İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
فمع خشية الفوات أولى قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن لمن أهل بعمرة أن يدخل عليها الحج ما لم يفتتح الطواف بالبيت وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم من كان معه هدي في حجة الوداع أن يهل بالحج مع العمرة ومع إمكان الحج مع بقاء العمرة ولا يجوز رفضها لقول الله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله البقرة 196 ولأنها متمكنة من إتمام عمرتها بلا ضرر فلم يجز رفضها كغير الحائض فأما حديث عروة فإن قوله انقضي رأسك وامتشطي ودعي العمرة قد انفرد به عروة وخالف به سائر من روى عن عائشة حين حاضت وقد روي عن طاوس والقاسم والأسود وعمرة وعائشة ولم يذكروا ذلك وحديث جابر وطاوس مخالفان لهذه الزيادة وقد روى حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة حديث حيضها فقال فيه حدثني غير واحد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها دعي العمرة وانقضي رأسك وامتشطي وذكر تمام الحديث وهذا يدل على أن عروة لم يسمع هذه الزيادة عن عائشة وهو مع ما ذكرنا من مخالفته بقية الرواة يدل على الوهم مع مخالفتها الكتاب والأصول إذ ليس لنا موضع آخر يجوز فيه رفض العمرة مع إمكان إتمامها ويحتمل أن قوله دعي العمرة أي دعيها بحالها وأهلي بالحج معها أو دعي أفعال العمرة فإنها تدخل في أفعال الحج وأما إعمارها من التنعيم فلم يأمرها به النبي صلى الله عليه وسلم وإنما قالت له صلى الله عليه وسلم إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت قال فاذهب بها يا عبدالرحمن فأعمرها من التنعيم وروى الأثرم بإسناده عن الأسود عن عائشة قالت اعتمرت بعد الحج قالت والله ما كانت عمرة ما كانت إلا زيارة زرت البيت إنما هي مثل نفقتها قال أحمد أنما أعمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة حين ألحت عليه فقالت يرجع الناس بنسكين وأرجع بنسك فقال يا عبدالرحمن أعمرها فنظر إلى أدنى الحرم فأعمرها منه وقول الخرقي ولم يكن عليها قضاء طواف القدوم وذلك لأن طواف القدوم سنة لا يجب قضاؤها ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة بقضائه ولا فعلته هي فصل وكل متمتع خشي فوات الحج فإنه يحرم بالحج ويصير قارنا وكذلك المتمتع الذي معه هدي فإنه لا يحل من عمرته بل يهل بالحج معها فيصير قارنا ولو أدخل الحج على العمرة قبل الطواف من غير خوف الفوات جاز وكان قارنا بغير خلاف وقد فعل ذلك ابن عمر ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم فأما بعد الطواف فليس له ذلك ولا يصير قارنا وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وروي عن عطاء وقال مالك يصير قارنا وحكي ذلك عن أبي حنيفة لأنه أدخل الحج على إحرام العمرة فصح كما قبل الطواف ولنا إنه شارع في التحلل من العمرة فلم يجز إدخال الحج عليها كما لو سعى بين الصفا والمروة فصل فأما إدخال العمرة على الحج فغير جائز فإن فعل لم يصح ولم يصر قارنا روى ذلك عن علي وبه قال مالك وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر وقال أبو حنيفة يصح ويصير قارنا لأنه أحد النسكين فجاز إدخاله على الآخر قياسا على إدخال الحج على العمرة ولنا ما روى الأثرم بإسناده عن عبد الرحمن بن نصر عن أبيه قال خرجت أريد الحج فقدمت المدينة فإذا علي قد خرج حاجا فأهللت بالحج ثم خرجت فأدركت عليا في الطريق وهو يهل بعمرة وحجة فقلت يا أبا الحسن إنما خرجت من الكوفة لأقتدي بك وقد سبقتني فأهللت بالحج أفأستطيع أن أدخل معك فيما أنت فيه فقال لا إنما ذلك لو كنت أهللت بعمرة ولأن إدخال العمرة على الحج لا يفيده ألا ما أفاده العقد الأول فلم يصح كما لو استأجره على عمل ثم استأجره عليه ثانيا في المدة وعكسه إدخال الحج على العمرة
مسألة قال ( ومن وطىء قبل رمي جمرة العقبة فقد فسد حجهما وعليه بدنة إن كان استكرهها ولا دم عليها ) وهذه المسألة ثلاثة فصول ( الفصل الأول ) أن الوطء قبل جمرة العقبة يفسد الحج ولا فرق ما قبل الوقوف وبعده وبهذا قال مالك والشافعي وقال أصحاب الرأي إن وطىء بعد الوقوف لم يفسد حجه لقول النبي صلى الله عليه وسلم من أدرك عرفة فقد تم حجه ولأنه أمن الفوات فأمن الفساد كما بعد التحلل الأول ولنا إن رجلا سأل ابن عباس وعبدالله بن عمرو فقال وقعت بأهلي ونحن محرمان فقالا له أفسدت حجك ولم يستفصلوا السائل رواه الأثرم ولأنه وطء صادف إحراما تاما فأفسده كقبل الوقوف ويخالف ما بعد التحلل الأول فإن الإحرام غير تام والمراد من الخبر الأمن من الفوات ولا يلزم من أمن الفوات أمن الفساد وبدليل العمرة يأمن فواتها ولا يأمن فسادها قال أحمد لا أعلم أحدا قال إن حجه تام غير أن أبي حنيفة يقول الحج عرفات فمن وقف بها فقد تم حجه وإنما هذا مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة أي أدرك فضل الصلاة ولم تفته كذلك الحج إذا ثبت هذا فإنه يفسد حجهما جميعا لأن الجماع وجد منهما وسواء في ذلك الناس والعامد والمستكرهة والمطاوعة والمستيقظة عالما كان الرجل أو جاهلا وقال الشافعي في أحد قوليه لا يفسد حج الناسي لأنه معذور ولنا إنه معنى يوجب القضاء فاستوت فيه الأحوال كلها كالفوات ولا فرق بين ما بعد يوم النحر أو قبله لأنه وطىء قبل التحلل الأول ففسد حجه كما لو وطىء يوم النحر الفصل الثاني أنه يلزمه بدنة وبهذا قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة إن وطىء قبل الوقوف فسد حجه وعليه شاة وإن وطىء بعده لم يفسد حجه وعليه بدنة لأن الوطء قبل الوقوف معنى يتعلق به وجوب القضاء فلم يوجب بدنة كالفوات ولنا إنه قد روي عن عمر ابن عباس مثل قولنا ولأنه وطء صادف إحراما تاما فأوجب البدنة كما بعد الوقوف ولأن ما يفسد الحج الجناية به أعظم فكفارته يجب أن تكون أغلظ وأما الفوات فإنهم يوجبون به بدنة فكيف يصح القياس عليه الفصل الثالث إنه لا دم عليها في حال الإكراه وهو قول عطاء ومالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور وقال أصحاب الرأي عليها دم آخر لأنه قد فسد حجها فوجبت البدنة كما لو طاوعت ولنا إنها كفارة تجب بالجماع فلم تجب على المرأة في حال الإكراه كما لو وطىء في الصوم فصل ومن وطىء قبل التحلل من العمرة فسدت عمرته وعليه شاة مع القضاء وقال الشافعي عليه القضاء وبدنة لأنها عبادة تشتمل على طواف وسعي فأشبهت الحج وقال أبو حنيفة إن وطىء قبل أن يطوف أربعة أشواط كقولنا وإن وطىء بعد ذلك فعليه شاة ولا تفسد عمرته ولنا على الشافعي أنها عبادة لا وقوف فيها فلم يجب فيها بدنة كما لو قرنها بالحج ولأن العمرة دون الحج فيجب أن يكون حكمها دون حكمه وبهذا يخرج الحج ولنا على أبي حنيفة أن الجماع من محظورات الإحرام فاستوى فيه ما قبل الطواف وبعده كسائر المحظورات ولأنه وطء صادف إحراما تاما فأفسده كما قبل الطواف فصل أذا أفسد القارن والمتمتع نسكهما لم يسقط الدم عنهما وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة يسقط وعن أحمد مثله لأنه لم يحصل به الترفه بسقوط أحد السفرين ولنا إن ما وجب في النسك الصحيح وجب في الفاسد كالأفعال ولأنه دم وجب عليه فلا يسقط بالإفساد كالدم الواجب لترك الميقات فصل وإذا أفسد القارن نسكه ثم قضى مفردا لم يلزمه في القضاء دم وقال الشافعي يلزمه لأنه يجب في القضاء ما يجب في الأداء وهذا كان واجبا في الأداء ولنا إن الإفراد أفضل من القران مع الدم فإذا أتى بهما فقد أتى بما هو أولى فلا يلزمه شيء كمن لزمته الصلاة بتيمم فقضي بالوضوء
مسألة قال ( وإن وطىء بعد رمي جمرة العقبة فعليه دم ويمضي إلى التنعيم فيحرم ليطوف وهو محرم ) وفي هذه المسألة ثلاثة فصول أحدها أن الوطء بعد الجمرة لا يفسد الحج وهو قول ابن عباس وعكرمة وعطاء والشعبي وربيعة ومالك والشافغي وإسحاق وأصحاب الرأي وقال النخعي والزهري وحماد عليه حج من قابل لأن الوطء صادف إحراما من الحج فأفسده كالوطء قبل الرمي ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وكان قد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه ولأنه قول ابن عباس فإنه قال في رجل أصاب أهله قبل أن يفيض يوم النحر ينحران جزورا بينهما وليس عليه الحج من قابل ولا نعرف له مخالفا في الصحابة ولأن الحج عبادة لها تحللان فوجود المفسد بعد تحللها الأول لا يفسدها كبعد التسليمة الأولى في الصلاة وبهذا فارق ما قبل التحلل الأول الفصل الثاني أن الواجب عليه بالوطء شاة هذا ظاهر كلام الخرقي ونص عليه أحمد وقول عكرمة وربيعة ومالك وإسحاق وقال القاضي فيه رواية أخرى أن عليه بدنة وهو قول ابن عباس وعطاء والشعبي والشافعي وأصحاب الرأي لأنه وطىء في الحج فوجبت عليه بدنة كما قبل رمي جمرة العقبة ولنا إنه وطء لم يفسد فلم يوجب كالوطء دون الفرج إذا لم ينزل ولأن حكم الإحرام خف بالتحلل الأول فينبغي أن يكون موجبه دون موجب الإحرام التام الفصل الثالث أنه يفسد الإحرام بالوطء بعد رمي الجمرة ويلزمه أن يحرم من الحل وبذلك قال عكرمة وربيعة وإسحاق وقال ابن عباس وعطاء والشعبي والشافعي حجه صحيح ولا يلزمه الإحرام لأنه إحرام لا يفسد جميعه فلم يفسد بعضه كما لو وطء بعد التحلل الثاني ولنا إنه وطء صادف إحراما فأفسده كالإحرام التام وإذا فسد إحرامه فعليه أن يحرم ليأتي بالطواف في إحرام صحيح لأن الطواف ركن فيجب أن يأتي به في إحرام صحيح كالوقوف ويلزمه الإحرام من الحل لأن الإحرام ينبغي أن يجمع فيه الحل والحرم فلو أبحنا لهذا الإحرام من الحرم لم يجمع بينهما لأن أفعاله كلها تقع في الحرم فأشبه المعتمر وإذا أحرم من الحل طاف للزيارة وسعى إن كان لم يسع في حجه وإن كان سعى طاف للزيارة وتحلل هذا ظاهر كلام الخرقي لأن الذي بقي عليه بقية أفعال الحج وإنما وجب عليه الإحرام ليأتي بها في إحرام صحيح والمنصوص عن أحمد ومن وافقه من الأئمة أنه يعتمر فيحتمل أنهم أرادوا هذا أيضا وسموه عمرة لأن هذا هو أفعال العمرة ويحتمل أنهم أرادوا عمرة حقيقية فيلزمه سعي وتقصير والأول أصح لما ذكرنا وقول الخرقي يحرم من التنعيم لم يذكره لتعيين الإحرام منه بل لأنه حل فمن أحل وأحرم جاز كالمعتمر فصل ولا فرق بين من حلق ومن لم يحق في أنه لا يفسد حجه بالوطء بعد الرمي وعليه دم وإحرام من الحل هذا ظاهر كلام أحمد والخرقي ومن سميناه من الأئمة لترتيبهم هذا الحكم على الوطء بعد مجرد الرمي من غير اعبتار أمر زائد فصل فإن طاف للزيارة ولم يرم ثم وطىء لم يفسد حجه بحال لأن الحج قد تم أركانه كلها ولا يلزمه إحرام من الحل فإن الرمي ليس بركن وهل يلزمه دم يحتمل أنه لا يلزمه شيء لما ذكرنا ويحتمل أنه يلزمه لأنه وطىء قبل وجود ما يتم به التحلل فأشبه من وطىء بعد الرمي وقبل الطواف فصل والقارن كالمفرد فإنه إذا وطىء بعد الرمي لم يفسد حجه ولا عمرته لأن الحكم للحج ألا ترى أنه لا يحل من عمرته قبل الطواف ويفعل ذلك إذا كان قارنا ولأن الترتيب للحج دونها والحج لا يفسد قبل الطواف كذلك العمرة وقال أحمد من وطىء بعد الطواف يوم النحر قبل أن يركع ما عليه شيء قال أبو طالب سألت أحمد عن الرجل يقبل بعد رمي جمرة العقبة قبل أن يزور البيت قال ليس عليه شيء قد قضى المناسك فعلى هذا ليس عليه فيما دون الوطء في الفرج شيء
مسألة قال ( ومباح لأهل السقاية والرعاة أن يرموا بالليل ) تروى هذه اللفظة الرعاة بضم الراء وإثبات الهاء مثل الدعاة والقضاة والرعاء بكسر الراء والمد من غير هاء وهما لغتان صحيحتان قال الله تعالى حتى يصدر الرعاء القصص 23 وفي بعض الحديث أرخص للرعاة أن يرموا يوما ويدعوا يوما وإنما أبيح لهؤلاء بالليل لأنهم يشتغلون بالنهار برعي المواشي وحفظها وأهل السقاية هم الذين يسقون من بئر زمزم للحاج فيشتغلون بسقايتهم نهارا فأبيح لهم الرمي في وقت فراغهم تخفيفا عليهم فيجوز لهم رمي كل يوم في الليلة المستقبلة فيرمون جمرة العقبة في ليلة اليوم الأول من أيام التشريق ورمي اليوم الأول في ليلة الثاني ورمي الثاني في ليلة الثالث والثالث إذا أخروه إلى الغروب سقط عنهم كسقوطه عن غيرهم قال عطاء لا يرمي بالليل إلا رعاء الإبل فأما التجار فلا وكان مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي يقولون من نسي الرمي إلى الليل رمى ولا شيء عليه من الرعاة ومن غيرهم مسألة قال ( ومباح للرعاة أن يؤخروا الرمي فيقضوه في الوقت الثاني ) وجملة ذلك أنه يجوز للرعاة ترك المبيت بمنى ليالي منى ويؤخرون رمي اليوم الأول ويرمون يوم النفر الأول عن الرميين جميعا لما عليهم من المشقة في المبيت والإقامة للرمي وقد روى مالك عن عبدالله بن أبي بكر عن أبيه عن أبي البداح بن عاصم عن أبيه قال رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لرعاء الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر ثم يجمعون رمي يومين بعد يوم النحر يرمونه في أحدهما قال مالك ظننت أنه في أول يوم منهما ثم يرمون يوم النفر رواه ابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن صحيح رواه ابن عيينة قال رخص للرعاء أن يرموا يوما ويدعوا يوما وكذلك الحكم في أهل سقاية الحاج وقد روى ابن عمر أن العباس استأذن النبي صلى الله عليه وسلم ليبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته متفق عليه إلا أن الفرق بين الرعاء وأهل السقاية أن الرعاء إذا قاموا حتى غربت الشمس فقد انقضى وقت الرعي وأهل السقاية يشتغلون ليلا ونهارا فافترقا وصار الرعاء كالمريض الذي يباح له ترك الجمعة لمرضه فإذا حضرها تعينت عليه والرعاء أبيح لهم ترك المبيت لأجل الرعي فإذا فات وقته وجب المبيت فصل وأهل الأعذار من غير الرعاء كالمرضى ومن له مال يخاف ضياعه ونحوهم كالرعاء في ترك البيتوتة لأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لهؤلاء تنبيها على غيرهم أو تقول نص عليه لمعنى وجد في غيرهم فوجب إلحاقه بهم فصل إذا كان الرجل مريضا أو محبوسا وله عذر جاز أن يستنيب من يرمي عنه قال الأثرم قلت لأبي عبدالله إذا رمي عنه الجمار يشهد هو ذاك أو يكون في رحله قال يعجبني أن يشهد ذاك إن قدر حين يرمى عنه قلت فإن ضعف على ذلك أيكون في رحله ويرمى عنه قال نعم قال القاضي المستحب أن يضع الحصى في يد النائب ليكون له عمل في الرمي وإن أغمي على المستنيب لم تنقطع النيابة وللنائب الرمي عنه كما لو استنابه في الحج ثم أغمى عليه وبما ذكرنا في هذه المسألة قال الشافعي ونحوه قال مالك إلا أنه قال يتحرى المريض حين رميهم فيكبر سبع تكبيرات فصل ومن ترك الرمي من غير عذر فعليه دم قال أحمد أعجب إلي إذا ترك الأيام كلها كان عليه دم وفي ترك جمرة واحدة دم أيضا نص عليه أحمد وبهذا قال عطاء والشافعي وأصحاب الرأي وحكي عن مالك أن عليه في جمرة أو الجمرات كلها بدنة قال الحسن من نسي جمرة واحدة يتصدق على مسكين ولنا قول ابن عباس من ترك شيئا من مناسكه فعليه دم ولأنه ترك من مناسكه ما لا يفسد الحج بتركه فكان الواجب عليه شاة كالمبيت وإن ترك أقل من جمرة فالظاهر عن أحمد أنه لا شيء عليه في حصاة ولا حصاتين وعنه أنه يجب الرمي بسبع
فإن ترك شيئا من ذلك تصدق بشيء أي شيء كان وعنه أن في كل حصاة دما وهو مذهب مالك والليث لأن ابن عباس قال من ترك شيئا من مناسكه فعليه دم وعنه في الثلاثة دم وهو مذهب الشافعي وفيما دون ذلك في كل حصاة مد وعنه نصف درهم وعنه نصف درهم قال أبو حنيفة إن ترك جمرة العقبة أو الجمار كلها فعليه دم وإن ترك غير ذلك فعليه في كل حصاة نصف صاع إلى أن يبلغ دما وقد ذكرنا ذلك وآخر وقت الرمي آخر أيام التشريق فمتى خرجت قبل رميه فات وقته واستقر عليه الفداء الواجب في ترك الرمي هذا قول أكثر أهل العلم وحكي عن عطاء فيمن رمى جمرة العقبة ثم خرج إلى إبله في ليلة أربع عشرة ثم رمى قبل طلوع الفجر فإن لم يرم أهرق دما والأول أولى لأن محل الرمي النهار فيخرج وقت الرمي بخروج النهار والله أعلم باب الفدية وجزاء الصيد مسألة قال ( ومن حلق أربع شعرات فصاعدا عامدا أو مخطئا فعليه صيام ثلاثة أيام أو إطعام ثلاثة آصع من تمر بين ستة مساكين أو ذبح شاة أي ذلك فعل أجزأه ) الكلام في هذه المسألة في ستة فصول الأول أن على المحرم فدية إذا حلق رأسه ولا خلاف في ذلك قال ابن المنذر أجمع أهل العمل على وجوب الفدية على من حلق وهو محرم بغير علة والأصل في ذلك قوله تعالى ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك البقرة 196 وقال النبي صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة لعلك أذاك هوامك قال نعم يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم احلق رأسك ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو أنسك شاة متفق عليه وفي لفط أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع تمر ولا فرق في ذلك بين إزالة الشعر بالحلق أو النورة أو قصبة أو غير ذلك لا نعلم فيه خلافا الفصل الثاني أنه لا فرق بين العامد والمخطىء ومن له عذر ومن لا عذر له في ظاهر المذهب وهو قول الشافعي ونحوه عن الثوري وفيه وجه آخر لا فدية على الناسي وهو قول إسحاق وابن المنذر لقوله عليه السلام عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان ولنا إنه إتلاف فاستوى عمده وخطأه كقتل الصيد ولأن الله تعالى أوجب الفدية على من حلق رأسه لأذى به وهو معذور فكان ذلك تنبيها على وجوبها على غير المعذور ودليلا على وجوبها على المعذور بنوع آخر مثل المحتجم الذي يحلق موضع محاجمه أو شعرا عن شجته وفي معنى الناسي النائم الذي يقلع شعره أو يصوب شعره إلى تنور فيحرق لهب النار شعره ونحو ذلك الفصل الثالث أن الفدية هي إحدى الثلاثة المذكورة في الآية والخبر أيها شاء فعل لأنه أمر بها بلفظ التخيير ولا فرق في ذلك بين المعذور وغيره والعامد والمخطىء وهو مذهب مالك والشافعي وعن أحمد إنه إذا حلق لغير عذر فعليه الدم من غير تخيير وهو مذهب أبي حنيفة لأن الله تعالى خير بشرط العذر فإذا عدم الشرط وجب زوال التخيير ولنا إن الحكم ثبت في غير المعذور بطريق التنبيه تبعا له والتبع لا يخالف أصله ولأن كل كفارة ثبت التخيير فيها إذا كان سببها مباحا ثبت كذلك إذا كان محظورا كجزاء الصيد ولا فرق بين قتله للضرورة إلى أكله أو لغير ذلك وإنما الشرط لجواز الحلق لا التخيير الفصل الرابع القدر الذي يجب به الدم أربع شعرات فصاعدا وفيه رواية أخرى يجب في الثلاث ما في حلق الرأس قال القاضي هو المذهب وهو قول الحسن وعطاء وابن عيينة والشافعي وأبي ثور
لأنه شعر آدمي يقع عليه اسم الجمع المطلق فجاز أن يتعلق به الدم كالربع وقال أبو حنيفة لا يجب الدم بدون ربع الرأس لأن الربع يقوم مقام الكل ولهذا إذا رأى رجلا يقول رأيت فلانا وإنما رأى إحدى جهاته وقال مالك إذا حلق من رأسه ما أماط له الأذى وجب الدم ووجه كلام الخرقي أن الأربع كثير فوجب به الدم كالربع فصاعدا أما الثلاثة فهي آخر القلة وآخر الشيء منه فأشبه الشعرة والشعرتين والاستدلال بأن الربع يقع عليه اسم الكل غير صحيح فإن ذلك لا يتقيد بالربع وإنما هو مجاز يتناول الكثير والقليل الفصل الخامس إن شعر الرأس وغيره سواء في وجوب الفدية لأن شعر غير الرأس يحصل بحلقه الترفه والتنظيف فأشبه الرأس فإن حلق من شعر رأسه وبدنه ففي الجميع فدية واحدة وإن كثر وإن حلق من رأسه شعرتين ومن بدنه شعرتين فعليه دم واحد هذا ظاهر كلام الخرقي واختيار أبي الخطاب ومذهب أكثر الفقهاء وذكر أبو الخطاب أن فيها روايتين أحداهما كما ذكرنا والثانية إذا قلع من شعر رأسه وبدنه ما يجب الدم بكل واحد منهما منفردا ففيهما دمان وهو الذي ذكره القاضي وابن عقيل لأن الرأس يخالف البدن بحصول التحلل به دون البدن ولنا إن الشعر كله جنس واحد في البدن فلم تتعدد الفدية فيه باختلاف مواضعه كسائر البدن وكاللباس ودعوى الاختلاف تبطل باللباس فإنه يجب كشف الرأس دون غيره والجزاء في اللبس فيهما واحد الفصل السادس أن الفدية الواجبة بحلق الشعر هي المذكورة في حديث كعب بن عجرة بقول النبي صلى الله عليه وسلم احلق رأسك وصم ثلاثة إيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع أو انسك شاة وفي لفظ أو أطعم فرقا بين تسة مساكين متفق عليه وفي لفظ أو أطعم ستة مساكين بين كل مسكينين صاع وفي لفظ فصم ثلاثة أيام وإن شئت فتصدق بثلاثة آصع من تمر بين ستة مساكين رواه كله أبو داود وبهذا قال مجاهد والنخعي وأبو مجلز والشافعي ومالك وأصحاب الرأي وقال الحسن وعكرمة ونافع الصيام عشرة أيام والصدقة على عشرة مساكين ويروى ذلك عن الثوري وأصحاب الرأي قالوا يجزىء من البر نصف صاع لكل مسكين ومن التمر والشعير صاع صاع واتباع السنة أولى فصل ويجزىء البر والشعير والزبيب في الفدية لأن كل موضع أجزأ فيه التمر أجزأ فيه ذلك كالفطرة وكفارة اليمين وقد روى أبو داود في حديث كعب بن عجرة قال فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي احلق رأسك وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين فرقا من زبيب أو أنسك شاة رواه أبو داود ولا يجزىء من هذه الأصناف أقل من ثلاثة آصع إلا البر ففيه روايتان إحداهما مد من بر لكل مسكين مكان نصف صاع من غيره كما في كفارة اليمين والثانية لا يجزىء إلا نصف صاع لأن الحكم ثبت فيه طريق التنبيه أو القياس والفرغ يماثل أصله ولا يخالفه وبهذا قال مالك والشافعي فصل وإذا حلق ثم حلق فالواجب فدية واحدة ما لم يكفر عن الأول قبل فعل الثاني
فإن كفر عن الأول ثم حلق ثانيا فعليه للثاني كفارة أيضا وكذلك الحكم فيما إذا لبس ثم لبس أو تطيب ثم تطيب أو كرر من حظورات الأحرام اللاتي لا يزيد الواجب فيها بزيادتها ولا يتقدر بقدرها فأما ما يتقدر الواجب بقدره وهو إتلاف الصيد ففي كل واحد منها جزاؤه وسواء فعله مجتمعا أو متفرقا ولا تداخل فيه ففعل المحظورات متفرقا كفعلها مجتمعة في الفدية ما لم يكفر عن الأول قبل فعل الثاني وعن أحمد أنه إن كرره لأسباب مثل أن لبس للبرد ثم لبس للحر ثم لبس للمرض فكفارات وإن كان لسبب واحد فكفارة واحدة وقد روى عنه الأثرم فيمن لبس قميصا وجبة وعمامة وغير ذلك لعلة واحدة قلت له فإن اعتل فلبس جبة ثم برأ ثم اعتل فلس جبة فقال هذا الآن عليه كفارتان وعن الشافعي كقولنا وعنه لا يتداخل وقال مالك تتداخل كفارة الوطء دون غيره وقال أبو حنيفة إن كرره في مجلس واحد فكفارة واحدة وإن كان في مجالس فكفارات لأن حكم المجلس الواحد حكم الفعل الواحد بخلاف غيره ولنا إن ما يتداخل إذا كان بعضه عقيب بعض يجب أن يتداخل وإن تفرق كالحدود وكفارة الأيمان ولأن الله تعالى أوجب في حلق الرأس فدية واحدة ولم يفرق بين ما وقع في دفعة أو دفعات والقول بأنه لا يتداخل غير صحيح فإنه إذا حلق رأسه لا يمكن إلا شيئا بعد شيء فصل فأما جزاء الصيد فلا يتداخل ويجب في كل صيد جزاؤه سواء وقع متفرقا أو في حال واحدة وعن أحمد أنه يتداخل قياسا على سائر المحظورات ولا يصح لأن الله تعالى قال فجزاء مثل ما قتل من النعم المائدة 95 ومثل الصيدين لايكون أحدهما ولأنه لو قتل صيدين دفعة واحدة وجب جزاؤهما فإذا تفرقا أولى أن يجب لأن حالة التفريق لا تنقص عن حالة الاجتماع كسائر المحظورات فصل إذا حلق المحرم رأس حلال أو قلم أظفاره فلا فدية عليه وبذلك قال عطاء ومجاهد وعمرو بن دينار والشافعي وإسحاق وأبو ثور وقال سعيد بن جبير في محرم قص شارب حلال يتصدق بدرهم وقال أبو حنيفة يلزمه صدقه لأنه أتلف شعر آدمي فأشبه شعر المحرم ولنا إنه شعر مباح الإتلاف فلم يجب بإتلافه شيء كشعر بهيمة الأنعام فصل وإن حلق محرم رأس محرم بإذنه فالفدية على من حلق رأسه وكذلك إن حلقه حلال بإذنه لأن الله تعالى قال ولا تحلقوا رؤوسكم البقرة 196 وقد علم أن غيره هو الذين يحلقه فأضاف الفعل إليه وجعل الفدية عليه وإن حلقه مكرها أو نائما فلا فدية على المحلوق رأسه وبهذا قال إسحاق وأبو ثور وابن القاسم صاحب مالك وابن المنذر وقال أبو حنيفة على المحلوق رأسه الفدية وعن الشافعي كالمذهبين ولنا إنه يحلق رأسه ولم يحلق بإذنه فأشبه ما لو انقطع الشعر بنفسه إذا ثبت هذا فإن الفدية على الحالق حراما كان أو حلالا وقال أصحاب الرأي على الحلال صدقة وقال عطاء عليهما الفدية ولنا إنه أزال ما منع من إزالته لأجل الإحرام فكانت عليه فديته كالمحرم يحلق رأس نفسه فصل إذا قلع جلدة عليها شعر فلا فدية عليه لأنه زال تابعا لغيره والتابع لا يضمن كما لو قلع أشفار عيني إنسان فإنه لايضمن أهدابهما فصل وإذا خلل شعره فسقطت شعرة فإذا كانت ميتة فلا فدية فيها وإن كانت شعره النابت ففيها الفدية وإن شك فيها فلا فدية فيها لأن الأصل نفي الضمان إلى أن يحصل يقين مسألة قال ( وفي كل شعرة من الثلاث مد من طعام ) يعني إذا حلق دون الأربع فعليه في كل شعرة مد من طعام وهذا قول الحسن وابن عيينة والشافعي فيما دون الثلاث وعن أحمد في الشعر درهم وفي الشعرتين درهمان وعنه في كل شعرة قبضة من طعام وروي ذلك عن عطاء ونحوه عن مالك وأصحاب الرأي قال مالك عليه فيما قل من الشعر إطعام طعام وقال أصحاب الرأي يتصدق بشيء لأنه لا تقدير فيه
فيجب فيه أقل ما يقع عليه اسم الصدقة وعن مالك فيمن أزال شعرا لا ضمان عليه لأن النص إنما أوجب الفدية في حلق الرأس كله فألحقنا به ما يقع عليه اسم الرأس ولنا إن ضمنت جملته ضمنت أبعاضه كالصيد والأولى أن يجب الإطعام لأن الشارع إنما عدل عن الحيوان إلى الطعام في جزاء الصيد وها هنا أوجب الإطعام مع الحيوان على وجه التخيير فيجب أن يرجع إليه فيما لا يجب فيه الدم ويجب مد لأنه أقل ما وجب بالشرع فدية فكان واجبا في أقل الشعر والطعام الذي يجزىء فيه إخراجه وهو ما يجزىء في حلق الرأس ابتداء من البر والشعير والتمر والزبيب كالذي يجب في الأربع فصل ومن أبيح له حلق رأسه لأذى به فهو مخير في الفدية قبل الحلق وبعده نص عليه أحمد لما روى أن الحسين بن علي اشتكى رأسه فأتى علي فقيل له هذا الحسين يشير إلى رأسه فدعا بجزور فنحرها ثم حلقه وهو بالسعياء رواه أبو إسحاق الجوزجاني ولأنها كفارة فجاز تقديمها على وجوبها ككفارة الظهار واليمين مسألة قال ( وكذلك الأظفار ) قال ابن المنذر وأجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من أخذ أظفاره وعليه الفدية بأخذها في قول أكثرهم وهو قول حماد ومالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي وروي ذلك عن عطاء وعنه لا فدية عليه لأن الشرع لم يرد فيه بفدية ولنا أنه أزال ما منع إزالته لأجل الترفه فوجبت عليه الفدية كحلق الشعر وعدم النص فيه لا يمنع قياسه عليه كشعر البدن مع شعر الرأس والحكم في فدية الأظفار كالحكم في فدية الشعر سواء في أربعة منها دم وعنه في ثلاثة دم وفي الظفر الواحد مد من طعام وفي الظفرين مدان على ما ذكرنا من التفصيل والاختلاف فيه وقول الشافعي وأبي ثور كذلك وقال أبو حنيفة لا يجب الدم إلا بتقليم أظفار يد كاملة حتى لو قلم من كل يد أربعة لا يجب عليه الدم لأنه لم يستكمل منفعة اليد أشبه الظفر والظفرين ولنا إنه قلم ما يقع عليه اسم الجمع أشبه ما لو قلم خمسا من يد واحدة وما قالوه يبطل بما إذا حلق ربع رأسه فإنه لم يستوف منفعة العضو ويجب به الدم وقولهم يؤدي إلى أن يجب به الدم في القليل دون الكثير إذا ثبت هذا فإنه يتخير من قلم ما يجب به الدم بين الثلاثة أشياء كما قلنا في الشعر لأنه الإيجاب في الأظفار بالإلحاق بالشعر فيكون حكم الفرع حكم أصله ولا يجب فيما دون الأربعة أو الثلاثة بقسطة من الدم لأن العبادة إذا وجب فيها الحيوان لم يجب فيها جزء منه كالزكاة فصل وفي قص بعض الظفر ما جميعه وكذلك في قطع بعض الشعرة مثل ما في قطع جميعها لأن الفدية تجب في الشعرة والظفر سواء طال أو قصر وليس بمقدر بمساحة فيتقدر الضمان عليه بل هو كالموضحة يجب في الصغيرة منها مثلما يجب في الكبيرة وخرج ابن عقيل وجها أنه يجب بحساب المتلف كالأصبع يجب في أنملتها ثلث ديتها والله أعلم مسألة قال ( وإن تطيب المحرم عامدا غسل الطيب وعليه دم وكذلك إن لبس المخيط أو الخلف عامدا وهو يجد النعل خلع وعليه دم ) لا خلاف في وجوب الفدية على المحرم إذا تطيب أو لبس عامدا لأنه ترفه بمحظور في إحرامه فلزمته الفدية كما لو ترفه بحلق شعره أو قلم ظفره والواجب عليه أن يفديه بدم ويستوي في ذلك قليل الطيب وكثيره وقليل اللبس وكثيره وبذلك قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يجب الدم إلا بتطييب عضو كامل وفي اللباس بلباس يوم وليلة ولا شيء فيما دون ذلك لأنه لم يلبس لبسا معتادا فأشبه ما لو اتزر بالقميص ولنا إنه متى حصل به الاستمتاع المحظورات فاعتبر مجرد الفعل كالوطء محظورا فتقدر فديته بالزمن كسائر المحظورات وما ذكروه غير صحيح فإن الناس يختلفون في اللبس في العادة ولأن ما ذكروه تقدير والتقديرات بابها التوقيف وتقديرهم بعضو ويوم وليلة تحكم محض
وأما إذا ائتزر بقميص فليس ذلك بلبس مخيط ولهذا لا يحرم عليه والمختلف فيه محرم فصل ويلزمه غسل الطيب وخلع اللباس لأنه فعل محظورا فيلزمه إزالته وقطع استدامته كسائر المحظورات والمستحب أن يستعين في غسل الطيب بحلال لئلا يباشر المحرم الطيب بنفسه ويجوز أن يليه بنفسه ولا شيء عليه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للذي رأى عليه طيبا أو خلوقا اغسل عنك الطيب ولأنه تارك له فإن لم يجد ما يغسله به مسحه بخرقة أو حكمه بتراب أو ورق أو حشيش لأن الذي إزالته بحسب القدرة وهذا نهاية قدرته فصل إذا احتاج إلى الوضوء وغسل الطيب ومعه ماء لا يكفي إلا أحدهما قدم غسل الطيب ويتيمم للحدث لأنه لا رخصة في إبقاء الطيب في ترك الوضوء إلى التيمم رخصة فإن قدر على قطع رائحة الطيب بغير الماء وتوضأ لأن المقصود من إزالة الطيب قطع رائحته فلا يتعين الماء والوضوء بخلافه فصل إذا لبس قميصا وعمامة وسراويل وخفين لم يكن عليه إلا فدية واحدة لأنه محظور من جنس واحد فلم يجب فيه أكثر من فدية واحدة كالطيب في بدنه ورأسه ورجليه فصل وإن فعل محظورا من أجناس فحلق ولبس وتطيب ووطىء فعليه لكل لكل واحد فدية سواء فعل ذلك مجتمعا أو متفرقا وهذا مذهب الشافعي وعن أحمد أن في الطيب واللبس والحلق فدية واحدة وإن فعل ذلك واحدا بعد واحد فعليه لكل واحد دم وهو قول إسحاق وقال عطاء وعمرو بن دينار إذا حلق ثم أحتاج إلى الطيب أو إلى قلنسوة أو إليهما ففعل ذلك فليس عليه إلا فدية وقال الحسن إن لبس القميص وتعمم وتطيب فعل ذلك جميعا فليس عليه إلا كفارة واحدة ونحو ذلك عن مالك ولنا إنه محظورات مختلفة الأجناس فلم تتداخل أجزاؤها كالحدود المختلفة والأيمان المختلفة وعكسه ما إذا كان من جنس واحد مسألة قال ( وإن لبس أو تطيب ناسيا فلا فدية عليه ويخلع اللباس ويغسل الطيب وينزع إلى التلبية ) المشهور في المذاهب أن المتطيب أو اللابس ناسيا أو جاهلا لا فدية عليه وهو مذهب عطاء والثوري وإسحاق وابن المنذر وقال أحمد قال سفيان ثلاثة في الجهل والنسيان سواء إذا أتى أهله وإذا أصاب صيدا وإذا حلق رأسه قال أحمد وإذا جامع أهله بطل حجه لأنه شيء لا يقدر على رده والصيد إذا قتله فقد ذهب لا يقدر على رده والشعر إذا حلقه فقد ذهب فهذه الثلاثة العمد والخطأ والنسيان فيها سواء وكل شيء من النسيان بعد الثلاثة فهو يقدر على رده مثل إذا غطى المحرم رأسه ثم ذكر ألقاه عن رأسه وليس عليه شيء أو لبس خفا نزعه وليس عليه شيء وعنه رواية أخرى أن عليه الفدية في كل حال وهو مذهب مالك والليث والثوري وأبي حنيفة لأنه هتك حرمة الإحرام فاستوى عمده وسهوه كحلق الشعر وتقليم الأطفار ولنا عموم قوله عليه السلام عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وروى يعلى بن أمية أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة وعليه جبة وعليه أثر خلوق أو قال أثر صفرة فقال يا رسول الله كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي قال اخلع عنك هذه الجبة واغسل عنك أثر هذا الخلوق أو قال أثر الصفرة واصنع في عمرتك ما تصنع في حجك متفق عليه وفي لفظ قال يا رسول الله أحرمت بالعمرة وعلي هذه الجبة فلم يأمره بالفدية مع مسألته عما يصنع وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز إجماعا دل على أنه عذر لجهله والجاهل والناسي واحد ولأن الحج عبادة يجب بإفسادها الكفارة فكان من محظوراته أنه ما يفرق بين عمده وسهوه كالصوم فأما الحلق وقتل الصيد فهو إتلاف لا يمكن رد تلافيه بإزالته إذا ثبت هذا فإن الناسي متى ذكر فعليه غسل الطيب وخلع اللباس في الحال فإن أخر ذلك عن زمن الإمكان فعليه الفدية فإن قيل فلم لا يجوز له استدامة الطيب ها هنا كالذي يتطيب قبل إحرامه قلنا لأن ذلك فعل مندوب إليه
فكان له استدامته وها هنا هو محرم وإنما سقط حكمه بالنسيان أو الجهل فإذا زال ظهر حكمه وإن تعذر عليه إزالته لإكراه أو عله ولم يجد من يزيله وما أشبه ذلك فلا فدية عليه وجرى مجرى المكره على الطيب ابتداء وحكم الجاهل إذا علم حكم الناسي أو ذكر وحكم المكره حكم الناسي فإن ما عفي عنه بالنسيان عفي عنه بالإكراه لأنهما قرينان في الحديث الدال على العفو عنهما وقول الخرقي ينزع إلى التلبية أي يلبي حين ذكر استذكارا للحج أنه نسيه واستشعارا بإقامته عليه ورجوعه إليه وهذا قول يروى عن إبراهيم النخعي مسألة قال ( ولو وقفت بعرفة نهارا أو دفع قبل الإمام فعليه دم ) وجملة ذلك أن من وقف بعرفة يوم عرفة نهارا وجب عليه الوقوف إلى غروب الشمس ليجمع بين الليل والنهار في الوقوف فإن دفع قبل الغروب ولم يعد حتى غربت الشمس فعليه دم وقال الشافعي لا يجب ذلك ولا دم عليه إن دفع قبل الغروب احتجاجا بحديث عروة بن مضرس ولأنه أدرك من الوقوف ما أجزأه أشبه ما لو أدرك الليل منفردا ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم وقف حتى غربت الشمس بغير خلاف وقد قال خذوا عني مناسككم فإذا تركه لزمه دم لقول ابن عباس ولأنه ركن لم يأت به عن الوجه المشروع فلزمه دم كما لو أحرم دون الميقات وحديثهم دل على الإجزاء والكلام في وجوب الدم فأما إذا وقف في الليل خاصة فإنه يجزئه ولا يلزمه دم لأن من أدرك الليل وحده لا يمكنه الوقوف نهارا فلا يتعين عليه ولا يجب عليه بتركه دم بخلاف من أدرك نهارا وأما قوله أو دفع قبل الإمام فظاهر أنه أوجب بذلك دما وإن دفع قبل الغروب وقد روى الأثرم عن أحمد قال سمعته يسأل عن رجل دفع قبل الإمام من عرفة بعدما غابت الشمس فقال ما وجدت أحدا سهل فيه كلهم يشدد فيه قال وما يعجبني أن يدفع إلا مع الإمام وعن عطاء عليه شاة إذا دفع قبل الإمام قيل فيدفع من مزدلفة قبل الإمام فقال المزدلفة عندي غير عرفة وذكر حديث ابن عمر أنه دفع قبل ابن الزبير وغير الخرقي من أصحابنا لم يوجب بذلك شيئا ولا عد الدفع مع الإمام من الواجبات وهو الصحيح فإن اتباع الإمام وأفعال النسك معه ليس بواجب في سائر مناسك الحج فكذا ههنا وإنما وقع دفع الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم بحكم العادة فلا يدل على الوجوب كالدفع معه من مزدلفة والإفاضة من منى وغير ذلك وليس ذلك فعلا للنبي صلى الله عليه وسلم فيدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم خذوا عني مناسككم مسألة قال ( ومن دفع من مزدلفة قبل نصف الليل من غير الرعاة وأهل سقاية الحاج فعليه دم ) وجملة ذلك أن المبيت بمزدلفة واجب يجب بتركه دم سواء تركه عمدا أو خطأ عالما أو جاهلا لأنه ترك نسكا وللنسيان أثره في تلك الموجود كالمعدوم لا في جعل المعدوم كالموجود إلا أنه رخص لأهل السقاية ورعاة الإبل في ترك البيتوتة لأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للرعاة في ترك البيتوتة في حديث عدي وأرخص للعباس في المبيت لأجل سقايته ولأن عليهم مشقة في المبيت لحاجتهم إلى حفظ مواشيهم وسقي الحاج فكان لهم ترك المبيت فيها كليالي منى ولأنها ليلة يرمى في غدها فكان لهم ترك المبيت فيها كليالي منى وروي عن أحمد أن المبيت بمزدلفة غير واجب ولا شيء على تاركه والأول المذهب مسألة قال ( ومن قتل وهو محرم من صيد البر عامدا أو مخطئا فداه بنظيره من النعم إن كان المقتول دابة )
في هذه المسألة فصول ستة الأول في وجوب الجزاء على المحرم بقتل الصيد في الجملة وأجمع أهل العلم على وجوبه ونص الله تعالى عليه بقوله يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم المائدة 95 ولا نعلم أحدا خالف في الجزاء في قتل الصيد متعمدا إلا الحسن ومجاهدا قالا إذا قتله متعمدا ذاكرا لإحرامه لا جزاء عليه وإن كان مخطئا أو ناسيا لإحرامه فعليه الجزاء وهذا خلاف النص فإن الله تعالى قال ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم المائدة 95 الذاكر لإحرامه متعمد وقال في سياق الآية ليذوق وبال أمره والمخطىء والناسي لا عقوبة عليهما وقتل الصيد نوعان مباح ومحرم فالمحرم قتله ابتداء من غير سبب يبيح قتله ففيه الجزاء والمباح ثلاثة أنواع أحدها أن يضطر إلى أكله فيباح له ذلك بغير خلاف نعلمه فإن الله تعالى قال ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة البقرة 195 وترك الأكل مع القدرة عند الضرورة إلقاء بيده إلى التهلكة ومتى قتله سواء وجد غيره أو لم يجد وقال الأوزاعي لا يضمنه لأنه مباح أشبه صيد البحر ولنا عموم الآية ولأنه قتل من غير معنى يحدث من الصيد يقتضي قتله فضمنه كغيره ولأنه أتلفه لدفع الأذى عنه لا لمعنى فيه أشبه حلق الشعر لأذى برأسه النوع الثاني إذا صال عليه صيد فلم يقدر على دفعه إلا بقتله فله قتله ولا ضمان عليه وبهذا قال الشافعي وقال أبو بكر عليه الجزاء وهو قول أبي حنيفة لأنه قتله لحاجة نفسه أشبه قتله لحاجته إلى أكله ولنا إنه حيوان قتله لدفع شره فلم يضمنه كالآدمي الصائل ولأنه التحق بالمؤذيات طبعا فصار كالكلب العقور ولا فرق بين أن يخشى منه التلف أو يخشى منه مضرة كجرحة أو إتلاف ماله أو بعض حيواناته النوع الثالث إذا خلص صيدا من سبع أو شبكة صياد أو أخذه ليخلص من رجله خيطا ونحوه فتلف بذلك فلا ضمان عليه وبه قال عطاء وقيل عليه الضمان وهو قول قتادة لعموم الآية ولأن غاية ما فيه أنه عدم القصد إلى قتله فأشبه قتل الخطأ ولنا إنه فعل أبيح لحاجة الحيوان فلم يضمن ما تلف به كما لو داوى ولي الصبي الصبي فمات بذلك وهذا ليس بمتعمد فلا تتناوله الآية الفصل الثاني أنه لا فرق بين الخطأ والعمد في قتل الصيد في وجوب الجزاء على إحدى الروايتين وبه قال الحسن وعطاء والنخعي ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي قال الزهري على المتعمد بالكتاب وعلى المخطأ بالسنة والرواية الثانية لا كفارة في الخطأ وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير وطاوس وابن المنذر وداود لأن الله تعالى قال ومن قتله منكم متعمدا المائدة 96 فدليل خطابه أنه لا جزاء على الخاطىء لأن الأصل براءة ذمته فلا يشغلها إلا بدليل ولأنه محظور للإحرام لا يفسده فيجب التفريق بين خطئه وعمده كاللبس والطيب ووجه الأولى قول جابر جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضبع يصيده المحرم كبشا وقال عليه السلام في بيض النعام يصيبه المحرم ثمنه ولم يفرق رواهما ابن ماجه ولأنه ضمان إتلاف استوى عمده وخطؤه كمال الآدمي الفصل الثالث أن الجزاء لا يجب إلا على المحرم ولا فرق بين إحرام الحج وإحرام العمرة لعموم النص فيهما ولا خلاف في ذلك ولا فرق بين الإحرام بنسك واحد وبين الإحرام بنسكين وهو القارن لأن الله تعالى لم يفرق بينهما الفصل الرابع أن الجزاء لا يجب إلا بقتل الصيد
لأنه الذي ورد به بقوله تعالى لا تقتلوا الصيد والصيد ما جمع ثلاثة أشياء وهو أن يكون مباحا أكله لا مالك له ممتنعا فيخرج بالوصف الأول كل ما ليس بمأكول لا جزاء فيه كسباع البهائم والمستخبث من الحشرات والطير وسائر المحرمات قال أحمد إنما جعلت الكفارة في الصيد المحلل أكله وقال كل ما يؤذي إذا أصابه المحرم يؤكل لحمه وهذا قول أكثر أهل العلم إلا أنهم أوجبوا الجزاء في المتولد بين المأكول وغيره كالسمع المتولد من الضبع والذئب تغليبا لتحريم قتله كما علقوا التحريم في أكله وقال بعض أصحابنا في أم حبين جدي وأم حبين دابة منتفخة البطن فهذا خلاف القياس فإن أم حبين لا تؤكل لكونها مستخبثة عندالعرب حكي أن رجلا من العرب سئل ما تأكلون قال ما دب ودرج إلا أم حبين فقال السائل ليهن أم حبين العافية وإنما تبعوا فيها قضية عثمان رضي الله عنه فإنه قضى فيها بحلاق وهو الجدي والصحيح أنه لا شيء فيها وفي القمل روايتان ذكرناهما فيما مضى والصحيح أنه لا شيء فيه لأنه غير مأكول وهو من المؤذيات ولا مثل له ولا قيمة قال ميمون بن مهران كنت عند عبد الله بن عباس فسأله رجل فقال أخذت قملة فألقيتها ثم طلبتها فلم أجدها فقال ابن عباس تلك ضالة لا تبتغى وقال القاضي إنما الروايتان فيما أزاله من شعره فأما ما ألقاه من ظاهر بدنه أو ثوبه فلا شيء عليه رواية واحدة ومن أوجب فيه الجزاء قال أي شيء تصدق به فهو خير واختلفت الرواية في الثعلب فعنه فيه الجزاء وبه قال طاوس وقتادة ومالك والشافعي وقال هو صيد يؤكل وفيه الجزاء وعن أحمد لا شيء فيه وهو قول الزهري وعمرو بن دينار وابن أبي نجيح وابن المنذر واختلف فيه عن عطاء لأنه سبع وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع وإذا أوجبنا فيه الجزاء ففيه شاة لأنه روى ذلك عن عطاء واختلفت الرواية في السنور أهليا كان أو وحشيا والصحيح أنه لا جزاء فيه واختيار القاضي لأنه سبع وليس بمأكول وقال الثوري وإسحاق في الوحشي حكومة ولا شيء في الأهلي لأن الصيد ما كان وحشيا واختلفت الرواية في الهدهد والصرد لاختلاف الروايتين في إباحتهما وكل ما اختلف في إباحته يختلف في جزائه فأما ما يحرم فالصحيح أنه لا جزاء فيه لأنه مخالف للقياس ولا نص فيه والوصف الثاني أن يكون وحشيا وما ليس بوحشي لا يحرم على المحرم ذبحه ولا أكله كبهيمة الأنعام كلها والخيل والدجاج ونحوها لا نعلم بين أهل العلم في هذا خلافا والاعتبار في ذلك بالأصل لا بالحال فلو استأنس الوحشي وجب فيه الجزاء وكذلك وجب الجزاء في الحمام أهليه ووحشية اعتبارا بأصله ولو توحش الأهلي لم يجب فيه شيء قال أحمد في بقرة صارت وحشية لا شيء فيها لأن الأصل فيها الإنسي وإن تولد من الوحشي والأهلي ولد ففيه الجزاء تغليبا للتحريم كقولنا في المتولد بين المباح والمحرم واختلفت الرواية في الدجاج السندي هل فيه جزاء على روايتين وروى مهنا عن أحمد في البط يذبحه المحرم إذا لم يكن صيدا والصحيح أنه يحرم عليه ذبحه وفيه الجزاء لأن الأصل فيه الوحشي فهو كالحمام الفصل الخامس إن الجزاء إنما يجب في صيد البر دون صيد البحر بغير خلاف لقول الله تعالى أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما المائدة 96 قال ابن عباس طعامه ما لفظه ولا فرق بين حيوان البحر الملح وبين ما في الأنهار والعيون فإن اسم البحر يتناول الكل قال الله تعالى وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا فاطر 12 ولأن الله تعالى قابله بصيد البر بقوله وحرم عليكم صيد البر المائدة 96 فدل على أن ما ليس من صيد البر فهو من صيد البحر وحيوان البحر ما كان يعيش في الماء ويفرخ ويبيض فيه
فإن كان مما لا يعيش إلا في الماء كالسمك ونحوه فهذا مما لا خلاف فيه وإن كان مما يعيش في البر كالسلحفاة والسرطان فهو كالسمك لا جزاء فيه وقال عطاء فيه الجزاء وفي الضفدع وكل ما يعيش في البر ولنا إنه بفرخ في الماء ويبيض فيه فكان من حيوانه كالسمك فأما طير الماء ففيه الجزاء في قول عامة أهل العلم منهم الأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وغيرهم لا نعلم فيه مخالفا غير ما حكي عن عطاء أنه قال حيثما كان أكثر فهو من صيده ولنا إن هذا إنما يفرخ في البر ويبيض فيه وإنما يدخل الماء ليعيش فيه ويكتسب منه فهو كالصياد من الآدميين واختلفت الرواية في الجراد فعنه هو من صيد البحر لا جزاء فيه وهو مذهب أبي سعيد قال ابن المنذر قال ابن عباس وكعب هو من صيد البحر وقال عروة هو نثرة حوت وروي عن أبي هريرة قال أصابنا ضرب من جراد فكان رجل منا يضرب بسوطه وهو محرم فقيل إن هذا لا يصلح فذكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم هذا من صيد البحر وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الجراد من صيد البحر رواهما أبو داود روي عن أحمد أنه من صيد البر وفيه الجزاء وهو قول الأكثرين لما روي أن عمر رضي الله عنه قال لكعب في جرادتين ما جعلت في نفسك قال بخ درهمان خير مت مائة جرادة رواه الشافعي في مسنده ولأنه طير يشاهد طيرانه في البر ويهلكه الماء إذا وقع فيه فأشبه العصافير فأما الحديثان اللذان ذكرناهما للرواية الأولى فوهم قاله أبو داود فعلى هذا يضمنه بقيمته لأنه لا مثل له وهذا قول الشافعي وعن أحمد يتصدق بتمرة عن الجرادة وهذا يروى عن عمر وعبد الله بن عمر وقال ابن عباس قبضة من طعام قال القاضي هذا محمول على أنه أوجب ذلك على طريق القيمة والظاهر أنهم لم يريدوا بذلك التقدير وإنما أرادوا أن فيه أقل شيء وإن افترش الجراد في طريقه فقتله بالمشي عليه على وجه لم يمكنه التحرز منه ففيه وجهان أحدهما وجوب جزائه لأنه أتلفه لنفع نفسه فضمنه كالمضطر يقتل صيدا يأكله والثاني لا يضمنه لأنه اضطره إلى إتلافه أشبه ما لو صال عليه الفصل السادس أن جزاء ما كان دابة من الصيد نظيرة من النعم هذا قول أكثر أهل العلم منهم الشافعي وقال أبو حنيفة الواجب القيمة ويجوز فيها المثل لأن الصيد ليس بمثلى ولنا قول الله تعالى فجزاء مثل ما قتل من النعم المائدة 95 وجعل النبي صلى الله عليه وسلم في الضبع كبشا وأجمع الصحابة على إيجاب المثل فقال عمر وعثمان وعلى وزيد بن ثابت وابن عباس ومعاوية في الفعامة بدنة وحكم أبو عبيدة وابن عباس في حمار الوحش ببدنة وحكم عمر فيه ببقرة وحكم عمر وعلي في الظبي بشاة وإذا حكموا بذلك في الأزمنة المختلفة والبلدان المتفرقة دل ذلك على أنه ليس على وجه القيمة ولأنه لو كان على وجه القيمة لاعتبروا صفة المتلف التي تختلف بها القيمة إما برؤية أو إخبار ولم ينقل عنهم السؤال عن ذلك حال الحكم ولأنهم حكموا في الحمام بشاة ولا يبلغ قيمة شاة في الغالب إذا ثبت هذا فليس المراد حقيقة المماثلة فإنها لا تتحقق بين النعم والصيد لكن أريدت المماثلة من حيث الصورة والمتلف من الصيد قسمان أحدهما قضت فيه الصحابة فيجب فيه ما قضت وبهذا قال عطاء والشافعي وإسحاق وقال مالك يستأنف الحكم فيه لأن الله تعالى قال يحكم به ذوا عدل منكم المائدة 95 ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم أصحابي كالنجوم بأيهم اهتديتم وقال اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ولأنهم أقرب إلى الصواب وأبصر بالعلم فكان حكمهم حجة على غيرهم كالعالم مع العامي والذي بلغنا قضاؤهم في الضبع كبش
قضى به عمر وعلي وجابر وابن عباس وفيه عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل في الضبع يصيدها المحرم كبشا رواه أبو داود وابن ماجه وروي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الضبع كبش إذا أصاب المحرم وفي الظبي شاة وفي الأرنب عناق وفي اليربوع جفرة قال أبو الزبير الجفرة التي قد فطمت ورعت رواه الدارقطني قال أحمد حكم ا في الضبع بكبش وبه قال عطاء والشافعي وأبو ثور وابن المنذر وقال الأوزاعي إن كان العلماء بالشام يعدونها من السباع ويكرهون أكلها وهو القياس إلا أن اتباع السنة والآثار أولى وفي حمار الوحش بقرة روي ذلك عن عمر رضي الله عنه وبه قال عروة ومجاهد والشافعي وعن أحمد فيه بدنة روي ذلك عن أبي عبيدة وابن عباس وبه قال عطاء والنخعي وفي بقرة الوحش بقرة روي ذلك عن ابن مسعود وعطاء وعروة وقتادة والشافعي والإبل فيه بقرة قاله ابن عباس قال أصحابنا في الوعل والتيثل بقرة كالأيل والأروى فيه بقرة قال ذلك ابن عمر وقال القاضي فيها غضب وهي من أولاد البقر ما بلغ أن يقبض على قرنه ولم يبلغ أن يكون جذعا وحكي ذلك عن الأزهري وفي الظبي شاة ثبت ذلك عن عمر وروي عن علي وبه قال عطاء وعروة والشافعي وابن المنذر ولا نحفظ عن غيرهم خلافهم وفي الوبر شاة روي ذلك عن مجاهد وعطاء وقال القاضي فيه جفرة لأنه ليس بأكبر منها وكذلك قال الشافعي إن كانت العرب تأكله والجفرة من أولاد المعز ما أتى عليها أربعة أشهر وفصلت عن أمها والذكر جفر وفي اليربوع جفرة قال ذلك عمر رضي الله عنه وروي ذلك عن ابن مسعود وبه قال عطاء والشافعي وأبو ثور وقال النخعي فيه ثمنه وقال مالك قيمته طعاما وقال عمرو بن دينار ما سمعنا أن الضب واليربوع يؤديان واتباع الآثار أولى وفي الضب جدي جدي قضى به عمر وأربد وبه قال الشافعي وعن أحمد فيه شاة لأن جابر ابن عبد الله وعطاء قالا فيه ذلك وقال مجاهد حفنة من طعام وقال قتادة صاع وقال مالك قيمته من الطعام والأول أولى فإن قضاء عمر أولى من قضاء غيره والجدي أقرب إليه من الشاة وفي الأرنب عناق قضى به عمر وبه قال الشافعي وقال ابن عباس فيه حمل وقال عطاء فيه شاة وقضاء عمر أولى والعناق الأنثى من ولد المعز في أول سنة والذكر جدي القسم الثاني ما لم تقض فيه الصحابة فرجع إلى قول عدلين من أهل الخبرة لقول الله تعالى يحكم به ذوا عدل منكم المائدة 95 فيحكمان فيه بأشبه الأشياء من النعم من حيث الخلقة لا من حيث القيمة بدليل أن قضاء الصحابة لم يكن بالمثل في القيمة وليس من شرط الحكم أن يكون فقيها لأن ذلك زيادة على أمر الله تعالى وقد أمر عمر أن يحكم في الضب ولم يسأل أفقيه هو أم لا لكن تعتبر العدالة لأنها منصوص عليها لأنها شرط في قول القول على الغير في سائر الأماكن وتعتبر الخبرة لأنه لا يتمكن من الحكم بالمثل إلا من حيرة خبرة ولأن الخبرة بما يحكم به شرط في سائر الحكام ويجوز أن يكون القاتل أحد العدلين وبهذا قال الشافعي وإسحاق وابن المنذر وقال النخعي ليس له ذلك لأن الإنسان لا يحكم لنفسه ولنا عموم قوله تعالى يحكم به ذوا عدل منكم المائدة 95 والقاتل مع غيره ذوا عدل منا وقد روى سعيد في سننه والشافعي في مسنده عن طارق بن شهاب قال خرجنا حجابا فأوطأ رجل منا يقال له أربد ضبا ففزر ظهره فقدمنا على عمر رضي الله عنه فسأل أربد فقال له احكم يا أربد فيه قال أنت خير مني يا أمير المؤمنين قال إنما أمرتك أن تحكم ولم آمرك أن تزكيني فقال أربد أرى فيه جديا قد جمع الماء والشجر
قال عمر فذلك فيه فأمره عمر أن يحكم فيه وهو القاتل وأمر أيضا كعب الأحبار أن يحكم على نفسه في الجرادتين اللتين صادهما وهو محرم ولأنه مال يخرج في حق الله تعالى فجاز أن يكون من وجب عليه أمينا فيه كالزكاة فصل قال أصحابنا في كبير الصيد مثله في النعم وفي الصغير صغير وفي الذكر ذكر وفي الأنثى أنثى وفي الصحيح صحيح وفي المعيب معيب وبهذا قال الشافعي وقال مالك في الصغير كبير وفي المعيب صحيح لأن الله تعالى قال هديا بالغ الكعبة المائدة 95 ولا يجزىء في الهدي صغير ولا معيب ولأنها كفارة متعلقة بقتل حيوان فلم تختلف بصغيرة وكبيرة كقتل الآدمي ولنا قول الله تعالى فجزاء مثل ما قتل من النعم المائدة 95 ومثل الصغير صغير ولأن ما ضمن باليد والجناية اختلف ضمانه بالصغر والكبر كالبهيمة والهدي في الآية معتبرة بالمثل وقد أجمع الصحابة على الضمان بما لا يصح هديا كالجفوة والعناق والجدي وكفارة الآدمي ليست بدلا عنه ولا تجري مجرى الضمان بدليل أنها لا تتبعض في أبعاضه فإن فدى المعيب بصحيح فهو أفضل وإن فداه بمعيب مثله جاز وإن اختلف العيب مثل أن فدى الأعرج بأعور والأعور بأعرج لم يجز لأنه ليس بمثله وإن فدى أعور من أحد العينين بأعور من أخرى أو أعرج من قائمة بأعراج من أخرى جاز لأن هذا اختلاف يسير ونوع العيب واحد وإنما اختلف محله وإن فدى الذكر بأنثى جاز لأن لحمها أطيب وأطب وإن فداها بذكر جاز من أحد الوجهين لأن لحمه أوفر فتساويا والآخر لا يجوز لأن زيادته عليها ليس هي من جنس زيادتها فأشبه فداء المعيب من نوع بمعيب من نوع فصل فإن قتل ماخضا فقال القاضي يضمنها بقيمة مثلها وهو مذهب الشافعي لأن قيمته أكثر من قيمة لحمه وقال أبو الخطاب يضمنها بماخض مثلها لأن الله تعالى قال فجزاء مثل ما قتل من النعم المائدة 95 وإيجاب القيمة عدول عن المثل مع إمكانه فإن فداها بغير ماخض احتمل الجواز لأن هذه الصفة لا تزيد في لحمها بل ربما نقصها فلا يشترط وجودها في المثل كاللون والعيب وإن جنى على ماخض فتلف جنينها وخرج ميتا ففيه ما نقصت أمه كما لو جرحها وإن خرج حيا لوقت يعيش لمثله ثم مات ثم ضمنه بمثله وإن كان لوقت لا يعيش لمثله فهو كالميت كجنين الآدمية فصل وإن أتلف جزءا من الصيد وجب ضمانه لأن جملته مضمونة فكان بعضه مضمونا كالآدمي والأموال ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا ينفر صيدها فالجرح أولى بالنهي والنهي يقتضي تحريمه وما كان محرما من الصيد وجب ضمانه كنفسه ويضمن بمثله من مثله في أحد الوجهين لأن ما وجب ضمان جملته بالمثل وجب في بعضه مثله كالمكيلات والآخر يجب قيمة مقداره من مثله لأن الجزاء يشق إخراجه فيمنع إيجابه ولهذا عدل الشارع عن إيجاب جزء من بعير في خمس من الإبل إيجاب شاة من غير جنس الإبل والأول أولى لأن المشقة ها هنا غير ثابتة لوجود الخيرة له في العدول عن المثل إلى عدله من الطعام أو الصيام فينتفي المانع فيثبت مقتضى الأصل وهذا إذا اندمل الصيد ممتنعا فإن اندمل غير ممتنع ضمنه جميعه لأنه عطله فصار كالتالف ولأنه مفض إلى تلفه فصار كالجارح له جرحا يتيقن به موته وهذا مذهب أبي حنيفة ويتخرج أن يضمنه بما نقص لأنه لا يضمن ما لم يتلف ولم يتلف جميعه لأنه عطله فصار كالتآلف ولأنه مفض إلى تلفه فصار كالجارح له جرحا يتيقن بعد موته وهذا مذهب أبي حنيفة و يتخرج أن يضمنه بما نقص لأنه لا يضمن ما لم يتلف ولم يتلف جميعه بدليل ما لو قتله محرم آخر لزمه الجزاء ومن أصلنا أن على المشتركين جزاء واحد وضمانه بجزاء كامل يفضي إلى إيجاب جزاءين وإن غاب غير مندمل خبره والجراحة موجبة فعليه ضمان جميعه كما لو قتله وإن كانت غير موجبة ضمان ما نقص ولا يضمن جميعه
لأننا لا نعلم حصول التلف بفعله فلم يضمن كما لو رمى سهما إلى صيد فلم يعلم أوقع به أم لا وكذلك إن وجده ميتا ولم يعلم أمات من الجناية أم من غيرها ويحتمل أن يلزمه ضمانه هاهنا لأنه وجد سبب إتلافه منه ولم يعلم له سبب آخر فوجب آحالته على السبب المعلوم كما لو وقع في الماء نجاسة فوجده متغيرا يصلح أن يكون منها فإننا نحكم بنجاسته وكذلك لو رمى صيدا فغاب عن عينه ثم وجده ميتا لا أثر به غير سهمه حل أكله وإن صيرته الجناية غير ممتنع فلم يعلم أصار ممتنعا أم لا فعليه ضمان جميعه لأن الأصل عدم الامتناع فصل وإذا جرح صيدا فتحامل فوقع في شيء تلف به ضمنه لأنه تلف بسببه وكذلك إن نفره فتلف في حال نفوره ضمنه فإن سكن في مكان ومن من نفوره ثم تلف لم يضمنه وقد ذكرنا وجها آخر أن يضمنه في المكان الذي انتقل إليه لما روى الشافعي في مسنده عن عمر رضي الله عنه أنه دخل دار الندوة فألقى رداءه على واقف في البيت فوقع عليه طير من هذا الحمام فأطاره فوقع على واقف فانتهزته حية فقتلته فقال لعثمان بن عفان ونافع بن عبد الحارث إني وجدت في نفسي أني أطرته من منزل كان فيه آمنا إلى موقعه كان فيه حتفه فقال نافع لعثمان كيف ترى في عنز ثنية عفراء يحكم بها على أمير المؤمنين فقال عثمان أرى ذلك فأمر بها عمر رضي الله عنه فصل وكل ما يضمن به الآدمي يضمن به الصيد من مباشرة أو بسبب وما جنت عليه دابته بيدها أو فمها من الصيد فالضمان على راكبها أو قائدها أو سائقها وما جنت برجلها فلا ضمان عليه لأنه لا يمكن حفظ رجلها وقال القاضي يضمن السائق جميع جنايتها لأن يده عليها ويشاهد رجلها وقال ابن عقيل لا ضمان عليه في الرجل لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال الرجل جبار وإن انقلبت فأتلفت صيدا لم يضمنه لأنه لا يدل عليها وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم العجماء جبار وكذلك لو أتلفت آدميا لم يضمنه ولو نصب المحرم شبكة أو حفر بئرا فوقع فيها صيد ضمنه لأنه بسببه كما يضمن الآدمي إلا أن يكون حفر البئر بحق كحفرة في داره أو في طريق واسع ينتفع بها المسلمون فينبغي أن لا يضمن ما تلف به كما لا يضمن الآدمي وإن نصب شبكة قبل إحرامه فوقع فيها صيد بعد إحرامه لم يضمنه لأنه لم يوجد منه بعد إحرامه تسبب إلى إتلافه أشبه ما لو صاده قبل إحرامه وتركه في منزله فتلف بعد إحرامه أو باعه وهو حلال فذبحه المشتري مسألة قال ( وإن كان طائرا فداه بقيمته في موضعه ) قوله بقيمة في موضعه يعني يجب قيمته في المكان الذي أتلفه فيه لا خلاف بين أهل العلم في وجوب ضمان الصيد من الطير إلا ما حكي عن داود لأنه لا يضمن ما كان أصغر من الحمام لأن الله تعالى قال فجزاء مثل ما قتل من النعم المائدة 95 وهذا لا مثل له ولنا عموم قوله تعالى لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم المائدة 95 وقيل في قوله تعالى ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم المائدة 94 يعني الفرخ والبيض وما لا يقدر أن يفر من صغار الصيد ورماحكم يعني الكبار وقد روي عن عمر 3 وابن عباس رضي الله عنهما أنهما حكما في الجراد بجزاء ودلالة الآية على وجوب جزاء غيره لا يمنع من وجوب الجزاء في هذا بدليل آخر وضمان غير الحمام من الطير قيمته لأن الأصل في الضمان أن يضمن بقيمته أو بما يشتمل عليها بدليل سائر المضمونات لكن تركنا هذا الأصل بدليل ففيما عداه تجب القيمة بقضية الدليل وتعتبر القيمة في موضع إتلافه كما لو أتلف مال آدمي في موضع قوم في موضع الإتلاف كذا ها هنا فصل ويضمن بيض السيد بقيمته أي صيد كان
قال ابن عباس في بيض النعام قيمته وروى ذلك عن عمر وابن مسعود وبه قال النخعي والزهري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي لأنه يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في بيض النعام قيمته مع أن النعام من ذوات الأمثال فغيره أولى ولأن البيض لا مثل له فيجب قيمته كصغار الطير فإن لم يكن له قيمة لكونه مذرا أو لأن فرخه ميت فلا شيء فيه قال أصحابنا إلا بيض النعام فإن لقشرة قيمة والصحيح أنه لا شيء فيه لأنه إذا لم يكن فيه حيوان ولا مآلة إلى أن يصير منه حيوان صار كالأحجار والخشب وسائر ما له قيمة من غير الصيد ألا ترى أنه لو نقب بيضة فأخرج ما فيها لزمه جزاء جميعها ثم لو كسرها هو أو غيره لم يلزمه لذلك شيء ومن كسر بيضة فخرج منها فرخ حي فعاش فلا شيء فيه وإن مات ففيه ما في صغار أولاد المتلف بيضة ففي فرخ الحمام صغيرا أولاد الغنم وفي فرخ النعامة حوار وفيما عداها قيمته ولا يحل لمحرم أكل بيض الصيد إذا كسره هو أو محرم سواه وإن كسره حلال فهو كلحم الصيد إن كان أخذه لأجل المحرم لم يبح له أكله ولا أبيح وإن كسر بيض صيد لم يحرم على الحلال لأن حله لا يقف على كسره ولا يعتبر له أهلية بل لو كسره مجوسي أو وثني أو بغير تسمية لم يحرم فأشبه قطع اللحم وطبخه وقال القاضي يحرم على الحلال أكله كما لو ذبح الصيد لأن كسره جرى مجرى الذبح بدليل حله للمحرم بكسر الحلال له وإن نقل بيض صيد فجعله تحت آخر أو ترك مع بيض الصيد بيضا آخر أو شيئا نفره عن بيضه حتى فسد ضمان لأنه تلف بسببه وإن صح وفرخ فلا ضمان عليه وإن باض الصيد فراشه فتلفه برفق ففسد ففيه وجهان بناء على أن الجراد انفرش في طريقه وحكم بيض الجراد وإن احتلب لبن صيد ففيه قيمة كما لو حلب لبن حيوان مغصوب فصل إذا نتف محرم ريش طائر ما نقص وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وأوجب مالك وأبو حنيفة فيه الجزاء جميعه ولنا إنه نقضه نقضا يمكن زواله فلم يضمنه بكماله كما لو جرحه فإن حفظه وأطعمه وسقاه حتى عاد ريشه فلا ضمان عليه لأن القصر زال فأشبه ما لو اندمل الجرح وقيل عليه قيمة الريش لأن للثاني غير الأول فإن صار غير ممتنع ينتف ريشه واندمل غير ممتنع فعليه جزاء جميعه كالجرح فإن غاب غير مندمل ففيه ما نقص كالجرح سواء وقد ذكرنا ثم احتمالا فها هنا مثله مسألة قال ( إلا أن تكون نعامة فيكون فيها بدنة أو حمامة وما أشبهها فيكون في كل واحد منها شاة ) هذا متعلق بقوله وإن كان طائرا فداه بقيمته في موضعه واستثنى النعامة من الطائر لأنها ذات جناحين وتبيض فهي كالدجاج والأوز وأوجب فيها بدنة لأن عمر وعليا وعثمان وزيد بن ثابت وابن عباس ومعاوية رضي الله عنهم حكموا فيها ببدنة وبه قال عطاء ومجاهد ومالك والشافعي وأكثر أهل العلم وحكي عن النخعي أن فيها قيمتها وبه قال أبو حنيفة وخالف صاحباه واتباع النص في قوله تعالى فجزاء مثل ما قتل من النعم والآثار أولى ولأن النعامة تشبه البعير في خلقته فكانت مثلا لها فتدخل في عموم النص في الحمام شاة حكم به عمر وعثمان وابن عمر وابن عباس ونافع بن الحارث في حمام الحرم وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء وعروة وقتادة والشافعي وإسحاق وقال أبو حنيفة ومالك فيه قيمته إلا أن مالكا وافق في حمام الحرم لحكم الصحابة ففيما عداه يبقى على الأصل قلنا روي عن ابن عباس في الحمام حال الإحرام كمذهبنا ولأنها حمامة مضمونة لحق الله تعالى فضمنت بشاة كحمامة الحرم ولأنها متى كانت الشاة مثلا لها في الحرم فكذلك في الحل فيجب ضمانها بها
لقول الله تعالى فجزاء مثل ما قتل من النعم المائدة 95 وقياس الحمام على الحمام أولى من قياسه على غيره وقول الخرقي وما أشبهها يعني ما يشبه الحمامة في أنه يعب الماء أي يضع منقاره فيه فيكرع كما تكرع الشاة ولا يأخذ قطرة قطرة كالدجاج والعصافير وإنما أوجبوا فيه شاة لشبهه بما فيكرع الماء مثلها ولا يشرب مثل شرب بقية الطيور قال أحمد في رواية أبي القاسم وشندي كل طير يعب الماء يشرب مثل الحمام ففيه شاة فيدخل في هذا الفواخت والوراشين والسقايين والدبسي والقطا لأن كل واحد من هذه تسميه العرب حماما وقد روي عن الكسائي أنه قال كل مطوق حمام وعلى هذا القول الحجل حمام لأنه مطوق فصل وما كان أكبر من الحمام كالحبارى والكركي والكروان والحجل والأوز الكبير من طير الماء ففيه وجهان أحدهما فيه شاة لأنه روي عن ابن عباس وجابر وعطاء أنهم قالوا في الحجلة والقطاة والحبارة شاة شاة وزاد عطاء في الكركي والكروان وابن الماء ودجاج الحبش والحرب شاة شاة والحرب هو فرخ الحبارى لأن إيجاب الشاة في الحمام تنبيه على إيجابها فيما هو أكبر منه والوجه الثاني فيه قيمته وهو مذهب الشافعي لأن القياس يقتضي وجوبها في جميع الطير تركناه في الحمام لإجماع الصحابة رضي الله عنهم ففي غيره يرجع إلى الأصل مسألة قال ( وهو مخير إن شاء فداه بالنظير أو قوم النظير بدراهم ونظر كم يجيء به طعاما فأطعم كل مسكين مدا أو صام عن كل مد يوما معسرا كان أو موسرا ) في هذه المسألة أربع فصول الأول أن قاتل الصيد مخير في الجزاء بأحد هذه الثلاثة بأيها شاء كفر موسرا كان أو معسرا وبهذا قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي وعن أحمد رواية ثانية أنها على الترتيب فيجب المثل أولا فإن لم يجد أطعم فإن كان لم يجد صام وروي هذا عن ابن عباس والثوري لأن هدي المتعة على الترتيب وهذا أوكد منه لأنه بفعل محظور وعنه رواية ثالثة أنه لا إطعام في الكفارة وإنما في الآية ليعدل الصيام لأن من قدر على الإطعام قدر على الذبح هكذا قال ابن عباس وهذا قول الشعبي وأبي عياض ولنا قول الله تعالى هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما المائدة 95 وأو في الأمر للتخيير روي عن ابن عباس أنه قال كل شيء أو فهو مخير وأما ما كان فإن لم يوجد فهو الأول الأول ولأن عطف هذه الخصال بعضها على بعض بأو فكان مخيرا بين ثلاثتها كفدية الأداء وقد سمى الله الطعام كفارة ولا يكون كفارة ما لم يجب إخراجه وجعله طعاما للمساكين إلا يجوز صرفه إليهم لا يكون طعاما لهم وعطف الطعام على الهدي ثم عطف الصيام عليه ولو لم يكن خصلة من خصالها لم يجز ذلك فيه ولأنها كفارة ذكر فيها الطعام فكان من خصالها كسائر الكفارات قولهم إنها وجبت بفعل محظور يبطل بفدية الأذى على أن لفظ النص صريح في التخيير فليس ترك مدلوله قياسا على هدي المتعة بأولى من العكس فلا يجوز قياس هدي المتعة في التخيير على هذا لما يتضمنه من ترك النص كذا هذا الفصل الثاني إذا اختار المثل ذبحه وتصدق به على مساكين الحرم لأن الله تعالى قال هديا بالغ الكعبة المائدة 95 ولا يجزئه أن يتصدق به حيا على المساكين لأن الله سماه هديا والهدي يجب ذبحه أي وقت شاء ولا يختص ذلك بأيام النحر الفصل الثالث أنه متى اختار الإطعام فإنه يقوم المثل بدراهم والدراهم بطعام ويتصدق به على المساكين وبهذا قال الشافعي وقال مالك يقوم الصيد لا المثل لان التقويم إذا وجب لأجل الإتلاف قوم المتلف كالذي لا مثل له ولنا إن كل تلف وجب فيه المثل إذا قوم لزمت قيمة مثله كالمثلي من مال الآدمي ويعتبر قيمة المثل في الحرم لأنه يحل إحرامه
ولا يجزىء إخراج القيمة لأن الله تعالى خير بين ثلاثة أشياء ليست القيمة منها والطعام المخرج هو الذي يخرج في الفطرة وفدية الأذى وهو الحنطة والشعير والتمر والزبيب ويحتمل أن يجزىء كل ما يسمى طعاما لدخوله في إطلاق اللفظ ويعطي كل مسكين مدا من البر كما يدفع إليه في كفارة اليمين فما بقية الأصناف فنصف صاع لكل مسكين نص عليه أحمد فقال في إطعام المساكين في الفدية وجزاء كفارة اليمين إن أطعم برا فمد طعام لكل مسكين وإن أطعم برا فمد طعام لكل مسكين وأطلق الخرقي لكل مسكين ولم يفرق والأولى أنه لا يجزىء من غير البر أقل من نصف صاع إذ لم يرد الشرع في موضع بأقل من ذلك في طعمة المساكين ولا توقيف فيه فيرد إلى نظائره ولا يجزىء إخراج المساكين غير الحرم لأن قيمة الهدي الواجب لهم فيكون أيضا لهم كقيمة المثلي من مال الآدمي الفصل الرابع في الصيام فعن أحمد أن يصوم عن كل مد يوما وهو ظاهر قول عطاء ومالك والشافعي لأنها كفارة دخلها الصيام والإطعام فكان اليوم في مقابلة المد ككفارة الظهار وعن أحمد أنه يصوم عن كل نصف صاع يوما وهو قول ابن عقيل والحسن والنخعي والثوري وأصحاب الرأي وابن المنذر قال القاضي المسألة رواية واحدة واليوم عن مد أو نصف بإطعام المسكين وإطعام المسكين مد بر أو نصف صاع من غيره ولأن الله تعالى جعل اليوم في كفارة الظهار في مقابلة إطعام المسكين فكذا ها هنا وروي عن أبي ثور أن جزاء الصيد من الطعام والصيام مثل كفارة الأذى وروي ذلك عن ابن عباس ولنا إنه جزاء عن متلف فاختلاف اختلافه كبدل مال الآدمي وإذا بقي ما لا يعدل كدون المد صام يوما كاملا قال عطاء والنخعي وحماد والشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم أحدا خالفهم لأن الصوم لا يتبعض فيجب تكميله ولا يجب التتابع في الصيام وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي فإن الله تعالى أمر به مطلقا فلا يتقيد بالتتابع من غير دليل ولا يجوز أن يصوم عن بعض الجزاء ويطعم عن بعض نص عليه أحمد وبه قال الشافعي والثوري وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر وجوزه محمد بن الحسن إذا عجز عن بعض الإطعام ولا يصح لأنها كفارة واحدة فلا يؤدي بعضها بالإطعام وبعضها بالصيام كسائر الكفارات فصل وما لا مثل له من الصيد يخير قاتله بين أن يشتري بقيمته طعاما فيطعمه للمساكين وبين أن يصوم وهل يجوز إخراج القيمة فيه احتمالان أحدهما لا يجوز وهو ظاهر قول أحمد في رواية حنبل فإنه قال إذا أصاب المحرم صيدا ولم يصب له عدلا يحكم به عليه قوم طعاما إن قدر على طعام وإلا صام نصف صاع يوما وهكذا يروى عن ابن عباس ولأنه جزاء صيد فلم يجز إخراج القيمة فيه كالذي له مثل ولأن الله تعالى بين ثلاثة أشياء ليس بها القيمة فإذا عدم أحد الثلاثة يبقى التخيير بين الشيئين الباقيين فأما إيجاب شيء غير المنصوص فلا الثاني يجوز إخراج القيمة لأن عمر رضي الله عنه قال لكعب ما جعلت على نفسك قال درهمين قال اجعل ما جعلت على نفسك وقال عطاء في العصفور نصف درهم وظاهره إخراج الدراهم الواجبة مسألة قال ( وكلما قتل صيدا حكم عليه ) معناه أنه يجب الجزاء بقتل الصيد الثاني كما يجب عليه إذا قتله ابتداء وفي هذه المسألة عن أحمد ثلاث روايات إحداهن أنه يجب في كل صيد جزاء وهذا ظاهر المذهب قال أبو بكر هذا أولى القولين بأبي عبد الله وبه قال الثوري والشافعي وإسحاق وابن المنذر وأصحاب الرأي والثانية لا يجب إلا في المرة الأولى وروي ذلك عن ابن عباس وبه قال شريح والحسن وسعيد بن جبير ومجاهد والنخعي وقتادة لأن الله تعالى قال ومن عاد فينتقم الله منه ولم يوجب جزاء والثالثة إن كفر عن الأول كفارة وإلا فلا شيء للثاني لأنها كفارة تجب بفعل محظور في الإحرام فيدخل جزاؤها قبل التفكير كاللبس والطيب ولنا إنها كفارة عن قت
فاستوى فيه المبتدىء والعائد كقتل الآدمي ولأنها بدل متلف يجب به المثل أو القيمة فأشبه بدل من الآدمي قال أحمد روي عن عمر وغيره أنهم حكموا في الخطأ وفيمن قتل ولم يسألوه هل كان قتل قبل هذا أو لا وإنما هذا يعني لتخصيص الإحرام مكانه والآية اقتضت الجزاء على العائد بعمومها وذكر العقوبة في الثاني لا يمنع الوجوب كما قال الله تعالى فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون البقرة 275 وقد ثبت أن العائد لو انتهى كان له ما سلف وأمره إلى الله ولا يصح قياس جزاء الصيد على غيره ولأن جزاءه مقدر به ويختلف بصغره وكبره ولو أتلف صيدين معا وجب جزاؤهما فكذلك إذا تفرقا بخلاف غيره من المحظورات فصل ويجوز إخراج جزاء الصيد بعد جرحه وقبل موته نص عليه أحمد لأنها كفارة فجاز تقديمها على الموت ككفارة قتل الآدمي ولأنها كفارة فأشبهت كفارة الظهار واليمين مسألة قال ( ولو اشترك جماعة في قتل صيد فعليهم جزاء واحد ) يروى عن أحمد في هذه المسألة ثلاث روايات إحداهن أن الواجب جزاء واحد وهو الصحيح ويروى هذا عن عمر بن الخطاب وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم وبه قال عطاء والزهري والنخعي والشعبي والشافعي وإسحاق والثانية عن كل واحد جزاء رواهما ابن أبي موسى واختارها أبو بكر وبه قال مالك والثوري وأبو حنيفة ويروى عن الحسن لأنها كفارة قتل يدخلها الصوم أشبهت كفارة قتل الآدمي والثالثة إن كان صوما صام كل واحد صوما تاما وإن كان غير ذلك فجزاء واحد وإن كان أحدهما هدي والآخر صوم فعلى المهدي بحصته وعلى الآخر صوم تام لأن الجزاء ليس بكفارة وإنما هو بدل بدليل أن الله تعالى عطف عليه الكفارة فقال الله تعالى فجزاء مثل ما قتل من النعم المائدة 95 والصوم كفارة ككفارة قتل الآدمي ولنا قول الله تعالى فجزاء مثل ما قتل من النعم المائدة 95 والجماعة قد قتلوا صيدا فيلزمهم مثله والزائد خارج عن المثل فلا يجب ومتى ثبت اتخاذ الجزاء في الهدي وجب اتخاذه في الصيام لأن الله تعالى قال أو عدل ذلك صياما والاتفاق حاصل أنه معدول بالقيمة إما قيمة المتلف وإما قيمة مثله فإيجاب الزائد على عدل القيمة خلاف النص وأيضا ما روي عمن سمينا من الصحابة أنهم قالوا كمذهبنا لأنه جزاء عن مقتول يختلف باختلافه فكان واحدا كالدية أو كما لو كان القاتل واحدا أو بدل المحل فاتحدت باتحاده الدية وكفارة الآدمي لنا فيها منع ولا يتبعض في أبعاضه ولا يختلف باختلافه فلا يتبعض على الجماعة بخلاف مسألتنا فصل فإذا كان شريك المحرم حلالا أو سبعا فلا شيء على الحلال ويحكم على الحرام ثم إن كان جرح أحدهما قبل صاحبه والسابق الحلال أو السبع فعلى المحر جزاؤه مجروحا وإن كان السابق المحرم فعليه جزاء جرحه على ما مضى وإن كان جرحهما في حال واحدة ففيها وجهان أحدهما على المحرم بقسطه كما لو كان شريكه محرما لأنه إنما أتلف البعض والثاني عليه جزاء جميعه لأنه تعذر إيجاب الجزاء على شريكه فأشبه ما لو كان أحدهما دالا والآخر مدلولا أو أحدهما ممسكا والآخر قاتلا فإن الجزاء على المحرم أيهما كان لتعذر إيجاب الجزاء على الآخر فصل وإن اشترك حرام وحلال في صيد حرمي فالجزاء بينهما نصفين لأن الإتلاف يشب إلى كل واحد منهما نصفه ولا يزداد الواجب على المحرم باجتماع حرمة الإحرام والحرم فيكون الواجب على كل واحد منهما النصف وهذا الاشتراك الذي هذا حكمه هو الذي يقع به الفعل منهما معا وإن سبق صاحبه فحكمه ما ذكرناه فيما ما مضى