İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
ولنا إنه قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر أصحابه في حجة الوداع الذين أفردوا الحج وقرنوا أن يحلوا كلهم ويجعلوها عمرة إلا من كان معه الهدي وثبت ذلك في أحاديث كثيرة متفق عليهن بحيث يقرب من التواتر والقطع ولم يختلف في صحة ذلك وثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم أحد من أهل العلم علمناه وذكر أبو حفص في شرحه قال سمعت أبا عبد الله بن بطة يقول سمعت أبا بكر بن أيوب يقول سمعت إبراهيم الحربي يقول وسئل عن فسخ الحج فقال قال سلمة بن شبيب لأحمد بن حنبل يا أبا عبد الله كل شيء منك حسن جميل إلا خلة واحدة فقال ما هي قال تقول بفسخ الحج فقال أحمد قد كنت أرى أن لك عقلا عندي ثمانية عشر حديثا صحاحا جيادا كلها في فسخ الحج أتركها لقولك وقد روى فسخ الحج ابن عمر وابن عباس وجابر عائشة وأحاديثهم متفق عليها ورواه غيرهم وأحاديثهم كلها صحاح قال أحمد روي الفسخ عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث جابر وعائشة وأسماء والبراء وابن عمر وسبرة الجهني وفي لفظ حديث جابر قال أهللنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج خالصا وحده وليس معه عمرة فقدم النبي صلى الله عليه وسلم صبح أربعة مضت من ذي الحجة فلما قدمنا أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نحل قال أحلوا وأصيبوا من النساء قال فبلغه عنا أنا نقول لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس ليال أمرنا أن نحل إلى نسائنا فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المني قال فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم ولولا هديي لحللت كما تحلون فحلوا ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت قال فحللنا وسمعنا وأطعنا قال فقال سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي متعتنا هذه يارسول الله لعامنا هذا أم للأبد فظنه محمد بن بكر أنه قال للأبد متفق عليه فأما حديثهم فقال أحمد روى هذا الحديث الحارث بن بلال فمن الحارث بن بلال يعني أنه مجهول ولم يروه إلا الدراوردي وحديث أبي ذر رواه مرقع الأسدي فمن مرقع الأسد شاعر من أهل الكوفة ولم يلق أبا ذر فقيل له أفليس قد روى الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر قال كانت متعة الحج لنا خصة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أفيقول بهذا أحد المتعة في كتاب الله وقد أجمع الناس على أنها جائزة قال الجوزجاني مرقع الأسدي ليس بمشهور ومثل هذه الأحاديث في ضعفها وجهالة رواتها لا تقبل إذا انفردت فكيف تقبل في رد حكم ثابت بالتواتر مع أن قول أبي ذر من رأيه وقد خالفه من هو أعلم منه وقد شذ به عن الصحابة رضي الله عنهم فلا يلتفت إلى هذا وقد اختلف لفظه ففي أصح الطريقين عنه قوله مخالف لكتاب الله تعالى وقول رسول الله وإجماع المسلمين وسنن الرسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة الصحيحة فلا يحل الاحتجاج به وأما قياسهم في مقابلة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يقبل على أن قياس الحج على العمرة في هذا لا يصح فإنه يجوز قلب الحج إلى العمرة في حق من فاته الحج ومن حصر عن عرفة والعمرة لا تصير حجا بحال ولأن فسخ الحج إلى العمرة يصير به متمتعا فتحصل الفضيلة وفسخ العمرة إلى الحج يفوت الفضيلة ولا يلزم من مشروعية ما يحصل الفضيلة مشروعية تفويتها فصل وإذا فسخ الحج إلى العمرة صار متمتعا حكمه حكم المتمتعين في وجوب الدم وغيره وقال القاضي لا يجب الدم لأن من شرط وجوبه أن ينوي في ابتداء العمرة أو في أثنائها أنه متمع وهذه دعوى لا دليل عليها تخالف عموم الكتاب وصريح السنة الثابتة
فإن الله تعالى قال فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي وفي حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحل ثم ليهل بالحج وليهد ومن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله متفق عليه ولأن وجوب الدم في المتعة للترفه بسقوط أحد السفرين وهذا المعنى لا يختلف بالنية وعدمها فوجب أن لا يختلف وجوب الدم على أنه لو ثبت أن النية شرط فقد وجدت فإنه ما حل حتى نوى أنه يحل ثم يحرم بالحج مسألة قال ( ومن كان متمتعا قطع التلبية إذا وصل إلى البيت ) قال أبو عبد الله يقطع المعتمر التلبية إذا استلم الركن وهو معنى قول الخرقي إذا وصل إلى البيت وبهذا قال ابن عباس وعطاء وعمرو بن ميمون وطاوس والنخعي والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي وقال ابن عمر وعروة والحسن يقطعها إذا دخل الحرم وقال سعيد بن المسيب يقطعها حين يرى عرش مكة وحكي عن مالك أنه إن أحرم من الميقات قطع التلبية إذا وصل إلى الحرم وإن أحرم بها من أدنى الحل قطع التلبية حين يرى البيت ولنا ما روي عن ابن عباس يرفع الحديث كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاث عمر ولم يزل يلبي حتى استلم الحجر ولأن التلبية إجابة على العبادة وإشعار للإقامة عليها وإنما يتركها إذا شرع فيما ينافيها وهو التحلل منها والتحلل يحصل بالطواف والسعي فإذا شرع في الطواف فقد أخذ في التحلل فينبغي أن يقطع التلبية كالحج إذا شرع في رمي جمرة العقبة لحصول التحلل بها أما قبل ذلك فلم يشرع فيما ينافيها فلا معنى لقطعها والله أعلم باب صفة الحج نذكر في هذا الباب صفة الحج بعد حل المتمتع من عمرته ونبدأ بذكر حديث جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم ونقتصر منه على ما يختص بهذا الباب وقد ذكرنا بعضه مفرقا في الأبواب الماضية وهو حديث جامع صحيح رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر وذكر الحديث قال فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدي فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منى فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زالت الشمس أمر بالقصواءة فرحلت له فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال إن دماءكم وأموالكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا وفي بلدكم هذا ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ودماء الجاهلية موضوعة وإن أول دم أضعه من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بني سعد فقتله هذيل وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع من ربانا ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرونه فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون قالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكبها إلى الناس اللهم أشهد اللهم أشهد ثلاث مرات ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئا
ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه فاستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص وأردف أسامة خلفه ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شنق للقصواء الزمام حتى أن رأسها ليصيب مورك رحله ويقول بيده اليمنى أيها الناس السكينة السكينة كلما أتى حبلا من الحبال أرخى لها قليلا حتى تصعد حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئا ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر فصلى الصبح حين تبين له الصبح بأذان وإقامة ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا الله وكبره وهلله ووحده ولم يزل واقفا حتى أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس وأردف الفضل بن عباس وكان رجلا حسن الشعر أبيض وسيما فلما دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم مرت به ظعن يجرين فطفق الفضل ينظر إليهن فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على وجه الفضل فحول الفضل وجهه من الشق الآخر ينظر فحول رسول الله صلى الله عليه وسلم يده من الشق الآخر على وجه الفضل فصرف وجهه من الشق الآخر ينظر حتى أتى بطن محسر فحرك قليلا ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف رمى من بطن الوادي ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده ثم أعطى عليا فنحر ما غبر وأشركه في هديه ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر فأتى بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم فقال انزعوا بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم فناولوه دلوا فشرب منه قال عطاء كان منزل النبي صلى الله عليه وسلم بمنى بالخيف مسألة قال ( وإذا كان يوم التروية أهل بالحج ومضى إلى منى ) يوم التروية اليوم الثامن من ذي الحجة يسمى بذلك لأنهم كانوا يتروون من الماء فيه يعدونه ليوم عرفة وقيل سمي بذلك لأن إبراهيم عليه السلام رأى ليلتئذ في المنام ذبح ابنه فأصبح يروي في نفسه أهو حلم أم من الله تعالى فسمي يوم التروية فلما كانت ليلة عرفة رأى ذلك أيضا فعرف أنه من الله تعالى فسمي يوم عرفة والله أعلم والمستحب لمن كان بمكة حلالا من المتمتعين الذين حلوا من عمرتهم أو من كان مقيما بمكة من أهلها أو من غيرهم أن يحرموا يوم التروية حين يتوجهون إلى منى وبهذا قال ابن عمر وابن عباس وعطاء وطاوس وسعيد بن جبير وإسحاق وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال لأهل مكة ما لكم يقدم الناس عليكم شعثا إذا رأيتم الهلال فأهلوا بالحج وهذا مذهب ابن الزبير وقال مالك من كان بمكة فأحب أن يهل من المسجد لهلال ذي الحجة ولنا قول جابر فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج وفي لفظ عن جابر قال أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم لما حللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى فأهللنا من الأبطح حتى إذا كان يوم التروية جعلنا مكة بظهر أهللنا بالحج رواه مسلم وعن عبيد بن جريج أنه قال لعبد الله بن عمر رأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس ولم تهل أنت حتى يكون يوم التروية فقال عبد الله بن عمر أما الإهلال فإني لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل حتى تنبعث به راحلته متفق عليه ولأنه ميقات للإحرام فاستوى فيه أهل مكة وغيرهم كميقات المكان وإن أحرم قبل ذلك كان جائزا
فصل ومن حيث أحرم من مكة جاز لقول النبي صلى الله عليه وسلم في المواقيت حتى أهل مكة يهلون منها وإن أحرم خارجا منها من الحرم جاز لقول جابر فأهللنا من الأبطح ويستحب أن يفعل عند إحرامه هذا ما يفعله عند الإحرام من الميقات من الغسل والتنظيف ويتجرد عن المخيط ويطوف سبعا ويصلي ركعتين ثم يحرم عقبيهما وممن استحب ذلك عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير والثوري والشافعي وإسحاق وابن المنذر ولا يسن أن يطوف بعد إحرامه قال ابن عباس لا أرى لأهل مكة أن يطوفوا بعد أن يحرموا بالحج ولا أن يطوفوا بين الصفا والمروة حتى يرجعوا وهذا مذهب عطاء ومالك وإسحاق وإن طاف بعد إحرامه ثم سعى لم يجزئه عن السعي الواجب وهو قول مالك وقال الشافعي يجزئه وفعله ابن الزبير وأجازه القاسم بن محمد وابن المنذر لأنه سعى في الحج مرة فأجزأه كما لو سعى بعد رجوعه من منى ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يهلوا بالحج إذا خرجوا إلى منى وقالت عائشة خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف الذين أهلوا بعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلوا ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم ولو شرع لهم الطواف قبل الخروج لم يتفقوا على تركه مسألة قال ( ومضى إلى منى فصلى بها الظهر إن أمكنه لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى بمنى خمس صلوات ) وجملة ذلك أن المستحب أن يخرج محرما من مكة يوم التروية فيصلي الظهر بمنى ثم يقيم حتى يصلي بها الصلوات الخمس ويبيت بها لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك كما جاء في حديث جابر وهذا قول سفيان ومالك والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه مخالفا وليس ذلك واجبا في قولهم جميعا قال ابن المنذر ولا أحفظ عن غيرهم خلافهم وتخلفت عائشة ليلة التروية حتى ذهب ثلثا الليل وصلى ابن الزبير بمكة فصل فإن صادف يوم التروية يوم جمعة فمن أقام بمكة حتى تزول الشمس ممن تجب عليه الجمعة لم يخرج حتى يصليهما لأن الجمعة فرض والخروج إلى منى في ذلك الوقت غير فرض فأما قبل الزوال فإن شاء خرج وإن شاء خرج وإن شاء أقام حتى يصلي فقد روي أن ذلك وافق أيام عمر بن عبد العزيز فخرج إلى منى وقال عطاء كل من أدركت يصنعونه أدركتهم يجمع بمكة إمامهم ويخطب ومرة لا يجمع ولا يخطب فعلى هذا إذا خرج الإمام أمر بعض من تخلف أن يصلي بالناس الجمعة وقال أحمد إذا كان والي مكة بمكة يوم الجمعة يجمع بهم قيل له ويركب من منى فيجيء إلى مكة فيجمع بهم قال لا إذا كان هو بعد بمكة مسألة قال ( فإذا طلعت الشمس دفع إلى عرفة فأقام بها حتى يصلي الظهر والعصر بإقامة لكل صلاة وإن أذن فلا بأس وإن فاته مع الإمام صلى في رحله ) وجملة ذلك أن المستحب أن يدفع إلى الموقف من منى إذا طلعت الشمس يوم عرفة فيقيم بنمرة وإن شاء بعرفة حتى تزول الشمس ثم يخطب الإمام خطبة يعلم الناس فيها مناسكهم من موضع الوقوف ووقته والدفع من عرفات ومبيتهم بمزدلفة وأخذ الحصى لرمي الجمار لما تقدم في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ثم يأمر بالأذان فينزل فيصلي الظهر والعصر يجمع بينهما ويقيم لكل صلاة إقامة وقال أبو ثور يؤذن المؤذن إذا صعد الإمام المنبر فجلس فإذا فرغ المؤذن قام الإمام فخطب وقيل يؤذن في آخر خطبة الإمام وحديث جابر يدل على أنه أذن بعد فراغ النبي صلى الله عليه وسلم من خطبته وكيفما فعل فحسن وقوله وإن أذن فلا بأس كأنه ذهب إلى أنه مخير بين أن يؤذن للأولى أو لا يؤذن وكذا قال أحمد لأن كلا مروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والأذان وهو قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي وقالمالك يؤذن لكل صلاة واتباع ما جاء في السنة أولى
وهو مع ذلك موافق للقياس كما في سائر المجموعات والفوائت وقول الخرقي فإن فاته مع الإمام صلى في رحله يعني أن المفرد يجمع كما يجمع مع الإمام فعله ابن عمر وبه قال عطاء ومالك وإسحاق وأبو ثور وصاحبا أبي حنيفة وقال النخعي والثوري وأبو حنيفة لا يجمع إلا مع الإمام فإذا لم يكن إمام رجعنا إلى الأصل ولنا إن ابن عمر كان إذا فاته الجمع بين الظهر والعصر مع الإمام بعرفة جمع بينهما منفردا ولأن كل جمع جاز مع الإمام منفردا كالجمع بين العشاءين يجمع وقولهم إنما جاز الجمع في الجماعة لا يصح لأنهم قد سلموا أن الإمام يجمع وإن كان منفردا فصل والسنة تعجيل الصلاة حين تزول الشمس وأن يقصر الخطبة ثم يروح إلى الموقف لما روى سالم أنه قال للحاج يوم عرفة إن كنت تريد أن تصيب السنة فقصر الخطبة وعجل الصلاة فقال ابن عمر صدق رواه البخاري ولأن تطويل ذلك يمنع الرواح إلى الموقف في أول وقت الزوال والسنة التعجيل في ذلك فقد روى سالم أن الحجاج أرسل إلى ابن عمر أية ساعة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يروح في هذا اليوم قال إذا كان ذاك رحنا فلما أراد ابن عمر أن يروح قال أزاغت الشمس قالوا لم تزغ فلما قالوا قد زاغت ارتحل رواه أبو داود وقال ابن عمر غدا رسول الله صلى الله عليه وسلم من منى حين صلى الصبح صبيحة يوم عرفة حتى أتى عرفة فنزل بنمرة حتى إذا كان عند صلاة الظهر راح رسول الله صلى الله عليه وسلم مهجرا فجمع بين الظهر والعصر ثم خطب الناس ثم راح فوقف على الموقف من عرفة وقد ذكرنا حديث جابر في هذا قال ابن عبد البر هذا كله لا خلاف فيه بين علماء المسلمين فصل ويجوز الجمع لكل من كان بعرفة من مكي وغيره قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن الإمام يجمع بين الظهر والعصر بعرفة وكذلك من صلى مع الإمام وذكر أصحابنا أنه لا يجوز الجمع إلا لمن بينه وبين وطنه ستة عشر فرسخا إلحاقا له بالقصر وليس بصحيح لأن النبي صلى الله عليه وسلم جمع فجمع معه من حضره من المكيين وغيرهم ولم يأمرهم بترك الجمع كما أمرهم بترك القصر حين قال أتموا فإنا سفر ولو حرم الجمع لبينه لهم إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ولا يقر النبي صلى الله عليه وسلم على الخطأ وقد كان عثمان يتم الصلاة لأنه اتخذ أهلا ولم يترك الجمع وروي نحو ذلك عن ابن الزبير قال ابن أبي مليكة وكان ابن الزبير يعلمنا المناسك فذكر أنه قال إذا أفاض فلا صلاة إلا بجمع رواه الأثرم وكان عمر بن عبد العزيز والي مكة فخرج فجمع بين الصلاتين ولم يبلغنا عن أحد من المتقدمين خلاف في الجمع بعرفة ومزدلفة بل وافق عليه من لا يرى الجمع في غيره والحق فيما أجمعوا عليه فلا يعرج على غيره فصل فأما قصر الصلاة فلا يجوز لأهل مكة وبهذا قال عطاء ومجاهد والزهري وابن جريج والثوري ويحيى القطان والشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر وقال القاسم بن محمد وسالم ومالك والأوزاعي لهم القصر لأن لهم الجمع فكان لهم القصر كغيرهم ولنا إنهم في غير سفر بعيد فلم يجز لهم القصر كغير من في عرفة ومزدلفة قيل لأبي عبد الله فرجل أقام بمكة ثم خرج إلى الحج قال إن كان لا يريد أن يقيم بمكة إذا رجع صلى ركعتيتن وذكر فعل ابن عمر قال لأن خروجه إلى منى وعرفة ابتداء سفر فإن عزم على أن يرجع فيقيم بمكة أتم بمنى وعرفة مسألة قال ( ثم يصير إلى موقف عرفة عند الجبل وعرفة كلها موقف ويرفع عن بطن عرفة فإنه لا يجزئه الوقوف فيه ) يعني إذا صلى الصلاتين صار إلى الوقوف بعرفة ويستحب أن يغتسل للوقوف كان ابن مسعود يفعله وروي عن علي وبه يقول الشافعي وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر
لأنها مجمع للناس فاستحب الاغتسال لها كالعيد والجمعة وعرفة كلها موقف فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال قد وقفت ها هنا وعرفة كلها موقف رواه أبو داود وابن ماجة وعن يزيد بن شيبان قال أتانا ابن مربع الأنصاري ونحن بعرفة في مكان يباعده عمر عن الإمام فقال إني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم يقول كونوا على مشاعركم فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم وحد عرفة من الجبل المشرف على عرفة إلى الجبال المقابلة إلى ما يلي حوائط بني عامر وليس وادي عرنة من الموقف ولا يجزئه الوقوف فيه قال ابن عبد البر أجمع العلماء على أن من وقف به لا يجزئه وحكي عن مالك أنه يهريق دما وحجه تام ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم كل عرفة موقف وارفعوا عن بطن عرنة رواه ابن ماجة ولأنه لم يقف بعرفة فلم يجزئه كما لو وقف بمزدلفة والمستحب أن يقف عند الصخرات وجبل الرحمة ويستقبل القبلة لما جاء في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة فصل والأفضل أن يقف راكبا على بعيره كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فإن ذلك أعون له على الدعاء قال أحمد حين سئل عن الوقوف راكبا فقال النبي صلى الله عليه وسلم وقف على راحلته وقيل الراجل أفضل لأنه أخف على الراحلة ويحتمل التسوية بينهما فصل والوقوف ركن لا يتم الحج إلا به إجماعا وقد روى الثوري عن بكير بن عطاء الليثي عن عبد الرحمن بن نعم الديلي قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة فجاءه نفر من أهل نجد فقالوا يا رسول الله كيف الحج قال الحج عرفة فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه رواه أبو داود وابن ماجة قال محمد بن يحيى ما أروي للثوري حديثا أشرف منه مسألة قال ( فيكبر ويهلل ويجتهد في الدعاء إلى غروب الشمس ) يستحب الإكثار من ذكر الله تعالى والدعاء يوم عرفة فإنه يوم ترجى فيه الإجابة ولذلك أحببنا له الفطر يومئذ ليتقوى على الدعاء مع أن صومه بغير عرفة يعدل سنتين وروى ابن ماجة في سننه قال قالت عائشة رضي الله عنها إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة فإنه ليدنو عز وجل ثم يباهي بكم الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء رواه مسلم ويستحب أن يدعو بالمأثور من الأدعية مثل ما روي عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر دعاء الأنبياء قبلي ودعائي عشية عرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير وكان ابن عمر يقول الله أكبر ولله الحمد الله أكبر الله أكبر ولله الحمد الله أكبر الله أكبر ولله الحمد لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد اللهم أهدني بالهدى وقني بالتقوى واغفر لي في الآخرة والأولى ويرد يديه ويسكت كقدر ما كان إنسان قارئا فاتحة الكتاب ثم يعود فيرفع يديه ويقول مثل ذلك ولم يزل يفعل مثل ذلك حتى أفاض وسئل سفيان بن عيينة عن أفضل الدعاء يوم عرفة فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير
فقيل له هذا ثناء وليس بدعاء فقال أما سمعت قول الشاعر أأذكر حاجتي أم قد كفاني حياؤك إن شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يوما كفاه من تعرضه الثناء وروي من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة اللهم إنك ترى مكاني وتسمع كلامي وتعلم سري وعلانيتي ولا يخفى عليك شيء من أمري أنا البائس الفقير المستغيث المستجير الوجل المشفق المقر المعترف بذنبه أسألك مسألة المسكين وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل وأدعوك دعاء الخائف الضرير من خشعت لك رقبته وذل لك جسده وفاضت لك عينه ورغم لك أنفه وروينا عن سفيان الثوري أنه قال سمعت أعرابيا وهو مستلق بعرفة يقول إلهي من أولى بالزلل والتقصير مني وقد خلقتني ضعيفا ومن أولى بالعفو عني منك وعلمك في سابق وأمرك بي محيط أطعتك بإذنك والمنة لك وعصيتك بعلمك والحجة لك فأسألك بوجوب حجتك وانقطاع حجتي وبفقري إليك وغناك عني أن تغفر لي وترحمني إلهي لم أحسن حتى أعطيتني ولم أسىء حتى قضيت علي اللهم أطعتك بنعمتك في أحب الأشياء إليك شهادة أن لا إله إلا الله ولم أعصك في أبغض الأشياء إليك الشرك بك فاغفر لي ما بينهما اللهم أنت أنس المؤنسين لأوليائك وأقربهم بالكفاية من المتوكلين عليك تشاهدهم في ضمائرهم وتطلع على سرائرهم وسري اللهم لك مشكوف وأنا إليك ملهوف إذا أوحشتني الغربة آنسني ذكرك وإذا أصمت على الهموم لجأت إليك استجارة بك علما بأن أزمة الأمور بيدك ومصدرها عن قضائك وكان إبراهيم بن إسحاق الحربي يقول اللهم قد آويتني من ضناي وبصرتني من عماي وأنقذتني من جهلي وجفائي أسألك ما يتم به فوزي وما أؤمل في عاجل دنياي ومأمول أجلي ومعادي ثم ما لا أبلغ أداء شكره ولا أنال إحصاءه وذكره إلا بتوفيقك وإلهامك أن هيجت قلبي القاسي على الشخوص إلى حرمك وقوت أركاني الضعيفة لزيارة عتيق بيتك ونقلت بدني لإشهادي مواقف حرمك اقتداء بسنة خليلك واحتذاء على مثال رسولك واتباعا لآثار خيرتك وأنبيائك وأصفيائك صلى الله عليه وسلم عليهم وأدعوك في مواقف الأنبياء عليهم السلام ومناسك السعداء ومساجد الشهداء دعاء من أتاك لرحمتك راجيا عن وطنه نائيا ولقضاء نسكه مؤديا ولفرائضك قاضيا ولكتابك تاليا ولربه عز وجل داعيا ملبيا ولقلبه شاكيا ولذنبه خاشيا ولحظه مخطئا ولرهنه مغلقا ولنفسه ظالما وبجرمه عالما دعاء من عمت عيوبه وكثرت ذنوبه وتصرمت أيامه واشتدت فاقته وانقطعت مدته دعاء من ليس لذنبه سواك غافرا ولا لعيبه غيرك مصلحا ولا لضعفه غيرك مقويا ولا لكسره غيرك جابرا ولا لمأمول خير غيرك معطيا ولا لما يتخوف من حر ناره غيرك معتقا اللهم وقد أصبحت في بلد حرام في شهر حرام في قيام من خير الأنام أسألك أن لا تجعلني أشقى خلقك المذنبين عندك ولا أخيب الراجين لديك ولا أحرم الآملين لرحمتك الزائرين لبيتك ولا أخسر المنقلبين من بلادك اللهم وقد كان تقصيري ما قد عرفت ومن توبيخي نفسي ما قد علمت ومن مظالمي ما قد أحصيت فكم من كرب منه قد نجيت ومن غم قد جلبت وهم قد فرجت ودعاء قد استجبت وشدة قد أزلت ورخاء قد أنلت منك النعماء وحسن القضاء ومني الجفاء وطول الاستقصاء والتقصير عن أداء شكرك لك النعماء يا محمود فلا يمنعك يا محمود من إعطائي مسألتي من حاجتي إلى حيث انتهى لها سؤالي ما تعرف من تقصيري وما تعلم من ذنوبي وعيوبي اللهم فادعوك راغبا وانصب لك وجهي طالبا وأضع لك خدي مذنبا راهبا فتقبل دعائي وارحم ضعفي وأصلح الفساد من أمري وأقطع من الدنيا همي وحاجتي واجعل فيما عندك رغبتي اللهم واقلبني منقلب المدركين لرجائهم المقبول دعاؤهم المفلوج حجتهم المبرور حجهم المغفور ذنبهم المحطوط خطاياهم الممحو سيئاتهم المرشود أمرهم منقلب من لا يعصي لك بعده أمرا ولا يأتي بعد مأثما ولا يركب بعده جهلا ولا يحمل بعده وزرا منقلب من عمرت قلبه بذكرك ولسانه بشكرك وطهرت الأدناس من بدنه واستودعت الهدي قلبه وشرحت بالإسلام صدره وأقررت بعفوك قبل الممات عينه وأغضضت عن المآثم بصره
واستشهدت في سبيلك نفسه يا أرحم الراحمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليما كثيرا كما تحب ربنا وترضى ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وقول الخرقي إلى غروب الشمس معناه ويجب عليه الوقوف إلى غروب الشمس ليجمع بين الليل والنهار في الوقوف بعرفة فإن النبي صلى الله عليه وسلم وقف بعرفة حتى غابت الشمس في حديث جابر وفي حديث علي وأسامة أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع حين غابت فإن دفع قبل الغروب فحجه صحيح في قول جماعة الفقهاء إلا مالكا قال لا حج له قال ابن عبد البر لا نعلم أحدا من فقهاء الأمصار قال بقول مالك وحجته ما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أدرك عرفات بليل فقد أدرك الحج ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج فليحل بعمرة وعليه الحج من قابل ولنا ما روى عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام الطائي قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة فقلت يا رسول الله إني جئت من جبل طي أكللت راحلتي وأتعبت نفسي والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى يدفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح ولأنه وقف في زمن الوقوف فأجزأه كالليل فأما خبره فإنما خص الليل لأن الفوات يتعلق به إذا كان يوجد بعد النهار فهو آخر وقت الوقوف كما قال عليه السلام من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تدرك الشمس فقد أدركها وعلى من دفع قبل الغروب دم في قول أكثر أهل العلم منهم عطاء والثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ومن تبعهم وقال ابن جريج عليه بدنة وقال الحسن البصري عليه هدي من الإبل ولنا إنه واجب لا يفسد الحج بفواته فلم يوجب البدنة كالإحرام من الميقات فصل فإن دفع قبل الغروب ثم عاد نهارا فوقف حتى غربت الشمس فلا دم عليه وبهذا قال مالك والشافعي وقال الكوفيون وأبو ثور عليه دم لأنه بالدفع لزمه الدم فلم يسقط برجوعه كما لو عاد بعد غروب الشمس ولنا إنه أتى بالواجب وهو الجمع بين الوقوف في الليل والنهار فلم يجب عليه دم كما تجاوز الميقات غير محرم ثم رجع فأحرم منه فإن لم يعد حتى غربت الشمس فعليه دم لأن عليه الوقوف حال الغروب وقد فاته بخروجه فأشبه من تجاوز الميقات غير محرم فأحرم دونه ثم عاد إليه ومن لم يدرك جزءا من النهار ولا جاء عرفة حتى غابت الشمس فوقف ليلا فلا شيء عليه وحجة تام لا نعلم مخالفا لقول النبي صلى الله عليه وسلم من أدرك عرفات بليل ولأنه لم يدرك جزءا من النهار فأشبه من منزله دون الميقات إذا أحرم منه فصل وقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر لا نعلم خلافا بين أهل العلم في أن آخر الوقت طلوع فجر يوم النحر قال جابر لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع قال أبو الزبير فقلت له أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك قال نعم رواه الأثرم وأما أوله فمن طلوع الفجر يوم عرفة فمن أدرك عرفة في شيء من هذا الوقت وهو عاقل فقد تم حجه وقال مالك والشافعي أول وقته زوال الشمس من يوم عرفة واختاره أبو حفص العكبري وحمل عليه كلام الخرقي وحكى ابن عبد البر ذلك إجماعا وظاهر كلام الخرقي ما قلناه فإنه قال ولو وقف بعرفة نهارا ودفع قبل الإمام فعليه دم
ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه ولأنه من يوم عرفة فكان وقتا للوقوف كبعد الزوال وترك الوقوف لا يمنع كونه وقتا للوقوف كبعد العشاء وإنما وقفوا في وقت الفضيلة ولم يستوعبوا جميع وقت الوقوف فصل وكيفما حصل بعرفة وهو عاقل أجزأه قائما أو جالسا أو راكبا أو نائما وإن مر بها مجتازا فلم يعلم أنها عرفة أجزأه أيضا وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وقال أبو ثور لا يجزئه لأنه لا يكون واقفا إلا بإرادة ولنا عموم قوله صلى الله عليه وسلم وقد أتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا ولأنه حصل بعرفة في زمن الوقوف وهو عاقل فأجزأه كما لو علم وإن وقف وهو مغمى عليه أو مجنون ولم يفق حتى خرج منها لم يجزئه وهو قول الحسن والشافعي وأبي ثور وإسحاق وابن المنذر وقال عطاء المغمى عليه يجزئه وهو قول مالك وأصحاب الرأي وقد توقف أحمد رحمه الله في هذه المسألة وقال الحسن يقول بطل حجه وعطاء يرخص فيه وذلك لأنه لا يعتبر له نية ولا طهارة ويصح من النائم فصح من المغمى عليه كالمبيت بمزدلفة ومن نصر الأول قال ركنا من أركان الحج فلم يصح من المغمى عليه كسائر أركانه قال ابن عقيل والسكران كالمغمى عليه لأنه زائل العقل بغير نوم فأشبه المغمى عليه وأما النائم فيجزئه الوقوف لأنه في حكم المستيقظ فصل ولا يشترط للوقوف طهارة ولا ستارة ولا استقبال ولا نية ولا نعلم في ذلك خلافا قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن من وقف بعرفة غير طاهر مدرك للحج ولا شيء عليه وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة افعلي ما يفعله الحاج غير الطواف بالبيت دليل على أن الوقوف بعرفة على غير طهارة جائز ووقفت عائشة رضي الله عنها بها حائضا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ويستحب أن يكون طاهرا قال أحمد يستحب له أن يشهد المناسك كلها على وضوء كان عطاء يقول لا يقضي شيئا من المناسك إلا على وضوء مسألة قال ( فإذا دفع الإمام دفع معه إلى مزدلفة ) الإمام ها هنا الوالي الذي إليه أمر الحج من قبل الإمام ولا ينبغي للناس أن يدفعوا حتى يدفع قال أحمد ما يعجبني أن يدفع إلا مع الإمام وسئل عن رجل دفع قبل الإمام بعد غروب الشمس فقال ما وجدت عن أحد أنه سهل فيه كلهم يشدد فيه والمستحب أن يقف حتى يدفع الإمام ثم يسير نحو المزدلفة على سكينة ووقار لقول النبي صلى الله عليه وسلم حين دفع وقد شنق لناقته القصواء بالزمام حتى أن رأسها ليصيب مورك رحله ويقول بيده اليمنى أيها الناس السكينة السكينة هذا في حديث جابر وروي عن ابن عباس أنه دفع مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة فسمع النبي صلى الله عليه وسلم ورأى زجرا شديدا وضربا للإبل فأشار بصوته إليهم وقال أيها الناس عليكم السكينة فإن البرليس بإيضاع الإبل روا البخاري وقال عروة سئل أسامة وأنا جالس كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في حجة الوداع قال كان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص قال هشام بن عروة والنص فوق العنق متفق عليه مسألة قال ( ويكبر في الطريق ويذكر الله تعالى ) ذكر الله تعالى يستحب في الأوقات كلها وهو في هذا الوقت أشد تأكيدا لقول الله تعالى فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم البقرة 891 ولأنه زمن الاستشعار بطاعة الله تعالى والتلبس بعبادته والسعي إلى شعائره وتستحب التلبية وذكر قوم أنه لا يلبي ولنا ما روى الفضل بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمى الجمرة متفق عليه وعن عبد الرحمن بن يزيد قال شهدت ابن مسعود يوم عرفة وهو يلبي فقال له رجل كلمة
فسمعته زاد في تلبيته شيئا لم أسمعه قبل ذلك قالها لبيك عدد التراب ويستحب أن يمضي على طريق المأزمين لأنه يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم سلكها وإن سلك الطريق الأخرى جاز مسألة قال ( ثم يصلي مع الإمام المغرب وعشاء الآخرة بإقامة لكل صلاة فإن جمع بينهما بإقامة واحدة فلا بأس ) وجملة ذلك أن السنة لمن دفع من عرفة أن لا يصلي المغرب حتى يصل مزلفة فيجمع بين المغرب والعشاء لا خلاف في هذا قال ابن المنذر أجمع أهل العلم لا اختلاف بينهم أن السنة أن يجمع الحاج بين المغرب والعشاء والأصل في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بينهما رواه جابر وابن عمر وأسامة بن أيوب وغيرهم وأحاديثهم صحاح ويقيم لكل صلاة إقامة لما روى أسامة بن زيد قال دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل فبال ثم توضأ فقلت له الصلاة يا رسول الله قال الصلاة أمامك فركب فلما جاء مزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثم أقيمت الصلاة فصلى ولم يصل بينهما متفق عليه وروي هذا القول عن ابن عمر وبه قال سالم والقاسم بن محمد والشافعي وإسحاق وإن جمع بينهما بإقامة الأولى فلا بأس يروى ذلك عن ابن عمر أيضا وبه قال الثوري لما روى ابن عمر قال جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء بجمع صلى المغرب ثلاثا والعشاء ركعتين بإقامة واحدة رواه مسلم وإن أذن للأولى وأقام ثم أقام للثانية فحسن فإنه يروى في حديث جابر وهو متضمن للزيادة وهو معتبر بسائر الفوائت والمجموعات وهو قول ابن المنذر وأبي ثور والذي اختار الخرقي إقامة لكل صلاة من غير أذان قال ابن المنذر وهو آخر قولي أحمد لأنه رواية أسامة وهو أعلم بحال النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان رديفه وقد اتفق هو وجابر في حديثهما على إقامة لكل صلاة واتفق أسامة وابن عمر على الصلاة بغير أذان مع أن حديث ابن عمر المتفق عليه قال بإقامة قال وإنما لم يؤذن للأولى ها هنا لأنها في غير وقتها بخلاف المجموعتين بعرفة وقال مالك يجمع بينهما بأذان وإقامتين وروي ذلك عن عمر وابن عمر وابن مسعود واتباع السنة أولى قال ابن عبد البر لا أعلم فيما قاله مالك حديثا مرفوعا بوجه من الوجوه وقال قوم إنما أمر عمر بالتأذين للثانية لأن الناس كانوا قد تفرقوا لعشائهم فأذن لجمعهم وكذلك ابن مسعود فإنه يجعل العشاء بالمزدلفة بين الصلاتين مسألة قال ( وإن فاته مع الإمام صلى وحده ) معناه أنه يجمع منفردا كما يجمع مع الإمام ولا خلاف في هذا لأن الثانية منهما تصلى في وقتها بخلاف العصر مع الظهر وكذلك إن فرق بينهما لم يبطل الجمع كذلك ولما روى أسامة قال ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثم أقيمت العشاء فصلاها وروى البخاري عن عبد الرحمن بن يزيد قال حج عبد الله فأتينا إلى مزدلفة حين الأذان بالعتمة أو قريبا من ذلك فأمر رجلا فأذن وأقام ثم صلى المغرب ثم صلى بعدها ركعتين ثم دعا بعشائه ثم أمر أرى فأذن وأقام ثم صلى العشاء ثم قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله ولأن الجمع متى كان في وقت الثانية لم يضر التفريق شيئا فصل والسنة التعجيل بالصلاتين وأن يصلي قبل حط الرحال لما ذكرنا من حديث أسامة وفي بعض ألفاظه أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام للمغرب ثم أناخ الناس في منازلهم ولم يحلوا حتى أقام العشاء الآخرة فصلى ثم حلوا رواه مسلم والسنة أن لا تطوع بينهما قال ابن المنذر ولا أعلمهم يختلفون في ذلك وقد روي عن ابن مسعود أنه تطوع بينهما ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم
ولنا حديث أسامة وابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل بينهما وحديثهما أصح وقد قدم في ترك التفريق بينهما فصل فإن صلى المغرب قبل أن يأتي مزدلفة ولم يجمع خالف السنة وصحت صلاته وبه قال عطاء وعروة والقاسم بن محمد وسعيد بن جبير ومالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأبو يوسف وابن المنذر وقال أبو حنيفة والثوري لا يجزئه لأن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الصلاتين فكان نسكا وقد قال خذوا عني مناسككم ولنا إن كل صلاتين جاز الجمع بينهما جاز التفريق بينهما كالظهر والعصر بعرفة وفعل النبي صلى الله عليه وسلم محمول على الأولى والأفضل ولئلا ينقطع سيره ويبطل ما ذكروه بالجمع بعرفة مسألة قال ( فإذا صلى الفجر وقف عند المشعر الحرام فدعا ) يعني أن يبيت بمزدلفة حتى يطلع الفجر فيصلي الصبح والسنة أن يعجلها في أول وقتها ليتسع وقت الوقوف عند المشعر الحرام وفي حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصبح حين تبين الصبح وفي حديث ابن مسعود أنه صلى الفجر حين طلع الفجر وقائل يقول قد طلع الفجر وقائل يقول لم يطلع ثم قال آخر الحديث رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعله رواه البخاري نحو هذا ثم إذا صلى الفجر وقف عند المشعر الحرام وهو قزح فيرقى عليه إن أمكنه وإلا وقف عنده فذكر الله تعالى ودعا واجتهد قال الله تعالى فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام وفي حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى المشعر الحرام فرقي عليه فدعاء الله وهلله وكبره ووحده ويستحب أن يكون من دعائه اللهم كما وقفتنا فيه وأريتنا إياه فوفقنا لذكرك كما هديتنا واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك وقول الحق فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ويقف حتى يسفر جدا لما في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل واقفا حتى أسفر جدا فصل وللمزدلفة ثلاثة أسماء مزدلفة وجمع والمشعر الحرام وحدها من مأزمي عرفة إلى قرن محسر وما على يمين ذلك وشماله من الشعاب ففي أي موضع وقف منها أجزأه لقول النبي صلى الله عليه وسلم المزدلفة موقف رواه أبو داود وابن ماجة وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال وقفت ها هنا بجمع وجمع كلها موقف وليس وادي محسر من مزدلفة لقوله وارفعوا عن بطن محسر فصل والمبيت بمزدلفة واجب من تركه فعليه دم هذا قول عطاء والزهري وقتادة والثوري والشافعي وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي وقال علقمة والنخعي والشعبي من فاته جمع فاته الحج لقول الله تعالى فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام وقول النبي صلى الله عليه وسلم من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم الحج عرفة فمن جاء قبل ليلة جمع فقد تم حجه يعني من جاء عرفة وما احتجوا به من الآية والخبر فالمنطوق فيهما ليس بركن في الحج إجماعا فإنه لو بات بجمع ولم يذكر الله تعالى ولم يشهد الصلاة فيها صح حجه فما هو من ضرورة ذلك أولى ولأن المبيت ليس من ضرورة ذكر الله تعالى بها وكذلك شهود صلاة الفجر فإنه لو أفاض من عرفة في آخر ليلة النحر أمكنه ذلك فيتعين حمل ذلك على مجرد الإيجاب أو الفضيلة أو الاستحباب فصل ومن بات بمزدلفة لم يجز له الدفع قبل نصف الليل فإن دفع بعده فلا شيء عليه وبهذا قال الشافعي وقال مالك إن مر بها ولم ينزل فعليه دم فإن نزل فلا دم عليه متى ما دفع
ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم بات بها وقال خذوا عني مناسككم وإنما أبيح الدفع بعد نصف الليل بما ورد من الرخصة فيه فروى ابن عباس قال كنت فيمن قدم النبي صلى الله عليه وسلم في ضعفة أهله من مزدلفة إلى منى وعن أسماء أنها نزلت ليلة جمع عند دار المزدلفة فقامت تصلي فصلت ثم قالت هل غاب القمر قلت نعم قالت فارتحلوا فارتحلنا ومضينا حتى رمت الجمرة ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها قلت لها أي هنتاه ما أرانا إلا غلسنا قالت كلا يا بني إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن للظغن متفق عليهما وعن عائشة قالت أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت رواه أبو داود فمن دفع من جمع قبل نصف الليل ولم يعد في الليل فعليه دم فإن عاد فيه فلا دم عليه كالذي دفع من عرفة نهارا ومن لم يوافق مزدلفة إلا في النصف الأخير من الليل فلا شيء عليه لأنه لم يدرك جزءا من النصف الأول فلم يتعلق به حكمه كمن أدرك الليل بعرفات دون النهار والمستحب الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في المبيت إلى أن يصبح ثم يقف حتى يسفر ولا بأس بتقديم الضعفة والنساء وممن كان يقدم ضعفة أهله عبد الرحمن بن عوف وعائشة وبه قال عطاء والثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه مخالفا ولأن فيه رفقا بهم ودفعا لمشقة الزحام عنهم وافتداء بفعل نبيهم صلى الله عليه وسلم مسألة قال ( ثم يدفع قبل طلوع الشمس ) لا نعلم خلافا في أن السنة الدفع قبل طلوع الشمس وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله قال عمر إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس ويقولون أشرف ثبير كيما نغير وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خالفهم فأفاض قبل أن تطلع الشمس رواه البخاري والسنة أن يقف حتى يسفر جدا وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي وكان مالك يرى الدفع قبل الإسفار ولنا ما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل واقفا حتى أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس وعن نافع أن ابن الزبير أخر في الوقت حتى كادت الشمس تطلع فقال ابن عمر إني أراه يريد أن يصنع كما صنع أهل الجاهلية فدفع ودفع الناس معه وكان ابن مسعود يدفع كانصراف القوم المسفرين من صلاة الغداة وانصرف ابن عمر حين أسفر وأبصرت الإبل موضع أخفافها ويستحب أن يسير وعليه السكينة كما ذكرناه في سيره من عرفات قال ابن عباس ثم أردف النبي صلى الله عليه وسلم الفضل بن عباس وقال أيها الناس إن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل فعليكم بالسكينة فما رأيتها رافعة يديها حتى أتى منى مسألة قال ( فإذا بلغ محسرا أسرع ولم يقف حتى يأتي منى وهو مع ذلك ملبيا ) يستحب الإسراع في وادي محسر وهو ما بين جمع ومنى فإن كان ماشيا أسرع وإن كان راكبا حرك دابته لأن جابرا قال في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما أتى بطن محسر حرك قليلا ويرى أن عمر رضي الله عنه لما أتى محسر أسرع وقال إليك تعدو قلقا وضينها مخالفا دين النصارى دين دينها معترضا في بطنها جنينها وذلك قدر رمية بحجر ويكون ملبيا في طريقه فإن الفضل بن عباس كان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة متفق عليه وفي لفظ عنه قال شهدت الإفاضتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه السكينة وهو كاف بعير ولبى حتى رمى جمرة العقبة وعن الأسود قال أفاض عمر عشية عرفه وهو يلبي بثلاث لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك ولأن التلبية من شعار الحج فلا يقطع إلا بالشروع في الإحلال وأوله رمي جمرة العقبة
مسألة قال ( ويأخذ حصى الجمار من طريقه أو من مزدلفة ) إنما استحب ذلك لئلا يشتغل عند قدومه بشيء قبل الرمي فإن الرمية تحية له كما أن الطواف تحية المسجد فلا يبدأ بشيء قبله وكان ابن عمر يأخذ الحصى من جمع وفعله سعيد بن جبير وقال كانوا يتزودون الحصى من جمع واستحبه الشافعي وعن أحمد قال خذ الحصى من حيث شئت وهو قول عطاء وابن المنذر وهو أصح إن شاء الله تعالى لأن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة وهو على ناقته القط لي حصى فلقطت له سبع حصيات من حصى الخذف فجعل يقبضهن في كفه ويقول أمثال هؤلاء فارموا ثم قال أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين رواه ابن ماجة وكان ذلك بمنى ولا خلاف في أنه يجزئه أخذه من حيث كان والتقاط الحصى أولى من تكسيره لهذا الخبر ولأنه لا يؤمن في التكسير أن يطير إلى وجهه شيء يؤذيه ويستحب أن تكون الحصيات كحصى الخذف لهذا الخبر ولقول جابر في حديثه كل حصاة منها مثل حصى الخذف وروى سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أمه قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أيها الناس إذا رأيتم الجمرة فارموا بمثل حصى الخذف رواه أبو داود قال الأثرم يكون أكبر من الحمص ودون البندق وكان ابن عمر يرمي بمثل بعر الغنم فإن رمى بحجر كبير فقد روي عن أحمد أنه قال لا يجزئه حتى يأتي بالحصى على ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بهذا القدر ونهى عن تجاوزه والأمر يقتضي الوجوب والنهي يقتضي فساد المنهي عنه ولأن الرمي بالكبير ربما آذى من يصيبه وقال بعض أصحابنا يجزئه مع تركه للسنة لأنه قد رمى بالحجر وكذلك الحكم في الصغير فصل ويجزىء الرمي بكل ما يسمى حصى وهي الحجارة الصغار سواء كان أسود أو أبيض أو أحمر من المرمر أو البرام أو المرو وهو الصوان أو الرخام أو الكذان أو حجر المسن وهو قول مالك والشافعي وقال القاضي لا يجزىء الرخام ولا البرام والكذان ويقتضي قوله أن لا يجزىء المرو ولا حجر المسن وقال أبو حنيفة يجوز بالطين والمدر وما كان من جنس الأرض ونحوه قال الثوري وروي عن سكينة بنت الحسين أنها رمت الجمرة ورجل يناولها الحصى تكبر مع كل حصاة وسقطت حصاة فرمت بخاتمها ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم رمى بالحصى وأمر بالرمي مثل حصى الخذف فلا يتناول غير الحصى ويتناول جميع أنواعه فلا يجوز تخصيصه بغير دليل ولا إلحاق غيره به لأنه موضع لا يدخل القياس فيه فصل إن رمى بحجر أخذ من المرمى لم يجزه وقال الشافعي يجزه لأنه حصى فيدخل في العموم ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ من غير المرمى وقال خذوا عني مناسككم ولأنه لو جاز الرمي بما رمى به لما احتاج أحد إلى أخذ الحصى من غير مكانه ولا تكسيره والإجماع على خلافه ولأن ابن عباس قال ما يقبل منها يرفع وإن رمى بخاتم فضة حجرا لم يجزه في أحد الوجهين لأنه تبع والرمي بالمتبوع لا التابع مسألة قال ( والاستحباب أن يغسله ) اختلف عن أحمد في ذلك فروي عنه أنه مستحب لأنه روي عن ابن عمر أنه غسله وكان طاوس يفعله وكان ابن عمر يتحرى سنة النبي صلى الله عليه وسلم وعن أحمد أنه لا يستحب وقال لم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله وهذا الصحيح وهو قول عطاء ومالك وكثير من أهل العلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما لقطت له الحصيات وهو راكب على بعيره يقبضهن في يده لم يغسلهن ولا أمر بغسلهن ولا فيه معنى يقتضيه فإن رمى بحجر نجس أجزأه لأنه حصاة ويحتمل أن لا يجزئه لأنه يؤدي به العبادة فاعتبرت طهارته كحجر الاستجمار وتراب التيمم وإن غسله ورمى به أجزأه وجها واحدا
وعد الحصى سبعون حصاة يرمي منها بسبع يوم النحر وسائرها في أيام منى والله أعلم مسألة قال ( فإذا وصل منى رمى جمرة بسبع حصيات يكبر في أثر كل حصاة ولا يقف عندها ) حد منى ما بين جمرة العقبة ووادي محسر كذلك قال عطاء والشافعي وليس محسر والعقبة من منى ويستحب سلوك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى فإن النبي صلى الله عليه وسلم سلكها كذا في حديث جابر فإذا وصل منى بدأ بجمرة العقبة وهي آخر الجمرات مما يلي منى وأولها مما يلي مكة وهي عند العقبة وكذلك سميت جمرة العقبة فيرميها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ويستبطن الوادي ويستقبل القبلة ثم ينصرف ولا يقف وهذا بجملته قول من علمنا قوله من أهل العلم وإن رماها من فوقها جاز لأن عمر رضي الله عنه جاء والزحام عند الجمرة فرماها من فوقها والأول أفضل لما روى عبد الرحمن بن يزيد أنه مشى مع عبد الله وهو يرمي الجمرة فلما كان في بطن الوادي أعرضها فرماها فقيل له إن ناسا يرمونها من فوقها فقال من هاهنا والذي لا إله إلا هو رأيت الذي أنزلت عليه سورة البقرة رماها متفق عليه وفي لفظ لما أتى عبد الله جمرة العقبة استبطن الوادي واستقبل القبلة وجعل يرمي الجمرة على حاجبه الأيمن ثم رمى بسبع حصيات ثم قال والله الذي لا إله غيره من ها هنا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة قال الترمذي وهذا حديث صحيح والعمل عليه عند أكثر أهلم العلم ولا يسن الوقوف عندها لأن ابن عمر وابن عباس رويا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رمى جمرة العقبة انصرف ولم يقف رواه ابن ماجة ويكبر مع كل حصاة لأن جابرا قال فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة وإن قال اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا وعملا مشكورا فحسن فإن ابن مسعود وابن عمر كانا يقولان نحو ذلك وروى حنبل في المناسك بإسناده عن زيد بن أسلم قال رأيت سالم بن عبد الله استبطن الوادي ورمى الجمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة الله أكبر الله أكبر ثم قال اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا وعملا مشكورا فسألته عما صنع فقال حدثني أبي أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة من هذا المكان ويقول كلما رمى حصاة مثل ما قلت قال إبراهيم النخعي كانوا يحبون ذلك فصل ويرميها راكبا أو راجلا كيفما شاء لأن النبي صلى الله عليه وسلم رماها على راحلته رواه جابر وابن عمر وأم أبي الأحوص وغيرهم قال جابر رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي على راحتله يوم النحر ويقول لتأخذوا عني مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه رواه مسلم وقال نافع كان ابن عمر يرمي جمرة العقبة على دابته يوم النحر وكان لا يأتي سائرها بعد ذلك إلا ماشيا ذاهبا وراجعا وزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يأتيها إلا ماشيا ذاهبا وراجعا رواه أحمد في المسند وفي هذا بيان للتفريق بين هذه الجمرة وغيرها ولأن رمي هذا الجمرة مما يستحب البداية به في هذا اليوم عند قدومه ولا يسن عندها وقوف ولو سن له المشي إليها اشغله النزول عن البداية بها والتعجيل إليها بخلاف سائرها فصل ولرمي هذه الجمرة وقتان وقت فضيلة ووقت إجزاء فأما وقت الفضيلة فبعد طلوع الشمس قال ابن عبد البر أجمع علماء المسلمين على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما رماها ضحى ذلك اليوم وقال جابر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة ضحى يوم النحر وحده ورمى بعد ذلك بعد زوال الشمس أخرجه مسلم وقال ابن عباس قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أغيلمة بني عبد المطلب على أحمرات لنا مع جمع فجعل يلطخ أفخاذنا ويقول أبني عبد المطلب لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس رواه ابن ماجة وكان رميها بعد طلوع الشمس يجزىء بالإجماع وكان أولى
وأما وقت الجواز فأوله نصف الليل من ليلة النحر وبذلك قال عطاء وابن أبي ليلى وعكرمة بن خالد والشافعي وأحمد أن يجزىء بعد الفجر قبل طلوع الشمس وهو قول مالك وأصحاب الرأي وإسحاق وابن المنذر وقال مجاهد والثوري و النخعي لا يرميها إلا بعد طلوع الشمس لما روينا من الحديث ولنا ما روى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أم سلمة ليلة النحر فرمت جمرة العقبة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت وروي أنه أمرها أن تعجل الإفاضة وتوافي مكة بعد صلاة الصبح واحتج به أحمد وقد ذكرنا في حديث أسماء أنها رمت ثم رجعت فصلت الصبح وذكرت أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن للظعن ولأنه وقت للدفع من مزدلفة وكان وقتا للرمي كبعد طلوع الشمس للأخبار المتقدمة محمولة على الاستحباب وإن أخر الرمي إلى آخر النهار جاز قال ابن عبد البر أجمع أهل العلم على أن من رماها يوم النحر قبل المغيب فقد رماها في وقت لها وإن لم يكن ذلك مستحبا لها وروى ابن عباس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل يوم النحر بمنى قال رجل رميت بعد ما أمسيت فقال لا حرج رواه البخاري فإن أخرها إلى الليل لم يرمها حتى تزول الشمس من الغد وبهذا قال أبو حنيفة وإسحاق وقال الشافعي ومحمد بن المنذر ويعقوب يرمي ليلا لقول النبي صلى الله عليه وسلم ارم ولا حرج ولنا إن ابن عمر قال من فاته الرمي حتى تغيب الشمس فلا يرم حتى تزول الشمس من الغد وقول النبي صلى الله عليه وسلم ارم ولا حرج إنما كان في النهار لأنه سأله في يوم النحر ولا يكون اليوم إلا قبل مغيب الشمس وقال مالك يرمي ليلا وعليه دم ومرة قال لا دم عليه فصل ولا يجزئه الرمي إلا أن يقع الحصى في المرمى فإن وقع دونه لم يجزئه في قولهم جميعا لأنه مأمور بالرمي ولم يرم وإن طرحها أجزأه لأنه يسمى رميا وهذا قول أصحاب الرأي وقال ابن القاسم لا يجزئه وإن رمى حصاة فوقعت في غير المرمى فأطارت حصاة أخرى فوقعت في المرمى لم يجزه لأن التي رماها لم تقع في المرمى وإن رمى حصاة فالتقمها طائر قبل وصولها لم يجزه لأنها لم تقع في المرمى وإن وقعت على موضع صلب في غير المرمى ثم تدحرجت على المرمى أو على ثوب إنسان ثم طارت فوقعت في المرمى أجزأته لأن حصوله بفعله وإن نفضها ذلك الإنسان عن ثوبه فوقعت في المرمى فعن أحمد رحمه الله أنها تجزئه لأنه انفرد برميها وقال ابن عقيل لا يجزئه لأن حصولها في المرمى بفعل الثاني فأشبه ما لو أخذها بيده فرمى بها وإن رمى حصاة فشك هل وقعت في المرمى أو لا لم يجزئه لأن الأصل بقاء المرمي في ذمته فلا يزول بالشك وإن كان الظاهر أنها وقعت فيه أجزأته لأن الظاهر دليل وإن رمى الحصاة دفعة واحدة لم يجزه إلا عن واحدة نص عليه أحمد وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي وقال عطاء يجزئه ويكبر لكل حصاة ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم رمى سبع رميات وقال خذوا عني مناسككم قال بعض أصحابنا ويستحب أن يرفع يديه في الرمي حتى يرى بياض إبطه مسألة قال ( ويقطع التلبية عند ابتداء الرمي ) وممن قال يلبي حتى يرمي الجمرة ابن مسعود وابن عباس وميمونة وبه قال عطاء وطاوس وسعيد بن جبير والنخعي والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وروى عن سعد بن أبي وقاص وعائشة يقطع التلبية إذا راح إلى الموقف وعن علي وأم سلمة أنهما كانا يلبيان حتى تزول الشمس يوم عرفة وهذا قريب من قول سعيد وعائشة وكان الحسن يقول يلبي حتى يصلي الغداة يوم عرفة وقال مالك يقطع التلبية إذا راح إلى المسجد ولنا إن الفضل بن عباس روى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة وكان رديفه يومئذ وهو أعلم بحاله من غيره
وقول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله مقدم على كل من خالفه واستحب قطع التلبية عند أول حصاة رواه حنبل في المناسك وهذا بيان يتعين الأخذ به وفي رواية من روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر مع كل حصاة دليل على أنه لم يكن يلبي ولأنه يتحلل بالرمي فإذا شرع فيه قطع التلبية كالمعتمر يقطع التلبية بالشروع في الطواف مسألة قال ( ثم ينحر إن كان معه هدي ) وجملة ذلك أنه إذا فرغ من رمي الجمرة يوم النحر لم يقف وانصرف فأول شيء يبدأ به نحر الهدي إن كان معه هدي واجبا أو تطوعا فإن لم يكن معه هدي وعليه هدي واجب اشتراه وإن لم يكن عليه واجب فأحب أن يضحي اشترى ما يضحي به وينحر الإبل ويذبح ما سواها والمستحب أن يتولى ذلك بيده وإن استناب غيره جاز هذا قول مالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي وذلك لما روى جابر في صفة الحج النبي صلى الله عليه وسلم أنه رمى من بطن الوادي ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثا وستين بدنة ثم أعطى عليا فنحر ما غبر وأشركه في هديه وقال أنس نحر النبي صلى الله عليه وسلم بيده سبع بدنات قياما رواه البخاري فصل والسنة نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى فيضربها بالحرية في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر ممن استحب ذلك مالك والشافعي وإسحاق وابن المنذر واستحب عطاء نحرها باركة وجوز الثوري وأصحاب الرأي كل ذلك ولنا ما روى دينار بن جبير قال رأيت ابن عمر أتى على رجل أناخ بدنته لينحرها فقال ابعثها قياما مقيدة سنة محمد صلى الله عليه وسلم متفق عليه وروى أبو داود بإسناده عن عبد الرحمن بن سابط أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها وفي قول الله تعالى فإذا وجبت جنوبها دليل على أنها تنحر قائمة ويروى في تفسير قوله تعالى فاذكروا اسم الله عليها صواف أي قياما وتجزئه كيفما نحر قال أحمد ينحر البدن معقولة على ثلاث قوائم وإن خشي عليها أن تنفر أناخها فصل ويستحب توجيه الذبيحة إلى القبلة ويقول بسم الله والله أكبر وإن قال ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فحسن قال ابن المنذر ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ذبح يقول بسم الله والله أكبر وكذلك يقول ابن عمر وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم ذبح يوم العيد كبشين ثم قال حين وجههما وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين بسم الله والله أكبر اللهم هذا منك ولك عن محمد وأمته رواه أبو داود وإن اقتصر على التسمية ووجه الذبيحة إلى غير القبلة ترك الأفضل وأجزأه هذا قول القاسم بن محمد والنخعي والثوري والشافعي وابن المنذر وكان ابن عمر وابن سيرين يكرهان الأكل من الذبيحة توجه لغير القبلة والصحيح أن ذلك غير واجب ولم يقم على وجوبه دليل فصل وقت نحر الأضحية والهدي ثلاثة أيام يوم النحر ويومان بعده نص عليه أحمد وقال هو غن غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه الأثرم عن ابن عمر وابن عباس وبه قال مالك والثوري ويروى عن علي رضي الله أنه قال النحر يوم الأضحى وثلاثة أيام بعده وبه قال الحسن وعطاء والأوزاعي والشافعي وابن المنذر وقال ابن سيرين يوم واحد وعن سعيد بن جبير وجابر بن زيد في الأمصار يوم واحد وبمنى ثلاثة ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الأكل من النسك فوق ثلاث وغير جائز أن يكون الذبح مشروعا في وقت يحرم فيه الأكل ثم نسخ تحريم الأكل وبقي وقت الذبح بحاله ولأن اليوم الرابع لا يجب فيه الرمي فلم يجز فيه الذبح كالذي بعده
فأما الليالي المتخللة لأيام النحر فظاهر كلام الخرقي أنه لا يجزىء فيها ذبح الهدي والأضيحة لأن الله تعالى قال ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فذكروا الأيام دون الليالي وقال غيره من أصحابنا يجوز ليلتي يومي التشريق الأولتين وهو قول أكثر الفقهاء لأن هاتين الليلتين داخلتان في مدة الذبح فجاز الذبح فيهما كالأيام فصل وإذا نحر الهدي فرقه على المساكين من أهل الحرم وهو من كان في الحرم فإن أطلقها لهم جاز كما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر خمس بدنات ثم قال من شاء فليقتطع رواه أبو داود وإن قسمها فهو أحسن وأفضل ولا يعطي الجازر بأجرته شيئا منها لما روي عن علي رضي الله عنه أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنه وأن أقسم بدنه كلها جلودها وجلالها وأن لا أعطي الجازر منها شيئا وقال نحن نعطيه من عندنا متفق على معناه ولأنه بقسمها يكون على يقين من إفضالها إلى مستحقها ويكفي المساكين مؤنة النهب والزحام عليها وإنما لم يعط الجازر بأجرته منها لأنه ذبحها فعوضه عليه دون المساكين ولأن دفع جزء منها عوضا عن الجزارة كبيعه ولا يجوز بيع شيء منها وإن كان الجازر فقيرا فأعطاه لفقره سوى ما يعطيه أجره جاز لأنه مستحق الأخذ منها لفقره لا لأجره فجاز كغيره ويقسم جلودها وجلالها كما جاء في الخبر لأنه ساقها الله على تلك الصفة فلا يأخذ شيئا مما جعله لله وقال بعض أصحابنا لا يلزمه إعطاء جلالها لأنه إنما أهدى الحيوان دون ما عليه فصل والسنة النحر بمنى لأن النبي صلى الله عليه وسلم نحر بها وحيث نحر من الحرم أجزأه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم كل منى منحر وكل فجاج مكة منحر وطريق ورواه داود فصل وليس من شرط الهدي أن يجمع فيه بين الحل والحرم ولا أن يقفه بعرفة لكي يستحب ذلك روي هذا عن ابن عباس وبه قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وكان ابن عمر لا يرى الهدي إلا ما عرف به ونحوه عن سعيد بن جبير وقال مالك أحب للقارن أن يسوق هديه من حيث يحرم فإن ابتاعه من دون ذلك مما يلي مكة بعد أن يقفه بعرفة جاز وقال في هدي المجامع إن لم يكن ساقه فليشتره من مكة ثم ليخرجه إلى الحل وليسقه إلى مكة ولنا إن المراد من الهدي نحره ونفع المساكين بلحمه بهذا لا يقف على شيء مما ذكروه ولم يرد بما قالوه دليل يوجبه فيبقى على أصله مسألة قال ( ويحلق أو يقصر ) وجملة ذلك أنه إذا نحر هديه فإنه يحلق رأسه أو يقصر منه لأن النبي صلى الله عليه وسلم حلق رأسه فروى أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة يوم النحر ثم رجع إلى منزله بمنى فدعا فذبح ثم دعا بالحلاق فأخذ يشق رأسه الأيمن فحلقه فجعل يقسم بين من يليه الشعرة والشعرتين ثم أخذ بشق رأسه الأيسر فحلقه ثم قال ها هنا أبو طلحة فدفعه إلى أبي طلحة رواه أبو داود والسنة أن يبدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر لهذا الخبر ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه التيامن في شأنه كله فإن لم يفعل أجزأه لا نعلم فيه خلافا وهو مخير بين الحلق والتقصير أيهما فعل أجزأه في قول أكثر أهل العلم قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن التقصير يجزىء يعني في حق من لم يوجد منه معنى يقتضي وجوب الحلق عليه إلا أنه يروى عن الحسن أنه كان يوجب الحلق في أول حجة حجها ولا يصح هذا لأن الله تعالى قال محلقين رؤوسكم ومقصرين ولم يفرق النبي صلى الله عليه وسلم قال رحم الله المحلقين والمقصرين وقد كان مع النبي صلى الله عليه وسلم من قصر فلم يعب عليه ولو لم يكن مجزيا لأنكر عليه والحلق أفضل
لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال رحم الله المحلقين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال رحم الله المحلقين قالوا والمقصرين يا رسول الله قال رحم الله المحلقين والمقصرين رواه مسلم ولأن النبي صلى الله عليه وسلم حلق واختلف أهل العلم فيمن لبد أو عقص أو ضفر فقال أحمد من فعل ذلك فليحلق وهو قول النخعي ومالك والشافعي وإسحاق وكان ابن عباس يقول من لبد أو ضفر أو عقد أو قتل أو عقص فهو على ما نوى يعني إن نوى الحلق فليحلق وإلا فلا يلزمه وقال أصحاب الرأي هو مخير على كل حال لأن ما ذكرناه يقتضي التخيير على العموم ولم يثبت في خلاف ذلك دليل واحتج من نصر القول الأول بأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من لبد فليحلق وثبت عن عمر وابنه أنهما أمرا من لبد رأسه أن يحلقه وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لبد رأسه وأنه حلقه والصحيح أنه مخير إلا أن يثبت الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم وقول عمر وابنه قد خالفهما فيه ابن عباس وفعل النبي صلى الله عليه وسلم له لا يدل على وجوبه بعدما بين لهم جواز الأمرين فصل والحلق والتقصير نسك في الحج والعمرة في ظاهر مذهب أحمد وقول الخرقي وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وعن أحمد أنه ليس بنسك وإنما هو إطلاق من محظور كان محرما عليه بالإحرام فأطلق فيه عند الحل كاللباس والطيب وسائر محظورات الإحرام فعلى هذه الرواية لا شيء على تاركه ويحصل الحل بدونه ووجهها أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالحل من العمرة قبله فروى أبو موسى قال قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي بم أهللت قلت لبيك بإهلال كإهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أحسنت فأمرني فطفت بالبيت وبين الصفا والمروة ثم قال لي أحل متفق عليه وعن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سعى بين الصفا والمروة قال من كان معه هدي فليحل وليجعلها عمرة رواه مسلم وعن سراقة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذ قدمتم فمن تطوف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حل إلا من كان معه هدي رواه أبو إسحاق الجوزجاني في المترجم ولأن ما كان محرما في الإحرام إذا أبيح كان إطلاقا من محظور كسائر محرماته والرواية الأولى أصح فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به فروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من لم يكن معه هدي فليطف بالبيت وبين الصفا والمروة وليقصر وليحلل وعن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أحلوا إحرامكم بطواف بالبيت والمروة وقصروا وأمره يقتضي الوجوب ولأن الله تعالى وصفهم به بقوله سبحانه محلقين رؤوسكم ومقصرين ولو لم يكن من المناسك لما وصفهم به كاللبس وقتل الصيد ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ترحم على المحلقين ثلاثا على المقصرين مرة ولو لم يكن من المناسك لما دخله التفضيل كالمباحات ولأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فعلوه في جميع حجهم وعمرهم ولم يخلوا به ولو لم يكن نسكا لما داوموا عليه بل لم يفعلوه لأنه لم يكن من عادتهم فيفعلوه عادة ولا فيه فضل فيفعلوه لفضله وأما أمره بالحل فإنما معناه والله أعلم الحل يفعله لأن ذلك كان مشهورا عندهم فاستغنى عن ذكره ولا يمتنع الحل من العبادة بما كان محرما فيها كالسلام من الصلاة فصل ويجوز تأخير الحلق والتقصير إلى آخر أيام النحر لأنه إذا جاز تأخير النحر المقدم عليه فتأخيره أولى فإن أخره عن ذلك ففيه روايتان إحداهما لا دم عليه وبه قال عطاء وأبو يوسف وأبو ثور ويشبه مذهب الشافعي لأن الله تعالى بين أول وقته بقوله ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ولم يتبين آخره
ولم يتبين آخره فمتى أتى به أجزأه كطواف الزيارة والسعي ولأنه نسك أجزأه إلى وقت جواز فعله فأشبه السعي وعن أحمد عليه بتأخيره وهو مذهب أبي حنيفة لأنه نسك أخره عن محله ومن ترك نسكا فعليه دم ولا فرق في التأخير بين القليل والكثير والعامد والساهي وقال مالك والثوري وإسحاق وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن من تركه حتى حل فعليه دم لأنه نسك فيأتي به في حرام الحج كسائر مناسكه ولنا ما تقدم فصل والأصلع الذي لا شعر على رأسه يستحب أن يمر الموسى على رأسه روى ذلك عن ابن عمر وبه قال مسروق وسعيد بن جبير والنخعي ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن الأصلع يمر الموسى على رأسه وليس ذلك واجبا وقال أبو حنيفة يجب لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم فهذا لو كان ذا شعر وجب عليه إزالته وإمرار الموسى على رأسه فإذا سقط أحدهما لتعذره وجب الآخر ولنا إن الحلق محله الشعر فسقط بعدمه كما يسقط وجوب غسل العضو في الوضوء بفقده ولأنه إمرار لو فعله في الإحرام لم يجب به دم فلم يجب عند التحلل كإمراره على الشعر من غير حلق فصل ويستحب لمن حلق أو قصر تقليم أظافره والأخذ من شاربه لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله قال ابن المنذر ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حلق رأسه قلم أظفاره وكان ابن عمر يأخذ من شاربه وأظفاره وكان عطاء وطاوس والشافعي يحبون لو أخذ من لحيته شيئا ويستحب إذا حلق أن يبلغ العظم الذي عند منقطع الصدغ من الوجه كان ابن عمر يقول للحالق ابلغ العظمين افصل الرأس من اللحية وكان عطاء يقول من السنة إذا حلق رأسه أن يبلغ العظمين مسألة قال ( ثم قد حل له كل شيء إلا النساء ) وجملة ذلك أن المحرم إذا رمى جمرة العقبة ثم حلق حل له كل ما كان محظورا بالإحرام إلا النساء هذا الصحيح من مذهب أحمد رحمه الله نص عليه في رواية جماعة فيبقى ما كان محرما عليه من النساء من الوطء والقبلة واللمس لشهوة وعقد النكاح ويحل له ما سواه هذا قول ابن الزبير وعائشة وعلقمة وسالم وطاوس والنخعي وعبد الله بن الحسين وخارجة بن زيد والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي وروي أيضا عن ابن عباس وعن أحمد أنه يحل له كل شيء إلا الوطء في الفرج لأنه أغلظ المحرمات ويفسد النسك بخلاف غيره وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحل له كل شيء إلا النساء والطيب وروي ذلك عن ابن عمر وعروة بن الزبير وعباد بن عبد الله بن الزبير لأنه من دواعي الوطء فأشبه القبلة وعن عروة أنه لا يلبس القميص ولا العمامة ولا يتطيب وروي في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا ولنا ما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء رواه سعيد وفي لفظ إذا رمى أحدكم جمرة العقبة وحلق رأسه فقد حل له كل شيء إلا النساء رواه الأثرم وأبو داود إلا أن أبا داود قال هو ضعيف رواه الحجاج عن الزهري ولم يلقه والذي أخرجه سعيد رواه الحجاج عن أبي بكر بن محمد عن عروة عن عائشة قالت طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرمه حين أحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت متفق عليه وعن سالم عن أبيه قال قال عمر بن الخطاب إذا رميتم الجمرة وذبحتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا الطيب والنساء فقالت عائشة رضي الله عنها أنا طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع رواه سعيد
وعن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم النحر إن هذا يوم رخص لكم إذا رميتم أن تحلوا يعني من كل ما حرمتم منه إلا النساء رواه أبو داود وعن عبد الله بن عباس أنه قال إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء فقال له رجل والطيب قال أما أنا فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضمخ رأسه بالمسك أفطيب ذلك أم لا وراه ابن ماجة وقال مالك لا يحل له النساء ولا الطيب ولا قتل الصيد لقول الله تعالى لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم وهذا حرام وقد ذكرنا ما يرد هذا القول ويمنع أنه محرم وإنما بقي بعض أحكام الإحرام فصل ظاهر كلام الخرقي ها هنا أن الحل إنما يحصل بالرمي والحلق معا وهو إحدى الروايتين عن أحمد وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي لقول النبي صلى الله عليه وسلم إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء وترتيب الحل عليهما دليل على حصوله بهما ولأنهما نسكان يتعقبهما الحل فكان حاصلا بهما كالطواف والسعي في العمرة وعن أحمد إذا رمى الجمرة فقد حل وإذا وطىء بعد جمرة العقبة فعليه دم ولم يذكر الحلق وهذا يدل على أن الحل بدون الحلق وهذا قول عطاء ومالك وأبي ثور وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لقوله في حديث أم سلمة إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء وكذلك قال ابن عباس قال بعض أصحابنا هذا يبني على الخلاف في الحلق هل هو نسك أو لا فإن قلنا نسك حصل الحل به وإلا فلا مسألة قال ( والمرأة تقصر من شعرها مقدار الأنملة ) الأنملة رأس الأصبع من المفصل الأعلى والمشروع للمرأة التقصير دون الحلق لا خلاف في ذلك قال ابن المنذر أجمع على هذا أهل العلم وذلك لأن الحلق في حقهن مثلة وقد روى ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس على نساء حلق إنما على النساء التقصير رواه داود وعن علي قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تحلق المرأة رأسها وكان أحمد يقول تقصر من كل قرن قدر الأنملة وهو قول ابن عمر والشافعي وإسحاق وأبي ثور وقال أبو داود سمعت أحمد سئل عن المرأة تقصر من كل رأسها قال نعم تجمع شعرها إلى مقدم رأسها ثم تأخذ من أطراف شعرها قدر أنملة والرجل الذي يقصر في ذلك كالمرأة وقد ذكرنا في ذلك خلافا فيم مضى مسألة قال ( ثم يزور البيت فيطوف به سعيا وهو الطواف الواجب الذي به تمام الحج ثم يصلي ركعتين إن كان مفردا أو قارنا ) وجملة ذلك أنه إذا رمى ونحر وحلق وأفاض إلى مكة طاف طواف الزيارة لأنه يأتي من منى فيزور البيت ولا يقيم بمكة بل يرجع إلى منى ويسمى طواف الإفاضة لأنه يأتي به عند إفاضته من منى إلى مكة وهو ركن للحج لا يتم إلا به لا نعلم فيه خلافا ولأن الله عز وجل قال وليطوفوا بالبيت العتيق قال ابن عبد البر هو من فرائض الحج لا خلاف في ذلك بين العلماء وفيه عند جميعهم قال الله تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق وعن عائشة قالت حججنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فأفضنا يوم النحر فحاضت صفية فأراد النبي صلى الله عليه وسلم منها ما يريد الرجل من أهله فقلت يا رسول الله إنها حائض قال أحابستنا هي قالوا يا رسول الله إنها قد أفاضت يوم النحر قال اخرجوا متفق عليه فدل على أن هذا الطواف لا بد منه وأنه حابس لمن لم يأت به ولأن الحج أحد النسكين فكان الطواف ركنا كالعمرة فصل ولهذا الطواف وقتان وقت فضيلة ووقت إجزاء فأما وقت الفضيلة فيوم النحر بعد الرمي والنحر والحلق