İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
فصل وإن مات عن أمة كان يصيبها فاستبراؤها بما ذكرنا في أم الولد لأنها فراش لسيدها فأشبهت أم الولد إلا أنها إذا كانت من ذوات القروء فاستبراؤها بحيضة واحدة رواية واحدة لأنها لا تصير حرة فصل وإن أعتق أم ولده أو أمته التي كان يصيبها أو غيرها ممن تحل له إصابتها فله أن يتزوجها في الحال من غير استبراء لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعتق صفية وتزوجها وجعل عتقها صداقها وقال النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة يوفون أجرهم مرتين رجل كانت له أمة فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها وتزوجها ولم يذكر الاستبراء ولأن الاستبراء لصيانة مائه وحفظه عن الاختلاط بماء غيره ولا يصان ماؤه عن مائه ولهذا كان له أن يتزوج مختلعته في عدتها وقد روي عن أحمد في الأمة التي لا يطؤها إذا أعتقها لا يتزوجها بغير استبراء لأنه لو باعها لم تحل للمشتري بغير استبراء والصحيح أنه يحل له ذلك لأنه يحل له وطؤها بملك اليمين فكذلك بالنكاح كالتي كان يصيبها ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أعتق صفية وتزوجها ولم ينقل أنه كان أصابها والحديث الآخر يدل على حلها له بظاهره لدخولها في العموم ولأنها تحل لمن تزوجها سواه فله أولى ولأنه لو استبرأها ثم أعتقها وتزوجها في الحال كان جائزا حسنا فكذلك هذه فإنه تارك لوطئها ولأن وجوب الاستبراء في حق غيره إنما كان لصيانة مائه عن الاختلاط بغيره ولا يوجد ذلك هاهنا وكلام أحمد محمول على من اشتراها ثم تزوجها قبل أن يستبرئها فصل وإن اشترى أمة فأعتقها قبل استبرائها لم يجز أن يتزوجها حتى يستبرئها وبهذا قال الشافعي وقال أصحاب الرأي له ذلك ويحكى أن الرشيد اشترى جارية فتاقت نفسه إلى جماعها قبل استبرائها فأمره أبو يوسف أن يعتقها ويتزوجها ويطأها قال أبو عبد الله وبلغني أن المهدي اشترى جارية فأعجبته فقيل له أعتقها وتزوجها قال أبو عبد الله سبحان الله ما أعظم هذا أبطلوا الكتاب والسنة جعل الله على الحرائر العدة من أجل الحمل فليس من امرأة تطلق أو يموت زوجها إلا تعتد من أجل الحمل وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم استبراء الأمة بحيضة من أجل الحمل ففرج يوطأ يشتريه ثم يعتقها على المكان فيتزوجها فيطؤها يطؤها رجل اليوم ويطؤها الآخر غدا فإن كانت حاملا كيف يصنع هذا نقض الكتاب والسنة قال النبي صلى الله عليه وسلم لا توطأ الحامل حتى تضع ولا غير الحامل حتى تحيض وهذا لا يدري أهي حامل أم لا ما أسمج هذا قيل له إن قوما يقولون هذا فقال قبح الله هذا وقبح من يقوله وفيما نبه عليه أبو عبد الله من الأحاديث كفاية مع ما ذكرنا فيما قبل هذا الفصل إذا ثبت هذا فليس له تزويجها لغيره قبل استبرائها إذا لم يعتقها لأنها ممن يجب استبراؤها فلم يجز أن يتزوج كالمعتدة وسواء في ذلك المشتراة من رجل يطؤها أو من رجل قد استبرأها ولم يطأها أو ممن لا يمكنه الوطء كالصبي والمرأة والمجبوب وقال الشافعي إذا اشتراها ممن لا يطؤها فله تزويجها سواء أعتقها أو لم يعتقها وله أن يتزوجها إذا أعتقها لأنها ليست فراشا وقد كان لسيدها تزويجها قبل بيعها فجاز ذلك بعد بيعها ولأنها لو عتقت على البائع بإعتاقه أو غيره لجاز لكل أحد نكاحه فكذلك إذا أعتقها المشتري ولنا عموم قوله عليه السلام لا توطأ حائل حتى تستبرأ بحيضة ولأنها أمة يحرم عليه وطؤها قبل استبرائها فحرم عليه تزويجها والتزوج بها كما لو كان بائعها يطؤها فأما إن أعتقها في هذه الصورة فله تزويجها لغيره لأنها حرة لم تكن فراشا فأبيح لها النكاح كما لو أعتقها البائع وفارق الموطوءة فإنها فراش يجب عليها استبراء نفسها إذا أعتقت فحرم عليها النكاح كالمعتدة وفارق ما إذا أراد سيدها نكاحها فإنه لم يكن له وطؤها بملك اليمين فلم يكن له أن يتزوجها كالمعتدة ولأن هذا يتخذ حيلة على إبطال الاستبراء فمنع منه بخلاف تزويجها لغيره
فصل وإن كانت أمة يطؤها فاستبرأها ثم أعتقها لم يلزمها لأنها خرجت عن كونها فراشا باستبرائه لها وإن باعها فأعتقها المشتري قبل وطئها لم تحتج إلى استبراء لذلك وإن باعها قبل استبرائها فأعتقها المشتري قبل وطئها واستبرائها فعليها استبراء نفسها وإن مضى بعض الاستبراء في ملك المشتري لزمها إتمامه بعد عتقها ولا ينقطع بانتقال الملك فيها لأنها لم تصر فراشا للمشتري ولم يلزمها استبراء بإعتاقه فصل وإذا كانت الأمة بين شريكين فوطئاها لزمها استبراءان وقال أصحاب الشافعي في أحد الوجهين يلزمها استبراء واحد لأن القصد معرفة براءة الرحم ولذلك لا يجب الاستبراء بأكثر من حيضة واحدة وبراءة الرحم تعلم باستبراء واحد ولنا إنهما حقان مقصودان لآدميين فلم يتداخلا كالعدتين ولأنهما استبراءان من رجلين فأشبها العدتين وما ذكروه يبطل بالعدتين من رجلين مسألة قال ( ومن ملك أمة لم يصبها ولم يقبلها حتى يستبرئها بعد تمام ملكه لها بحيضة إن كانت ممن تحيض أو بوضع الحمل إن كانت حاملا أو بمضي ثلاثة أشهر إن كانت من الآيسات أو من اللائي لم يحضن ) وجملته أن من ملك أمة بسبب من أسباب الملك كالبيع والهبة والإرث وغير ذلك لم يحل له وطؤها حتى يستبرئها بكرا كانت أو ثيبا صغيرة كانت أو كبيرة ممن تحمل أو ممن لا تحمل وبهذا قال الحسن وابن سيرين وأكثر أهل العلم منهم مالك والشافعي وأصحاب الرأي وقال ابن عمر لا يجب استبراء البكر وهو قول داود لأن الغرض بالاستبراء معرفة براءتها من الحمل وهذا معلوم في البكر فلا حاجة إلى الاستبراء وقال الليث إن كانت ممن لا يحمل مثلها لم يجب استبراؤها لذلك وقال عثمان البتي يجب الاستبراء على البائع دون المشتري لأنه لو زوجها لكان الاستبراء على المزوج دون الزوج كذلك هاهنا ولنا ما روى أبو سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عام أوطاس أن توطأ حامل حتى تضع ولا غير حامل حتى تحيض رواه أحمد وعن رويفع بن ثابت قال إنني لا أقول إلا ما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعته يقول لا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها بحيضة رواه أبو داود وفي لفظ قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر يقول من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه زرع غيره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يطأ جارية من السبي حتى يستبرئها بحيضة رواه الأثرم ولأنه ملك جارية محرمة عليه فلم تحل له قبل استبرائها كالثيب التي تحمل ولأنه سبب موجب للاستبراء فلم يفترق الحال فيه بين البكر والثيب والتي تحمل والتي لا تحمل كالعدة قال أبو عبد الله قد بلغني أن العذراء تحمل فقال له بعض أهل المجلس نعم قد كان في جيراننا وذكر ذلك بعض أصحاب الشافعي وما ذكروه يبطل بما إذا اشتراها من امرأة أو صبي أو ممن تحرم عليه برضاع أو غيره وما ذكره البتي لا يصح لأن الملك قد يكون بالسبي والإرث والوصية فلو لم يستبرئها المشتري أفضى إلى اختلاط المياه واشتباه الإنسان والفرق بين البيع والتزويج أن النكاح لا يراد إلا للاستمتاع فلا يجوز إلا فيمن تحل له فوجب أن يتقدمه الاستبراء ولهذا لا يصح تزويج معتدة ولا مرتدة ولا مجوسية ولا وثنية ولا محرمة بالرضاع ولا المصاهرة والبيع براد لغير ذلك فصح قبل الاستبراء ولهذا صح في هذه المحرمات ووجب الاستبراء على المشتري لما ذكرناه فأما الصغيرة التي لا يوطأ مثلها فظاهر كلام الخرقي تحريم قبلتها ومباشرتها لشهوة قبل استبرائها وهو ظاهر كلام أحمد وفي أكثر الروايات عنه قال تستبرأ وإن كانت في المهد وروي عنه أنه قال إن كانت صغيرة بأي شيء تستبرأ إذا كانت رضيعة وقال في رواية أخرى تستبرأ بحيضة إذا كانت ممن تحيض وإلا بثلاثة أشهر إن كانت ممن توطأ وتحبل فظاهر هذا أنه لا يجب استبراؤها ولا تحرم مباشرتها
وهذا اختيار أبي موسى وقول مالك وهو الصحيح لأن سبب الإباحة متحقق وليس على تحريمها دليل فإنه لا نص فيه ولا معنى نص لأن تحريم مباشرة الكبيرة إنما كان لكونه داعيا إلى الوطء المحرم أو خشية أن تكون أم ولد لغيره ولا يتوهم هذا في هذه فوجب العمل بمقتضى الإباحة فأما من يمكن وطؤها فلا تحل قبلتها ولا الاستمتاع منها بما دون الفرج قبل الاستبراء إلا المسبية على إحدى الروايتين وقال الحسن لا يحرم من المشتراة إلا فرجها وله أن يستمتع منها بما شاء ما لم يمس لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن الوطء ولأنه تحريم للوطء مع ثبوت الملك فاختص بالفرج كالحيض ولنا إنه استبراء يحرم الوطء فحرم الاستمتاع كالعدة ولأنه لا يأمن من كونها حاملا من بائعها فتكون أم ولد والبيع باطلا فيكون مستمتعا بأم ولد غيره وبهذا فارق تحريم الوطء للحيض فأما المسبية فظاهر كلام الخرقي تحريم مباشرتها فيما دون الفرج لشهوة وهو الظاهر عن أحمد لأن كل استبراء حرم الوطء حرم دواعيه كالعدة ولأنه داعية إلى الوطء المحرم لأجل اختلاط المياه واشتباه الأنساب فأشبهت المبيعة وروي عن أحمد أنه لا يحرم لما روي عنابن عمر أنه قال وقع في سهمي يوم جلولاء جارية كأن عنقها إبريق فضة فما ملكت نفسي أن قمت إليها فقبلتها والناس ينظرون ولأنه لا نص في المسبية ولا يصح قياسها على المبيعة لأنها تحتمل أن تكون أم ولد للبائع فيكون مستمتعا بأم ولد غيره ومباشرا لمملوكة غيره والمسبية مملوكة له على كل حال وإنما حرم وطؤها لئلا يسقي ماءه زرع غيره وقول الخرقي بعد تمام ملكه لها يعني أن الاستبراء لا يكون إلا بعد ملك المشتري لجميعها ولو ملك بعضها ثم ملك باقيها لم يحتسب الاستبراء إلا من حين ملك باقيها وإن ملكها ببيع فيه الخيار انبنى على نقل الملك في مدته فإن قلنا ينتقل فابتداء الاستبراء من حين البيع وإن قلنا لا ينتقل فابتداؤه من حين انقطع الخيار وإن كان المبيع معيبا فابتداء الخيار من حين البيع لأن العيب لا يمنع نقل الملك بغير خلاف وهل يبتدأ الاستبراء من حين البيع قبل القبض أو من حين القبض فيه وجهان أحدهما من حين البيع لأن الملك ينتقل به والثاني من حين القبض لأن القصد معرفة براءتها من ماء البائع ولا يحصل ذلك مع كونها في يده وإن اشترى عبده التاجر أمة فاستبرأها ثم صارت إلى السيد حلت له بغير استبراء لأن ملكه ثابت على ما في يد عبده فقد حصل استبراؤها في ملكه وإن اشترى مكاتبه أمة فاستبرأها ثم صارت إلى سيده فعليه استبراؤها لأن ملكه تجدد عليها إذ ليس للسيد ملك على ما في يد مكاتبه إلا أن تكون الجارية من ذوات محارم المكاتب فقال أصحابنا تباح للسيد بغير استبراء لأنه يصير حكمها حكم المكاتب إن رق رقت وإن عتق عتقت والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم والاستبراء الواجب هاهنا في حق الحامل بوضعه بلا خلاف وفي ذات القروء بحيضة في قول أكثر أهل العلم وقال سعيد بن المسيب وعطاء بحيضتين وهو مخالف للحديث الذي رويناه وللمعنى فإن المقصود معرفة براءتها من الحمل وهو حاصل بحيضة وفي الآيسة والتي لم تحض والتي ارتفع حيضها بما ذكرناه في أم الولد على ما مضى من الخلاف فيه فصل ومن ملك مجوسية أو وثنية فأسلمت قبل استبرائها لم تحل له حتى يستبرئها أو تتم ما بقي من استبرائها لما مضى وإن استبرأها ثم أسلمت حلت له بغير استبرائها وقال الشافعي لا تحل له حتى تجدد استبراءها بعد إسلامها لأن ملكه تجدد على استماعها فأشبهت من تجدد ملكه على رقبتها
ولنا قوله عليه السلام لا توطأ حائل حتى تستبرأ بحيضة وهذا ورد في سبايا أو طاس وكن مشركات ولم يأمر في حقهن بأكثر من حيضة ولأنه لم يتجدد ملكه عليها ولا أصابها وطء من غيره فلم يلزمه استبراؤها كما لو حلت المحرمة ولأن الاستبراء إنما وجب كيلا يفضي إلى اختلاط المياه وامتزاج الأنساب ومظنة ذلك تجدد الملك على رقبتها ولم يوجد ولو باع أمته ثم ردت عليه بفسخ أو إقالة بعد قبضها أو افتراقها لزمه استبراؤها لأنه تجديد ملك سواء كان المشتري لها امرأة أو غيرها فإن كان ذلك قبل افتراقهما أو قبل غيبة المشتري بالجارية ففيها روايتان إحداهما عليه الاستبراء وهو مذهب الشافعي لأنه تجديد ملك والثانية ليس عليه استبراء وهو قول أبي حنيفة إذا تقابلا قبل القبض لأنه لا فائدة في الاستبراء مع تعين البراءة فصل وإذا زوج الرجل أمته فطلقها الزوج لم يلزم السيد استبراؤها ولكن إن طلقت بعد الدخول أو مات عنها فعليها العدة ولو ارتدت أمته أو كاتبها ثم أسلمت المرتدة وعجزت المكاتبة حلت لسيدها بغير استبراء وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي يجب عليه الاستبراء في هذا كله لأنه زال ملكه عن استمتاعها ثم عاد فأشبهت المشتراة ولنا إنه لم يتجدد ملكه عليها فأشبهت المحرمة إذا حلت والمرهونة إذا فكت فإنه لا خلاف في حلهما بغير استبراء ولأن الاستبراء شرع لمعنى مظنته تجدد الملك فلا يشرع مع تخلف المظنة والمعنى فصل وإن اشترى أمة مزوجة فطلقها الزوج قبل الدخول لم تبح بغير استبراء نص عليه أحمد وقال هذه حيلة وضعها أهل الرأي لا بد من استبراء ووجه ذلك أن هذه تجدد الملك فيها ولم يحصل استبراؤها في ملكه فلم تحل بغير استبراء كما لو لم تكن مزوجة ولأن إسقاط الاستبراء هاهنا ذريعة إلى إسقاطه في حق من أراد إسقاطه بأن يزوجها عند بيعها ثم يطلقها زوجها بعد تمام البيع والحيل حرام فأما إن كان الزوج دخل بها ثم طلقها فعليها العدة ولا يلزم المشتري استبراؤها لأن ذلك قد حصل بالعدة ولأنها لو عتقت لم يجب عليها مع العدة استبراء ولأنها قد استبرأت نفسها ممن كانت فراشا له فأجزأت ذلك كما لو كانت استبرأت نفسها من سيدها إذا كانت خالية من زوج وإن اشتراها وهي معتدة من زوجها لم يجب عليها استبراء لأنها لم تكن فراشا لسيدها وقد حصل الاستبراء من الزوج بالعدة ولذلك لو عتقت في هذه الحال لم يجب عليها استبراء وقال أبو الخطاب في المزوجة هل يدخل الاستبراء في العدة عن وجهين وقال القاضي في المعتدة يلزم السيد استبراؤها بعد قضاء العدة ولا يتداخلان لأنهما من رجلين ومفهوم كلام أحمد ما ذكرناه أولا لأنه علل فيما قبل الدخول بأنها حيلة وضعها أهل الرأي ولا يوجد ذلك هاهنا ولا يصح قولهم إن الاستبراء من رجلين فإن السيد هاهنا ليس له استبراء فصل وإن كانت الأمة لرجلين فوطئاها ثم باعاها لرجل أجزأه استبراء واحد لأنه يحصل به معرفة البراءة فإن قيل فلو أعتقها لألزمتموها استبراءين قلنا وجوب الاستبراء في حق المعتقة معلل بالوطء ولذلك لو أعتقها وهي ممن لا يطؤها لم يلزمها استبراء وقد وجد الوطء من اثنين فلزمها حكم وطئهما وفي مسألتنا هو معلل بتجديد الملك لا غير ولهذا يجب على المشتري الاستبراء سواء كان سيدها يطؤها أو لم يكن والملك واحد فوجب أن يتجدد الاستبراء فصل وإذا اشترى الرجل زوجته الأمة لم يلزمه استبراؤها لأنها فراش له فلم يلزمه استبراؤها من مائه لكن يستحب ذلك ليعلم هل الولد من النكاح فيكون عليه ولاء له لأنه عتق بملكه له ولا تصير به الأمة أم ولد أو هو حادث في ملك يمينه فلا يكون عليه ولاء وتصير به الأمة أم ولد ومتى تبين حملها فله وطؤها لأنه قد علم الحمل وزال الاشتباه فصل وإن وطىء الجارية التي يلزمه استبراؤها قبل استبرائها أثم والاستبراء باق بحاله لأنه حق عليه فلا يسقط بعدوانه
فإن لم تعلق منه استبرأها بما كان يستبرئها به قبل الوطء وتبني على ما مضى من الاستبراء وإن علقت منه فمتى وضعت حملها استبرأها بحيضة ولا يحل له الاستمتاع منها في حال حملها لأنه لم يستبرئها وإن وطئها وهي حامل حملا كان موجودا حين البيع من غير البائع فمتى وضعت حملها انقضى استبراؤها قال أحمد ولا يلحق بالمشتري ولا يتبعه ولكن يعتقه لأنه قد شرك فيه لأن الماء يزيد في الولد وقد روى أبو داود بإسناده عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر بامرأة مجح على باب فسطاط فقال لعله يريد أن يلم بها فقالوا نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد هممت أن ألعنه لعنا يدخل معه قبره كيف يورثه وهو لا يحل له أو كيف يستخدمه وهو لا يل له ومعناه أنه إن استلحقه وشركه في ميراثه لم يحل له لأنه ليس بوالده وإن اتخذه مملوكا لم يحل له لأنه قد شرك فيه لكون الوطء يزيد في الولد وعن ابن عباس قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وطء الحبالى حتى يضعن ما في بطونهن رواه النسائي والترمذي فصل ومن أراد بيع أمته فإن كان لا يطؤها لم يلزمه استبراؤها لكن يستحب ذلك ليعلم خلوها من الحمل فيكون أحوط للمشتري وأقطع للنزاع قال أحمد وإن كان لامرأة فإني أحب أن لا تبيعها حتى تستبرئها بحيضة فهو أحوط لها وإن كان يطؤها وكانت آيسة فليس عليه استبراؤها لأن انتفاء الحمل معلوم وإن كانت ممن تحمل وجب عليه استبراؤها وبه قال النخعي والثوري وعن أحمد رواية أخرى لا يجب عليه استبراؤها وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي لأن عبد الرحمن بن عوف باع جارية كان يطؤها قبل استبرائها ولأن الاستبراء على المشتري فلا يجب على البائع فإن الاستبراء في حق الحرة آكد ولا يجب قبل النكاح وبعده كذلك لا يجب في الأمة قبل البيع وبعده ولنا إن عمر أنكر على عبد الرحمن بن عوف بيع جارية كان يطؤها قبل استبرائها فروى عبد الله بن عبيد بن عمير قال باع عبد الرحمن بن عوف جارية كان يقع عليها قبل أن يستبرئها فظهر بها حمل عند الذي اشتراها فخاصموه إلى عمر فقال له عمر كنت تقع عليها قال نعم قال فبعتها قبل أن يستبرئها قال نعم قال ما كنت لذلك بخليق قال فدعا القافة فنظروا إليه فألحقوه به ولأنه يجب على المشتري الاستبراء لحفظ مائه فكذلك البائع ولأنه قبل الاستبراء مشكوك في صحة البيع وجوازه لاحتمال أن تكون أم ولد فيجب الاستبراء لإزالة الاحتمال فإن خالف وباع فالبيع صحيح في الظاهر لأن الأصل عدم الحمل ولأن عمر وعبد الرحمن لم يحكما بفساد البيع في الأمة التي باعها قبل استبرائها إلا بلحاق الولد به ولو كان البيع باطلا قبل ذلك لم يحتج إلى ذلك وذكر أصحابنا الروايتين في كل أمة يطؤها من غير تفريق بين الآيسة وغيرها والأولى أن ذلك لا يجب في الآيسة لأن علة الوجوب احتمال الحمل وهو وهم بعيد والأصل عدمه فلا تثبت به حكما بمجرده فصل وإذا اشترى جارية فظهر بها حمل لم يخل من أحوال خمسة أحدها أن يكون البائع أقر بوطئها عند البيع أو قبله وأتت بولد لدون الستة أشهر أو يكون البائع ادعى الولد فصدقه المشتري فإن الولد يكون للبائع والجارية أم ولد له وله البيع باطل الحال الثاني أن يكون أحدهما استبرأها ثم أتت بولد لأكثر من ستة أشهر من حين وطئها المشتري فالولد للمشتري والجارية أم ولد له
الحال الثالث أن تأتي به لأكثر من ستة أشهر بعد استبراء أحدهما لها ولأقل من ستة أشهر منذ وطئها المشتري فلا يلحق نسبه بواحد منهما ويكون ملكا للمشتري ولا يملك فسخ البيع لأن الحمل تجدد في ملكه ظاهرا فإن ادعاه كل واحد منهما فهو للمشتري لأنه في ملكه مع احتمال كونه منه وإن ادعاه البائع وحده وصدقه المشتري لحقه وكان البيع باطلا وإن كذبه فالقول قول المشتري في ملك الولد وأن الملك انتقل إليه ظاهرا فلم تقبل دعوى البائع فيما يبطل حقه كما لو أقر بعد البيع أن الجارية مغصوبة أو معتقة وهل يثبت نسب الولد من البائع فيه وجهان أحدهما يثبت لأنه نفع للولد من غير ضرر على المشتري فيقبل قوله فيه كما لو أقر لولده بمال والثاني لا يقبل لأن فيه ضررا على المشتري فإنه لو أعتقه كان أبوه أحق بميراثه منه ولذلك لو أقر عبدان كل واحد منهما أنه أخو صاحبه لم يقبل إلا ببينة الحال الرابع أن تأتي به بعد ستة أشهر منذ وطئها المشتري قبل استبرائها فنسبه لاحق بالمشتري فإن ادعاه البائع فأقر له المشتري لحقه وبطل البيع وإن كذبه فالقول قول المشتري وإن ادعى كل واحد منهما أنه من الآخر عرض على القافة فألحق بمن ألحقته به لحديث عبد الرحمن بن عوف ولأنه يحتمل كونه من كل واحد منهما وإن ألحقته القافة بهما لحق بهما وينبغي أن يبطل البيع وتكون أم ولد للبائع لأننا نتبين أنها كانت حاملا منه قبل بيعها الحال الخامس إذا أتت به لأقل من ستة أشهر منذ باعها ولم يكن أقر بوطئها فالبيع صحيح في الظاهر والولد مملوك للمشتري فإن ادعاه البائع فالحكم فيه كما ذكرنا في الحال الثالث سواء مسألة قال ( وتجتنب الزوجة المتوفى عنها زوجها الطيب والزينة والبيتوتة في غير منزلها والكحل بالإثمد والنقاب ) هذا يسمى الإحداد ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في وجوبه على المتوفى عنها زوجها إلا عن الحسن فإنه قال لا يجب الإحداد وهو قول شذ به عن أهل العلم وخالف به السنة فلا يعرج عليه ويستوي في وجوبه الحرة والأمة والمسلمة والذمية والكبيرة والصغيرة وقال أصحاب الرأي لا إحداد على ذمية ولا صغيرة لأنهما غير مكلفتين ولنا عموم الأحاديث التي سنذكرها ولأن غير المكلفة تساوي الملكفة في اجتناب المحرمات كالخمر والزنا وإنما يفترقان في الإثم فكذلك الإحداد ولأن حقوق الذمية في النكاح كحقوق المسلمة فيما عليها فصل ولا إحداد غير الزوجات كأم الولد إذا مات سيدها قال ابن المنذر لا أعلمهم يختلفون في ذلك وكذلك الأمة التي يطؤها سيدها إذا مات عنها ولا الموطوءة بشبهة والمزني بها لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ولا إحداد على الرجعية بغير خلاف نعلمه لأنها في حكم الزوجات لها أن تتزين لزوجها وتستشرف له ليرغب فيها وتنفق عنده كما تفعل في صلب النكاح ولا إحداد على المنكوحة نكاحا فاسدا لأنها ليست زوجة على الحقيقة ولا لها من كانت تحل له ويحل لها فتحزن على فقده فصل وتجتنب الحادة ما يدعو إلى جماعها ويرغب في النظر إليها ويحسنها وذلك أربعة أشياء أحدها الطيب ولا خلاف في تحريمه عند من أوجب الإحداد لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا تمس طيبا إلا عند أدنى طهرها إذا طهرت من حيضها بنبذة من قسط أو اظفار متفق عليه وروت زينب بنت أم سلمة قالت دخلت على أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي أبوها أبو سفيان فدعت بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره فدهنت منه جارية ثم مست بعارضها ثم قالت والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا متفق عليه ولأن الطيب يحرك الشهوة ويدعو إلى المباشرة
ولا يجوز لها استعمال الأدهان المطيبة كدهن الورد والبنفسج والياسمين والبان وما أشبهه لأنه استعمال للطيب فأما الادهان بغير المطيب كالزيت والشيرج والسمن فلا بأس به لأنه ليس بطيب الثاني اجتناب الزينة وذلك واجب في قول عامة أهل العلم منهم ابن عمر وابن عباس وعطاء وجماعة أهل العلم يكرهون ذلك وينهون عنه وهو ثلاثة أقسام أحدها الزينة في نفسها فيحرم عليها أن تختضب وأن تحمر وجهها بالكلكون وأن تبيضه باسفيداج العرايس وأن تجعل عليه صبرا يصفره وأن تنقش وجهها ويديها وأن تخفف وجهها وما أشبهه مما يحسنها وأن تكتحل بالإثمد من غير ضرورة وذلك لما روت أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشق ولا الحلي ولا تختضب ولا تكتحل رواه النسائي وأبو داود وروت أم عطية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تحد المرأة فوق ثلاثة أيام إلا على زوج فإنها تحد أربعة أشهر وعشرا ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب ولا تكتحل ولا تمس طيبا إلا عند أدنى طهرها إذا طهرت من حيضها بنبذة من قسط أو اظفار متفق عليه وعن أم سلمة قالت جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفتكحلها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا مرتين أو ثلاثا متفق عليه وروت أم سلمة قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي أبو سلمة وقد جعلت على عيني صبرا فقال ماذا يا أم سلمة قلت إنما هو صبر ليس فيه طيب قال إنه يشب الوجه لا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء فإنه خضاب قال قلت بأي شيء أمتشط قال بالسدر تغلفين به رأسك ولأن الكحل من أبلغ الزينة والزينة تدعو إليها وتحرك الشهوة فهي كالطيب وأبلغ منه وحكي عن بعض الشافعية أن للسوداء أن تكتحل وهو مخالف للخبر والمعنى فإنه يزينها ويحسنها وإن اضطرت الحادة إلى الكحل بالإثمد للتداوي فلها أن تكتحل ليلا وتمسحه نهارا ورخص فيه عند الضرورة عطاء والنخعي ومالك وأصحاب الرأي لما روت أم حكيم بنت أسد عن أمها أن زوجها توفي وكانت تشتكي عينيها فتكتحل بالجلاء فأرسلت مولاة لها إلى أم سلمة تسألها عن كحل الجلاء فقالت لا تكتحلي إلا لما لا بد منه يشتد عليك فتكتحلين بالليل وتغسلينه بالنهار رواه أبو داود والنسائي وإنما منع من الكحل بالإثمد لأنه الذي تحصل به الزينة فأما الكحل بالتوتيا والعنزروت ونحوهما فلا بأس به لأنه لا زينة فيه بل يقبح العين ويزيدها مرها ولا تمنع من جعل الصبر على غير وجهها من بدنها لأنه إنما منع منه في الوجه لأنه يصفره فيشبه الخضاب ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم إنه يشب الوجه ولا تمنع من التنظيف بتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق الشعر المندوب إلى حلقه ولا من الاغتسال بالسدر والامتشاط به لحديث أم سلمة ولأنه يراد للتنظيف لا للتطييب القسم الثاني زينة الثياب فتحرم عليها الثياب المصبغة للتحسين كالمعصفر والمزعفر وسائر الأحمر وسائر الملون للتحسين كالأزرق الصافي والأخضر الصافي والأصفر فلا يجوز لبسه لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا تلبس ثوبا مصبوغا وقوله لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشق فأما ما لا يقصد بصبغه حسنة كالكحلي والأسود والأخضر المشبع فلا تمنع منه لأنه ليس بزينة وما صبغ غزله ثم نسج فيه احتمالان أحدهما يحرم لبسه لأنه أرفع وأحسن ولأنه مصبوغ للحسن فأشبه ما صبغ بعد نسجه
والثاني لا يحرم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أم سلمة إلا ثوب عصب وهو ما صبغ غزله قبل نسجه ذكره القاضي ولأنه لم يصبغ وهو ثوب فأشبه ما كان حسنا من الثياب غير مصبوغ والأول أصح وأما العصب فالصحيح أنه نبت تصبغ به الثياب قال صاحب الروض الأنف الورس والعصب نبتان باليمن لا ينبتان إلا به فأرخص النبي صلى الله عليه وسلم للحادة في لبس ما صبغ بالعصب لأنه في معنى ما صبغ لغير التحسين أما ما صبغ غزله للتحسين كالأحمر والأصفر فلا معنى لتجويز لبسه مع حصول الزينة بصبغة كحصولها بما صبغ بعد نسجه ولا تمنع من حسان الثياب غير المصبوغة وإن كان رقيقا سواء كان من قطن أو كتان أو إبريسم لأن حسنه من أصل خلقته فلا يلزم تغييره كما أن المرأة إذا كانت حسنة الخلقة لا يلزمها أن تغير لونها وتشوه نفسها القسم الثالث الحلي فيحرم عليها لبس الحلي كله حتى الخاتم في قول عامة أهل العلم لقول النبي صلى الله عليه وسلم ولا الحلي وقال عطاء يباح حلي الفضة دون الذهب وليس بصحيح لأن النهي عام ولأن الحلي يزيد حسنها ويدعو إلى مباشرتها قالت امرأة وما الحلي إلا زينة لنقيصة نتمم من حسن إذا الحسن قصرا فصل والثالث مما تجتنبه الحادة النقاب وما في معناه مثل البرقع ونحوه لأن المعتدة مشبهة بالمحرمة والمحرمة تمنع من ذلك وإذا احتاجت إلى ستر وجهها أسدلت عليه كما تفعل المحرمة فصل والرابع المبيت في غير منزلها وممن أوجب على المتوفي عنها زوجها الاعتداد في منزلها عمر وعثمان رضي الله عنهما وروي ذلك عن ابن عمر وابن مسعود وأم سلمة وبه يقول مالك والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة والشافعي وإسحاق وقال ابن عبد البر وبه يقول جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق ومصر وقال جابر بن زيد والحسن وعطاء تعتد حيث شاءت وروي ذلك عن علي وابن عباس وجابر وعائشة رضي الله عنهم قال ابن عباس نسخت هذه الآية عدتها عند أهله وسكتت في وصيتها وإن شاءت خرجت لقول الله تعالى فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن البقرة 240 قال عطاء ثم جاء الميراث فنسخ السكنى تعتد حيث شاءت رواهما أبو داود ولنا ما روت فريعة بنت مالك بن سنان أخت أبي سعيد الخدري أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته أن زوجها خرج في طلب أعبد له فقتلوه بطرف القدوم فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أرجع إلى أهلي فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة قالت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم قالت فخرجت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد دعاني أو أمرني فدعت له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف قلت فرددت عليه القصة فقال امكثي في بيتك حتى يبلغ الكاتب أجله فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا فلما كان عثمان بن عفان أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبرته فاتبعه وقضى به رواه مالك في موطئه والأثرم وهو حديث صحيح قضى به عثمان في جماعة الصحابة فلم ينكروه وإذا ثبت هذا فإنه يجب الاعتداد في المنزل الذي مات زوجها وهي ساكنة به سواء كان مملوكا لزوجها أو بإجارة أو عارية لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفريعة امكثي في بيتك ولم تكن في بيت يملكه زوجها وفي بعض ألفاظه اعتدي في البيت الذي أتاك فيه نعي زوجك وفي لفظ اعتدي حيث أتاك الخبر فإن أتاها الخبر في غير مسكنها رجعت إلى مسكنها فاعتدت فيه وقال سعيد بن المسيب والنخعي لا تبرح من مكانها الذي أتاها فيه نعي زوجها اتباعا للفظ الخبر الذي رويناه ولنا قوله عليه السلام امكثي في بيتك واللفظ الآخر قضية في عين والمراد به هذا فإن قضايا الأعيان لا عموم لها ثم لا يمكن حمله على العموم فإنه لا يلزمها الاعتداد في السوق والطريق والبرية إذا أتاها الخبر وهي فيها
فصل فإن خافت هدما أو غرقا أو عدوا أو نحو ذلك أو حولها صاحب المنزل لكونه عارية رجع فيها أو بإجارة انقضت مدتها أو منعها السكنى تعديا أو امتنع من إجارته أو طلب به أكثر من أجرة المثل أو لم تجد ما تكتري به أو لم تجد إلا من مالها فلها أن تنتقل لأنها حال عذر ولا يلزمها بذلك أجر المسكن وإنما الواجب عليها فعل السكنى لا تحصيل المسكن وإذا تعذرت السكنى سقطت ولها أن تسكن حيث شاءت ذكره القاضي وذكر أبو الخطاب أنها تنتقل إلى أقرب ما يمكنها النقلة إليه وهو مذهب الشافعي لأنه أقرب إلى موضع الوجود فأشبه من وجبت عليه الزكاة في موضع لا يجد فيه أهل السهمان فإنه ينقلها إلى أقرب موضع يجدهم فيه ولنا إن الواجب سقط لعذر ولم يرد الشرع له ببدل فلا يجب كما لو سقط الحج للعجز عنه وفوات شرط والمعتكف إذا لم يقدر على الاعتكاف في المسجد ولأن ما ذكروه إثبات حكم بلا نص ولا معنى نص فإن معنى الاعتداد في بيتها لا يوجد في السكنى فيما قرب منه ويفارق أهل السهمان فإن القصد نفع الأقرب وفي نقلها إلى أقرب موضع يجده نفع الأقرب فوجب لذلك فصل قال أصحابنا ولا يكنى للمتوفى عنها إذا كانت حائلا رواية واحدة وإن كانت حاملا فعلى روايتين وللشافعي في سكنى المتوفى عنها قولان وجه الوجوب قوله تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج البقرة 240 فنسخ بعض المدة وبقي باقيها على الوجوب ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر فريعة بالسكنى في بيتها من غير استئذان الورثة ولو لم تجب السكنى لم يكن لها أن تسكن إلا بإذنهم كما أنها ليس لها أن تتصرف في شيء من مال زوجها بغير إذنهم ولنا إن الله تعالى إنما جعل للزوجة ثمن التركة أو ربعها وجعل باقيها لسائر الورثة والمسكن من التركة فوجب أن لا يستحق منه أكثر من ذلك ولأنها بائن من زوجها فأشبهت المطلقة ثلاثا وأما إذا كانت حاملا وقلنا لها السكنى فلأنها حامل من زوجها فوجب لها السكنى قياسا على المطلقة فأما الآية التي احتجوا بها فإنها منسوخة وأما أمر النبي صلى الله عليه وسلم فريعة بالسكنى فقضية في عين يحتمل أنه عليه السلام علم أن الوارث يأذن في ذلك أو يكون الأمر يدل على وجوب السكنى عليها ويتقيد ذلك بالإمكان وإذن الوارث من جملة ما يحصل الإمكان به فإذا قلنا لها السكنى فهي أحق بسكنى المسكن الذي كانت تسكنه من الورثة والغرماء من رأس مال المتوفى ولا يباع في دينه بيعا يمنعها السكنى فيه حتى تقضي العدة وبهذا قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجمهور العلماء وإن تعذر المسكن فعلى الوارث أن يكتري لها مسكنا من مال الميت فإن لم يفعل أخبره الحاكم وليس لها أن تنتقل من مسكنها إلا لعذر كما ذكرنا وإن اتفق الوارث والمرأة على نقلها عنه لم يجز لأن هذه السكنى يتعلق بها حق الله تعالى لأنها تجب للعدة والعدة يتعلق بها حق الله تعالى فلم يجز انفاقهما على إبطالها بخلاف سكنى النكاح فإنها حق لهما ولأن السكنى هاهنا من الإحداد فلم يجز الاتفاق على تركها كسائر خصال الأحداد وليس لهم أن يخرجوها إلا أن تأتي بفاحشة مبينة لقول الله تعالى لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة الطلاق 1 وهي أن تطول لسانها على أحمائها وتؤذيهم بالسب ونحوه روي ذلك عن ابن عباس وهو قول الأكثرين وقال ابن مسعود والحسن هي الزنا لقوله الله تعالى واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم النساء 15 وإخراجهن هو الإخراج لإقامة حد الزنا ثم ترد إلى مكانها
ولنا إن الآية تقتضي الإخراج عن السكنى وهذا لا يتحقق فيما قالاه وأما الفاحشة فهي اسم للزنا وغيره من الأقوال الفاحشة يقال أفحش فلان في مقاله ولهذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قالت له عائشة يا رسول الله قلت لفلان بئس أخو العشيرة فلما دخل ألنت له القول فقال يا عائشة إن الله لا يحب الفحس ولا التفحش إذا ثبت هذا فإن الورثة يخرجونها عن ذلك المسكن إلى مسكن آخر من الدار إن كانت كبيرة تجمعهم فإن كانت لا تجمعهم أو لم يمكن نقلها إلى غيره في الدار ولم يتخلصوا من أذاها بذلك فلهم نقلها وقال بعض أصحابنا ينتقلون هم عنها لأن سكناها واجب في المكان وليس بواجب عليهم والنص يدل على أنها تخرج فلا يعرج على ما خالفه ولأن الفاحشة منها فكان الإخراج لها وإن كان أحماؤها هم الذين يؤذونها ويفحشون عليها نقلوا هم دونها فإنها لم تأت بفاحشة فلا تخرج بمقتضى النص ولأن الذنب لهم فيخصون بالإخراج وإن كان المسكن لغير الميت فتبرع صاحبه بإسكانها فيه لزمها الاعتداد به وإن أبى أن يسكنها إلا بأجرة وجب بذلها من مال الميت إلا أن يتبرع إنسان ببذلها فيلزمها الاعتداد به فإن حولها صاحب المكان أو طلب أكثر من أجرة المثل فعل الورثة إسكانها إن كان للميت تركة يستأجر لها به مسكن لأنه حق لها يقدم على الميراث فإن اختارت النقلة عن هذا المسكن الذي ينقلونها إليه فلها ذلك لأن سكناها به حق لها وليس بواجب عليها فإن المسكن الذي كان يجب عليها السكنى به هو الذي كانت تسكنه حين موت زوجها وقد سقطت عنها السكنى به وسواء كان المسكن الذي كانت به لأبويها أو لأحدهما أو لغيرهم وإن كانت تسكن في دارها فاختارت الإقامة فيها والسكنى بها متبرعة أو بأجرة تأخذها من التركة جاز ويلزم الورثة بذل الأجرة إذا طلبتها وإن طلبت أن تسكنها غيرها وتنتقل عنها فلها ذلك لأنه ليس عليها أن تؤجر دارها ولا تعيرها وعليهم إسكانها فصل فأما إذا قلنا ليس لها السكنى فتطوع الورثة بإسكانها في مسكن زوجها أو السلطان أو أجنبي لزمها الاعتداد به وإن منعت السكنى به أو طلبوا منها الأجرة فلها أن تنتقل عنه إلى غيره كما ذكرنا فيما إذا أخرجها المؤجر عند انقضاء الإجارة وسواء وقدرت على الأجرة أو عجزت عنها لأنه إنما تلزمها السكنى لا تحصيل المسكن وإن كانت في في مسكن لزوجها فأخرجها الورثة منه وبذلوا لها مسكنا آخر لم تلزمها السكنى وكذلك إن خرجت من المسكن الذي هي به أو خرجت لأي عارض كان لم تلزمها السكنى في موضع معين سواه سواء بذله الورثة أو غيرهم لأنها إنما يلزمها الاعتداد في بيتها الذي كانت فيه لا في غيره وكذلك إذا قلنا لها السكنى فتعذر سكناها في مسكنها وبذل لها سواه وإن طلبت مسكنا سواه لزم الورثة تحصيله بأجرة أو بغيرها إن خلف الميت تركة تفي بذلك ويقدم ذلك على الميراث لأنه حق على الميت فأشبه الدين فإن كان على الميت دين يستغرق ماله ضربت بأجرة المسكن مع الغرماء لأن حقها مساو لحقوق الغرماء وتستأجر بما يصيبها موضعا تسكنه وكذلك الحكم في المطلقة إذا حجر على الزوج قبل أن يطلقها ثم طلقها فإنها تضرب بأجرة المسكن لمدة مع الغرماء إذا كانت حاملا فإن قيل فهلا قدمتم حق الغرماء لأنه أسبق قلنا لأن حقها ثبت عليه بغير اختيارها فشاركت الغرماء فيه كما لو أتلف المفلس مالا لإنسان أو جنى عليه وإن مات وهي في مسكنه لم يجز إخراجها منه لأن حقها تعلق بعين المسكن قبل تعلق حقوق الغرماء بعينه فكان حقها مقدما كحق المرتهن وإن طلب الغرماء ببيع هذا المسكن وتترك السكنى لها مدة العدة لم يجز لأنها إنما تستحق السكنى إذا كانت حاملا ومدة الحمل مجهولة فتصير كما لو باعها واستثنى نفعها مدة مجهولة وإن أراد الورثة قسمة مسكنها على وجه يضر بها في السكنى لم يكن لهم ذلك وإن أرادوا التعليم بخطوط من غير نقض ولا بناء جاز لأنه لا ضرر عليها فيه
فصل وإذا قلنا إنها تضرب مع الغرماء بقدر مدة عدتها فإنها تضرب بمدة عادتها في وضع الحمل إن كانت حاملا وإن كانت مطلقة من ذوات القروء وقلنا لها السكنى ضربت بمدة عادتها في القروء فإن لم تكن لها عادة ضربت بغالب عادات النساء وهو تسعة أشهر للحمل وثلاثة أشهر لكل قرء شهر أو بما بقي من ذلك إن كان قد مضى من مدة حملها شيء لأنه لا يمكن تأخير القسمة لحق الغرماء فإذا ضربت بذلك فوافق الصواب فلم تزد ولم تنقص استقر الحكم وتستأجر مما يحصل لها مكانا تسكنه وإذا تعذر ذلك سكنت حيث شاءت وإن كانت المدة أقل مما ضربت به مثل أن وضعت حملها لستة أشهر أو تربصت ثلاثة قروء في شهرين فعليها رد الفضل وتضرب فيه بحصتها منه وإن طالب العدة أكثر من ذلك مثل أو وضعت حملها في عام أو رأس ثلاثة قروء في نصف عام رجعت بذلك على الغرماء كما يرجعون عليها في صورة النقض ويحتمل أن لا ترجع به ويكون في ذمة زوجها لأننا قدرنا ذلك مع تجويز الزيادة فلم تكن لها الزيادة عليه فصل وللمعتدة الخروج في حوائجها نهارا سواء كانت مطلقة أو متوفى عنها لما روى جابر قال طلقت خالتي ثلاثا فخرجت تجذ نخلها فلقيها رجل فنهاها فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال اخرجي فجذي نخلك لعلك أن تتصدقي منه أو تفعلي خيرا رواه النسائي وأبو داود وروى مجاهد قال استشهد رجال يوم أحد فجاءت نساؤهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلنا يا رسول الله نستوحش بالليل أفنبيت عند إحدانا فإذا أصبحنا بادرنا إلى بيوتنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تحدثن عند إحداكن حتى إذا أردتن النوم فلتؤب كل واحدة إلى بيتها وليس لها المبيت في غير بيتها ولا الخروج ليلا إلا لضرورة لأن الليل مطنة الفساد بخلاف النهار فإنه مظنة قضاء الحوائج والمعاش وشراء ما يحتاج إليه وإن وجب عليها حق لا يمكن استيفاؤه إلا بها كاليمين والحد وكانت ذات خدر بعث إليها الحاكم من يستوفي الحق منها في منزلها وإن كانت برزة جاز إحضارها لاستيفائه فإذا فرغت رجعت إلى منزلها فصل والأمة كالحرة في الإحداد والاعتداد في المنزل إلا أن سكناها في العدة كسكناها في حياة زوجها للسيد إمساكها نهارا وإرسالها ليلا فإن أرسلها ليلا ونهارا اعتدت زمانها كله في المنزل وعلى الورثة سكناها فيهما كالحرة سواء فصل والبدوية كالحضرية في الاعتداد في منزلها الذي مات زوجها وهي ساكنة فيه فإن انتقلت الحلة انتقلت معهم لأنها لا يمكنها المقام وحدها وإن انتقل غير أهلها لزمها المقام معهم وإن انتقل أهلها انتقلت معهم إلا أن يبقى من الحلة من لا تخاف على نفسها معهم فتكون مخيرة بين الإقامة والرحيل وإن هرب أهلها فخافت هربت معهم وإن أمنت أقامت لقضاء العدة في منزلها فصل فإن مات صاحب السفينة وامرأته في السفينة ولها مسكن في البر فحكمها حكم المسافرة في البر على ما سنذكره وإن لم يكن لها مسكن سواها وكان فيها بيت يمكنها السكنى فيه بحيث لا تجتمع مع الرجال وأمكنها المقام فيه بحيث تأمن على نفسها ومعها محرمها لزمها أن تعتد به فإن كانت ضيقة وليس معها محرمها أو لا يمكنها الإقامة فيها إلا بحيث تختلط بالرجال لزمها الانتقال منها إلى موضع سواها مسألة قال ( والمطلقة ثلاثا تتوقى الطيب والزينة والكحل بالإثمد ) اختلفت الرواية عن أحمد في وجوب الإحداد على المطلقة البائن فعنه يجب عليها وهو قول سعيد بن المسيب وأبي عبيد وأبي ثور وأصحاب الرأي
والثانية لا يجب عليها وهو قول عطاء وربيعة ومالك وابن المنذر ونحوه قول الشافعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا وهذه عدة الوفاة فيدل على أن الإحداد إنما يجب في عدة الوفاة ولأنها معتدة عن غير وفاة فلم يجب عليها الإحداد كالرجعية والموطوءة بشبهة ولأن الإحداد في عدة الوفاة لإظهار الأسف على فراق زوجها وموته فأما الطلاق فإنه فارقها باختيار نفسه وقطع نكاحها فلا معنى لتكليفها الحزن عليه ولأن المتوفى عنها لو أتت بولد لحق الزوج وليس له من ينفيه فاحتيط عليها بالإحداد لئلا يلحق بالميت من ليس منه بخلاف المطلقة فإن زوجها باق فهو يحتاط عليها بنفسه وينفي ولدها إذا كان من غيره ووجه الرواية الأولى أنها معتدة بائن من نكاح فلزمها الإحداد كالمتوفى عنها زوجها وذلك لأن العدة تحرم النكاح فحرمت دواعيه ويخرج على هذا الرجعية فإنها زوجة والموطوءة بشبهة ليست معتدة من نكاح فلم تكمل الحرمة فأما الحديث فإنما مدلوله تحريم الإحداد على ميت غير الزوج ونحن نقول به ولهذا جاز الإحداد هاهنا بالإجماع فإذا قلنا يلزمها الإحداد لزمها شيئان توقي الطيب والزينة في نفسها على ما قدمنا فيها ولا تمنع من النقاب ولا من الاعتداد في غير منزلها ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت قيس أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم على ما سنذكره إن شاء الله تعالى فصل وإذا كانت المبتوتة حاملا وجب لها السكنى رواية واحدة ولا نعلم بين أهل العلم خلافا فيه وإن لم تكن حاملا ففيها روايتان إحداهما لا يجب لها ذلك وهو قول ابن عباس وجابر وبه قالعطاء وطاوس والحسن وعمرو بن ميمون وعكرمة وإسحاق وأبو ثور وداود والثانية يجب لها ذلك وهو قول ابن مسعود وابن عمر وعائشة وسعيد بن المسيب والقاسم وسالم وأبي بكر بن عبد الرحمن وخارجة بن زيد وسليمان بن يسار ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي لقول الله تعالى لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة الطلاق 1 وقال تعالى أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن الطلاق 6 فأوجب لهن السكنى مطلقا ثم خص الحامل بالإنفاق عليها
ولنا ما روتفاطمة بنت قيس أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب فأرسل إليها وكيله بشعير فتسخطته فقال والله ما لك علينا من شيء فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال لها ليس لك عليه نفقة ولا سكنى فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك ثم قال إن تلك امرأة يغشاها أصحابي اعتدي في بيت ابن أم مكتوم متفق عليه فإن قيل فقد أنكر عليها عمر وقال ما كنا لندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت وقال عروة لقد عابت عائشة ذلك أشد العيب وقال إنها كانت في مكان وحش فخيف على ناحيتها وقال سعيد بن المسيب تلك امرأة فتنت الناس إنها كانت لسنة فوضعت على يدي ابن أم مكتوم الأعمى قلنا أما مخالفة الكتاب فإن فاطمة لما أنكروا عليها قالت بيني وبينكم كتاب الله قال تعالى لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا الطلاق 1 فأي أمر يحدث بعد الثلاث فكيف تقولون لا نفقة لها إذا لم تكن حاملا فعلام تحبسونها فكيف تحبس امرأة بغير نفقة وأما قولهم إن عمر قال لا ندع كتاب ربنا فقد أنكر أحمد هذا القول عن عمر قال ولكنه قال لا نجيز في ديننا قول امرأة وهذا مجمل على خلافه وقد أخذنا بخبر فريعة وهي امرأة وبرواية عائشة وأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم في كثير من الأحكام وصار أهل العلم إلى خبر فاطمة هذا في كثير من الأحكام مثل سقوط نفقة المبتوتة إذا لم تكن حاملا ونظر المرأة إلى الرجال وخطبة الرجل على خطبة أخيه إذا لم تكن سكنت إلى الأول وأما تأويل من تأول حديثها فليس بشيء فإنها تخالفهم في ذلك وهي أعلم بحالها ولم يتفق المتأولون على شيء وقد رد على من رد عليها فقال ميمون بن مهران لسعيد بن المسيب قال تلك امرأة فتنت الناس لئن كانت إنما أخذت بما أفتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فتنت الناس وإن لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة مع أنها أحرم الناس عليه ليس له عليها رجعة ولا بينهما ميراث وقول عائشة إنها كانت في مكان وحش لا يصح فإن النبي صلى الله عليه وسلم علل بغير ذلك فقال يا ابنة آل قيس إنما السكنى والنفقة ما كان لزوجك عليك الرجعة هكذا رواه الحميدي والأثرم ولأنه لو صح ما قالته عائشة أو غيرها من التأويل ما احتاج عمر في رده إلا أن يعتذر بأنه قول امرأة ثم فاطمة صاحبة القصة وهي أعرف بنفسها وبحالها وقد أنكرت على من أنكر عليها وردت على من رد خبرها أو تأوله بخلاف ظاهره فيجب تقديم قولها لمعرفتها بنفسها وموافقتها ظاهر الخبر كما في سائر ما هذا سبيله فصل قال أصحابنا ولا يتعين الموضع الذي تسكنه في الطلاق سواء قلنا لها السكنى أو لم نقل بل يتخير الزوج بين إقرارها في الموضع الذي طلقها فيه وبين نقلها إلى مسكن مثلها والمستحب إقرارها لقوله تعالى لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة الطلاق 1 ولأن فيه خروجا من الخلاف فإن الذين ذكرنا عنهم أن لها السكنى يرون وجوب الاعتداد عليها في منزلها فإن كانت في بيت يملك الزوج سكناه ويصلح لمثلها اعتدت فيه فإن ضاق عنهما انتقل عنها وتركه لها لأنه يستحب سكناها في الموضع الذي طلقها فيه وإن اتسع الموضع لهما وفي الدار موضع لها منفرد كالحجرة أو علو الدار أو سفلها وبينهما باب مغلق سكنت فيه وسكن الزوج في الباقي لأنهما كالحجرتين المتجاورتين وإن لم يكن بينهما باب مغلق لكن لها موضع تتستر فيه بحيث لا يراها ومعها محرم تتحفظ به جاز لأن مع المحرم يؤمن الفساد ويكره في الجملة لأنه لا يؤمن النظر وإن لم يكن معها محرم لم يجز
لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يخلون رجل بامرأة ليست له بمحرم فإن ثالثهما الشيطان وإن امتنع من إسكانها وكانت ممن لها عليه السكنى أجبره الحاكم فإن كان الحاكم معدوما رجعت على الزوج وإن كان الحاكم موجودا فهل ترجع على روايتين وإن كان الزوج حاضرا ولم يمنعها من المسكن فاكترت لنفسها موضعا أو سكنت في موضع تملكه لم ترجع بالأجرة لأنها تبرعت بذلك فلم ترجع به على أحد وإن عجز الزوج عن إسكانها لعسرته أو غيبته أو امتنع من ذلك مع قدرته سكنت حيث شاءت وكذلك المتوفى عنها زوجها إذا لم يسكنها ورثته لأنه إنما تلزمها السكنى في منزله لتحصين مائه فإذا لم تفعل لم يلزمها ذلك مسألة قال ( وإذا خرجت إلى الحج فتوفي عنها زوجها وهي بالقرب رجعت لتقضي العدة فإن كانت قد تباعدت مضت في سفرها فإن رجعت وقد بقي من عدتها شيء أتت به في منزلها ) وجملته أن المعتدة من الوفاة ليس لها أن تخرج إلى الحج ولا إلى غيره روي ذلك عن عمر وعثمان رضي الله عنهما وبه قال سعيد بن المسيب والقاسم ومالك والشافعي وأبو عبيد وأصحاب الرأي والثوري وإن خرجت فمات زوجها في الطريق رجعت إن كانت قريبة لأنها في حكم الإقامة وإن تباعدت مضت في سفرها وقال مالك ترد ما لم تحرم والصحيح أن البعيدة لا ترد لأنه يضر بها وعليها مشقة ولا بد لها من سفر وإن رجعت قال القاضي ينبغي أن يحد القريب بما لا تقصر فيه الصلاة والبعيد ما تقصر فيه لأن ما لا تقصر الصلاة فيه أحكامه أحكام الحضر وهذا قول أبي حنيفة إلا أنه لا يرى القصر إلا في مسيرة ثلاثة أيام فقال متى كان بينها وبين مسكنها دون ثلاثة أيام فعليها الرجوع إليه وإن كان فوق ذلك لزمها المضي إلى مقصدها والاعتداد به إذا كان بينها وبينه دون ثلاثة أيام وإن كان بينه وبينها ثلاثة أيام وفي موضعها الذي هي به موضع يمكنها الإقامة فيه لزمها الإقامة وإن لم يمكنها الإقامة مضت إلى مقصدها وقال الشافعي إن فاقت البنيان فلها الخيار بين الرجوع والتمام لأنها صارت في موضع أذن لها زوجها فيه وهو السفر فأشبه ما لو كانت قد بعدت ولنا على وجوب الرجوع إذا كانت قريبة ما روى سعيد ثنا جرير عن منصور عن سعيد بن المسيب قال توفي أزواج نساؤهن حاجات أو معتمرات فردهن عمر من ذي الحليفة حتى يعتددن في بيوتهن ولأنه أمكنها الاعتداد في منزلها قبل أن يبعد سفرها فلزمها كما لو لم تفارق البنيان وعلى أن البعيدة لا يلزمها الرجوع إن كان عليها مشقة وتحتاج إلى سفر في رجوعها فأشبهت من بلغت مقصدها وإن اختارت البعيدة الرجوع فلها ذلك إذا كانت تصل إلى منزلها قبل انقضاء عدتها ومتى كان عليها في الرجوع خوف أو ضرر فلها المضي في سفرها كما لو بعدت ومتى رجعت وقد بقي عليها شيء من عدتها لزمها أن تأتي به في منزل زوجها بلا خلاف نعلمه بينهم في ذلك لأنه أمكنها الاعتداد فيه فلزمها كما لو لم تسافر منه فصل ولو كانت عليها حجة الإسلام فمات زوجها لزمتها العدة في منزلها وإن فاتها الحج لأن العدة في المنزل تفوت ولا بدل لها والحج يمكن الإتيان به في غير هذا العام وإن مات زوجها بعد إحرامها بحج الفرض أو بحج أذن لها زوجها فيه نظرت فإن كان وقت الحج متسعا لا تخاف فوته ولا فوت الرفقة لزمها الاعتداد في منزلها لأنه أمكن الجمع بين الحقين فلم يجز إسقاط أحدهما وإن خشيت فوات الحج لزمها المضي فيه وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يلزمها المقام وإن فاتها الحج لأنها معتدة فلم يجز لها أن تنشىء سفرا كما لو حرمت بعد وجوب العدة عليها ولنا إنهما عبادتان استويا في الوجوب وضيق الوقت فوجب تقديم الأسبق منهما كما لو كانت العدة أسبق
ولأن الحج آكد لأنه أحد أركان الإسلام والمشقة بتفويته تعظم فوجب تقديمه كما لو مات زوجها بعد أن بعد سفرها إليه وإن أحرمت بالحج بعد موت زوجها وخشيت فواته احتمل أن يجوز لها المضي إليه لما في بقائها في الإحرام من المشقة واحتمل أن يلزمها الاعتداد في منزلها لأن العدة أسبق ولأنها فرطت وغلظت على نفسها فإذا قضت العدة وأمكنها السفر إلى الحج لزمها ذلك فإن أدركته وإلا تحللت بعمل عمرة وحكمها في القضاء حكم من فاته الحج وإن لم يمكنها السفر فحكمها حكم المحسر كالتي يمنعها زوجها من السفر وحكم الإحرام بالعمرة كذلك إذا خيف فوات الرفقة أو لم يخف فصل وإذا أذن لها زوجها للسفر لغير النقلة فخرجت ثم مات زوجها فالحكم في ذلك كالحكم في سفر الحج على ما ذكرنا من التفصيل وإذا مضت إلى مقصدها فلها الإقامة حتى تقضي ما خرجت إليه وتنقضي حاجتها من تجارة أو غيرها وإن كان خروجها لنزهة أو زيارة أو لم يكن قدر لها مدة فإنها تقيم إقامة المسافر ثلاثا وإن قدر لها مدة فلها إقامتها لأن سفرها بحكم إذنه فكان لها إقامة ما أذن لها فيه فإذا مضت مدتها أو قضت حاجتها ولم يمكنها الرجوع لخوف أو غيره أتمت العدة في مكانها وإن أمكنها الرجوع لكن لا يمكنها الوصول إلى منزلها حتى تنقضي عدتها لزمتها الإقامة في مكانها لأن الاعتداد وهي مقيمة أولى من الإتيان بها في السفر وإن كانت تصل وقد بقي من عدتها شيء لزمها العود لتأتي بالعدة في مكانها فصل وإن أذن الزوج لها في الانتقال إلى دار أخرى أو بلد آخر فمات قبل انتقالها لزمها الاعتداد في الدار التي هي بها لأنها بيتها وسواء مات قبل نقل متاعها أو بعده لأنها مسكنها ما لم تنتقل عنه وإن مات بعد انتقالها إلى الثانية اعتدت فيها لأنها مسكنها وسواء كانت قد نقلت متاعها أو لم تنقله وإن مات وهي بينهما فهي مخيرة لأنها لا مسكن لها منهما فإن الأولى قد خرجت عنها منتقلة فخرجت عن كونها مسكنا لها والثانية لم تسكن بها فهما سواء وقيل يلزمها الاعتداد في الثانية لأنها المسكن الذي أذن لها زوجها في السكنى به وهذا يمكن في الدارين فأما إذا كان بلدين لم يلزمها الانتقال إلى البلد الثاني بحال لأنها إنما كانت تنتقل لغرض زوجها في صحبتها إياه وإقامتها معه فلو ألزمناها ذلك بعد موته لكلفناها السفر الشاق والتغرب عن وطنها وأهلها والمقام مع غير محرمها والمخاطرة بنفسها مع فوات الغرض وظاهر حال الزوج أنه لو علم أنه يموت لما نقلها فصارت الحياة مشروطة في النقلة فأما إن انتقلت إلى الثانية ثم عادت إلى الأولى لنقل متاعها فمات زوجها وهي بها فعليها الرجوع إلى الثانية لأنها صارت مسكنها بانتقالها إليها وإنما عادت إلى الأولى لحاجة والاعتبار بمسكنها دون موضعها وإن مات وهي في الثانية فقالت أذن لي زوجي في السكنى بهذا المكان وأنكر ذلك الورثة أو قالت إنما أذن لي زوجي في المجيء إليه لا في الإقامة به وأنكر ذلك الورثة فالقول قولها لأنها أعرف بذلك منهم وكل موضع قلنا يلزمها السفر عن بلدها فهو مشروط بوجود محرمها مسافرا معها والأمن على نفسها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم من أهلها أو كما قال مسألة قال ( وإذا طلقها زوجها أو مات عنها وهو ناء عنها فعدتها من يوم مات أو طلق إذا صح ذلك عندها وإن لم تجتنب ما تجتنبه المعتدة ) هذا المشهور في المذهب وأنه متى مات زوجها أو طلقها فعدتها من يوم موته وطلاقه وقال أبو بكر لا خلاف عن أبي عبد الله أعلمه أن العدة تجب من حين الموت والطلاق إلا ما رواه إسحاق بن إبراهيم
وهذا قول ابن عمر وابن عباس وابن مسعود ومسروق وعطاء وجابر بن زيد وابن سيرين ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وطاوس وسليمان بن يسار وأبي قلابة وأبي العالية والنخعي ونافع ومالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور وأصحاب الرأي وعن أحمد إن قامت بذلك بينة فكما ذكره وإلا فعدتها من يوم يأتيها الخبر وروي ذلك عن سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز ويروى عن علي والحسن وقتادة وعطاء الخراساني وخلاس بن عمرو أن عدتها من يوم يأتيها الخبر لأن العدة اجتناب أشياء وما اجتنبتها ولنا إنها لو كانت حاملا فوضعت حملها غير عالمة بفرقة زوجها لانقضت عدتها فكذلك سائر أنواع العدد ولأنه زمان عقيب الموت أو الطلاق فوجب أن تعتد به كما لو كان حاضرا ولأن القصد غير معتبر في العدة بدليل أن الصغيرة والمجنونة تنقضي عدتهما من غير قصد ولم يعدم هاهنا إلا القصد وسواء في هذا اجتنبت ما تجنبته المعتدات أو لم تجتنبه فإن الإحداد الواجب ليس بشرط في العدة فلو تركته قصدا أو عن غير قصد لانقضت عدتها فإن الله تعالى قال يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء البقرة 228 وقال فعدتهن ثلاثة أشهر الطلاق وقال وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن الطلاق 4 وفي اشتراط الإحداد مخالفة هذه النصوص فوجب ألا يشترط كتاب الرضاع الأصل في التحريم بالرضاع الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة النساء 23 ذكرهما الله سبحانه في جملة المحرمات وأما السنة فما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة متفق عليه وفي لفظ يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب رواه النسائي وعن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في بنت حمزة لا تحل لي يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب وهي ابنة أخي من الرضاعة متفق عليه في أخبار كثيرة نذكر أكثرها إن شاء الله تعالى في تضاعيف الباب وأجمع علماء الأمة على التحريم بالرضاع إذا ثبت هذا فإن تحريم الأم والأخت ثبت بنص الكتاب وتحريم البنت ثبت بالتنبيه فإنه إذا حرمت الأخت فالبنت أولى وسائر المحرمات ثبت تحريمهن بالسنة وتثبت المحرمية لأنها فرع على التحريم إذا كان بسبب مباح فأما بقية أحكام النسب من النفقة والعتق ورد الشهادة وغير ذلك فلا يتعلق به لأن النسب أقوى منه فلا يقاس عليه في جميع أحكامه وإنما يشبه به فيما نص عليه فيه مسألة قال أبو القاسم رحمه الله ( والرضاع الذي لا يشك في تحريمه أن يكون خمس رضعات فصاعدا ) في هذه المسألة مسألتان إحداهما أن الذي يتعلق به التحريم خمس رضعات فصاعدا هذا الصحيح في المذهب وروي هذا عن عائشة وابن مسعود وابن الزبير وعطاء وطاوس وهو قول الشافعي وعن أحمد رواية ثانية أو قليل الرضاع وكثيره يحرم روي ذلك عن علي وابن عباس وبه قال سعيد بن المسيب والحسن ومكحول والزهري وقتادة والحكم وحماد ومالك والأوزاعي والثوري والليث وأصحاب الرأي وزعم الليث أن المسلمين أجمعوا على أن قليل الرضاع وكثيره يحرم في المهد ما يفطر به الصائم واحتجوا بقول الله تعالى وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة النساء 23 وقوله عليه السلام يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب وعن عقبة بن الحارث أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب فجاءت أمة سوداء فقالت قد أرضعتكما فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال كيف وقد زعمت أن قد أرضعتكما متفق عليه ولأن ذلك فعل يتعلق به تحريم مؤبد فلم يعتبر فيه العدد كتحريم أمهات النساء ولا يلزم اللعان لأنه قول والرواية الثانية لا يثبت التحريم إلا بثلاث رضعات
وبه قال أبو ثور وأبو عبيد وداود وابن المنذر لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا تحرم المصة ولا المصتان وعن أم الفضل بنت الحارث قالت قال نبي الله صلى الله عليه وسلم لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان رواهما مسلم ولأن ما يعتبر فيه العدد والتكرار يعتبر فيه الثلاث وروي عن حفصة لا يحرم دون عشر رضعات وروي ذلك عن عائشة لأن عروة روى في حديث سهلة بنت سهيل فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا أرضعيه عشر رضعات فيحرم بلبنها وجه الأولى ما روي عن عائشة أنها قالت أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن فنسخ من ذلك خمس وصار إلى خمس رضعات معلومات يحرمن فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك رواه مسلم وروى مالك والزهري عن عروة عن عائشة عن سهلة بنت سهيل أرضعي سالما خمس رضعات فيحرم بلبنها والآية فسرتها السنة وبينت الرضاعة المحرمة وصريح ما رويناه يخص مفهوم ما رووه فنجمع بين الأخبار ونحملها على الصريح الذي رويناه فصل وإذا وقع الشك في وجود الرضاع أو في عدد الرضاع المحرم هل كملا أو لا لم يثبت التحريم لأن الأصل عدمه فلا نزول عن اليقين بالشك كما لو شك في وجود الطلاق وعدده المسألة الثانية أن تكون الرضعات متفرقات وبهذا قال الشافعي والمرجع في معرفة الرضعة إلى العرف لأن الشرع ورد بها مطلقا ولم يحدها بزمن ولا مقدار فدل ذلك على أنه ردهم إلى العرف فإذا ارتضع الصبي وقطع قطعا بينا باختياره كان ذلك رضعة فإذا عاد كانت رضعة أخرى فأما إن قطع لضيق نفس أو للانتقال من ثدي إلى ثدي أو لشيء يلهبه أو قطعت عليه المرضعة نظرنا فإن لم يعد قريبا فهي رضعة وإن عاد في الحال ففيه وجهان أحدهما أن الأولى رضعة فإذا عاد فهي رضعة أخرى وهذا اختيار أبي بكر وظاهر كلام أحمد في رواية حنبل فإنه قال أما ترى الصبي يرتضع من الثدي فإذا أدركه النفس أمسك عن الثدي ليتنفس أو يستريح فإذا فعل ذلك فهي رضعة وذلك لأن الأولى رضعة لو لم يعد فكانت رضعة وإن عاد كما لو قطع باختياره والوجه الآخر أن جميع ذلك رضعة وهو مذهب الشافعي إلا فيما إذا قطعت عليه المرضعة ففيه وجهان لأنه لو حلف لا أكلت اليوم إلا أكلت واحدة فاستدام الأكل زمنا أو قطع لشرب الماء أو انتقال من لون إلى لون أو انتظار لما يحمل إليه من الطعام لم يعد إلا أكلة واحدة فكذا هاهنا والأول أصح لأن اليسير من السعوط والوجور رضعة فكذا هذا مسألة قال ( والسعوط كالرضاع وكذلك الوجور ) معنى السعوط أن يصب اللبن في أنفه من إناء أو غيره والوجور أن يصب في حلقه صبا من غير الثدي واختلفت الرواية في التحريم بهما فأصح الروايتين أن التحريم يثبت بذلك كما يثبت بالرضاع وهو قول الشعبي والثوري وأصحاب الرأي وبه قال مالك في الوجور والثانية لا يثبت بهما التحريم وهو اختيار أبي بكر ومذهب داود وقول عطاء الخراساني في السعوط لأن هذا ليس برضاع وإنما حرم الله تعالى ورسوله بالرضاع ولأنه حصل من غير ارتضاع فأشبه ما لو دخل من جرح في بدنه ولنا ما روى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم لا رضاع إلا ما أنشر العظم وأنبت اللحم رواه أبو داود ولأن هذا يصل به اللبن إلى حيث يصل بالارتضاع ويحصل به من إنبات اللحم وإنشاز العظم ما يحصل من الارتضاع فيجب أن يساويه في التحريم والأنف سبيل الفطر للصائم فكان سبيلا للتحريم كالرضاع بالفم
فصل وإنما يحرم من ذلك مثل الذي يحرم بالرضاع وهو خمس في الرواية المشهورة فإنه فرع على الرضاع فيأخذ حكمه فإن ارتضع وكمل الخمس بسعوط أو وجور أو استعط أو أوجر وكمل الخمس برضاع ثبت التحريم لأنا جعلناه كالرضاع في أصل التحريم فكذلك في إكمال العدد ولو حلبت في إناء دفعة واحدة ثم سقته غلاما في خمس أوقات فهو خمس رضعات فإنه لو أكل من طعام خمس أكلات متفرقات لكان قد أكل خمس أكلات وإن حلبت في إناء حلبات في خمسة أوقات ثم سقيه دفعة واحدة كان رضعه واحدة كما لو جعل الطعام في إناء واحد في خمسة أوقات ثم أكله دفعة واحدة كان أكلة واحدة وحكي عن الشافعي قول في الصورتين عكس ما قلنا اعتبارا بالرضاع والوجور فرعه ولنا إن الاعتبار بشرب الصبي له لأنه المحرم ولهذا ثبت التحريم به من غير رضاع ولو ارتضع بحيث يصل إلى فيه ثم مجه لم يثبت التحريم فكان الاعتبار وما وجد منه إلا دفعة واحدة فكان رضعة واحدة وإن سقته في أوقات فقد وجد في خمسة أوقات فكان خمس رضعات فأما إن سقته اللبن المجموع جرعة بعد جرعة متتابعة فظاهر قول الخرقي أنه رضعة واحدة لاعتباره خمس رضعات متفرقات ولأن المرجع في الرضعة إلى العرف وهم لا يعدون هذا رضعات فأشبه ما لو أكل الآكل الطعام لقمة بعد لقمة فإنه لا يعد أكلات ويحتمل أن يخرج على ما إذا قطعت عليه المرضعة الرضاع على ما قدمنا فصل وإن عمل اللبن جبنا ثم أطعمه الصبي ثبت به التحريم وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يحرم به لزوال الاسم وكذلك على الرواية التي تقول لا يثبت التحريم بالوجود لا يثبت هاهنا بطريق الأولى ولنا إنه واصل من الحلق يحصل به إنبات اللحم وإنشاز العظم فحصل به التحريم كما لو شربه فصل فأما الحقنة فقال أبو الخطاب المنصوص عن أحمد أنها لا تحرم وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وقال ابن حامد وابن أبي موسى تحرم وهذا مذهب الشافعي لأنه سبيل يحصل بالواصل منه الفطر فتعلق به التحريم كالرضاع ولنا إن هذا ليس برضاع ولا يحصل به التغذي فلم ينشر الحرمة كما لو قطر في إحليله ولأنه ليس برضاع ولا في معناه فلم يجز إثبات حكمه فيه ويفارق فطر الصائم فإنه لا يعتبر فيه إنبات اللحم ولا إنشاز العظم وهذا لا يحرم فيه إلا ما أنبت اللحم وأنشز العظم ولأنه وصل اللبن إلى الباطن من غير الحلق أشبه ما لو وصل من جرح مسألة قال ( واللبن المشوب كالمحض ) المشوب المختلط بغيره والمحض الخالص الذي لا يخالطه سواه وسوى الخرقي بينهما سواء شيب بطعام أو شراب أو غيره وبهذا قال الشافعي وقال أبو بكر قياس قول أحمد أنه لا يحرم لأنه وجور وحكي عن ابن حامد أنه قال إن كان الغالب اللبن حرم وإلا فلا وهو قول أبي ثور والمزني لأن الحكم للأغلب ولأنه يزول بذلك الاسم والمعنى المراد به ونحو هذا قول أصحاب الرأي وزادوا فقالوا إن كانت النار قد مست اللبن حتى أنضجت الطعام أو حتى تغير فليس برضاع ووجه الأول أن اللبن متى كان طاهرا فقد حصل شربه ويحصل منه إنبات اللحم وإنشاز العظم فحرم كما لو كان غالبا وهذا فيما إذا كانت صفات اللبن باقية فأما إن صب في ماء كثير لم يتغير به لم يثبت به التحريم لأن هذا ليس بلبن مشوب ولا يحصل به التغذي ولا إنبات اللحم ولا إنشاز العظم وحكي عن القاضي أن التحريم يثبت به وهو قول الشافعي لأن أجزاء اللبن حصلت في بطنه فأشبه ما لو كان لونه ظاهرا ولنا إن هذا ليس برضاع ولا في معناه فوجب أن لا يثبت حكمه فيه فصل وإن حلب من نسوة وسقيه الصبي فهو كما لو ارتضع من كل واحدة منهن لأنه لو شيب بماء أو عسل لم يخرج عن كونه رضاعا محرما فكذلك إذا شيب بلبن آخر
مسألة قال ( ويحرم لبن الميتة كما يحرم لبن الحية لأن اللبن لا يموت ) المنصوص عن أحمد في رواية إبراهيم الحربي أنه ينشر الحرمة وهو اختيار أبي بكر وهو قول أبي ثور والأوزاعي وابن القاسم وأصحاب الرأي وابن المنذر وقال الخلال لا ينشر الحرمة وتوقف عنه أحمد في رواية مهنا وهو مذهب الشافعي لأنه لبن ممن ليس بمحل للولادة فلم يتعلق به التحريم كلبن الرجل ولنا إنه وجد الارتضاع على وجه ينبت اللحم وينشز العظم من امرأة فأثبت التحريم كما لو كانت حية ولأنه لا فارق بين شربه في حياتها وموتها إلا الحياة والموت أو النجاسة وهذا لا أثر له فإن اللبن لا يموت والنجاسة لا تمنع كما لو حلب في وعاء نجس ولأنه لو حلب منها في حياتها فشربه بعد موتها لنشر الحرمة وبقاؤه في ثديها لا يمنع ثبوت الحرمة لأن ثديها لا يزيد على الإناء في عدم الحياة وهي لا تزيد على عظم الميتة في ثبوت النجاسة فصل ولو حلبت المرأة لبنها في إناء ثم ماتت فشربه صبي نشر الحرمة في قول كل من جعل الوجور محرما وبه قال أبو ثور والشافعي وأصحاب الرأي وغيرهم وذلك لأنه لبن امرأة في حياتها فأشبه ما لو شربه وهي في الحياة مسألة قال ( وإذا حملت ممن يلحق نسب ولدها به فثاب لها لبن فأرضعت به طفلا خمس رضعات متفرقات في حولين حرمت عليه وبناتها من أبي هذا الحمل ومن غيره وبنات أبي هذا الحمل منها ومن غيرها وإن أرضعت صبية فقد صارت ابنة لها ولزوجها لأن اللبن من الحمل الذي هو منه ) وجملة ذلك أن المرأة إذا حملت من رجل وثاب لها لبن فأرضعت به طفلا رضاعا محرما صار الطفل المرتضع ابنا للمرضعة بغير خلاف وصار أيضا ابنا لمن ينسب الحمل إليه فصار في التحريم وإباحة الخلوة ابنا لهما وأولاده من البنين والبنات أولاد أولادهما وإن نزلت درجتهم وجميع أولاد المرضعة من زوجها ومن غيره وجميع أولاد الرجل الذي انتسب الحمل إليه من المرضعة ومن غيرها إخوة المرتضع وأخواته وأولاد أولادها أولاد إخوته وأخواته وإن نزلت درجتهم وأم المرضعة جدته وأبوها جده وإخوتها أخواله وأخواتها خالاته وأبو الرجل جده وأمه جدته وإخوته أعمامه وأخواته عماته وجميع أقاربهما ينتسبون إلى المرتضع كما ينتسبون إلى ولدهما من النسب لأن اللبن الذي ثاب للمرأة مخلوق من ماء الرجل والمرأة فنشر التحريم إليهما ونشر الحرمة إلى الرجل وإلى أقاربه وهو الذي يسمى لبن الفحل وفي التحريم به اختلاف ذكرناه في باب ما يحرم نكاحه والجمع بينه والحجة القاطعة فيه ما روت عائشة أن أفلح أخا أبي القعيس استأذن علي بعدما أنزل الحجاب فقلت والله لا آذن له حتى أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن أخا أبي القعيس ليس هو أرضعني ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله إن الرجل ليس هو أرضعني ولكن أرضعتني امرأته قال ائذني له فإنه عمك تربت يمينك قال عروة فبذلك كانت عائشة تأخذ بقول حرموا من الرضاع ما يحرم من النسب متفق عليه وسئل ابن عباس عن رجل تزوج امرأتين فأرضعت إحداهما جارية والأخرى غلاما هل يتزوج الغلام بالجارية فقال لا اللقاح واحد قال مالك اختلف قديما في الرضاعة لمن قبل الأب ونزل برجال من أهل المدينة في أزواجهم منهم محمد بن المنكدر وابن أبي حبيبة فاستفتوا في ذلك فاختلف عليهم ففارقوا زوجاتهم
فأما المرتضع فإن الحرمة تنتشر إليه وإلى أولاده وإن نزلوا ولا تنتشر إلى من في درجته من إخوته وأخواته ولا إلى أعلى منه كأبيه وأمه وأعمامه وعماته وأخواله وخالاته وأجداده وجداته فلا يحرم على المرضعة نكاح أبي الطفل المرتضع ولا أخيه ولا عمه ولا خاله ولا يحرم على زوجها نكاح أم الطفل المرتضع ولا أخته ولا عمته ولا خالته ولا بأس أن يتزوج أولاد المرضعة وأولاد زوجها إخوة الطفل المرتضع وأخواته قال أحمد لا بأس أن يتزوج الرجل أخت أخته من الرضاع ليس بينهما رضاع ولا نسب وإنما الرضاع بين الجارية وأخته إذا ثبت هذا فإن من شرط تحريم الرضاع أن يكون في الحولين وهذا قول أكثر أهل العلم روي نحو ذلك عن عمر وابن عمر وابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم سوى عائشة وإليه ذهب الشعبي وابن شبرمة والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور ورواية عن مالك وروي عنه إن زاد شهرا جاز وروي شهران وقال أبو حنيفة يحرم الرضاع في ثلاثين شهرا لقوله سبحانه وحمله وفصاله ثلاثون شهرا الأحقاف 15 ولم يرد بالحمل حمل الأحشاء لأنه يكون سنتين فعلم أنه أراد الحمل في الفصال وقال زفر مدة الرضاع ثلاث سنين وكانت عائشة ترى رضاعة الكبيرة تحرم ويروى هذا عن عطاء والليث وداود لما روي أن سهلة بنت سهيل قالت يا رسول الله إنا كنا نرى سالما ولدا فكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد ويراني فضلى وقد أنزل الله فيهم ما قد علمت فكيف ترى فيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم أرضعيه فأرضعته خمس رضعات فكان بمنزلة ولدها فبذلك كانت عائشة تأخذ تأمر بنات أخواتها وبنات إخوتها يرضعن من أحبت عائشة أن يراها ويدخل عليها وإن كان كبيرا خمس رضعات وأبت ذلك أم سلمة وسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخل عليهن بتلك الرضاعة أحد من الناس حتى يرضع في المهد وقلن لعائشة والله ما ندري لعلها رخصة من النبي صلى الله عليه وسلم لسالم دون الناس رواه النسائي وأبو داود وغيرهما ولنا قول الله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة البقرة 233 فجعل تمام الرضاعة حولين فيدل على أنه لا حكم لها بعدهما وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها رجل فتغير وجه النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إنه أخي من الرضاعة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انظرن من إخوانكن فإنما الرضاعة من المجاعة متفق عليه وعن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وعند هذا يتعين حمل خبر أبي حذيفة على أنه خاص له دون الناس كما قال سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وقول أبي حنيفة تحكم يخالف ظاهر الكتاب وقول الصحابة فقد روينا عن علي وابن عباس أن المراد بالحمل حمل البطن وبه استدل على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر وقد دل على هذا قول الله تعالى وفصاله في عامين لقمان 14 فلو حمل على ما قاله أبو حنيفة لكان مخالفا لهذه الآية إذا ثبت هذا فالاعتبار بالعامين لا بالفطام فلو فطم قبل الحولين ثم ارتضع فيهما لحصل التحريم ولو لم يفطم حتى تجاوز الحولين ثم ارتضع بعدهما قبل الفطام لم يثبت التحريم وقال ابن القاسم صاحب مالك لو ارتضع بعد الفطام في الحولين لم تحرم عليه لقوله عليه السلام وكان قبل الفطام ولنا قول الله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين البقرة 233 وروي عنه عليه السلام لا رضاع إلا ما كان في الحولين والفطام معتبر بمدته لا بنفسه قال أبو الخطاب لو ارتضع بعد الحولين بساعة لم يحرم وقال القاضي لو شرع في الخامسة فحال الحول قبل كمالها لم يثبت التحريم