم يكن له حق الرجوع فهذه المسائل تدل على أن الرجوع بغير قضاء فسخ وقال زفر إنه هبة مبتدأة وجه قوله إن ملك الموهوب عاد إلى الواهب بتراضيهما فأشبه الرد بالعيب فيعتبر عقدا جديدا في حق ثالث كالرد بالعيب بعد القبض والدليل على أنه هبة مبتدأة ما ذكر محمد في كتاب الهبة إن الموهوب له إذا رد ( ( ( زاد ) ) ) الهبة في مرض موته أنها تكون من الثلث وهذا حكم الهبة المبتدأة ولنا أن الواهب بالفسخ يستوفي حق نفسه واستيفاء الحق لا يتوقف على قضاء القاضي والدليل على أنه مستوف حق نفسه بالفسخ أن الهبة عقد جائز موجب حق الفسخ فكان بالفسخ مستوفيا ثابتا له فلا يقف على القضاء بخلاف الرد بالعيب بعد القبض بغير قضاء القاضي أنه يعتبر بيعا جديدا في حق ثالث لأنه لا حق للمشتري في الفسخ وإنما حقه في صفة السلامة فإذا لم يسلم اختل رضاه فيثبت حق الفسخ ضرورة فتوقف لزوم موجب الفسخ في حق ثالث على قضاء القاضي وأما ما ذكر محمد فمن أصحابنا من التزم وقال هذا يدل على أن الرجوع بغير قضاء هبة مبتدأة وما ذكرنا من المسائل يدل على أنها فسخ فكان في المسألة روايتان
ومنهم من قال هذا لا يدل على اختلاف الروايتين لأنه إنما اعتبر الرد من الثلث لكون المريض متهما في الرد في حق ورثته فكان فسخا فيما بين الواهب والموهوب له هبة مبتدأة في حق الورثة وهذا ليس بممتنع أن يكون للعقد الواحد حكمان مختلفان كالإقالة فإنها فسخ في حق العاقدين بيع جديد في حق غيرهما وإذا انفسخ العقد بالرجوع عاد الموهوب إلى قديم ملك الواهب ويملكه الواهب وإن لم يقبضه لأن القبض إنما يعتبر في انتقال الملك لا في عود قديم الملك كالفسخ في باب البيع والموهوب بعد الرجوع يكون أمانة في يد الموهوب له حتى لو هلك في يده لا يضمن لأن قبض الهبة قبض غير مضمون فإذا انفسخ عندها بقي القبض على ما كان قبل ذلك أمانة غير موجب للضمان فلا يصير مضمونا عليه إلا بالتعدي كسائر الأمانات ولو لم يتراضيا على الرجوع ولا قضى القاضي به ولكن الموهوب له وهب الموهوب ( ( ( والموهوب ) ) ) للواهب وقبله الواهب الأول لا يملكه حتى يقبضه وإذا قبضه كان بمنزلة الرجوع بالتراضي أو بقضاء القاضي وليس للموهوب له أن يرجع فيه وكذا الصدقة أما وقوف الملك فيه على القبض فلأن الموجود لفظ الهبة لا لفظ الفسخ وملك الواهب لا يزول إلا بالقبض بخلاف ما إذا تراضيا على الرجوع إن الواهب يملكه بدون القبض لأن اتفاقهما على الرجوع اتفاق على الفسخ ولا يشترط للفسخ ما يشترط للعقد ثم إذا قبضه الواهب قام ذلك مقام الرجوع لأن الرجوع مستحق فتقع الهبة عن الرجوع المستحق ولا تقع موقع الهبة المبتدأة فلا يصح الرجوع فيها فصل وأما بيان ما يرفع عقد الهبة فالذي يرفعه هو الفسخ إما بالإقالة أو الرجوع بقضاء القاضي أو التراضي على ما بينا وإذا انفسخ العقد يعود الموهوب إلى قديم ملك الواهب بنفس الفسخ من غير الحاجة إلى القبض لما ذكرنا فيما تقدم كتاب الرهن الكلام في هذا الكتاب يقع في مواضع في بيان ركن عقد الرهن وفي بيان شرائط الركن وفي بيان حكم الرهن وفي بيان ما يخرج به الرهن عن كونه مرهونا وما يبطل به الركن وما لا يبطل وفي بيان حكم اختلاف الراهن والمرتهن والعدل أما ركن عقد الرهن فهو الإيجاب والقبول وهو أن يقول الراهن رهنتك هذا الشيء بما لك علي من الدين أو يقول هذا الشيء رهن بدينك وما يجري هذا المجرى ويقول المرتهن ارتهنت أو قبلت أو رضيت وما يجري مجراه فأما لفظ الرهن فليس بشرط حتى لو اشترى شيئا بدراهم ودفع إلى البائع ثوبا وقال له أمسك هذا الثوب حتى أعطيك الثمن فالثوب رهن لأنه أتى بمعنى العقد والعبرة في باب العقود للمعاني فصل وأما الشرائط فأنواع بعضها يرجع إلى نفس الرهن وبعضها يرجع إلى الراهن والمرتهن وبعضها يرجع إلى المرهون وبعضها يرجع إلى المرهون به أما الذي يرجع إلى نفس الرهن فهو أن لا يكون معلقا بشرط ولا مضافا إلى وقت لأن في الرهن والارتهان معنى الإيفاء والاستيفاء فيشبه البيع وإنه لا يحتمل التعليق بشرط والإضافة إلى وقت كذا هذا وأما الذي يرجع إلى الراهن والمرتهن فعقلهما حتى لا يجوز الرهن والارتهان من المجنون والصبي الذي لا يعقل فأما البلوغ فليس بشرط وكذا الحرية حتى يجوز من الصبي المأذون والعبد المأذون لأن ذلك من توابع التجارة فيملكه من يملك التجارة ولأن الرهن والارتهان من باب إيفاء الدين واستيفائه وهما يملكان ذلك وكذا السفر ليس بشرط لجواز الرهن فيجوز الرهن في السفر والحضر جميعا لما روي أن رسول الله استقرض بالمدينة من يهودي طعاما ورهنه به درعه وكان ذلك رهنا في الحضر ولأن ما شرع له الرهن وهو الحاجة إلى توثيق الدين يوجد في الحالين وهو الرهن عن تواء الحق بالجحود والإنكار وتذكره عند السهو والنسيان والتنصيص على السفر في كتاب الله تعالى عز وجل ليس لتخصيص الجواز بل هو إخراج الكلام مخرج العادة
كقوله تعالى فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وأما الذي يرجع إلى المرهون فأنواع منها أن يكون محلا قابلا للبيع وهو أن يكون موجودا وقت العقد مالا مطلقا متقوما مملوكا معلوما مقدور التسليم ونحو ذلك فلا يجوز رهن ما ليس بموجود عند العقد ولا رهن ما يحتمل الوجود والعدم كما إذا رهن ما يثمر نخيله العام أو ما تلد أغنامه السنة أو ما في بطن هذه الجارية ونحو ذلك ولا رهن الميتة والدم لانعدام ماليتهما ولا رهن صيد الحرم والإحرام لأنه ميتة ولا رهن الحر لأنه ليس بمال أصلا ولا رهن أم الولد والمدبر المطلق والمكاتب لأنهم أحرار من وجه فلا يكونون أموالا مطلقة ولا رهن الخمر والخنزير من المسلم سواء كان العاقدان مسلمين أو أحدهما مسلم لانعدام مالية الخمر والخنزير في حق المسلم وهذا لأن الرهن إيفاء الدين والإرتهان استيفاؤه ولا يجوز للمسلم إيفاء الدين من الخمر واستيفاؤه إلا أن الراهن إذا كان ذميا كانت الخمر مضمونة على المسلم المرتهن لأن الرهن إذا لم يصح كانت الخمر بمنزلة المغصوب في يد المسلم وخمر الذمي مضمون على المسلم بالغصب وإذا كان الراهن مسلما والمرتهن ذميا لا تكون مضمونة على أحد وأما في حق أهل الذمة فيجوز رهن الخمر والخنزير وارتهانهما منهم لأن ذلك مال متقوم في حقهم بمنزلة الخل والشاة عندنا ولا رهن المباحات من الصيد والحطب والحشيش ونحوها لأنها ليست بمملوكة في أنفسها فأما كونه مملوكا للراهن فليس بشرط لجواز الرهن حتى يجوز رهن مال الغير بغير إذنه بولاية شرعية كالأب والوصي يرهن مال الصبي بدينه وبدين نفسه لأن الرهن لا يخلو إما أن يجري مجرى الإيداع وإما أن يجري مجرى المبادلة والأب يلي كل واحد منهما في مال الصغير فإنه يبيع مال الصغير بدين نفسه ويودع مال الصغير فإن هلك الرهن في يد المرتهن قبل أن يفتكه الأب هلك بالأقل من قيمته ومما رهن به لأن الرهن وقع صحيحا وهذا حكم الرهن الصحيح وضمن الأب قدر ما سقط من الدين بهلاك الرهن لأنه قضى دين نفسه بمال ولده فيضمن فلو أدرك الولد والرهن قائم عند المرتهن فليس له أن يسترده قبل قضاء القاضي لما ذكرنا أن الرهن وقع صحيحا لوقوعه عن ولاية شرعية فلا يملك الولد نقضه ولكن يؤمر الأب بقضاء الدين ورد الرهن على ولده لزوال ولايته بالبلوغ ولو قضى الولد دين أبيه وافتك الرهن لم يكن متبرعا ويرجع بجميع ما قضى على أبيه لأنه مضطر إلى قضاء الدين إذ لا يمكنه الوصول إلى ملكه إلا بقضاء الدين كله فكان مضطرا فيه فلم يكن متبرعا بل يكون مأمورا بالقضاء من قبل الأب دلالة فكان له أن يرجع عليه بما قضى كما لو استعار من إنسان عبده ليرهنه بدين نفسه فرهن ثم إن المعير قضى دين المستعير وافتك الرهن أنه يرجع بجميع ما قضى على المستعير لما قلنا كذا هذا وكذلك حكم الوصي في جميع ما ذكرنا حكم الأب وإنما يفترقان في فصل آخر وهو أنه يجوز للأب أن يرتهن مال الصغير بدين ثبت على الصغير وإذا هلك يهلك بالأقل من قميته ( ( ( قيمته ) ) ) ومن الدين وإذا أدرك الولد ليس له أن يسترده إذا كان الأب يشهد على الارتهان وإن كان لم يشهد على ذلك لم يصدق عليه بعد الإدراك إلا بتصديق الولد ويجوز له أن يرهن ماله عند ولده الصغير بدين للصغير عليه ويحبسه لأجل الولد وإذا هلك بعد ذلك فيهلك بالأقل من قيمته ومن الدين إذا كان أشهد عليه قبل الهلاك وإن كان لم يشهد عليه قبل الهلاك لم يصدق إلا أن يصدقه الولد بعد الإدراك والوصي لو فعل هذا من اليتيم لا يجوز رهنه ولا ارتهانه
أما على أصل محمد فلا يشكل لأنه لا يرى بيع مال اليتيم من نفسه ولا شراء ماله لنفسه أصلا فكذلك الرهن وعلى قولهما إن كان يجوز البيع والشراء لكن إذا كان خيرا لليتيم ولا خير له في الرهن لأنه يهلك أبدا بالأقل من قيمته ومن الدين فلم يكن فيه خير لليتيم فلم يجز وكذلك يجوز رهن مال الغير بإذنه كما لو استعار من إنسان شيئا ليرهنه بدين على المستعير لما ذكرنا أن الرهن إيفاء الدين وقضاؤه والإنسان بسبيل من أن يقضي دين نفسه بمال غيره بإذنه ثم إذا أذن المالك بالرهن فإذنه بالرهن لا يخلو إما إن كان مطلقا وإما إن كان مقيدا فإن كان مطلقا فللمستعير أن يرهنه بالقليل والكثير وبأي جنس شاء وفي أي مكان كان ومن أي إنسان أراد ولأن العمل بإطلاق اللفظ أصل وإن كان مقيدا بأن سمى قدرا أو جنسا أو مكانا أو إنسانا يتقيد به حتى لو أذن له أن يرهنه بعشرة لم يجز له أن يرهنه بأكثر منها ولا بأقل لأن المتصرف بإذن يتقيد تصرفه بقدر الإذن والإذن لم يتناول الزيادة فلم يكن له أن يرهن بالأكثر ولا بالأقل أيضا لأن المرهون مضمون والمالك إنما جعله مضمونا بالقدر وقد يكون له في ذلك غرض صحيح فكان التقييد به مفيدا وكذلك لو أذن له أن يرهنه بجنس لم يجز له أن يرهنه بجنس آخر لأن قضاء الدين من بعض الأجناس قد يكون أيسر من بعض فكان التقييد بالجنس مفيدا وكذا إذا أذن له أن يرهنه بالكوفة لم يجز له أن يرهنه بالبصرة لأن التقييد بمكان دون مكان مفيد فيتقيد بالمكان المذكور وكذا إذا أذن له أن يرهنه من إنسان بعينه لم يجز له أن يرهنه من غيره لأن الناس متفاوتون في المعاملات فكان التعيين مفيدا فإن خالف في شيء مما ذكرنا فهو ضامن لقيمته إذا هلك لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه فصار غاصبا وللمالك أن يأخذ الرهن من يد المرتهن لأن الرهن لم يصح فبقي المرهون في يده بمنزلة المغصوب فكان له أن يأخذه منه وليس لهذا المستعير أن ينتفع بالمرهون لا قبل الرهن ولا بعد الانفكاك فإن فعل ضمن لأنه لم يأذن ( ( ( يؤذن ) ) ) له إلا بالرهن فإن انتفع به قبل أن يرهنه ثم رهنه بمثل قيمته برىء من الضمان حين رهن ذكره في الأصل لأنه لما انتفع به فقد خالف ثم لما رهنه فقد عاد إلى الوفاق فيبرأ عن الضمان كالمودع إذا عاد إلى الوفاق بعدما خالف في الوديعة بخلاف ما إذا استعار العين لينتفع بها فخالف ثم عاد إلى الوفاق أنه لا يبرأ عن الضمان لأن المستعير للانتفاع ليس ( ( ( ليست ) ) ) يده يد المالك بل يد نفسه حيث تعود المنفعة إليه فلم تكن بالعود إلى الوفاق رادا للمال إلى يد المالك فلا يبرأ عن الضمان فأما المستعير للرهن فيده قبل الرهن يد المالك فإذا عاد إلى الوفاق فقد رد المال إلى يد المالك فيبرأ عن الضمان وإذا قبض المستعير العارية فهلك في يده قبل أن يرهنه فلا ضمان عليه لأنه هلك في قبض العارية لا في قبض الرهن وقبض العارية قبض أمانة لا قبض ضمان وكذلك إذا هلك في يده بعدما افتكه من يد المرتهن لأنه بالافتكاك من يد المرتهن عاد عارية فكان الهلاك في قبض العارية ولو وكل الراهن يعني المستعير بقبض الرهن من المرتهن أحدا فقبضه فهلك في يد القابض فإن كان القابض في عياله لم يضمن لأن يده كيده والمالك رضي بيده وإن لم يكن في عياله ضمن لأن يده ليست كيده فلم يكن المالك راضيا بيده وإن هلك في يد المرتهن وقد رهن على الوجه الذي أذن فيه ضمن الراهن للمعير قدر ما سقط عنه من الدين بهلاك الرهن لأنه قضى دين نفسه من مال الغير بإذنه بالرهن إذ الرهن قضاء الدين ويتعذر القضاء عند الهلاك
وكذلك لو دخله عيب فسقط بعض الدين ضمن الراهن ذلك القدر لأنه قضى ذلك القدر من دينه بمال الغير فيضمن ذلك القدر فكان المستعير بمنزلة رجل عنده وديعة لإنسان فقضى دين نفسه بمال الوديعة بإذن صاحبها فما قضى يكون مضمونا عليه وما لم يقض ( ( ( يقبض ) ) ) يكون أمانة في يده فإن عجز الراهن عن الإفتكاك فافتكه المالك لا يكون متبرعا ويرجع بجميع ما قضى على المستعير وذكر الكرخي أنه يرجع بقدر ما كان يملك الدين به ولا يرجع بالزيادة عليه ويكون متبرعا فيها حتى لو كان المستعير رهن بألفين وقيمة الرهن ألف فقضى المالك ألفين فإنه يرجع على المستعير بألفين وعلى ما ذكره الكرخي يرجع عليه بألف ( ( ( بالألف ) ) ) وجه قول الكرخي أن المضمون على المستعير قدر الدين بدليل أنه لا يضمن عند الهلاك إلا قدر الدين فإذا قضى المالك الزيادة على المقدر كان متبرعا فيها وجه القول الآخر أن المالك مضطر إلى قضاء كل الدين الذي رهن به لأنه علق ماله عند المرتهن بحيث لا فكاك له إلا بقضاء كل الدين فكان مضطرا في قضاء الكل فكان مأذونا فيه من قبل الراهن دلالة كأنه وكله بقضاء دينه فقضاه المعير من مال نفسه ولو كان كذلك لرجع عليه بما قضى كذا هذا وليس للمرتهن أن يمتنع من قبض الدين من المعير ويجبر على القبض ويسلم الرهن إليه لأن له ولاية قضاء الدين لتخلص ملكه وإزالة العلق عنه فلا يكون للمرتهن ولاية الامتناع من القبض والتسليم فإن اختلف الراهن والمعير وقد هلك الرهن فقال المعير هلك في يد المرتهن وقال المستعير هلك قبل أن أرهنه أو بعدما افتكيته فالقول قول الراهن مع يمينه لأن الضمان إنما وجب على المستعير لكونه قاضيا دين نفسه من مال الغير بإذنه وهو ينكر القضاء فكان القول قول المنكر ولا يجوز رهن المجهول ولا معجوز ( ( ( يجوز ) ) ) التسليم ونحو ذلك مما لا يجوز بيعه والأصل فيه أن كل ما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه وقد ذكرنا جملة ذلك في كتاب البيوع ومنها أن يكون مقبوض المرتهن أو من يقوم مقامه والكلام في القبض في مواضع في بيان أنه شرط جواز الرهن وفي بيان شرائط صحته وفي تفسير القبض وماهيته وفي بيان أنواعه أما الأول فقد اختلف العلماء فيه قال عامة العلماء إنه شرط وقياس قول زفر رحمه الله في الهبة أن يكون ركنا كالقبول حتى إن من حلف لا يرهن فلانا شيئا فرهنه ولم يقبضه يحنث عندنا وعنده لا يحنث كما في الهبة والصحيح قولنا لقول الله تبارك وتعالى فرهان مقبوضة ولو كان القبض ركنا لصار مذكورا بذكر الرهن فلم يكن لقوله تعالى عز شأنه مقبوضة معنى فدل ذكر القبض مقرونا بذكر الرهن على أنه شرط وليس بركن وقال مالك رحمه الله ليس بركن ولا شرط والصحيح قول العامة لقوله تبارك وتعالى فرهان مقبوضة وصف سبحانه وتعالى الرهن بكونه مقبوضا فيقتضي أن يكون القبض فيه شرطا صيانة لخبره تعالى عن الخلف ولأنه عقد تبرع للحال فلا يفيد الحكم بنفسه كسائر التبرعات ولو تعاقدا على أن يكون الرهن في يد صاحبه لا يجوز الرهن حتى لو هلك في يده لا يسقط الدين ولو أراد المرتهن أن يقبضه من يده ليحبسه رهنا ليس له ذلك لأن هذا شرط فاسد أدخلاه في الرهن فلم يصح الرهن ولو تعاقدا على أن يكون في يد العدل وقبضه العدل جاز ويكون قبض ( ( ( قبضه ) ) ) كقبض المرتهن وهذا قول العامة وقال ابن أبي ليلى لا يصح الرهن إلا بقبض المرتهن والصحيح قول العامة لقوله تبارك وتعالى فرهان مقبوضة من غير فصل بين قبض المرتهن والعدل ولأن قبض العدل برضا المرتهن قبض المرتهن معنى
ولو قبضه العدل ثم تراضيا على أن يكون الرهن في يد عدل آخر ووضعاه في يده جاز لأنه جاز وضعه في يد الأول لتراضيهما فيجوز وضعه في يد الثاني بتراضيهما وكذا إذا قبضه العدل ثم تراضيا على أن يكون في يد المرتهن ووضعاه ( ( ( ووضعا ) ) ) في يده لأنه جاز وضعه في يده في الابتداء فكذا في الانتهاء وكذا إذا قبضه المرتهن أو العدل ثم تراضيا على أن يكون في يد الراهن ووضعه في يده جاز لأن القبض الصحيح للعقد قد وجد وقد خرج الرهن من يده فبعد ذلك يده ويد الأجنبي سواء ولو رهن رهنا وسلط عدلا على بيعه عند المحل فلم يقبض حتى حل الأجل فالرهن باطل لأن صحته بالقبض والبيع صحيح لأن صحة التوكيل لا تقف صحته على القبض فصح البيع وإن لم يصح الرهن وكذلك لو رهن مشاعا وسلطه على بيعه فالرهن باطل والوكالة صحيحة لما ذكرنا ولو جعل عدلا في الإمساك وعدلا في البيع جاز لأن كل واحد منهما أمر مقصود فيصح إفراده بالتوكيل وأما بيان شرائط صحته فأنواع منها أن يكون بإذن الراهن لما ذكرنا في الهبة أن الإذن بالقبض شرط صحته فيما له صحة بدون القبض وهو البيع فلأن يكون شرطا ( ( ( شرط ) ) ) فيما لا صحة له بدون القبض أولى ولأن القبض في هذا الباب يشبه الركن كما في الهبة فيشبه القبول وذا لا يجوز من غير رضا الراهن كذا هذا ثم نقول الإذن نوعان نص وما يجري مجرى النص ودلالة ( ( ( دلالة ) ) ) فالأول نحو أن يقول أذنت له بالقبض أو رضيت به أو أقبض وما يجري هذا المجرى فيجوز قبضه سواء قبض في المجلس أو بعد الافتراق استحسانا وقياس قول زفر في الهبة أن لا يجوز بعد الافتراق والثاني نحو أن يقبض المرتهن بحضرة الراهن فيسكت ولا ينهاه فيصح قبضه استحسانا وقياس قول زفر في الهبة أن لا يصح كما لا يصح بعد الافتراق لأن القبض عنده ركن بمنزلة القبول فلا يجوز من غير إذن كالقبول وصار كالبيع الصحيح بل أولى لأن القبض ليس بشرط لصحته وإنه شرط لصحة الرهن وجه الاستحسان أنه وجد الإذن ههنا دلالة الإقدام على إيجاب الرهن لأن ذلك دلالة القصد إلى إيجاب حكمه ولا ثبوت لحكمه إلا بالقبض ولا صحة للقبض بدون الإذن فكان الإقدام على الإيجاب دلالة الإذن بالقبض والإقدام دلالة الإذن بالقبض في المجلس لا بعد الافتراق فلم يوجد الإذن هناك نصا ودلالة بخلاف البيع لأن البيع الصحيح بدون القبض فلم يكن الإقدام على إيجابه دليل القبض فلا يكون دليل الإذن فهو الفرق ولو رهن شيئا متصلا بما لم يقع عليه الرهن كالثمر المعلق على الشجر ونحوه مما لا يجوز الرهن فيه إلا بالفصل والقبض ففصل وقبض فإن قبض بغير إذن الراهن لم يجز قبضه سواء كان الفصل والقبض في المجلس أو في غيره لأن الإيجاب ههنا لم يقع صحيحا فلا يستدل به على الإذن بالقبض وإن قبض بإذنه فالقياس أن لا يجوز وهو قول زفر وفي الاستحسان جائز بناء على أصل ذكرناه في الهبة والله الموفق ومنها الحيازة عندنا فلا يصح قبض المشاع وعند الشافعي رحمه الله ليس بشرط وقبض المشاع صحيح وجه قوله أن الشياع لا يقدح في حكم الرهن ولا في شرطه فلا يمنع جواز الرهن ودلالة ذلك أن حكم الرهن عنده كون المرتهن أحق ببيع المرهون واستيفاء الدين من بدله على ما نذكر والشيوع لا يمنع جواز البيع وشرطه هو القبض وأنه ممكن في النصف الشائع بتخلية الكل
ولنا أن قبض النصف الشائع وحده لا يتصور والنصف الآخر ليس بمرهون فلا يصح قبضه وسواء كان مشاعا يحتمل القسمة أو لا يحتملها لأن الشيوع يمنع تحقق قبض الشائع في النوعين جميعا بخلاف الهبة فإن الشيوع فيها لا يمنع الجواز فيما لا يحتمل القسمة لأن المانع هناك ضمان القسمة على ما ذكرنا في كتاب الهبة وأنه يخص المقسوم وسواء رهن من أجنبي أو من شريكه على ما نذكر إن شاء الله تعالى وسواء كان مقارنا للعقد أو طرأ عليه في ظاهر الرواية وروي عن أبي يوسف أن الشيوع الطارىء على العقد لا يمنع بقاء العقد على الصحة صورته إذا رهن شيئا وسلط المرتهن أو العدل على بيعه كيف شاء مجتمعا أو متفرقا فباع نصفه شائعا أو استحق بعض الرهن شائعا وجه رواية أبي يوسف أن حال البقاء لا يقاس على حال الابتداء لأن البقاء أسهل من حكم الابتداء لهذا فرق الشرع بين الطارىء والمقارن في كثير من الأحكام كالعدة الطارئة والإباق الطارىء ونحو ذلك فكون الحيازة شرطا في ابتداء العقد لا يدل على كونها شرط البقاء على الصحة وجه ظاهر الرواية أن المانع في المقارن كون الشيوع مانعا عن تحقق القبض في النصف الشائع وهذا المعنى موجود في الطارىء فيمنع البقاء على الصحة ولو رهن رجلان رجلا عبدا بدين له عليهما رهنا واحدا جاز وكان كله رهنا بكل الدين حتى إن المرتهن ( ( ( للمرتهن ) ) ) له أن يمسكه حتى يستوفي كل الدين وإذا قضى أحدهما دينه لم يكن له أن يأخذ نصيبه من الرهن لأن كل واحد منهما رهن كل العبد بما عليه من الدين لا نصفه وإن كان المملوك منه لكل واحد منهما النصف لما ذكرنا أن كون المرهون مملوك الراهن ليس بشرط لصحة الرهن فإنه يجوز رهن مال الغير بإذنه لما بينا وإقدامهما على رهنه صفقة واحدة دلالة الإذن من كل واحد منهما فصار كل العبد رهنا بكل الدين ولا استحالة في ذلك لأن الرهن حبس وليس يمتنع أن يكون العبد الواحد محبوسا بكل الدين فلم يكن هذا رهن الشائع فجاز وليس لأحدهما أن يأخذ نصيبه من العبد إذا قضى ما عليه من الدين لأن كله مرهون بكل الدين فما بقي شيء من الدين بقي استحقاق الحبس وكذلك إذا رهن رجل رجلين بدين لهما عليه وهما شريكان فيه أو لا شركة بينهما جاز وإذا قضى الراهن دين أحدهما لم يكن له أن يقبض شيئا من الرهن لأنه رهن كل العبد بدين كل واحد منهما وكل العبد يصلح رهنا بدين كل واحد منهما على الكمال كأن ليس معه غيره لما ذكرنا وهذا بخلاف الهبة من رجلين على أصل أبي حنيفة عليه الرحمة أنها غير جائزة لأن الهبة تمليك وتمليك شيء واحد من اثنين من كل واحد منهما على الكمال محال والعاقل لا يقصد بتصرفه المحال فأما الرهن فحبس ولا استحالة في كون الشيء الواحد محبوسا بكل واحد من الدينين فهو الفرق بين الفصلين غير أنه وإن كان محبوسا بكل واحد من الدينين لكنه لا يكون مضمونا إلا بحصته حتى لو هلك تنقسم قيمته على الدينين فيسقط من كل واحد منهما بقدره لأن المرتهن عند هلاك الرهن يصير مستوفيا الدين من مالية الرهن وانه لا يفي لإستيفاء الدينين وليس أحدهما بأولى من الآخر فيقسم عليهما فيسقط من كل واحد منهما بقدره وعلى هذا يخرج حبس المبيع بأن اشترى رجلان من رجل شيئا فأدى أحدهما حصته من الثمن لم يكن له أن يقبض شيئا من المبيع وكان للبائع أن يحبس كله حتى يستوفي ما على الآخر لأن كل المبيع محبوس بكل الثمن فما بقي جزء من الثمن بقي استحقاق حبس كل المبيع ولو رهن بيتا بعينه من دار أو رهن طائفة معينة من دار جاز لانعدام الشيوع
وعلى هذا الأصل تخرج زيادة الدين على الرهن أنها لا تجوز عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وجملة الكلام في الزيادات أنها أنواع أربعة زيادة الرهن وهي نماؤه كالولد واللبن والتمر والصوف وكل ما هو متولد من الرهن أو في حكم المتولد منه بأن كان بدل جزء فائت أو بدل ما هو في حكم الجزء كالأرش والعقر وزيادة الرهن على أصل الرهن كما إذا رهن بالدين جارية ثم زاد عبدا أو غير ذلك رهنا بذلك الدين وزيادة الرهن على نماء الرهن كما إذا رهن بالدين جارية فولدت ولدا ثم ماتت الجارية ثم زاد رهنا على الولد وزيادة الدين على الرهن كما إذا رهن عبدا بألف ثم إن الراهن استقرض من المرتهن ألفا أخرى على أن يكون العبد رهنا بالأول والزيادة جميعا أما زيادة الرهن فمرهونة عندنا على معنى أنه يثبت حكم الأصل فيها وهو استحقاق الحبس على طريق اللزوم وعند الشافعي رحمه الله ليست بمرهونة أصلا والمسألة تأتي في بيان حكم الرهن إن شاء الله تعالى وأما زيادة الرهن فجائزة استحسانا والقياس أن لا يجوز وهو قول زفر رحمه الله وهو على اختلاف الزيادة في الثمن والمثمن وقد مرت المسألة في كتاب البيوع وأما زيادة الرهن على نماء الرهن بعد هلاك الأصل فهي موقوفة إن بقي الولد إلى وقت الفكاك جازت الزيادة وإن هلك لم تجز لأنها إذا هلكت تبين أنها حصلت بعد سقوط الدين وقيام الدين شرط صحة الزيادة وأما زيادة الدين على الرهن فهي على الاختلاف الذي ذكرنا أنه لا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف جائزة وجه قوله أن الدين في باب الرهن كالثمن في باب البيع بدليل أنه لا يصح الرهن إلا بالدين كما لا يصح البيع إلا بالثمن ثم هناك جازت الزيادة في الثمن والمثمن جميعا فكذا هنا تجوز الزيادة في الرهن والدين جميعا والجامع بين البابين أن الزيادة عندنا تلتحق بأصل العقد كأن العقد ورد على الأصل والزيادة جميعا فيصير كأنه رهن بالدين عبدين ابتداء وذا جائز كذا هذا وجه قولهما أن هذه الزيادة لو صحت لأوجبت الشيوع في الرهن وأنه يمنع صحة الرهن ودلالة ذلك أنها لو صحت لصار بعض العبد بمقابلتها فلا يخلو إما أن يصير ذلك البعض بمقابلة الزيادة مع بقائه مشغولا بالأول وإما أن يفرغ من الأول ويصير مشغولا بالزيادة لا سبيل إلى الأول لأن المشغول بشيء لا يحتمل الشغل بغيره ولا سبيل إلى الثاني لأنه رهن بعض العبد بالدين وهذا رهن المشاع فلا يجوز كما إذا رهن عبدا واحدا بدينين مختلفين لكل واحد منهما بعضه بخلاف زيادة الرهن على أصل الرهن لأن الزيادة هناك لا تؤدي إلى شيوع الرهن بل إلى شيوع الدين لأن قبل الزيادة كان العبد بمقابلة كل الدين وبعد الزيادة صار كله بمقابلة بعض الدين والعبد والزيادة بمقابلة البعض الآخر فيرجع الشيوع إلى الدين لا إلى الرهن والشيوع في الدين لا يمنع صحة للرهن ( ( ( الرهن ) ) ) وفي الرهن يمنع صحته ألا ترى لو رهن عبدا بنصف الدين جاز ولو رهن نصف العبد بالدين لم يجز لذلك افترق حكم الزيادتين ولو رهن مشاعا فقسم وسلم جاز لأن العقد في الحقيقة موقوف على القسمة والتسليم بعد القسمة فإذا وجد فقد زال المانع من النفاذ فينفذ ومنها أن يكون المرهون فارغا عما ليس بمرهون فإن كان مشغولا به بأن رهن دارا فيها متاع الراهن وسلم الدار أو سلم الدار مع ما فيها من المتاع أو رهن جوالقا دون ما فيه وسلم الجوالق أو سلمه مع ما فيه لم يجز لأن معنى القبض هو التخلية الممكنة من التصرف ولا يتحقق مع الشغل ولو أخرج المتاع من الدار ثم سلمها فارغة جاز وينظر إلى حال القبض لا إلى حال العقد لأن المانع هو الشغل وقد زال فينفذ كما في رهن المشاع
ولو رهن المتاع الذي فيها دون الدار وخلى بينه وبين الدار جاز بخلاف ما إذا رهن الدار دون المتاع لأن الدار تكون مشغولة بالمتاع فأما المتاع فلا يكون مشغولا بالدار فيصح قبض المتاع ولم يصح قبض الدار ولو رهن الدار والمتاع والذي فيها صفقة واحدة وخلى بينه وبينهما وهو خارج الدار جاز الرهن فيهما جميعا لأنه رهن الكل وسلم الكل وصح تسليمهما جميعا ولو فرق الصفقة بأن رهن أحدهما ثم الآخر فإن جمع بينهما في التسليم صح الرهن فيهما جميعا أما في المتاع فلا شك فيه لما ذكرنا أن المتاع لا يكون مشغولا بالدار وأما في الدار فلأن المانع وهو الشغل قد زال وإن فرق بأن رهن أحدهما وسلم ثم رهن الآخر وسلم لم يجز الرهن في الدار وجاز في المتاع سواء قدم أو أخر بخلاف الهبة فإن هناك يراعي فيه الترتيب إن قدم هبة الدار لم تجز الهبة في الدار وجازت في المتاع كما في الرهن وإن قدم هبة المتاع جازت الهبة فيهما جميعا أما في المتاع فلأنه غير مشغول بالدار وأما في الدار فلأنها وإن كانت مشغولة وقت القبض لكن بمتاع هو ملك الموهوب له فلم يمنع صحة القبض وهنا الدار مشغولة بمتاع هو ملك الراهن فيمنع صحة القبض فهو الفرق ولو رهن دارا والراهن والمرتهن في جوف الدار فقال الراهن سلمتها إليك لم يصح التسليم حتى يخرج من الدار ثم يسلم لأن معنى التسليم وهو التخلية لا يتحقق مع كونه في الدار فلا بد من تسليم جديد بعد الخروج منها ولو رهن دابة عليها حمل دون الحمل لم يتم الرهن حتى يلقي الحلم ( ( ( الحمل ) ) ) عنها ثم يسلمها إلى المرتهن ولو رهن الحمل دون الدابة ودفعها إليه كان رهنا تاما في الحمل لأن الدابة مشغولة بالحمل أما الحمل فليس مشغولا بالدابة كما في رهن الدار التي فيها المتاع بدون المتاع ورهن المتاع الذي في الدار بدون الدار ولو رهن سرجا على دابة أو لجاما في رأسها أو رسنا في رأسها فدفع إليه الدابة مع اللجام والسرج والرسن لم يكن رهنا حتى ينزعه من رأس الدابة ثم يسلم بخلاف ما إذا رهن متاعا في الدار لأن السرج ونحوه من توابع الدابة فلم يصح رهنها بدون الدابة كما لا يصح رهن الثمر بدون الشجر بخلاف المتاع فإنه ليس تبعا للدار ولهذا قالوا لو رهن دابة عليها سرج أو لجام دخل ذلك في الرهن بحكم التبعية وعلى هذا يخرج ما إذا رهن جارية واستثنى ما في بطنها أو بهيمة واستثنى ما في بطنها أنه لا يجوز الاستثناء ولا العقد أما الاستثناء فلأنه لو جاز لكان المرهون مشغولا بما ليس بمرهون وأما العقد فلأن استثناء ما في البطن بمنزلة الشرط الفاسد والرهن تبطله الشروط الفاسدة كالبيع بخلاف الهبة ولو أعتق ما في بطن جاريته ثم رهن الأم أو دبر ما في بطنها ثم رهن الأم فالكلام فيه كالكلام في الهبة وقد مر الكلام في الهبة ومنها أن يكون المرهون منفصلا متميزا عما ليس بمرهون فإن كان متصلا به غير متميز عنه لم يصح قبضه لأن قبض المرهون وحده غير ممكن والمتصل به غير مرهون فأشبه رهن المشاع وعلى هذا الأصل يخرج ما إذا رهن الأرض بدون البناء أو بدون الزرع والشجر أو الزرع والشجر بدون الأرض أو الشجر بدون الثمر أو الثمر بدون الشجر إنه لا يجوز سواء سلم المرهون بتخلية الكل أو لا لأن المرهون متصل بما ليس بمرهون وهذا يمنع صحة القبض ولو جد الثمر وحصد الزرع وسلم منفصلا جاز لأن المانع من النفاذ قد زال
ولو جمع بينهما في عقد الرهن فرهنهما جميعا وسلم متفرقا جاز وإن فرق الصفقة بأن رهن الزرع ثم الأرض أو الأرض ثم الزرع ينظر إن جمع بينهما في التسليم جاز الرهن فيهما جميعا وإن فرق لا يجوز فيهما جميعا سواء قدم أو أخر بخلاف الفصل الأول لأن المانع في الفصلين مختلف فالمانع من صحة القبض في هذا الفصل هو الاتصال وإنه لا يختلف والمانع من صحة القبض في الفصل الأول هو الشغل وإنه يختلف مثال هذا إذا رهن نصف داره مشاعا من رجل ولم يسلم إليه حتى رهنه النصف الباقي وسلم الكل إنه يجوز ولو رهن النصف وسلم ثم رهن النصف الباقي وسلم لا يجوز كذا هذا وعلى هذا إذا رهن صوفا على ظهر غنم بدون الغنم أنه لا يجوز لأن المرهون متصل بما ليس بمرهون وهذا يمنع صحة القبض ولو جزه وسلمه جاز لأن المانع قد زال وعلى هذا أيضا إذا رهن دابة عليها حمل بدون الحمل لا يجوز ولو رفع الحمل عنها وسلمها فارغة جاز لما قلنا بخلاف ما إذا رهن ما في بطن جاريته أو ما في بطن غنمه أو ما في ضرعها أو رهن سمنا في لبن أو دهنا في سمسم أو زيتا في زيتون أو دقيقا في حنطة أنه يبطل وإن سلطه على قبضه عند الولادة أو عند استخراج ذلك فقبض لأن العقد هناك لم ينعقد أصلا لعدم المحل لكونه مضافا إلى المعدوم ولهذا لم ينعقد البيع المضاف إليها فكذا الرهن أما هنا فالعقد منعقد موقوف نفاذه على صحة التسليم بالفصل والتمييز فإذا وجد فقد زال المانع ولو رهن الشجر بمواضعه من الأرض جاز لأن قبضه ممكن ولو رهن شجرا وفيه ثمر لم يسمه في الرهن دخل في الرهن بخلاف البيع أنه لا يدخل الثمر في بيع الشجر من غير تسمية لأنه قصد تصحيح الرهن ولا صحة له بدون القبض ولا صحة للقبض بدون دخول ما هو متصل به فيدخل تحت العقد تصحيحا له بخلاف البيع فإنه يصح في الشجر بدون الثمر ولا ضرورة إلى إدخال الثمر للتصحيح ولو قال رهنتك هذه الدار أو هذه الأرض أو هذا الكرم وأطلق القول ولم يخص شيئا دخل فيه كل ما كان متصلا به من البناء والغرس لأن ذلك يدخل في البيع مع أن القبض ليس من شرط صحته فلأن يدخل في الرهن أولى إلا أنه يدخل فيه الزرع والثمر ولا يدخل في البيع لما ذكرنا بخلاف المتاع أنه لا يدخل في رهن الدار ويدخل الثمر في رهن الشجر لأن الثمر تابع للشجر والمتاع ليس بتابع للدار ولو استحق بعض المرهون بعد صحة الرهن ينظر إلى الباقي إن كان الباقي بعد الاستحقاق مما يجوز رهنه ابتداء لا يفسد الرهن فيه وإن كان مما لا يجوز رهنه ابتداء فسد الرهن في الكل لأنه لما استحق بعضه تبين أن العقد لم يصح في القدر المستحق وأنه لم يقع إلا على الباقي فكأنه رهن هذا القدر ابتداء فينظر فيه إن كان محلا لابتداء الرهن يبقى الرهن فيه وإلا فيفسد في الكل كما لو رهن هذا القدر ابتداء إلا أنه إذا بقي الرهن فيه يبقي بحصته حتى لو هلك الباقي يهلك بحصته من الدين وإن كان في قيمته وفاء بجميع الدين ولا يذهب جميع الدين وإذا رهن الباقي ابتداء وفيه وفاء بالدين فهلك يهلك بجميع الدين وإن شئت أن تجعل الحيازة شرطا مفردا وخرجت المشاع على هذا الأصل لأنه مرهون متصل بما ليس بمرهون حقيقة فكان تخريجه عليه مستقيما فافهم ومنها أهلية القبض وهي العقل لأنه يثبت به أهلية الركن وهو الإيجاب والقبول فلأن تثبت به أهلية الشرط أولى وأما تفسيرالقبض فالقبض عبارة عن التخلي وهو التمكن من إثبات اليد وذلك بارتفاع الموانع وإنه يحصل بتخلية الراهن بين المرهون والمرتهن
فإذا حصل ذلك صار الراهن مسلما والمرتهن قابضا وهذا جواب ظاهر الرواية وري ( ( ( وروي ) ) ) عن أبي يوسف أنه يشترط معه النقل والتحويل فما لم يوجد لا يصير قابضا وجه هذه الرواية أن القبض شرط صحة الرهن قال الله تبارك وتعالى فرهان مقبوضة ومطلق القبض ينصرف إلى القبض الحقيقي ولا يتحقق ذلك إلا بالنقل فأما التخلي فقبض حكما لا حقيقة فلا يكتفى به وجه ظاهر الرواية أن التخلي بدون النقل والتحويل قبض في العرف والشرع أما العرف فإن القبض يرد على ما لايحتمل النقل والتحويل من الدار والعقار يقال هذه الأرض أو هذه القرية أو هذه الولاية في يد فلان فلا يفهم منه إلا التخلي وهو التمكن من التصرف وأما الشرع فإن التخلي في باب البيع قبض بالإجماع من غير نقل وتحويل دل أن التخلي بدون النقل والتحويل قبض حقيقة وشريعة فيكتفى به وأما بيان أنواع القبض فنقول وبالله التوفيق القبض نوعان نوع بطريق الأصالة ونوع بطريق النيابة أما القبض بطريق الأصالة فهو أن يقبض بنفسه لنفسه وأما القبض بطريق النيابة فنوعان نوع يرجع إلى القابض ونوع يرجع إلى نفس القبض أما الذي يرجع إلى القابض فنحو قبض الأب والوصي عن ( ( ( وعن ) ) ) الصبي وكذا قبض العدل يقوم مقام قبض المرتهن حتى لو هلك الرهن في يده كان الهلاك على المرتهن لأن نفس القبض مما يحتمل النيابة ولأن قبض الرهن قبض استيفاء الدين واستيفاء الدين مما يحتمل النيابة وأما الذي يرجع إلى نفس القبض فهو أن المرهون إذا كان مقبوضا عند العقد فهل ينوب ذلك عن قبض الرهن فالأصل فيه ما ذكرنا في كتاب البيوع والهبة إن القبضين ( ( ( القابضين ) ) ) إذا تجانسا ناب أحدهما عن الآخر وإذا اختلفا ناب الأعلى عن الأدنى وقد بينا فقه هذا الأصل وفروعه فيما تقدم وإن شئت عددت الحيازة والفراغ والتمييز من شرائط نفس العقد فقلت ومن شرائط صحة العقد أن يكون المرهون محوزا عندنا وبنيت المشاع عليه وإن شئت قلت ومنها دوام القبض عندنا وعند الشافعي رحمه الله ليس بشرط وبنيت عليه المشاع ولنا في إثبات هذا الشرط دليلان أحدهما قوله تعالى فرهان مقبوضة أخبر الله سبحانه وتعالى أن المرهون مقبوض فيقتضي كونه مقبوضا ما دام مرهونا لأن إخباره سبحانه وتعالى لا يحتمل الخلف والشيوع يمنع دوام القبض فيمنع صحة الرهن والثاني أن الله تبارك وتعالى سماه رهنا وكذا يسمى رهنا في متعارف اللغة والشرع والرهن حبس في اللغة قال الله تبارك وتعالى كل نفس بما كسبت رهينة أي حبيسة بكسبها فيقتضي أن يكون محبوسا ما دام مرهونا والشياع يمنع دوام الحبس فيمنع جواز الرهن وسواء كان فيما يحتمل القسمة أو فيما لا يحتملها لأن الشيوع يمنع إدامة القبض فيهما جميعا وسواء كان الشيوع مقارنا أو طارئا في ظاهر الرواية لأن كل ذلك يمنع دوام القبض وسواء كان الرهن من أجنبي أو من شريكه لأنه لو جاز لأمسكه الشريك يوما بحكم الملك ويوما بحكم الرهن فتختلف جهة القبض والحبس فلا يدوم القبض والحبس من حيث المعنى ويصير كأنه رهنه يوما ويوما لا وذا لا يجوز وعلى هذا أيضا يخرج رهن ما هو متصل بعين ليس بمرهون لأن اتصاله بعين المرهون يمنع من إدامة القبض عليه وإنه شرط جواز الرهن ومنها أن يكون فارغا ما ليس بمرهون ومنها أن يكون منفصلا مميزا عما ليس بمرهون وخرجت على كل واحد منهما مسائله التي ذكرنا فافهم وأما الذي يرجع إلى المرهون به فأنواع منها أن يكون مضمونا والكلام في هذا الشرط يقع في موضعين أحدهما في أصل اشتراط الضمان والثاني في صفة المضمون أما الأول فأصل الضمان هو كون المرهون به مضمونا شرط جواز الرهن لأن المرهون عندنا مضمون بمعنى سقوط الواجب عند هلاكه أو بمعنى استيفاء الواجب ولسنا نعني بالمضمون سوى أن يكون واجب التسليم على الراهن والمضمون نوعان دين وعين
أما الدين فيجوز الرهن به بأي سبب وجب من الإتلاف والغصب والبيع ونحوها لأن الديون كلها واجبة على اختلاف أسباب وجوبها فكان الرهن بها رهنا بمضمون فيصح وسواء كان مما يحتمل الاستبدال قبل القبض أو لا يحتمله كرأس مال السلم وبدل الصرف والمسلم فيه وهذا عند أصحابنا الثلاثة وقال زفر لا يجوز الرهن بهذه الديون وجه قوله أن سقوط الدين عند هلاك الرهن بطريق الاستبدال على معنى أن عين الدين تصير بدلا عن الدين لا بطريق الاستيفاء لأن الاستيفاء لا يتحقق إلا عند المجانسة والرهن مع الدين يكونان مختلفي الجنس عادة فلا يكون القول بالسقوط بطريق الاستيفاء فتعين أن يكون بطريق الاستبدال فيختص جواز الرهن بما يحتمل الاستبدال وهذه الديون كما لا يجوز استبدالها فلا يجوز الرهن بها ولنا أن السقوط بطريق الاستيفاء لما نذكر في حكم الرهن إن شاء الله تعالى واستيفاء هذه الديون ممكن وأما قوله الاستيفاء يستدعي المجانسة قلنا المجانسة ثابتة من وجه لأن الاستيفاء يقع بمالية الرهن لا بصورته والأموال كلها فيما يرجع إلى معنى المالية جنس واحد وقد يسقط اعتبار المجانسة من حيث الصورة ويكتفى بمطلق المالية للحاجة والضرورة كما في إتلاف ما لا مثل له من جنسه وقد تحققت الضرورة في باب الرهن لحاجة الناس إلى توثيق ديونهم من جانب الاستيفاء فأمكن القول بالاستيفاء وإذا جاز الرهن بهذه الديون فإن هلك الرهن في المجلس تم الصرف والسلم لأنه صار مستوفيا عين حقه في المجلس لا مستبدلا وإن لم يملك حتى افترقا بطلا لفوات شرط البقاء على الصحة وهو القبض في المجلس وأما العين فنقول لا خلاف في أنه لا يجوز الرهن بالعين التي هي أمانة في يد الراهن كالوديعة والعارية ومال المضاربة والبضاعة والشركة والمستأجر ونحوها فإنها ليست بمضمونة أصلا وأما العين المضمونة فنوعان نوع هو مضمون بنفسه وهو الذي يجب مثله عند هلاكه إن كان له مثل وقيمته إن لم يكن له مثل كالمغصوب في يد الغاصب والمهر في يد الزوج وبدل الخلع في يد المرأة وبدل الصلح عن دم العمد في يد العاقلة ولا خلاف في أنه يجوز الرهن به وللمرتهن أن يحبس الرهن حتى يسترد العين فإن هلك المرهون في يده قبل استرداد العين والعين قائمة يقال للراهن سلم العين إلى المرتهن وخذ منه الأقل من قيمة الرهن ومن الدين لأن المرهون عندنا مضمون بذلك فإذا وصل إليه العين يجب عليه رد قدر المضمون إلى الراهن فإن هلكت العين والرهن قائم صار الرهن بها رهنا بقيمتها حتى لو ( ( ( وهلك ) ) ) هلك الرهن بعد ذلك يهلك مضمونا بالأقل من قيمته وقيمة العين لأن قيمة العين بدلها وبدل الشيء قائم مقامه كأنه هو وأما الذي هو مضمون بغيره لا بنفسه كالمبيع في يد البائع ليس هو مضمونا بنفسه ألا ترى أنه لو هلك في يده لا يضمن شيئا بل هو مضمون بغيره ( ( ( بغير ) ) ) وهو الثمن حتى يسقط الثمن المشتري إذا هلك فهل يجوز الرهن به ذكر في كتاب الصرف أنه يجوز وله أن يحبسه حتى يقبض المبيع وإن هلك في يده قبل القبض يهلك بالأقل من قيمته ومن قيمة المبيع ولا يصير قابضا للمبيع بهلاكه وله أن يقبض المبيع إذا أوفى ثمنه وعليه أيضا ضمان الأقل بهلاك الرهن ولو هلك المبيع قبل القبض والرهن قائم بطل البيع لأن إهلاك المبيع قبل القبض يوجب بطلان المبيع وعلى المشتري أن يرد الرهن على البائع ولو هلك في يده قبل الرد هلك بضمانه وهو الأقل من قيمته ومن قيمة المبيع للبائع ولا يبطل ضمانه بهلاك المبيع وبطلان البيع لأنه وإن هلك المبيع فقد سقط الثمن بمقابلته فكان بطلانه بعوض فلا يبطل ضمانه وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يصح الرهن وبه أخذ الكرخي وجه رواية الحسن أن قبض الرهن قبض استيفاء المرهون ولا يتحقق معنى الاستيفاء في المضمون بغيره لأن المشتري لا يصير مستوفيا شيئا بهلاك الرهن إنما يسقط عنه الثمن لا غير
وجه ظاهر الرواية أن الاستيفاء ههنا يحصل من حيث المعنى لأن المبيع قبل القبض إن لم يكن مضمونا بالقيمة فهو مضمون بالثمن ألا ترى أنه لو هلك يسقط الثمن عن المشتري فكان سقوط الثمن عنه كالعوض عن هلاك المبيع فيحصل مستوفيا مالية المبيع من الرهن من حيث المعنى فكان في معنى المضمون بنفسه فيصح الرهن به ولو تزوج امرأة على دراهم بعينها أو اشترى شيئا بدراهم بعينها فأعطى بها رهنا لم يجز عند أصحابنا الثلاثة رضي الله عنهم وعند زفر يجوز بناء على أن الدراهم والدنانير لا تتعين في عقود المعاوضات وإن عينت فكان الواجب على الراهن مثلها لا عينها فلم يكن المعين مضمونا فلم يجز الرهن به وعنده يتعين بالتعيين بمنزلة العوض فكان المعين مضمونا فجاز الرهن به ولا يجوز الرهن بالكفالة بالنفس لأن المكفول به ليس بمضمون على الكفيل ألا ترى أنه لو هلك لا يجب على الراهن شيء ولا يسقط عن المرتهن بمقابلته ولا يجوز الرهن بالشفعة لأن الشفعة ليست بمضمونة على المشتري بدليل أنه لو هلك لا يجب عليه شيء ولا يسقط عن المرتهن بشيء بمقابلته فكان رهنا بما ليس بمضمون فلم يجز ولا يجوز الرهن بالعبد الجاني والعبد المديون لأنه لو هلك لا يجب على المولى شيء ولا يسقط عن المرتهن شيء بمقابلته فلم يكن مضمونا أصلا فلا يصح الرهن به ولا يجوز الرهن بأجرة النائحة والمغنية بأن استأجر مغنية أو نائحة وأعطاهما بالأجرة رهنا لأن الإجارة لم تصح فلم تجب الأجرة فكان رهنا بما ليس بمضمون فلم يجز ولو دفع إلى رجل رهنا ليقرضه فهلك الرهن قبل أن يقرضه يهلك مضمونا بالأقل من قيمته ومما سمى من القرض وإن حصل الارتهان بما ليس بمضمون لكنه في حكم المضمون لأنه قبض الرهن ليقرضه فكان قبض الرهن على جهة الضمان والمقبوض على جهة شيء كالمقبوض على حقيقته في الشرع كالمقبوض على سوم الشراء وأما صفة المضمون فنوعان أحدهما متفق عليه والثاني مختلف فيه أما المتفق عليه هو أن يكون مضمونا في الحال فلا يصح الرهن بما ( ( ( مما ) ) ) يصير مضمونا في الثاني كالرهن بالدرك بأن باع شيئا وقبض الثمن وسلم المبيع إلى المشتري فخاف المشتري الاستحقاق فأخذ بالثمن من البائع رهنا قبل الدرك لا يجوز حتى لا يملك الحبس سواء وجد الدرك أو لم يوجد ولو هلك يهلك أمانة سواء وجد الدرك أو لم يوجد وكذا إذا ارتهن بما يثبت له على الراهن في المستقبل لا يجوز بخلاف الكفالة فإن الكفالة بما يصير مضمونا في الثاني جائزة كما إذا كفل بما يذوب له على فلان ونحو ذلك لأن الارتهان استيفاء من وجه للحال ولا شيء للحال يستوفى واستيفاء المعدوم محال بخلاف الكفالة ولأن الرهن والارتهان لما كان من باب الإيفاء والاستيفاء أشبه البيع فلا يحتمل الإضافة إلى المستقبل كالبيع ولأن القياس يأبى جوازهما جميعا لأن كل واحد منهما يستدعي مضمونا إلا أن الجواز في الكفالة لتعامل الناس ولا تعامل في الرهن فيبقى الأمر فيه على أصل القياس وبخلاف ما إذا دفع إلى إنسان رهنا ليقرضه أن الرهن يكون مضمونا وإن كان ذلك رهنا بما ليس بمضمون في الحال لأن له حكم المضمون وإن لم يكن مضمونا حقيقة لوجود القبض على جهة الضمان والمقبوض على جهة شيء بمنزلة المقبوض على حقيقة كالمقبوض على سوم الشراء ولم يوجد هنا ولو قال لآخر ضمنت لك مالك على فلان إذا حل يجوز أخذ الكفيل والرهن ( ( ( الرهن ) ) ) به ولو قال إذا قدم فلان فأنا ضامن مالك عليه لم يجز أخذ الرهن به ويجوز أخذ الكفيل