Qur'an&Sunnah

İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)

Section V09/P361–V09/P362

فصل ولا يضحى عما في البطن وروي ذلك عن ابن عمر وبه قال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر ولا نعلم مخالفا لهم وليس للعبد والمدبر والمكاتب وأم الولد أن يضحوا إلا بإذن سادتهم لأنهم ممنوعون من التصرف بغير إذنهم ألا المكاتب فإنه ممنوع من التبرع والأضحية تبرع وأما من نصفه حر إذا ملك بجزئه الحر شيئا فله أن يضحي بغير إذن سيده لأن له أن يتبرع بغير إذنه مسألة قال ( ويجوز أن يشترك السبعة فيضحوا بالبدنة والبقرة ) وجملته أنه يجوز أن يشترك في التضحية بالبدنة والبقرة وسبعة واجبا كان أو تطوعا سواء كانوا كلهم متقربين أو يريد بعضهم القربة وبعضهم اللحم وبهذا قال الشافعي وقال مالك لا يجوز الاشتراك في الهدي وقال أبو حنيفة يجوز للمتقربين ولا يجوز إذا كان بعضهم غير متقرب لأن الذبح واحد فلا يجوز أن تختل نية القربة فيه ولنا ما روى جابر قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقرة كل سبعة منا في بدنة رواه مسلم ولنا على أبي حنيفة أن الجزء المجزىء لا ينقص بإرادلا الشريك غير القربة فجاز كما لو اختلفت جهات القرب فأراد بعضهم التضحية وبعضهم الفدية فصل ويجوز للمشتركين قسمة اللحم ومنع منه أصحاب الشافعي في وجه بناء على أن القسمة بيع وبيع لحم الهدي والأضحية غير جائز ولنا إن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاشتراك مع أن سنة الهدي والأضحية الأكل منها دليل على تجويز القسمة إذ لا يتمكن واحد منهم من الأكل إلا بالقسمة وكذلك الصدقة والهدية ولا نسلم أن القسمة بيع هي إفراز حق على ما ذكرنا في باب القسمة مسألة قال ( والعقيقة سنة عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة ) العقيقة الذبيحة التي تذبح عن المولود وقيل هي الطعام الذي يصنع ويدعى إليه من أجل المولود قال أبو عبيد الأصل في العقيقة الشعر الذي على المولود وجمعها عقائق ومنها قول الشاعر أيا هند لا تنكحي بوهة عليه عقيقته أحسبا ثم إن العرب سمت الذبيحة عند حلق شعره عقيقة على عاداتهم في تسمية الشيء باسم سببه أو ما جاوره ثم اشتهر ذلك حتى صار من الأسماء العرفية وصارت الحقيقة مغمورة فيه فلا يفهم من العقيقة عند الإطلاق إلا الذبيحة وقال ابن عبد البر أنكر أحمد هذا التفسير وقال إنما العقيقة الذبح نفسه ووجهه أن أصل العق القطع ومنه عق والديه إذا قطعهما والذبح قطع الحلقوم والمريء والودجين والعقيقة سنة في قول عامة أهل العلم منهم ابن عباس وابن عمر وعائشة وفقهاء التابعين وأئمة الأمصار ألا أصحاب الرأي قالوا ليست سنة وهي من أمر الجاهلية وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن العقيقة فقال إن الله تعالى لا يحب العقوق فكأنه كره الاسم وقال ومن ولد له مولود فأحب أن ينسك عنه فليفعل رواه مالك في موطئه وقال الحسن وداود هي واجبة وروي عن بريدة أن الناس يعرضون عليها كما يعرضون على الصلوات الخمس لما روي سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم قالكل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويسمى فيه وتحلق رأسه وعن أبي هريرة مثله قال أحمد إسناده جيد وروى حديث سمرة الأثرم وأبو داود وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم عن الغلام بشاتين وعن الجارية بشاة وظاهر الأمر الوجوب

Section V09/P362–V09/P363

ولنا على استحبابها هذه الأحاديث وعن أم كرز الكعيبة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة وفي عن الغلام شاتان مثلان وعن الجارية شاة رواه أبو داود وفي رواية قال العقيقة عن الغلام شاتان والإجماع قال أبو الزناد العقيقة من أمر الناس كانوا يكرهون تركه وقال أحمد العقيقة سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عق عن الحسن والحسين وفعله وأصحابه وقال النبي صلى الله عليه وسلم الغلام مرتهن بعقيقته وهو إسناد جيد يرويه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وجعلها أبو حنيفة من أمر الجاهلية وذلك لقلة علمه ومعرفته بالأخبار وأما بيان كونها غير واجبة فدليله ما احتج به أصحاب الرأي من الخبر وما رووه محمول على تأكيد الاستحباب جمعا بين الأخبار ولأنها ذبيحة لسرور حادث فلم تكن واجبة كالوليمة والنقيعة فصل والعقيقة أفضل من الصدقة بقيمتها نص عليه أحمد وقال إذا لم يكن عنده ما يعق فاستقرض رجوت أن يخلف الله عليه إحياء سنة قال ابن المنذر صدق إحياء السنن واتباعها أفضل وقد ورد فيها من التأكيد في الأخبار التي رويناها ما لم يرد في غيرها ولأنها ذبيحة أمر النبي صلى الله عليه وسلم بها فكانت أولى كالوليمة والأضحية مسألة قال ( عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة ) هذا قول أكثر القائلين بها وبه قال ابن عباس وعائشة والشافعي وإسحاق وأبو ثور وكان ابن عمر شاة شاة عن الغلام والجارية لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عق عن الحسن شاة وعن الحسين شاة رواه أبو داود وكان الحسن وقتادة لا يريان عن الجارية عقيقة لأن العقيقة شكر للنعمة الحاصلة بالولد والجارية لا يحصل بها سرور فلا يشرع لها عقيقة ولنا حديث عائشة وأم كرز وهذا نص وما رووه محمول على الجواز إذا ثبت هذا فالمستحب أن تكون الشاتان متماثلتين لقول النبي صلى الله عليه وسلم شاتان متكافئتان وفي رواية مثلان قال أحمد يعني متقاربتين أو متساويتين لما جاء من الحديث فيه ويجوز فيها الذكر والأنثى لما روي في حديث أم كرز أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة ولا بأس أن يكون ذكورا وإناثا رواه سعيد وأبو داود والذكر أفضل لأن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين بكبش كبش وضحى بكبشين أقرنين والعقيقة تجري مجرى الأضحية والأفضل في لونها البياض على ما ذكرنا في الأضحية لأنها تشبهها ويستحب استسمانها واستعظامها واستحسانها كذلك وإن خالف ذلك أو عق بكبش واحد أجزأ لما روينا من حديث الحسن والحسين مسألة قال ( ويذبح يوم السابع )

Section V09/P363–V09/P364

قال أصحابنا السنة أن تذبح يوم السابع فإن فات ففي أربع عشرة فإن فات ففي إحدى وعشرين ويروى هذا عن عائشة وبه قال إسحاق وعن مالك في الرجل يريد أن يعق عن ولده فقال ما علمت هذا من أمر الناس وما يعجبني ولا نعلم خلافا بين أهل العلم القائلين بمشروعيتها في استحباب ذبحها يوم السابع والأصل فيه حديث سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويسمى فيه ويحلق رأسه وأما كونه في أربع عشرة ثم في إحدى وعشرين فالحجة فيه قول عائشة رضي الله عنها وهذا تقدير الظاهر أنها لا تقوله ألا توقيفا وإن ذبح قبل ذلك أو بعده أجزأه لأن المقصود يحصل وإن تجاوز أحدا وعشرين احتمل أن يستحب في كل سابع فيجعله في ثمانية وعشرين فإن لم يكن ففي خمسة وثلاثين وعلى هذا قياسا على ما قبله واحتمل أن يجوز في كل وقت لأن هذا قضاء فائت فلم يتوقف كقضاء الأضحية وغيرها وإن لم يعق أصلا فبلغ الغلام وكسب فلا عقيقة عليه وسئل أحمد عن هذه المسألة فقال ذلك على الوالد يعني لا يعق عن نفسه لأن السنة في حق غيره وقال عطاء والحسن يعق عن نفسه لأنها مشروعة عنه ولأنه مرتهن بها فينبغي أن يشرع له فكاك نفسه ولنا أنها مشروعة في حق الوالد فلا يفعلها غيره كالأجنبي كصدقة الفطر فصل ويستحب أن يحلق رأس الصبي يوم السابع ويسمى لحديث سمرة وإن تصدق بزنة شعره فضة فحسن لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة لما ولدت الحسن احلقي رأسه وتصدقي بزنة شعره فضة على المساكين والأوفاض يعني أهل الصفة رواه الإمام أحمد وروى سعيد في سننه عن محمد بن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين بكبش كبش وأنه تصدق بوزن شعورهما ورقا وأن فاطمة كانت إذا ولدت ولدا حلقت شعره وتصدقت بوزنه ورقا وإن سماه قبل السابع جاز لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ولد الليلة لي غلام فسميته باسم أبي إبراهيم وسمى الغلام الذي جاءه به أنس بن مالك فحنكه وسماه عبدالله ويستحب أن يحسن اسمه لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم وقال عليه السلام أحب الأسماء إلي عبدالله وعبد الرحمن حديث صحيح وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال أحب الأسماء إلى الله تعالى أسماء الأنبياء وقال النبي صلى الله عليه وسلم تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي وفي رواية لا تجمعوا بين اسمي وبين كنيتي فصل ويكره أن يلطخ رأسه بدم كره ذلك أحمد والزهري ومالك الشافعي وابن المنذر وحكي عن الحسن وقتادة أنه مستحب لما روي في حديث سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الغلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم السابع ويدمى رواه همام عن قتادة عن الحسن عن سمرة قال ابن عبد البر لا أعلم أحدا قال هذا إلا الحسن وقتادة وأنكره سائر أهل العلم وكرهوه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال مع الغلام عقيقته فهريقوا عنه دما وأميطوا عنه الأذى رواه أبو داود وهذا يقتضي أن لا يمس بدم لأنه أذى وروي يزيد بن عبد المزني عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يعتق عن الغلام ولا يمس رأسه بدم قال مهنا ذكرت هذا الحديث لأحمد فقال ما أظرفه ورواه ابن ماجة ولم يقل عن أبيه ولأن هذا تنجيس له فلا يشرع كلطخه بغيره من النجاسات

Section V09/P364–V09/P365

وقال بريدة كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ذبح شاة ويلطخ رأسه بدمها فلما جاء الإسلام كنا نذبح شاة ونحلق رأسه ونلطخه بزعفران رواه أبو داود فأما رواية من روى ويدمى فقال أبو داود ويسمى هكذا قال سلام بن أبي مطيع عن قتادة وإياس بن دغفل عن الحسن ووهم همام فقال ويدمى قال أحمد قال فيه ابن أبي عروبة يسمى وقال همام ويدمى وما أراه إلا أخطأ وقد قيل هو تصحيف من الراوي مسألة قال ( ويجتنب فيها من العيب ما يجتنب في الأضحية ) وجملته أن حكم العقيقة حكم الأضحية في سنها وأنه يمنع فيها من العيب ما يمنع فيها ويستحب فيها من الصفة ما يستحب فيها وكانت عائشة تقول أتوني به أعين أقرن وقال عطاء الذكر أحب إلي من الألأنثى والضأم أحب من المعز فلا يجزىء فيها أقل من الجزع من الضأن والثني من المعز ولا تجوز فيها العوراء البين عورها والعرجاء البين ضلعها والمريضة البين مرضها والعجفاء التي لا تنفي والعضباء التي ذهب أكثر من نصف أذنها أو قرنها وتكره فيها الشرقاء والخرفاء والمقابلة والمدابرة ويستحب استشراف العين والأذن كما ذكرنا في الأضحية سواء لأنها تشبهها فتقاس عليها مسألة قال ( وسبيلها في الأكل والهدية والصدقة سبيلها لا أنها تطبخ أجدالا ) وبهذا قال الشافعي وقال ابن سيرين اصنع بلحمها كيف شئت وقال ابن جريج تطبخ بماء وملح وتهدى الجيران والصديق ولا يتصدق منها بشيء وسئل أحمد عنها فحكى قول ابن سيرين وهذا يدل على أنه ذهب إليه وسئل هل يأكلها قال لم أقل يأكلها كلها ولا يتصدق منها بشيء والأشبه قياسها على الأضحية لأنها نسيكة مشروعة غير واجبة فأشبهت الأضحية ولأنها أشبهتها في صفاتها وسنها وقدرها وشروطها فأشبهتها في مصرفها وإن طبخها ودعا إخوانه فأكلوه فحسن ويستحب أن تفصل أعضاؤها ولا تكسر عظامها لما روي عن عائشة أنها قالت السنة شاتان مكافئتان عن الغلام وعن الجارية شاة تطبخ جدولا ولا يكسر عظم ويأكل ويطعم ويتصدق وذلك يوم السابع قال أبو عبيد الهروي في العقيقة تطبخ جدولا لا يكسر لها عظم أي عضوا عضوا وهو الجدال بالدال غير المعجمة والأرب والشلو والعضو والوصل كله واحد وإنما فعل بها ذلك لأنها أول ذبيحة ذبحت عن المولود فاستحب فيها ذلك تفاؤلا بالسلامة وكذلك قالت عائشة وروي أيضا عن عطاء وابن جريج وبه قال الشافعي فصل قال أحمد يباع الجلد والرأس والسقط ويتصدق به وقد نص في الأضحية على خلاف هذا وهو أقيس في مذهبه لأنها ذبيحة لله فلا يباع منها شيء كالهدي ولأنه تمكن الصدقة بذلك بعينه فلا حاجة إلى بيعه وقال أبو الخطاب يحتمل أن ينقل حكم إحداهما إلى الأخرى فيخرج في المسألتين روايتان ويحتمل إن يفرق بينهما من حيث إن الأضحية ذبيحة شرعت يوم النحر فأشبهت الهدي والعقيقة شرعت عند سرور حادث وتجدد نعمة فأشبهت الذبيحة في الوليمة ولأن الذبيحة ها هنا لم تخرج عن ملكه فكان له أن يفعل بها ما شاء من بيع وغيره والصدقة بثمن ما بيع منها بمنزلة الصدقة به في فضلها وثوابها وحصول النفع به فكان له ذلك

Section V09/P365–V09/P367

فصل قال بعض أهل العلم يستحب للوالد أن يؤذن في أذن ابنه حين يولد لما روي عن عبدالله بن رافع عن أمه أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في أذن الحسن حين ولدته فاطمة وعن عمر بن عبدالعزيز أنه كان إذا ولد له مولود أخذه في خرقة فأذن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى وسماه وروينا أن رجلا قال لرجل عند الحسن يهنئه بابن له ليهنك فارس فقال الحسن وما يدريك أنه فارس هو أو حمار فقال كيف نقول قال قل بورك في الموهوب وشكرت الواهب وبلغ أشده ورزقت بره وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحنك أولاد الأنصار بالتمر وروي أنس قال ذهبت بعبدالله بن أبي طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ولد قال هل معك تمر فناولته تمرات فلاكهن ثم فغر فاه ثم مجه فيه فجعل يتلمظ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حب الأنصار التمر وسماه عبدالله فصل قال أصحابنا لا تسن الفرعة ولا العتيرة وهو قول علماء الأمصار سوى ابن سيرين فإنه كان يذبح العتيرة في رجب ويروي فيها شيئا والفرعة والفرع بفتح الراء أول ولد الناقة كانوا يذبحونه لآلهتهم في الجاهلية فنهوا عنها قال ذلك أبو عمرو الشيباني وقال أبو عبيد العتيرة وهي الرجبية كان أهل الجاهلية إذا طلب أحدهم أمرا نذر أن يذبح من غنمه شاة في رجب وهي العتائر والصحيح إن شاء الله تعالى أنهم كانوا يذبحونها في رجب من غير نذر جعلوا ذلك سنة فيما بينهم كالأضحية في الأضحى وكان منهم من ينذرها كما قد تنذر الأضحية بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم على كل أهل بيت أضحاة وعتيرة وهذا الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم في بدء الإسلام تقرير لما كان في الجاهلية وهو يقتضي ثبوتها بغير نذر ثم نسخ ذلك بعد ولأن العتيرة لو كانت هي المنذورة لم تكن منسوخة فإن الإنسان لو نذر ذبح شاة في أي وقت كان لزمه الوفاء بنذره والله أعلم وروي عن عائشة رضي الله عنها قالت أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفرعة من كل خمس واحدة قال ابن المنذر هذا حديث ثابت ولنا ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا فرع ولا عتيرة متفق عليه وهذا الحديث متأخر عن الأمر بها فيكون ناسخا ودليل تأخره أمران أحدهما أن راويه أبو هريرة وهو متأخر الإسلام فإن إسلامه في سنة فتح خيبر وهي السنة السابعة من الهجرة والثاني أن الفرع والعتيرة كان فعلهما أمرا متقدما على الإسلام فاظاهر بقاؤهم عليه إلى حين نسخه واستمرار النسخ من غير رفع له ولو قدرنا تقدم النهي على الأمر بها لكانت قد نسخت ثم نسخ ناسخها وهذا خلاف الظاهر إذا ثبت هذا فإن المراد بالخبر نفي كونها سنة لا تحريم فعلها ولا كراهته فلو ذبح إنسان ذبيحة في رجب أو ذبح ولد الناقة لحاجته إلى ذلك أو للصدقة به وإطعامه لم يكن ذلك مكروها والله تعالى أعلم كتاب السبق والرامي المسابقة جائزة بالسنة والإجماع وأما السنة فروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل المضمرة من الحفياء إلى ثنية الوداع وبين التي لم تضمر من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق متفق عليه قال موسى بن عقبة من الحفياء إلى ثنية الوداع ستة أميال أو سبعة أميال وقالسفيان من الثنية إلى مسجد بني زريق ميل أو نحوه وأجمع المسلمون على جواز المسابقة في الجملة والمسابقة على ضربين مسابقة بغير عوض ومسابقة بعوض

Section V09/P367–V09/P368

فأما المسابقة بغير عوض فتجوز مطلقا من غير تقييد بشيء معين كالمسابقة على الأقدام والسفن والطيور والبغال والحمير والفيلة والمزاريق وتجوز المصارعة ورفع الحجر ليعرف الأشد وغير هذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر مع عائشة فسابقته على رجلها فسبقته قالت فلما حملت اللحم سابقته فسبقني فقال هذه بتلك رواه أبو داود وسابق سلمة بن الأكوع رجلا من الأنصار بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم في يوم ذي قرد و صارع النبي صلى الله عليه وسلم ركانة فصرعه رواه الترمذي ومر بقوم يربعون حجرا يعني يرفعونه ليعرفوا الأشد منهم فلم ينكر عليهم وسائر المسابقة يقاس على هذا وأما المسابقة بعوض فلا تجوز إلا بين الخيل والإبل والرمي لما سنذكره إن شاء الله تعالى واختصت هذه الثلاثة بتجويز العوض فيها لأنها من آلات الحرب المأمور بتعلمها وأحكامها والتفوق فيها وفي المسابقة بها مع العوض مبالغة في الاجتهاد في النهاية لها والأحكام لها وقد ورد الشرع بالأمر بها والترغيب في فعلها قال تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم الأنفال 60 وقال النبي صلى الله عليه وسلم ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي وروى سعيد في سننه عن خالد بن زيد قال كنت رجلا راميا وكان عقبة بن عامر الجهني يمر بي فيقول يا خالد اخرج بنا نرم فلما كان ذات يوم أبطأت عنه فقال هلم أحدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة صانعه يحتسب في صنعه الخير والرامي به ومنبله ارموا واركبوا وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا وليس من اللهو إلا ثلاث تأديب الرجل فرسه وملاعبته أهله ورميه بقوسه ونبله ومن ترك الرمي بعد ما علمه رغبة عنه فإنها نعمة تركها وعن مجاهد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الملائكة لا تحضر من لهوكم إلا الرهان والنضال قال الأزهري النضال في الرمي والرهان في الخيل والسباق فيهما قال مجاهد ورأيت ابن عمر يشتد بين الهدفين إذا أصاب خصلة قال أنا بها وعن حذيفة مثله مسألة قال ( والسبق في النصل والحافر والخف لا غير ) السبق بسكون الباء المسابقة بفتحها الجعل المخرج في المسابقة والمراد بالنصل ها هنا السهم ذو النصل وبالحافر الفرس وبالخف البعير عبر عن كل واحد منها بجزء منه يختص به ومراد الخرقي أن المسابقة بعوض لا تجوز إلا في هذه الثلاثة وبهذا قال الزهري ومالك وقال أهل العراق يجوز ذلك في المسابقة على الأقدام والمصارعة لورود الأثر بهما فإن النبي صلى الله عليه وسلم سابق عائشة وصارع ركانة ولأصحاب الشافعي وجهان كالمذهبين ولهم في المسابقة في الطيور وجهان بناء على الوجهين في المسابقة على الأقدام والمصارعة ولنا ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر رواه أبو داود فنفي السبق في غير هذه الثلاثة ويحتمل أن يراد به نفي الجعل أي لا يجوز الجعل إلا في هذه الثلاثة ويحتمل أن يراد به نفي المسابقة بعوض فإنه يتعين حمل الخبر على أحد الأمرين للإجماع على جواز المسابقة بغير عوض في هذه الثلاثة وعلى كل تقدير فالحديث حجة لنا ولأن غير هذه الثلاثة لا يحتاج إليها في الجهاد كالحاجة إليها فلم تجز المسابقة عليها بعوض كالرمي بالحجارة ورفعها إذا ثبت هذا فالمراد بالنصل السهام من النشاب والنبل دون غيرهما والحافر الخيل وحدها والخف الإبل وحدها وقال أصحاب الشافعي تجوز المسابقة بكل ما له نصل من المزاريق وفي الرمح والسيف وجهان وفي الفيل والبغال والحمير وجهان لأن للمزاريق والرماح والسيوف نصلا وللفيلة خف وللبغال والحمير حوافر فتدخل في عموم الخبر

Section V09/P368–V09/P369

ولنا إن هذه الحيوانات المختلف فيها لا تصلح للكر والفر ولا يقاتل عليها ولا يسهم لها والفيل لا يقاتل عليه أهل الإسلام والرماح والسيوف لا يرمى بها فلم تجز المسابقة عليها كالبقر والتراس والخبر ليس بعام فيما تجوز المسابقة به لأنه نكرة في إثبات وإنما هو عام في نفي ما لا تجوز المسابقة به بعوض لكونه نكرة في سياق النفي ثم لو كان عاما لحمل على ما عهدت المسابقة عليه وورد الشرع بالحث على تعلمه وهو ما ذكرناه مسألة قال ( وإذا أرادا أن يستبقا أخرج أحدهما ولم يخرج الآخر فإن سبق من أخرج أحرز سبقه ولم يأخذ من المسبوق شيئا وإن سبق من لم يخرج أحرز سبق صاحبه ) وجملته أن المسابقة إذا كانت بين اثنين أو حزبين لم تخل إما أن يكون العوض منهما أو من غيرهما نظرت فإن كان من الإمام جاز سواء كان من ماله أو من بيت المال لأن في ذلك مصلحة وحثا على تعلم الجهاد ونفعا للمسلمين وإن كان غير إمام جاز له بدل العوض من ماله وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك لا يجوز بذل العوض من غير الإمام لأن هذا مما يحتاج إليه للجهاد فاختص به الإمام لتولية الولايات وتأمير الأمراء ولنا إنه بذل لماله فيما فيه مصلحة وقربة فجاز كما لو اشترى به خيلا وسلاحا فأما إن كان منهما اشترط كون الجعل من أحدهما دون الآخر فيقول إن سبقتني فلك عشرة وإن سبقتك فلا شيء عليك فهذا جائز وحكي عن مالك أنه لا يجوز لأنه قمار ولنا إن أحدهما يختص بالسبق فجاز كما لو أخرجه الإمام ولا يصح ما ذكره لأن القمار أن لا يخلو كل واحد منهما من أن يغنم أو يغرم وها هنا لا خطر على أحدهما فلا يكون قمارا فإذا سبق المخرج أحرز سبقه ولا شيء له على صاحبه وإن سبق الآخر أخذ سبق المخرج فملكه وكان كسائر ماله لأنه عوض في الجعالة فيملك فيها كالعوض المجهول في رد الضالة والآبق وإن كان العوض في الذمة فهو دين يقضى به عليه ويجبر على تسليمه إن كان موسرا وإن أفلس ضرب به مع الغرماء فصل والمسابقة عقد جائز ذكرهابن حامد وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي وقال في الآخر هو لازم إن كان العوض منهما وجائز إذا كان من أحدهما أو من غيرها وذكره القاضي احتمالا لأنه عقد من شرطه أن يكون العوض والمعوض معلومين فكان لازما كالإجارة ولنا إنه عقد على ما لا تتحقق القدرة على تسليمه فكان جائزا كرد الآبق فإنه عقد على الإصابة ولا يدخل تحت قدرته وبهذا فارق الإجارة فعل هذا لكل واحد من المتعاقدين الفسخ قبل الشروع في المسابقة وإن أراد أحدهما الزيادة فيها أو النقصان منها لم يلزم الآخر إجابته وأما بعدالشروع في المسابقة فإن كان لم يظهر لأحدهما فضل على الآخر جاز الفسخ لكل واحد منهما وإن ظهر لأحدهما فضل مثل أن يسبقه بفرسه في بعض المسابقة أو يصيب بسهامه أكثر منه فللفاضل الفسخ ولا يجوز للمفضول لأنه لو جاز له ذلك لفات غرض المسابقة لأنه متى بان له سبق صاحبه له فسخها وترك المسابقة فلا يحصل المقصود وقال أصحاب الشافعي إذا قلنا العقد جائز ففي جواز الفسخ من المفضول وجهان فصل ويشترط أن يكون العوض معلوما لأنه مال في عقد فكان معلوما كسائر العقود ويكون معلوما بالمشاهدة أو بالقدر والصفة على ما تقدم في غير موضع ويجوز أن يكون حالا ومؤجلا كالعوض في البيع ويجوز أن يكون بعضه خالا وبعضه مؤجلا فلو قال إن نضلتني فلك دينار حال وقفيز حنطة بعد شهر جاز وصح النضال لأن ما جاز أن يكون حالا ومؤجلا جاز أن يكون بعضه حالا وبعضه مؤجلا كالثمن غير أنه يحتاج إلى صفة الحنطة بما تصير به معلومة فصل فإن شرط أن يطعم السبق أصحابه فالشرط فاسد لأنه عوض على عمل فلا يستحقه غير العامل كالعوض في رد الآبق ولا يفسد العقد

Section V09/P369–V09/P371

وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي يفسد ولنا إنه عقد لا تقف صحته على تسمية بدل فلم يفسد بالشرط الفاسد كالنكاح وذكر القاضي أن الشروط الفاسدة في المسابقة تنقسم قسمين أحدهما ما يخل بشرط صحة العقد نحو أن يعود إلى جهالة العوض أو المسافة ونحوهما فيفسد العقد لأن العقد لا يصح مع فوات شرطه والثاني ما لا يخل بشرط العقد نحو أن يشترط أن يطعم السبق أصحابه أو غيرهم أو يشترط أنه إذا نضل لا يرمي أبدا أو لا يرمي شهرا أو شرطا أن لكل واحد منهما أو لأحدهما فسخ العقد متى شاء بعد الشروع في العمل وأشباه هذا فهذه شروط باطلة في نفسها وفي العقد المقترن بها وجهان أحدهما صحته لأن العقد تم بأركانه وشروطه فإذا حذف الزائد الفاسد بقي العقد صحيحا والثاني يبطل لأنه بذل العوض لهذا الغرض فإذا لم يحصل له غرضه لا يلزمه العوض وكل موضع فسدت المسابقة فإن كان السابق المخرج أمسك سبقه وإن كان الآخر فله أجر عمله لأنه عمل بعوض لم يسلم له فاستحق أجر المثل كالإجارة الفاسدة فصل وإذا كان المخرج غير المتسابقين فقال لهما أو لجماعة أيكم سبق فله عشرة جاز لأن كلا منهم يطلب أن يكون سابقا وأيهم سبق استحق العشرة وإن جاؤوا جميعا فلا شيء لواحد منهم لأنه لا سابق فيهم وإن قال لاثنين أيكما سبق فله عشرة وأيكما صلى فله عشرة لم يصح لأنه لا فائدة في طلب السبق فلا يحرص عليه لعدم فائدته فيه وإن قال ومن صلى فله خمسة صح لأن كل واحد يطلب السبق لفائدته فيه بزيادة الجعل وإن كانوا أكثر من اثنين فقال من سبق فله عشرة ومن صلى فله كذلك صح لأن كل واحد منهم يطلب أن يكون سابقا أو مصليا والمصلي هو الثاني لأن رأسه عند مصلي الآخر والصلوان هما العظمان الناتئان من جانبي الذنب وفي الأثر عن علي رضي الله عنه أنه قال سبق أبو بكر وصلى عمر وخبطتنا عشواء وقال الشاعر إن تبتدر غاية يوما لمكرمة تلق السوابق منا والمصلينا فإن قال للمجلي وهو الأول مائة وللمصلي وهو الثاني تسعون وللتالي وهو الثالث ثمانون وللنازع وهو الرابع سبعون وللمرتاح وهو الخامس ستون وللحظي وهو السادس خمسون وللعاطف وهو السابع أربعون وللمؤمل وهو الثامن ثلاثون وللطيم وهو التاسع عشرون وللسكيت وهو العاشر عشرة وللفسكل وهو الآخر خمسة صح لأن كل واحد يطلب السبق فإذا فاته طلب ما يلي السابق والفسكل اسم للآخر ثم يستعمل هذا في غير المسابقة بالخيل تجوزا كما روي أن أسماء ابنة عميس كانت تزوجت جعفر بن أبي طالب وولدت له عبد الله ومحمدا وعونا ثم تزوجها أبو بكر الصديق فولدت له محمد بن أبي بكر ثم تزوجها علي بن أبي طالب فقالت له إن ثلاثة أنت آخرهم لأخيار فقال لولدها فسكلتني أمكم وإن جعل للمصلي أكثر من السابق أو مثله أو جعل للتالي أكثر من المصلي أو مثله أو لم يجعل للمصلي شيئا ولم يجز لأن ذلك يفضي إلى أن لا يقصد السبق بل يقصد التأخر فيفوت المقصود فصل إذا قال لعشرة من سبق منكم فله عشرة صح فإن جاؤوا معا فلا شيء لهم لأنه لم يوجد الشرط الذي يستحق به الجعل في واحد منهم وإن سبقهم واحد فله العشرة لوجود الشرط فيه وإن سبق اثنان فلهما العشرة وإن سبق تسعة وتأخر واحد فالعشرة للتسعة

Section V09/P371–V09/P372

لأن الشرط وجد فيهم فكان الجعل بينهم كما لو قال من رد عبدي الآبق فله عشرة فرده تسعة ويحتمل أن يكون لكل واحد من السابقين عشرة لأن كل واحد منهم سابق فيستحق الجعل بكماله كما لو قال من رد عبدا لي فله عشرة فرد كل واحد عبدا وفارق ما لو قال من رد عبدي فرده تسعة لأن كل واحد منهم لم يرده إنما رده حصل من الكل ويصير هذا كما لو قال من قتل قتيلا فله سلبه فإن قتل كل واحد واحدا فلكل واحد سلب قتيله كاملا وإن قتل الجماعة واحدا فلجميعهم سلب واحد وها هنا كل واحد له سبق مفرد فكان له الجعل كاملا فعلى هذا لو قال من سبق فله عشرة ومن صلى فله خمسة فسبق خمسة وصلى خمسة فعلى الأول من الوجهين السابقين عشرة لكل واحد منهم درهمان وللمصلين خمسة لكل واحد منهم درهم وعلى الوجه الثاني لكل واحد من السابقين عشرة فيكون لهم خمسون ولكل واحد من المصلين خمسة فيكون لهم خمسة وعشرون ومن قال بالوجه الأول احتمل على قوله أن لا يصح العقد على هذا الوجه لأنه يحتمل أن يسبق تسعة فيكون لهم عشرة لكل واحد درهم وتسع ويصلي واحد فيكون له خمسة فيصير للمصلي من الجعل فوق ما للسابق فيفوت المقصود مسألة قال ( وإن أخرجا جميعا لم يجز إلا أن يدخلا بينهما محللا يكافي فرسه فرسيهما أو بعيره بعيريهما أو رميه رميهما فإن سبقهما أحرز سبقيهما وإن كان السابق أحدهما أحرز سبقه وأخذ سبق صاحبه فكان كسائر ماله ولم يأخذ من المحلل شيئا ) السبق بالفتح الجعل الذي يسابق عليه ويسمى الخطر والندب والقرع والرهن ويقال سبق إذا أخذ وإذا أعطى ومن الأضداد ومتى استبق الاثنان والجعل بينهما فأخرج كل واحد منهما لم يجز وكان قمارا لأن كل واحد منهما لا يخلو من أن يغنم أو يغرم وسواء كان ما أخرجاه متساويا مثل أن يخرج كل واحد منهما عشرة أو متفاوتا مثل ان أخرج أحدهما عشرة والآخر خمسة ولو قال إن سبقتني فلك علي عشرة وإن سبقتك فلي عليك قفيز حنطة أو قال إن سبقتني فلك علي عشرة ولي عليك قفيز لم يجز لما ذكرناه فإن أدخلا بينهما محللا وهو ثالث لم يخرج شيئا جاز وبهذا قال سعيد بن المسيب والزهري والأوزاعي وإسحاق وأصحاب الرأي وحكى أشهب عنمالك أنه قال في المحلل لا أحبه وعن جابر بن زيد أنه قيل له إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا لا يرون بالدخيل بأسا قال هم أعف من ذلك ولنا ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أدخل فرسا بين فرسين وهو لا يؤمن أن يسبق فليس بقمار ومن أدخل فرسا بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار رواه أبو داود فجعله قمارا إذا أمن أن يسبق لأنه لا يخلو كل واحد منهما من أن يغنم أو يغرم وإذا لم يأمن أن يسبق لم يكن قمارا لأن كل واحد منهما يجوز أن يخلو عن ذلك يشترط أن يكون فرس المحلل مكافئا لفرسيهما أو بعيره مكافئا لبعيريهما ورميه لرمييهما فإن لم يكن مكافئا مثل أن يكون فرساهما جوادين وفرسه بطيء فهو قمار للخبر ولأنه مأمون سبقه فوجوده كعدمه وإن كان مكافئا لهما جاز فإن جاؤوا كلهم الغاية دفعة واحدة أحرز كل واحد منهما سبق نفسه ولا شيء للمحل لأنه لا سابق فيهم وكذلك إن سبق المستبقان المحلل وإن سبق المحلل وحده أحرز السبقين بالاتفاق وإن سبق أحد المستبقين وحده أحرز سبق نفسه وأخذ سبق صاحبه ولم يأخذ من المحلل شيئا وإن سبق أحد المستبقين والمحلل أحرز السابق مال نفسه ويكون سبق المسبوق بين السابق والمحلل نصفين وسواء كان المستبقون اثنين أو أكثر حتى لو كانوا مائة وبينهم محلل لا سبق منه جاز وكذلك لو كان المحلل جماعة جاز لأنه لا فرق بين الاثنين والجماعة وهذا كله مذهب الشافعي

Section V09/P372–V09/P373

فصل ويشترط في المسابقة بالحيوان تحديد المسافة وأن يكون لابتداء عدوهما وآخره غاية لا يختلفان فيها لأن الغرض معرفة أسبقهما ولا يعلم ذلك إلا بتساويهما في الغاية ولأن أحدهما قد يكون مقصرا في أول عدوه سريعا في انتهائه وقد يكون بضد ذلك فيحتاج إلى غاية تجمع حاليه ومن الخيل ما هو أصبر والقارح أصبر من غيره وقد روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبق بين الخيل وفضل القرح في الغاية رواه أبو داود وسبق بين الخيل المضمرة من الحفياء إلى ثنية الوداع وذلك ستة أميال أو سبعة وبين التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق وذلك ميل أو نحوه فإن استبقا بغير غاية لينظر أيهما يقف أولا لم يجز لأنه يؤدي إلى أن لا يقف أحدهما حتى ينقطع فرسه ويتعذر الإشهاد على السبق فيه ويشترط في المسابقة إرسال الفرسين أو البعيرين دفعة واحدة فإن أرسل أحدهما قبل الآخر ليعلم هل يدركه الآخر أو لا لم يجز هذا في المسابقة بعوض لأنه قد لا يدركه مع كونه أسرع منه لبعد المسافة بينهما ويكون عند أول المسافة من يشاهد إرسالهما ويرتبهما وعند الغاية من يضبط السابق منهما لئلا يختلفا في ذلك ويحصل السبق في الخيل بالرأس إذا تماثلت الأعناق فإن اختلفا في طول العنق أو كان ذلك في الإبل اعتبر السبق بالكتف لأن الاعتبار بالرأس متعذر فإن طويل العنق قد يسبق رأسه لطول عنقه لا لسرعة عدوه وفى الإبل ما يرفع رأسه وفيها ما يمد عنقه فربما سبق رأسه لمد عنقه لا لسبقه فلذلك اعتبرنا الكتف فإن سبق رأس قصير العنق فهو سابق لأن من ضرورة ذلك كونه سابقا وإن سبق طويل العنق بأكثر مما بينهما في طول العنق فهو سابق لأن من ضرورة ذلك كونه سابقا وإن سبق طويل العنق بأكثر مما بينهما في طول العنق فقد سبق وإن كان بقدره لم يسبقه وإن كان أقل فالآخر السابق ونحو هذا كله قول الشافعي وقال الثوري إذا سبق أحدهما بالإذن كان سابقا ولا يصح لأن أحدهما قد يرفع رأسه ويمد الآخر عنقه فيكون سابقا بإذنه لذلك لا لسبقه وإن شرطا السبق بأقدام معلومة كثلاثة أو أكثر أو أقل لم يصح وقال بعض أصحاب الشافعي يصح ويتخاطان ذلك كما في الرمي وليس بصحيح لأن هذا لا ينضبط ولا يقف الفرسان عند الغاية بحيث يعرف مساحة ما بينهما وقد روى الدارقطني بإسناده عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي قد جعلت لك هذه السبقة بين الناس فخرج علي فدعا سراقة بن مالك فقال يا سراقة إني قد جعلت إليك ما جعل النبي صلى الله عليه وسلم في عنقي من هذه السبقة في عنقك فإذا أتيت الميطان قال أبو عبد الرحمن الميطان مرسلها من الغاية فصف الخيل ثم ناد هل من مصلح للجام أو حامل لغلام أو طارح لجل فإذا لم يجبك أحد فكبر ثلاثا ثم خلها عند الثالثة فيسعد الله بسبفه من شاء من خلقه وكان علي يقعد على منتهى الغاية يخط خطا ويقيم رجلين متقابلين عند طرف الخط طرفيه بين إبهامي أرجلهما وتمر الخيل بين الرجلين ويقول لهما إذا خرج أحد الفرسين على صاحبه بطرف أذنيه أو أذن أو عذار فاجعلا السبقة له فإن شككتما فاجعلوا سبقهما نصفين فإذا قرنتم ثنتين فاجعلا الغاية من غاية أصغر الثنتين ولا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام وهذا الأدب الذي ذكره في هذا الحديث في ابتداء الإرسال وانتهاء الغاية من أحسن ما قيل في هذا وهو مروي عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه في قضية أمره بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفوضها إليه فينبغي أن تتبع ويعمل بها

Section V09/P373–V09/P374

فصل ويشترط في الرهان أن تكون الدابتان من جنس واحد فإن كانتا من جنسين كالفرس والبعير لم يجز لأن البعير لا يكاد يسبق الفرس فلا يحصل الغرض من هذه المسابقة وإن كانتا من نوعين كالعربي والبرذون أو البختي والعرابي ففيه وجهان أحدهما لا يصح ذكره أبو الخطاب لأن التفاوت بينهما في الجري معلوم بحكم العادة فأشبها الجنسين والثاني يصح ذكره القاضي وهذا مذهب الشافعي لأنهما من جنس واحد وقد يسبق كل واحد منهما الآخر والضابط الجنس وقد وجد ويكفي في المظنة احتمال الحكمة ولو على بعد فصول في المناضلة وهي المسابقة في الرمي بالسهام والمناضلة مصدر ناضلته نضالا ومناضلة وسمي الرمي نضالا لأن السهم التام يسمى نضلا فالرمي به عمل بالنضل فسمي نضالا ومناضلة مثل قاتلته قتالا ومقاتلة وجادلته جدالا ومجادلة ويشترط لصحته ثمانية شروط أحدها أن يكون عدد الرشق معلوما والرشق بكسر الراء عدد الرمي وأهل اللغة يقولون هو عبارة عما بين العشرين والثلاثين والرشق بفتح الراء الرمي نفسه مصدر رشقت رشقا أي رميت رميا وإنما اشترط علمه لأنه لو كان مجهولا لأفضى إلى الخلاف لأن أحدهما يريد القطع والآخر يريد الزيادة فيختلفان والثاني أن يكون عدد الإصابة معلوما فيقولان الرشق عشرون والإصابة خمسة أو ستة أو ما يتفقان عليه منها إلا أنه لا يجوز اشتراط إصابة نادرة كإصابة جميع الرشق أو إصابة تسعة أعشاره ونحو هذا لأن الظاهر أن هذا لا يوجد فيفوت الغرض الثالث استواؤهما في عدد الرشق والإصابة وصفتها وسائر أحوال الرمي فإن جعلا رشق أحدهما عشرة والآخر عشرين أو شرطا أن يصيب أحدهما خمسة والآخر ثلاثة أو شرطا إصابة أحدهما خواسق والآخر خواصل أو شرطا أن يحط أحدهما من إصابته سهمين أو يحط سهمين من إصابته بسهم من إصابة صاحبه أو شرطا أن يرمي أحدهما من بعد والآخر من قرب أو أن يرمي أحدهما وبين أصابعه سهم والآخر بين أصابعه سهمان أو أن يرمي أحدهما وعلى رأسه شيء والآخر خال عن شاغل أو أن يحط عن أحدهما واحدا من خطئه لا له ولا عليه وأشبه هذا بما تفوت به المساواة لم يصح لأن موضوعها على المساواة والغرض معرفة الحذق وزيادة أحدهما على الآخر فيه ومع التفاضل لا يحصل فإنه ربما أصاب أحدهما لكثرة رميه لا لحذقه فاعتبرت المساواة كالمسابقة على الحيوان الرابع أن يصفا الإصابة فيقولان خواصل وهو المصيب للغرض كيفما كان قال الأزهري يقال خصلت مناضلي خصلة وخصلا ويسمى ذلك الفرع والقرطسة يقال قرطس إذا أصاب أو حوابي وهو ما وقع بين يدي الغرض ثم وثب إليه ومنه يقال حبا الصبي أو خواصر وهو ما وقع في أحد جانبي الغرض ومنه قيل الخاصرة لأنها في جانب الإنسان أو خوارق وهو ما خرق الغرض ثم وقع بين يديه أو خواسق وهو ما خرق الغرض وثبت فيه أو موارق وهو ما أنفذ الغرض ووقع من ورائه أو خوازم وهو ما خزم جانب الغرض وإن شرطا الخواسق والحوابي معا صح الخامس قدر الغرض والغرض هو ما يقصد إصابته من قرطاس أو ورق أو جلد أو خشب أو قرع أو غيره ويسمى غرضا لأنه يقصد ويسمى شارة وشنا قال الأزهري ما نصب في الهدف فهو القرطاس وما نصب في الهواء فهو الغرض ويجب أن يكون قدره معلوما بالمشاهدة أو بتقديره بشبر أو شبرين بحسب الاتفاق فإن الإصابة تختلف باختلاف سعته وضيقه السادس معرفة المسافة إما بالمشاهدة أو بالذراعان فيقول مائة ذراع أو مائتي ذراع لأن الإصابة تختلف بقربها وبعدها ومهما اتفقا عليه جاز إلا أن يجعلا مسافة بعيدة تتعذر الإصابة في مثلها وهو ما زاد على ثلاثمائة ذراع فلا يصح لأن الغرض يفوت بذلك وقد قيل إنه ما رمى إلى أربعمائة ذراع إلا عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه

Section V09/P374–V09/P375

السابع تعيين الرماة فلا يصح مع الإبهام لأن الغرض معرفة معرفة حذق الرمي بعينه لا معرفة حذق رام في الجملة ولو عقد اثنان نضالا على أربع مع كل واحد منهما ثلاثة لم يجز لذلك ولا يشترط تعيين القوس والسهام ولو عينها لم تتعين لأن القصد معرفة الحذق وهذا لا يختلف إلا بالرامي لا باختلاف القوس والسهام وفي الرهان يعتبر تعيين الحيوان الذي يسابق به ولا يعتبر الراكب لأن الغرض معرفة عدو الفرس لا حذق الراكب وكل ما يعتبر تعيينه إذا تلف انفسخ العقد ولم يقم غيره مقامه لأن العقد تعلق بعينه فانفسخ بتلف العين ولأن الغرض معرفة حذق الرامي أو عدو الفرس وقد فاتت معرفة ذلك بموته ولا يعرف حذقه من غيره وما لا يتعين يجوز إبداله لعذر وغيره فإذا تلف قام غيره مقامه فإن شرطا أن لا يرمي بغير هذا القوس ولا بغير هذا السهم أو لا يركب غير هذا الراكب فهذه شروط فاسدة لأنها تنافي مقتضى العقد أشبهت ما إذا شرط إصابة بإصابتين الثامن أن تكون المسابقة في الإصابة ولو قالا السبق لأبعدنا رميا لم يجز لأن الغرض من الرمي الإصابة لأبعد المسافة فإن المقصود من الرمي إما قتل العدو أو جرحه أو الصيد أو نحو ذلك وكل هذا إنما يحصل من الإصابة لا من الإبعاد فصل والمناضلة على ثلاثة أضرب أحدها تسمى المبادرة وهو أن يقولا من سبق إلى خمس إصابات من عشرين رمية فهو السابق فأيهما سبق إليها مع تساويهما في الرشق فقد سبق فإذا رميا عشرة عشرة فأصاب أحدهما خمسا ولم يصب الآخر خمسا فالمصيب خمسا هو السابق لأنه قد سبق إلى خمسة وسواء أصاب الآخر أربعا أو ما دونها أو لم يصب شيئا ولا حاجة إلى إتمام الرشق لأن السبق قد حصل بسبقه إلى ما شرط السبق إليه وإن أصاب كل واحد منهما من العشر خمسا فلا سابق فيهما ولا يكملان الرشق لأن جميع الإصابة المشروطة قد حصلت واستويا فيها فإن رمى أحدهما عشرا فأصاب خمسا ورمى الآخر تسعا فأصاب أربعا لم يحكم بالسبق ولا بعدمه حتى يرمي العاشر فإن أخطأ به فقد سبق الأول وإن أصاب به فلا سابق فيهما وإن لم يكن أصاب من التسعة إلا ثلاثا فقد سبقه الأول ولا يحتاج إلى رمي العاشر لأن أكثر ما يحتمل أنه يصيب به ولا يخرجه ذلك عن كونه مسبوقا الضرب الثاني أن يقول أينا فضل صاحبه بإصابة أو إصابتين أو ثلاث من عشرين رمية فقد سبق ويسمى مفاضلة ومحاطة لأن ما تساويا فيه من الإصابة محطوط غير معتد به ويلزم إكمال الرشق إذا كان في إتمامه فائدة فإذا قالا أينا فضل صاحبه بثلاث فهو سابق فرميا اثنتي عشرة رمية فأصابها أحدهما وأخطأها الآخر كلها لم يلزم إتمام الرشق لأن أكثر ما يحتمل أن يصيب الآخر الثمانية الباقية ويحطها الأول ولا يخرج الأول بهذا عن كونه سابقا وإن كان الأول إنما أصاب من الاثنتي عشرة عشرا لزمهما أن يرميا الثالثة عشرة فإن أصاباها أو أخطأ أو أصابها الأول وحده فقد سبق ولا يحتاج إلى إتمام الرشق فإن أصابها الآخر وأخطأها الأول فعليهما أن يرميا الرابعة عشرة والحكم فيها وفيما بعدها كالحكم في الثالثة عشرة وأنه متى أصاباها أو أخطآ أو أصابها الأول فقد سبق ولا يرميان ما بعدها وإن أصابها الآخر وحده رميا ما بعدها وهكذا كل موضع كان في إتمام الرشق فائدة لأحدهما لزم إتمامه وإن يئس من الفائدة لم يلزم إتمامه فإذا بقي من العدد ما يمكن أن يسبق أحدهما به صاحبه أو يسقط أحدهما به سبق صاحبه لزم الإتمام وإلا فلا فإذا كان السبق يحصل بثلاث إصابات من عشرين فرميا ثماني عشرة فأخطآها أو أصاباها أو تساويا في الإصابة فيها لم يلزم إتمام الرشق لأن أكثر ما يحتمل أن يصيب أحدهما هاتين الرميتين ويخطئهما الآخر ولا يحصل السبق بذلك

Section V09/P375–V09/P376

وكذلك إن فضل أحدهما الآخر بخمس إصابات فما زاد لم يلزم الإتمام لأن إصابة الآخر بالسهمين الباقيين لا يخرج الآخر عن كونه فاضلا بثلاث إصابات وإن لم يفضله إلا بأربع رميا السهم الآخر فإن أصابه المفضول وحده فعليهما رمي الآخر فإن أصابه المفضول أيضا سقط سبق الأول وإن أخطآ في أحد السهمين أو أصاب الأول في أحدهما فهو سابق فصل الثالث أن يقولا أينا أصاب خمسا من عشرين فهو سابق فمتى أصاب أحدهما خمسا من العشرين ولم يصبها الآخر فالأول سابق وإن أصاب كل واحد منهما خمسا أو لم يصب واحد منهما خمسا فلا سابق فيهما وهذه في معنى المحاطة في أنه يلزم إتمام الرشق ما كان في إتمامه فائدة فإذا خلا عن الفائدة لم يلزم إتمامه ومتى أصاب كل واحد منهما خمسا لم يلزم إتمامه ولم يكن فيهما سابق فإن رميا ست عشرة رمية ولم يصب واحد منهما شيئا لم يلزم إتمامه ولا سابق فيهما لأن أكثر ما يحتمل أن يصيب أحدهما الأربعة كلها ولا يحصل السبق بذلك واختلف أصحابنا فقال أبو الخطاب لا بد من معرفة الرمي هل هو مبادرة أو محاطة أو مفاضلة لأن غرض الرماة يختلف فمنهم من تكثر إصابته في الابتداء دون الانتهاء ومنهم من هو بالعكس فوجب بيان ذلك ليعلم ما دخل فيه وظاهر كلام القاضي أنه لا يحتاج إلى اشتراط ذلك لأن مقتضى النضال المبادرة وأن من بادر إلى الإصابة فهو السابق فإنه إذا شرط أن السبق لمن أصاب خمسة من عشرين فسبق إليها واحد فقد وجد الشرط ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين فصل فإن شرطا إصابة موضع من الهدف على أن يسقط ما قرب من إصابة أحدهما ما بعد من إصابة الآخر ففعل ثم فضل أحدهما الآخر بما شرطاه كان سابقا ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي لأن هذا نوع من المحاطة فإذا أصاب أحدهما موضعا بينه وبين الغرض شبر وأصاب الآخر موضعا بينه وبين الغرض أقل من شبر أسقط الأول وإن أصاب الأول الغرض أسقط الثاني فإن أصاب الثاني الدائرة التي في الغرض لم يسقط به الأول لأن الغرض كله موضع للإصابة فلا يفضل أحدهما صاحبه إذا أصاباه جميعا إلا أن يشترط ذلك وإن شرطا أن يحسب كل واحد منهما خاسقة بإصابتين جاز لأن أحدهما لم يفضل صاحبه في شيء فقد استويا فصل والسنة أن يكون لهما غرضان يرميان أحدهما ثم يمضيان إليه فيأخذان السهام يرميان الآخر لأن هذا كان فعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما بين الغرضين روضة من رياض الجنة وقال إبراهيم التيمي رأيت حذيفة يشتد بين الهدفين يقول أنا بها في قميص وعن ابن عمر مثل ذلك والهدف ما ينصب الغرض عليه إما تراب مجموع وإما حائط ويروى عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يشتدون بين الأغراض يضحك بعضهم إلى بعض فإذا جاء الليل كانوا رهبانا فإن جعلوا غرضا واحدا جاز لأن المقصود يحصل به وهو عادة أهل عصرنا

Section V09/P376–V09/P378

ولا بد في المناضلة أن يبتدىء أحدهما بالرمي لأنهما لو رميا معا أفضى إلى الاختلاف ولم يعرف المصيب منهما فإن كان المخرج أجنبيا قدم من يختاره منهما فإن لم يختر وتشاحا أقرع بينهما وأيهما كان أحق بالتقديم فبدره الآخر فرمى لم يعتد له بسهمه أصاب أو أخطأ وإذا بدأ أحدهما في وجه بدأ الآخر في الثاني تعديلا بينهما وإن شرطا البداءة لأحدهما في كل الوجوه لم يصح لأن موضوع المناضلة على المساواة وهذا تفاضل فإن فعل ذلك من غير شرط باتفاق منهما جاز لأن البداءة لا أثر لها في الإصابة ولا في تجريد الرمي وإن شرطا أن يبدأ كل واحد منهما من وجهين متواليين جاز لتساويهما ويحتمل أن يكون اشتراط البداءة في كل موضع ذكرنا غير لازم ولا يؤثر في العقد لأنه لا أثر له في تجويد رمي ولا كثرة إصابة وكثير من الرماة يختار التأخر على البداية فيكون وجود هذا الشرط كعدمه فإذا رمى البادىء بسهم رمى الثاني بسهم كذلك حتى يقضيا رميهما لأن إطلاق المناضلة يقتضي المراسلة ولأن ذلك أقرب إلى التساوي وأنجز للرمي لأن أحدهما يصلح قوسه ويعدل سهمه حتى يرمي الآخر وإن رميا بسهمين سهمين فحسن وهو العادة بين الرماة فيما رأينا وإن اشترطا أن يرمي أحدهما رشقا ثم يرمي الآخر أو يرمي أحدهما عددا ثم يرمي الآخر مثله جاز لأن هذا لا يؤثر في مقصود المناضلة وإن خالف مقتضى الإطلاق كما يجوز أن يشترط في البيع ما لا يقتضيه الإطلاق من النقود والخيار والأجل لما كان غير مانع من المقصود فصل وإن شرطا أن يرميا أرشاقا كثيرة جاز لأنه إذا جاز على القليل جاز على الكثير ولا بد أن تكون معلومة ثم إن شرطا أن يرميا منها كل يوم قدرا اتفقا عليه جاز لأن الغرض في هذا صحيح فإنهما أو أحدهما قد يضعف عن الرمي كله مع حذقه وإن أطلقا العقد جاز وحمل على التعجيل والحلول كسائر العقود فيرميان من أول النهار إلى آخره إلا أن يعرض عذر يمنع من مرض أو ريح أو تشوش السهام أو لحاجته إلى طعام أو شراب أو صلاة أو قضاء حاجة لأن هذه مستثناة بالعرف وكذلك المطر فإنه يرخي الوتر ويفسد الرشق فإذا جاء الليل تركاه لأن العادة ترك الرمي بالليل فحمل العقد عليه مع الإطلاق إلا أن يشترطا الرمي ليلا فيأخذ أحدهما صاحبه بذلك وإن كانت الليلة مقمرة منيرة اكتفي بذلك وإلا رميا في ضوء شمعة أو مشعل وإن عرض عارض يمنع الرمي كما ذكرنا أو كسر قوس أو قطع وتر أو انكسر سهم جاز إبداله فإن لم يمكن أخر الرمي حتى يزول العارض فصل فإن أراد أحدهما التطويل والتشاغل عن الرمي بما لا حاجة إليه من مسح القوس والوتر ونحو ذلك إرادة التطويل على صاحبه لعله ينسى القصد الذي أصاب به أو يفتر منع من ذلك وطولب بالرمي ولا يدهش بالاستعجال بالكلية بحيث يمنع من تحري الإصابة ويمنع كل واحد منهما من الكلام الذي يغبط به صاحبه مثل أن يرتجز ويفتخر ويتبجح بالإصابة ويعنف صاحبه على الخطأ أو يظهر له أنه يعلمه وهكذا الحاضر معهما مثل الأمير والشاهدين وغيرهم يكره لهم مدح المصيب وزهزهته وتعنيف المخطىء وزجره لأن فيه كسر قلب أحدهما وغيظه فصل وإذا تشاحا في موضع الوقوف فإن كان ما طلبه أحدهما أولى مثل أن يكون في أحد الموقفين يستقبل الشمس أو ريحا يؤذيه استقبالها ونحو ذلك والآخر يستدبرها قدم قول من طلب استدبارها لأنه العرف إلا أن يكون في شرطهما استقبال ذلك فالشرط أملك كما قلنا في الرمي ليلا وإن كان الموقفان سواء كان ذلك إلى الذي له البداءة فيتبعه الآخر فإذا كان في الوجه الثاني وقف حيث شاء ويتبعه الأول

Section V09/P378–V09/P379

فصل ويجوز عقد النضال على جماعة لأنه يروي أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على أصحاب له ينتضلون فقال ارموا وأنا مع ابن الأدرع فأمسك الآخرون وقالوا كيف نرمي وأنت مع ابن الأدرع قال ارموا وأنا معكم كلكم رواه البخاري ولأنه إذا جاز أن يكونا اثنين جاز أن يكونوا جماعتين لأن المقصود معرفة الحذق وهذا يحصل في الجماعتين فجاز كما في سباق الخيل وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم سبق بين الخيل المضمرة وسبق بين الخيل التي لم تضمر وعلى هذا يكون كل حزب بمنزلة واحد فإن عقد النضال جماعة ليتناضلوا حزبين فذكر القاضي أنه يجوز وهو مذهب الشافعي ويحتمل أن لا يجوز لأن التعيين شرط وقبل التفاضل لم يتعين من في كل واحد من الحزبين فعلى هذا إذا تفاضلوا عقدوا النضال بعده وعلى قول القاضي يجوز العقد قبل التفاضل ولا يجوز أن يقسموا بالقرعة لأنها ربما وقعت على الحذق في أحد الحزبين وعلى الكوادان في الآخر فيبطل مقصود النضال بل يكون لكل حزب رئيس فيختار أحدهما واحدا ثم يختار الآخر واحدا كذلك حتى يتفاضلوا جميعا ولا يجوز أن يجعل الخيار إلى أحدهما في الجميع ولا أن يختار جميع حزبه أو لا لأنه يختار الحذاق كلهم في حزبه ولا يجوز أن يجعل رئيس الحزبين واحدا لأنه يميل إلى حزبه فتلحقه التهمة ولا يجوز أن يختار كل واحد من الرئيسين أكثر من واحد لأنه أبعد من التساوي وإذا اختلفا في المبتدىء بالخيار منهما أقرع بينهما ولو قال أحدهما أنا أختار أولا وأخرج السبق أو يخرجه أصحابي لم يجز لأن السبق إنما يستحق بالسبق لا في مقابلة تفضل أحدهما بشيء فصل وإذا خرج أحد الزعيمين السبق من عنده فسبق حزبه لم يكن على حزبه شيء لأنه جعله على نفسه دونهم وإن شرطه عليهم فهو عليهم بالسوية ويكون للحزب الآخر بالسوية من أصاب منهم ومن لم يصب في أحد الوجهين كما أنه على الحزب الآخر بالسوية وفي الوجه الآخر يقسم بينهم على قدر الإصابة وليس لمن لم يصب منهم شيء لأن استحقاقه بالإصابة فكان على قدرها واختص بمن وجدت منه بخلاف المسبوقين فإنه وجب عليهم لالتزامهم له وقد استووا في ذلك فصل ومتى كان النضال بين حزبين اشترط كون الرشق يمكن قسمه بينهمم بغير كسر ويتساوون فيه فإن كانوا ثلاثة وجب أن يكون له ثلث وإن كانوا أربعة وجب أن يكون له ربع وكذلك ما زاد لأنه إذا لم يكن كذلك بقي سهم أو أكثر لا يمكن الجماعة الاشتراك فيه فصل وإذا كانوا حزبين فدخل معهم رجل لا يعرفونه في أحد الحزبين وكان يحسن الرمي جاز وإن كان لا يحسنه بطل العقد فيه وأخرج من الحزب الآخر من جعل بإزائه لأن كل واحد يجعل في مقابلته آخر أو يختار أحد الزعيمين واحدا ويختار الآخر آخر في مقابلته وهل يبطل في الباقين عهلى وجهين بناء على تفريق الصفقة فإن قلنا لا يبطل فلكل حزب الخيار لتبعيض الصفقة في حقهم وإن بان راميا لكنه قليل الإصابة فقال حزبه ظنناه كثير الإصابة أو لم نعلم حاله أو بان كثير الإصابة فقال الحزب الآخر ظنناه قليل الإصابة لم يسمع ذلك منهم وكان كمن عرفوه لأن شرط دخوله أن يكون في العقد من أهل الصنعة دون الحذق كما لو اشترى عبدا على أنه كاتب فبان حاذقا أو ناقصا فيها لم يؤثر فصل ولا يجوز أن يقولوا نقرع فمن خرجت قرعته فهو السابق ولا أن من خرجت قرعته فالسبق عليه ولا أن يقولوا نرمي فأينا أصاب فالسبق على الآخر لأنه عوض في عقد فلا يستحق بالقرعة ولا بالإصابة وإن شرطوا أن يكون فلان مقدم حزب وفلان مقدم الآخر ثم فلان ثانيا من الحزب الأول وفلان ثانيا من الحزب الثاني كان فاسدا لأن تقديم كل واحد من الحزب يكون إلى زعيمه وليس للحزب الآخر مشاركته في ذلك فإذا شرطوه كان فاسدا فصل وإذا تناضل اثنان وأخرج أحدهما السبق

Section V09/P379–V09/P380

فقال أجنبي أنا شريكك في الغنم والغرم أن نضلك فنصف السبق علي وإن نضلته فنصفه لي لم يجز وكذلك لو كان المتناضلون ثلاثة فيهم محلل فقال رابع للمستبقين أنا شريككما في الغنم والغرم كان باطلا لأن الغنم والغرم إنما يكون من المناضل فأما من لا يرمي فلا يكون له غنم ولا غرم ولو شرطا في النضال أنه إذا جلس المسبق كان عليه السبق لم يجز لأن السبق على النضال وهذا الشرط يخالف مقتضى النضال فكان فاسدا فصل ولو فضل أحد المتناضلين صاحبه فقال المفضول اطرح فضلك وأعطيك دينارا لم يجز لأن المقصود معرفة الحذق وذلك يمنع منه وإن فسخا العقد وعقدا عقدا آخر جاز وإن لم يفسخاه ولكن رميا تمام الرشق فتمت الإصابة له مع ما أسقطه استحق السبق ورد الدينار إن كان أخذه فصل إذا كان شرطهما حواصل وهي الإصابة المطلقة اعتد بها كيفما وجدت بشرط أن يصيب بنصل السهم فإن أصاب بعرضه أو بفوقه نحو أن ينقلب السهم بين يدي الغرض فيصيب فوقه الغرض لم يعتد به لأن هذا من شيء الخطأ وإن انقطع السهم قطعيتن فأصابت القطعة الأخرى لم يحتسب به فإن كان الغرض جلدا خيط عليه شنبر كشنبر المنخل وجعلا له عرى وخيوطا تعلق به في العرى فأصاب الشنبر أو العرى نظرت في شرطهما فإن شرطا إصابة الغرض اعتد له لأن ذلك من الغرض فأما المعاليق وهي الخيوط فلا يعتد له بإصابتها على كلا الشرطين لأنها ليست من الجلدة ولا من الغرض فأشبه إصابة الهدف فصل وإن أطارت الريح الغرض فوقع السهم في موضعه فإن كان شرطهما خواصل احتسب لفه به لعلمنا أنه لو كان الغرض في موضعه أصابه وإن كان شرطهما خواسق فقال القاضي ينظر فإن كانت صلابة الهدف كصلابة الغرض فثبت في الهدف احتسب له به لأنه لو بقي مكانه لثبت فيه كثبوته في الهدف وإن لم يثبت فيه مع التساوي لم يحتسب وإن كان الهدف أصلب فلم يثبت فيه أو كان رخوا لم يحتسب السهم له ولا عليه لأننا لا نعلم هل كان يثبت في الغرض لو بقي مكانه أو لا وهذا مذهب الشافعي وقال أبو الخطاب إن كان شرطهما خواسق لم يحتسب له بالسهم الذي وقع في موضعه ولا عليه لأننا لا ندري هل يثبت في الغرض لو كان موجودا أو لا وإن وقع السهم في غير موضع الغرض احتسب به على راميه لأنه خطأ ولو وقع في الغرض في الموضع الذي طار إليه حسب عليه أيضا لا له إلا أن يكونا اتفقا على رميه في الموضع الذي طار إليه وكذلك الحكم إذا ألقت الريح الغرض على وجهه فصل وإذا رمى فأخطأ لعارض من كسر قوس أو قطع وتر أو حيوان اعترض بين يديه أو ريح شديدة ترد السهم عرضا لم يحسب عليه بذلك السهم لأن خطأه للعارض لا لسوء رميه قال القاضي ولو أصاب لم يحتسب عليه لم يحتسب له لأنه إذا لم يحتسب ولأن الريح الشديدة كما يجوز أن تصرف الرمي الشديد فيخطىء يجوز أن تصرف السهم المخطىء عن خطئه فيقع مصيبا فتكون إصابته بالريح لا بحذق رميه فأما إن وقع السهم في حائل بينه وبين الغرض فمرقه وأصاب الغرض حسب له لأن إصابته لسداد رميه ومروقه لقوته فهو أولى من غيره وإن كانت الريح لينة خفيفة لا ترد السهم عادة لم يمنع لأن الجو لا يخلو من ريح ولأن الريح اللينة لا تؤثر إلا في الرمي الرخو الذي لا ينتفع به فصل وإن كان شرطهما خواسق والخاسق ما ثقب الغرض وثبت فيه فمتى أصاب الغرض بنصله وثبت فيه حسب له وإن خدشه ولم يثقبه لم يحتسب له وحسب به عليه وإن مرق منه احتسب له به لأن ذلك لقوة رميه فهو أبلغ من الخاسق وإن خرقه وهو أن يثقبه ويقع بين يديه ففيه وجهان أحدهما يحتسب له لأنه ثقب ثقبا يصلح للخسق وإنما لم يثبت السهم لسبب آخر من سعة الثقب أو غيره

Section V09/P380–V09/P381

والثاني لا يحتسب له لأن شرطهما الخواسق والخاسق ما ثبت وثبوته يكون بحذق الرامي وقصده برميه ما اتفقا عليه فإن كان امتناع السهم من الثبوت لمصادفته ما يمنع الثبوت من حصاة أو حجر أو عظم أو أرض غليظة ففيه الوجهان إلا أنه إذا لم يحتسب له لم يعد عليه لأن العارض منعه من الثبوت فأشبه ما لو منعه عارض من الإصابة وإن اختلفا في وجود العارض نظرت فإن علم موضع الثقب باتفاقهما أو ببينة نظر في الموضع فإن لم يكن فيه ما يمنع فالقول قول المنكر وإن كان فيه ما يمنع فالقول قول المدعي ولا يمين لأن الحال تشهد بصدق ما ادعاه وإن لم يعلما موضع الثقب إلا أنهما اتفقا على أنه خرق الغرض ولم يكن وراءه شيء يمنع فالقول قول المنكر بغير يمين أيضا لأنه لا مانع وإن كان وراءه ما يمنع وادعى المصاب عليه أنه لم يكن السهم في موضع وراءه ما يمنع فالقول قوله مع يمينه لأن الأصل عدم الإصابة مع احتمال ما يقوله المصيب وإن أنكر أن يكون خرق أيضا فالقول أيضا قوله مع يمينه لما ذكرناه فصل وإن شرطا خاسقا فوقع السهم في ثقب في الغرض أو موضع بال فنقبه وثبت في الهدف معلقا في الغرض نظرت فإن كان الهدف صليبا كصلابة الغرض فثبت فيه حسب له لأنه علم أن الغرض لو كان صحيحا لثبت فيه وإن كان الهدف ترابا أهيل لم يحتسب له ولا عليه لأننا لا نعلم هل كان يثبت في الغرض لو أصاب موضعا منه قويا أو لا وإن صادف السهم في ثقب في الغرض قد ثبت في الهدف مع قطعة من الغرض فقال الرامي خسفت وهذه الجلدة قطعها سهمي لشدة الرمية فأنكر صاحبه وقال بل هي كانت مقطوعة فإن علم أن الغرض كان صحيحا فالقول قول الرامي وإن اختلفا فذكرالقاضي أنها كالتي قبلها وإن كان الهدف رخوا لم يعتد به وإن كان قويا صلبا اعتد به وإن وقع سهمه في سهم ثابت في الغرض اعتد له به فإن كان شرطهما خواسق لم يحتسب له به ولا عليه لأننا لا نعلم يقينا أنه لولا فوق السهم الثابت لخسق فإن أصاب السهم ثم سبح عنه فخسق احتسب له به فصل إذا قال رجل لآخر ارم هذا السهم فإن أصبت به فلك درهم صح وكان جعالة لأنه بذل مالا له في فعل له فيه غرض صحيح ولم يكن هذا نضالا لأن النضال يكون بين اثنين أو جماعة على أن يرموا جميعا ويكون الجعل لبعضهم إذا كان سابقا وإن قال إن أصبت به فلك درهم وإن أخطأت فعليك درهم لم يصح لأنه قمار وإن قال ارم عشرة أسهم فإن كان صوابك أكثر من خطئك فلك درهم صح لأنه جعل الجعل في مقابلة الإصابة المعلومة فإن أكثر العشرة أقله ستة وليس ذلك بمجهول لأنه بالأقل يستحق الجعل وإن قال إن كان صوابك أكثر فلك بكل سهم أصبت به درهم صح وكذلك إن قال ارم عشرة ولك بكل سهم أصبت به منها درهم أو قال فلك بكل سهم زائد على النصف من المصيبات درهم لأن الجعل معلوم بتقديره بالإصابة فأشبه ما لو قال استق لي من هذا البئر ولك بكل دلو تمرة أو قال من رد عبدا من عبيدي فله بكل عبد درهم وإن قال إن كان خطؤك أكثر فعليك درهم أو نحو هذا لم يجز لأنه قمار وإن قال ارم عشرة فإن أخطأتها فعليك درهم أو نحو هذا لم يجز لأن الجعل يكون في مقابلة عمل ولم يوجد من المقابل عمل يستحق به شيئا ولو قال الرامي لأجنبي إن أخطأت فلك درهم لم يصح لذلك

Section V09/P381–V09/P384

فصل وإذا عقد النضال ولم يذكرا قوسا فظاهر كلام القاضي أنه يصح ويستويان في القوس إما العربية وإما العجمية وقال غيره لا يصح حتى يذكرا نوع القوس الذي يرميان عليه في الابتداء لأن إطلاقه ربما أفضى إلى الاختلاف وقد أمكن التحرز عنه بالتعيين للنوع فيجب ذلك وإن اتفقا على أنهما يرميان بالنشاب في الابتداء صح وينصرف إلى الرامي بالقوس الأعجمية لأن سهامها هو المسمى بالنشاب وسهام العربية يسمى نبلا فإن عين نوعا من القسي لم يجز العدول عنها إلى غيرها لأن أحدهما قد يكون أحذق بالرمي بأحد النوعين دون الآخر وإن عينا قوسا بينها لم تتعين لأنها قد تنكسر ويحتاج إلى إبدالها لأن الحذق لا يختلف باختلاف عين القوس بخلاف النوع وإن تناضلا على أن يرمي أحدهما بالعربية والآخر بالفارسية أو أحدهما بقوس الزنبور والآخر بقوس الجرخ أو قوس الحسبان وهو قوس سهامه قصار يجعل في مجرى مثل القصبة ثم يرمي بها ففيها وجهان أحدهما يصح وهو قول القاضي ومذهب الشافعي لأنهما نوعا جنس فصحت المسابقة مع اختلافهما كالخيل والإبل والثاني لا تصح المسابقة مع اختلافهما لأنهما يختلفان في الإصابة فجرى مجرى المسابقة بين جنسين وكذلك الحكم في المسابقة بين نوعي الخيل والإبل فصل وظاهر كلام أحمد إباحة الرمي بالقوس الفارسية ونص على جواز المسابقة بها وقال أبو بكر بن جعفر يكره لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى مع رجل قوسا فارسية فقال القها فإنها ملعونة ولكن عليكم بالقسي العربية وبرماح القنا فبها يؤيد الله الدين وبها يمكن الله لكم في الأرض رواه الأثرم ولنا انعقاد الإجماع على الرمي بها وإباحة حملها فإن ذلك جار في أكثر الأعصار وهي التي يحصل الجهاد بها في عصرنا وأكثر الأعصار المتقدمة وأما الخبر فيحتمل أنه لعنها لأن حملتها في ذلك العصر العجم ولم يكونوا أسلموا بعد ومنع العرب من حملها لعدم معرفتهم بها ولهذا أمر برماح القنا ولو حمل إنسان رمحا غيرها لم يكن مذموما وحكى أحمد أن قوما استدلوا على القسي الفارسية بقول الله تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة الأنفال 60 يعني أن هذا مما استطاعه من القوة فيدخل في عموم الآية مسألة قال ولا يجوز إذا أرسل الفرسان أن يجنب أحدهما إلى فرسه فرسا يحرضه على العدو ولا يصيح به وقت سباقه لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا جنب ولا جلب معنى الجنب أن يجنب المسابق إلى فرسه فرسا لا راكب عليه يحرض الذي تحته على العدو ويحثه عليه وهذا ظاهر كلام الخرقي وقال القاضي معناه أن يجنب فرسا يتحول عند الغاية عليه لكونها أقل كلالا وإعياء قال ابن المنذر كذا قيل ولا أحسب هذا يصح لأن الفرس التي يسابق عليها لا بد من تعيينها فإن كانت التي يتحول عنها فما حصل السبق بها وإن كانت التي يتحول إليها فما حصلت المسابقة بها في جميع الحلبة ومن شرط السباق ذلك ولأن هذا متى احتاج إلى التحول والاشتغال به فربما سبق باشتغاله لا سرعة غيره ولأن المقصود معرفة عدو الفرس في الحلبة كلها فمتى كان إنما يركبه في آخر الحلبة فما حصل المقصود وأما الجلب فهو أن يتبع الرجل فرسه يركض خلفه ويجلب عليه ويصيح وراءه يستحثه بذلك على العدو هكذا فسره مالك وقال قتادة الجلب والجنب في الرهان وروي عن أبي عبيد كقول مالك وحكي عنه أن معنى الجلب أن يحشر الساعي أهل الماشية ليصدقهم قال فلا يفعل ليأتهم على مياههم فيصدقهم والتفسير الأول هو الصحيح لما روى عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا جلب ولا جنب في الرهان رواه أبو داود وفي حديث علي في السباق وفي آخره ولا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام ويروى عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من أجلب على الخيل يوم الرهان فليس منا كتاب الايمان الأصل في مشروعيتها وثبوت حكمها الكتاب والسنة والإجماع

Section V09/P384–V09/P385

أما الكتاب فقول الله سبحانه لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان المائدة 89 الآية وقال تعالى ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها النحل 91 وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالحلف في ثلاثة مواضع فقال ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين يونس 53 وقال تعالى قل بلى وربي لتأتينكم سبأ 3 والثالث قل بلى وربي لتبعثن التغابن 7 وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها متفق عليه وكان أكثر قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومصرف القلوب ومقلب القلوب ثبت هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في آي وأخبار سوى هذين كثير وأجمعت الأمة على مشروعية اليمين وثبوت أحكامها ووضعها في الأصل لتوكيد المحلوف عليه فصل وتصح من كل مكلف مختار قاصد إلى اليمين ولا تصح من غير مكلف كالصبي والمجنون والنائم لقوله عليه السلام رفع القلم عن ثلاث ولأنه قول يتعلق به وجوب حق فلم يصح من غير مكلف أو غير مكلف ولا تنعقد يمين مكره وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة تنعقد لأنها يمين مكلف فانعقدت كيمين المختار ولنا ما روى أبو أمامة وواثلة بن الأسقع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليس على مقهور يمين ولأنه قول حمل عليه بغير حق فلم يصح ككلمة الكفر فصل وتصح اليمين من الكافر وتلزمه الكفارة بالحنث سواء حنث في كفره أو بعد إسلامه وبه قال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر إذا حنث بعد إسلامه وقال الثوري وأصحاب الرأي لا ينقعد يمينه لأنه ليس بمكلف ولنا إن عمر رضي الله عنه نذر في الجاهلية أن يعتكف في المسجد الحرام فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالوفاء بنذره ولأنه من أهل القسم بدليل قوله تعالى فيقسمان بالله المائدة 106 ولا نسلم أنه غير مكلف وإنما تسقط عنه العبادات بإسلامه لأن الإسلام يجب ما قبله فأما ما يلزمه بنذره أو يمينه فينبغي أن يبقى حكمه في حقه لأنه من جهته فصل ولا يجوز الحلف بغير الله وصفاته نحو أن يحلف بأبيه أو الكعبة أو صحابي أو إمام قال الشافعي أخشى أن يكون معصية قال ابن عبد البر وهذا أصل مجمع عليه وقيل يجوز ذلك لأن الله تعالى أقسم بمخلوقاته فقال والصافات صفا الصافات 1 والمرسلات عرفا المرسلات 1 والنازعات غرقا النازعات 1 وقال النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي السائل عن الصلاة أفلح وأبيه إن صدق وقال في حديث أبي العشراء وأبيك لو طعنت في فخذها لأجزأك ولنا ما روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أدركه وهو يحلف بأبيه فقال إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت قال عمر فما حلفت بها بعد ذلك ذاكرا ولا آثرا متفق عليه يعني ولا حاكيا لها عن غيري وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من حلف بغير الله فقد أشرك قال الترمذي هذا حديث حسن وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من حلف بملة غير الإسلام كاذبا فهو كما قال متفق عليه وفي لفظ من أنه بريء من الإسلام فإن كان قد كذب فهو كما قال وإن كان صادقا لم يرجع إلى الإسلام سالما رواه أبو داود فأما قسم الله بمصنوعاته فإنما أقسم به دلالة على قدرته وعظمته ولله تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه ولا وجه للقياس على إقسامه وقد قيل إن في إقسامه إضمار القسم برب هذه المخلوقات فقوله والضحى الضحى 1 أي ورب الضحى

Section V09/P385–V09/P386

وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم أفلح وأبيه إن صدق فقال ابن عبد البر هذه اللفظة غير محفوظة من وجه صحيح فقد رواهمالك وغيره من الحفاظ فلم يقولوها فيه وحديث أبي العشراء قد قال أحمد لو كان يثبت يعني أنه لم يثبت ولهذا لم يعمل به الفقهاء في إباحة الذبح في الفخذ ثم لو ثبت فالظاهر أن النهي بعده لأن عمر قد كان يحلف بها كما حلف بها النبي صلى الله عليه وسلم ثم نهى عن الحلف بها ولم يرد بعد لنهي إباحة ولذلك قال عمر وهو يروي الحديث بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فما حلفت بها ذاكرا ولا آثرا ثم إن لم يكن الحلف بغير الله محرما فهو مكروه فإن حلف فليستغفر الله تعالى أو ليذكر الله تعالى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله لأن الحلف بغير الله سيئة والحسنة تمحو السيئة وقد قال تعالى إن الحسنات يذهبن السيئات هود 114 وقال النبي صلى الله عليه وسلم إذا عملت سيئة فأتبعها حسنة تمحها ولأن من حلف بغير الله فقد عظم غير الله تعظيما يشبه تعظيم الرب تبارك وتعالى ولهذا سمي شركا لكونه أشرك غير الله مع الله تعالى في تعظيمه بالقسم به فيقول لا إله إلا الله توحيدا لله تعالى وبراءة من الشرك وقال الشافعي من حلف بغير الله تعالى فليقل استغفر الله فصل ويكره الإفراط في الحلف بالله تعالى لقول الله تعالى ولا تطع كل حلاف مهين القلم 10 وهذا ذم له يقتضي كراهة فعله فإن لم يخرج إلى حد الإفراط فليس بمكروه إلا أن يقترن به ما يوجب كراهته ومن الناس من قال الأيمان كلها مكروهة لقول الله تعالى ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم البقرة 214 ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحلف كثيرا وقد كان يحلف في الحديث الواحد أيمانا كثيرة وربما كرر اليمين الواحدة ثلاثا فإنه قال في خطبة الكسوف والله يا أمة محمد ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولقيته امرأة من الأنصار معها أولادها فقال والذي نفسي بيده إنكم لأحب الناس إلي ثلاث مرات وقال والله لأغزون قريشا والله لأغزون قريشا والله لأغزون قريشا ولو كان هذا مكروها لكان النبي صلى الله عليه وسلم أبعد الناس منه ولأن الحلف بالله تعظيم له وربما ضم إلى يمينه وصف الله تعالى بتعظيمه وتوحيده فيكون مثابا على ذلك وقد روي أن رجلا حلف على شيء فقال والله الذي لا إله إلا هو ما فعلت كذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما إنه قد كذب ولكن قد غفر له بتوحيده وأما الإفراط في الحلف فإنما كره لأنه لا يكاد يخلو من الكذب والله أعلم فأما قوله ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم البقرة 224 فمعناه لا تجعلوا أيمانكم بالله مانعة لكم من البر والتقوى والإصلاح بين الناس وهو أن يحلف بالله أن لا يفعل برا ولا تقوى ولا يصلح بين الناس ثم يمتنع من فعله ليبر في يمينه ولا يحنث فيها فنهوا عن المضي فيها

Questions