Qur'an&Sunnah

İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)

Section V08/P393–V08/P395

فصل فإن مات المستحق انتقل إلى وارثه ما عليه من الأيمان وكانت الأيمان بينهم على حسب مواريثهم ويجبر الكسر فيها عليهم كما ينجبر في حق ورثة القتيل وإن مات بعضهم قسم نصيبه من الأيمان بين ورثته فلو كان للقتيل ثلاثة بنين كان على كل واحد سبع عشرة يمينا فإن مات بعضهم قبل أن يقسم وخلف ثلاثة بنين قسمت أيمانه بينهم فكان على كل واحد منهم ستة أيمان وإن خلف ابنين حلف كل واحد تسعة أيمان وإنما قلنا هذا لأن الوارث يقوم مقام الموروث في إثبات حججه كما يقوم مقامه في استحقاق ماله وهذا من حججه ولذلك يملك إقامة البينة والحلف في الإنكار ومع الشاهد الواحد في دعوى المال وإن كان موته بعد شروعه في الأيمان فحلف بعضها فإن ورثته يستأنفون الأيمان ولا يبنون على أيمانه لأن الخمسين جرت مجرى اليمين الواحدة ولأن لا يجوز أن يستحق أحد بيمين غيره ولا يبطل هذا بما إذا حلف جميع الأيمان ثم مات لأنه يستحق المال إرثا عنه لا بيمينه ولأنه إذا حلف الوارثان كل واحد خمسا وعشرين يمينا فإن الدية تستحق بيمينهما لأنهما يشتركان في الأيمان ويستحق كل واحد بقدر أيمانه ولا يستحق بيمين غيره وإن كان اجتماع العدد شرطا في استحقاقها فصل ولو حلف بعض الأيمان ثم جن ثم أفاق فإنه يتمم ولا يلزمه إلا الاستئناف لأن أيمانه وقعت موقعها ويفارق الموت لأن الموت يتعذر معه إتمام الأيمان منه وغيره لا يبني على يمينه وها هنا يمكنه أن يتمها إذا أفاق ولا تبطل بالتفريق بدليل أن الحاكم إذا حلفه الأيمان ثم تشاغل عنه لم تبطل ويتمها وما لا يبطله التفريق لا يبطله تخلل الجنون له كالسعي بين الصفا والمروة وإن حلف بعض الأيمان ثم عزل الحاكم وولي غيره أتمها عند الثاني ولم يلزمه استئنافها لأن الأيمان وقعت موقعها وكذلك لو حلف بعضها ثم سأل الحاكم إنظاره فأنظره بنى على ما مضى ولم يلزمه الاسئناف لما ذكرنا فصل إذا ردت الأيمان على المدعى عليه وكان عمدا لم تجز على أكثر من واحد فيحلف خمسين يمينا وإن كان عن غير عمد كالخطأ وشبه العمد فظاهر كلام الخرقي في أنه لا قسامة في هذا لأن القسامة من شرطها اللوث والعداوة إنما أثرها في تعمد القتل لا في خطئه ه فإن احاحتمال الخطأطأ في العمد وغيره سواءاء وقال غيرهره من أصحاحابنا فيه قسقسقسامة وهو قول الشافعي لأن اللوث لا يختص العداوة عندهم فعلى هذا تجوز الدعوى على جماعة فإذا ادعى على جماعة لزم كل واحد منهم خمسون يمينا وقال بعض أصحابنا تقسم الأيمان بينهم بالحصص كقسمها بين المدعين إلا أنها هاهنا تقسم بالسوية لأن المدعى عليهم متساوون فيها فهم كبني الميت وللشافعي قولان كالوجهين والحجة لهذا القول قول النبي صلى الله عليه وسلم تبرئكم يهود بخمسين يمينا وفي لفظ قال فيحلفون لكم خمسين يمينا ويبرؤون من دمه ولأنهم أحد المتداعيين في القسامة فتسقط الأيمان على عددهم كالمدعين وقال مالك يحلف من المدعى عليهم خمسون رجلا خمسين يمينا فإن لم يبلغوا خمسين رجلا رددت على من حلف منهم حتى تكمل خمسين يمينا فإن لم يوجد أحد يحلف إلا الذي ادعي عليه حلف وحده خمسين يمينا لقول النبي صلى الله عليه وسلم فتبرئكم يهود بخمسين يمينا ولنا إن هذه أيمان يبرىء بها القتل فكان على كل واحد خمسون كما لو ادعى على كل واحد وحده قتيل ولأنه لا يبرىء المدعى عليه حال الاشتراك إلا ما يبرئه حال الانفراد ولأن كل واحد منهم يحلف على غير ما حلف عليه صاحبه بخلاف المدعين فإن أيمانهم على شيء واحد فلا يلزم من تلفيقها تلفيق ما يختلف مدلوله أو مقصوده مسألة قال ( وسواء كان المقتول مسلما أو كافرا حرا أو عبدا إذا كان المقتول يقتل به المدعى عليه إذا ثبت عليه القتل لأن القسامة توجب القود إلا أن يحب الأولياء أخذ الدية )

Section V08/P395–V08/P396

أما إذا كان المقتول مسلما حرا فليس فيه اختلاف سواء كان المدعى عليه مسلما أو كافرا فإن الأصل في القسامة قصة عبد الله بن سهل حين قتل بخيبر فاتهم اليهود بقتله فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقسامة وأما إن كان المقتول كافرا أو عبدا وكان قاتله ممن يجب عليه القصاص بقتله وهو المماثل له في حاله ففيه القسامة وهذا قول الشافعي وأصحاب الرأي وقال الزهري والثوري ومالك والأوزاعي لا قسامة في العبد فإنه مال فلم تجب القسامة فيه كقتل البهيمة ولنا إنه قتل موجب للقصاص فأوجب القسامة كقتل الحر وفارق البهيمة فإنها لا قصاص فيها ويقسم على العبد سيده لأنه المستحق لدمه وأم الولد والمدبر والمكاتب والمعلق عتقه بصفة كالقن لأن الرق ثابت فيهم وإن كان القاتل ممن لا قصاص عليه كالمسلم يقتل كافرا والحر يقتل عبدا فلا قسامة فيه في ظاهر قول الخرقي وهو قول مالك لأن القسامة إنما تكون فيما يوجب القود وقال القاضي فيهما القسامة وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي لأنه قتل آدمي يوجب الكفارة فشرعت القسامة فيه كقتل الحر المسلم ولأن ما كان حجة في قتل الحر المسلم كان حجة في قتل العبد الكافر كالبينة ولنا إنه قتل لا يوجب القصاص فأشبه قتل البهيمة ولا يلزم من شرعها فيما يوجب القصاص شرعها مع عدمه بدليل أن العبد إذا اتهم بقتل سيده شرعت القسامة إذا كان القتل موجبا للقصاص ذكره القاضي لأنه لا يجوز قتله قبل ذلك ولو لم يكن موجبا للقصاص لم تشرع القسامة فصل وإن قتل عبد المكاتب فللمكاتب أن يقسم على الجاني لأنه ملك للعبد يملك التصرف فيه وفي بدله وليس لسيده انتزاعه منه وله شراؤه منه ولو اشترى المأذون له في التجارة عبدا فقتل فالقسامة لسيده دونه لأن ما يبتاعه المأذون يملكه سيده دونه ولهذا يملك انتزاعه منه وإن عجز المكاتب قبل أن يقسم فلسيده أن يقسم لأنه صار المستحق لبدل المقتول بمنزلة ورثة الحر إذا مات قبل أن يقسم ولو ملك السيد عبده أو أم ولده عبدا فقتل فالقسامة للسيد سواء قلنا يملك العبد بالتمليك أو لا يملك لأنه إن لم يملك فالملك لسيده وإن ملك فهو ملك غير ثابت ولهذا يملك سيده انتزاعه منه ولا يجوز له التصرف بغير إذن سيده بخلاف المكاتب وإن أوصى لأم ولده ببدل العبد صحت الوصية وإن كان لم يجب بعد كما تصح الوصية بثمرة لم تخلق والقسامة للورثة لأنهم القائمون مقام الموصي في إثبات حقوقه فإذا حلفوا ثبت لها البدل بالوصية وإن لم يحلفوا لم يكن لها أن تحلف كما إذا امتنع الورثة من اليمين مع الشاهد لم يكن للغرماء أن يحلفوا معه فصل والمحجور عليه لسفه أو فلس كغير المحجور عليه في دعوى القتل والدعوى عليه إلا إذا أقر بمال أو لزمته الدية بالنكول عن اليمين لم يلزمه في حال حجره لأن إقراره بالمال في الحال غير مقبول بالنسبة إلى أخذ شيء من ماله في الحال على ما عرف في موضعه فصل ولو جرح مسلم فارتد ومات على الردة فلا قسامة فيه لأن نفسه غير مضمونة وإنما يضمن الجرح ولا قسامة فيما دون النفس ولأن ماله يصير فيئا والفيء ليس له مستحق معين فتثبت القسامة له وإن مات مسلما فارتد وارثه قبل القسامة فقال أبو بكر ليس له أن يقسم وإن أقسم لم يصح لأن ملكه يزول من ماله وحقوقه فلا يبقى مستحقا للقسامة وهذا قول المزني ولأن المرتد قد أقام على الشرك الذي لا ذنب أعظم منه فلا يستحق بيمينه دم مسلم ولا يثبت بها قتل وقال القاضي الأولى أن تعرض عليه القسامة فإن أقسم وجبت الدية وهذا قول الشافعي لأن استحقاق المال بالقسامة حق عليه فلا يبطل بردته كاكتساب المال بوجوه الاكتساب وكفره لا يمنع يمينه فإن الكافر تصح يمينه وتعرض عليه الدعاوى فإن حلف ثبت القصاص أو الدية فإن عاد إلى الإسلام كان له

Section V08/P396–V08/P397

وإن مات كان فيئا والصحيح إن شاء الله ما قال أبو بكر لأن مال المرتد إما أن يكون ملكه قد زال عنه وإما موقوف وحقوق المال حكمها حكمه فإن قلنا بزوال ملكه فلا حق له وإن قلنا هو موقوف فهو قبل انكشاف حاله مشكوك فيه فلا يثبت الحكم بشيء مشكوك فيه فكيف وقتل المسلم أمر كبير لا يثبت مع الشبهات ولا يستوفي مع الشك وأما إن ارتد قبل موت موروثه لم يكن وارثا ولا حق له وتكون القسامة لغيره من الوارث وإن لم يكن للميت وارث سواه فلا قسامة فيه لما ذكرنا وإن عاد إلى الإسلام قبل قسامة غيره فقياس المذهب أنه يدخل في القسامة لأنه متى رجع قبل قسم الميراث قسم له وقال القاضي لا تعود القسامة إليه لأنها استحقت على غيره وإن ارتد رجل فقتل عبده أو قتل ثم ارتد فهل له أن يقسم على وجهين بناء على الاختلاف المتقدم فإن عاد إلى الإسلام عادت القسامة لأنه يستحق بدل العبد فصل ولا قسامة فيما دون النفس من الأطراف والجوارح ولا أعلم بين أهل العلم في هذا خلافا وممن قال لا قسامة في ذلك مالك وأبو حنيفة والشافعي وذلك لأن القسامة تثبت في النفس لحرمتها فاختصت بها دون الأطراف كالكفارة ولأنها تثبت حيث كان المجني عليه لا يمكنه التعبير عن نفسه وتعيين قاتله ومن قطع طرفه يمكنه ذلك وحكم الدعوى فيه حكم الدعوى في سائر الحقوق والبينة على المدعي واليمين على من أنكر يمينا واحدة ولأنها دعوى لا قسامة فيها فلا تغلظ بالعدد كالدعوى في المال مسألة قال ( وليس للأولياء أن يقسموا على أكثر من واحد ) لا يختلف المذهب أنه لا يستحق بالقسامة أكثر من قتل واحد وبهذا قال الزهري ومالك وبعض أصحاب الشافعي وقال بعضهم يستحق بها قتل الجماعة لأنها بينة موجبة للقود فاستوى فيها الواحد والجماعة كالبينة وهذا نحو قول أبي ثور ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع إليكم برمته فخص بها الواحد ولأنها بينة ضعيفة خولف بها الأصل في قتل الواحد فيقتصر عليه ويبقى على الأصل فيما عداه وبيان مخالفة الأصل بها أنها تثبت باللوث واللوث شبهة مغلبة على الظن صدق المدعي والقود يسقط بالشبهات فكيف يثبت بها ولأن الأيمان في سائر الدعاوى تثبت ابتداء في جانب المدعى عليه وهذا بخلافه وبيان ضعفها أنها تثبت بقول المدعي ويمينه مع التهمة في حقه والشك في صدقه وقيام العداوة المانعة من صحة الشهادة عليه في إثبات حق لغيره فلأن يمنع من قبول قوله وحده في إثبات حقه لنفسه أولى وأحرى وفارق البينة فإنها قويت بالعدد وعدالة الشهود وانتفاء التهمة في حقهم من الجهتين في كونهم لا يثبتون لأنفسهم حقا ولا نفعا ولا يدفعون عنها ضرا ولا عداوة بينهم وبين المشهود عليه ولهذا يثبت بها سائر الحقوق والحدود التي تنتفي بالشبهات إذا ثبت هذا فلا قسامة فيما لا قود فيه في قول الخرقي فيطرد قوله في أن القسامة لا تشرع إلا في حق واحد وعند غيره أن القسامة تجري فيما لا قود فيه فيجوز أن يقسموا في هذا على جماعة وهذا قول مالك والشافعي فعلى هذا إن ادعى على اثنين على أحدهما لوث حلف على من عليه اللوث خمسين يمينا واستحق نصف الدية عليه وحلف الآخر يمينا واحدة وبرىء وإن نكل عن اليمين فعليه نصف الدية وإن ادعى على ثلاثة عليهم لوث ولم يحضر إلا واحد منهم حلف على الحاضر منهم خمسين يمينا واستحق ثلث الدية فإذا حضر الثاني ففيه وجهان أحدهما يحلف عليه خمسين يمينا أيضا ويستحق ثلث الدية لأن الحق لا يثبت على أحد الرجلين إلا بما يثبت على الآخر كالبينة فإنه يحتاج إلى إقامة البينة الكاملة على الثاني كإقامتها على الأول

Section V08/P397–V08/P398

والثاني يحلف عليه خمسا وعشرين يمينا لأنهما لو حضرا معا لحلف عليهما خمسين يمينا حصة هذا منها خمس وعشرون وهذا الوجه ضعيف فإن اليمين لا تقسم عليهم إذا حضروا ولو حلف كل واحد منفردا حصته من الأيمان لم يصح ولم يثبت له حق وإنما الأيمان عليهم جميعا وتتناولهم تناولا واحدا ولأنها لو قسمت عليهم بالحصص لوجب أن لا يقسم على الأول أكثر من سبع عشرة يمينا وكذلك على الثاني لأن هذا القدر هو حصة من الأيمان فعلى كلا التقديرين لا وجه لحلفه خمسا وعشرين يمينا وإن قيل إنما حلف بقدر حصته وحصة الثالث فينبغي أن يحلف أربعا وثلاثين وإذا قدم الثالث ففيه الوجهان أصحهما يحلف عليه خمسين يمينا ويستحق ثلث الدية والآخر يحلف سبع عشرة يمينا وإن حضروا جميعا حلف عليهم خمسين يمينا واستحق الدية عليهم أثلاثا وهذا التفريع يدل على اشتراط حضور المدعى عليه وقت الأيمان وذلك لأنها أقيمت مقام البينة فاشترط حضور من أقيمت عليه كالبينة وكذلك إن ردت الأيمان على المدعى عليهم اشترط حضور المدعين وقت حلف المدعى عليهم لأن الأيمان له عليهم فيعتبر رضاه بها وحضوره إلا أن يوكل وكيلا فيقوم حضوره مقام موكله فصل وإن قال المدعي قتله هذا ورجل آخر لا أعرفه وكان على المعين لوث أقسم عليه خمسين يمينا واستحق نصف الدية فإن تعين له الآخر حلف عليه واستحق نصف الدية وإن قال قتله هذا ونفر لا أعلم عددهم لم تجب القسامة لأنه لا يعلم كم حصته من الدية فصل ولا تسمع الدعوى إلا محررة بأن يقول ادعى أن هذا قتل ولي فلان ابن فلان عمدا أو خطأ أو شبه العمد ويصف القتل فإن كان عمدا قال قصد إليه بسيف أو بما يقتل مثله غالبا فإن كانت الدعوى على واحد فأقر ثبت القتل وإن أنكر وثم بينة حكم بها وإلا صار الأمر إلى الأيمان وإن كانت الدعوى على أكثر من واحد لم يخل من أربعة أحوال أحدها أن يقول قتله هذا وهذا تعمد قتله ويصف العمد بصفته فيقال له عين واحدا فإن القسامة الموجبة للقود لا تكون على أكثر من واحد الحال الثاني أن يقول تعمد هذا وهذا كان خاطئا فهو يدعي قتلا غير موجب للقود فيقسم عليهما ويأخذ نصف الدية من مال العامد ونصفها من عاقلة المخطىء الحال الثالث أن يقول عمد هذا ولا أدري أكان قتل الثاني عمدا أو خطأ فقيل لا تسوغ القسامة هاهنا لأنه يحتمل أن يكون الآخر مخطئا فيكون موجبها الدية عليهما ويحتمل أن يكون عامدا فلا تسوغ القسامة عليهما ويجب تعيين واحد والقسامة عليه فيكون موجبها القود فلم تجز القسامة مع هذا فإن عاد فقال علمت أن الآخر كان عامدا فله أن يعين واحدا ويقسم عليه وإن قال كان مخطئا ثبتت القسامة حينئذ ويسأل فإن أنكر ثبتت القسامة وإن أقر ثبت عليه القتل ويكون عليه نصف الدية في ماله لأنه ثبت بإقراره لا بالقسامة وقال القاضي يكون على عاقلته والأول أصح لأن العاقلة لا تحمل اعترافا الحال الرابع أن يقول قتلاه خطأ أو شبه عمد أو أحدهما خاطىء والآخر شبه العمد فله أن يقسم عليهما فإن ادعى أنه قتل وليه عمدا فسئل عن تفسير العمد ففسره بعمد الخطأ قبل تفسيره وأقسم على ما فسره به لأنه أخطأ في وصف القتل بالعمدية ونقل المزني عن الشافعي لا يحلف عليه لأنه بدعوى العمد برأ العاقلة فلا تسمع دعواه بعد ذلك ما يوجب عليهم المال ولنا إن دعواه قد تحررت وإنما غلط في تسمية شبه العمد عمدا وهذا مما يشتبه فلا يؤاخذ به ولو أحلفه الحاكم قبل تحرير الدعوى وتبين نوع القتل لم يعتد باليمين لأن الدعوى لا تسمع غير محررة فكأنه حلفه قبل الدعوى ولأنه إنما يحلفه ليوجب له ما يستحقه فإذا لم يعلم ما يستحقه بدعواه لم يحصل المقصود باليمين فلم يصح

Section V08/P398–V08/P399

فصل قال القاضي يجوز للأولياء أن يقسموا على القاتل إذا غلب على ظنهم أنه قتله وإن كانوا غائبين عن مكان القتل لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار تحلفون وتستحقون دم صاحبكم وكانوا بالمدينة والقتل بخيبر ولأن الإنسان يحلف على غالب ظنه كما أن من اشترى من إنسان شيئا فجاء آخر يدعيه جاز أن يحلف أنه لا يستحقه لأن الظاهر أنه ملك الذي باعه وكذلك إذا وجد شيئا بخطه أو خط أبيه ودفتره جاز له أن يحلف وكذلك إذا باع شيئا لم يعلم فيه عيبا فادعى عليه المشتري أنه معيب وأراد رده كان له أن يحلف أنه باعه بريئا من العيب ولا ينبغي أن يحلف المدعي إلا بعد الاستثبات وغلبة ظن يقارب اليقين وينبغي للحاكم أن يقول لهم اتقوا الله واستثبتوا ويعظهم ويحذرهم ويقرأ عليهم إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا آل عمران 77 ويعرفهم ما في اليمين الكاذبة وظلم البريء وقتل النفس بغير الحق ويعرفهم أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة وهذا كله مذهب الشافعي فصل ويستحب أن يستظهر في ألفاظ اليمين في القسامة تأكيدا فيقول والله الذي لا إله إلا هو عالم خائنة الأعين وما تخفي الصدور فإن اقتصر على لفظة الله كفى أو بقول والله أو بالله أو تالله بالجر كما تقضيه العربية فإن قاله مضموما أو منصوبا فقد لحن قال القاضي ويجزئه تعمده أو لم يتعمده لأنه لحن لا يحيل المعنى وهو قول الشافعي وما زاد على هذا تأكيد ويقول لقد قتل فلان بن فلان الفلاني ويشير إليه فلانا ابني أو أخي منفردا بقتله ما شركه غيره وإن كانا اثنين قال منفردين ما شركهما غيرهما ثم يقول عمدا أو خطأ وبأي اسم من أسماء الله أو صفة من صفات ذاته حلف أجزأ إذا كان إطلاقه ينصرف إلى الله تعالى ويقول المدعى عليه في اليمين والله ما قتلته ولا شاركت في قتله ولا أحدثت شيئا مات منه ولا كان سببا في موته ولا معينا على موته مسألة ( ومن قتل نفسا محرمة أو شارك فيها أو ضرب بطن امرأة فألقت جنينا ميتا وكان الفعل خطأ فعلى القاتل عتق رقبة مؤمنة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وعن أبي عبد الله رحمه الله رواية أخرى أن على قاتل العمد تحرير رقبة مؤمنة ) الأصل في كفارة القتل قوله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة النساء 92 الآية وأجمع أهل العلم على أن على القاتل خطأ كفارة سواء كان المقتول ذكرا أو أنثى وتجب في قتل الصغير والكبير سواء باشره بالقتل أو تسبب إلى قتله بسبب يضمن به النفس كحفر البئر ونصب السكين وشهادة الزور وبهذا قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة لا تجب بالتسبب لأنه ليس بقتل ولأنه ضمن بدله بغير مباشرة للقتل فلم تلزمه الكفارة كالعاقلة ولنا إنه كالمباشرة في الضمان فكان كالمباشرة في الكفارة ولأنه سبب لإتلاف الآدمي يتعلق به ضمانه فتعلقت به الكفارة كما لو كان راكبا فأوطأ دابته إنسانا وقياسهم ينتقد بالأب إذا أكره إنسانا على قتل ابنه فإن الكفارة تجب عليه من غير مباشرة وفارق العاقلة فإنها تتحمل عن غيرها ولم يصدر منها قتل ولا تسبب إليه وقولهم ليس بقتل ممنوع قال القاضي ويلزم الشهود الكفارة سواء قالوا أخطأنا أو تعمدنا وهذا يدل على أن القتل بالسبب تجب به الكفارة بكل حال ولا يعتبر فيه الخطأ والعمد لأنه إن قصد به القتل فهو جار مجرى الخطأ في أنه لا يجب به القصاص فصل وتجب الكفارة بقتل العبد وبه قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك لا تجب به لأنه مضمون بالقيمة أشبه البهيمة ولنا عموم قوله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة النساء 92 لأنه يجب القصاص بقتله فتجب الكفارة به كالحر ولأنه مؤمن فأشبه الحر ويفارق البهائم بذلك فصل وتجب بقتل الكافر المضمون سواء كان ذميا أو مستأمنا وبهذا قال أكثر أهل العلم

Section V08/P399–V08/P401

وقال الحسن ومالك لا كفارة فيه لقوله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة النساء 92 فمفهومه أن لا كفارة في غير المؤمن ولنا قوله تعالى وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة النساء 92 والذمي له ميثاق وهذا منطوق يقدم على دليل الخطاب ولأنه آدمي مقتول ظلما فوجبت الكفارة بقتله كالمسلم فصل وإذا قتل الصبي والمجنون وجبت الكفارة في أموالهما وكذلك الكافر وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا كفارة على واحد منهم لأنها عبادة محضة تجب بالشرع فلا تجب على الصبي والمجنون والكافر كالصلاة والصيام ولنا إنه حق مالي يتعلق بالقتل فتعلقت بهم كالدية وتفارق الصوم والصلاة لأنهما عبادتان بدنيتان وهذه مالية أشبهت نفقات الأقارب وأما كفارة اليمين فلا تجب على الصبي والمجنون لأنها تتعلق بالقول ولا قول لهما وهذه تتعلق بالفعل وفعلهما متحقق قد أوجب الضمان عليهما ويتعلق بالفعل ما لا يتعلق بالقول بدليل أن العتق يتعلق بأحبالهما دون إعتاقهما بقولهما وأما الكافر فتجب عليه وتكون عقوبة عليه كالحدود فصل ومن قتل في دار الحرب مسلما يعتقده كافرا أو رمى إلى صف الكفار فأصاب فيهم مسلما فقتله فعليه كفارة لقوله تعالى فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة النساء 92 فصل ومفهوم كلام الخرقي أن كل قتل مباح لا كفارة فيه كقتل الحربي والباغي والزاني المحصن والقتل قصاصا أو حدا لأنه قتل مأموربه والكفارة لا تجب لمحو المأمور به وأما الخطأ فلا يوصف بتحريم ولا إباحة لأنه كفعل المجنون والبهيمة لكن النفس الذاهبة به معصومة محرمة محترمة فلذلك وجبت الكفارة فيها وقال قوم الخطأ محرم ولا إثم فيه وقيل ليس بمحرم لأن المحرم ما أثم فاعله وهذا لا إثم فيه وقوله تعالى وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ النساء 92 هذا استثناء منقطع وإلا في موضع لكن التقدير لكن قد يقتله خطأ وقيل إلا بمعنى ولا أي ولا خطأ وهذا يبعد لأن الخطأ لا يتوجه إليه النهي لعدم إمكان التحريم منه وكونه لا يدخل تحت الوسع ولأنها لو كانت بمعنى ولا كانت عاطفة للخطأ على ما قبله وليس قبله ما يصلح عطفه عليه وأما قتل نساء أهل الحرب وصبيانهم فلا كفارة فيه لأنه ليس لهم أيمان ولا أمان وإنما منع من قتلهم لانتفاع المسلمين بهم لكونهم يصيرون بالسبي رقيقا ينتفع بهم وكذلك قتل من لم تبلغه الدعوة لا كفارة فيه لذلك ولذلك لم يضمنوا بشيء فأشبهوا من قتله مباح فصل ومن قتل نفسه خطأ وجبت الكفارة في ماله وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا تجب لأن ضمان نفسه لا يجب فلم تجب الكفارة كقتل نساء أهل الحرب وصبيانهم ولنا عموم قوله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة النساء 92 ولأنه آدمي مؤمن مقتول خطأ فوجبت الكفارة على قاتله كما لو قتله غيره والأول أقرب إلى الصواب إن شاء الله فإن عامر بن الأكوع قتل نفسه خطأ ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم فيه بكفارة وقوله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ النساء 92 إنما أريد بها إذا قتل غيره بدليل قوله ودية مسلمة إلى أهله النساء 92 وقاتل نفسه لا تجب فيه دية بدليل قتل عامر بن الأكوع فصل ومن شارك في قتل يوجب الكفارة لزمته كفارة ويلزم كل واحد من شركائه كفارة وهذا قول أكثر أهل العلم منهم الحسن وعكرمة والنخعي والحارث العكلي والثوري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي وحكى أبو الخطاب عن أحمد رواية أخرى أن على الجميع كفارة واحدة وهو قول أبي ثور وحكي عن الأوزاعي وحكاه أبو علي الطبري عن الشافعي وأنكره سائر أصحابه واحتج لمن أوجب كفارة واحدة بقوله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة النساء 92 ومن يتناول الواحد والجماعة ولم يوجب إلا كفارة واحدة ودية والدية لا تتعدد فكذلك الكفارة ولأنها كفارة قتل فلم تتعدد بتعدد القاتلين مع اتحاد المقتول ككفارة الصيد الحرمي

Section V08/P401–V08/P402

ولنا إنها لا تتبعض وهي من موجب قتل الآدمي فكملت في حق كل واحد من المشتركين كالقصاص وتخالف كفارة الصيد فإنها تجب بدلا ولهذا تجب في أبعاضه وكذلك الدية فصل إذا ضرب بطن امرأة فألقت جنينا ميتا فعليه الكفارة به قال الحسن وعطاء والزهري والنخعي والحاكم وحماد ومالك والشافعي وإسحاق وقال أبو حنيفة لا تجب وقد مضت هذه المسألة في دية الجنين فصل والمشهور في المذهب أنه لا كفارة في قتل العمد وبه قال الثوري ومالك وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي وعن أحمد رواية أخرى تجب فيه الكفارة وحكي ذلك عن الزهري وهو قول الشافعي لما روى واثلة بن الأسقع قال أتينا النبي صلى الله عليه وسلم بصاحب لنا قد أوجب بالقتل فقال أعتقوا عنه رقبة يعتق الله تعالى بكل عضو منها عضوا منه من النار ولأنها إذا وجبت في قتل الخطأ ففي العمد أولى لأنه أعظم إثما وأكبر جرما وحاجته إلى تكفير ذنبه أعظم ولنا مفهوم قوله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة النساء 92 ثم ذكر قتل العمد ولم يوجب فيه كفارة وجعل جزاءه جهنم فمفهومه أنه لا كفارة فيه وروي أن سويد بن الصامت قتل رجلا فأوجب النبي صلى الله عليه وسلم القود ولم يوجب كفارة وعمرو بن أمية الضمري قتل رجلين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فوداهما النبي صلى الله عليه وسلم ولم يوجب كفارة ولأنه فعل يوجب القتل فلا يوجب كفارة كزنا المحصن وحديث واثلة يحتمل أنه كان خطأ وسماه موجبا أي فوت النفس بالقتل ويحتمل أنه كان شبه عمد ويحتمل أنه أمرهم بالإعتاق تبرعا ولذلك أمر غير القاتل بالإعتاق وما ذكروه من المعنى لا يصح لأنها وجبت في الخطأ فتمحو إثمه لكونه لا يخلو من تفريط فلا يلزم من ذلك إيجابها في موضع عظم الإثم فيه بحيث لا يرتفع بها إذا ثبت هذا فلا فرق بين العمد الموجب للقصاص وما لا قصاص فيه كقتل الوالد ولده والسيد عبده والحر العبد والمسلم الكافر لأن هذا من أنواع العمد فصل وتجب الكفارة في شبه العمد ولم أعلم لأصحابنا فيه قولا لكن مقتضى الدليل ما ذكرناه ولأنه أجري مجرى الخطأ في نفي القصاص وحمل العاقلة ديته وتأجيلها في ثلاث سنين فجرى مجراه في وجوب الكفارة ولأن القاتل إنما لم يحمل شيئا من الدية لتحمله الكفارة فلو لم تجب عليه الكفارة تحمل من الدية لئلا يخلو القاتل عن وجوب شيء أصلا ولم يرد الشرع بهذا فصل وكفارة القتل عتق رقبة مؤمنة بنص الكتاب سواء كان القاتل أو المقتول مسلما أو كافرا فإن لم يجدها في ملكه فاضلة عن حاجته أو يجد ثمنها فاضلا عن كفايته فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وهذا ثابت بالنصف أيضا فإن لم يستطع ففيه روايتان إحداهما يثبت الصيام في ذمته ولا يجب شيء آخر لأن الله تعالى لم يذكره ولو وجب لذكره والثاني يجب إطعام ستين مسكينا لأنها كفارة فيها عتق وصيام شهرين متتابعين فكان فيها إطعام ستين مسكينا عند عدمها ككفارة الظهار والفطر في رمضان وإن لم يكن مذكورا في نص القرآن فقد ذكر ذلك في نظيره فيقاس عليه فعلى هذه الرواية إن عجز عن الإطعام ثبت في ذمته حتى يقدر عليه وللشافعي قولان في هذا كالروايتين والله أعلم مسألة قال ( وما أوجب القصاص فلا يقبل فيه إلا عدلان ) وجملته أن ما أوجب القصاص في نفس كالقتل العمد العدوان من المكافىء أو في طرف كقطعه من مفصل عمدا ممن يكافئه فلا يقبل فيه إلا شهادة رجلين عدلين ولا يقبل فيه شهادة رجل وامرأتين ولا شاهد ويمين الطالب لا نعلم في هذا بين أهل العلم خلافا وذلك لأن القصاص إراقة دم عقوبة على جناية فيحتاط له باشتراط الشاهدين العدلين كالحدود وسواء كان القصاص يجب على مسلم أو كافر أو حر أو عبد لأن العقوبة يحتاط لدرئها وقد روي عن أبي عبد الله رحمه الله رواية أخرى أنه لا يقبل في الشهادة على القتل إلا شهادة أربعة

Section V08/P402–V08/P403

وهذا مذهب الحسن لأنها شهادة يثبت بها القتل فلم يقبل أقل من أربعة كالشهادة على الزنا من المحصن ولنا إنه أحد نوعي القصاص فيقبل فيه اثنان كقطع الطرف وفارق الزنا فإنه مختص بهذا وليست العلة كونه قتلا بدليل وجوب الأربعة في زنا البكر ولا قتل فيه ولأنه انفرد بوجوب الحد على الرامي به والشهود وإذا لم تكمل شهادتهم فلم يجز أن يلحق به ما ليس مثله مسألة قال ( وما أوجب من الجنايات المال دون القود قبل فيه رجل وامرأتان أو رجل عدل مع يمين الطالب ) وجملته أن ما كان موجبه المال كقتل الخطأ وشبه العمد في حق من لا يكافئه والجائفة والمأمومة وما دون الموضحة وشريك الخطائ وأشباه هذا فإنه يقبل فيه شهادة رجل وامرأتين وشهادة عدل ويمين الطالب وهذا مذهب الشافعي وقال أبو بكر لا يثبت أيضا إلا بشهادة عدلين ولا تسمع فيه شهادة النساء ولا شاهد يمين لأنها شهادة على قتل أو جناية على آدمي فلم تسمع من النساء كالقسم الأول يبين صحة هذا أنه ما لم يكن للنساء مدخل في القسامة في العمد ولم يكن لهن مدخل في القسامة على الخطأ وشبه العمد الموجب للمال فيدل هذا على أنهن لا مدخل لهن في الشهادة على دم بحال ولنا إنها شهادة على ما يقصد به المال على الخصوص فوجب أن تقبل كالشهادة على البيع والإجارة وفارق قتل العمد فإنه موجب للعقوبة التي يحتاط بإسقاطها فاحتيط في الشهادة على أسبابها وفي مسألتنا المقصود تقبل شهادتين فيه فقبلت شهادتهن على سببه فصل ولو ادعى جناية عمد وقال عفوت عن القصاص فيها لم يقبل فيه شاهد وامرأتان لأنه إنمنا يعفو عن شيء ثبت له ولا يثبت ذلك القتل بتلك الشهادة وإن ثبت القتل إما بشاهدين أو بإقرار المدعى عليه صح العفو لأن الحق ثبت له بوجود القتل وإنما خفي ثبوته عمن لم يعلم ذلك فإذا علم ذلك علم أنه كان ثابتا من حين وجد القتل فيكون العفو مصادفا لحقه الثابت فينفذ كما لو أعتق عبدا ينازعه فيه منازع ثم ثبت أنه كان ملكه حين العتق فصل ولو ادعى جناية عمد وقال عفوت عن القصاص فيها لم يقبل فيه شاهد وامرأتان لأنه إنما يعفو عن شيء ثبت له ولا ثبت ذلك القتل بتلك الشهادة وإن ثبت القتل إما بشاهدين أو بإقرار المدعى عليه صح العفو لأن الحق ثبت له بوجود القتل وإما بشاهدين أو بإقرار المدعى عليه صح العفو لأن الحقب ثبت له بوجود القتل وإنما خفي ثبوته عمن لم يعلم ذلك فإذا علم ذلك علم أنه كان ثابتا من حين وجد القتل فيكون العفو مصادفا لحقه الثابت فينفذ كما لو أعتق عبدا ينازعه فيه منازع ثم ثبت أنه كان ملكه حين العقت

Section V08/P403–V08/P404

فصل ولا يثبت القتل بالشهادة إلا مع زوال الشبهة في لفظ الشاهدين نحو أن يقولا نشهد أنه ضربه فقتله أو فمات منه فإن قالا ضربه بالسيف فمات أو فوجدناه ميتا أو فمات عقيبه أو قالا ضربه بالسيف فاسأل دمه أو فأنهر دمه فمات مكانه لم يثبت القتل لجواز أن يكون مات عقيب الضرب بسبب آخر قود روي عن شريح أنه شهد عنده رجل بالقتل فقال أشهد أنه اتكأ عليه بمرفقه فمات فقال له شريح فمات منه فأعاد الرجل قوله الأول فقال له شريح قم فلا شهادة لك وإن كانت الشهادة بالجرح فقالا ضربه فأوضحه أو فاتضح منه أو فوجدناه موضحا من الضربة قبلت شهادتهما وإن قالا ضربه فاتضح رأسه أو وجدناه موضحا أو فاسأل دمه ووجدنا في رأسه موضحة لم يثبت الإيضاح لجواز أن يتضح عقيب ضربه بسبب آخر ولا بد من تعيين الموضحة في إيجاب القصاص لأنه إن كان في رأسه موضحتان فيحتاجان إلى بيان ما شهدا به منهما وإن كانت واحدة فيحتمل أن يكون قد أوسعها غير المشهود عليه فيجب أن يعينها الشاهدان فيقولان هذه وإن قالا أوضحه في موضع كذا من رأسه موضحة قدر مساحتها كذا وكذا قبلت شهادتهما وإن قالا لا نعلم قدرها أو موضعها لم يحكم بالقصاص لأنه يعتذر مع الجهالة وتجب الدية لأنها لا تختلف باختلافها وإن قالا ضرب رأسه فأسال دمه كانت بازلة وإن قالا فسال دمه لم يثبت شيء لجواز أن يسيل دمه بسبب آخر وإن قالا نشهد أنه ضرب فقطع يده ولم يكن أقطع اليدين قبلت شهادتهما وثبت القصاص لعدم الاشتباه وإن كان أقطع اليدين ولم يعينا المقطوعة لم يثبت القصاص لأنهما لم يعينا اليد التي يجب القصاص منها وتجب دية اليدين لأنها لا تختلف باختلاف اليدين فصل إذا شهد أحدهما أنه أقر بقتله عمدا وشهد الآخر أنه أقر بقتله ولم يقل عمدا ولا خطأ ثبت القتل لأن البينة قد تمت عليه ولم تثبت صفته لعدم تمامها عليه ويسأل المشهدو عليه عن صفته فإن أنكر أصل القتل لم يقبل إنكاره لقيام البينة به وإن أقر بقتل العمد ثبت بإقراره وءن أقر بقتل الخطأ وأنكر الولي فالقول قول القاتل وهل يستحلف على ذلك ويخرج فيه وجهان وإن صدقه الولي على الخطأ ثبت عليه وإن أقر بقتل العمد وكذبه الولي وقال بل كان خطأ لم يجب القود لأن الولي لا يدعيه وتجب دية الخطأ ولا تحمل العاقلة شيئا من ديته في هذه المواضع كلها وتكون في ماله لأنها لم تثبت ببينة وفي بعضها القاتل مقر بأنها في ماله دون مال عاقلته وإن قال أحد الشاهدين أشهد أنه أقر بقتله عمدا وقال الآخر أشهد أنه أقر بقتله خطأ ثبت القتل أيضا لأنه لا تنافي بين شهادتيهما لأنه يجوز أن يقر عند أدهما بقتلا العمد ويقر عند الآخر بقتل الخطأ فثبت إقراره بالقتل دون صفته ويطالب ببيان صفته على ما ذكرنا في التي قبلها وإن شهد أحدهما أنه قتله عمدا وشهد الآخر أنه قتله خطأ ثبت القتل أيضا دون صفته ويطالب ببيان صفته على ما ذكرنا لأن الفعل قد يعتقده أحدهما خطأ والآخر عشية وقال أحدهما قتله بسيف وقال الآخر بصعا لم تتم الشهادة ذكره القاضي لأن كل واحد منهما يخالف صاحبه ويكذبه وهذا مذهب الشافعي وقال أبو بكر يثبت القتل بذلك لأنهما اتفقا على القتل واختلفا في صفته فأشبه التي قبلها والأول أصح لأن كل واحد من الشاهدين يكذب صاحبه فإن القتل غدوة غير القتل عشية ولا يتصور أن يقتل غدوة ثم يقتل عشية ولا أني قتل بسيف ثم يقتل بعصا بخلاف العمد والخطؤ لأن الفعل واحد والخلاف في نيته وقصده وقد يخفى ذلك على أحدهما دون الآخر وإن شهد أحدهما أنه قتله وشهد الآخر أنه أقر بقتله ثبت القتل نص عليه أحمد واختاره أبو بكر واختار القاضي أنه لا يثبت وهو مذهب الشافعي لأن أحدهما شهد بغير ما شهد به الآخر فلم تتفق شهادتهما على فعل واحد

Section V08/P404–V08/P405

ولنا إن الذي أقر به هو القتل الذي شهد به الشاهد فلا تنافي بينهما فيثبت بشهادتهما كما لو شهد أحدهما بالقتل عمدا والآخر بالقتل خطأ أو كما لو شهد أحدهما أن له عليه ألفا وشهد الآخر أنه أقر بألف له فصل إذا قتل رجل عمدا قتلا يوجب القصاص سواء كان الشاهد عدلا أو فاسقا لأن شهادته تضمنت سقوط حقه من القصاص وقوله مقبول في ذلك فإن أحد الوليين إذا عفا عن حقه سقط القصاص كله ويشبه هذا ما لو كان عبد بين شريكين فشهد أحدهما أن شريكه أعتق نصيبه وهو موسى عتق نصيبه وإن أنكره الآخر فإن كان الشاهد بالعفو عن القصاص والما للم يسقط المال لأن الشاهد اعترف أن نصيبه سقط بغير اختياره فأما نصيب المشهود عليه فإن كان الشاهد ممن لا تقبل شهادته فالقول قول المشهود عليه مع يمينه فإذا حلف ثبت حصته من الدية وءن كان الشاهد مقبول القول حلف الجاني معه وسقط عنه الحق المشهود عليه ويحلف الجاني أنه عفا عن الدية ولا يحتاج إلى ذكر العفو عن القصاص لأنه قد أسقط بهشادة الشاهد فلا يحتاج إلى ذكره في اليمين ولأنه إنما يحلف على ما يدعى عليه ولا يدعى عليه غير الدية فصل وإذا جرح رجل فشهد له رجلان من ورثته غير الوالدين والمولودين نظرت فإن كانت الجرح مندملة فشهادتهما مقبولة لأنهما لا يجران إلى أنفسهما نفعا وإن كانت غير مندملة لم يحكم بشهادتهما لجواز أن تصير نفسا فتجب الدية لهما بشهادتهما فإن شهدا في تلك الحال وردت شهادتهما ثم اندملت فأعادا شهادتهما فهل تقبل على وجهين أحدهما لا تقبل لأن الشهادة ردت التهمة فلا تقبل وإن زالت التهمة كالفاسق إذا أعاد شهادته المردودة بعد عدالته والثاني تقبل لأن سبب التهمة قد تحقق زواله وللشافعي وجهان كهذين وإن شهد وارثا المريض بمال ففي قبول شهادتهما له وجهان أحدهما تقبل لأنهما يثبتان المال للمريض وإن مات انتقل إليهما عنه فأشبهت الشهادة للصحيح بخلاف الجناية فإنها إذا صارت نفسا وجبت الدية لهما به والوجه الثاني لا تقبل لأنه متى ثبت المال للمريض تعلق حق ورثته به ولهذا لا ينفذ تبرغه فيه فيما زاد على الثلث وإن شهد للمجروح بالجرح من لا يرثه لكونه محجوبا كالأخوين يشهدان لأخيهما وله ابن سمعت شهادتهما فإن مات ابنه نظرت فإن كان الحاكم يحكم بشهادتهما لم ينتقض حكمه لأن ما يطرأ بعد الحكم بالشهادة لا يؤثر فيها كالفسف وإن كان ذلك قبل الحكم بالشهادة لم يحكم بها لأنهما صارا مستحقين فلا يحكم بشهادتهما كما لو فسق الشاهدان قبل الحكم بشهادتهم وإن شهد على رجل بالجراح الموجبة للدية على العاقلة كجراحة العمد أو العبد سمعت شهادت العاقلة بجرح الشهود لأنهما لا يدفعان عن أنفسهما ضررا فإن موجب هذه الجراحة القصاص أو المال في ذمة الجاني وكذلك إن كان الشاهدان يشهدان على إقراره بالجرح لأن العاقلة لا تحمل الاعتراف وإن كانت شهادتهما بجراح عقله دون ثلث الدية خطأ نظرنا فإن كانت شهادة العاقلة بجرح الشهود قبل الاندمال لم تقبل لأنها ربما صارت نفسا فتحملها العاقلة وإن كانت بعده قبلت لأنها لا تحمل ما دون الثلث وإن كان الشاهدان بالجرح ليسا من العاقلة في الحال وإنما يصيران من العاقلة التي تتحمل أن لو مات من هو أقرب منهما قبلت شهادتهما ذكره القاضي لأنهما ليسا من العاقلة وإنما يصيران منها بموت القريب والظاهر حياته وفارق الفقير إذا شهد لأن الغني ليست عليه أمارة فإن المال غاد ورائح ومذهب الشافعي في هذا الفصل كله على نحوما ذكرنا ويحتمل أن يسوى بين المسلمين لأن كل واحد منهما ليس من العاقلة في الحال وإنما يصير منها بحدوث أمر لم يتفق الآن سببه فهما سواء واحتمال غنى الفقير كاحتمال موت الحي بل الموت أقرب فإنه لا بد منه وكل حي ميت وكل نفس ذائقة المت وليس كل فقير يستغني فما ثبت في إحدى الصورتين ثبت في الأخرى فيثبت فيهما جميعا وجهان بأن ينقل حكم كل واحدة من الصورتين إلى الأخرى

Section V08/P405–V08/P407

فصل إذا شهد رجلان على رجلين أنهما قتلا رجلا ثم شهد المشهود عليهما على الأولين أنهما اللذان قتلاه فصدق الولي الأولين وكذب الآخرين وجب القتل عليهما لأن الولي يكذبهما وهما يدفعان بشهادتهما عن أنفسهما ضررا وإن صدق الآخرين وحدهما بطلت شهادة الجميع لأن الأولين بذلت شهادتهما لتكذيبه لهما ورجوعه عما شهدا له به والآخران لا تقبل شهادتهما لأنهما عدوان للأولين ولأنهما يددعان عن أنفسهما ضررا وإن صدق الجميع بطلت شهادتهم أيضا لأنه بتصديق الأولين مكذب للآخرين وتصديقه للآخرين تكذيب للأولين وهما متهمان لما ذكرناه فإن قيل كيف نتصور هذه المسألة والشهادة إنما تكون بعد الدعوى فكيف يتصور فرض تصديقهم وتكذيبهم قلنا قد يتصور أن يشهدوا قبل الدعوى إذا لم يعلم الولي من قتله ولهذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قالا خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها وهذا معنى ذلك كتاب قتال أهل البغي والأصل في هذا الباب قول الله سبحانه وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله الحجرات 9 إلى قوله إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم الحجرات 10 ففيها خمس فوائد أحدها أنهم لم يخرجوا بالبغي عن الإيمان فإنه سماهم مؤمنين الثانية أنه أوجب قتالهم الثالثة أنه أسقط قتالهم إذا قاموا إلى أمر الله الرابعة أنه أسقط عنهم التبعة فيما أتلفوه في قتالهم الخامسة أن الآسة أفادة جواز قتال كل من منع حقا عليه وروى عبد الله بن عمرو قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من أعطى إماما صفقة يده وثمرة فؤاده فليطعه ما استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر رواه مسلم وروى عرفجة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ستكون هناتن وهنات ورفع صوته ألا ومن خرج على أمتي وهم جميع فاضربوا عنقه بالسيف كائنا من كان فكل من ثبتت إمامته وجبت طاعته وحرم الخروج عليه وقتاله لقول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم النساء 59 وروى عبادة بن الصامت قال بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره وأن لا ننازع الأمر أهله وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات فميتته جاهلية رواه ابن عبد البر من حديث أبي هريرة وأبي ذر وابن عباس كلها بمعنى واحد وأجمعت الصحابة رضي الله عنهم على قتال البغاة فإن أبا بكر رضي الله عنه قاتل مانعي الزكاة وعلي قاتل أهل الجمل وصفين وأهل النهروان والخارجون عن قبضة الإمام أصناف أربعة أحدهما قوم امتنعوا وخرجوا عن طاعته وخرجوا عن قبضته بغير تأويل فهؤلاء قطاع طريق ساعون في الأرض بالفساد يأتي حكمهم في باب مفرد الثاني قوم لهم تأويل إلى أنهم نفر يسير لا منعة لهم كالواحد والاثنين والعشرة ونحوهم فهؤلاء قطاع طريق في قول أكثر أصحابنا وهو مذهب الشافعي لأن ابنملجم لما جرح عليا قال للحسن إن برئت رأيت رأيي وإن مت فلا تمثلوا به فلم يثبت لفعله حكم البغاة ولأننا لو أثبتنا للعدد اليسير حكم البغاة في سقوط ضمان ما أتلفوه أفضى إلى أتلاف أموال الناس وقال أبو بكر لا فرق بين الكثير والقليل وحكم حكم البغاة إذا خرجوا عن قبضة الإمام

Section V08/P407–V09/P004

الثالث الخوارج الذين يكفرون بالذنب ويكفرون عمان وعليا وطلحة والزبير وكثيرا من الصحابة ويستحلون دماء المسلمين وأموالهم إلا من خرج معهم فظاهر قول الفقهاء من أصحابنا المتأخرين أنهم بغاة حكمهم حكمهم وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وجمهور الفقهاء وكثير من أهل الحديث ومالك يرى استتابتهم فإن تابوا وإلا قتلوا على إفسادهم لا على كفرهم وذهبت طائفة من أهل الحديث إلى أنهم كفار مرتدون حكمهم حكم المرتدين وتباح دماؤهم وأموالهم فإن تحيزوا في مكان وكانت لهم منعة وشوكة صاروا أهل حرب كسائر الكفار وإن كانوا في قبضة الإمام استتابهم كاستتابة المرتدين فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم وكانت أموالهم فيئا لا يرثهم ورثتهم المسلمين لما روى أبو سعيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يخرج قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وأعمالكم مع أعمالهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ينظر في النصل فلا يرى شيئا وينظر في القدح فلا يرى شيئا وينظر في الريش فلا يرى شيئا ويتمارى في الفوق رواه مالك في موطئه والبخاري في صحيحه وهو حديث صحيح ثابت الإسناد وفي لفظ قال يخرج قوم في آخر الزمان أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فأينما لقيتهم فاقتلهم فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة رواه البخاري وروى معناه من وجوه يقول فكما خرج هذا السهم نقيا خاليا من الدم والفرق لم يتعلق منها بشيء كذلك خروج هؤلاء من الدين يعني الخوارج وعن أبي أمامة أنه رأى رؤوسا منصوبة على درج مسجد دمشق فقال كلاب النار شر قتلى تحت أديم السماء خير قتلى من قتلوه ثم قرأ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه آل عمران 106 إلى آخر الآية فقيل له أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا أو أربعا حتى عد سبعا ما حدثتكموه قال الترمذي هذا حديث حسن ورواه ابن ماجه عن سهل عن ابن عيينة عن أبي غالب أنه سمع أبا أمامة يقول شر قتى قتلوا تحت أديم السماء وخير قتلى من قتلوا كلاب أهل النار كلاب أهل النار كلاب أهل النار قد كان هؤلاء مسلمين فصاروا كفارا قلت يا أبا أمامة هذا شيء تقوله قال بل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن علي رضي الله عنه في قوله تعالى قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الكهف 103 قال هم أهل النهروان وعن أبي سعيد في حديث آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال هم شر الخلق والخليقة لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وقال لا يجاوز إيمانهم حناجرهم وأكثر الفقهاء على أنهم بغاة ولا يرون تكفيرهم قال ابن المنذر لا أعلم أدا وافق أهل الحديث على تكفيرهم وجعلهم كالمرتدين وقال ابن عبد البر في الحديث الذي روينان قوله يتمارى في الفوق يدل على أنه لم يكفرهم لأنهم علقوا من الإسلام بشيء بحيث يشك في خروجهم منه وروي عن علي أنه لما قاتل أهل النهر قال لأصحابه لا تبدؤوهم بالقتال وبعث إليهم أقيدونا بعبد الله بن خباب قالوا كلنا قتله فحينئذ استحل قتالهم لإقرارهم على أنفسهم بما يوجب قتلهم وذكر ابن عبد البر عن علي رضي الله عنه أنه سئل عن أهل النهر أكفارهم قال من الكفر فروا قيل فمنافقون قال إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا قيل فما هم قال هم قوم أصابتهم فتنة لعموا فيها وصموا وبغوا علينا وقاتلونا فقاتلناهم ولما جرحه ابن ملجم قال للحسن أحسنوا إساره فإن عشت فأنا ولي دمي وإن مت فضربة كضربتي وهذا رأي عمر بن عبد العزيز فيهم وكثير من العلماء

Section V09/P004

والصحيح إن شاء الله أن الخوارج يجوز قتلهم ابتداء والإجازة على جريحهم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلهم ووعده بالثواب من قتلهم فإن عليا رضي الله عنه قال لولا أن ينظروا لحدثتكم بما وعد الله الذي يقتلونهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ولأن بدعتهم وسوء فعلهم يقتضي حل دمائهم بدليل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من عظم ذنبهم وأنهم شر الخلق والخليقة وأنهم يمرقون من الدين وأنهم كلاب النار وحثه على قتلهم وإخباره بأنه لو أدركهم لقتلهم قتل عاد فلا يجوز إلحاقهم بمن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالكف عنهم وتورع كثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتالهم ولا بدعة فيهم الصنف الرابع قوم من أهل الحق يخرجون عن قبضة الإمام ويرومون خلعه لتأويل سائغ وفيهم منعة يحتاج في كفهم إلى جمع الجيش فهؤلاء البغاة الذين نذكر في هذا الباب حكمهم وواجب على الناس معونة أمامهم في قتال البغاة لما ذكرنا في أولى الباب ولأنهم لو تركوا معونته لقهره أهل البغي وظهر الفساد في الأرض مسألة قال أبو القاسم رحمه الله ( وإذا اتفق المسلمون على إمام فمن خرج عليه من المسلمين يطلب موضعه حوربوا ودفعوا بأسهل ما يندفعون به ) وجملة الأمر أن من اتفق المسلمون على إمامته وبيعته ثبتت إمامته ووجبت معونته لما دكرنا من الحديث والإجماع وفي معناه من ثبتت إمامته بعهد النبي صلى الله عليه وسلم أو بعده إمام قبله إليه فإن أبا بكر ثبتت إمامته بإجماع الصحابة على بيعته وعمر ثبتت إمامته بعهد أبي بكر إليه وأجمع الصحابة على قبوله ولو خرج رجل على الإمام فقهره وغلب الناس بسيفه حتى أقروا له وأذعنوا بطاعته وتابعوه صار إماما يحرم قتاله والخروج عليه فإن عبد الملك بن مروان خرج على ابن الزبير فقتله واستولى على البلاد وأهلها حتى بايعوه طوعا وكرها فصار إماما يحرم الخروج عليه وذلك لما في الخروج عليه من شق عصا المسلمين وإراقة دمائهم وذهاب أموالهم ويدخل الخارج عليه في عموم قوله عليه السلام من خرخ على أمتي وهم جميع فاضربوا عنقه بالسيف كائنا من كان فمن خرج على من ثبتت إمامته بأحد هذه الوجوه باغيا وجب قتاله ولا يجوز قتالهم حتى يبعث إليهم من يسألهم ويكشف لهم الصواب إلا أن يخاف كلبهم فلا يمكن ذلك في حقهم فأما إن أمكن تعريفهم عرفهم ذلك وأزال ما يذكرونه من المظالم وأزال حججهم فإن لجوا قاتلهم حينئذ لأن الله تعالى بدأ بالأمر بالإصلاح قبل القتال فقال سبحانه وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله الحجرات 9

Section V09/P004–V09/P005

وروي أن عليا رضي الله عنه راسل أهل البصرة قبل وقعة الجمل ثم أمر أصحابه بأن لا يبدؤوهم بالقتال ثم قال إن هذا يوم من فلح فيه فلح يوم القيامة ثم سمعهم يقولون الله أكبر يا لثارات عثمان فقال اللهم أكب قتلة عثمان لوجوههم وروى عبد الله بن شداد بن الهاد أن عليا لما اعتزلته الحرورية بعث إليهم عبد الله بن عباس فواضعوه كتاب الله ثلاثة أيام فرجع منهم أربعة آلاف فإن أبوا الرجوع وعظهم وخوفهم القتال وإنما كان كذلك لأن المقصود كفهم ودفع شرهم لا قتلهم فإذا أمكن بمجرد القول كان أولى من القتال لما فيه من الضرر بالفريقين فإن سألوا الإنظار نظر في حالهم وبحث في أمرهم فإن بان له أن قصدهم الرجوع إلى الطاعة ومعرفة الحق أمهلهم قال ابن المنذر أجمع كل من أفظ عنه من أهل العلم فإن كان قصدهم الاجتماع على قتاله وانتظار مدد يقوون به أو خديعة الإمام أو ليأخذوه على غرة ويفترق عسكره لم ينظرهم وعاجلهم لأنه لا يأمن أن يصير هذا طريقا إلى قهر أهل العدل ولا يجوز هذا وإن أعطوه عليه مالا لأنه لا يجوز أن يأخذ المال على إقرارهم على ما لا يجوز إقرارهم عليه وإن بذل له رهائن على إنظارهم لم يجز أخذها لذلك ولأن الرهائن لا يجوز قتلهم لغدر أهلهم فلا يفيد شيئا وإن كان في أيديهم أسرى من أهل العدل وأعطوا بذلك رهائن منهم قبلهم الإمام واستظهر للمسلمين فإن أطلقوا أسرى المسلمين الذين عندهم أطلقت رهائنهم وإن قتلوا من عندهم لم يجز قتل رهائنهم لأنهم لا يقتلون بقتل غيرهم فإذا انقضت الحرب خلي الرهائن كما تخلى الأسارى منهم وإن خاف الإمام على الفئة العادلة الضعف عنهم أخر قتالهم إلى أن تمكنه القوة عليهم لأنه لا يؤمن الاصطلام والاستئصال فيؤخرهم حتى تقوى شوكة أهل العدل ثم يقاتلهم وإن سألوه أن ينظرهم أبدا ويدعهم وما هم عليه ويكفوا عن المسلمين نظرت فإن لم يعلم قوته عليهم وخاف قهرهم له إن قاتلهم تركهم وإن قوي عليهم لم يجز إقرارهم على ذلك لأنه لا يجوز أن يترك بعض المسلمين طاعة الإمام ولا تؤمن قوة شوكتهم بحيث يفضي إلى قهر الإمام العادل ومن معه ثم إن أمكن دفعهم دون القتل لم يجز قتلهم لأن المقصود دفعهم لأهلهم ولأن المقصود إذا حصل بدون القتل لم يجز القتل من غير حاجة وإن حضر معهم من لا يقاتل لم يجز قتله وقال أصحاب الشافعي فيه وجه آخر يجوز لأن عليا رضي الله عنه نهى أصحابه عن قتل محمد بن طلحة السجاد وقال إياكم وصاحب البرنس فقتله رجل وأنشأ يقول وأشعث قوام بآيات ربه قليل الأذى فيما ترى العين مسلم هتكت له بالرمح جيب قميصه فخر صريعا لليدين وللفم على غير شيء غير أن ليس تابعا عليا ومن لم يتبع الحق يظلم يناشدني حم والرمح شاجر فهلا تلا حم قبل التقدم وكان السجاد حامل راية أبيه ولم يكن يقاتل فلم ينكر علي قتله ولأنه صار ردءا لهم ولنا قول الله تعالى ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم النساء 93

Section V09/P005–V09/P006

والأخبار الواردة في قتل المسلم والإجماع على تحريمه وإنما خص من ذلك ما حصل ضرورة دفع الباغي والصائل ففيما عداه يبقى على العموم والإجماع فيه ولهذا حرم قتل مدبرهم وأسيرهم والإجهاز على جريحهم مع أنهم إنما تركوا القتال عجزا عنه ومتى ما قدروا عليه عادوا إليه فمن لا يقاتل تورعا عنه مع قدرته عليه ولا يخاف منه القتال بعد ذلك أولى ولأنه مسلم لم يحتج إلى دفعه ولا صدر منه أحد الثلاثة فلم يحل دمه لقوله عليه السلام لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث فأما حديث علي في نهيه عن قتل السجاد فهو حجة عليه فإن نهي علي أولى من فعل من خالفه ولا يتمثل قول الله تعالى ولا قول رسوله ولا قول إمامه وقولهم لم ينكر قتلهم قلنا لم ينقل إلينا أن عليا علم حقيقة الحال في قتله ولا حضر قتله فينكره وقد جاء أن عليا رضي الله عنه حين طاف في القتلى رآه فقال السجاد ورب الكعبة هذا الذي قتله بره بأبيه وهذا يدل على أنه لم يشعر بقتله ورأى كعب بن سور فقال يزعمون إنما خرج إلينا الرعاع وهذا الحبر بين أظهرهم ويجوز أن يكون تركه الإنكار عليهم اجتزاء بالنهي المتقدم ولأن القصد من قتالهم كفهم وهذا كاف لنفسه فلم يجز قتله كالمنهزم فصل وإذا قاتل معهم عبيد ونساء وصبيان فهم كالرجل البالغ الحر يقاتلون مقبلين ويتركون مدبرين لأن قتالهم للدفع ولو أراد أحد هؤلاء قتل إنسان جاز دفعه وقتاله وإن أتى على نفسه ولذلك قلنا في أهل الحرب إذا كان معهم النساء والصبيان يقاتلون قوتلوا وقتلوا فصل ولا يقاتل البغاة بما يعم إتلافه كالنار والمنجنيق والتغريق من غير ضرورة ولأنه لا يجوز قتل من لا يقاتل وما لا يعم إتلافه يقع على من يقاتل ومن لا يقاتل فإذا دعت إلى ذلك ضرروة مثل أن يحتاط بهم البغاة ولا يمكنهم التخلص إلا برميهم بما يعم إتلافه جاز ذلك وهذا قول الشافعي وقال أبو حنيفة إذا تحصن الخوارج فاحتاج الإمام إلى رميهم بالمنجنيق فعل ذلك بهم ما كان لهم عسكر وما لم ينهزموا وإن رماهم البغاة بالمنجنيق والنار جاز رميهم بمثله فصل قال أبو بكر وإذا اقتتلت طائفتان من أهل البغي فقد الإمام على قهرهما لم يعن واحدة منهما لأنهما جميعا على الخطأ وإن عجز عن ذلك وخاف اجتماعهما على حربة ضم إليه أقربهما إلى الحق فإن استويا اجتهد برأيه في ضم إحداهما ولا يقصد بذلك معونة إحداهما بل الاستعانة على الأخرى فإذا هزمها لم يقاتل من معه حتى يدعوهم إلى الطاعة لأنهم قد حصلوا في أمانه وهذا مذهب الشافعي ولا يستعين على قتالهم بالكفار بحال ولا بمن يرى قتلهم مدبرين وبهذا قال الشافعي وقال أصحاب الرأي لا بأس أن يستعين عليهم بأهل الذمة والمستأمنين وصنف آخر منهم إذا كان أهل العدل هم الظاهرين على من يستعينون به ولنا إن القصد كفهم وردهم إلى الطاعة دون قتلهم وإن دعت الحاجة إلى الاستعانة بهم فإن كان يقدر على كفهم استعان بهم وإن لم يقدر لم يجوز

Section V09/P006–V09/P007

فصل وإذا أظهر قوم رأي الخوارج مثل تكفير من ارتكب كبيرة وترك الجماعة واستحلال دماء المسلمين وأموالهم إلا أنهم لم يخرجوا عن قبضة الإمام ولم يسفكوا الدم الحرام فحكى القاضي عن أبي بكر أنه لا يحل بذلك قتلهم ولا قتالهم وهذا قول أبي حنيقة والشافعي وجمهور أهل الفقه وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز فعلى هذا حكمهم في ضمان النفس والمال حكم المسلمين وإن سبوا الإمام أو غيره من أهل العدل عزروا لأنهم ارتكبوا محرما لا حد فيه وإن عرضوا بالسب فهل يعزرون على وجهين وقال مالك في الإباضية وسائر أهل البدع يستتابون فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم قال إسماعيل بن إسحاق رأى مالك قتل الخوارج وأهل القدر من أجل الفساد الداخل في الدين كقطاع الطريق فإن تابوا وإلا قتلوا على إفسادهم وأما من رأى تكفيرهم فمقتضى قوله إنهم يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا لكفرهم كما يقتل المرتد وحجتهم قول النبي صلى الله عليه وسلم فأينما لقيتموهم فاقتلوهم وقوله عليه السلام لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وقوله صلى الله عليه وسلم في الذي أنكر عليه وقال إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله لأبي بكر اذهب فاقتله ثم قال لعمر مثل ذلك فأمر بقتله قبل قتاله وهو الذي قال يخرج من ضئضىء هذا قوم يعني الخوارج وقول عمر لصبيغ لو وجدتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك بالسيف يعني لقتلتك وإنما يقتله لكونه من الخوارج فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال سيماهم التسبيد يعني حلق رؤوسهم واحتج الأولون بفعل علي رضي الله عنه فإنه روي عنه أنه كان يخطب يوما فقال رجل بباب المسجد لا حكم إلا لله فقال علي كلمة حق أريد بها باطل ثم قال لكم علينا ثلاث لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله تعالى ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا ولا نبدؤكم بقتال وروى أبو يحيى قال صلى علي رضي الله عنه صلاة فناداه رجل من الخوارج لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين الزمر 65 فأجابه علي رضي الله عنه فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون الروم 60 وكتب عدي بن أرطأة إلى عمر بن عبد العزيز إن الخوارج يسبونك فكتب إليه إن سبوني فسبوهم أو اعفوا عنهم وإن شهروا السلاح فاشهروا عليهم وإن ضربوا فاضربوا ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتعرض للمنافقين الذين معه في المدينة فلأن لا يتعرض لغيرهم أولى وقد روي في خبر الخارجي الذي أنكر عليه أن خالدا قال يا رسول الله ألا أضرب عنقه قال لعله يصلي قال رب مصل لا خير فيه قال إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس مسألة قال ( فإن آل ما دفعوا به إلى أنفسهم فلا شيء على الدافع وإن قتل الدافع فهو شهيد ) وجملته أنه إذا لم يكن دفع أهل البغي إلا بقتلهم جاز قتلهم ولا شيء على من قتلهم من إثم ولا ضمان ولا كفارة لأنه فعل ما أمر به وقتل من أحل الله قتله وأمر بمقاتلته وكذلك ما أتلفه أهل العدل على أهل البغي حال الحرب من المال لا ضمان فيه لأنهم إذا لم يضمنوا الأنفس فالأموال أولى فإن قتل العادل كان شهيدا لأنه قتل في قتال أمر الله تعالى به بقوله فقاتلوا التي تبغي الحجرات 9 وهل يغسل ويصلى عليه فيه روايتان إحداهما لا يغسل ولا يصلى عليه لأنه شهيد معركة أمر بالقتال فيها فأشبه شهيد معركة الكفار

Section V09/P007–V09/P008

والثانية يغسل ويصلى عليه وهو قول الأوزاعي وابن المنذر ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصلاة على من قال لا إله إلا الله واستثنى قتيل الكفار في المعركة ففيما عداه يبقى يبقى على الأصل ولأن شهيد معركة الكفار أجره أعظم وفضله أكثر وقد جاء أنه يشفع في سبعين من أهل بيته وهذا لا يلحق به في فضله فلا يثبت فيه مثل حكمه فإن الشيء إنما يقاس على مثله فصل وليس على أهل البغي أيضا ضمان ما أتلفوه حال الحرب من نفس ولا مال وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه وفي الآخر يضمنون ذلك لقول أبي بكر لأهل الردة تدون قتلانا ولا ندي قتلاكم ولأنها نفوس وأموال معصومة أتلفت بغير حق ولا ضرورة دفع مباح فوجب ضمانه كالذي تلفت في غير حال الحرب ولنا ما روى الزهري أنه قال كانت الفتنة العظمى بين الناس وفيهم البدريون فأجمعوا على أن لا يقام حد على رجل ارتكب فرجا حراما بتأويل القرآن ولا يغرم ما لا أتلفه بتأويل القرآن ولأنها طائفة ممتنعة بالحرب بتأويل سائغ فلم تضمن ما أتلفت على الأخرى كأهل العدل ولأن تضمينهم يفضي إلى تنفيرهم عن الرجوع إلى الطاعة فلا يشرع كتضمين أهل الحرب فأما قول أبي بكر رضي الله عنه فقد رجع عنه ولم يمضه فإن عمر قال له أما أن يدوا قتلانا فلا فإن قتلانا قتلوا في سبيل الله تعالى على ما أمر الله فوافقه أبو بكر ورجع إلى قوله فصار أيضا إجماعا حجة لنا ولم ينقل أنه غرم أحدا شيئا من ذلك وقد قتل طليحة عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم ثم أسلم فلم يغرم شيئا ثم لو وجب التغريم في حق المرتدين لم يلزم مثله ها هنا فإن أولئك كفار لا تأويل لهم وهؤلاء طائفة من المسلمين لهم تأويل سائغ فكيف يصح إلحاقهم به فأما ما أتلفه بعضهم على بعض في غير حال الحرب قبله أو بعده فعلى متلفه ضمانه وبهذا قال الشافعي ولذلك لما قتل الخوارج عبد الله بن خباب أرسل إليهم علي أقيدونا من عبد الله بن خباب ولما قتل ابن ملجم عليا في غير المعركة أقيد به وهل يتحتم قتل الباغي إذا قتل أحدا من أهل العدل في غير المعركة فيه وجهان أحدهما يتحتم لأنه قتل بإشهار السلاح وللسعي في الأرض بالفساد فيحتم قتله كقاطع الطريق والثاني لا يتحتم وهو الصحيح لقول علي رضي الله عنه إن شئت أن أعفو وإن شئت استقدت فأما الخوارج فالصحيح على ما ذكرنا إباحة قتلهم فلا قصاص على قاتل أحد منهم ولا ضمان عليه في ماله مسألة قال ( وإذا دفعوا لم يتبع لهم مدبر ولا يجاز على جريحهم ولم يقتل لهم أسير ولم يغنم لهم مال ولم تسب له ذرية ) وجملته أن أهل البغي إذا تركوا القتال إما بالرجوع إلى الطاعة وإما بإلقاء السلاح وإما بالهزيمة إلى فئة أو إلى غير فئة وإما بالعجز لجراح أو مرض أو أسر فإنه يحرم قتلهم واتباع مدبرهم وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة إذا هزموا ولا فئة لهم كقولنا وإن كانت لهم فئة يلجؤون إليها جاز قتل مدبرهم وأسيرهم والإجازة على جريحهم وإن لم يكن لهم فئة لم يقتلوا لكن يضربون ضربا وجيعا ويحبسون حتى يقلعوا عما هم عليه ويحدثوا توبة ذكروا هذا في الخوارج ويروى عن ابن عباس نحو هذا واختاره بعض أصحاب الشافعي لأنه متى لم يقتلهم اجتمعوا ثم عادوا إلى المحاربة

Section V09/P008–V09/P010

ولنا ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال يوم الجمل لا يذفف على جريح ولا يهتك ستر ولا يفتح باب ومن أغلق بابا أو بابه فهو آمن ولا يتبع مدبر وقد روي نحو ذلك عن عمار وعن علي رضي الله عنه أنه ودى قوما من بيت مال المسلمين قتلوا مدبرين وعن أبي أمامة أنه قال شهدت صفين وكانوا لا يجهزون على جريح ولا يقتلون موليا ولا يسلبون قتيلا وقد ذكر القاضي في شرحه عن عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يا ابن أم عبد ما حكم من بغى على أمتي فقلت الله ورسوله أعلم فقال لا يتبع مدبرهم ولا يجاز على جريحهم ولا يقتل أسيرهم ولا يقسم فيئهم ولأن المقصود دفعهم وكفهم وقد حصل فلم يجز قتلهم كالصائل ولا يقتلون لما يخاف في الثاني كما لو لم تكن لهم فئة إذا ثبت هذا فإن قتل إنسان من منع من قتله ضمنه لأنه قتل معصوما لم يؤمر بقتله وفي القصاص وجهان أحدهما يجب لأنه مكافئ معصوم والثاني لا يجب لأن في قتلهم اختلافا بين الأئمة فكان ذلك شبهة دارئة للقصاص لأنه مما يندرئ بالشبهات وأما أسيرهم فإن دخل في الطاعة خلي سبيله وإن أبى ذلك وكان رجلا جلدا من أهل القتال حبس ما دامت الحرب قائمة فإذا انقضت الحرب خلي سبيله وشرط عليه أن لا يعود إلى القتال وإن لم يكن الأسير من أهل القتال كالنساء والصبيان والشيوخ الفانين خلي سبيلهم ولم يحبسوا في أحد الوجهين وفي الآخر يحبسون لأن فيه كسرا لقلوب البغاة وإن أسر كل واحد من الفريقين أسارى من الفريق الآخر جاز فداء أسارى أهل العدل بأسارى أهل البغي وإن قتل أهل البغي أسارى أهل العدل لم لجز لأهل العدل قتل أساراهم لأنهم لا يقتلون بجناية غيرهم ولا يزرون وزر غيرهم وإن أبى البغاة مفاداة الأسرى الذين معهم وحبسوهم احتمل أن يجوز لأهل العدل حبس من معهم ليتوصلوا إلى تخليص أساراهم بحبس من معهم ويحتمل أن لا يجوز حبسهم ويطلقون لأن الذنب في حبس أسارى أهل العدل لغيرهم فصل فأما غنيمة أموالهم وسبي ذريتهم فلا نعلم في تحريمه بين أهل العلم خلافا وقد ذكرنا حديث أبي أمامة وابن مسعود ولأنهم معصومون وإنما أبيح من دمائهم وأموالهم ما حصل من ضرورة دفعهم وقتالهم ولما عداه يبقى على أصل التحريم وقد روي أن عليا رضي الله عنه يوم الجمل قال من عرف شيئا من ماله مع أحد فليأخذه وكان بعض أصحاب علي قد أخذ قدرا وهو يطبخ فيها فجاء صاحبها ليأخذها فسأله الذي يطبخ فيها إمهاله حتى ينضج الطبيخ فأبى وكبه وأخذها وهذا من جملة ما نقم الخوارج من علي فإنهم قالوا إنه قاتل ولم يسب ولم يغنم فإن حلت له دماؤهم فقد حلت له أموالهم وإن حرمت عليه أموالهم فقد حرمت عليه دماؤهم فقال لهم ابن عباس أفتسبون أمكم يعني عائشة أم تستحلون منها ما تستحلون من غيرها فإن قلتم ليست أمكم فقد كفرتم وإن قلتم إنها أمكم واستحللتم سبيها فقد كفرتم يعني بقوله إنكم إن وجدتم أنها أمكم فقد قال الله تعالى النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم الأحزاب 6 فإن لم تكن أموالهم لم يكونوا من المؤمنين ولأن قتال البغاة إنما هو لدفعهم وردهم إلى الحق لا لكفرهم فلا يستباح منهم إلا ما حصل ضرورة الدفع كالصائل وقاطع الطريق وبقي حكم المال والذرية على أصل العصمة وما أخذ كراعهم وسلاحهم لم يرد إليهم حال الحرب لئلا يقاتلونا به وذكر القاضي أن أحمد أومأ إلى جواز الانتفاع به حال التحام الحرب ولا يجوز في غير قتالهم وهذا قول أبي حنيفة لأن هذه الحال يجوز فيها إتلاف نفوسهم وحبس سلاحهم وكراعهم فجاز الانتفاع به كسلاح أهل الحرب وقال الشافعي لا يجوز ذلك إلا من ضرورة إليه لأنه مال مسلم به فلم يجوز الانتفاع به بغير إذنه كغيره من أموالهم

Section V09/P010–V09/P011

وقال أبو الخطاب في هذه المسألة وجهان كالمذهبين ومتى انقضت الحرب وجب رده إليهم كما ترد إليهم سائر أموالهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل مال امرىء مسلم إلا عن طيب نفس منه وروى أبو قيس أن عليا رضي الله عنه نادى من وجد ماله فليأخذه مسألة قال ( ومن قتل منهم غسل وكفن وصلي عليه ) يعني من أهل البغي وبهذا قال مالك والشافعي وقال أصحاب الرأي إن لم يكن لهم فئة صلي عليهم وإن كانت لهم فئة لم يصل عليهم لأنه يجوز قتلهم في هذه الحال فلم يصل عليهم كالكفار ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم صلوا على من قال لا إله إلا الله رواه الخلال في جامعه ولأنهم مسلمون لم يثبت لهم حكم الشهادة فيغسلون ويصلى عليهم كما لو يكن لهم فئة وما ذكروه ينتقض بالزاني المحصن والمقتص منه والقاتل في المحاربة فصل لم يفرق أصحابنا بين الخوارج وغيرهم في هذا وهو مذهب الشافعي وأصحاب الرأي وظاهر كلام أحمد رحمه الله أنه لا يصلى على الخوارج فإنه قال أهل البدع إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تصلوا عليهم وقال أحمد الجهمية والرافضة لا يصلى عليهم قد ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة بأقل من هذا وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تقاتل خيبر من ناحية من نواحيها فقاتل رجل من تلك الناحية فقتل فلم يصل عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقيل إنه كان في قرية أهلها نصارى ليس فيها من يصلي عليه قال أنا لا أشهده يشهده من يشاء وقال مالك لا يصلى على الإباضية ولا القدرية وسائر أصحاب الأهواء ولا تتبع جنائزهم ولا تعاد مرضاهم والإباضية صنف من الخوارج نسبوا إلى عبد الله بن إباط صاحب مقالتهم والأزارقة أصحاب نافع بن الأزرق والنجدات أصحاب نجدة الحروري والبيهسية أصحاب بيهس والصفرية قيل إنهم نسبوا إلى صفرة ألوانهم وأصنافهم كثيرة والحرورية نسبوا إلى أرض يقال لها حروراء خرجوا بها وقال أبو بكر بن عياش لا أصلي على الرافضي لأنه زعم أن عمر كافر ولا على الحروري لأنه يزعم أن عليا كافر وقال الفريابي من شتم أبا بكر فهو كافر ولا يصلى عليه ووجه ترك الصلاة عليهم أنهم يكفرون أهل الإسلام ولا يرون الصلاة عليهم فلا يصلى عليهم كالكفار من أهل الذمة وغيرهم ولأنهم مرقوا من الدين فأشبهوا المرتدين فصل والبغاة إذا لم يكونوا من أهل البدع ليسوا بفاسقين وإنما هم يخطئون في تأويلهم والإمام وأهل العدل مصيبون في قتالهم فهم جميعا كالمجتهدين من الفقهاء في الأحكام من شهد منهم قبلت شهادته إذا كان عدلا وهذا قول الشافعي ولا أعلم في قبول شهادتهم خلافا فأما الخوارج وأهل البدع إذا خرجوا على الإمام فلا تقبل شهادتهم لأنهم فساق وقال أبو حنيفة يفسقون بالبغي وخروجهم على الإمام ولكن تقبل شهادتهم لأن فسقهم من جهة الدين فلا ترد به الشهادة وقد قبل شهادة الكفار بعضهم على بعض ويذكر ذلك في كتاب الشهادة إن شاء الله تعالى فصل ذكر القاضي أنه لا يكره للعادل قتل ذي رحمه الباغي لأنه قتل بحق فأشبه إقامة الحد عليه وكرهت طائفة من أهل العلم القصد إلى ذلك وهو أصح إن شاء الله لقول الله تعالى وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا العنكبوت 8 وقال الشافعي كف النبي صلى الله عليه وسلم أبا حذيفة وعتبة عن قتل أبيه وقال بعضهم لا يحل ذلك لأن الله تعالى أمر بمصاحبته بالمعروف وليس هذا من المعروف فإن قتله فهل يرثه على روايتين إحداهما يرثه هذا قول أبي بكر ومذهب أبي حينفة لأنه قتل بحق فلم يمنع الميراث كالقصاص والقتل في الحج والثانية لا يرثه وهو قول ابن حامد ومذهب الشافعي لعموم قوله عليه السلام ليس لقاتل شيء وأما الباغي إذا قتل العادل فلا يرثه وهذا قول الشافعي وقال أبو حنيفة يرثه لأنه قتله بتأويل أشبه قتل العادل الباغي

Section V09/P011–V09/P012

ولنا إنه قتله بغير حق فلم يرثه كالقاتل خطأ وفارق ما إذا قتله العادل لأنه قتله بحق وقال قوم إذا تعمد العادل قتل قريبه فقتله ابتداء لم يرثه وإن قصد ضربه ليصير غير ممتنع فجرحه ومات من هذا الضرب ورثه لأنه قتله بحق وهذا قول ابن المنذر وقال هو أقرب الأقاويل مسألة قال وما أخذوا في حال امتناعهم من زكاة أو خراج لم يعد عليهم ) وجملته أن أهل البغي إذا غلبوا على بلد فجبوا الخراج والزكاة والجزية وأقاموا الحدود وقع ذلك موقعه فإذا ظهر أهل العدل بعد على البلد وظفروا بأهل البغي لم يطالبوا بشيء مما جبوه ولم يرجع به على من أخذ منه روي نحو هذا عن ابن عمر وسلمة بن الأكوع وهو قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي وسواء كان من الخوارج أو من غيرهم وقال أبو عبيد على من أخذوا منه الزكاة الإعادة لأنه أخذها ممن لا ولاية له صحيحة فأشبه ما لو أخذها آحاد الرعية ولنا إن عليا لما ظهر على أهل البصرة لم يطالبهم بشيء مما جبوه وكان ابن عمر إذا أتاه ساعي نجدة الحروري دفع إليه زكاته وكذلك سلمة بن الأكوع ولأن في ترك الاحتساب بها ضررا عظيما ومشقة كثيرة فإنهم قد يغلبون على البلاد السنين الكثيرة فلو لم يحتسب بما أخذوه أدى إلى ثنا الصدقات في تلك المدة كلها فإذا ثبت هذا فإذا ذكر أرباب الصدقات أنهم قد أخذوا صدقاتهم قبل قولهم بغير يمين قال أحمد لا يستحلف الناس على صدقاتهم وإن ادعى أهل الذمة دفع جزيتهم لم تقبل بغير نية لأنهم غير مأمونين ولأن ما يجب عليهم عوض وليس بمواساة فلم يقبل قولهم كأجرة الدار ويحتمل أن يقبل قولهم إذا مضى الحول لأن الظاهر أن البغاة لا يدعون الجزية لهم فكان القول قولهم لأن الظاهر معهم ولأنه إذا مضى لذلك سنون كثيرة شق عليهم إقامة البينة على كل عام فيؤدي ذلك إلى تغريمهم الجزية مرتين وإن ادعى من عليه الخراج دفعه إليهم ففيه وجهان أحدهما يقبل لأنه حق على مسلم فقبل قوله فيه كالزكاة والثاني لا يقبل لأنه عوض فأشبه الجزية وإن كان من عليه الخراج ذميا فهو كالجزية لأنه عوض على غير مسلم فهو كالجزية ولأنه أحد الخراجين فأشبه الجزية مسألة قال ( ولا ينقص من حكم حاكمهم إلا ما ينقص من حكم غيره ) يعني إذا نصب أهل البغي قاضيا يصلح للقضاء فحكمه حكم أهل العدل ينفذ من أحكامه ما ينفذ من أحكام أهل العدل ويرد منه ما يرد فإن كان ممن يستحل دماء أهل العدل وأموالهم لم يجز قضاؤه لأنه ليس بعدل وهذا قول الشافعي وقال أبو حنيفة لا يجوز قضاؤه بحال لأن أهل البغي يفسقون ببغيهم والفسق ينافي القضاء

Questions