Qur'an&Sunnah

İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)

Section V02/P360–V02/P361

لأنه مالك لهم فوجبت فطرتهم عليه كالحاضرين وممن أوجب فطرة الآبق الشافعي و أبو ثور و ابن المنذر وأوجبها الزهري إذا علم مكانه و الأوزاعي إن كان في دار الإسلام و مالك إن كانت غيبته قريبة ولم يوجبها عطاء و الثوري وأصحاب الرأي لأنه لا يلزمه الإنفاق عليه فلا تجب فطرته كالمرأة الناشز ولنا أنه مال له فوجبت زكاته في حال غيبته كمال التجارة ويحتمل أن لا يلزمه إخراج زكاته حتى يرجع إلى يده كزكاة الدين والمغصوب ذكره ابن عقيل ووجه القول الأول أن زكاة الفطر تجب تابعة للنفقة والنفقة تجب مع الغيبة بدليل أن من رد الآبق رجع بنفقته وأما من شك في حياته منهم وانقطعت أخباره لم تجب فطرته نص عليه في رواية صالح لأنه لا يعلم بقاء ملكه عليه ولو اعتقه في كفارته لم يجزئه فلم تجب فطرته كالميت فإن مضت عليه سنون ثم علم حياته لزمه الإخراج لما مضى لأنه بان له وجود سبب الوجوب في الزمن الماضي فوجب عليه الإخراج لما مضى كما لو سمع بهلاك ماله الغائب ثم بان أنه كان سالما والحكم في القريب الغائب كالحكم في البعيد لأنهم ممن تجب فطرتهم مع الحضور فكذلك مع الغيبة كالعبيد ويحتمل أن لا تجب فطرتهم مع الغيبة لأنه لا يلزمه بعث نفقتهم إليهم ولا يرجعون بالنفقة الماضية فصل فأما عبيد عبيده فإن قلنا إن العبد لا يملكهم بالتمليك فالفطرة على السيد لأنهم ملكه وهذا ظاهر كلام الخرقي وقول أبو الزناد و مالك و الشافعي وأصحاب الرأي وإن قلنا يملك بالتمليك فقد قيل لا تجب فطرتهم على أحد لأن السيد لا يملكهم وملك العبد ناقص والصحيح وجوب فطرتهم لأن فطرتهم تتبع النفقة ونفقتهم واجبة فكذلك فطرتهم ولا يعتبر في وجوبها كمال الملك بدليل وجوبها على المكاتب عن نفسه وعبيده مع نقص ملكه فصل أما زوجة العبد فذكر أصحابنا المتأخرون أن فطرتها على نفسها إن كانت حرة وعلى سيدها إن كانت أمة وقياس المذهب عندي وجوب فطرتها على سيد العبد لوجوب نفقتها عليه ألا ترى أنه تجب عليه فطرة خادم امرأته مع أنه لا يملكها لوجوب نفقتها وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم أدوا صدقة الفطر بمن تمونون وهذه ممن يمونون وقد ذكر أصحابنا أنه لو تبرع بمؤونة شخص لزمته فطرته فمن تجب عليه أولى وهكذا لو زوج الابن أباه وكان ممن تجب عليه نفقته ونفقة امرأته فعليه فطرتهما والله أعلم فصل وإن تبرع بمؤونة إنسان في شهر رمضان فأكثر أصحابنا يختارون وجوب الفطرة عليه وقد نص عليه أحمد في رواية أبي داود فيمن ضم إلى نفسه يتيمة يؤدي عنها وذلك لقوله عليه السلام أدوا صدقة الفطر عمن تمونون وهذا ممن يمونون ولأنه شخص ينفق عليه فلزمته فطرته كعبده واختار أبو الخطاب لا تلزمه فطرته لأنه لا تلزمه مؤنته فلم تلزمه فطرته كما لو لم يمنه وهذا قول أكثر أهل العلم وهو الصحيح إن شاء الله وكلام أحمد في هذا محمول على الاستحباب لا على الإيجاب والحديث محمول على من تلزمه مؤنته لا على حقيقة المؤونة بدليل أنه تلزمه فطرة الآبق ولو لم يمنه ولو ملك عبدا عند غروب الشمس أو تزوج أو ولد له ولد لزمته فطرتهم لوجوب مؤونتهم عليه وإن لم يمنهم ولو باع عبده أو طلق امرأته أو ماتا أو مات ولده لم تلزمه فطرتهم وإن مانهم ولأن قوله ممن يمونون فعل مضارع فيقتضي الحال أو الاستقبال دون الماضي ومن مانه في رمضان إنما وجدت مؤونته في الماضي فلا يدخل في الخبر ولو دخل فيه لاقتضى وجوب الفطرة على من مانه ليلة واحدة وليس في الخبر ما يفيده بالشهر ولا بغيره فالتقيد بمؤونة الشهر تحكم فعلى هذا القول تكون فطرة هذا المختلف فيه على نفسه كما لو لم يمنه

Section V02/P361–V02/P362

وعلى قول أصحابنا المعتبر الإنفاق في جميع الشهر وقال ابن عقيل قياس مذهبنا أنه إذا مانه آخر ليلة وجبت فطرته قياسا على من ملك عبدا عند غروب الشمس وإذا مانه جماعة في الشهر كله أو مانه إنسان بعض الشهر فعلى قياس قول ابن عقيل هذا تكون فطرته على من مانه آخر ليلة وعلى قول غيره يحتمل أن لا تجب فطرته على أحد ممن مانه لأن سبب الوجوب المؤونة في جمع الشهر ولم يوجد ويحتمل أن تجب على الجميع فطرة واحدة بالحصص لأنهم اشتركوا في سبب الوجوب فأشبه ما لو اشتركوا في ملك عبد مسألة قال ( إذا كان عنده فضل عن قوت يومه وليلته ) وجملة ذلك أن صدقة الفطر واجبة على من قدر عليها ولا يعتبر في وجوبها نصاب وبهذا قال أبو هريرة و أبو العالية و الشعبي و عطاء و ابن سيرين و الزهري و مالك و ابن المبارك و الشافعي و أبو ثور وقال أصحاب الرأي لا تجب إلا على من يملك مائتي درهم أو ما قيمته نصاب فاضل عن مسكنه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا صدقة إلا عن ظهر غنى والفقير لا غنى له فلا تجب عليه ولأنه تحل له الصدقة فلا تجب عليه كمن لا يقدر عليها ولنا ما روى ثعلبة بن أبي صعير عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أدوا صدقة الفطر صاعا من قمح أو قال بر عن كل إنسان صغير أو كبير حر أو مملوك غنى أو فقير ذكر أو أنثى أما غنيكم فيزكيه الله وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما أعطى وفي رواية أبي داود صاع من بر أو قمح عن كل اثنين ولأنه حق مال لا يزيد بزيادة المال فلا يعتبر وجوب النصاب فيه كالكفارة ولا يمتنع أن يؤخذ منه ويعطى لمن وجب عليه العشر والذي قاسوا عليه عاجز فلا يصح القياس عليه وحديثهم محمول على زكاة المال فصل وإذا لم يفضل إلى صاع أخرجه عن نفسه لقوله عليه السلام ابدأ بنفسك ثم بمن تعول ولأن الفطرة تنبني على النفقة فكما يبدأ بنفسه في النفقة فكذلك في الفطرة فإن فضل آخر أخرجه عن مرأته لأن نفقتها آكد فإن نفقتها تجب على سبيل المعاوضة مع اليسار والإعسار ونفقة الأقارب صلة تجب مع اليسار دون الإعسار فإن فضل آخر أخرجه عن رقيقه لوجوب نفقتهم في الإعسار وقال ابن عقيل يحتمل تقديم الرقيق على الزوجة لأن فطرته متفق عليها وفطرتها مختلف فيها فإن فضل آخر أخرجه عن ولده الصغير لأن نفقته منصوص عليها ومجمع عليها وفي الوالد والولد الكبير وجهان أحدهما يقدم الولد لأنه كبعضه والثاني الوالد لأنه كبعض ولده وتقدم فطرة الأم على فطرة الأب لأنها مقدمة في البر بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي لما سأله من أبر قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال ثم أباك ولأنها ضعيفة عن الكسب ويحتمل تقديم فطرة الأب لقول النبي صلى الله عليه وسلم أنت ومالك لأبيك ثم بالجد ثم الأقرب فالأقرب على ترتيب العصبات في الميراث ويحتمل تقديم فطرة الولد على فطرة المرأة لما روى أبو هريرة قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدقة فقام رجل فقال يا رسول الله عندي دينار قال تصدق به على نفسك قال عندي آخر قال تصدق به على ولدك قال عندي آخر قال تصدق به على زوجتك قال عندي آخر قال تصدق به على خادمك

Section V02/P362–V02/P363

قال عندي آخر قال أنت أبصر فقدم الولد في الصدقة عليه فكذلك في الصدقة عنه ولأن الولد كبعضه فيقدم كتقديم نفسه ولأنه إذا ضيع ولده لم يجد من ينفق عليه فيضيع والزوجة إذا لم ينفق عليها فرق بينهما وكان لها من يمونها من زوج أو ذي رحم ولأن نفقة الزوجة على سبيل المعاوضة فكانت أضعف في استتباع الفطرة من النفقة الواجبة على سبيل الصلة لأن وجوب العوض المقدر لا يقتضي وجوب زيادة عليه يتصدق بها عمن له العوض ولهذا لم تجب فطرة الأخير المشروط له مؤونته بخلاف القرابة فإنها كما اقتضت صلته بالإنفاق عليه اقتضت صلته بتطهيره بإخراج الفطرة عنه فصل فإن لم يفضل إلا بعض صاع فهل يلزمه إخراجه على روايتين إحداهما لا يلزمه اختارها ابن عقيل لأنها طهرة فلا تجب على من لا يملك جميعها كالكفارة والثانية يلزمه إخراجه لقول النبي صلى الله عليه وسلم إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم ولأنها طهرة فوجب منها ما قدر عليه كالطهارة بالماء ولأن الجزء من الصاع يخرج عن العبد المشترك فجاز أن يخرج عن غيره كالصاع فصل فإن أعسر بفطرة زوجته فعليها فطرة نفسها أو على سيدها إن كانت مملوكة لأنها تتحمل إذا كان ثم متحمل فإذا لم يكن عاد إليها كالنفقة ويحتمل أن لا يجب عليها شيء لأنها لم تجب على من وجد سبب الوجوب في حقه لعسرته فلم تجب على غيره كفطرة نفسه وتفارق النفقة فإن وجوبها آكد لأنها مما لا بد منه وتجب على المعسر العاجز ويرجع عليه بها عند يساره والفطرة بخلافها فصل ومن وجبت فطرته على غيره كالمرأة والنسيب الفقير إذا أخرج عن نفسه بإذن من تجب عليه صح بغير خلاف نعلمه لأنه نائب عنه وإن أخرج بغير إذنه ففيه وجهان أحدهما يجزئه لأنه أخرج فطرته فاجزأه كالتي وجبت عليه والثاني لا يجزئه لأنه أدى ما وجب على غيره بغير إذنه فلم يصح كما لو أدى عن غيره فصل ومن له دار يحتاج إليها لسكناها أو إلى أجرها لنفقته أو ثياب بذلة له أو لمن تلزمه مؤونته أو رقيق يحتاج إلى خدمتهم هو أو من يمونه أو بهائم يحتاج إلى ركوبها والانتفاع بها في حوائجهم الأصلية أو سائمة يحتاجون إلى نمائها كذلك أو بضاعة يحل ربحها الذي يحتاج إليه بإخراج الفطرة منها فلا فطرة عليه كذلك لأن هذا مما تتعلق به حاجته الأصلية فلم يلزمه بيعه كمؤونة نفسه ومن له كتب يحتاج إليها للنظر فيها والحفظ منها لا يلزمه بيعها والمرأة إذا كان لها حلي للبس أو لكراء تحتاج إليه لم يلزمها بيعه في الفطرة وما فضل من ذلك عن حوائجه الأصلية وأمكن بيعه وصرفه في الفطرة وجبت الفطرة به لأنه أمكن أداؤها من غير ضرر أصلي أشبه ما لو ملك من الطعام ما يؤديه فاضلا عن حاجته مسألة قال ( وليس عليه في مكاتبه زكاة ) وعلى المكاتب أن يخرج عن نفسه زكاة الفطر وممن قال لا تجب فطرة المكاتب على سيده أبو سلمة بن عبد الرحمن و الثوري و الشافعي وأصحاب الرأي وأوجبها على السيد عطاء و مالك و ابن المنذر لأنه عبد فأشبه سائر عبيده ولنا قوله عليه السلام ممن تمونون وهذا لا يمونه ولأنه لا تلزمه مؤونته فلم تلزمه فطرته كالأجنبي وبهذا فارق سائر عبيده وإذا ثبت هذا فإن على المكاتب فطرة نفسه وفطرة من تلزمه مؤونته كزوجته ورقيقه وقال أبو حنيفة و الشافعي لا تجب عليه لأنه ناقص الملك فلم تجب عليه الفطرة كالقن ولأنها زكاة فلم تجب عليه كزكاة المال ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم فرض صدقة الفطر على الحر والعبد والذكر والأنثى وهذا عبد ولا يخلو من كونه ذكرا أو أنثى ولأنه يلزمه نفقة نفسه فلزمته فطرتها كالحر الموسر ويفارق زكاة المال لأنها يعتبر لها الغنى والنصاب والحول ولا يحملها أحد عن غيره بخلاف الفطرة فصل وتلزم المكاتب فطرة من يمونه كالحر لدخولهم في عموم قوله عليه السلام أدوا صدقة الفطر عمن تمونون

Section V02/P363–V02/P364

مسألة قال ( وإذا ملك جماعة عبدا أخرج كل واحد منهم صاعا وعن أبي عبد الله رواية أخرى صاعا عن الجميع ) وجملة ذلك أن فطرة العبد المشترك واجبة على مواليه وبهذا قال مالك و محمد بن سلمة و عبد الملك و الشافعي و محمد بن الحسن و أبو ثور وقال الحسن و عكرمة و الثوري و أبو حنيفة و أبو يوسف لا فطرة على واحد منهم لأنه ليس عليه لأحد منهم ولاية تامة أشبه المكاتب ولنا عموم الأحاديث ولأنه عبد مسلم مملوك لمن يقدر على الفطرة وهو من أهلها فلزمته لمملوك الواحد وفارق المكاتب فإنه لا تلزم سيده مؤونته ولأن المكاتب يخرج عن نفسه زكاة الفطر بخلاف القن والولاية غير معتبرة في وجوب الفطرة بدليل عبد الصبي ثم أن ولايته للجميع فتكون فطرته عليهم واختلفت الرواية في قدر الواجب على كل واحد منهم ففي إحداهما على كل واحد صاع لأنها طهرة فوجب تكميلها على كل واحد من الشركاء ككفارة القتل والثانية على الجميع صاع على كل واحد منهم بقدر ملكه فيه وهذا الظاهر عن أحمد قال فوزان رجع أحمد عن هذه المسألة وقال يعطي كل واحد منهم نصف صاع يعني رجع عن إيجاب صاع كامل على كل واحد وهذا قول سائر من أوجب فطرته على سادته لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب صاعا على كل واحد وهذا عام في المشترك وغيره ولأن نفقته تقسم عليهم فكذلك فطرته التابعة لها ولأنه شخص واحد فلم تجب عنه صيعان كسائر الناس ولأنها طهرة فوجبت على سادته بالحصص كماء الغسل من الجناية إذا احتيج إليه وبهذا ينتقض ما ذكرناه للرواية الأولى فصل ومن بعضه حر ففطرته عليه وعلى سيده وبهذا قال الشافعي و أبو ثور وقال مالك على الحر بحصته وليس على العبد شيء ولنا أنه عبد مسلم تلزمه فطرته شخصين من أهل الفطرة فكانت فطرته عليهما كالمشترك ثم هل يلزم كل واحد منهما صاع أو بالحصص ينبني على ما ذكرنا في العبد المشترك فإن كان أحدهما معسرا فلا شيء عليه وعلى الآخر بقدر الواجب عليه ولو كان بين العبد وبين السيد مهايأة أو كان المشتركون في العبد قد تهايؤوا عليه لم تدخل الفطرة في المهايأة لأن المهايأة معاوضة كسب بكسب والفطرة حق لله تعالى فلا تدخل في ذلك كالصلاة فصل ولو ألحقت القافة ولدا برجلين أو أكثر فالحكم في فطرته كالحكم في العبد المشترك ولو أن شخصا حرا له قريبان فأكثر عليهم نفقته بينهم كانت فطرته عليهم كالعبد المشترك على ما ذكر فيه مسألة قال ( ويعطي صدقة الفطر لمن يجوز أن يعطي صدقة الأموال ) إنما كانت كذلك لأن صدقة الفطر زكاة فكان مصرفها مصرف سائر الزكاوات ولأنها صدقة فتدخل في عموم قوله تعالى إنما الصدقات للفقراء والمساكين التوبة 60 ولا يجوز دفعها إلى من لا يجوز دفع زكاة المال إليه ولا يجوز دفعها إلى ذمي وبهذا قال مالك و الليث و الشافعي و أبو ثور وقال أبو حنيفة يجوز وعن عمرو بن ميمون و عمرو بن شرحبيل و مرة الهمذاني أنهم كانوا يعطون منها الرهبان ولنا أنها زكاة فلم يجز دفعها إلى غير المسلمين كزكاة المال ولا خلاف في أن زكاة المال لا يجوز دفعها إلى غير المسلمين قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن لا يجزىء أن يعطى من زكاة المال أحد من أهل الذمة فصل ويجوز أن يعطي من أقاربه من يجوز أن يعطيه من زكاة ماله ولا يعطي منها غنيا ولا ذا قربى ولا أحدا ممن منع أخذ زكاة المال ويجوز صرفها في الأصناف الثمانية لأنها صدقة فأشبهت صدقة المال فصل فإن دفعها إلى مستحقها فأخرجها آخذها إلى دافعها أو جمعت الصدقة عند الإمام ففرقها على أهل السهمان فعادت إلى إنسان صدقته فاختار القاضي جواز ذلك قال لأن أحمد قد نص فيمن له نصاب من الماشية والزرع أن الصدقة تؤخذ منه وترد عليه إذا لم يكن له قدر كفايته

Section V02/P364–V02/P367

وهو مذهب الشافعي ولأن قبض الإمام أو المستحق أزال ملك المخرج وعادت إليه بسبب آخر فجاز كما لو عادت بميراث وقال أبو بكر مذهب أحمد أنه لا يحل له أخذها لأنها طهرة له فلم يجز له أخذها كشرائها ولأن عمر رضي الله عنه أراد أن يشتري الفرس الذي حمل عليه في سبيل الله فقال له النبي صلى الله عليه وسلم لا تشترها ولا تعد في صدقتك فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه فأما إن اشتراها لم يجز له ذلك للخبر فإن ورثها فله أخذها لأنها رجعت إليه بغير فعل منه مسألة قال ( ويجوز أن يعطي الواحد ما يلزم الجماعة والجماعة ما يلزم الواحد ) إعطاء الجماعة ما يلزم الواحد لا نعلم فيه خلافا لأنه صرف صدقته إلى مستحقها فبرىء منها كما لو دفعها إلى واحد وأما إعطاء الواحد صدقة الجماعة فإن الشافعي ومن وافقه أوجبوا تفرقه الصدقة على ستة أصناف ودفع حصة كل صنف إلى ثلاثة منهم على ما ذكرناه قبل هذا وقد ذكرنا الدليل عليه ولأنها صدقة لغير معين فجاز صرفها إلى واحد كالتطوع وبهذا قال مالك و أبو ثور و ابن المنذر وأصحاب الرأي مسألة قال ( ومن أخرج عن الجنين فحسن وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه يخرج عن الجنين ) المذهب أن الفطرة غير واجبة على الجنين وهو قول أكثر أهل العلم قال ابن المنذر كل من نحفظ عنه من علماء الأمصار لا يوجبون على الرجل زكاة الفطر عن الجنين في بطن أمه وعن أحمد رواية أخرى أنها تجب عليه لأنه آدمي تصح الوصية له وبه ويرث فيدخل في عموم الأخبار ويقاس على المولود ولنا أنه جنين فلم تتعلق الزكاة به كأجنة البهائم ولأنه لم تثبت له أحكام الدنيا إلا في الإرث والوصية بشرط أن يخرج حيا إذا ثبت هذا فإنه يستحب إخراجها عنه لأن عثمان كان يخرجها عنه ولأنها صدقة عمن لا تجب عليه فكانت مستحبة كسائر صدقات التطوع مسألة قال ( ومن كان في يده ما يخرجه عن صدقة الفطر وعليه دين مثله لزمه أن يخرج إلا أن يكون مطالبا بالدين فعليه قضاء الدين ولا زكاة عليه ) إنما لم يمنع الدين الفطرة لأنها آكد وجوبا بدليل وجوبها على الفقير وشمولها لكل مسلم قدر على إخراجها ووجوب تحملها عمن وجبت نفقته على غيره ولا تتعلق بقدر من المال فجرت مجرى النفقة ولأن زكاة المال تجب بالملك والدين يؤثر في الملك فأثر فيها وهذه تجب على البدن والدين لا يؤثر فيه وتسقط الفطرة عند المطالبة بالدين لوجوب أدائه عند المطالبة وتأكده بكونه حق آدمي معين لا يسقط بالإعسار وكونه أسبق سببا وأقدم وجوبا يأثم بتأخيره فإنه يسقط غير الفطرة وإن لم يطالب به لأن تأثير المطالبة إنما هو إلزام الأداء وتحريم التأخير فصل وإن مات من وجبت عليه الفطرة قبل أدائها أخرجت من تركته فإن كان عليه دين وله مال يفي بهما قضيا جميعا وإن لم يف بهما قسم بين الدين والصدقة بالحصص نص عليه أحمد في زكاة المال أن التركه تقسم بينهما وكذا هاهنا فإن كان عليه زكاة مال وصدقة فطر ودين فزكاة الفطر والمال كالشيء الواحد لاتحاد مصرفهما فيحاصان الدين وأصل هذا أن حق الله سبحانه وحق الآدمي إذا تعلقا بمحل واحد فكانا في الذمة أو كانا في العين تساويا في الاستيفاء فصل وإذا مات المفلس وله عبيد فهل شوال قبل قسمتهم بين الغرماء ففطرتهم على الورثة لأن الدين لا يمنع نقل البركة بل غايته أن يكون رهنا بالدين الرهن على مالكه فصل ولو مات عبيده أو من يمونه بعد وجوب الفطرة لم تسقط لأنها دين ثبت في ذمته بسبب عبده فلم تسقط بموته كما لو استدان العبد بإذنه دينا وجب في ذمته ولأن زكاة المال لا تسقط بتلفه فالفطرة أولى فإن زكاة المال تتعلق بالعين في إحدى الروايتين وزكاة الفطر بخلافه فصول في صدقة التطوع

Section V02/P367–V02/P368

وهي مستحبة في جميع الأوقات لقوله تعالى من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة البقرة 245 وأمر بالصدقة في آيات كثيرة وحث عليها ورغب فيها وروى أبو صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يصعد إلى الله إلا الطيب فإن الله تعالى يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل متفق عليه وصدقة السر أفضل من صدقة العلانية لقول الله تعالى إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم البقرة 271 وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال سبعة يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله وذكر منهم رجلا تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه متفق عليه وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أن صدقة السر تطفىء غضب الرب ويستحب الإكثار منها في أوقات الحاجات لقول الله تعالى أو إطعام في يوم ذي مسغبة البلد 14 وفي شهر رمضان لأن الحسنات تضاعف فيه ولأن فيه إعانة على أداء الصوم المفروض ومن فطر صائما كان له مثل أجره وتستحب الصدقة على ذي القرابة لقول الله تعالى يتيما ذا مقربة البلد 15 وقال النبي صلى الله عليه وسلم الصدقة على المسكين صدقة وهي على ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة وهذا حديث حسن وسألت زينب امرأة عبد الله بن مسعود رسول الله صلى الله عليه وسلم هل ينفعها أن تضع صدقتها في زوجها وبني أخ لها يتامى قال نعم لها أجران أجر القرابة وأجر الصدقة رواه النسائي وتستحب الصدقة على من اشتدت حاجته لقول الله تعالى أو مسكينا ذا متربة البلد 16 فصل والأولى أن يتصدق من الفاضل عن كفايته وكفاية من يمونه على الدوام لقول النبي صلى الله عليه وسلم خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول متفق عليه وإن تصدق بما ينقص عن كفاية من تلزمه مؤونته ولا كسب له أثم لقول النبي صلى الله عليه وسلم كفى بالمرء إثما أن يضيع من يمون ولأن نفقة من يمونه واجبة والتطوع نافلة وتقديم النفل على الفرض غير جائز فإن كان الرجل وحده أو كان لمن يمون كفايتهم فأراد الصدقة بجميع ماله وكان ذا مكسب أو كان واثقا من نفسه يحسن التوكل والصبر على الفقر والتعفف عن المسألة فحسن لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أفضل الصدقة فقال جهد من مقل إلى فقير في السر وروي عن عمر رضي الله عنه قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق فوافق ذلك مالا عندي فقلت اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما فجئته بنصف مالي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أبقيت لأهلك قلت أبقيت لهم مثله فأتاه أبو بكر بكل ما عنده فقال له ما أبقيت لأهلك قال الله ورسوله فقلت لا أسابقك إلى شيء بعده أبدا فهذا كان فضيلة في حق أبي بكر الصديق رضي الله عنه لقوة يقينه وكمال إيمانه وكان أيضا تاجرا ذا مكسب فإنه قال حين ولي قد علم الناس أن كسبي لم يكن ليعجز عن مؤونة عيالي أو كما قال رضي الله عنه فإن لم يوجد في المتصدق أحد هذين كره لما روى أبو داود عن جابر بن عبد الله قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاء رجل بمثل بيضة من ذهب فقال يا رسول الله أصبت هذه من معدن فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتاه من قبل ركنه الأيمن فقال مثل ذلك فأعرض عنه ثم أتاه من قبل ركنه الأيسر

Section V02/P368–V03/P003

فقال مثل ذلك فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتاه من خلفه فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فحذفه بها فلو أصابته لأوجعته أو لعقرته وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي أحدكم بما يملك ويقول هذه صدقة ثم يقعد يستكف الناس خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى فقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم على المعنى الذي كره من أجله الصدقة بجميع ماله وهو أن يستكف الناس أي يتعرض لهم للصدقة أي يأخذها ببطن كفه يقال تكفف واستكف إذا فعل ذلك وروى النسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى رجلا ثوبين من الصدقة ثم حث على الصدقة فطرح الرجل أحد ثوبيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم ألم تروا إلى هذا دخل بهيئة بذة فأعطيته ثوبين ثم قلت تصدقوا فطرح أحد ثوبيه خذ ثوبك وانتهزه ولأن الإنسان إذا أخرج جميع ماله لا يأمن فتنة الفقر وشدة نزاع النفس إلى ما خرج منه فيندم فيذهب ماله ويبطل أجره ويصير كلا على الناس ويكره لمن لا صبر له على الإضافة أن ينقص نفسه من الكفاية التامة والله أعلم كتاب الصيام الصيام في اللغة الإمساك يقال صام النهار إذا وقف سير الشمس قال الله تعالى إخبارا عن مريم إني نذرت للرحمن صوما مريم 26 أي صمتها لأنه إمساك عن الكلام وقال الشاعر خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما يعني بالصائمة الممسكة عن الصهيل والصوم في الشرع عبارة عن الإمساك عن أشياء مخصوصة في وقت مخصوص يأتي بيانه إن شاء الله تعالى وصوم رمضان واجب والأصل في وجوبه الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم البقرة 183 إلى قوله فمن شهد منكم الشهر فليصمه البقرة 184 وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم بني الإسلام على خمس ذكر منها صوم رمضان وعن طلحة بن عبيد الله أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس فقال يا رسول الله أخبرني ماذا فرض الله علي من الصيام قال شهر رمضان قال هل علي غيره قال لا إلا أن تطوع شيئا قال فأخبرني ماذا فرض الله علي من زكاة فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام قال والذي أكرمك لا أتطوع شيئا ولا أنقص مما فرض الله علي شيئا فقال النبي صلى الله عليه وسلم أفلح إن صدق أو دخل الجنة إن صدق متفق عليهما وأجمع المسلمون على وجوب صيام شهر رمضان فصل روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة متفق عليه وروي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تقولوا جاء رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى فيتعين حمل هذا على أنه لا يقال ذلك غير مقترن بما يدل على إرادة الشهر لئلا يخالف الأحاديث الصحيحة والمستحب مع ذلك أن يقول شهر رمضان كما قال الله تعالى شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن البقرة 185 واختلف في المعنى الذي لأجله سمي رمضان فروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إنما سمي رمضان لأنه يحرق الذنوب فيحتمل أنه أراد أنه شرع صومه دون غيره ليوافق اسمه معناه وقيل هو اسم موضوع لغير معنى كسائر الشهور وقيل غير ذلك فصل والصوم المشروع هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس وروي معنى ذلك عن عمر و ابن عباس وبه قال عطاء وعوام أهل العلم وروي عن علي رضي الله عنه أنه لما صلى الفجر قال الآن حين تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود وعن ابن مسعود نحوه وقال مسروق لم يكونوا يعدون الفجر فجركم إنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق وهذا قول الأعمش

Section V03/P003–V03/P004

ولنا قول الله تعالى حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر البقرة 187 يعني بياض النهار من سواد الليل وهذا يحصل بطلوع الفجر قال ابن عبد البر في قول النبي صلى الله عليه وسلم إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم دليل على أن الخيط الأبيض هو الصباح وأن السحور لا يكون إلا قبل الفجر وهذا إجماع لم يخالف فيه إلا الأعمش وحده فشذ ولم يعرج أحد على قوله والنهار الذي يجب صيامه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس قال هذا قول جماعة علماء المسلمين مسألة قال أبو القاسم رحمه الله ( وإذا مضى من شعبان تسعة وعشرون يوما طلبوا الهلال فإن كانت السماء مصحية لم يصوموا ذلك اليوم ) وجملة ذلك أنه يستحب للناس ترائي الهلال ليلة الثلاثين من شعبان وتطلبه ليحتاطوا بذلك لصيامهم ويسلموا من الاختلاف وقد روى الترمذي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أحصوا هلال شعبان لرمضان فإذا رأوه وجب عليهم الصيام إجماعا وإن لم يروه وكانت السماء مصحية لم يكن لهم صيام ذلك اليوم إلا أن يوافق صوما كانوا يصومونه مثل من عادته صوم يوم وإفطار يوم أو صوم يوم الخميس أو صوم آخر يوم من الشهر وشبه ذلك إذا وافق صومه أو من صام قبل ذلك بأيام فلا بأس بصومه لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يتقدمن أحدكم رمضان بصيام يوم أو يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صياما فليصمه متفق عليه وقال عمار من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وكره أهل العلم صوم يوم الشك واستقبال رمضان باليوم واليومين لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه وحكي عن القاسم بن محمد أنه سئل عن صيام آخر يوم من شعبان هل يكره قال لا إلا أن يغمى الهلال واتباع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى فأما استقبال الشهر بأكثر من يومين فغيره مكروه فإن مفهوم حديث أبي هريرة أنه غير مكروه لتخصيصه النهي باليوم واليومين وقد روى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا كان النصف من شعبان فأمسكوا عن الصيام حتى يكون رمضان قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح ألا أن أحمد قال ليس هو بمحفوظ قال وسألنا عنه عبد الرحمن بن مهدي فلم يصححه ولم يحدثني به وكان يتوقاه قال أحمد و العلاء ثقة لا ينكر من حديثه إلا هذا لأنه خلاف ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يصل شعبان برمضان ويحمل هذا الحديث على نفي استحباب الصيام في حق من لم يصم قبل نصف الشهر وحديث عائشة في صلة شعبان برمضان في حق من صام الشهر كله فإنه قد جاء ذلك في سياق الخبر فلا تعارض بين الخبرين إذا وهذا أولى من حملهما على التعارض ورد أحدهما بصاحبه والله أعلم وفي كلام الخرقي اختصار وتقديره طلبوا الهلال فإن رأوه صاموا وإن لم يروه وكانت السماء مصحية لم يصوموا فحذف بعض الكلام للعلم به اختصارا فصل ويستحب لمن رأى الهلال أن يقول ما روى ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى الهلال قال الله أكبر اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والتوفيق لما تحب وترضى ربي وربك الله رواه الأثرم

Section V03/P004–V03/P005

فصل وإذا رأى الهلال أهل بلد لزم جميع البلاد الصوم وهذا قول الليث وبعض أصحاب الشافعي وقال بعضهم إن كان بين البلدين مسافة قريبة لا تختلف المطالع لأجلها كبغداد والبصرة لزم أهلها الصوم برؤية الهلال في إحداهما وإن كان بينهما بعد كالعراق والحجاز والشام فلكل أهل بلد رؤيتهم وروي عن عكرمة أنه قال لكل أهل بلد رؤيتهم وهو مذهب القاسم و سالم و إسحاق لما روى كريب قال قدمت الشام واستهل علي هلال رمضان وأنا بالشام فرأينا الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني ابن عباس ثم ذكر الهلال فقال متى رأيتم الهلال قلت رأيناه ليلة الجمعة فقال أنت رأيته ليلة الجمعة قلت نعم ورآه الناس وصاموا وصام ومعاوية فقال لكن رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه فقلت ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه فقال لا هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب ورواه مسلم أيضا ولنا قول الله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه البقرة 185 وقول النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي لما قال له الله أمرك أن تصوم هذا الشهر من السنة قال نعم وقوله للآخر لما قال له ماذا فرض الله علي من الصوم قال شهر رمضان وأجمع المسلمون على وجوب صوم شهر رمضان وقد ثبت أن هذا اليوم من شهر رمضان بشهادة الثقات فوجب صومه على جميع المسلمين ولأن شهر رمضان ما بين الهلالين وقد ثبت أن هذا اليوم منه في سائر الأحكام من حلول الدين ووقوع الطلاق والعتاق ووجوب النذور وغير ذلك من الأحكام فيجب صيامه بالنص والإجماع ولأن البينة العادلة شهدت برؤية الهلال فيجب الصوم كما لو تقاربت البلدان فأما حديث كريب فإنما دل على أنهم لا يفطرون بقول كريب وحده ونحن نقول به وإنما محل الخلاف وجود قضاء اليوم الأول وليس هو في الحديث فإن قيل فقد قلتم إن الناس إذا صاموا بشهادة واحد ثلاثين يوما ولم يروا الهلال أفطروا في أحد الوجهين قلنا الجواب عن هذا من وجهين أحدهما أننا إنما قلنا يفطرون إذا صاموا بشهادته فيكون فطرهم مبنيا على صومهم بشهادته وهاهنا لم يصوموا بقوله فلم يوجد ما يجوز بناء الفطر عليه الثاني أن الحديث دل على صحة الوجه الآخر مسألة قال ( وإن حال دون منظره غيم أو قتر وجب صيامه وقد أجزأ إذا كان من شهر رمضان ) اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في هذه المسألة فروي عنه مثل ما نقل الخرقي اختارها أكثر شيوخ أصحابنا وهو مذهب عمر وابنه وعمرو بن العاص وأبي هريرة وأنس ومعاوية وعائشة وأسماء ابنتي أبي بكر وبه قال بكر بن عبد الله و أبو عثمان النهدي و ابن أبي مريم و مطرف و ميمون بن مهران و طاوس و مجاهد وروي عنه أن الناس تبع للإمام فإن صام صاموا وإن أفطر أفطروا وهذا قول الحسن و ابن سيرين لقول النبي صلى الله عليه وسلم الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون قيل معناه أن الصوم والفطر مع الجماعة ومعظم الناس قال الترمذي هذا حديث حسن غريب وعن أحمد رواية ثالثة لا يجب صومه ولا يجزئه عن رمضان إن صامه وهو قول أكثر أهل العلم منهم أبو حنيفة و مالك و الشافعي ومن تبعهم لما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غمي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين رواه البخاري وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين رواه مسلم وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم الشك متفق عليه وهذا يوم شك ولأن الأصل بقاء شعبان فلا ينتقل عنه بالشك

Section V03/P005–V03/P006

ولنا ما روى نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له قال نافع كان ابن عمر إذا مضى من شعبان تسعة وعشرون يوما بعث من ينظر له الهلال فإن رأى فذاك وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطرا وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائما رواه أبو داود ومعنى اقدروا له أي ضيقوا له العدد من قوله تعالى ومن قدر عليه رزقه الطلاق 7 أي ضيق عليه وقوله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر الإسراء 30 والتضيق له أن يجعل شعبان تسعة وعشرين يوما وقد فسره ابن عمر بفعله وهو راويه وأعلم بمعناه فيجب الرجوع إلى تفسيره كما رجع إليه في تفسير التفرق في خيار المتابعين وروى عن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل هل صمت من سرر شعبان شيئا قال لا وفي لفظ أصمت من سرر هذا الشهر شيئا قال لا قال فإذا أفطرت فصم يومين متفق عليه وسرر الشهر آخره ليال يستسر الهلال فلا يظهر ولأنه شك في أحد طرفي الشهر لم يظهر فيه أنه من غير رمضان فوجب الصوم كالطرف الآخر قال علي وأبو هريرة وعائشة لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان ولأن الصوم يحتاط له ولذلك وجب الصوم بخبر واحد ولم يفطر إلا بشهادة اثنين فأما خبر أبي هريرة الذي احتجوا به فإنه يرويه محمد بن زياد وقد خالفه سعيد بن المسيب فرواه عن أبي هريرة فإن غم عليكم فصوموا الثلاثين وروايته أولى بالتقديم لإمامته واشتهار عدالته وثقته وموافقته لرأي أبي هريرة ومذهبه ولخبر ابن عمر الذي رويناه ورواية ابن عمر فاقدروا له ثلاثين مخالفة للرواية الصحيحة المتفق عليها ولمذهب ابن عمر ورأيه والنهي عن صوم الشك محمول على حال الصحو بدليل ما ذكرناه وفي الجملة لا يجب الصوم إلا برؤية الهلال أو كمال شعبان ثلاثين يوما أو يحول دون منظر الهلال غيم أو قتر على ما ذكرنا من الخلاف فيه مسألة قال ( ولا يجزئه صيام فرض حتى ينويه أي وقت كان من الليل ) وجملته أنه لا يصح صوم إلا بنية إجماعا فرضا كان أو تطوعا لأنه عبادة محضة فافتقر إلى النية كالصلاة ثم إن كان فرضا كصيام رمضان في أدائه أو قضائه والنذر والكفارة اشترط أن ينويه من الليل عند إمامنا و مالك و الشافعي وقال أبو حنيفة يجزىء صيام رمضان وكل صوم متعين بنية من النهار لأن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة من كان أصبح صائما فليتم صومه ومن كان أصبح مفطرا فليصم بقية يومه ومن لم يكن أكل فليصم متفق عليه وكان صوما واجبا متعينا ولأنه غير ثابت في الذمة فهو كالتطوع

Section V03/P006–V03/P007

ولنا ما روى ابن جريج و عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن الزهري عن سالم عن أبيه عن حفصة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له وفي لفظ ابن حزم من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له أخرجه النسائي و أبو داود و الترمذي وروى الدارقطني بإسناده عن عمرة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له وقال إسناده كلهم ثقات وقال في حديث حفصة رفعه عبد الله بن أبي بكر عن الزهري وهو من الثقات الرفعاء ولأنه صوم فافتقر إلى النية من الليل كالقضاء فأما صوم عاشوراء فلم يثبت وجوبه فإن معاوية قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه وأنا صائم فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر متفق عليه فلو كان واجبا لم يبح فطره فإنما سمي الإمساك صياما تجوزا بدليل قوله ومن كان أصبح مفطرا فليصم بقية يومه ولم يفرق بين المفطر بالأكل وغيره وقد روى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلا أن أذن في الناس أن من كان أكل فليصم بقية يومه وإمساك بقية اليوم بعد الأكل ليس بصيام شرعي وإنما سماه صياما تجوزا ثم لو ثبت أنه صام فالفرق بين ذلك وبين رمضان أن وجوب الصيام تجدد في أثناء النهار فأجزأته النية حين تجدد الوجوب كمن كان صائما تطوعا فنذر إتمام صوم بقية يومه فإنه تجزئه نيته عند نذره بخلاف ما إذا كان النذر متقدما والفرق بين التطوع والفرض من وجهين أحدهما أن التطوع يمكن الإتيان به في بعض النهار بشرط عدم المفطرات في أوله بدليل قوله عليه السلام في حديث عاشوراء فليصم بقية يومه فإذا نوى صوم التطوع من النهار كان صائما بقية النهار دون أوله والفرض يكون واجبا في جميع النهار ولا يكون صائما بغير النية والثاني أن التطوع سومح في نيته من الليل تكثيرا له فإنه قد يبدوا له الصوم في النهار فاشتراط النية في الليل يمنع ذلك فسامح الشرع فيها كمسامحته في ترك القيام في صلاة التطوع وترك الاستقبال فيه في السفر تكثيرا له بخلاف الفرض إذا ثبت هذا ففي أي جزء من الليل نوى أجزأه وسواء فعل بعد النية ما ينافي الصوم من الأكل والشرب والجماع أم لم يفعل واشترط بعض أصحاب الشافعي أن لا يأتي بعد النية بمناف للصوم واشترط بعضهم وجود النية في النصف الآخير من الليل كما اختص أذان الصبح والدفع من مزدلفة به ولنا مفهوم قوله عليه السلام لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل من غير تفصيل ولأنه نوى من الليل فصح صومه كما لو نوى في النصف الأخير ولم يفعل ما ينافي الصوم ولأن تخصيص النية بالنصف الأخير يفضي إلى تفويت الصوم لأنه وقت النوم وكثير من الناس لا ينتبه فيه ولا يذكر الصوم والشارع إنما رخص في تقديم النية على ابتدائه لحرج اعتبارها عنده فلا يخصها بمحل لا تندفع المشقة بتخصيصها به ولأن تخصيصها بالنصف الأخير تحكم من غير دليل ولا يصح اعتبار الصوم بالأذان والدفع من مزدلفة لأنهما يجوزان بعد الفجر فلا يفضي منعهما في النصف الأول إلى فواتهما بخلاف نية الصوم ولأن اختصاصهما بالنصف الأخير بمعنى تجويزهما فيه واشتراط النية بمعنى الإيجاب والتحتم وفوات الصوم بفواتها فيه وهذا فيه مشقة ومضرة بخلاف التجويز ولأن منعهما في النصف الأول لا يفضي إلى اختصاصهما بالنصف الأخير لجوازهما بعد الفجر والنية بخلافه فأما إن فسخ النية مثل إن نوى الفطر بعد نية الصيام لم تجزئه تلك النية المفسوخة لأنها زالت حكما وحقيقة

Section V03/P007–V03/P008

فصل وإن نوى من النهار صوم الغد لم تجزئه تلك النية إلا أن يستصحبها إلى جزء من الليل وقد روى ابن منصور عن أحمد من نوى الصوم عن قضاء رمضان بالنهار ولم ينو من الليل فلا بأس إلا أن يكون فسخ النية بعد ذلك فظاهر هذا حصول الإجزاء بنيته من النهار إلا أن القاضي قال هذا محمول على أنه استصحب النية إلى جزء من الليل وهذا صحيح ظاهر لقوله عليه السلام لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل ولأنه لم ينو عند ابتداء العبادة ولا قريبا منها فلم يصح كما لو نوى من الليل صوم غد فصل وتعتبر النية لكل يوم وبهذا قال أبو حنيفة و الشافعي و ابن المنذر وعن أحمد أنه تجزئه نية واحدة لجميع الشهر إذا نوى صوم جميعه وهذا مذهب مالك و إسحاق لأنه نوى في زمن يصلح جنسه لنية الصوم فجاز كما لو نوى كل يوم في ليلته ولنا إنه صوم واجب فوجب أن ينوي كل يوم من ليلته كالقضاء ولأن هذه الأيام عبادات لا يفسد بعضها بفساد بعض ويتخللها ما ينافيها فأشبهت القضاء وبهذا فارقت اليوم وعلى قياس رمضان إذا نذر صوم شهر بعينه فيخرج فيه مثل ما ذكرناه في رمضان فصل ومعنى النية القصد وهو اعتقاد القلب فعل شيء وعزمه عليه من غير تردد فمتى خطر بقلبه في الليل أن غدا من رمضان وأنه صائم فيه فقد نوى وإن شك في أنه من رمضان ولم يكن له أصل يبني عليه مثل أن يكون ليلة الثلاثين من شعبان ولم يحل دون مطلع الهلال غيم ولا قتر فعزم أن يصوم غدا من رمضان لم تصح النية ولا يجزئه صيام ذلك اليوم لأن النية قصد تتبع العلم وما لا يعلمه ولا دليل على وجوده ولا هو على ثقة من اعتقاده لا يصح قصده وبهذا قال حماد و ربيعة و مالك و ابن أبي ليلى و الحسن بن صالح و ابن المنذر وقال الثوري و الأوزاعي يصح إذا نواه من الليل لأنه نوى الصيام من الليل فصح كاليوم الثاني وعن الشافعي كالمذهبين ولنا إنه لم يجزم النية بصومه من رمضان فلم يصح كما لو لم يعلم إلا بعد خروجه وكذلك لو بنى على قول المنجمين وأهل المعرفة بالحساب فوافق الصواب لم يصح صومه وإن كثرت إصابتهم لأنه ليس بدليل شرعي يجوز البناء عليه ولا العمل به فكان وجوده كعدمه قال النبي صلى الله عليه وسلم صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وفي رواية لا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه فأما ليلة الثلاثين من رمضان فتصح نيته وإن احتمل أن يكون من شوال لأن الأصل بقاء رمضان وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بصومه بقوله ولا تفطروا حتى تروه لكن إن قال إن كان غدا منه رمضان فأنا صائم وإن كان من شوال فأنا مفطر قال ابن عقيل لا يصح صومه لأنه لم يجزم بنية الصيام والنية اعتقاد جازم ويحتمل أن يصح لأن هذا شرط واقع والأصل بقاء رمضان

Section V03/P008–V03/P009

فصل ويجب تعيين النية في كل صوم واجب وهو أن يعتقد أن يصوم غدا من رمضان أو من قضائه أو من كفارته أو نذره نص عليه أحمد في رواية الأثرم فإنه قال قلت لأبي عبد الله أسير صام شهر رمضان في أرض الروم ولا يعلم أنه رمضان ينوي التطوع قال لا يجزئه إلا بعزيمة أنه من رمضان وبهذا قال الشافعي و مالك وعن أحمد رواية أخرى أنه لا يجب تعيين النية لرمضان فإن المروذي روى عن أحمد أنه قال يكون يوم الشك يوم غيم إذا أجمعنا على أننا نصبح صياما يجزئنا من رمضان وإن لم نعتقد أنه من رمضان قال نعم قلت فقول النبي صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات أليس يريد أن ينوي أنه من رمضان قال لا إذا نوى من الليل أنه صائم أزأه وحكى أبو حفص المكبري عن بعض اصحابنا أنه قال ولو نوى نفلا وقع عنه رمضان وصح صومه وهذا قول أبي حنيفة وقال بعض أصحابنا ولو نوى أن يصوم تطوعا ليلة الثلاثين من رمضان فوافق رمضان أجزأه قال القاضي وجدت هذا الكلام اختيارا لأبي القاسم ذكره في شرحه وقال أبو حفص لا يجزئه إلا أن يعتقد من الليل بلا شك ولا تلوم فعلى القول الثاني لو نوى في رمضان الصوم مطلقا أو نوى نفلا وقع عن رمضان وصح صومه وهذا قول أبي حنيفة إذا كان مقيما لأنه فرض مستحق في زمن بعينه فلا يجب تعيين النية له كطواف الزيادة ولنا إنه صوم واجب فوجب تعيين النية له كالقضاء وطواف الزيارة كمسألتنا في افتقاره إلى التعيين فلو طاف ينوي به الوداع أو طاف بنية الطواف مطلقا لم يجزئه عن طواف الزيارة ثم الحج مخالف للصوم ولهذا ينعقد مطلقا وينصرف إلى الفرض ولو حج عن غيره ولم يكن حج عن نفسه وقع عن نفسه ولو نوى الإحرام بمثل ما أحرم به فلان صح وينعقد فاسدا بخلاف الصوم فصل ولو نوى ليلة الشك إن كان غدا من رمضان فأنا صائم فرضا وإلا فهو نفل لم يجزئه على الرواية الأولى لأنه لم يعين الصوم من رمضان جزما ويجزيه على الأخرى لأنه قد نوى الصوم ولو كان عليه صوم من سنة خمس فنوى أنه يصوم عن سنة ست أو نوى الصوم عن يوم الأحد وكان الاثنين أو ظن أن غدا الأحد فنواه وكان الاثنين صح صومه لأن نية الصوم لم تختل وإنما أخطأت في الوقت فصل وإذا عين النية عن صوم رمضان أو قضائه كفارة أو نذر لم يحتج أن ينوي كونه فرضا وقال ابن حامد يجب ذلك وقد مر بيان ذلك في الصلاة مسألة قال ( ومن نوى صيام التطوع من النهار ولم يكن طعم أجزأه ) وجملة ذلك أن صوم التطوع يجوز بنية من النهار عند إمامنا و أبي حنيفة و الشافعي وروي ذلك عن أبي الدرداء و أبي طلحة و ابن مسعود و حذيفة و سعيد بن المسيب و سعيد بن جبير و النخعي وأصحاب الرأي وقال مالك و داود لا يجوز إلا بنية من الليل لقوله عليه السلام لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل ولأن الصلاة يتفق وعت النية لفرضها ونفلها وكذلك الصوم

Section V03/P009–V03/P010

ولنا ما روت عائشة رضي الله عنها قال دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال هل عندكم من شيء قلنا لا قال فإني إذا صائم أخرجه مسلم و أبو داود و النسائي ويدل عليه أيضا حديث عاشوراء ولأن الصلاة يخفف نفلها عن فرضها بدليل أنه لا يشترط القيام لنفلها ويجوز في السفر على الراحلة إلى غير القبلة فكذا الصيام وحديثهم نخصه بحديثنا على أن حديثنا أصح من حديثهم فإنه من رواية ابن لهيعة و يحيى بن أيوب قال الميموني سألت أحمد عنه فقال أخبرك ما له عندي ذلك الإسناد إلا أنه عن ابن عمر و حفصة إسنادان جيدان والصلاة يتفق وقت النية لنفلها وفرضها لأن اشتراط النية في أول الصلاة لا يفضي إلى تقليلها بخلاف الصوم فإنه يعين له الصوم من النهار فعفي عنه كما لو جوزنا التنفل قاعدا وعلى الراحلة لهذه العلة فصل وأي وقت من النهار نوى أجزأه سواء في ذلك ما قبل الزوال وبعده هذا ظاهر كلام أحمد و الخرقي وهو ظاهر قول ابن مسعود فإنه قال أحدكم بأخير النظرين ما لم يأكل أو يشرب وقال رجل لسعيد بن المسيب إني لم آكل إلى الظهر أو إلى العصر أفأصوم بقية يومي قال نعم واختار القاضي في المحرر أنه لا تجزئه النية بعد الزوال وهذا مذهب أبي حنيفة والمشهور من قولي الشافعي لأن معظم النهار مضى من غير نية بخلاف الناوي قبل الزوال فإنه قد أدرك معظم العبادة ولهذا تأثير في الأصول بدليل أن من أدرك الإمام قبل الرفع من الركوع أدرك الركعة لإدراكه معظمها ولو أدركه بعد الرفع لم يكن مدركا لها ولو أدرك مع الإمام من الجمعة ركعة كان مدركا لها لأنها تزيد بالتشهد ولو أدرك أقل من ركعة لم يكن مدركا لها ولنا إنه نوى في جزء من النهار فأشبه ما لو نوى في أوله ولأن جميع الليل وقت لنية الفرض فكذا جميع النهار وقت لنية النفل إذا ثبت هذا فإنه يحكم له بالصوم الشرعي المثاب عليه من وقت النية في المنصوص عن أحمد فإنه قال من نوى في التطوع من النهار كتب له بقية يومه وإذا أجمع من الليل كان له يومه وهذا قول بعض أصحاب الشافعي وقال أبو الخطاب في الهداية يحكم له بذلك من أول النهار وهو قول بعض أصحاب الشافعي لأن الصوم لا يتبعض في اليوم بدليل ما لو أكل في بعضه لم يجز له صيام باقيه فإذا وجد في بعض اليوم دل على أنه صائم من أوله ولا يمنع الحكم بالصوم من غير نية حقيقية كما لو نسي الصوم بعد نيته أو غفل عنه ولأنه لو أدرك بعض الركعة أو بعض الجماعة كان مدركا لجميعها

Section V03/P010–V03/P011

ولنا إن ما قبل النية لم ينو صيامه فلا يكون صائما فيه لقوله عليه السلام إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى ولأن الصوم عبادة محضة فلا توجد بغير نية كسائر العبادات المحضة ودعوى أن الصوم لا يتبعض دعوى محمل النزاع وإنما يشترط لصوم البعض أن لا توجد المفطرات في شيء من اليوم ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عاشوراء فليصم بقية يومه وأما إذا نسي النية بعد وجودها فإنه يكون مستصحبا لحكمها بخلاف ما قبلها فإنها لم توجد حكما ولا حقيقة ولهذا لو نوى الفرض من الليل ونسبه في النهار صح صومه ولو لم ينو من الليل لم يصح صومه وأما إدراك الركعة والجماعة فإنما معناه أنه لا يحتاج إلى قضاء ركعة وينوي أنه مأموم وليس هذا مستحيلا أما أن يكون ما صلى الإمام قبله من الركعات محسوبا له بحيث يجزئه عن فعله فكلا ولأن مدرك الركوع مدرك لجميع أركان الركعة لأن القيام وجد حين كبر وفعل سائر الأركان مع الإمام وأما الصوم فإن النية شرط أو ركن فيه فلا يتصور وجوده بدون شرطه وركنه إذا ثبت هذا فإن من شرطه أن لا يكون طعم قبل النية ولا فعل ما يفطره فإن فعل شيئا من ذلك لم يجزئه الصيام بغير خلاف نعلمه مسألة قال ( ومن نوى من الليل فأغمي عليه قبل طلوع الفجر فلم يفق حتى غربت الشمس لم يجزه صيام ذلك اليوم ) وجملة ذلك أنه متى أغمي عليه جميع النهار فلم يفق في شيء منه لم يصح صومه في قول إمامنا و الشافعي وقال أبو حنيفة يصح لأن النية قد صحت وزوال الاستشعار بعدذلك لا يمنع صحة الصوم كالنوم ولنا إن الصوم هو الإمساك مع النية قال النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به يدع طعامه وشرابه من أجلي متفق عليه فأضاف ترك الطعام والشراب إليه فإذا كان مغمى عليه فلا يضاف الإمساك إليه فلم يجزئه ولأن النية أحد ركني الصوم فلا تجزىء وحدها كالإمساك وحده أما النوم فإنه عادة ولا يزيل الإحساس بالكلية ومتى نبه انتبه والإغماء عارض يزيل العقل فأشبه الجنون إذا ثبت هذا فزوال العقل يحصل بثلاثة أشياء أحدها الإغماء وقد ذكرناه ومتى فسد الصوم به فعلى المغمى عليه القضاء بغير خلاف علمناه لأن مدته لا تتطاول غالبا ولا تثبت الولاية على صاحبه فلم يزل التكليف به وقضاء العبادات كالنوم ومتى أفاق المغمى عليه في جزء من النهار صح صومه سواء كان في أوله أو آخر وقال الشافعي في أحد قوليه تعتبر الإفاقة في أول النهار ليحصل حكم النية في أوله ولنا إن الإفاقة حصلت في جزء من النهار فأجزأ كما لو وجدت في أوله وما ذكروه لا يصح فإن النية قد حصلت من الليل فيستغنى عن ذكرها في النهار كما لو نام أو غفل عن الصوم ولو كانت النية إنما تحصل بالإفاقة في النهار لما صح منه صوم الفرض بالإفاقة لأن لا يجزىء بنية من النهار الثاني النوم فلا يؤثر في الصوم سواء وجد في بعض النهار أو جميعه الثالث الجنون فحكمه حكم الإغماء إلا أنه إذا وجد في جميع النهار لم يجب قضاؤه وقال أبو حنيفة متى أفاق المجنون في جزء من رمضان لزمه قضاء ما مضي منه لأنه أدرك جزءا من رمضان وهو عاقل فلزمه صيامه كما لو أفاق في جزء من اليوم وقال الشافعي إذا وجد الجنون في جزء من النهار أفسد الصوم لأنه معنى يمنع وجوب الصوم فأفسده وجوده في بعضه كالحيض ولنا إنه معنى يمنع الوجوب إذا وجد في جميع الشهر فمنعه إذا وجد في جميع النهار كالصبا والكفر وأما إن أفاق في بعض اليوم فلنا منع في وجوبه وإن سلمناه فإنه قد أدرك بعض وقت العبادة فلزمه كالصبي إذا بلغ والكافر إذا أسلم في بعض النهار وكما لو أدرك بعض وقت الصلاة

Section V03/P011–V03/P012

ولنا على الشافعي أنه زوال عقل في بعض النهار فلم يمنع صحة الصوم كالإغماء والنوم ويفارق الحيض فإن الحيض لا يمنع الوجوب وإنما يجوز تأخير الصوم ويحرم فعله ويوجب الغسل ويحرم الصلاة والقراءة واللبث في المسجد والوطء فلا يصح قياس الجنون عليه مسألة قال ( وإذا سافر ما يقصر فيه الصلاة فلا يفطر حتى يترك البيوت وراء ظهره ) وجملة ذلك أن للمسافر أن يفطر في رمضان وغيره بدلالة الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر البقرة 184 وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم إن الله وضع عن المسافر الصوم رواه النسائي و الترمذي وقال حديث حسن في أخبار كثيرة سواه وأجمع المسلمون على إباحة الفطر للمسافر في الجملة وإنما يباح الفطر في السفر الطويل الذي يبيح القصر وقد ذكرنا قدره في الصلاة ثم لا يخلوا المسافر من ثلاثة أحوال أحدها أن يدخل عليه شهر رمضان في السفر فلا نعلم بين أهل العلم خلافا في إباحة الفطر له الثاني أن يسافر في أثناء الشهر ليلا فله الفطر في صبيحة الليلة التي يخرج فيها وما بعدها في قول عامة أهل العلم وقال عبيدة السلماني و أبو مجلز و سويد بن غفلة لا يفطر من سافر بعد دخول الشهر لقول الله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه البقرة 185 وهذا قد شهده ولنا قول الله تعالى فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر البقرة 184 وروى ابن عباس قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح في شهر رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر وأفطر الناس متفق عليه ولأنه مسافر فأبيح له الفطر كما لو سافر قبل الشهر والآية تناولت الأمر بالصوم لمن شهد الشهر كله وهذا لم يشهده كله الثالث أن يسافر في أثناء يوم من رمضان فحكمه في اليوم الثاني كمن سافر ليلا وفي إباحة فطر اليوم الذي سافر فيه عن أحمد روايتان إحداهما له أن يفطر وهو قول عمرو بن شرحبيل و الشعبي و إسحاق و داود و ابن المنذر لما روى عبيد بن جبير قال ركبت مع أبي بصرة الغفاري سفينة من الفسطاط في شهر رمضان فدفع ثم قرب غداءه فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة ثم قال اقترب فقلت ألست ترى البيوت قال أبو بصرة أترغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكل رواه أبو داود ولأن السفر معنى لو وجد ليلا واستمر في النهار لأباح الفطر فإذا وجد في أثنائه أباحه كالمرض ولأنه أحد الأمرين المنصوص عليهما في إباحة الفطر بهما فأباحه في أثناء النهار كالآخر والرواية الثانية لا يباح له الفطر ذلك اليوم وهو قول مكحول و الزهري و يحيى الأنصاري و مالك و الأوزاعي و الشافعي وأصحاب الرأي لأن الصوم عبادة تختلف بالسفر والحضر فإذا اجتمعا فيها غلب حكم الحضر كالصلاة والأول أصح للخبر ولأن الصوم يفارق الصلاة فإن الصلاة يلزم إتمامها بنيته بخلاف الصوم إذا ثبت هذا فإنه لا يباح له الفطر حتى يخلف البيوت وراء ظهره يعني أنه يجاوزها ويخرج من بين بنيانها وقال الحسن يفطر في بيته إن شاء يوم يريد أن يخرج وروي نحوه عن عطاء قال ابن عبد البر قول الحسن قول شاذ وليس الفطر لأحد في الحضر في نظر ولا أثر وقد روي عن الحسن خلافه وقد روى محمد بن كعب قال أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد السفر وقد رحلت له راحلته ولبس ثياب السفر فدعا بطعام فأكل فقلت له سنة فقال سنة ثم ركب قال الترمذي هذا حديث حسن ولنا قول الله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه البقرة 185 وهذا شاهد ولا يوصف بكونه مسافرا حتى يخرج من البلد ومهما كان في البلد فله أحكام الحاضرين ولذلك لا يقصر الصلاة فأما أنس فيحتمل أنه قد كان برز من البلد خارجا منه فأتاه محمد بن كعب في منزله ذلك

Section V03/P012–V03/P014

فصل وإن نوى المسافر الصوم في سفره ثم بدا له أن يفطر فله ذلك واختلف قول الشافعي فيه فقال مرة لا يجوز له الفطر وقال مرة أخرى إن صح حديث الكديد لم أر به بأسا أن يفطر وقال مالك إن أفطر فعليه القضاء والكفارة لأنه أفطر في صوم رمضان فلزمه ذلك كما لو كان حاضرا ولنا حديث ابن عباس وهو حديث صحيح متفق عليه وروى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس معه فقيل له إن الناس قد شق عليهم الصيام وإن الناس ينظرون ما فعلت فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون فأفطر بعضهم وصام بعضهم فبلغه أن ناسا صاموا فقال أولئك العصاة رواه مسلم وهذا نص صريح لا يعرج على من خالفه إذا ثبت هذا فإن له أن يفطر بما شاء من أكل وشرب وغيرهما إلا الجماع هل له أن يفطر به أم لا فإن أفطر بالجماع ففي الكفارة روايتان الصحيح منهما أنه لا كفارة عليه وهو مذهب الشافعي والثانية يلزمه كفارة لأنه أفطر بجماع فلزمته كفارة كالحاضر ولنا إنه صوم لا يجب المضي فيه فلم تجب الكفارة بالجماع فيه كالتطوع وفارق الحاضر الصحيح فإنه يجب عليه المضي في الصوم وإن كان مريضا يباح له الفطر فهو كالمسافر ولأنه يفطر بنية الفطر فيقع الجماع بعد حصول الفطر فأشبه ما لو أكل ثم جامع ومتى أفطر المسافر فله فعل جميع ما ينافي الصوم من الأكل والشرب والجماع وغيره لأن حرمتها بالصوم فتزول بزوالة كما لو زال بمجيء الليل فصل وليس للمسافر أن يصوم في رمضان عن غيره كالنذر والقضاء لأن الفطر أبيح رخصة وتخفيفا عنه فإذا لم يرد التخفيف عن نفسه لزمه أن يأتي بالأصل فإن نوى صوما غير رمضان لم يصح صومه لا عن رمضان ولا عما نواه هذا الصحيح في المذهب وهو قول أكثر العلماء وقال أبو حنيفة يقع ما نواه إذا كان واجبا لأنه زمن أبيح له فطره فكان له صومه عن واجب عليه كغير شهر رمضان ولنا إنه أبيح له الفطر للعذر فلم يجز له أن يصومه عن غير رمضان كالمريض وبهذا ينتقض ما ذكروه وينقض أيضا بصوم التطوع فإنهم سلموه قال صالح قيل لأبي من صام شهر رمضان وهو ينوي به تطوعا يجزئه قال أو يفعل هذا مسلم مسألة قال ( ومن أكل أو شرب أو احتجم أو استعط أو أدخل إلى جوفه شيئا من أي موضع كان أو قبل فأمنى أو أمذى أو كرر النظر فأنزل أو فعل ذلك عامدا وهو ذاكر لصومه فعليه القضاء بلا كفارة إذا كان صوما واجبا ) في هذه المسألة فصول أحدها أنه يفطر بالأكل والشرب بالإجماع وبدلالة الكتاب والسنة أما الكتاب فقول الله تعالى وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل البقرة 187 مد الأكل والشرب إلى تبين الفجر ثم أمر بالصيام عنهما وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك بترك طعامه وشهوته من أجلي وأجمع العلماء على الفطر بالأكل والشرب بما يتغذى به فأما ما لا يتغذى به فعامة أهل العلم على أن الفطر يحصل به وقال الحسن بن صالح لا يفطر بما ليس بطعام ولا شراب وحكي عن أبي طلحة الأنصاري أنه كان يأكل البرد في الصوم ويقول ليس بطعام ولا شراب ولعل من يذهب إلى ذلك يحتج بأن الكتاب والسنة إنما حرما الأكل والشرب فما عداهما يبقى على أصل الإباحة ولنا دلالة الكتاب والسنة على تحريم الأكل والشرب على العموم فيدخل فيه محل النزاع ولم يثبت عندنا ما نقل عن أبي طلحة فلا يعد خلافا

Section V03/P014–V03/P015

الفصل الثاني أن الحجامة يفطر بها الحاجم والمحجوم وبه قال إسحاق و المنذر و محمد بن خزيمة وهو قول عطاء و عبد الرحمن بن مهدي وكان الحسن ومسروق وابن سيرين لا يرون للصائم أن يحتجم وكان جماعة من الصحابة يحتجمون ليلا في الصوم منهم ابن عمر و ابن عباس و أبو موسى و أنس ورخص فيها أبو سعيد الخدري وابن مسعود وأم سلمة وحسين بن علي وعروة وسعيد بن جبير وقال مالك و الثوري و أبو حنيفة و الشافعي يجوز للصائم أن يحتجم ولا يفطر لما روى البخاري عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم ولأنه دم خارج من البدن أشبه الفصد ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم أفطر الحاجم والمحجوم رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أحد عشر نفسا قال أحمد حديث شداد بن أوس من أصح حديث يروي في هذا الباب وإسناد حديث رافع إسناد جيد وقال حديث ثوبان وشداد صحيحان وعن علي بن المديني أنه قال أصح شيء في هذا الباب حديث شداد وثوبان منسوخ بحديثنا بدليل ما روى ابن عباس أنه قال احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقاحة بقرن وناب وهو محرم صائم فوجد لذلك ضعفا شديدا فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحتجم الصائم رواه أبو إسحاق الجوزجاني في المترجم وعن الحكم قال احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صائم فضعف ثم كرهت الحجامة للصائم وكان ابن عباس وهو راوي حديثهم يعد الحجام والمحاجم فإذا غابت الشمس احتجم بالليل كذلك رواه الجوزجاني وهذا يدل على أنه علم نسخ الحديث الذي رواه ويحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم فأفطر كما روي عنه عليه السلام أنه قاء فأفطر فإن قيل فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى الحاجم والمحتجم يغتابان فقال ذلك قلنا لم تثبت صحة هذه الرواية مع أن اللفظ أعم من السبب فيجب العمل بعموم اللفظ لا بخصوص السبب على أننا قد ذكرنا الحديث الذي فيه بيان علة النهي عن الحجامة وهي الخوف من الضعف فيبطل التعليل بما سواه أو يكون كل واحد منهما علة مستقلة على أن الغيبة لا تفطر الصائم إجماعا فلا يصح حمل الحديث على ما يخالف الإجماع قالأحمد لأن يكون الحديث كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أفطر الحاجم والمحجوم أحب إلينا من أن يكون من الغيبة لأن من أراد أن يمتنع من الحجامة امتنع وهذا أشد على الناس من يسلم من الغيبة فإن قيل فإذا كانت علة النهي ضعف الصائم بها فلا يقتضي ذلك الفطر وإنما يقتضي الكراهة ومعنى قوله أفطر الحاجم والمحجوم أي قربا من الفطر قلنا هذا تأويل يحتاج إلى دليل على أنه لا يصح ذلك في حق الحاجم فإنه لا ضعف فيه الفصل الثالث أنه يفطر بكل ما أدخله إلى جوفه أو مجوف في جسده كدماغه وحلقه ونحو ذلك مما ينفذ إلى معدته إذا وصل باختياره وكان مما يمكن التحرز منه سواء وصل من الفم على العادة أو غير العادة كالوجور واللدود أو من الأنف كالسعوط أو يدخل من الأذن إلى الدماغ أو ما يدخل من العين إلى الحلق كالكحل أو ما يدخل إلى الجوف من الدبر بالحقنة أو ما يصل من مداواة الجائفة إلى جوفه أو من دواء المأمومة إلى دماغه فهذا كله يفطره لأنه واصل إلى جوفه باختياره فأشبه الأكل وكذلك لو جرح نفسه أو جرحه غيره باختياره فوصل إلى جوفه سواء استقر في جوفه أو عاد فخرج منه وبهذا كله قال الشافعي وقال مالك لا يفطر بالسعوط إلا أن ينزل إلى حلقه ولا يفطر إذا داوى المأمومة والجائفة واختلف عنه في الحقنة واحتج له بأنه لم يصل إلى الحلق منه شيء أشبه ما لم يصل إلى الدماغ ولا الجوف ولنا إنه واصل إلى جوف الصائم باختياره فيفطره كالواصل إلى الحلق والدماغ جوف والواصل إليه يغذيه فيفطره كجوف البدن

Section V03/P015–V03/P016

فصل فأما الكحل فما وجد طعمه في حلقه أو علم وصوله إليه فطره وإلا لم يفطره نص عليه أحمد وقال ابن أبي موسى ما يجد طعمه كالذرور والصبر والقطور أفطر وإن اكتحل باليسير من الإثمد غير المطيب كالميل ونحوه لم يفطر نص عليه أحمد وقال ابن عقيل إن كان الكحل حادا فطره إلا فلا ونحوه ما ذكرناه قال أصحاب مالك وعن ابن أبي ليلى و ابن شبرمة أن الكحل يفطر الصائم وقال أبو حنيفة و الشافعي لا يفطره لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اكتحل في رمضان وهو صائم ولأن العين ليست منفذا فلم يفطر بالداخل منها كما لو دهن رأسه ولنا إنه أوصل إلى حلقه ما هو ممنوع من تناوله بفيه فأفطر به كما لو أوصله من أنفه وما رووه لم يصح قال الترمذي لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في باب الكحل الكحل للصائم شيء ثم يحمله على أنه اكتحل بما لا يصل وقولهم ليست العين منفذا لا يصح فإنه يوجد طعمه في الحلق ويكتحل الإثمد فيتنخعه قال أحمد حدثني إنسان أنه اكتحل بالليل فنخعه بالنهار ثم لا يعتبر في الواصل أن يكون من منفذ بدليل ما لو جرح نفسه جائفة فإنه يفطر فصل وما لا يمكن التحرز منه كابتلاع الريق لا يفطره لأن اتقاء ذلك يشق فأشبه غبار الطريق وغربلة الدقيق فإن جمعه ثم ابتلعه قصدا لم يفطره لأنه يصل إلى جوفه من معدته أشبه ما إذا لم يجمعه وفيه وجه آخر أنه يفطره لأنه أمكنه التحرز منه أشبه ما لو قصد ابتلاع غبار الطريق والأول أصح فإن الريق لا يفطر إذا لم يجمعه وإن قصد ابتلاعه فكذلك إذا جمعه بخلاف غبار الطريق فإن خرج ريقه إلى ثوبه أو بين أصابعه أو بين شفتيه ثم عاد فابتلعه أو بلع ريق غيره أفطر لأنه ابتلعه من غير فمه فأشبه ما لو بلع غيره فإن قيل فقد روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم ويمص لسانها رواه أبو داود قلنا قد روي عن أبي داود أنه قال هذا إسناد ليس بصحيح ويجوز أنه كان يقبل في الصوم ويمص لسانها في غيره ويجوز أن يمصه ثم لا يبتلعه ولأنه لم يتحقق انفصال ما على لسانها من البلل إلى فمه فأشبه ما لو ترك حصاة مبلولة في فيه أو لو تمضمض بماء ثم مجه ولم ترك في فمه حصاة أو درهما فأخرجه وعليه بلة من الريق ثم أعاده في فيه نظرت فإن كانت ما عليه من الريق كثيرا فابتلعه أفطر وإن كان يسيرا لم يفطر بإبلاع ريقه وقال بعض أصحابنا يفطر لابتلاعه ذلك البلل الذي كان على الجسم ولنا إنه لا يتحقق انفصال ذلك البلل ودخوله إلى حلقه فلا يفطره 0 كالمضمضة والتسوك بالسواك الرطب والمبلول ويقوي ذلك حديث عائشة في مص لسانها ولو أخرج لسانه وعليه بلة ثم عاد فأدخله وابتلع ريقه لم يفطر فصل وإن ابتلع النخامة ففيها روايتان إحداهما يفطر قال حنبل سمعت أبا عبد الله يقول إذا تنخم ثم ازدرده فقد أفطر لأن النخامة من الرأس تنزل والريق من الفم ولو تنخع من جوفه ثم ازدرده أفطر وهذا مذهب الشافعي لأنه أمكن التحرز منها أشبه الدم ولأنها من غير الفم أشبه القيء والرواية الثانية لا يفطر قال في رواية المروذي ليس عليك قضاء إذا ابتلعت النخامة وأنت صائم لأنه معتاد في الفم غير واصل من خارج أشبه الريق فصل فإن سال فمه دما أو خرج إليه قلس أو قيء فازدرده أفطر وإن كان يسيرا لأن الفم في حكم الظاهر والأصل حصول الفطر بكل واصل منه لكن عفي عن الريق لعدم إمكان التحرز منه فما عداه يبقى على الأصل وإن ألقاه من فيه وبقي فمه نجسا أو تنجس فمه بشيء من خارج فابتلع ريقه فإن كان معه جزء من المنجس أفطر بذلك الجزء وإلا فلا

Section V03/P016–V03/P017

فصل ولا يفطر بالمضمضة بغير خلاف سواء كان في الطهارة أو غيرها وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن عمر سأله عن القبلة للصائم فقال النبي صلى الله عليه وسلم أرأيت لو تمضمضت من إناء وأنت صائم قلت لا بأس قال فمه ولأن الفم في حكم الظاهر لا يبطل الصوم بالواصل إليه كالأنف والعين وإن تمضمض أو استنشق في الطهارة فسبق الماء إلى حلقه من غير قصد ولا إسراف فلا شيء عليه وبه قال الأوزاعي و إسحاق و الشافعي في أحد قوليه وروي ذلك عن ابن عباس وقال مالك و أبو حنيفة يفطر لأنه أوصل الماء إلى جوفه ذاكرا لصومه فأفطر كما لو تعمد شربه ولنا إنه وصل إلى حلقه من غير إسراف ولا قصد فأشبه ما لو طارت ذبابة إلى حلقه وبهذا فارق المتعمد فأما إن أسرف فزاد على الثلاث أو بالغ في الاستنشاق فقد فعل مكروها لقول النبي صلى الله عليه وسلم للقيط بن صبرة وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما حديث صحيح ولأنه يتعرض بذلك لإيصال الماء إلى حلقه فإن وصل إلى حلقه فقال أحمد يعجبني أن يعيد الصوم وهل يفطر بذلك على وجهين أحدهما يفطر لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المبالغة حفظا للصوم فدل ذلك على أنه يفطر به ولأنه وصل بفعل منهي عنه فأشبه التعمد والثاني لا يفطر به لأنه وصل من غير قصد فأشبه غبار الدقيق إذا نخله فأما المضمضة لغير الطهارة فإن كانت لحاجة كغسل فمه عند الحاجة إليه نحوه فحكمه حكم المضمضة للطهارة وإن كان عابثا أو تمضمض من أجل العطش كره وسئل أحمد عن الصائم يعطش فيتمضمض ثم يمجه قال يرش على صدره أحب إلي فإن فعل فوصل الماء إلى حلقه أو ترك الماء في فيه عابثا أو للتبرد فالحكم فيه كالحكم في الزائد على الثلاث لأنه مكروه ولا بأس أن يصب الماء على رأسه من الحر والعطش لما روي عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرج يصب الماء على رأسه وهو صائم من العطش أو من الحر رواه أبو داود فصل ولا بأس أن يغتسل الصائم فإن عائشة و أم سلمة قالتا نشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كان ليصبح جنبا من غير احتلام ثم يغتسل ثم يصوم متفق عليه وروى أبو بكر بإسناده أن ابن عباس دخل الحمام وهو صائم هو وأصحاب له في شهر رمضان فأما الغوص في الماء فقال أحمد في الصائم ينغمس في الماء إذا لم يخف أن يدخل في مسامعه وكره الحسن و الشعبي أن ينغمس في الماء خوفا أن يدخل في مسامعه فإن دخل في مسمعه فوصل إلى دماغه من الغسل المشروع من غير إسراف ولا قصد فلا شيء عليه كما لو دخل إلى حلقه من المضمضة في الوضوء وإن غاص في الماء أو أسرف أو كان عابثا فحكمه حكم الداخل إلى الحلق من المبالغة في المضمضة والاستنشاق والزائد على الثلاث والله أعلم فصل قال إسحاق بن منصور قلت لأحمد الصائم يمضغ العلك قال لا قال أصحابنا العلك ضربان أحدهما ما يتحلل منه أجزاء وهو الرديء الذي إذا مضغه يتحلل فلا يجوز مضغه إلا أن لا يبلع ريقه فإن فعل فنزل إلى حلقه منه شيء أفطر به كما لو تعمد أكله

Questions