İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
والثاني لا يجوز لاحتمال أن يكون ذلك خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم لعدم مساواة غيره له في الفضل فصل إذا وجد المبطل في المأموم دون الإمام مثل أن يكون المأموم محدثا أو نجسا ولم يعلم بذلك إلا بعد فراغه من الصلاة أو سبقه الحدث في أثناء الصلاة أو ضحك أو تكلم أو ترك ركنا أو غير ذلك من المبطلات ولم يكن مع الإمام من تنعقد به الصلاة سواه فقياس المذهب أن حكمه كحكم الإمام معه على ما فصلناه لأن ارتباط صلاة الإمام بالمأموم كارتباط صلاة المأموم بالإمام فما فسد ثم فسد ها هنا وما صح ثم صح ها هنا فصل قال أحمد رحمه الله في رجلين أم أحدهما صاحبه فشم كل واحد منهما ريحا أو سمع صوتا يعتقد أنه من صاحبه وكل يقول ليس مني يتوضآن ويصليان إنما فسدت صلاتهما لأن كل واحد منهما يعتقد فساد صلاة صاحبه وأنه صار فذا وهذا على الرواية التي تقول بفساد صلاة كل واحد من الإمام والمأموم بفساد صلاة صاحبه لكونه صار فذا وعلى الرواية المنصوصة ينوي كل واحد منهما الانفراد ويتم صلاته ويتحمل أنه إنما قضى بفساد صلاتهما إذا أتما الصلاة على ما كان عليه من غير فسخ النية فإن المأموم يعتقد أنه مؤتم بمحدث والإمام يعتقد أنه يؤم محدثا وأما الوضوء فلعل أحمد رحمه الله إنما أراد بقوله يتوضآن لتصح صلاتهما جماعة إذ ليس لأحدهما أن يأتم بصاحبه أو يؤمه مع اعتقاد حدثه ولعله أمر بذلك احتياطا أما إذا صليا منفردين فإنه لا يجب الوضوء على واحد منهما لأن يقين الطهارة موجود في كل واحد منهما والحدث مشكوك فيه يزول اليقين بالشك فصل ونقل عن أحمد في إمام صلى بقوم فشهد اثنان عن يمينه أنه أحدث وأنكر الإمام وبقية المأمومين يعيد ويعيدون وهذا لأن شهادتهما إثبات يقدم على النفي لاحتمال علمهما به مع خفائه عنه وعن بقية المأمومين وقوله يعيدون لأن المأمومين متى علم بعضهم بحدث إمام لزمت الجميع الإعادة على المنصوص ويحتمل أن تختص بالإعادة من علم دون غيره على ما تقدم والله أعلم باب الساعات التي نهي عن الصلاة فيها روى ابن عباس قال شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس وعن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس متفق عليهما وفي لفظ بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العصر رواه مسلم وعن أبي هريرة مثل حديث عمر إلا أنه قال وعن الصلاة الفجر الصبح حتى تطلع الشمس وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بدأ حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تبرز وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب رواهما مسلم وعن عقبة بن عامر قال ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل وحين تتضيف الشمس للغروب حتى تغرب وعن عمرو بن عبسة قال قلت يا رسول الله أخبرني عن الصلاة قال صل صلاة الصبح ثم أقصر عن الصلاة حين تطلع الشمس حتى ترتفع فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار ثم صل فإن الصلاة محضورة مشهودة حتى يستقل الظل بالرمح ثم أقصر عن الصلاة فإنه حينئذ تسجر جهنم فإذا أقبل الفيء فصل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس فإنها تغرب بين قرني شيطان وحينئذ يسسجد لها الكفار رواهن مسلم مسألة قال أبو قاسم ( ويقضي الفوائت من الصلوات الفرض )
وجملته أنه يجوز قضاء الفرائض الفائتة في جميع أوقات النهي وغيرها روي نحو ذلك عن علي رضي الله عنه وغير واحد من الصحابة وبه قال أبو العالية والنخعي والشعبي والحكم وحماد ومالك والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر وقال أصحاب الرأي لا تقضى الفوائت في الأوقات الثلاثة التي في حديث عقبة بن عامر إلا عصر يومه يصليها قبل غروب الشمس لعموم النهي وهو متناول للفرائض وغيرها ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما نام عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس أخرها حتى ابيضت الشمس متفق عليه ولأنها صلاة فلم تجز في هذه الأوقات كالنوافل وقد روي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه نام في دالية فاستيقظ عند غروب الشمس فانتظر حتى غابت الشمس ثم صلى وعن كعب أحسبه ابن عجرة أنه نام حتى طلع قرن الشمس فأجلسه فلما أن تعالت الشمس قال له صل الآن ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها متفق عليه وفي حديث أبي قتادة إنما التفريط في اليقظة على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها متفق عليه وخبر النهي مخصوص بالقضاء في الوقتين الآخرين وبعصر يومه فنقيس محل النزاع على المخصوص وقياسهم منقوض بذلك أيضا وحديث أبي قتادة يدل على جواز التأخير لا على تحريم الفعل فصل ولو طلعت الشمس وهو في صلاة الصبح أتمها وقال أصحاب الرأي تفسد لأنها صارت في وقت النهي ولنا ما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغيب الشمس فليتم صلاته وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته متفق عليه وهذا نص في المسألة يقدم على عموم غيره فصل ويجوز فعل الصلاة المنذورة في وقت النهي سواء كان النذر مطلقا أو مؤقتا وقال أبو حنيفة لا يجوز ويتخرج لنا مثله بناء على صوم الواجب في أيام التشريق ولنا إنها صلاة واجبة فأشبهت الفوائت من الفرائض وصلاة الجنازة وقد وافقنا فيه فيما مضى بعد صلاة العصر وصلاة الصبح مسألة قال ( ويركع للطواف ) يعني في أوقات النهي وممن طاف بعد الصبح والعصر وصلى ركعتين ابن عمر وابن الزبير وعطاء وطاوس وفعله ابن عباس والحسن والحسين ومجاهد والقاسم بن محمد وفعله عروة بعد الصبح وهذا مذهب عطاء والشافعي وأبي ثور وأنكرت طائفة ذلك منهم أبو حنيفة ومالك واحتجوا بعموم أحاديث النهي ولنا ما روى جبير بن مطعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى في أي ساعة شاء من ليل أو نهار رواه الأثرم والترمذي وقال حديث صحيح ولأنه قول من سمينا من الصحابة ولأن ركعتي الطواف تابعة له فإذا أبيح المتبوع ينبغي أن يباح التبع وحديثهم مخصوص بالفوائت وحديثنا لا تخصيص فيه فيكون أولى مسألة قال ( ويصلي على الجنازة ) أما الصلاة على الجنازة بعد الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تميل للغروب فلا خلاف فيه قال ابن المنذر أجماع المسلمين في الصلاة على الجنازة بعد العصر والصبح وأما الصلاة عليها في الأوقات الثلاثة التي في حديث عقبة بن عامر فلا يجوز ذكرها القاضي وغيره قال الأثرم سألت أبا عبدالله عن الصلاة على الجنازة إذا طلعت الشمس قال أما حين تطلع فيما يعجبني ثم ذكر حديث عقبة بن عامر وقد روي عن جابر وابن عمر نحو هذا القول وذكره مالك في الموطأ عن ابن عمر وقال الخطابي هذا قول أكثر أهل العلم وقال أبو الخطاب عن أحمد رواية أخرى إن الصلاة على الجنازة تجوز في جميع أوقات النهي وهذا مذهب الشافعي لأنها صلاة تباح بعد الصبح والعصر فأبيحت في سائر الأوقات كالفرائض
ولنا قول عقبة بن عامر ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا وذكره مقرونا بالدفن دليل على إرادة صلاة الجنازة ولأنها صلاة من غير الصلوات الخمس فلم يجز فعلها في هذه الأوقات الثلاثة كالنوافل المطلقة وإنما أبيحت بعد صلاة الصبح والعصر لأن مدتها تطول فالانتظار يخاف منه عليها وهذه مدتها تقصر وأما الفرائض فلا يقاس عليها لأنها آكد ولا يصح قياس هذه الأوقات الثلاث على الوقتين الآخرين لأن النهي فيها آكد وزمنها أقصر فلا يخاف على الميت فيها ولأنه نهى عن الدفن فيها والصلاة المقرونة بالدفن تتناول صلاة الجنازة وتمنعها القرينة من الخروج بالتخصيص بخلاف الوقتين الآخرين والله أعلم مسألة قال ( ويصلي إذا كان في المسجد وأقيمت الصلاة وقد كان صلاها ) وجملته أن من صلى فرضه ثم أدرك تلك الصلاة في جماعة استحب له إعادتها أي صلاة كانت بشرط أن تقام وهو بالمسجد أو يدخل المسجد وهم يصلون وهذا قول الحسن والشافعي وأبي ثور فإن أقيمت صلاة الفجر أو العصر وهو خارج المسجد لم يستحب له الدخول واشترط القاضي لجواز الإعادة في وقت النهي أن يكون مع إمام الحي ولم يفرق الخرقي بين إمام الحي وغيره ولا بين المصلي جماعة وفرادى وكلامأحمد يدل على ذلك أيضا قال الأثرم سألت أنا عبدالله عمن صلى في جماعة ثم دخل المسجد وهم يصلون أيصلي معهم قال نعم وذكر حديث أبي هريرة أما هذا فقد عصى أبا القاسم إنما هي نافلة فلا يدخل فإن دخل صلى وإن كان قد صلى في جماعة قيل لأبي عبدالله والمغرب قال نعم إلا أنه في المغرب يشفع وقال مالك إن كان صلى وحده أعاد المغرب وإن كان صلى في جماعة لم يعدها لأن الحديث الدال على الإعادة قال فيه صلينا في رحالنا وقال أبو حنيفة لا تعاد الفجر ولا العصر ولا المغرب لأن التطوع لا يكون بوتر وعن ابن عمر والنخعي تعاد الصلوات كلها إلا الصبح والمغرب وقال أبو موسى وأبو مجلز ومالك والثوري والأوزاعي تعاد كلها إلا المغرب لئلا يتطوع بوتر وقال الحاكم إلا الصبح وحدها ولنا ما روى جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه قال شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجته فصليت معه صلاة الفجر في مسجد الخيف وأنا غلام شاب فلما قضى صلاته إذا هو برجلين في آخر القوم لم يصليا معه فقال علي بهما فأتي بهما ترعد فرائصهما فقال ما منعكما أن تصليا معنا فقالا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلينا في رحالنا قال لا تفعلا إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكم نافلة رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح وروى مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم عن بسر بن محجن عن أبيه أنه كان جالسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن للصلاة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ثم رجع ومحجن في مجلسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منعك أن تصلي مع الناس ألست برجل مسلم فقال بلى يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكني قد صليت في أهلي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليت وعن أبي ذر قال إن خليلي يعني النبي صلى الله عليه وسلم أوصاني أن أصلي الصلاة لوقتها فإذا أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة رواه مسلم وفي رواية فإن أدركتها معهم فصل ولا تقل إني قد صليت فلا أصلي رواه النسائي وهذه الأحاديث بعمومها تدل على محل النزاع وحديث يزيد بن الأسود صريح في إعادة الفجر والعصر مثلها والأحاديث بإطلاقها تدل على الإعادة سواء كان مع إمام الحي أو غيره وسواء صلى وحده أو جماعة
وقد روى أنس قال صلى بنا أبو موسى الغداة في المربد فانتهينا إلى المسجد الجامع فأقيمت الصلاة فصلينا مع المغيرة بن شعبة وعن صلة عن حذيفة أنه أعاد الظهر والعصر والمغرب وكان قد صلاهن في جماعة رواهما الأثرم فصل إذا أعاد المغرب شفعها برابعة نص عليه أحمد وبه قال الأسود بن يزيد والزهري والشافعي وإسحاق ورواه قتادة عن سعيد بن المسيب وروى صلة عن حذيفة أنه لما أعاد المغرب قال ذهبت أقوم في الثالثة فأجلسني وهذا يحتمل أنه أمره بالاقتصار على ركعتين لتكون شفعا ويحتمل أنه أمره بالصلاة مثل صلاة الإمام ولنا أن هذه الصلاة نافلة ولا يشرع التنقل بوتر غير الوتر فكان زيادة ركعة أولى من نقصانها لئلا يفارق إمامه قبل إتمام صلاته فصل إن أقيمت الصلاة وهو خارج المسجد فإن كان في وقت نهي لم يستحب له الدخول وإن كان في غير وقت نهي استحب له الدخول في الصلاة معهم وإن دخل وصلى معهم فلا بأس لما ذكرنا من خبر أبي موسى ولا يستحب لما روى مجاهد قال خرجت معابن عمر من دار عبد الله بن خالد بن أسيد حتى إذا نظر إلى باب المسجد إذا الناس في الصلاة فلم يزل واقفا حتى صلى الناس وقال إني صليت في البيت رواه الإمام أحمد في المسند فصل إذا أعاد الصلاة فالأولى فرضه روي ذلك عن علي رضي الله عنه وبه قال الثوري وأبو حنيفة وإسحاق والشافعي في الجديد وعن سعيد بن المسيب وعطاء والشعبي التي صلى معهم المكتوبة لما روي في حديث يزيد بن الأسود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا جئت إلى الصلاة فوجدت الناس فصل معهم وإن كنت قد صليت تكن لك نافلة وهذه مكتوبة ولنا قوله في الحديث الصحيح تكن لكما نافلة وقوله في حديث أبي ذر فإنها لك نافلة ولأن الأولى قد وقعت فريضة وأسقطت الفرض بدليل أنها لا تجب ثانيا وإذا برئت الذمة الأولى استحال كون الثانية فريضة وجعل الأولى نافلة قال حماد قال إبراهيم إذا نوى الرجل صلاة وكتبتها الملائكة فمن يستطيع أن يحولها فلما صلي بعدها فهو تطوع وحديثهم لا تصريح فيه فيجب أن يحمل معناه على ما في الأحاديث الباقية سواء فعلى هذا لا ينوي الثانية فرضا لكن ينويها ظهرا معادة وإن نواها نافلة صح فصل ولا تجب الإعادة قال القاضي لا تجب رواية واحدة وقال بعض أصحابنا فيها رواية أخرى إنها تجب مع إمام الحي لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها ولنا إنها نافلة والنافلة لا تجب وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لا تصل صلاة في يوم مرتين رواه أبو داود ومعناه واجبتان والله أعلم والأمر للاستحباب فعلى هذا إن قصد الإعادة فلم يدرك إلا ركعتين فقال الآمدي يجوز أن يسلم معهم لأنها نافلة ويستحب أن يتمها لأنه قصدها أربعا ونص أحمد رحمه الله على أنه يتمها أربعا لقوله صلى الله عليه وسلم وما فاتكم فأتموا مسألة قال ( في كل وقت نهي عن الصلاة فيه وهو بعد الفجر حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس ) اختلف أهل العلم في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها فذهب أحمد رحمة الله إلى أنها من بعد الفجر حتى ترتفع الشمس قدر رمح وبعد العصر حتى تغرب الشمس وحال قيام الشمس حتى تزول وعدها أصحابه خمسة أوقات من الفجر إلى طلوع الشمس وقت ومن طلوعها إلى ارتفاعها وقت وحال قيامها وقت ومن العصر إلى شروع الشمس في الغروب وقت وإلى تكامل الغروب وقت والصحيح أن الوقت الخامس من حين تتضيف الشمس للغروب إلى أن تغرب لأن عقبة بن عامر قال ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل وحين تتضيف الشمس للغروب حتى تغرب فجعل هذه ثلاث أوقات وقد ثبت لنا وقتان آخران بحديث عمر وأبي سعيد فيكون الجميع خمسة
ومن جعل الخامس وقت الغروب فلأن النبي صلى الله عليه وسلم خصه بالنهي في حديث ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا بدا حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تبرز وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب وفي حديث ولا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها وعلى كل حال فهذه الأوقات المذكورة منهي عن الصلاة فيها وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي وقال ابن المنذر إنما المنهي عنه الأوقات الثلاثة التي في حديث عقبة بدليل تخصيصها بالنهي في حديثه وحديث ابن عمر وقوله لا تصلوا بعد العصر إلا أن تصلوا والشمس مرتفعة رواه أبو داود وقالت عائشة وهم عمر إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتحرى طلوع الشمس أو غروبها ولنا ما ذكرنا من الأحاديث في أول الباب وهي صحيحة صريحة والتخصيص في بعض الأحاديث لا يعارض العموم الموافق له بل يدل على تأكد الحكم فيما خصه وقول عائشة في رد خبر عمر غير مقبول فإنه مثبت لروايته عن النبي صلى الله عليه وسلم وهي تقول برأيها وقول النبي صلى الله عليه وسلم أصح من قولها ثم هي قد روت ذلك أيضا فروى ذكوان مولى عائشة أنها حدثته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد العصر وينهى عنه رواه أبو داود فكيف يقبل ردها لما قد أقرت بصحته وقد رواه أبو سعيد وعمرو بن عبسة وأبو هريرة وابن عمر والصنابحي وأم سلمة كنحو رواية عمر فلا يترك هذا بمجرد رأي مختلف متناقض فصل والنهي عن الصلاة بعد العصر متعلق بفعل الصلاة فمن لم يصل أبيح له التنفل وإن صلى غيره ومن صلى العصر فليس له التنفل وإن لم يصل أحد سواه لا نعلم في هذا خلافا عند من يمنع الصلاة بعد العصر فإما النهي بعد الفجر فيتعلق بطلوع الفجر وبهذا قال سعيد بن المسيب والعلاء بن زياد وحميد بن عبد الرحمن وأصحاب الرأي وقالالنخعي كانوا يكرهون ذلك يعني التطوع بعد طلوع الفجر ورويت كراهيته عن عبدالله بن عمر وعبدالله بن عمرو وعن أحمد رواية أخرى أن النهي متعلق بفعل الصلاة أيضا كالعصر وروي نحو ذلك عن الحسن والشافعي لما أبو روى سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس رواه مسلم وروى أبو داود حديث عمر بهذا اللفظ وفي حديث عمرو بن عبسة قال صل صلاة الصبح ثم أقصر عن الصلاة كذا رواه مسلم وفي رواية أبي داود قال قلت يا رسول الله أي الليل أسمع قال جوف الليل الآخر فصل ما شئت فإن الصلاة مكتوبة مشهودة حتى تصلي الصبح ثم أقصر حتى تطلع الشمس فترتفع قدر رمح أو رمحين ولأن لفظ النبي صلى الله عليه وسلم في العصر علق على الصلاة دون وقتها فكذلك الفجر ولأنه وقت نهي بعد صلاة فيتعلق بفعلها كبعد العصر والمشهور في المذهب الأول لما روى يسار مولى ابن عمر قال رآني ابن عمر وأنا أصلي بعد طلوع الفجر فقال يا يسار إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج علينا ونحن نصلي هذه الصلاة فقال ليبلغ شاهدكم غائبكم لا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين رواه أبو داود وفي لفظ لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا سجدتان رواه الدارقطني وفي لفظ إلا ركعتي الفجر وقال هو غريب رواه قدامة بن موسى وقد روى عنه غير واحد من أهل العلم وقال هذا ما أجمع عليه أهل العلم وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طلع الفجر فلا صلاة إلا ركعتا الفجر وهذا يبين مراد النبي صلى الله عليه وسلم من اللفظ المجمل ولا يعارضه تخصيص ما بعد الصلاة بالنهي فإن ذلك دليل خطاب وهذا منطوق فيكون أولى وحديث عمرو بن عبسة قد اختلفت ألفاظ الرواة فيه وهو في سنن ابن ماجة حتى يطلع الفجر
مسألة قال ( ولا يبتدىء في هذه الأوقات صلاة يتطوع بها ) لا أعلم خلافا في المذهب أنه لا يجوز أن يبتدىء صلاة تطوع غير ذات سبب وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي وقال ابن المنذر رخصت طائفة في الصلاة بعد العصر روينا ذلك عن علي والزبير وابنه وتميم الداري والنعمان بن بشير وأبي أيوب الأنصاري وعائشة وفعله الأسود بن يزيد وعمر وابن ميمون ومسروق وشريح وعبدالله بن أبي الهذيل وأبو بردة وعبد الرحمن بن الأسود وابن البيلماني والأحنف بن قيس وحكي عن أحمد أنه قال لا نفعله ولا نعيب فاعله وذلك لقول عائشة رضي الله عنا ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين بعد العصر عندي قط وقولها وهم عمر إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتحرى طلوع الشمس أو غروبها رواهما مسلم وقول علي عن النبي صلى الله عليه وسلم لا صلاة بعد العصر إلا والشمس مرتفعة ولنا الأحاديث المذكورة في أول الباب وهي صحيحة صريحة وروى أو بصرة قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر بالمحمص فقال إن هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم فضيعوها فمن حافظ عليها كان له أجره مرتين ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد رواه مسلم وهذا خاص في محل النزاع وأما حديث عائشة فقد روى عنها ذكوان مولاها أنها حدثته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد العصر وينهى عنها رواه أبو داود وروى أبو سلمة أنه سأل عائشة عن السجدتين اللتين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليهما بعد صلاة العصر فقالت كان يصليهما قبل العصر ثم إنه شغل عنهما أو نسيهما فصلاهما بعد العصر ثم أثبتهما وكان إذا صلى صلاة أثبتها وعن أم سلمة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عنها ثم رأيته يصليها وقال يا بنت أبي أمية إنه أتاني ناس من عبد القيس بالإسلام من قومهم فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان رواهما مسلم وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما فعله لسبب وهو قضاء ما فاته من السنة وأنه نهى عن الصلاة بعد العصر كما رواه غيرهما وحديث عائشة يدل على اختصاص النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ونهيه غيره وهذا حجة على من خالف ذلك فإن النزاع إنما هو في غير النبي صلى الله عليه وسلم وقد ثبت ذلك من غير معار ض له فصل فأما التطوع لسبب غير ما ذكره الخرقي فالمنصوص عن أحمد رحمة الله في الوتر أنه يفعله قبل صلاة الفجر قال الأثرم سمعت أبا عبدالله يسأل أيوتر الرجل بعدما يطلع الفجر قال نعم وروي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وحذيفة وأبي الدرداء وعبادة بن الصامت وفضالة بن عبيد وعائشة وعبدالله بن عامر وربيعة وعمرو بن شرجبيل وقال أيوب السختياني وحميد الطويل إن أكثر وترنا لبعد طلوع الفجر وبه قال مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وروي عن علي رضي الله عنه أنه خرج بعد طلوع الفجر فقال لنعم ساعة الوتر هذه وروي عن عاصم قال جاء ناس إلى أبي موسى فسألوه عن رجل لم يوتر أذن المؤذن قال لا وتر له فأتوا عليا فسألوه فقال أغرق في النزاع الوتر ما بينه وبين الصلاة وأنكر ذلك عطاء والنخعي وسعيد بن جبير وهو قول أبي موسى على ما حكينا واحتجوا بعموم النهي ولنا ما روى أبو بصرة الغفاري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله زادكم صلاة فصلوها ما بين العشاء إلى صلاة الصبح الوتر الوتر رواه الأثرم واحتج به أحمد ولأنه قول من سمينا من الصحابة وأحاديث النهي الصحيحة ليست صريحة في النهي قبل صلاة الفجر على ما قدمناه إنما فيه حديث ابن عمر وهو غريب وقد روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من نام عن الوتر أو نسيه فليصله إذا أصبح أو ذكر رواه ابن ماجة وهذا صريح في محل النزاع
إذا ثبت هذا فإنه لا ينبغي لأحد أن يتعمد ترك الوتر حتى يصبح لهذا الخبر ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال فإذا خشي أحدكم الصبح فليصل ركعة توتر له ما قد صلى متفق عليه وهكذا قال مالك وقال من فاتته صلاة الليل فله أن يصلي بعد الصبح قبل أن يصلي الصبح وحكاه ابن أبي موسى في الإرشاد مذهبا لأحمد قياسا على الوتر ولأن هذا الوقت لم يثبت النهي فيه صريحا فكان حكمه خفيفا فصل فأما قضاء سنة الفجر بعدها فجائز إلا أن أحمد اختار أن يقضيهما من الضحى وقال إن صلاهما بعد الفجر أجزأ وأما أنا فأختار ذلك وقال عطاء وابن جريج والشافعي يقضيهما بعدها لما روى عن قيس بن فهد قال رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أصلي ركعتي الفجر بعد صلاة الفجر فقال ما هاتان الركعتان يا قيس قلت يا رسول الله لم أكن صليت ركعتي الفجر فهما هاتان رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وسكوت النبي صلى الله عليه وسلم يدل على الجواز ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى سنة الظهر بعد العصر وهذه في معناها ولأنها صلاة ذات سبب فأشبهت ركعتي الطواف وقال أصحاب الرأي لا يجوز لعموم النهي ولما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يصل ركعتي الفجر فليصلهما بعدما تطلع الشمس رواه الترمذي وقال لا نعرفه إلا من حديث عمرو بن عاصم قال ابن الجوزي رحمه الله وهو ثقة أخرج عنه البخاري وكان ابن عمر يقضيهما من الضحى وحديث قيس مرسل قاله أحمد والترمذي لأنه يرويه محمد بن إبراهيم عن قيس ولم يسمع منه وروي من طريق يحيى بن سعيد عن جده وهو مرسل أيضا ورواه الترمذي قال قلت يا رسول الله إني لم أكن ركعت ركعتي الفجر قال فلا إذا وهذا يحتمل النهي وإذا كان الأمر هكذا كان تأخيرها إلى وقت الضحى أحسن لنخرج من الخلاف ولا نخالف عموم الحديث وإن فعلها فهو جائز لأن هذا الخبر لا يقصر عن الدلالة على الجواز والله أعلم فصل وأما قضاء السنن الراتبة بعد العصر فالصحيح جوازه لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله فإنه قضى الركعتين اللتين بعد الظهر بعد العصر في حديث أم سلمة وقضى الركعتين اللتين قبل العصر بعدها في حديث عائشة والاقتداء بما فعله النبي صلى الله عليه وسلم متعين ولأن النهي بعد العصر خفيف لما روي في خلافه من الرخصة وما وقع من الخلاف فيه وقولعائشة إنه كان ينهى عنها معناه والله أعلم نهى عنها لغير هذا السبب أو أنه كان يفعلها على الدوام وينهى عن ذلك وهذا مذهب الشافعي ومنعه أصحاب الرأي لعموم النهي وما ذكرناه خاص فالأخذ به أولى إلا أن الصحيح في الركعتين قبل العصر أنها لا تقضى لما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاهما فقلت له أتقضيهما إذا فاتتا فقال لا رواه ابن النجار في الجزء الخامس من حديثه فصل فأما قضاء السنن في سائر أوقات النهي وفعل غيرها من الصلوات التي لها سبب كتحية المسجد وصلاة الكسوف وسجود التلاوة فالمشهور في المذهب أنه لا يجوز ذكره الخرقي في سجود التلاوة وصلاة الكسوف وقال القاضي في ذلك روايتان أصحهما أنه لا يجوز وهو قول أصحاب الرأي لعموم النهي والثانية يجوز وهو قول الشافعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم فقال إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين متفق عليه وقال في الكسوف فإذا رأيتموهما فصلوا وهذا خاص في هذه الصلاة فيقدم على النهي العام في الصلاة كلها ولأنها صلاة ذات سبب فأشبهت ما ثبت جوازه ولنا إن النهي للتحريم والأمر للندب وترك المحرم أولى من فعل المندوب وقولهم إن الأمر خاص في الصلاة قلنا ولكنه عام في الوقت والنهي خاص فيه فيقدم ولا يصح القياس على القضاء بعد العصر لأن حكم النهي فيه أخف لما ذكرنا ولا على قضاء الوتر بعد طلوع الفجر لذلك
ولأنه وقت له بدليل حديث أبي بصرة ولا على صلاة الجنازة لأنها فرض كفاية ويخاف على الميت ولا على ركعتي الطواف ونها تابعتان لما لا يمنع منه النهي مع أننا قد ذكرنا أن الصحيح أنه لا يصلى على الجنازة في الأوقات الثلاثة التي في حديث عقبة بن عامر وكذلك لا ينبغي أن يركع للطواف فيها ولا يعيد فيها جماعة وإذا منعت هذه الصلوات المتأكدة فيها فغيرها أولى بالمنع والله أعلم فصل ولا فرق بين مكة وغيرها في المنع من التطوع في أوقات النهي وقال الشافعي لا يمنع فيها لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى في أي ساعة شاء من ليل أو نهار وعن أبي ذر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يصلين أحد بعد الصبح إلى طلوع الشمس ولا بعد العصر إلى أن تغرب الشمس إلا بمكة يقول قال ذلك ثلاثا رواه الدارقطني ولنا عموم النهي وأنه معنى يمنع الصلاة فاستوت فيه مكة وغيرها كالحيض وحديثهم أراد به ركعتي الطواف فيختص بهما وحديث أبي ذر ضعيف يرويه عبدالله بن المؤمل وهو ضعيف قاله يحيى بن معين فصل ولا فرق في وقت الزوال بين الجمعة وغيرها ولا بين الشتاء والصيف كان عمر بن الخطاب ينهى عنه وقال ابن مسعود كنا ننهى عن ذلك يعني يوم الجمعة وقال سعيد المقبري أدركت الناس وهم يتقون ذلك وعن عمرو بن سعيد بن العاص عن أبيه قال كنت أبقي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا زالت الشمس قاموا فصلوا أربعا ورخص فيه الحسن وطاوس والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز والشافعي وإسحاق في يوم الجمعة لما روى أبو سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة وعن أبي قتادة مثله رواه أبو داود ولأن الناس ينتظرون الجمعة في هذا الوقت وليس عليهم قطع النوافل وقال مالك أكرهه إذا علمت انتصاف النهار وإذا كنت في موضع لا أعلمه ولا استطيع أن أنتظر فإني أراه واسعا وأباحه فيها عطاء في الشتاء دون الصيف لأن شدة الحر من فيح جهنم وذلك الوقت حين تسجر جهنم ولنا عموم الأحاديث في النهي وذكر لأحمد الرخصة في الصلاة نصف النهار يوم الجمعة قال فيه حديث النبي صلى الله عليه وسلم من ثلاثة وجوه حديث عمرو بن عبسة وحديث عقبة بن عامر وحديث الصنابحي رواه الأثرم عن عبدالله الصنابحي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان فإذا ارتفعت فارقها ثم إذا استوت قارنها فإذا زالت فارقها فإذا دنت للغروب قارنها فإذا غربت فارقها ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في تلك الساعات ولأنه وقت نهي فاستوى فيه يوم الجمعة وغيره كسائر الأوقات وحديثهم ضعيف في إسناده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف وهو مرسل لأن أبا الخليل يرويه عن أبي قتادة ولم يسمع منه وقولهم إنهم ينتظرون الجمعة قلنا إذا علم وقت النهي فليس له أن يصلي فإن شك فله أن يصلي حتى يعلم لأن الأصل الإباحة فلا تزول بالشك والله أعلم مسألة قال ( وصلاة التطوع مثنى مثنى ) يعني يسلم من كل ركعتين والتطوع قسمان تطوع ليل وتطوع نهار فأما تطوع الليل فلا يجوز إلا مثنى مثنى هذا قول أكثر أهل العلم وبه قال أبو يوسف ومحمد وقالأبو حنيفة إن شئت ركعتين وإن شئت أربعا وإن شئت ستا وإن شئت ثمانيا ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الليل مثنى مثنى متفق عليه وعن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتاح الصلاة الطهور وبين كل ركعتين تسليمة رواه الأثرم مسألة قال ( وإن تطوع بأربع في النهار فلا بأس ) الأفضل في تطوع النهار أن يكون مثنى مثنى
لما روى علي بن عبدالله البارقي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال صلاة الليل مثنى مثنى رواه أبو داود والأثرم ولأنه أبعد عن السهو وأشبه بصلاة الليل وتطوعات النبي صلى الله عليه وسلم فإن الصحيح في تطوعاته ركعتان وذهب الحسن وسعيد بن جبير ومالك والشافعي وحماد بن أبي سليمان إلى أن تطوع الليل والنهار مثنى لذلك والصحيح إنه إن تطوع في النهار بأربع فلا بأس فعل ذلك ابن عمر وكان إسحاق يقول صلاة النهار أختار أربعا وإن صلى ركعتين جاز ويشبهه قول الأوزاعي وأصحاب الرأي لما روي عن أبي أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أربع قبل الظهر لا يسلم فيهن تفتح لهن أبواب السماء رواه أبو داود ولأن مفهوم قول النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الليل مثنى مثنى أن صلاة النهار رباعية ولنا على أن الأفضل مثنى ما تقدم وحديث أبي أيوب يرويه عبيد الله بن معتب وهو ضعيف ومفهوم الحديث المتفق عليه يدل على جواز الأربع لا على تفضليها وأما حديث البارقي فإنه تفرد بزيارة لفظة النهار من بين سائر الرواة وقد رواه عن ابن عمر نحو من خمسة عشر نفسا لم يقل ذلك أحد سواه وكان ابن عمر يصلي أربعا فيدل ذلك على ضعيف روايته أو على أن المراد بذلك الفضيلة مع جواز غيره والله أعلم فصل قال بعض أصحابنا ولا يزاد في الليل على اثنتين ولا في النهار على أربع ولا يصح التطوع بركعة ولا بثلاث وهذا ظاهر كلام الخرقي وقال القاضي لو صلى ستا في ليل أو نهار كره وصح وقال أبو الخطاب في صحة التطوع بركعة روايتان إحداهما يجوز لما روى سعيد قال حدثنا جرير عن قابوس عن أبيه قال دخل عمر المسجد فصلى ركعة ثم خرج فتبعه رجل فقال يا أمير المؤمنين إنما صليت ركعة قال هو تطوع فمن شاء زاد ومن شاء نقص ولنا إن هذا خلاف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الليل مثنى مثنى ولأنه لم يرد الشرع بمثله والأحكام إنما تتلقى من الشارع إما من نصه أو معنى نصه وليس ها هنا شيء من ذلك فصل والتطوعات قسمان أحدهما ما تسن له الجماعة وهو صلاة الكسوف والاستسقاء والتراويح ونذكرها إن شاء الله في مواضعها والثاني ما يفعل على الانفراد وهي قسمان سنة معينة ونافلة مطلقة فأما المعينة فتتنوع أنواعا منها السنن الرواتب مع الفرائض وهي عشر ركعات ركعتان قبل الظهر وركعتان بعدها وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء وركعتان قبل الفجر وقال أبو الخطاب وأربع قبل العصر لما روى ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رحم امرأ صلى قبل العصر أربعا رواه أبو داود وقال الشافعي قبل الظهر أربع لما روى عبد الله بن شقيق قال سألت عائشة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت كان يصلي في بيته قبل الظهر أربعا ثم يخرج فيصلي بالناس ثم يدخل فيصلي ركعتين وكان يصلي بالناس المغرب ثم يدخل فيصلي ركعتين ثم يصلي بالناس العشاء ويدخل بيتي فيصلي ركعتينرواه مسلم ولنا ما روي ابن عمر قال حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر ركعات ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب في بيته وركعتين بعد العشاء في بيته وركعتين قبل الصبح كانت ساعة لا يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فيها حدثتني حفصة أنه كان إذا أذن المؤذن وطلع الفجر صلى ركعتين متفق عليه ولمسلم بعد الجمعة سجدتين ولم يذكر ركعتين قبل الصبح وروى الترمذي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك وقال هو حديث صحيح وقوله رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعا ترغيب فيها ولم يجعلها من السنن الرواتب بدليل أن ابن عمر رواية ولم يحفظها عن النبي صلى الله عليه وسلم وحديث عائشة قد اختلف فيه فروي عنها مثل رواية ابن عمر
فصل وآكد هذه الركعات ركعتا الفجر قالت عائشة رضي الله عنها إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن على شيء من النوافل أشد معاهدة منه على ركعتي الفجر متفق عليه وفي لفظ ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من النوافل أسرع منه إلى الركعتين قبل الفجر أخرجه مسلم وقال ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها وفي لفظ أحب إلى من الدنيا وما فيها رواه مسلم وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلوهما ولو طردتكم الخيل رواه أبو داود ويستحب تخفيفهما فإن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتي الفجر فيخفف حتى إني لأقول هل قرأ فيهما بأم الكتاب متفق عليه ويستحب أن يقرأ فيهما قل يا أيها الكافرون و قل هو الله أحد لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعتي الفجر قل يا أيها الكافرون و قل هو الله أحد رواه مسلم وقال ابن عمر رمقت النبي صلى الله عليه وسلم شهرا فكان يقرأ في الركعتين قبل الفجر قل يا أيها الكافرون و قل هو الله أحد قال الترمذي هذا حديث حسن وعن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في ركعتي الفجر قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وفي الآخرة منهما آمنا واشهد بأننا مسلمون رواه مسلم فصل ويستحب أن يضطجع بعد ركعتي على جنبه الأيمن وكان أبو موسى ورافع بن خديج وأنس بن مالك يفعلون وأنكره ابن مسعود وكان القاسم وسالم ونافع لا يفعلونه واختلف فيه عن ابن عمر وروي عن أحمد أنه ليس بسنة لأن ابن مسعود أنكره ولنا ما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع قال الترمذي هذا حديث حسن رواه البزار في مسنده وقال على شقه الأيمن وعن عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن متفق عليه وهذا لفظ رواية البخاري واتباع النبي صلى الله عليه وسلم في قوله وفعله أولى من اتباع من خالفه كائنا من كان فصل ويقرأ في الركعتين بعد المغرب قل يا أيها الكافرون و قل هو الله أحد لما روى ابن مسعود قال ما أخصي ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعتين بعد المغرب وفي الركعتين قبل الفجر ب قل يا أيها الكافرون و قل هو الله أحد أخرجه الترمذي وابن ماجه ويستحب فعل السنن في البيت لما ذكرنا في حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي ركعتي الفجر والمغرب والعشاء في بيته وقال أبو داود ما رأيت أحمد ركعهما يعني ركعتي الفجر في المسجد قط إنما كان يخرج فيقعد في المسجد حتى تقام الصلاة وقال الأثرم سمعت أبا عبدالله سئل عن الركعتين بعد الظهر أين يصليان قال في المسجد ثم قال أما الركعتان قبل الفجر ففي بيته وبعد المغرب في بيته ثم قال ليس ها هنا شيء آكد من الركعتين بعد المغرب وذكر حديث ابن إسحاق صلوا هاتين الركعتين في بيوتكم قيل لأحمد فإن كان منزل الرجل بعيدا قال لا أدري وذلك لما روى سعد بن إسحاق عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم في مسجد بني عبد الأشهل فصلى المغرب فرآهم يتطوعون بعدها فقال هذه صلاة البيوت رواه أبو داود وعن رافع بن خديج قال أتانا النبي صلى الله عليه وسلم في بني عبد الأشهل فصلى بنا المغرب في مسجدنا ثم قال اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم رواه ابن ماجه الأثرم ولفظه قال صلوا هاتين الركعتين في بيوتكم فصل كل سنة قبل الصلاة فوقتها من دخول وقتها إلى فعل الصلاة وكل سنة بعدها فوقتها من فعل الصلاة إلى خروج وقتها فإن فات شيء من وقت هذه السنن
فقال أحمد لم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى شيئا من التطوع إلا ركعتي الفجر والركعتين بعد العصر وقال ابن حامد تقضى جميع السنن الرواتب في جميع الأوقات إلا أوقات النهي لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بعضها وقسنا الباقي عليه وقال القاضي وبعض أصحابنا لا يقضي إلا ركعتا الفجر تقضى إلى وقت الضحى وركعتا الظهر فإن أحمد قال ما أعرف وترا بعد الفجر وركعتا الفجر تقضى إلى وقت الضحى قال مالك تقضى ركعتا الفجر إلى وقت الزوال ولا تقضى بعد ذلك وقال النخعي وسعيد بن جبير والحسن إذا طلعت الشمس فلا وتر وقال بعضهم من صلى الغداة فلا وتر عليه والأول أصح لما ذكرنا وقال أحمد رحمه الله أحب أن يكون له شيء من النوافل يحافظ عليه إذا فات قضى النوع الثاني تطوعات مع السنن الرواتب يستحب أن يصلى قبل الظهر أربعا وأربعا بعدها لما روت أم حبيبة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع ركعات بعدها حرمه الله على النار رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح غريب وروى أبو أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أربع قبل الظهر ليس فيهن تسليم تفتح لهن أبواب السماء وقد ذكرناه وعلى أربع قبل العصر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم رحم الله أمرأ صلى قبل العصر أربعا رواه أبو داود وعن علي رضي الله عنه في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأربعا قبل الظهر إذا زالت الشمس وركعتين بعدها وأربعا قبل العصر يفصل بين كل ركعتين بالسلام على الملائكة المقربين والنبيين ومن تبعهم من المسلمين رواه ابن ماجه وعلى أربع بعد سنة المغرب لما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى بعد المغرب ست ركعات لم يتكلم بينهن بسوء عدلن له بعبادة اثنتي عشرة سنة رواه الترمذي وقال لا نعرفه إلا من حديث عمر بن أبي خثعم وضعفه البخاري جدا وعلى أربع بعد العشاء لما روي عن شريح بن هانىء عن عائشة قال سألتها عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء قط إلا صلى أربع ركعات أو ست ركعات رواه أبو داود فصل واختلف في أربع ركعات منها ركعتان قبل المغرب بعد الأذان فظاهر كلام أحمد أنهما جائزتان وليستا سنة قال الأثرم قلت لأبي عبدالله الركعتان قبل المغرب قال ما فعلته قط إلا مرة حين سمعت الحديث وقال فيهما أحاديث جياد أو قال صحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين إلا أنه قال لمن شاء فمن شاء صلى وقال هذا شيء ينكره الناس وضحك كالمتعجب وقال هذا عندهم عظيم والدليل على جوازهما ما روى أنس قال كنا نصلي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب قال المختار بن فلفل فقلت له أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاهما قال كان يرانا نصليهما فلم يأمرنا ولم ينهنا متفق عليه وقال أنس كنا بالمدينة إذا أذن الؤذن لصلاة المغرب ابتدروا السواري فركعوا ركعتين حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب أن الصلاة صليت من كثرة من يصليهما رواه مسلم وعن عبدالله بن المغفل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بين كل أذانين صلاة قالها ثلاثا ثم قال في الثالثة لمن شاء أخرجهما مسلم وقال عقبة كنا نفعله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن عبد الله بن المزني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلوا قبل المغرب ركعتين قال ثم قال صلوا قبل المغرب ركعتين قال ثم قال صلوا قبل المغرب ركعتين لمن شاء خشية أن يتخذها الناس سنة متفق عليه
ومنها الركعتان بعد الوتر فظاهر كلام أحمد أنه لا يستحب فعلهما وأن فعلهما إنسان جاز قال الأثرم سمعت أبا عبدالله يسأل عن الركعتين بعد الوتر قيل له قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه فما ترى فيها فقال أرجو إن فعله إنسان لا يضيق عليه ولكن يكون وهو جالس كما جاء الحديث قلت تفعله أنت قال لا ما أفعله وعدهما أبو الحسن الآمدي من السنن الراتبة والصحيح أنهما ليستا بسنة لأن أكثر من وصف تهجد النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكرهما من ذلك حديث ابن عباس وزيد بن خالد وعائشة فيما رواه عنها عروة وعبدالله بن شقيق والقاسم واختلف فيه عن أبي سلمة وأكثر الصحابة ومن بعدهم من أهل العلم على تركها ووجه الجواز ما روى سعد بن هشام عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل تسع ركعات ثم يسلم تسليما يسمعنا ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم وهو قاعد فتلك إحدى عشرة ركعة وقال أبو سلمة سألت عائشة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت كان يصلي ثلاث عشرة ركعة يصلي ثماني ركعات ثم يوتر ثم يصلي ركعتين وهو جالس فإذا أراد أن يركع قام فركع ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح رواهما مسلم وروى ذلك أبو أمامة أيضا وأوصى بهما خالد بن معدان وكثير بن مرة الحضرمي وفعلهما الحسن وهذا وجه جوازهما النوع الثالث صلوات معينة سوى ذلك منها صلاة الضحى وهي مستحبة لما روى أبو هريرة قال أوصاني خليلي بثلاث صيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتي الضحى وأن أوتر قبل أن أرقد متفق عليه وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال أوصاني حبيبي بثلاث لن أدعهن ما عشت بصيام ثلاثة أيام من كل شهر وصلاة الضحى وأن لا أنام حتى أوتر وروى أبو ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة فكل تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة ويجزىء من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى رواهما مسلم فأقلها ركعتان لهذا الخبر وأكثرهما ثمان في قول أصحابنا لما روت أم هانىء أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بيتها يوم فتح مكة وصلى ثماني ركعات فلم أر صلاة أخف منها غير أنه يتم الركوع والسجود متفق عليه ووقتها إذا علت الشمس واشتد حرها لقول النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الأوابين حين ترمض الفصال رواه مسلم قال بعض أصحابنا لا تستحب المداومة علينا لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يداوم عليها قالت عائشة ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى قط متفق عليه وعن عبد الله بن شقيق قال قلت لعائشة أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى قالت لا إلا أن يجيء من مغيبه رواه مسلم وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى ما حدثني أحد أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى إلا أم هانىء فإنها حدثت أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بيتها يوم فتح مكة فصلى ثماني ركعات ما رأيته قط صلى صلاة أخف منها غير أنه كان يتم الركوع والسجود متفق عليه ولأن في المداومة عليها تشبيها بالفرائض وقال أبو الخطاب تستحب المداومة عليها لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بها أصحابه وقال من حافظ على شفعة الضحى غفرت ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر قال الترمذي لا نعرفه إلا من حديث النهاس بن قهم ولأن أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه فصل فأما صلاة التسبيح فإن أحمد قال ما تعجبني قيل له لم قال ليس فيها شيء يصح ونفض يده كالمنكر
وقد روي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للعباس بن عبد المطلب يا عماه ألا أعطيك ألا أمنحك ألا أحبوك ألا أفعل بك عشر خصال إذا أنت فعلت ذلك غفر الله ذنبك أوله وآخره وقديمه وحديثه وخطؤه وعمده وصغيره وكبيره وسره وعلانيته عشر خصال أن تصلي أربع ركعات تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة فإذا فرغت من القرآن قلت سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر خمس عشرة مرة ثم تركع وتقولها وأنت راكع عشرا ثم ترفع رأسك من الركوع فتقولها عشرا ثم تهوي ساجدا فتقولها وأنت ساجد عشرا ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشرا ثم تسجد فتقولها عشرا ثم ترفع رأسك فتقولها عشرا فذلك خمس وسبعون في كل ركعة تفعل ذلك في الأربع ركعات إن استطعت أن تصليها في كل يوم مرة فافعل فإن لم تفعل ففي كل جمعة مرة فإن لم تفعل ففي كل شهر مرة فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة فإن لم تفعل ففي عمرك مرة رواه أبو داود والترمذي ولم يثبت أحمد الحديث المروي فيها ولم يرها مستحبة وإن فعلها إنسان فلا بأس فإن النوافل والفضائل لا يشترط صحة الحديث فيها فصل في صلاة الاستخارة عن جابر بن عبدالله الأنصاري قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال في عاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعيشتي وعاقبة أمري أو قال في عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به ويسمي حاجته أخرجه البخاري فصل في صلاة الحاجة عن عبد الله بن أبي أوفى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كانت له إلى الله حاجة أو إلى أحد من بني آدم فليتوضأ وليحسن الوضوء ثم ليصلي ركعتين وليثن على الله تعالى وليصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ليقل لا إله إلا الله الحليم الكريم لا إله إلا الله العلي العظيم سبحان الله رب العرش العظيم الحمد لله رب العالمين أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والغنيمة من كل بر والسلامة من كل إثم لا تدع لي ذنبا إلا غفرته ولا هما إلا فرجته ولا حاجة هي لك رضا إلا قضيتها يا أرحم الراحمين رواه الترمذي وقال حديث غريب فصل في صلاة التوبة عن علي رضي الله عنه قال حدثني أبو بكر وصدق أبو بكر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من رجل يذنب ذنبا ثم يقوم فيتطهر ثم يصلي ركعتين ثم يستغفر الله تعالى إلا غفر له ثم قرأ والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله إلى آخرها رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن غريب فصل ويسن لمن دخل المسجد أن لا يجلس حتى يصلي ركعتين قبل جلوسه لما روى أبو قتادة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين متفق عليه فإذا جلس قبل الصلاة سن له أن يقوم فيصلي لما روى جابر قال جاء سليك الغطفاني ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فقال يا سليك قم فاركع ركعتين وتجوز فيهما رواه مسلم
ويستحب أن يتطوع بمثل تطوع النبي صلى الله عليه وسلم فإن عليا رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفجر تمهل حتى إذا كانت الشمس من ها هنا يعني من قبل المشرق مقدارها من صلاة الظهر من العصر من ها هنا يعني من قبل المغرب قام فصلى ركعتين ثم تمهل حتى إذا كانت الشمس من ها هنا يعني من قبل المشرق مقدارها من صلاة الظهر من ها هنا قام فصلى أربعا وأربعا قبل الظهر إذا زالت الشمس وركعتين بعدها وأربعا قبل العصر يفصل بين كل ركعتين بالسلام على الملائكة المقربين والنبيين ومن تبعهم من المسلمين فتلك ست عشرة ركعة تطوع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنهار وقل من يداوم عليها فصل فأما النوافل المطلقة فتشرع في الليل كله وفي النهار فيما سوى أوقات النهي وتطوع الليل أفضل من تطوع النهار قال أحمد ليس المكتوبة عندي أفضل من قيام الليل والنبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بذلك قال الله تعالى ومن الليل فتهجد به نافلة لك وروى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل قال الترمذي هذا حديث حسن وكان قيام الليل مفروضا بدليل قوله تعالى يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه ثم نسخ بقوله إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل فصل وأفضل التجهد جوف الليل الآخر لما روى عمرو بن عبسة قال قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الليل أسمع قال جوف الليل الآحر فصل ما شئت رواه أبو داود وقال النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الصلاة صلاة داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه وفي حديث ابن عباس في صفة تهجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نام حتى انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل ثم استيقظ فوصف تهجده حتى قال ثم أوتر ثم اضطجع حتى جاء المؤذن وعن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام أول الليل ويحيى آخره ثم إن كانت له حاجة إلى أهله قضى حاجته ثم نام فإذا كان عند النداء الأول وثب فأفاض عليه الماء وإن لم يكن له حاجة توضأ وقالت ما ألفى عندي رسول الله صلى الله عليه وسلم من السحر الأعلى في بيتي إلا نائما متفق عليهن وفي رواية أبي داود فما يجيء السحر حتى يفرغ من وتره ولأن آخر الليل ينزل فيه الرب تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له متفق عليه قال أبو عبدالله إذا أغفى يعني من التهجد فإنه لا يبين عليه أثر السهر وإذا لم يغف يبين عليه وقال مسروق سألت عائشة أي حين كان يصلي رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت كان إذا سمع الصارخ قام فصلى متفق عليه فصل ويقول عند انتباهه ما روى عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من تعار من الليل فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال اللهم اغفر لي أو دعا استجيب له فإن توضأ وصلى قبلت صلاته رواه البخاري
وعن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يتهجد قال اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت الحق ووعدك الحق وقولك الحق ولقاؤك حق والجنة حق والنار حق والساعة حق والنبيون حق ومحمد صلى الله عليه وسلم حق اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت أنت المؤخر لا إله إلا أنت ولا حول وقوة إلا بك متفق عليه وفي مسلم أنت رب السموات والأرض وفيه أنت إلهي لا إله إلا أنت وعن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل افتتح صلاته اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون أهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم أخرجه مسلم وعنها قالت كان تعني رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام كبر عشرا وحمد عشرا أو سبح عشرا وهلل عشرا واستغفر عشرا وقال اللهم اغفر لي واهدني وارزقني وعافني ويتعوز من ضيق المقام يوم القيامة رواه أبو داود فصل ويستحب أن يتسوك لما روى حذيفة قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك متفق عليه وعن ابن عباس أنه رقد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستيقظ فسوك وتوضأ وعن عائشة رضي الله عنها قالت كنا نعد له تعني رسول الله صلى الله عليه وسلم سواكه وطهوره فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه فيتسوك ويتوضأ ويصلي تسع ركعات أخرجهما مسلم فصل ويستحب أن يفتح تهجده بركعتين خفيفتين لما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا قام أحدكم من الليل فليفتح صلاته بركعتين خفيفتين وعن زيد بن خالد أنه قال لأرمقن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم الليلة فصلى ركعتين خفيفتين ثم ركعتين طويلتين ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما ثم أوتر وذلك ثلاث عشرة ركعة وقال ابن عباس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة أخرجهما مسلم وقد اختلف في عدد الركعات تهجد النبي صلى الله عليه وسلم ففي هذين الحديثين أنه ثلاث عشرة ركعة وقالت عائشة ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاثا وفي لفظ قالت كانت صلاته في شهر رمضان وغيره بالليل ثلاث عشرة ركعة منها ركعتا الفجر وفي لفظ منها الوتر وركعتا الفجر وفي لفظ كان يصلي ثلاث عشرة ركعة بركعتي الفجر وفي لفظ كان يصلي فيما بين صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يسلم من كل ركعتين ويوتر بواحدة متفق عليهن ولعلها لم تعد الركعتين الخفيفتين اللتين ذكرهما غيرها ويحتمل أنه صلى في ليلة ثلاث عشرة وفي ليلة إحدى عشرة فصل ويستحب أن يقرأ المتهجد جزءا من القرآن في تهجده فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله وهو مخير بين الجهر بالقراءة أو الإسرار بها إلا أنه إن كان الجهر أنشط له في القراءة أو كان بحضرته من يستمع قراءته أو ينتفع بها فالجهر أفضل وإن كان قريبا منه من يتهجد أو من يستحضر برفع صوته فالإسرار أولى وإن يكن لا هذا ولا هذا فليفعل ما شاء قال عبدالله بن أبي قيس سألت عائشة كيف كانت قراءة رسول الله فقالت كل ذلك كان يفعل ربما أسر وربما جهر قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح
وقال أبو هريرة كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع طورا ويخفض طورا وقال ابن عباس كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم على قدر ما يسمعه من الحجرة وهو في البيت رواهما أبو داود عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج فإذا هو بأبي بكر يصلي يخفض من صوته ومر بعمر وهو يصلي رافعا صوته قال فلما اجتمعنا عند النبي صلى الله عليه وسلم قال يا أبا بكر مررت بك وأنت تصلي تخفض صوتك قال إني أسمعت من ناجيت يا رسول الله قال فارفع قليلا وقال لعمر مررت بك وأنت تصلي رافعا صوتك قال فقال يا رسول الله أوقظ الوسنان واطرد الشيطان قال اخفض من صوتك شيئا رواه أبو داود وقال أبو سعيد اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضا ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة أو قال في الصلاة أخرجه أبو داود فصل ومن كان له تهجد ففاته استحب له قضاؤه بين صلاة الفجر الظهر بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل وعن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملا أثبته وكان إذا نام من الليل أو مرض صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة قالت وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ليلة حتى الصباح وما صام شهرا متتابعا إلا رمضان أخرجهما مسلم فصل ويستحب التنقل بين المغرب والعشاء لما روي عن أنس بن مالك في هذه الآية تتجافى جنوبهم عن المضاجع قال كانوا يتنفلون ما بين المغرب والعشاء يصلون رواه أبو داود وعن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من صلى بعد المغرب عشرين ركعة بنى الله له بيتا في الجنة قال أبو عيسى هذا حديث غريب فصل وما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم تخفيفه أو تطويله فالأفضل اتباعه فيه فإنه عليه السلام لا يفعل إلا الأفضل وقد ذكرنا بعض ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يخففه ويطوله وما عدا ذلك فاختلفت الرواية فيه فروى أن الأفضل كثرة الركوع والسجود لقول ابن مسعود إني لأعلم النظائر التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن بينهن سورتين في كل ركعة عشرون سورة من المفصل رواه مسلم وقال النبي صلى الله عليه وسلم ما من عبد سجد سجدة إلا كتب الله له بها حسنة ومحا عنه بها سيئة ورفع له بها درجة والثانية التطويل أفضل لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الصلاة طول القنوت رواه مسلم ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أكثر صلاته التهجد وكان يطيله على ما قد مر ذكره ولا يداوم إلا على الأفضل والثالثة هما سواء لتعارض الأخبار في ذلك والله أعلم فصل والتطوع في البيت أفضل لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عليكم بالصلاة في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة رواه مسلم وعن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة رواه أبو داود وقال إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبا من صلاته فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرا رواه مسلم ولأن الصلاة في البيت أقرب إلى الإخلاص وأبعد من الرياء وهو من عمل السر وفعله في المسجد علانية والسر أفضل فصل ويستحب أن يكون للإنسان تطوعات يداوم عليها فإذا فاتت يقضيها قال أبو داود سمعت أحمد رحمة الله يقول يعجبني أن يكون للرجل ركعات من الليل والنهار معلومة فإذا نشط طولها وإذا لم ينشط خففها
وقالت عائشة سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل قال أدومه وإن قل وفي لفظ قال أحب الأعمال إلى الله الذي يداوم عليه صاحبه وإن قل متفق عليه وقالت كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى صلاة أحب أن يداوم عليها وقالت كان عمله ديمة وكان إذا عمل عملا أثبته رواه مسلم وقال عبدالله بن عمرو قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل متفق عليه فصل يجوز التطوع جماعة وفرادى لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل الأمرين كليهما وكان أكثر تطوعه منفردا وصلى بحذيفة مرة وبابن عباس مرة وبأنس وأمه واليتيم مرة وأم أصحابه في بيت عتبان مرة وأمهم في ليالي رمضان ثلاثا وسنذكر أكثر هذه الأخبار في مواضعها إن شاء الله تعالى وهي كلها صحاح جياد مسألة قال ( ويباح أن يتطوع جالسا ) لا نعلم خلافا في إباحة التطوع جالسا وأنه في القيام أفضل وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم من صلى قائما فهو أفضل ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم متفق عليه وفي لفظ مسلم صلاة الرجل قاعدا نصف الصلاة وقالت عائشة إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى كان كثير من صلاته وهو جالس وروي نحو ذلك عن حفصة وعبد الله بن عمر وجابر بن سمرة أخرجهن مسلم ولأن كثيرا من الناس يشق عليه طول القيام فلو وجب في التطوع لترك أكثره فسامح الشارع في ترك القيام فيه ترغيبا في تكثيره كما سامح في فعله على الراحلة في السفر وسامح في نية صوم التطوع من النهار مسألة ( قال ويكون في حال القيام متربعا ويثني رجليه في الركوع والسجود ) وجملته أنه يستحب للمتطوع جالسا أن يكون في حال القيام متربعا روي ذلك عن ابن عمر وأنس وابن سيرين ومجاهد وسعيد بن جبير ومالك والثوري والشافعي وإسحاق وعن أبي حنيفة كقولنا وعنه يجلس كيف شاء وروي عن ابن المسيب وعروة وابن عمر يجلس كيف شاء لأن القيام سقط فسقطت هيئته وروي عن ابن المسيب وعروة وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز وعطاء الخراساني أنهم كانوا يحتبون في التطوع واختلف فيه عن عطاء والنخعي ولنا أن القيام يخالف القعود فينبغي أن تخالف هيئته في بدله هيئة غيره كمخالفة القيام غيره وهو مع هذا أبعد من السهو والاشتباه وليس إذا سقط القيام لمشقته يلزم سقوط ما لا مشقة فيه كمن سقط عنه الركوع والسجود لا يلزم سقوط الإيماء بهما وهذا الذي ذكرنا من صفة الجلوس مستحب وغير واجب إذ لم يرد بإيجابه دليل فأما قوله ويثني رجليه في الركوع والسجود فقد روي عن أنس قال أحمد يروى عن أنس أنه صلى متربعا فلما ركع ثنى رجليه وهذا قول الثوري وحكى ابن المنذر عن أحمد وإسحاق أنه لا يثني رجليه إلا في السجود خاصة ويكون في الركوع على هيئة القيام وذكره أبو الخطاب وهو قول أبو يوسف ومحمد وهو أقيس لأن هيئة الركوع في رجليه هيئة القائم فينبغي أن يكون على هيئته وهذا أصح في النظر إلا أن أحمد ذهب إلى فعل أنس وأخذ به فصل وهو مخير في الركوع والسجود إن شاء من قيام وإن شاء من قعود لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل الأمرين قالت عائشة لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الليل قاعدا قط حتى أسن فكان يقرأ قاعدا حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحوا من ثلاثين آية أو أربعين آية ثم ركع متفق عليه وعنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي ليلا طويلا قائما وليلا طويلا قاعدا وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم وإذا قرأ وهو قاعد ركع وسجد وهو قاعد رواه مسلم قال الترمذي كلا الحديثين صحيح قال وقال أحمد وإسحاق والعمل على كلا الحديثين مسألة قال ( والمريض إذا كان القيام يزيد في مرضه صلى قاعدا )
أجمع أهل العلم على أن من لا يطيق القيام له أن يصلي جالسا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب رواه البخاري وأبو داود والنسائي وزاد فإن لم تستطع فمستلقيا لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وروى أنس قال سقط رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فرس فخدش أو جحش شقه الأيمن فدخلنا عليه نعوده فحضرت الصلاة فصلى قاعدا وصلينا خلفه قعودا متفق وتكليف القيام في هذه الحال حرج ولأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى جالسا لما جحش شقه الأيمن والظاهر أنه لم يكن يعجز عن القيام بالكلية لكن لما شق عليه القيام سقط عنه فكذلك تسقط عن غيره وإذا صلى قاعدا فإنه يكون جلوسه على صفة جلوس المتطوع جالسا على ما ذكرنا فصل وإن قدر على القيام بأن يتكىء على عصى أو يستند إلى حائط أو يعتمد على أحد جانبيه لزمه لأنه قادر على القيام من غير ضرر فلزمه كما لو قدر بغير هذه الأشياء فصل وإن قدر على القيام إلا أنه يكون على هيئة الراكع كالأحدب أو من هو في بيت قصير السقف لا يمكنه الخروج منه أو في سفينة أو خائف لا يأمن أن يعلم إذا رفع رأسه فإنه إن كان ذلك لحدب أو كبر لزمه قيام مثله وإن كان لغير ذلك احتمل أن يلزمه القيام قياسا على الأحدب واحتمل أن لا يلزمه فإن أحمد رحمه الله قال في الذي في السفينة لا يقدر على أن يستنم قائما لقصر سماء السفينة يصلي قاعدا إلا أن يكون شيئا يسيرا فيقاس عليه سائر ما في معناه لقول النبي صلى الله عليه وسلم صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا وهذا لم يستطع القيام فصل ومن قدر على القيام وعجز عن الركوع أو السجود لم يسقط عنه القيام ويصلي قائما فيومىء بالركوع ثم يجلس فيومىء بالسجود وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يسقط القيام ولأنها صلاة لا ركوع فيها ولا سجود فسقط فيها القيام كصلاة النافلة على الراحلة ولنا قول الله تعالى وقوموا لله قانتين وقول النبي صلى الله عليه وسلم صل قائما ولأن القيام ركن قدر عليه فلزمه الإتيان به كالقراءة والعجز عن غيره لا يقتضي سقوطه كما لو عجز عن القراءة وقياسهم فاسد لوجوه أحدها أن الصلاة على الراحلة لا يسقط فيها الركوع والثاني أن النافلة لا يجب فيها القيام فما سقط على الراحلة لسقوط الركوع والسجود والثالث أنه منقوض بصلاة الجنازة فصل وإن قدر المريض على الصلاة وحده قائما ولا يقدر على ذلك مع الإمام لتطويله يحتمل أن يلزمه القيام ويصلي وحده لأن القيام آكد لكونه ركنا في الصلاة لا تتم إلا به والجماعة تصح الصلاة بدونها واحتمل أنه مخير بين الأمرين لأننا أبحنا له ترك القيام المقدور عليه مع إمام الحي العاجز عن القيام مراعاة للجماعة فها هنا أولى ولأن العجز يتضاعف بالجماعة أكثر من تضاعفه بالقيام بدليل أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم وصلاة الجماعة تفضل على صلاة الرجل وحده سبعا وعشرين درجة أحسن وهو مذهب الشافعي مسألة قال ( فإن لم يطق جالسا فنائما ) يعني مضطجعا سماه نائما لأنه في هيئة النائم وقد جاء مثل هذه التسمية عن النبي صلى الله عليه وسلم قال صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم وصلاة النائم على النصف من صلاة القاعد رواه البخاري هكذا فمن عجز عن صلاة قاعدا فإنه يصلي على جنبه مستقبل القبلة بوجهه وهذا قولمالك والشافعي وابن المنذر وقال سعيد بن المسيب والحارث العكلي وأبو ثور وأصحاب الرأي يصلي مستلقيا ووجهه ورجلاه إلى القبلة ليكون إيماؤه إليها فإنه إذا صلى على جنبه كان وجهه في الإيماء إلى غير القبلة ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم فإن لم يستطع فعلى جنب ولم يقل فإن لم يستطع فمستلقيا ولأنه يستقبل القبلة إذا كان على جنبه ولا يستقبلها إذا كان على ظهره وإنما يستقبل السماء
ولذلك يوضع الميت في قبره على جنبه قصد التوجيه إلى القبلة وقولهم إن وجهه في الإيماء يكون إلى غير القبلة قلنا استقبال القبلة من الصحيح لا يكون في حال الركوع بوجهه ولا في حال السجود إنما يكون إلى الأرض فلا يعتبر في المريض أن يسقبل القبلة فيهما أيضا إذا ثبت هذا فالمستحب أن يصلي على جنبه الأيمن فإن صلى على الأيسر جاز لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعين جنبا بعينه ولأنه يستقبل القبلة على أي الجنبين كان فإن صلى على ظهره مع إمكان الصلاة على جنبه فظاهر كلام أحمد أنه يصح لأنه نوع استقبال ولهذا يوجه الميت عند الموت كذلك والدليل يقتضي أن لا يصح لأنه خالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله فعلى جنب ولأنه نقله إلى الاستلقاء عند عجزه عن الصلاة على جنبه فيدل على أنه لا يجوز ذلك مع إمكان الصلاة على جنبه ولأنه ترك الاستقبال مع إمكانه وإن عجز عن الصلاة على جنبه صلى مستلقيا للخبر ولأنه عجز عن الصلاة على جنبه فسقط كالقيام والقعود فصل إذا كان بعينه مرض فقال ثقات من العلماء بالطب إن صليت مستلقيا أمكن مداواتك فقال القاضي قياس المذهب جواز ذلك وهو قول جابر بن زيد والثوري وأبي حنيفة وكرهه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة وأبو وائل وقال مالك والأوزاعي لا يجوز لما روي عن ابن عباس أنه لما كف بصره أتاه رجل فقال لو صبرت علي سبعة أيام لم تصل إلا مستلقيا داويت عينك ورجوت أن تبرأ فأرسل في ذلك إلى عائشة وأبي هريرة وغيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكل قال له إن مت في هذه الأيام ما الذي تصنع بالصلاة فترك معالجة عينه ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى جالسا لما جحش شقه والظاهر أنه لم يكن يعجز عن القيام لكن كانت عليه مشقة فيه أو خوف ضرر وأيهما قدر فهو حجة على الجواز ها هنا ولأنا أبحنا له ترك الوضوء إذا لم يجد الماء إلا بزيادة على ثمن المثل حفظا لجزء من ماله وترك الصوم لأجل المرض والرمد ودلت الأخبار على جواز ترك القيام لأجل الصلاة على الراحلة خوفا من ضرر الطين في ثيابه وبدنه وجاز ترك الجمعة والجماعة صيانة لنفسه من البلل والتلوث بالطين وجاز ترك القيام اتباعا لإمام الحي إذا صلى جالسا والصلاة على جنبه ومستلقيا في حال الخوف من العدو ولا ينقص الضرر بفوات البصر عن الضرر في هذه الأحوال فأما خبر ابن عباس إن صح فيحتمل أن المخبر لم يخبر عن يقين وإنما قال أرجو أو أنه لم يقبل خبره لكونه واحدا أو مجهول الحال بخلاف مسألتنا فصل وإن عجز عن الركوع والسجود أومأ بهما كما يومىء بهما في حالة الخوف ويجعل السجود أخفض من الركوع وإن عجز عن السجود وحده ركع وأومأ بالسجود وإن لم يمكنه أن يحني ظهره حتى رقبته وإن تقوس ظهره فصار كأنه واقع فمتى أراد الركوع زاد في انحنائه قليلا ويقرب وجهه إلى الأرض في السجود أكثر ما يمكنه وإن قدر على السجود على صدغه لم يفعل لأنه ليس من أعضاء السجود وإن وضع بين يديه وسادة أو شيئا عاليا أو سجد على ربوة أو حجر جاز إذا لم تنكيس وجهه أكثر من ذلك وحكى ابن المنذر عن أحمد أنه قال اختار السجود على المرفقة وقال هو أحب إلى من الإيماء وكذلك قال إسحاق وجوزه الشافعي وأصحاب الرأي ورخص فيه ابن عباس وسجدت أم سلمة على المرافقة وكره ابن مسعود السجود على عود وقال يومىء إيماء ووجه الجواز أنه أتى بما يمكنه من الانحطاط فأجزأه كما أومأ فأما إن رفع إلى وجهه شيئا فسجد عليه فقال بعض أصحابنا لا يجزئه وروي عن ابن مسعود وابن عمر وجابر وأنس أنهم قالوا يومىء ولا يرفع إلى وجهه شيئا وهو قول عطاء ومالك والثوري وروى الأثرم عنأحمد أنه قال أي ذلك فعل فلا بأس يومىء أو يرفع المرفقة فيسجد عليها
قيل له المروحة قال لا أما المروحة فلا وعن أحمد أنه قال الإيماء أحب إلي وإن رفع إلى وجهه شيئا فسجد عليه أجزأه وهو قول أبي ثور ولا بد من أن يكون بحيث لا يمكنه الانحطاط أكثر منه ووجه ذلك أنه أتى بما أمكنه من وضع رأسه فأجزأه كما لو أومأ ووجه الأول أنه سجد على ما هو حامل له فلم يجزه كما لو سجد على يديه فصل وإن لم يقدر على الإيماء برأسه أومأ بطرفه ونوى بقلبه ولا تسقط الصلاة عنه ما دام عقله ثابتا وحكي عن أبي حنيفة أن الصلاة تسقط عنه وذكر القاضي أن ظاهر كلام أحمد في رواية محمد بن يزيد لما روي عن أبي سعيد الخدري أنه قيل له في مرضه الصلاة قال قد كفاني إنما العمل في الصحة ولأن الصلاة أفعال عجز عنها بالكلية فسقطت عنه لقول الله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ولنا ما ذكرناه من حديث عمران وأنه مسلم بالغ عاقل فلزمته الصلاة كالقادر على الإيماء برأسه ولأنه قادر على الإيماء أشبه الأصل فصل إذا صلى جالسا فسجد سجدة وأومأ بالثانية مع إمكان السجود جاهلا بتحريم ذلك وفعل مثل ذلك في الثانية ثم علم قبل سلامه سجد سجدة تتم له الركعة الثانية وأتى بركعة كما لو ترك السجود نسيانا وذكر القاضي أنه تتم له الركعة الأولى بسجدة الثانية وهذا مذهب الشافعي وليس هذا مقتضى مذهبنا فإنه متى شرع في قراءة الثانية قبل إتمام الأولى بطلت الأولى وصارت الثانية أولاه وقد مضى هذا في سجود السهو فصل ومتى قدر المريض في أثناء الصلاة على ما كان عاجزا عنه من قيام أو قعود أو ركوع أو سجود أو إيماء انتقل إليه وبنى على ما مضى من صلاته وهكذا لو كان قادرا فعجز أثناء الصلاة أتم صلاته على حسب حاله لأن ما مضى من الصلاة كان صحيحا فيبني عليه كما لو لم يتغير حاله مسألة قال ( والوتر ركعة ) نص على هذا أحمد رحمه الله وقال إنا نذهب في الوتر إلى ركعة وممن روي عنه ذلك عثمان بن عفان وسعد بن أبي وقاص وزيد بن ثابت وابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو موسى ومعاوية وعائشة رضي الله عنهم وفعل ذلك معاذ القارىء ومعه رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينكر ذلك منهم أحد وقال ابن عمر الوتر ركعة كان ذلك وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وبهذا قال سعيد بن المسيب وعطاء ومالك والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبو ثور وقال هؤلاء يصلي ركعتين ثم يسلم ثم يوتر بركعة وقد روي عن ابن عمر وابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الوتر ركعة من آخر الليل وقالت عائشة كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل عشر ركعات ويوتر بسجدة وفي لفظ كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة وقال النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة أخرجهن مسلم