İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
ولنا ما ذكرنا من رواية عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد الوضوء والصلاة ولو لم تجب الموالاة لأجزأه غسل اللمعة ولأنها عبادة يفسدها الحدث فاشترطت الموالاة كالصلاة والآية دلت على وجوب الغسل والنبي صلى الله عليه وسلم بين كيفيته وفسر مجمله بفعله وأمره فإنه لم يتوضأ إلا متواليا وأمر تارك الموالاة بإعادة الوضوء وغسل الجنابة بمنزلة غسل عضو واحد بخلاف الوضوء فصل والموالاة الواجبة أن لا يترك غسل عضو يمضي زمن يجف فيه العضو الذي قبله في الزمان المعتدل لأنه قد يسرع جفاف العضو في بعض الزمان دون بعض ولأنه يعتبر ذلك فيما بين طرفي الطهارة وقالابن عقيل في رواية أخرى إن حد التفريق المبطل ما يفحش في العادة لأنه لم يجد في الشرع فيرجع فيه إلى العادة كالإحراز والتفرق في البيع فصل وإن نشفت أعضاؤه لاشتغاله بواجب في الطهارة أو مسنون لم يعد تفريقا كما لو طول أركان الصلاة قال أحمد إذا كان في علاج الوضوء فلا بأس وإن كان لوسوسة تلحقه فكذلك لأنه في علاج الوضوء وإن كان ذلك لعبث أو شيء زائد على المسنون وأشباهه عد تفريقا ويحتمل أن تكون الوسوسة كذلك لأنه مشتغل بما ليس بمفروض ولا مسنون مسألة قال ( والوضوء مرة مرة يجزىء والثلاث أفضل ) هذا قول أكثر أهل العلم إلا أن مالكا لم يوقت مرة ولا ثلاثا قال إنما قال الله تعالى فاغسلوا وجوهكم وقال الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز الوضوء ثلاثا ثلاثا إلا غسل الرجلين فإنه ينقيهما وقد روي عن ابن عباس قال توضأ النبي صلى الله عليه وسلم مرة مرة رواه البخاري وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرتين مرتين رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب وعن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا قال الترمذي حديث علي أحسن شيء في هذا الباب وأصبح وقال سعيد حدثنا سلام الطويل عن زيد العمي عن معاوية بن قرة عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا بماء فتوضأ مرة مرة ثم قال هذا وظيفة الوضوء وضوء من لا يقبل الله له صلاة إلا به ثم تحدث ساعة ثم دعا بماء فتوضأ مرتين مرتين فقال هذا وضوء من توضأه ضاعف الله له الأجر مرتين ثم تحدث ساعة ثم دعا بماء فتوضأ ثلاثا ثلاثا فقال هذا وضوئي ووضوء النبيين من قبلي وروى ابن ماجة بإسناده عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا وروى مسلم في صحيحه أن عثمان دعا بوضوء فتوضأ وغسل كفيه ثلاث مرات ثم تمضمض واستنثر ثم غسل وجهه ثلاث مرات ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات ثم غسل يده اليسرى مثل ذلك ثم مسح برأسه ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات ثم غسل اليسرى مثل ذلك ثم قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من توضأ نحو وضوئي هذا ثم قام فركع ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه قال ابن شهاب وكان علماؤنا يقولون هذا الوضوء أسبغ ما يتوضأ به أحد للصلاة فصل وإن غسل بعض أعضائه مرة وبعضها أكثر جاز لأنه إذا جاز ذلك في الكل جاز في البعض وفي حديث عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فغسل وجهه ثلاثا وغسل يديه مرتين ومسح برأسه مرة متفق عليه فصل قال أحمد رحمه الله لا يزيد على الثلاث إلا رجل مبتلى وقال ابن المبارك لا آمن من ازداد على الثلاث أن يأثم
وقالإبراهيم النخعي تشديد الوضوء من الشيطان لو كان هذا فصلا لأوثر به أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الوضوء فأراه ثلاثا ثلاثا ثم قال هذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساء وظلم رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة فصل وإذا فرغ من وضوئه استحب أن يرفع نظره إلى السماء ثم يقول ما رواه مسلم في صحيحه عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء رواه أبو بكر الخلال بإسناده وفيه من توضأ فأحسن الوضوء ثم رفع نظره إلى السماء وفيه اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين فصل ولا بأس بالمعاونة على الوضوء لما روى المغيرة بن شعبة أنه أفرغ على النبي صلى الله عليه وسلم في وضوئه رواه مسلم وروي عن صفوان بن عسال قال صببت على النبي صلى الله عليه وسلم في السفر والحضر وعن أم عياش وكانت أمة لرقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت كنت أوضىء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا قائمة وهو قاعد رواهما ابن ماجة وروي عن أحمد أنه قال ما أحب أن يعينني على وضوئي أحد لأن عمر قال ذلك فصل ولا بأس بتنشيف أعضائه بالمنديل من بلل الوضوء والغسل قال الخلال المنقول عن أحمد أنه لا بأس بالتنشيف بعد الوضوء وممن روي عنه أخذ المنديل بعد الوضوء عثمان والحسن بن علي وأنس وكثير من أهل العلم ونهى عنه جابر بن عبد الله وكرهه عبد الرحمن بن مهدي وجماعة من أهل العلم لأن ميمونة قالت إن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل فأتيته بالمنديل فلم يردها وجعل ينفض الماء بيده متفق عليه والأول أصح لأن الأصل الإباحة وترك النبي صلى الله عليه وسلم لا يدل على الكراهة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد يترك المباح كما يفعله وقد روى أبو بكر في الشافي بإسناده عن عروة عن عائشة قالت كان للنبي صلى الله عليه وسلم خرق ينتشف بها بعد الوضوء وسئل أحمد عن هذا الحديث فقال منكر منكر وروي عن قيس بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل ثم أتيناه بملحفة ودسية فالتحف بها إلا أن الترمذي قال لا يصح في هذا الباب شيء ولا يكره نفض الماء عن بدنه بيديه لحديث ميمونة مسألة قال ( وإذا توضأ لنافلة صلى فريضة ) لا أعلم في هذا المسألة خلافا وذلك لأن النافلة تفتقر إلى رفع الحدث كالفريضة وإذا ارتفع الحدث تحقق شرط الصلاة وارتفع المانع فأبيح له الفرض وكذلك كل ما يفتقر إلى الطهارة كمس المصحف والطواف إذا توضأ له ارتفع حدثه وصحت طهارته وأبيح له سائر ما يحتاج إلى الطهارة وقد ذكرنا ذلك فيما مضى فصل يجوز أن يصلي بالوضوء ما لم يحدث ولا نعلم في هذا خلافا قال أحمد بن القاسم سألت أحمد عن رجل صلى أكثر من خمس صلوات بوضوء واحد قال ما بأس بهذا إذا لم ينتقض وضوءه ما ظننت أحدا أنكر هذا وقال صلى النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس يوم الفتح بوضوء واحد وروى أنس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة قلت وكيف كنتم تصنعون قال يجزىء أحدنا الوضوء ما لم يحدث رواه البخاري وأبو داود وفي مسلم عن بريدة قال صلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح خمس صلوات بوضوء واحد ومسح على خفيه فقال له عمر إني رأيتك صنعت شيئا لم تكن تصنعه قال عمدا صنعته فصل وتجديد الوضوء مستحب نص أحمد عليه في رواية موسى بن عيسى ونقل حنبل عنه أنه كان يفعله وذلك لما روينا من الحديث
وعن غطيف الهذلي قال رأيت ابن عمر يوما توضأ لكل صلاة فقلت أصلحك الله أفريضة أم سنة الوضوء عند كل صلاة فقال لا لو توضأت لصلاة الصبح لصليت به الصلوات كلها ما لم أحدث ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من توضأ على طهر فله عشر حسنات وإنما رغبت في الحسنات أخرجه أبو داود وابن ماجة وقد نقل علي بن سعيد عن أحمد لا فضل فيه والأول أصح فصل ولا بأس بالوضوء في المسجد إذا لم يؤذ أحدا بوضوئه ولم يبل موضع الصلاة قال ابن المنذر أباح ذلك كل من نحفظ عنه من علماء الأمصار منهم ابن عمر وابن عباس وعطاء وطاوس وأبو بكر بن محمد وابن عمرو وابن حزم وابن جريج وعوام أهل العلم قال وبه نقول إلا أن يبل مكانا يجتاز الناس فيه فإني أكرهه إلا أن يفحص الحصى عن البطحاء كما فعل لعطاء وطاوس فإذا توضأ رد الحصى عليه فإني لا أكرهه وقد روي عنأحمد أنه يكرهه صيانة للمسجد عن البصاق والمخاط وما يخرج من فضلات الوضوء مسألة قال ( ولا يقرأ القرآن جنب ولا حائض ولا نفساء ) رويت الكراهية لذلك عن عمر وعلي والحسن والنخعي والزهري وقتادة والشافعي وأصحاب الرأي وقال الأوزاعي لا يقرأ إلا آية الركوب والنزول سبحان الذي سخر لنا هذا الزخرف 13 وقل رب أنزلني منزلا مباركا المؤمنون 29 وقالا بن عباس يقرأ ورده وقال سعيد بن المسيب يقرأ القرآن أليس هو في جوفه وحكي عن مالك للحائض القراءة دون الجنب لأن أيامها تطول فإن منعناها من القراءة نسيت ولنا ما روي عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يحجبه أو قال يحجزه عن قراءة القرآن شيء ليس الجنابة رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال حديث حسن صحيح وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن رواه أبو داود والترمذي وقال يرويه إسماعيل بن عياش عن نافع وقد ضعف البخاري روايته عن أهل الحجاز وقال إنما روايته عن أهل الشام وإذا ثبت هذا في الجنب ففي الحائض أولى لأن حدثها آكد ولذلك حرم الوطء ومنع الصيام وأسقط الصلاة وساواها في سائر أحكامها فصل ويحرم عليهم قراءة آية فأما بعض آية فإن كان مما لا يتميز به القرآن عن غيره كالتسمية والحمد لله وسائر الذكر فإن لم يقصد به القرآن فلا بأس فإنه لا خلاف في أن لهم ذكر الله تعالى ويحتاجون إلى التسمية عند اغتسالهم ولا يمكنهم التحرز من هذا وإن قصدوا به القراءة أو كان ما قرؤوه شيئا يتميز به القرآن عن غيره من الكلام ففيه روايتان إحداهما لا يجوز وروي عن علي رضي الله عنه أنه سئل عن الجنب يقرأ القرآن فقال لا ولا حرفا وهذا مذهب الشافعي لعموم الخبر في النهي ولأنه قرآن فمنع من قراءته كالآية والثانية لا يمنع منه وهو قول أبي حنيفة لأنه لا يحصل به الإعجاز ولا يجزىء في الخطبة ويجوز إذا لم يقصد به القرآن وكذلك إذا قصد فصل وليس لهم اللبث في المسجد لقول الله تعالى ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا النساء 43 وروت عائشة رضي الله عنها قالت جاء النبي صلى الله عليه وسلم وبيوت أصحابه شارعة في المسجد فقال وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحلى المسجد لحائض ولا جنب رواه أبو داود ويباح العبور للحاجة من أخذ شيء أو تركه أو كون الطريق فيه فأما لغير ذلك فلا يجوز بحال وممن نقلت عنه الرخصة في العبور ابن مسعود وابن عباس وابن المسيب وابن جبير والحسن ومالك والشافعي وقال الثوري وإسحاق لا يمر في المسجد إلا أن لا يجد بدا فيتيمم وهو قول أصحاب الرأي لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا أحل المسجد لحائض ولا جنب
ولنا قول الله تعالى إلا عابري سبيل والاستثناء من المنهي عنه إباحة وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها ناوليني الخمرة من المسجد قالت إني حائض قال إن حيضتك ليست في يدك واه مسلم وعن جابر قال كنا نمر في المسجد ونحن جنب رواه ابن المنذر وعن زيد بن أسلم قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشون في المسجد وهم جنب رواه ابن المنذر أيضا وهذا إشارة إلى جميعهم فيكون إجماعا فصل فأما المستحاضة ومن به سلس البول فلهم اللبث في المسجد والعبور إذا أمنوا تلويث المسجد لما روي عن عائشة أن امرأة من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتكفت معه وهي مستحاضة فكانت ترى الخمرة والصفرة وربما وضعت الطست تحتها وهي تصلي رواه البخاري ولأنه حدث لا يمنع الصلاة فلم يمنع اللبث كخروج الدم اليسير من أنفه فإن خاف تلويث المسجد فليس له العبور فإن المسجد يصان عن هذا كما يصان عن البول فيه ولو خشيت الحائض تلويث المسجد بالعبور فيه لم يكن لها ذلك فصل وإن خاف الجنب على نفسه أو ماله أو لم يمكنه الخروج من المسجد أو لم يجد مكانا غيره أو لم يمكنه الغسل ولا الوضوء تيمم ثم أقام في المسجد وروي عن علي وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والحسن بن مسلم بن يناق في تأويل قوله تعالى ولا جنبا إلا عابري سبيل النساء 43 يعني مسافرين لا يجدون ماء فيتيممون وقال بعض أصحابنا يلبث بغير تيمم لأن التيمم لا يرفع الحدث وهذا غير صحيح لأنه يخالف قول من سمينا من الصحابة ولأن هذا أمر يشترط له الطهارة فوجب التيمم له عند العجز عنها كالصلاة وسائر ما يشترط له الطهارة وقولهم لا يرفع الحدث قلنا إلا أنه يقول مقام ما يرفع الحدث في إباحة ما يستباح به فصل إذا توضأ الجنب فله اللبث في المسجد في قول أصحابنا وإسحاق وقال أكثر أهل العلم لايجوز للآية والخبر واحتج أصحابنا بما روي عن زيد بن أسلم قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدثون في المسجد على غير وضوء وكان الرجل يكون جنبا فيتوضأ ثم يدخل فيتحدث وهذا إشارة إلى جميعهم فيكون إجماعا يخص به العموم ولأنه إذا توضأ خف حكم الحدث فأشبه التيمم عند عدم الماء ودليل خفته أمر النبي صلى الله عليه وسلم الجنب به إذا أراد النوم واستحبابه لمن أراد الأكل ومعاودة الوطء فأما الحائض إذا توضأت فلا يباح لها اللبث لأن وضوءها لا يصح مسألة قال ( ولا يمس المصحف إلا طاهر ) يعني طاهرا من الحدثين جميعا روي هذا ابن عمر والحسن وعطاء وطاوس والشعبي والقاسم بن محمد وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم مخالفا لهم إلا داود فإنه أباح مسه واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم كتب في كتابه آية إلى قيصر وأباح الحكم وحماد مسه بظاهر الكف لأن آلة المس باطن اليد فينصرف النهي إليه دون غيره ولنا قوله تعالى لا يمسه إلا المطهرون الواقعة 79 وفي كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم أن لا يمس القرآن إلا طاهر وهو كتاب مشهور رواه أبو عبيد في فضائل القرآن وغيره ورواه الأثرم فأما الآية التي كتب بها النبي صلى الله عليه وسلم فإنما قصد بها المراسلة والآية في الرسالة أو كتاب فقه أو نحوه لا تمنع مسه ولا يصير الكتاب بها مصحفا ولا تثبت له حرمته إذا ثبت هذا فإنه لا يجوز له مسه بشيء من جسده لأن من جسده فأشبه يده وقولهم إن المس إنما يختص بباطن اليد ليس بصحيح فإن كل شيء لاقى شيئا فقد مسه فصل ويجوز حمله لعلاقته وهذا قول أبي حنيفة وروي ذلك عن الحسن وعطاء وطاوس والشعبي والقاسم وأبي وائل والحكم وحماد ومنع منه الأوزاعي ومالك والشافعي قال مالك أحسن ما سمعت أنه لا يحمل المصحف بعلاقته ولا في غلافه إلا وهو طاهر
وليس ذلك لأنه يدنسه ولكن تعظيما للقرآن واحتجوا بأنه مكلف محدث قاصد لحمل المصحف فلم يجز كما لو حمله مع مسه ولنا أنه غير مال له فلم يمنع منه كما لو حمله في رحله ولأن النهي إنما يتناول المس والحمل ليس بمس فلم يتناوله النهي وقياسهم فاسد فإن العلة في الأصل مسه وهو غير موجود في الفرع والحمل لا أثر به فلا يصح التعليل به وعلى هذا لو حمله بعلاقة أو بحائل بينه وبينه مما لا يتبعه في البيع جاز لما ذكرنا وعندهم لا يجوز ووجه المذهبين ما تقدم ويجوز تقليبه بعود ومسه به وكتب المصحف بيده من غير أن يمسه وفي تصفحه بكمه روايتان وخرج القاضي في مس غلامه وحمله بعلاقته رواية أخرى أنه لا يجوز بناء على مسه بكمه والصحيح جوازه لأن النهي إنما يتناول مسه والحمل ليس بمس فصل ويجوز مس كتب التفسير والفقه وغيرها والرسائل وإن كان فيها آيات من القرآن بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى قيصر كتابا فيه آية ولأنها لا يقع عليها اسم مصحف ولا تثبت لها حرمته وفي مس صبيان الكتاتيب ألواحهم التي فيها القرآن وجهان أحدهما الجواز لأنه موضع حاجة فلو اشترطنا الطهارة أدى إلى تنفيرهم عن حفظه والثاني المنع لدخولهم في عموم الآية وفي الدراهم المكتوب عليها القرآن وجهان أحدهما المنع وهو قول أبي حنيفة وكرهه عطاء والقاسم والشعبي لأن القرآن مكتوب عليها فأشبهت الورق والثاني الجواز لأنه لا يقع عليها اسم المصحف فأشبهت كتب الفقه ولأن في الاحتراز منها مشقة أشبهت ألواح الصببيان فصل وإن احتاج المحدث إلى مس المصحف عند عدم الماء تيمم وجاز مسه ولو غسل المحدث بعض أعضاء الوضوء لم يجز له مسه به قبل إتمام وضوئه لأنه لا يكون متطهرا إلا بغسل الجميع فصل ولا يجوز المسافرة بالمصحف إلى دار الحرب لما روى ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم باب الاستطابة والحدث الاستطابة هي الاستنجاء بالماء أو بالأحجار يقال استطاب وأطاب إذا استنجى سمي استطابة لأنه يطيب جسده بإزالة الخبث عنه قال الشاعر يهجو رجلا يا رخما قاظ على عرقوب يعجل كف الخارىء المطيب والاستنجاء استفعال من نجوت الشجرة أي قطعتها فكأنه قطع الأذى عنه وقال ابن قتيبة هو مأخوذ من النجوة وهي ما ارتفع من الأرض لأن من أراد قضاء الحاجة استتر بها والاستجمار استفعال من الجمار وهي الحجارة الصغار لأنه يستعملها في استجماره مسألة قال ( وليس على من نام أو خرجت منه ريح استنجاء ) ولا نعلم في هذا خلافا قال أبو عبد الله ليس في الريح استنجاء في كتاب الله ولا في سنة رسوله إنما عليه الوضوء وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من استنجى من ريح فليس منا رواه الطبراني في معجمه الصغير وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم المائدة 6 إذا قمتم من النوم ولم يأمر بغيره فدل على أنه لا يجب ولأن الوجوب من الشرع ولم يرد بالاستنجاء ها هنا نص ولا هو في معنى المنصوص عليه لأن الاستنجاء إنما شرع لإزالة النجاسة ولا نجاسة ها هنا مسألة قال ( والاستنجاء لما خرج من السبيلين ) هذا فيه إضمار وتقديره والاستنجاء واجب فحذف خبر الابتداء اختصارا وأراد ما خرج غير الريح لأنه قد بين حكمها وسواء كان الخارج معتادا كالبول والغائط أو نادرا كالحصى والدود والشعر رطبا أو يابسا ولو احتقن فرجعت أجزاء خرجت من الفرج أو وطىء رجل امرأته دون الفرج فدب ماؤه إلى فرجها ثم خرج منه فعليهما الاستنجاء على ظاهر كلام الخرقي وقد صرح به القاضي وغيره ولو أدخل الميل في ذكره ثم أخرجه لزمه الاستنجاء لأنه خارج من السبيل فأشبه الغائط المستحجر والقياس أن لا يجب من ناشف لا ينجس المحل للمعنى الذي ذكرنا في الريح وهو قول الشافعي
وهكذا الحكم في الطاهر وهو المني إذا حكمنا بطهارته والقول بوجوب الاستنجاء في الجملة قول أكثر أهل العلم وحكي عن ابن سيرين فيمن صلى بقوم ولم يستنج لا أعلم به بأسا وهذا يحتمل أن يكون فيمن لم يلزمه الاستنجاء كمن لزمه الوضوء لنوم أو خروج ريح أو من ترك الاستنجاء ناسيا فيكون موافقا لقول الجماعة ويحتمل أنه لم ير وجوب الاستنجاء وهذا قول أبي حنيفة لقول النبي صلى الله عليه وسلم من استجمر فليوتر ومن فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج رواه أبو داود ولأنها نجاسة يكتفي فيها بالمسح فلم تجب إزالتها كيسير الدم ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار فإنها تجزىء عنه رواه أبو داود وقال لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار رواه مسلم وفي لفظ لمسلم لقد نهانا أن نستنجي بدون ثلاثة أحجار فأمر والأمر يقتضي الوجوب وقال فإنها تجزىء عنه والإجزاء إنما يستعمل في الواجب ونهى عن الاقتصار على أقل من ثلاثة والنهي يقتضي التحريم وإذا حرم ترك بعض النجاسة فترك جميعها أولى وقال ابن المنذر ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يكفي أحدكم دون ثلاثة أحجار وأمر بالعدد في أخبار كثيرة وقوله لا حرج يعني في ترك الوتر لا في ترك الاستجمار لأن المأمور به في الخبر الوتر فيعود نفي الحرج إليه وأما الاجتزاء بالمسح فيه فلمشقة الغسل لكثرة تكرره في محل الاستنجاء فصل وهو مخير بين الاستنجاء بالماء أو الأحجار في قول أكثر أهل العلم وحكي عن سعد بن أبي وقاص وابن الزبير أنهما أنكرا الاستنجاء بالماء وقال سعيد بن المسيب وهل يفعل ذلك إلا النساء وقال عطاء غسل الدبر محدث وكان الحسن لا يستنجي بالماء وروي عن حذيفة القولان جميعا وكان ابن عمر لا يستنجي بالماء ثم فعله وقال لنافع جربناه فوجدناه صالحا وهو مذهب رافع بن خديج وهو الصحيح لما روى أنس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة فيستنجي بالماء متفق عليه وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء فإني أستحييهم وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله قال الترمذي هذا حديث صحيح رواه سعيد وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال نزلت هذه الآية في أهل قباء فيه رجال يحبون أن يتطهروا التوبة 108 قال كانوا يستنجون بالماء فنزلت هذه الآية فيهم رواه أبو داود وابن ماجة ولأنه يطهر المحل ويزيل النجاسة فجاز كما لو كانت النجاسة على محل آخر فإن أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل لما روينا من الحديث ولأنه يطهر المحل ويزيل العين والأثر وهو أبلغ في التنظيف وإن اقتصر على الحجر أجزأه بغير خلاف بين أهل العلم لما ذكرنا من الأخبار ولأنه إجماع الصحابة رضي الله عنهم والأفضل أن يستجمر بالحجر ثم يتبعه الماء قال أحمد إن جمعهما فهو أحب إلي لأن عائشة قالت مرن أزواجكن أن يتبعوا الحجارة الماء من أثر الغائط والبول فإني أستحييهم كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله احتج به أحمد ورواه سعيد ولأن الحجر يزيل عين النجاسة فلا تصيبها يده ثم يأتي بالماء فيطهر المحل فيكون أبلغ في التنظيف وأحسن مسألة قال ( فإن لم يعدوا مخرجهما أجزأه ثلاثة أحجار إذا أنقى بهن فإن أنقى بدون الثلاثة لم يجزه حتى يأتي بالعدد وإن لم ينق بالثلاثة زاد حتى ينقى ) قوله يعدوا مخرجهما يعني الخارجين من السبيلين إذا لم يتجاوزا مخرجهما يقال عداك الشر أي تجاوزك والمراد والله أعلم إذا لم يتجاوز المخرج بما لم تجر العادة به فإن اليسير لا يمكن التحرز منه والعادة جارية به فإذا كان كذلك فإنه يجزئه ثلاثة أحجار منقية ومعنى الإنقاء إزالة عين النجاسة وبلتها بحيث يخرج الحجر نقيا وليس عليه أثر إلا شيئا يسيرا
ويشترط الأمران جميعا الإنقاء وإكمال الثلاثة أيهما وجد دون صاحبه لم يكف وهذا مذهب الشافعي وجماعة وقال مالك وداود الواجب الإنقاء دون العدد لقوله صلى الله عليه وسلم من استجمر فليوتر من فعله فقد أحسن ومن لا فلا حرج ولنا قول سلمان لقد نهانا يعني النبي صلى الله عليه وسلم أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار وما ذكرنا من الأحاديث وحديثهم قد أجبنا عنه فيما مضى فصل وإذا زاد على الثلاثة استحب أن لا يقطع إلا على وتر لقوله صلى الله عليه وسلم من استجمر فليوتر متفق عليه فيستجمر خمسا أو سبعا أو تسعا أو ما زاد على ذلك فإن اقتصر على شفع منقية فيما زاد على الثلاثة جاز لقوله صلى الله عليه وسلم ومن لا فلا حرج فصل وكيفما حصل الإنقاء في الاستجمار أجزأه وذكر القاضي أن المستحب أن يمر الحجر الأول من مقدم صفحته اليمنى إلى مؤخرها ثم يديره على اليسرى ثم يرجع به إلى الموضع الذي بدأ منه ثم يمر الثاني من مقدم صفحته اليسرى كذلك ثم يمر الثالث على المسربة والصفحتين لقول النبي صلى الله عليه وسلم أو لا يجد أحدكم حجرين للصفحتين وحجرا للمسربة رواه الدارقطني وقال إسناده حسن وينبغي أن يعم المحل بكل واحد من الأحجار لأنه إذا لم يعم به كان ذلك تلفيقا فيكون بمنزلة مسحة واحدة ولا يكون تكرارا ذكر هذا الشريف أبو جعفر وابن عقيل وقالا معنى الحديث البداية بهذه المواضع ويحتمل أن يجزئه لكل جهة مسحة لظاهر الخبر والله أعلم فصل ويجزئه الاستجمار في النادر كما يجزىء في المعتاد ولأصحاب الشافعي وجه أنه لا يجزىء في النادر قال ابن عبد البر ويحتمل أن يكون قول مالك لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسل الذكر من المذي والأمر يقتضي الوجوب قال ابن عبد البر واستدلوا بأن الآثار كلها على اختلاف ألفاظها وأسانيدها ليس فيها ذكر استنجاء إنما هو الغسل ولأن النادر لا يتكرر فلا يبقى اعتبار الماء فيه فوجب كغسل غير هذا المحل ولنا أن الخبر عام في الجميع وأن الاستجمار في النادر إنما وجب لما صحبه من بلة المعتاد ثم إن لم يشق فهو في محل المشقة فتعتبر مظنة المشقة دون حقيقتها كما جاز الاستجمار على نهر جار وأما المذي فمعتاد كثير وربما كان في بعض الناس أكثر من البول قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه كنت رجلا مذاء فقال النبي صلى الله عليه وسلم ذاك ماء الفحل ولكل فحل ماء وقال سهل بن حنيف كنت رجلا مذاء فكنت أكثر منه الاغتسال ولهذا أوجب مالك منه الوضوء وهو لا يوجبه من النادر فليس هو من مسألتنا ويجب غسل الذكر منه والأنثيين في إحدى الروايتين تعبدا والأخرى أنه لا يجب وأمره صلى الله عليه وسلم بغسله للاستحباب قياسا على سائر ما يخرج والله أعلم فصل ولا يستجمر بيمينه لقول سلمان في حديثه إنه لينهانا أن يستنجي أحدنا بيمينه رواه مسلم وروى أبو قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يمسكن أحكم ذكره بيمينه ولا يتمسح من الخلاء بيمينه متفق عليه فإن كان يستنجي من غائط أخذ الحجر بشماله فمسح به وإن كان يستنجي من البول وكان الحجر كبيرا أخذ ذكره بشماله فمسح به وإن كان صغيرا فأمكنه أن يضعه بين عقبيه أو بين أصابعه ويمسح ذكره عليه فعل وإن لم يمكنه أمسكه بيمينه ومسح بيساره لموضع الحاجة وقيل يمسك ذكره بيمينه ويمسح بشماله ليكون المسح بغير اليمين والأول أولى لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وإذا أمسك الحجر باليمين ومسح الذكر عليه لم يكن ماسحا باليمين ولا ممسكا للذكر بها وإن كان أقطع اليسرى أو بها مرض استجمر بيمينه للحاجة
ولا يكره الاستعانة بها في الماء لأن الحاجة داعية إليه وإن استجمر بيمينه مع الغنى عنه أجزأه في قول أكثر أهل العلم وحكي عن بعض أهل الظاهر أنه لا يجزئه لأنه منهى عنه فلم يفد مقصوده كما لو استنجى بالروث والرمة فإن النهي يتناول الأمرين والفرق بينهما أن الروث آلة الاستجمار المباشرة للمحل وشرطه فلم يجز استعمال المنهي عنه فيها واليد ليست المباشرة للمحل ولا شرطا فيه إنما يتناول بها الحجر الملاقي للمحل فصار النهي عنها نهي تأديب لا يمنع الإجزاء فصل ويبدأ الرجل في الاستنجاء بالقبل لئلا تتلوث يده إذا شرع في الدبر لأن قبله بارز تصيبه اليد إذا مدها إلى الدبر والمرأة مخبرة في البداية بأيهما شاءت لعدم ذلك فيها ويستحب أن يمكث بعد البول قليلا ويضع يده على أصل الذكر من تحت الأنثيين ثم يسلته إلى رأسه فينتر ذكره ثلاثا برفق قال أحمد إذا توضأت فضع يدك في سفلتك ثم اسلت ما ثم حتى ينزل ولا تجعل ذلك من همك ولا تلتفت إلى ظنك وقد روى يزداد اليماني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بال أحدكم فلينثر ذكره ثلاث مرات رواه الإمام أحمد وإذا استنجى بالماء ثم فرغ استحب له دلك يده بالأرض لما روي عن ميمونة أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك رواه البخاري وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى حاجته ثم استنجى من تور ودلك يده بالأرض أخرجه ابن ماجة وإن استنجى عقب انقطاع البول جاز لأن الظاهر انقطاعه وقد قيل إن الماء يقطع البول ولذلك سمي الاستنجاء انتقاص الماء ويستحب أن ينضح على فرجه وسراويله ليزيل الوسواس عنه قال حنبل سألت أحمد قلت أتوضأ وأستبرىء وأجد في نفسي أني قد أحدثت بعده قال إذا توضأت فاستبرىء ثم خذ كفا من ماء فرشه على فرجك ولا تلتفت إليه فإنه يذهب إن شاء الله وقد روي أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال جاءني جبريل فقال يا محمد إذا توضأت فانتضح وهو حديث غريب مسألة قال ( والخشب والخرق وكل ما أنقي به فهو كالأحجار ) هذا الصحيح من المذهب وهو قول أكثر أهل العلم وفيه رواية أخرى لا يجزىء إلا الأحجار اختارها أبو بكر وهو مذهب داود لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالأحجار وأمره يقتضي الوجوب ولأنه موضع رخصة ورد الشرع فيها بآلة مخصوصة فوجب الاقتصار عليها كالتراب في التيمم ولنا ما روى أبو داود عن خزيمة قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستطابة فقال بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع فلولا أنه أراد الحجر وما في معناه لم يستثن منها الرجيع لأنه لا يحتاج إلى ذكره ولم يكن لتخصص الرجيع بالذكر معنى وفي حديث سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لينهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار وأن نستجمر برجيع أو عظم رواه مسلم وتخصيص هذين بالنهي عنهما يدل على أنه أراد الحجارة وما قام مقامها وروى طاوس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا أتى أحدكم البراز فلينزه قبلة الله ولا يستقبلها ولا يستدبرها وليستطب بثلاثة أحجار أو ثلاثة أعواد أو ثلاث حثيات من تراب رواه الدارقطني وقال وقد روي عن ابن عباس مرفوعا والصحيح أنه مرسل ورواه سعيد في سننه موقوفا على طاوس ولأنه متى ورد النص بشيء لمعنى معقول وجب تعيدته إلى ما وجد فيه المعنى والمعنى ها هنا إزالة عين النجاسة وهذا يحصل بغير الأحجار كحصوله بها وبهذا يخرج التيمم فإنه غير معقول ولا بد أن يكون ما يستجمر به منقيا لأن الإنقاء مشترط في الاستجمار فأما الزلج كالزجاج والفحم الرخو وشبههما مما لا ينقى فلا يجزىء لأنه لا يحصل منه المقصود ويشترط كونه طاهرا فإن كان نجسا فإن كان نجسا لم يجزه وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يجزئه لأنه يجفف كالطاهر
ولنا أن ابن مسعود جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بحجرين وروثة يستجمر بها فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال هذه ركس رواه البخاري وفي لفظ رواه الترمذي قال إنها ركس يعني نجسا وهذا تعليل من النبي صلى الله عليه وسلم يجب المصير إليه ولأنه إزالة نجاسة فلا يحصل بالنجاسة كالغسل فإن استنجى بنجس احتمل أن لا يجزئه الاستجمار بعده لأن المحل تنجس بنجاسة من غير المخرج فلم يجزىء فيها غير الماء كما لو تنجس ابتداء ويحتمل أن يجزئه لأن هذه النجاسة تابعة لنجاسة المحل فزالت بزوالها مسألة قال ( إلا الروث والعظام والطعام ) وجملته أنه لا يجوز الاستجمار بالروث ولا العظام ولا يجزىء في قول أكثر أهل العلم وبهذا قال الثوري والشافعي وإسحاق وأباح أبو حنيفة الاستنجاء بهما لأنهما يجففان النجاسة وينقيان المحل فهما كالحجر وأباح مالك الاستنجاء بالطاهر منهما وقد ذكرنا نهي النبي صلى الله عليه وسلم عنهما وروى مسلم عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام فإنه زاد إخوانكم من الجن وروى الدارقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن نستنجي بروث أو عظم وقال إنهما لا يطهران وقال إسناد صحيح وروى أبو داود عنه عليه السلام أنه قال لرويفع بن ثابت أبي بكرة أخبر الناس أنه من استنجى برجيع أو عظم فهو بريء من دين محمد وهذا عام في الطاهر منها والنهي يقتضي الفساد وعدم الإجزاء فأما الطعام فتحريمه من طريق التنبيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم علل النهي عن الروث والرمة في حديث ابن مسعود بكونهما زاد إخواننا من الجن فزادنا مع عظم حرمته أولى فإن قيل قد نهى عن الاستنجاء باليمين كنهيه ها هنا فلم يمنع ذلك الإجزاء ثم كذا ها هنا قلنا قد بين في الحديث أنهما لا يطهران ثم الفرق بينهما أن النهي ها هنا لمعنى في شرط الفعل فمنع صحته كالنهي عن الوضوء بالماء النجس وثم لمعنى في آلة الشرط فلم يمنع كالوضوء من إناء محرم فصل ولا يجوز الاستنجاء بما له حرمة كشيء كتب فيه فقه أو حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فيه من هتك الشريعة والاستخفاف بحرمتها فهو في الحرمة أعظم من الروث والرمة ولا يجوز بمتصل بحيوان كيده وعقبه وذنب بهيمة وصوفها المتصل بها وقال بعض أصحابنا يجمع المستجمر به ست خصال أن يكون طاهرا جامدا منقيا غير مطعوم ولا حرمة له ولا متصل بحيوان مسألة قال ( والحجر الكبير الذي له ثلاث شعب يقوم مقام ثلاثة أحجار ) وبهذا قال الشافعي وإسحاق وأبو ثور وعن أحمد رواية أخرى لا يجزىء أقل من ثلاثة أحجار وهو قول أبي بكر بن المنذر لقوله عليه السلام لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار ولا يكفي أحدكم دون ثلاثة أحجار ولأنه إذا استجمر بحجر تنجس فلا يجوز الاستجمار به ثانيا كالصغير ولنا أنه إن استجمر ثلاثا منقية بما وجدت فيه شروط الاستجمار أجزأه كما لو فصله ثلاثة صغارا واستجمر بها إذ لا فرق بين الأصل والفرع إلا فسله ولا أثر لذلك في التطهير والحديث يقتضي ثلاث مسحات بحجر دون عين الأحجار كما يقال ضربته ثلاثة أسواط أي ثلاث ضربات بسوط وذلك لأن معناه معقول ورماده معلوم ولذلك لم نقتصر على لفظه في غير الأحجار بل أجزنا الخشب والخرق والمدر والمعنى من ثلاثة حاصل من ثلاث شعب أو مسح ذكره في صخرة عظيمة بلاثة مواضع منها أو في حائط أو أرض فلا معنى للجمود على اللفظ مع وجود ما يساويه من كل وجه وقولهم ينجس قلنا إنما ينجس ما أصاب النجاسة والاستجمار حاصل بغيره فأشبه ما لو تنجس جانبه بغير الاستجمار ولأنه لو استجمر به ثلاثة لحصل لكل واحد منهم مسحة وقام مقام ثلاثة أحجار فكذلك إذا استجمر به الواحد ولو استجمر ثلاثة بثلاثة أحجار لكل حجر منها ثلاث شعب فاستجمر كل واحد منهم من كل حجر بشعبة أجزأهم ويحتمل على قول أبي بكر أن لا يجزئهم
فصل ولو استجمر بحجر ثم غسل أو كسر ما تنجس منه واستجمر به ثانيا ثم فعل ذلك واستجمر به ثالثا أجزأه لأنه حجر يجزىء غيره الاستجمار به فأجزأه كغيره ويحتمل على قول أبي بكر أن لا يجزئه محافظة على صورة اللفظ وهو بعيد مسألة قال ( وما عدا المخرج فلا يجزىء فيه إلا الماء ) وبها قال الشافعي وإسحاق وابن المنذر يعني إذا تجاوز المحل بما لم تجر به العادة مثل أن ينتشر إلى الصفحتين وامتد في الحشفة لم يجزه إلا الماء لأن الاستجمار في المحل المعتاد رخصة لأجل المشقة في غسله لتكرر النجاسة فيه فما لا تتكرر النجاسة فيه لا يجزىء فهي إلا الغسل كساقه وفخذه ولذلك قال علي رضي الله عنه إنكم كنتم تبعرون بعرا وأنتم اليوم تثلطون ثلطا فأتبعوا الماء الأحجار وقوله صلى الله عليه وسلم يكفي أحدكم ثلاثة أحجار أراد ما لم يتجاوز محل العادة لما ذكرنا فصل والمرأة البكر كالرجل لأن عذرتها تمنع انتشار البول فأما الثيب فإن خرج البول بحدة فلم ينتشر فكذلك وإن تعدى إلى مخرج الحيض فقال أصحابنا يجب غسله لأن مخرج الحيض والولد غير مخرج البول ويحتمل أن لا يجب لأن هذا عادة في حقها فكفى فيه الاستجمار كالمعتاد في غيرها ولأن الغسل لو لزمها مع اعتياده لبينه النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه لكونه مما يحتاج إلى معرفته وإن شك في انتشار الخارج إلى ما يوجب الغسل لم يجب لأن الأصل عدمه والمستحب الغسل احتياطا فصل والأقلف إن كان مرتتقا لا تخرج بشرته من قلفته فهو كالمختتن وإن كان يمكنه كشفها كشفها فإذا بال واستجمر أعادها فإن تنجست بالبول لزمه غسلها كما لو انتشر إلى الحشفة فصل وإن انسد المخرج المعتاد وانفتح آخر لم يجزه الاستجمار فيه لأنه غير السبيل المعتاد وحكي عن بعض أصحابنا أنه يجزئه لأنه صار معتادا ولنا أن هذا نادر بالنسبة إلى سائر الناس فلم تثبت فيه أحكام الفرج فإنه لا ينقض الوضوء مسه ولا يجب بالإيلاج فيه حد ولا مهر ولا غسل ولا غير ذلك من الأحكام فأشبه سائر البدن فصل ظاهر كلام أحمد أن نحل الاستجمار بعد الإنقاء طاهر فإن أحمد بن الحسين قال سألت أبا عبد الله عن الرجل يبول فيستبرىء ويستجمر يعرق في سراويله قال إذا استجمر ثلاثا فلا بأس وسأله رجل فقال إذا استنجيت من الغائط يصيب ذلك الماء موضعا مني آخر فقال أحمد قد جاء في الاستنجاء ثلاثة أحجار فاستنج أنت بثلاثة أحجار ثم لا تبالي ما أصبك من ذلك الماء قال وسألت أحمد عن رش الماء على الخف إذا لم يستجمر الرجل قال أحب إلي أن يغسله ثلاثا وهذا قول ابن حامد وظاهر قول المتأخرين من أصحابنا أنه نجس وهو قول الشافعي وأبي حنيفة فلو قعد المستجمر في ماء قليل نجسه ولو عرق كان عرقه نجسا لأنه مسح للنجاسة فلم يطهر به محلها كسائر المسح ووجه الأول قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تستنجوا بروث ولا عظم فإنهما لا يطهران فمفهومه أن غيرهما يطهر ولأن الصحابة رضي الله عنهم كان الغالب عليهم الاستجمار حتى أن جماعة منهم أنكروا الاستنجاء بالماء وسماه بعضهم بدعة وبلادهم حارة والظاهر أنهم لا يسلمون من العرق فلم ينقل عنهم توقي ذلك ولا الاحتراز منه ولا ذكر ذلك أصلا وقد نقل عن ابن عمر أنه بال بالمزدلفة فأدخل يده فنضح فرجه من تحت ثيابه وعن إبراهيم النخعي نحو ذلك ولولا أنهما اعتقدا طهارته ما فعلا ذلك فصل إذا استنجى بالماء لم يحتج إلى تراب قال أحمد يجزئه الماء وحده ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استعمل التراب مع الماء في الاستنجاء ولا أمر به فأما عدد الغسلات فقد اختلف عن أحمد فيها
فقال في رواية ابنه صالح أقل ما يجزئه من الماء سبع مرات وقال في رواية محمد بن الحكم ولكن المقعدة يجزي أن تمسح بثلاثة أحجار أو تغسلها ثلاث مرات ولا يجزي عندي إذا كان في الجسد أو يغسله ثلاث مرات وذلم لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغسل مقعدته ثلاثا رواه ابن ماجة وقال أبو داود سئل أحمد عن حد الاستنجاء بالماء فقال ينقي وظاهر هذا أنه لا عدد فيه إنما الواجب الإنقاء وهذا أصح لأنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك عدد ولا أمر به ولا بد من الإنقاء على الروايات كلها وهو أن تذهب لزوجة النجاسة وآثارها فصول في آداب التخلي لا يجوز استقبال القبلة في الفضاء لقضاء الحاجة في قول أكثر أهل العلم لما روي أبو أيوب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره ولكن شرقوا أو غربوا قال أبو أيوب فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة فننحرف عنها ونستغفر الله عز وجل متفق عليه ولمسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها وقال عروة بن ربيعة وداود يجوز استقبالها واستدبارها لما روى جابر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة ببول فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها قال الترمذي هذا حديث حسن غريب وهذا دليل على النسخ فيجب تقديمه ولنا أحاديث النهي وهي صحيحة وحديث جابر يحتمل أنه رآه في البنيان أو مستترا بشيء ولا يثبت النسخ بالاحتمال ويتعين حمله على ما ذكرنا ليكون موافقا للأحاديث التي نذكرها فأما في البنيان أو إذا كانن بينه وبين القبلة شيء يستره ففيه روايتان إحداهما لا يجوز أيضا وهو قول الثوري وأبي حنيفة لعموم الأحاديث في النهي والثانية يجوز استقبالها واستدبارها في البنيان روي ذلك عن العباس وابن عمر رضي الله عنهما وبه قال مالك والشافعي وابن المنذر وهو الصحيح لحديث جابر وقد حملناه على أنه كان في البنيان وروت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر له أن قوما يكرهون استقبال القبلة بفروجهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قد فعلوها استقبلوا بمقعدتي القبلة رواه أصحاب السنن وأكثر أصحاب المسانيد منهم أبو داود الطيالسي رواه عن خالد بن الصلت عن عراك بن مالك عن عائشة قال أبو عبد الله أحسن ما روي في الرخصة حديث عائشة وإن كان مرسلا فإن مخرجه حسن قال أحمد عراك لم يسمع من عائشة فلذلك سماه مرسلا وهذا كله في البنيان وهو خاص يقدم على العام وعن مروان الأصفر قال رأيتابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة ثم جلس يبول إليها فقلت يا أبا عبد الرحمن أليس قد نهي عن هذا قال بلى إنما نهي عن هذا في الفضاء فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس رواه أبو داود وهذا تفسير لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم العام وفيه جمع بين الأحاديث فيتيعن المصير إليه وعن أحمد أنه يجوز استدبار الكعبة في البنيان والفضاء جميعا لما روى ابن عمر قال رقيت يوما على بيت حفصة فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم على حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة متفق عليه فصل ويكره أن يستقبل الشمس والقمر بفرجه لما فيهما من نور الله تعالى فإن استتر عنهما بشيء فلا بأس لأنه لو استتر عن القبلة جاز فها هنا أولى ويكره أن يستقبل الريح لئلا ترد عليه رشاش البول فينسجه فصل ويستحب أن يستتر عن الناس فإن وجد حائطا أو كثيبا أو شجرة أو بعيرا استتر به وإن لم يجد شيئا أبعد حتى لا يراه أحد
لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من أتى الغائط فليستتر فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبا من الرمل فليستدبره وروي عنه عليه السلام أنه خرج ومعه درقة ثم استتر بها ثم بال وعن جابر قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد والبراز الموضع البارز سمي قضاء الحاجة به لأنها تقضى فيه وعن المغيرة بن شعبة قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا المذهب أبعد روى أحاديث هذا الفصل كلها أبو داود وابن ماجة وقال عبد الله بن جعفر كان أحب ما استتر به النبي صلى الله عليه وسلم لحاجته هدف أو حائش نخل رواه ابن ماجة فصل ويستحب أن يرتاد لبوله موضعا رخوا لئلا يترشش عليه قال أبو موسى كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فأراد أن يتبول فأتى دمثا في أصل حائط فبال ثم قال إذا أراد أحدكم أن يتبول فليرتد لبوله ويستحب أن يبول قاعدا لئلا يترشش عليه قال ابن مسعود من الجفاء أن تبول وأنت قائم وكان سعد بن إبراهيم لا يجيز شهادة من بال قائما قالت عائشة رضي الله عنها من حدثكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبول قائما فلا تصدقوه ما كان يبول إلا قاعدا قال الترمذي هذا أصلح شيء في الباب وقد رويت الرخصة فيه عن عمر وعلي وابن عمر وزيد بن ثابت وسهل بن سعد وأنس وأبي هريرة وعروة وروى حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال قائما رواه البخاري وغيره ولعل النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لتبيين الجواز ولم يفعله إلا مرة واحدة ويحتمل أنه كان في موضع لا يتمكن من الجلوس فيه وقيل فعل ذلك لعلة كانت بمأبضة والمأبض ما تحت الركبة من كل حيوان فصل ويستحب أن لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض لما روى أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أراد الحاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض ولأن ذلك أستر له فيكون أولى فصل ولا يجوز أن يبول في طريق الناس ولا مورد ماء ولا ظل ينتفع به الناس لما روي معاذ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اتقوا الملاعن الثلاث البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل رواه أبو داود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اتقوا اللاعنين قالوا وما اللاعنان يا رسول الله قال الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلمهم أخرجه مسلم والمورد الطريق ولا يبول تحت شجرة مثمرة في حال كون الثمرة عليها لئلا تسقط عليه الثمرة فتتنجس به فأما في غير حال الثمرة فلا بأس فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان أحب ما استتر به إليه لحاجته هدف أو حائش نخل ولا يبول في الماء الدائم لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البول في الماء الراكد متفق عليه ولأن الماء إن كان قليلا تنجس به وإن كان كثيرا فربما تغير بتكرار البول فيه فأما الجاري فلا يجوز التغوط فيه لأنه يؤذي من يمر به وإن بال فيه وهو كثير لا يؤثر فيه البول فلا بأس لأن تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم الراكد بالنهي عن البول فيه دليل على أن الجاري بخلافه ولا يبول على ما نهي عن الاستجمار به لأن هذا أبلغ من الاستجمار به فالنهي ثم تنبيه على تحريم البول عليه ويكره أن يبول في شق أو ثقب لما روى عبد الله بن سرجس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبال في الحجر
رواه أبو داود لأن عبد الله بن المغفل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبولن أحدكم في مستحمه ولأنه لا يأمن أن يكون فيه حيوان يلسعه أو يكون مسكنا للجن فيتأذى بهم فقد حكي أن سعد بن عبادة بال في جحر بالشام ثم استلقى ميتا فسمعت الجن تقول نحن قتلنا سيد الخز رج سعد بن عبادة ورميناه بسهمي ن فلم تخطىء فؤاده ولا يبول في مستحمه فإن عامة الوسواس منه رواه أبو داود وابن ماجة وقال سمعت علي بن محمد الطنافسي يقول إنما هذا في الحفيرة فأما اليوم فمغسلاتهم الجص والصاروج والقير فإذا بال وأرسل عليه الماء فلا بأس به وقد قيل إن البصاق على البول يورث الوسواس وإن البول على النار يورث السقم وتوقي ذلك كله أولى ويكره أن يتوضأ على موضع بوله أو يستنجي عليه لئلا يتنجس به فصل ويعتمد في حال جلوسه على رجله اليسرى لما روى سراقة بن مالك قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتوكأ على اليسرى وأن ننصب اليمنى رواه الطبراني في المعجم ولأنه أسهل لخروج الخارج ولا يطيل المقام أكثر من قدر الحاجة لأن ذلك يضره وقد قيل إنه يورث الباسور وقيل إنه يدمي الكبد وربما آذى من ينتظره ويستحب أن يغطي رأسه لأن ذلك يروى عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ولأنه حال كشف العورة فيستحي فيها ويلبس حذاءه لئلا تتنجس رجلاه ولا يذكر الله تعالى على حاجته إلا بقلبه وكره ذلك ابن عباس وعطاء وعكرمة وقال ابن سيرين والنخعي لا بأس به لأن الله تعالى ذكره محمود على كل حال ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد السلام في هذه الحال فذكر الله أولى فإذا عطس حمد الله بقلبه ولم يتكلم وقال ابن عقيل فيه رواية أخرى أنه يحمد الله بلسانه والأول أولى لما ذكرناه فإنه إذا لم يرد السلام الواجب فما ليس بواجب أولى ولا يسلم ولا يرد على مسلم لما روى ابن عمر أن رجلا مر على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلم فلم يرد عليه السلام قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وعن جابر أن رجلا مر علي النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلم عليه فقال النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم علي فإنك إن فعلت ذلك لم أرد عليك رواه ابن ماجه ولا يتكلم لما روى أبو سعيد قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان فإن الله يمقت على ذلك رواه أبو داود فصل إذا أراد دخول الخلاء ومعه شيء فيه ذكر الله تعالى استحب وضعه وقال أنس بن مالك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء وضع خاتمه رواه ابن ماجة وأبو داود وقال هذا حديث منكر وقيل إنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يضعه لأن فيه محمد رسول الله ثلاثة أسطر فإن احتفظ بما معه مما فيه ذكر الله تعالى واحترز عليه من السقوط أو أدار الخاتم إلى باطن كفه فلا بأس قال أحمد الخاتم إذا كان فيه اسم الله يجعله في باطن كفه ويدخل الخلاء وقال عكرمة اقلبه هكذا في باطن كفك فاقبض عليه وبه قال إسحاق ورخص فيه ابن المسيب والحسن وابن سيرين وقال أحمد في الرجل يدخل الخلاء معه الدراهم أرجو أن لا يكون به بأس فصل ويقدم رجله اليسرى في الدخول واليمنى في الخروج ويقول عند دخوله بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث ومن الرجس الشيطان الرجيم قالأحمد يقول إذا دخل الخلاء أعوذ بالله من الخبث والخبائث وما دخلت قط المتوضأ ولم أقلها إلا أصابني ما أكره وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء قال اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث
متفق عليه وعن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول بسم الله وعن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم رواهما ابن ماجة قال أبو عبيد الخبث بسكون الباء الشر والخبائث الشياطين وقيل الخبث بضم الباء والخبائث ذكران الشياطين وإناثهم فإذا خرج من الخلاء قال غفرانك الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من الخلاء قال غفرانك الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني أخرجه ابن ماجة وقالت عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء قال غفرانك قال الترمذي هذا حديث حسن فصل ولا بأس أن يبول في الإناء قالت أميمة بنت رقيقة كان للنبي صلى الله عليه وسلم قدح من عيدان يبول فيه ويضعه تحت السرير رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة باب ما ينقض الطهارة مسألة قال أبو القاسم ( والذي ينتقض الطهارة ما خرج من قبل أو دبر ) وجملة ذلك أن الخارج من السبيلين على ضربين معتاد كالبول والغائط والمني والمذي والودي والريح فهذا ينقض الوضوء إجماعا قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن خروج الغائط من الدبر وخروج البول من ذكر الرجل وقبل المرأة وخروج المذي وخروج الريح من الدبر أحداث ينتقض كل واحد منها الطهارة ويوجب الوضوء ودم الاستحاضة ينقض الطهارة في قول عامة أهل العلم إلا في قول ربيعة الضرب الثاني نادر كالدم والدود والحصى والشعر فينقض الوضوء أيضا وبهذا قال الثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي وكان عطاء والحسن وأبو مجلز والحكم وحماد والأوزاعي وابن المبارك يرون الوضوء من الدود يخرج منالدبر ولم يوجب مالك الوضوء من هذا الضرب لأنه نادر أشبه الخارج من غير السبيل ولنا أنه خارج من السبيل أشبه المذي ولأنه لا يخلو من بلة تتعلق به فينتقض الوضوء بها وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم المستحاضة بالوضوء لكل صلاة ودمها خارج غير معتاد فصل وقد نقل صالح عن أبيه في المرأة يخرج من فرجها الريح ما خرج من السبيلين ففيه الوضوء وقال القاضي خروج الريح من الذكر وقبل المرأة ينقض الوضوء وقال ابن عقيل يحتمل أن يكون الأشبه بمذهبنا في الريح يخرج من الذكر أن لا ينقض لأن المثانة ليس لها منفذ إلى الجوف ولا جعلها أصحابنا جوفا ولم يبطلوا الصوم بالحقنة فيه ولا نعلم لهذا وجودا ولا نعلم وجوده في حق أحد وقد قيل إنه يعلم وجوده بأن يحس الإنسان في ذكره دبيبا وهذا لا يصح فإن هذا لا يحصل به اليقين والطهارة لا تنتقض بالشك فإن قدر وجود ذلك يقين نقض الطهارة لأنه خارج من أحد السبيلين فنقض قياسا على سائر الخوارج فصل وإن قطر في إحليله دهنا ثم عاد فخرج نقض الوضوء لأنه خارج من السبيل ولا يخلو من بلة نجسة تصحبه فينتقض بها الوضوء كما لو خرجت منفردة ولو احتشى قطنا في ذكره ثم خرج وعليه بلل نقض الوضوء لأنه لو خرج منفردا لنقض فكذلك إذا خرج مع غيره فإن خرج ناشفا ففيه وجهان أحدهما ينقض لأنه خارج من السبيل فأشبه سائر الخوارج والثاني لا ينقض لأنه ليس بين المثانة والجوف منفذ فلا يكون خارجا من الجوف ولو احتقن في دبره فرجعت أجزاء خرجت من الفرج نقضت الوضوء وهكذا لو وطىء امرأته دون الفرج فدب ماؤه فدخل الفرج ثم خرج نقض الوضوء وعليهما الاستنجاء لأنه خارج من السبيل لا يخلو من بلة تصحبه من الفرج فإن لم يعلما خروج شيء منه احتمل وجهين أحدهما النقض فيهما لأن الغالب أنه لا ينفك عن الخروج فنقض كالنوم
والثاني لا ينقض لأن الطهارة متيقنة فلا نزول عنها بالشك لكن إن كان المحتقن قد أدخل رأس الزراقة ثم أخرجه نقض الوضوء وكذلك لو أدخل فيه ميلا أو غيره ثم خرج نقض الوضوء لأنه خارج من السبيل فنقض كسائر الخارج فصل قال أبو الحارث سألت أحمد عن رجل به علة ربما ظهرت مقعدته قال إن علم أنه يظهر معها ندى توضأ وإن لم يعلم فلا شيء عليه ويحتمل أن أحمد إنما أراد ندى ينفصل عنها لأنه خارج من الفرج متصل فنقض كالخارج على الحصى فأما الرطوبة اللازمة لها فلا تنقض ونها لا تنفك عن رطوبة فلو نقضت لنقض خروجها على كل حال ولأنه شيء لم ينفصل عنها فلم ينقض كسائر أجزائها وقد قالوا فيمن أخرج لسانه وعليه بلل ثم أدخله وابتلع ذلك البلل إنه لا يفطر لأنه لم يثبت له حكم الانفصال والله أعلم فصل قد ذكرنا أن المذي ينقض الوضوء وهو ما يخرج زلجا متسبسبا عند الشهوة فيكون على رأس الذكر واختلفت الرواية في حكمه فروي أنه يوجب الوضوء وغسل الذكر والأنثيين لما روي أن عليا رضي الله عنه قال كنت رجلا مذاء فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته فأمرت المقداد بن الأسود فسأله فقال يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ رواه أبو داود وفي لفظ يغسل ذكره ويتوضأ متفق عليه وفي لفظ توضأ وانضح فرجك والأمر يقتضي الوجوب ولأنه خارج بسبب الشهوة فأوجب غسلا زائدا على موجب البول كالمني فعلى هذا يجزئه غسلة واحدة لأن المأمور به غسل مطلق فيوجب ما يقع عليه اسم الغسل وقد ثبت في قوله في اللفظ الآخر وانضح فرجك وسواء غسله قبل الوضوء أو بعده لأنه غسل غير مرتبط بالوضوء فلم يترتب عليه كغسل النجاسة والرواية الثانية لا يجب أكثر من الاستنجاء والوضوء روي ذلك عن ابن عباس وهو قول أكثر أهل العلم وظاهر كلام الخرقي لما روى سهل بن حنيف قال كنت ألقي من المذي شدة وعناء فكنت أكثر منه الاغتسال فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنما يجزئك من ذلك الوضوء أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح ولأنه خارج لا يوجب الاغتسال أشبه الودي والأمر بالنضح وغسل الذكر والأنثيين محمول على الاستحباب لأنه يحتمله وقوله إنما يجزيك من ذلك الوضوء صريح في حصول الإجزاء بالوضوء فيجب تقديمه فأما الودي فهو ماء أبيض ثخين يخرج بعد البول كدرا فليس فيه وفي بقية الخوارج إلا الوضوء وروى الأثرم بإسناده عن ابن عباس قال المني والودي والمذي أما المني ففيه الغسل وأما المذي والودي ففيهما إسباغ الطهور مسألة قال ( وخروج البول والغائط من غير مخرجهما ) لا تختلف الرواية أن الغائط والبول ينتقض الوضوء بخروجهما من السبيلين ومن غيرهما ويستوي قليلهما وكثيرهما سواء كان السبيلان منسدين أو مفتوحين من فوق المعدة أو من تحتها وقال أصحاب الشافعي إن انسد المخرج وانفتح آخر دون المعدة لزم الوضوء بالخارج منه قولا واحدا وإن انفتح فوق المعدة ففيه قولان أحدهما ينقض الوضوء والثاني لا ينقضه وإن كان المعتاد باقيا فالمشهور أنه لا ينتقض الوضوء بالخارج من غيره وبناه على أصله في أن الخارج من غير السبيلين لا ينقض ولنا عموم قوله تعالى أو جاء أحد منكم من الغائط المائدة 6 وقول صفوان بن عسال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا مسافرين أو سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة لكن من غائط وبول ونوم قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وحقية الغائط المكان المطمئن سمي الخارج به لمجاورته إياه فإن المتبرز يتحراه لحاجته كما سمي عذرة وهي في الحقيقة فناء الدار لأنه كان يطرح بالأفنية فسمي بها للمجاورة وهذا من الأسماء العرفية التي صار المجاز فيها أشهر من الحقيقة وعند الإطلاق يفهم منه المجاز ويحمل عليه الكلام لشهرته ولأن الخارج غائط وبول فنقض كما لو خرج من السبيل
مسألة قال ( وزوال العقل إلا أن يكون بوم يسير جالسا أو قائما ) وزوال العقل على ضربين نوم وغيره فأما غير النوم وهو الجنون والإغماء والسكر وما أشبهه من الأدوية المزيلة للعقل فينقض الوضوء يسيره وكثيره إجماعا قال ابن المنذر أجمع العلماء على وجوب الوضوء على المغمى عليه ولأن هؤلاء حسهم أبعد من حس النائم بدليل أنهم لا ينتبهون بالانتباه ففي إيجاب الوضوء على النائم تنبيه على وجوبه بما هو آكد منه الضرب الثاني النوم وهو ناقض للوضوء في الجملة في قول عامة أهل العلم إلا ما حكي عن أبي موسى الأشعري وأبي مجلز وحميد الأعرج أنه لا ينقض وعن سعيد بن المسيب أنه كان ينام مرارا مضجعا ينتظر الصلاة ثم يصلي ولا يعيد الوضوء ولعلهم ذهبوا إلى أن النوم ليس بحدث في نفسه والحدث مشكوك فيه فلا يزول عن اليقين بالشك ولنا قول صفوان بن عسال لكن من غائط وبول ونوم وقد ذكرنا أنه صحيح وروى علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال العين وكاء السه فمن نام فليتوضأ رواه أبو داود وابن ماجة ولأن النوم مظنة الحدث فأقيم مقامه كالتقاء الختانين في وجوب الغسل أقيم مقام الإنزال فصل والنوم ينقسم ثلاثة أقسام نوم المضطجع فينقض الوضوء يسيره وكثيره في قول كل من يقول ينقضه بالنوم والثاني نوم القاعد إن كان كثيرا نقض رواية واحدة وإن كان يسيرا لم ينقض وهذا قول حماد والحكم ومالك والثوري وأصحاب الرأي وقال الشافعي لا ينقض وإن كثر إذا كان القاعد متمكنا مفضيا بمحل الحدث إلى الأرض لما روى أنس قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينامون ثم يقومون فيصلون ولا يتوضؤون قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وفي لفظ قال كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون وهذا إشارة إلى جميعهم وبه يتخصص عموم الحديثين الأولين ولأنه متحفظ عن خروج الحدث فلم ينقض وضوؤه كما لو كان نومه يسيرا ولنا عموم الحديثين الأولين وإنما خصصناهما في اليسير لحديث أنس وليس فيه بيان كثرة ولا قلة فإن النائم يخفق رأسه من يسير النوم فهو يقين في اليسير فيعمل به وما زاد عليه فهو محتمل لا يترك له العموم المتيقن ولأن نقض الوضوء بالنوم يعلل بإفضائه إلى الحدث ومع الكثرة والغلبة يفضي إيه ولا يحس بخروجه منه بخلاف اليسير ولا يصح قياس الكثير على اليسير لاختلافهما في الإفضاء إلى الحدث الثالث ما عدا هاتين الحالتين وهو نوم القائم والراكع والساجد فروي عن أحمد في جميع ذلك روايتان / / / / إحداهما ينقض وهو قول الشافعي لأنه لم يرد في تخصيصه من عموم أحاديث النقض نص ولا هو في معنى المنصوص لكون القاعد متحفظا لاعتماده بمحل الحدث إلى الأرض والراكع والساجد ينفرج محل الحدث منهما والثانية لا ينقض إلا إذا كثر وذهب أبو حنيفة إلى أن النوم في حال من أحوال الصلاة لا ينقض وإن كثر لما روي ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسجد وينام وينفخ ثم يقوم فيصلي فقلت له صليت ولم تتوضأ وقد نمت فقال إنما الوضوء على من نام مضطجعا فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله رواه أبو داود ولأنه حال من أحوال الصلاة فأشبهت حال الجلوس والظاهر عن أحمد التسوية بين القيام والجلوس لأنهما يشتبهان في الانخفاض واجتماع المخرج وربما كان القائم أبعد من الحدث لعدم التمكن من الاستثقال في النوم فإنه لو استثقل لسقط والظاهر عنه في الساجد التسوية بينه وبين المضطجع لأنه ينفرج محل الحدث ويعتمد بأعضائه على الأرض ويتهيأ لخروج الخارج فأشبه المضطجع والحديث الذي ذكروه منكر قاله أبو داود وقال ابن المنذر لا يثبت وهو مرسل يرويه قتادة عن أبي العالية قال شعبة لم يسمع منه إلا أربعة أحاديث ليس هذا منها فصل واختلفت الرواية عن أحمد في القاعد المستند والمحتبي فعنه لا ينقض يسيره
قال أبو داود سمعت أحمد قيل له الوضوء من النوم قال إذا طال قيل فالمحتبي قال يتوضأ قيل فالمتكي قال الاتكاء شديد والمتساند كأنه أشد يعني من الاحتباء ورأى منها كلها الوضوء إلا أن يغفو يعني قليلا وعنه ينقض يعني بكل حال لأنه معتمد على شيء فهو كالمضطجع والأولى أنه متى كان معتمدا بمحل الحدث على الأرض أن لا ينقض منه إلا الكثير لأنه دليل انتفاء النقض في القاعد لا تفريق فيه فيسوي بين أحواله فصل واختلف أصحابنا في تحديد الكثير من النوم الذي ينقض الوضوء فقال القاضي ليس للقليل حد يرجع إليه وهو على ما جرت به العادة وقيل حد الكثير ما يتغير به النائم عن هيئته مثل أن يسقط على الأرض ومنها أن يرى حلما والصحيح أنه لا حد له لأن التحديد إنما يعرف بتوقيف ولا توقيف في هذا فمتى وجدنا ما يدل على الكثرة ممثل سقوط المتمكن وغيره انتقض وضوؤه وإن شك في كثرته لم ينتقض وضوؤه لأن الطهارة متيقنة فلا تزول بالشك فصل ومن لم يغلب على عقله فلا وضوء عليه لأن النوم الغلبة على العقل قال بعض أهل اللغة في قوله تعالى لا تأخذه سنة ولا نوم البقرة 255 السنة ابتداء النعاس في الرأس فإذا وصل إلى القلب صار نوما قال الشاعر وسنان أقصده النعاس فرنقت في عينه سنة وليس بنائم ولأن الناقض زوال العقل ومتى كان العقل ثابتا وحسه غير زال مثل من يسمع ما يقال عنده ويفهمه فلم يوجد سبب النقض في حقه وإن شك هل نام أم لا أو خطر بباله شيء لا يدري أرؤيا أو حديث نفس فلا وضوء عليه مسألة قال ( والارتداد عن الإسلام ) وجملة ذلك أن الردة تنقض الوضوء وتبطل التيمم وهذا قول الأوزاعي وأبي ثور وهي الإتيان بما يخرج به عن الإسلام إما نطقا أو اعتقادا أو شكا ينقل عن الإسلام فمتى عاود إسلامه ورجع إلى دين الحق فليس له الصلاة حتى يتوضأ وإن كان متوضئا قبل ردته وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي لا يبطل الوضوء بذلك وللشافعي في بطن التيمم به قولان لقول الله تعالى ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم البقرة 217 فشرط الموت ولأنها طهارة فلا تبطل بالردة كالغسل من الجنابة ولنا قوله تعالى لئن أشركت ليحبطن عملك الزمر 65 والطهارة عمل وهي باقية حكما تبطل بمبطلاتها فيجب أن تحبط بالشرك ولأنها عبادة يفسدها الحدث فأفسدها الشرك كالصلاة والتيمم ولأن الردة حدث بدليل قول ابن عباس الحدث حدثان حدث اللسان وحدث الفرج وأشدهما حدث اللسان وإذا أحدث لم تقبل صلاته بغير وضوء لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ متفق عليه وما ذكروه تمسك بدليل الخطاب والمنطوق مقدم عليه ولأنه شرط الموت لجميع المذكور في الآية وهو حبوط العمل والخلود في النار وأما غسل الجنابة فلا يتصور فيه الإبطال وإنما يجب الغسل بسبب جديد بوجبه وهنا يجب الغسل أيضا عند من أوجب على من أسلم الغسل فصل ولا ينقض الوضوء ما عدا الردة من الكلام من الكذب والغيبة والرفث والقذف وغيرها نص عليه أحمد وقال ابن المنذر أجمع من تحفظ قوله من علماء الأمصار على أن القذف وقول الزور والكذب والغيبة لا توجب طهارة ولا تنقض وضوءا وقد روينا عن غير واحد من الأوائل أنهم أمروا بالوضوء من الكلام الخبيث وذلك استحباب عندنا ممن أمر به ولا نعلم حجة توجب وضوءا في شيء من الكلام وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله ولم يأمر في ذلك بوضوء فصل وليس في القهقهة وضوء
روي ذلك عن عروة وعطاء والزهري ومالك والشافعي وإسحاق وابن المنذر وقال أصحاب الرأي يجب الوضوء من القهقهة داخل الصلاة دون خارجها وروي ذلك عن الحسن والنخعي والثوري لما روى أبو العالية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي فجاء ضرير فتردى في بئر فضحك طوائف فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الذين ضحكوا أن يعيدوا الوضوء والصلاة وروي من غير طريق أبي العالية بأسانيد ضعاف وحاصله يرجع إلى أبي العالية كذلك قال عبد الرحمن بن مهدي والإمام أحمد والدارقطني ولنا أنه معنى لا يبطل الوضوء خارج الصلاة فلم يبطله داخلها كالكلام وأنه ليس بحدث ولا يفضي إليه فأشبه سائر ما لا يبطل ولأن الوجوب من الشارع ولم ينص عن الشارع في هذا إيجاب للوضوء ولا في شيء يقاس هذا عليه وما رووه مرسل لا يثبت وقد قال ابن سيرين لا تأخذوا بمراسيل الحسن وأبي العالية فإنهما لا يباليان عمن أخذا والمخالف في هذه المسألة يرد الأخبار الصحيحة لمخالفتها أصوله فكيف يخالفها ها هنا بهذا الخبر الضعيف عند أهل المعرفة مسألة قال ( ومس الفرج ) الفرج اسم لمخرج الحدث ويتناول الذكر والدبر وقبل المرأة وفي نقض الوضوء بجميع ذلك خلاف في المذهب وغيره فنذكره إن شاء الله مفصلا ونبدأ بالكلام في مس الذكر فإنه آكدها فعن أحمد فيه روايتان إحداهما ينقض الوضوء وهو مذهب ابن عمر وسعيد بن المسيب وعطاء وأبان بن عثمان وعروة وسليمان بن يسار والزهري والأوزاعي والشافعي وهو المشهور عن مالك وقد روي أيضا عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة وابن سيرين وأبي العالية والرواية الثانية لا وضوء فيه روي ذلك عن علي وعمار وابن مسعود وحذيفة وعمران بن حصين وأبي الدرداء وبه قال ربيعة والثوري وابن المنذر وأصحاب الرأي لما روي قيس بن طلق عن أبيه قال قدمنا على نبي الله صلى الله عليه وسلم فجاء رجل كأنه بدوي فقال يا رسول الله ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ فقال وهل هو إلا بضعة منك أو مضغة منك رواه أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة ولأنه عضو منه فكان كسائره ووجه الرواية الأولى ما روت بسرة بنت صفوان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من مس ذكره فليتوضأ وعن جابر مثل ذلك وعن أم حبيبة وبي أيوب قالا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من مس فرجه فليتوضأ وفي الباب عن أبي هريرة رواهن ابن ماجة وقال أحمد حديث بسرة وحديث أم حبيبة صحيحان وقال الترمذي حديث بسرة حسن صحيح وقال البخاري أصح شيء في هذا الباب حديث بسرة وقال أبو زرعة حديث أم حبيبة أيضا صحيح وقد روى عنه بضعة عشر من الصحابة فأما خبر قيس فقال أبو زرعة وأبو حاتم قيس مما لا تقوم بروايته حجة ثم إن حديثنا متأخر لأن أبا هريرة قد رواه وهو متأخر الإسلام صحب النبي صلى الله عليه وسلم أربع سنين وكان قدوم طلق على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يؤسسون المسجد أول زمن الهجرة فيكون حديثنا ناسخا له وقياس الذكر على سائر البدن لا يستقيم لأنه تتعلق به أحكام ينفرد بها من وجوب الغسل بإيلاجه والحد والمهر وغير ذلك فصل فعلى رواية النقض لا فرق بين العامد وغيره وبه قال الأوزاعي والشافعيوإسحاق وأبو أيوب وأبو خيثمة لعموم الخبر وعن أحمد لا ينتقض الوضوء إلا بمسه قاصدا مسه قال أحمد بن الحسين قيل لأحمد الوضوء من مس الذكر فقال هكذا وقبض على يده يعني إذا قبض عليه وهذا قول مكحول وطاوس وسعيد بن جبير وحميد الطويل قالوا إن مسه يريد وضوءا وإلا فلا شيء عليه لأنه لمس فلا ينقض الوضوء من غير قصد كلمس النساء فصل ولا فرق بين بطن الكف وظهره وهذا قول عطاء والأوزاعي وقال مالك والليث والشافعي وإسحاق لا ينقض مسه إلا بباطن كفه لأن ظاهر الكف ليس بآلة اللمس
فأشبه ما لو مسه بفخذه واحتج أحمد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه ليس بينهما سترة فليتوضأ وفي لفظ إذا أفضى أحدكم إلى ذكره قد وجب عليه الوضوء رواه الشافعي في مسنده وظاهر كفه من يده والإفضاء اللمس من غير حائل ولأنه جزء من يده تتعلق به الأحكام المعلقة على مطلق اليد فأشبه باطن الكف فصل ولا ينقض مسه بذراعه وعن أحمد أنه ينقض لأنه من يده وهو قول عطاء والأوزاعي والصحيح الأول لأن الحكم المعلق على مطلق اليد في الشرع لا يتجاوز الكوع بدليل قطع السارق وغسل اليد من نوم الليل والمسح في التيمم وإنما وجب غسله في الوضوء لأنه قيده بالمرافق ولأنه ليس بآلة للمس أشبه العضد وكونه من يده يبطل بالعضد فإنه لا خلاف بين العلماء فيه فصل ولا فرق بين ذكره وذكر غيره وقال داود لا ينقض مس ذكره غيره لأنه لا نص فيه والأخبار إنما وردت في ذكر نفسه فيقتصر عليه ولنا أن مس ذكر غيره معصية وأدعى إلى الشهوة وخروج الخارج وحاجة الإنسان تدعو إلى مس ذكر نفسه فإذا انتقض بمس ذكر نفسه فبمس ذكر غيره أولى وهذا تنبيه يقدم على الدليل وفي بعض ألفاظ خبر بسرة من مس الذكر فليتوضأ فصل ولا فرق بين ذكر الصغير والكبير وبه قال عطاء والشافعي وأبو ثور وعن الزهري والأوزاعي لا وضوء على من مس ذكر الصغير لأنه يجوز مسه والنظر إليه وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قبل زبيبة الحسن وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم مس زبيبة الحسن ولم يتوضأ ولنا عموم قوله من مس الذكر فليتوضأ ولأنه ذكر آدمي متصل به أشبه الكبير والخبر ليس بثابت ثم إن نقض اللمس لا يلزم منه كون القبلة ناقضة ثم ليس فيه أنه صلى ولم يتوضأ فيحتمل أنه لم يتوضأ في مجلسه وجواز اللمس والنظر يبطل بذكر نفسه فصل وفرج الميت كفرج الحي لبقاء الاسم والحرمة لاتصاله بجملة الآدمي وهو قول الشافعي وقال إسحاق لا وضوء عليه وفي الذكر المقطوع وجهان أحدهما ينقض لبقاء اسم الذكر والآخر لا ينقض لذهاب الحرمة وعدم الشهوة بمسه فأشبه ثيل الجمل ولو مس القلفة التي تقطع في الختان قبل قطعها انتقض وضوؤه لأنها من جلدة الذكر وإن مسها بعد القطع فلا وضوء عليه لزوال الاسم والحرمة فصل فأما مس حلقة الدبر فعنه روايتان أيضا إحداهما لا ينقض الوضوء وهو مذهب مالك قال الخلال العمل والأشيع في قوله وحجته أنه لا يتوضأ من مس الدبر لأن المشهور من الحديث من مس ذكره فليتوضأ وهذا ليس في معناه لأنه لا يقصد مسه ولا يفضي إلى خروج خارج والثانية ينقض نقلها أبو داود وهو مذهب عطاء والزهري والشافعي لعموم قوله من مس فرجه فليتوضأ ولأنه أحد الفرجين أشبه الذكر فصل وفي مس المرأة فرجها أيضا روايتان إحداهما ينقض لعموم وله من مس فرجه فليتوضأ وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ ولأنها آدمي مس فرجه فانتقض وضوؤه كالرجل والأخرى لا ينتقض قال المروذي قيل لأبي عبد الله فالجارية إذا مست فرجها أعليها وضوء قال لم أسمع في هذا بشيء قلت لأبي عبد الله حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ فتبسم وقال هذا حديث الزبيدي وليس إسناده بذاك ولأن الحديث المشهور في مس الذكر وليس مس المرأة فرجها في معناه لكونه لا يدعو إلى خروج خارج فلم ينقض فصل فأما لمس الخنثى المشكل فلا يخلو من أن يكون اللمس منه أو من غيره فإن كان اللمس منه فلمس أحد فرجيه لم ينتقض وضوؤه لأنه يحتمل أن يكون الملموس خلقة زائدة وإن لمسهما جميعا وقلنا لا ينقض وضوء المرأة مس فرجها لم ينتقض وضوؤها لجواز أن يكون امرأة مست فرجها أو خلقة زائدة وإن قلنا ينقض انتقض وضوؤه
لأنه لا بد أن يكون أحدهما فرجا وإن كان اللامس رجلا فمس الذكر لغير شهوة لم ينتقض وضوؤه وإن مسه لشهوة انتقض وضوؤه في ظاهر المذهب فإنه إن كان ذكرا قد مسه وإن كان أنثى فقد مسها لشهوة وإن مس قبل المرأة لم ينتقض وضوؤه لجواز أن يكون خلقة زائدة من رجل وإن مسهما جميعا لشهوة انتقض وضوؤه لما ذكرنا في الذكر وإن كان لغير شهوة انتقض وضوؤه في الظاهر لأنه لا يخلو من أن يكون مس ذكر رجل أو فرج امرأة وإن كان للامس امرأة فلمست أحدهما لغير شهوة لم ينتقض وضوؤها وإن لمست الذكر لشهوة لم ينتقض وضوؤها لجواز أن يكون خلقة زائدة من امرأة فإن مست فرج المرأة لشهوة انبنى على مس المرأة الرجل لشهوة فإن لنا ينقض انتقض وضوؤها ها هنا لذلك وإلا لم ينتقض وإن مستهما جميعا لغير شهوة وقلنا إن مس فرج المرأة ينقض الوضوء انتقض وضوؤها ها هنا وإلا فلا وإن كان اللامس خنثى مشكلا لم ينتقض وضوؤه إلا أن يجمع بين الفرجين في اللمس ولو مس أحد الخنثيين ذكر الآخر ومس الآخر فرجه وكان اللمس منهما لشهوة أو لغيرها فلا وضوء على واحد منهما لأن كل واحد منهما على انفراده يقين الطهارة باق في حقه والحدث مشكوك فيه فلا نزول عن اليقين بالشك لأنه يحتمل أن يكونا جميعا امرأتين فلا ينتقض وضوء لامس الذكر ويحتمل أن يكونا رجلين فلا ينتقض وضوء لامس الفرج وإن مس كل واحد منهما ذكر الآخر احتمل أن يكون امرأتين وقد مس كل واحد منهما خلقة زائدة من الآخر وإن مس كل واحد منهما قبل الآخر احتمل أن يكونا رجلين فصل ولا ينتقض الوضوء بمس ما عدا الفرجين من سائر البدن كالرفع والأنثيين والإبط في قول عامة أهل العلم إلا أنه روي عن عروة قال من مس أنثييه فليتوضأ وقال الزهري أحب إلي أن يتوضأ وقال عكرمة من مس ما بين الفرجين فليتوضأ وقول الجمهور أولى لأنه لا نص في هذا ولا هو في معنى المنصوص عليه فلا يثبت الحكم فيه ولا ينتقض وضوء الملموس أيضا لأن الوجوب من الشرع وإنما وردت السنة في اللامس ولا ينتقض الوضوء بمس فرج بهيمة وقال الليث بن سعد عليه الوضوء وقال عطاء من مس قنب حمار عليه الوضوء ومن مس ثيل جمل لا وضوء عليه وما قلناه قول جمهور العلماء وهو أولى لأن هذا ليس بمنصوص على النقض به ولا هو في معنى المنصوص عليه فلا وجه للقول به مسألة قال ( والقيء الفاحش والدم الفاحش والدود الفاحش يخرج من الجروح ) وجملته أن الخارج من البدن غير السبيل ينقسم قسمين طاهرا ونجسا فالطاهر لا ينقض الوضوء على حال ما والنجس ينقض الوضوء في الجملة رواية واحدة روي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب وعلقمة وعطاء وقتادة والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي وكان مالك وربيعة والشافعي وأبو ثور وابن المنذر لا يوجبون منه وضوءا وقال مكحول لا وضوء إلا فيما خرج من قبل أو دبر لأنه خارج من غير المخرج مع بقاء المخرج فلم يتعلق به نقض الطهارة كالبصاق ولأنه لا نص فيه ولا يمكن قياسه على محل النص وهو الخارج من السبيلين لكون الحكم فيه غير معلل ولأنه لا يفترق الحال بين قليله وكثيره وطاهره ونجسه وها هنا بخلافه فامتنع القياس ولنا ما روى أبو الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت له ذلك فقال ثوبان صدق أنا صببت له وضوؤه رواه الأثرم والترمذي وقال هذا أصح شيء في هذا الباب قيل لأحمد حديث ثوبان ثبت عندك قال نعم وروى الخلال بإسناده عن ابن جريج عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قلس أحدكم فليتوضأ قال ابن جريج وحدثني ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك وأيضا فإنه قول من سمينا من الصحابة