İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
وذلك متعذر فتجب قيمته وهو أجر مثله كما لو تبايعا بيعا فاسدا وتقابضا وتلف أحد العوضين في يد القابض له وجب رد قيمته فعلى هذا سواء ظهر في المال ربح أو لم يظهر فأما إن رضي المضارب بالعمل بغير عوض مثل أن يقول قارضتك والربح كله لي فالصحيح أنه لا شيء للمضارب ها هنا لأنه تبرع بعمله فأشبه ما لو أعانه في شيء أو توكل به بغير جعل أو أخذ له بضاعة الفصل الثالث في الضمان ولا ضمان عليه فيما يتلف بغير تعديد وتفريطه لأنه ما كان القبض في صحيحه مضمونا كان مضمونا في فاسده وما لم يكن مضمونا في صحيحه لم يضمن في فاسده وبهذا قالالشافعي وقال أبو يوسف ومحمد يضمن ولنا إنه عقد لا يضمن ما قبضه في صحيحه فلم يضمن في فاسده كالوكالة ولأنها إذا فسدت صارت إجارة والأجير لا ضمن سكنى ما تلف بغير تعديه ولا فعله فكذا ها هنا وأما الشركة إذا فسدت فقد ذكرناها قبل هذا مسألة قال ( ولا يجوز إن يقال لمن عليه دين ضارب بالدين الذي عليك ) نص أحمد على هذا وهو قول أكثر أهل العلم ولا نعلم فيه مخالفا قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أنه لا يجوز أن يجعل الرجل دينا له على رجل مضاربة وممن حفظنا ذلك عنه عطاء والحكم وحماد ومالك والثوري وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وبه قال الشافعي وقال بعض أصحابنا يحتمل أن تصح المضاربة لأنه إذا اشترى شيئا للمضاربة فقد اشتراه بإذن رب المال ودفع الدين إلى من أذن له في دفعه إليه فتبرأ ذمته منه ويصير كما لو دفع إليه عرضا وقال بعه وضارب بثمنه وجعل أصحاب الشافعي مكان هذا الاحتمال أن الشراء لرب المال وللمضارب أجر مثله لأنه علقه بشرط ولا يصح عندهم تعليق القراض بشرط والمذهب هو الأول لأن المال الذي في يدي من عليه الدين له وإنما يصير لغريمه بقبضه ولم يوجد القبض ها هنا وإن قال له اعزل المال الذي لي عليك وقد قارضتك عليه ففعل واشترى بعين ذلك شيئا للمضاربة وقع الشراء للمشتري لأنه يشتري لغيره بمال نفسه فحصل الشراء له فإن اشتري في ذمته فكذلك لأنه عقد القراض على ما لا يملكه وعلقه على شرط لا يملك به المال فصل وإن قال لرجل اقبض المال الذي على فلان واعمل به مضاربة فقبضه وعمل به جاز في قولهم جميعا ويكون وكيلا في قبضه مؤتمنا عليه لأنه قبضه بإذن مالكه من غيره فجاز أن يجعله مضاربة كما لو قال اقبض المال من غلامي وضارب به قال مهنا سألت أحمد عن رجل قال اقرضي ألفا شهرا ثم هو بعد الشهر مضاربة قال لا يصح وذلك لأنه إذا أقرضه صار دينا عليه وقد ذكرنا أنه لا يجوز أن يضارب بالدين الذي عليه ولو قال ضارب به شهرا ثم خذه قرضا جاز لما ذكرنا فيما تقدم فصل ومن شرط المضاربة أن يكون رأس المال معلوم المقدار ولا يجوز أن يكون مجهولا ولا جزافا ولو شاهداه وبهذا قال الشافعي وقال أبو ثور وأصحاب الرأي يصح إذا شاهداه والقول قول العامل مع يمينه في قدره لأنه أمين رب المال والقول قوله فيما في يديه فقام ذلك مقام المعرفة به ولنا إنه مجهول فلم تصح المضاربة به كما لو يشاهداه وذلك لأنه لا يدري بكم يرجع عند المفاصلة ولأنه يفضي إلى المنازعة والاختلاف في مقداره فلم يصح كما لو كان في الكيس وما ذكروه يبطل بالسلم وبما إذا لم يشاهداه فصل ولو أحضر كيسين في كل واحد منهما مال معلوم المقدار وقال قارضتك على أحدهما لم يصح سواء تساوى ما فيهما أو اختلف لأنه عقد تمنع صحته الجهالة فلم يجز على غير معين كالبيع مسألة قال ( وإن كان في يده وبديعة جاز له أن يقول ضارب بها ) وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال الحسن لا يجوز حتى يقبضها منه قياسا على الدين
ولنا إن الوديعة ملك رب المال فجاز إن يضاربه عليها كما لو كانت حاضرة فقال قارضتك على هذا الألف وأشار إليه في زاوية البيت وفارق الدين فإنه لا يصير عين المال ملكا للغريم إلا بقبضه ولو كانت الوديعة قد تلفت بتفريطه وصارت في الذمة لم يجز أن يضاربه عليها لأنها صارت دينا فصل ولو كان في يد غيره مال مغصوب فضارب الغاصب به صح أيضا لأنه مال لرب المال يباح له بيعه من غاصبه ومن يقدر على أخذه منه فأشبه الوديعة وإن تلف وصار في الذمة لم تجز المضاربة به لأنه صار دينا ومتى ضاربه بالمال المغصوب زال ضمان الغصب بمجرد عقد المضاربة وبهذا قال أبو حنيفة وقال القاضي لا يزول ضمان الغصب إلا بدفعه ثمنا وهو مذهب الشافعي لأن القراض لاي ينافي بدليل ما لو تعدى فيه ولنا إنه ممسك للمال بإذن مالكه لا يختص بنفعه ولم يتعد فيه فأشبه ما لو قبضه إياه فصل والعامل أمين في مال المضاربة لأنه متصرف في مال غيره بإذنه لا يختص بنفعه فكان أمينا كالوكيل وفارق المستعير فإنه قبضه لمنفعته خاصة وها هنا المنفعة بينهما فعلى هذا القول قوله في قدر رأس المال قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنهم من أهل العلم أن القول قول العامل في قدر رأس المال كمذا قال الثوري وإسحاق وأصحاب الرأي وبه نقول ولأنه يدعى عليه قبض شيء وهو ينكره والقول قول المنكر وكذلك القول فوله فيما يدعي من تلف المال أو خسارة فيه وما يدعى عليه من خيانة وتفريط وفيها يدعي أنه اشتراه لنفسه أو للمضاربة لأن الاختلاف ها هنا في نيته وهو أعلم بما نواه لا يطلع على ذلك أحد سواه فكان القول قوله فيما نواه كما لو اختلف الزوجان في نية الزوج بكناية الطلاق ولأنه أمين في الشراء فكان القول قوله كالوكيل ولو اشترى عبدا فقال رب المال كنت نهيتك عن شرائه فأنكر العامل فالقول قوله لأن الأصل عدم النهي وهذا كله لا نعلم فيه خلافا فصل وإن قال أذنت لي في البيع نسيئة وفي الشراء بعشرة قال بل أذنت لك في البيع نقدا وفي الشراء بخمسة فالقول قول العامل نصل عليه أحمد وبه قال أبو حنيفة ويحتمل أن القول قول رب المال وهو قول الشافعي لأن الأصل عدم الإذن ولأن القول قول رب المال في أصل الإذن فكذلك في صفته ولنا إنهما اتفقا على الإذن واختلفا في صفته فكان القول قول العامل كما لو قال نهيتك عن شراء عبد فأنكر النهي فصل وإن قال شرطت لي نصف الربح فقال بل ثلثه فعن أحمد فيه روايتان إحداهما القول قول رب المال نص عليه في رواية ابن المنصور وسندي وبه قال الثوري وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وابن المبارك وابن المنذر لأن رب المال ينكر السدس الزائد واشتراطه له والقول قول المنكر والثانية أن العامل إذا ادعى أجر المثل وزيادة يتغابن الناس بمثلها فالقول قوله وإن ادعى أكثر فالقول قوله فيما وافق أجر المثل وقال الشافعي يختلفان لأنهما اختلفا في عوض عقد فيتحالفان كالمتبايعين ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم ولكن اليمني على المدعى عليه ولأن الاختلاف في المضاربة فلم يتحالفا كسائر ما قدمنا اختلافهما فيه والمتبايعان يرجعان إلى رؤوس أموالهما بخلاف ما نحن فيه فصل وإن ادعى العامل رد المال فأنكر رب المال فالقول قول رب المال مع يمينه نص عليه أحمد ولأصحاب الشافعي وجهان أحدهما كقولنا والآخر يقبل قوله لأنه أمين ولأن معظم النفع لرب المال فالعامل كالمودع ولنا إنه قبض المال لنفع نفسه فلم يقبل قوله في الرد كالمستعير ولأن رب المال منكر والقول قول المنكر وفارق المودع فإنه لا نفع له في الوديعة وقولهم إن معظم النفع لرب المال يمنعه وإن سلم إلا أن المضارب لم يقبضه إلا لنفع نفسه ولم يأخذه لنفع رب المال فصل وإن قال ربحت ألفا ثم قال خسرت ذلك قبل قوله لأنه أمين يقبل قوله في التلف فقبل قوله في الخسارة كالوكيل
وإن قال غلطت أو نسيت لم يقبل قوله لأنه مقر بحق لآدمي فلم يقبل قوله في الرجوع كما لو أقر بأن رأس المال ألف ثم رجع ولو أن العامل خسر فقال لرجل أقرضني ما أتمم به رأس المال لأعرضه على ربه فإنني أخشى أن ينزعه مني إن علم بالخسارة فأقرضه فعرضه على رب المال وقال هذا رأس مالك فأخذه فله ذلك ولا يقبل رجوع العامل عن إقراره إن رجع ولا تقبل شهادة المقرض له لأنه يجر إلى نفسه نفعا وليس له مطالبة رب المال لأن العامل ملكه بالقرض ثم سلمه إلى رب المال ولكن يرجع المقرض على العامل لا غير فصل وإذا دفع رجل إلى رجلين مالا قراضا على النصف فنض المال وهو ثلاثة آلاف وقال رب المال رأس المال ألفان فصدقه أحدهما وقال الآخر بل هو ألف فالقول قول المنكر مع يمينه فإذا حلف إن رأس المال ألف والربح ألفان فنصيبه منهما خمسمائة يبقى ألفان وخمسمائة يأخذ رب المال ألفين لأن الآخر يصدقه ويبقى خمسائة ربحا بين المال والعامل الآخر يقتسمانها أثلاثا لرب المال ثلثاها وللعامل ثلثها مائة وستة وستون وثلثان ولرب المال ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث لأن نصيب رب المال من الربح نصفه ونصيب هذا العامل ربعه فيقسم بينهما باقي الربح على ثلاثة وما أخذه الحالف فيما زاد على قدره نصيبه كالتالف منهما والتالف يحسب في المضاربة من الربح وهذا قول الشافعي فصل وإن دفع إلى رجل ألفا يتجر فيه فربح فقال العامل كان قرضا لي ربحه كله وقال رب المال كان قراضا فربحه بيننا فالقول قول رب المال لأنه ملكه فالقول قوله في صفة خروجه عن يده فإذا حلف قسمنا الربح بينهما ويحتمل أن يتحالفا ويكون للعامل أكثر الأمرين مما شرطه له من الربح أو أجر مثله لأنه إن كان الأكثر نصيبه من الربح فرب المال معترف به وهو يدعي الربح كله وإن كان أجر مثله أكثر فالقول قوله في عمله مع يمينه كما أن القول قول رب المال في ربح ماله فإذا حلف قبل قوله في أنه ما عمل بهذا الشرط وإنما عمل لغرض لم يسلم له فيكون له أجر المثل وإن أقام كل واجد منهما بينة بدعواه فنص أحمد في رواية مهنا أنهما يتعارضان ويقسم الربح بينهما نصفين وإن قال رب المال كان بضاعة وقال العامل بل كان قراضا احتمل أن يكون القول قول العامل لأنه عمله له فيكون القول قوله فيه ويحتمل إن يتحالفا ويكون للعامل أقل الأمرين من نصيبه من الربح أو أجر مثله لأنه لا يدعي أكثر من نصيبه من الربح فلا يستحق زيادة عليه وإن كان الأقل أجر مثله فلم يثبت كونه قراضا فيكون له أجر عمله وإن قال رب المال كان بضاعة وقال العامل كان قرضا حلف كل واحد مهما على إنكار ما ادعاه خصمه وكان له أجر عمله لا غير وإن خسر المال أو تلف فقال رب المال كان قرضا وقال العامل كان قراضا أو بضاعة فالقول قول رب المال فصل وإذا اشترط المضارب النفقة ثم ادعى أنه إنما أنفق من ماله وأراد الرجوع فله ذلك سواء كان المال باقيا في يديه أو قد رجع إلى مالكه وبه قال أبو حنيفة إذا كان المال باقيا في يديه وليس له ذلك إذا كان بعد رده ولنا إنه أمين فكان القول قوله في ذلك كا لو كان باقيا في يده وكالوصي إذا ادعى النفقة على اليتيم فصل إذا كان عبد بين رجلين فباعه أحدهما بأمر الآخر بألف وقال لم أقبض ثمنه وادعى المشتري أنه قبضه وصدقه الذي لم يبع برىء المشتري من نصف ثمنه لاعتراف شريك البائع بقبض وكيله حقه فبرىء المشتري منه كما لو أقر أنه قبضه بنفسه وتبقى الخصومة بين البائع وشريكه والمشتري فإن خاصمه شريكه وادعى عليه أنك قبضته نصيبي من الثمن فأنكر فالقول قوله مع يمينه إن لم يكن للمدعي بينة وإن كانت له بينة قضى بها عليه ولا تقبل شهادة المشتري له
لأنه يجر بها إلى نفسه نفعا وإن خاصم البائع المشتري فادعى المشتري أنه دفع إليه الثمن وأنكر البائع فالقول قوله مع يمينه لأنه منكر فإذا حلف أخذ من المشتري نصف الثمن ولايشاركه فيه شريكه لأنه معترف أن يأخذه ظلما فلا يستحق مشاركته فيه وإن كانت للمشتري بينة حكم بها ولا تقبل شهادة شريكه عليه لأنه يجر بها إلى نفسه نفعا ومن شهد بشهادة تجر إلى نفسه نفعا بطلت شهادته في الكل ولا فرق بين مخاصمة الشريك قبل مخاصمة المشتري أو بعدها وإن ادعى المشتري أن شريك البائع قبض الثمن منه فصدقه البائع نظرت فإن كان البائع أذن لشريكه في القبض فهي كالتي قبلها وإن لم يأذن له في القبض لم تبرأ ذمة المشتري من شيء من الثمن لأن البائع لم يوكله في القبض فقبضه له لا يلزمه ولا يبرأ المشتري منه كما لو دفعه إلى أجنبي ولا يقبل قول المشتري على شريك البائع لأنه ينكره وللبائع المطالبة بقدر نصيبه لا غير لأنه مقر أن شريكه قبض حقه ويلزم المشتري دفع نصيبه إليه ولا يحتاج إلى أمين لأن المشتري مقر ببقاء حقه وإن دفعه إلى شريكه لم تبرأ ذمته فإذا قبض حقه فلشريكه مشاركته فيما قبض لأن الدين لهما ثابت بسبب واحد فما قبض منه يكون بينهما كما لو كان ميراثا وله أن لا يشاركه ويطالب المشتري بحقه كله ويحتمل أن لا يملك الشريك مشاركته فيما قبض لأن كل واحد مهما يستحق ثمن نصيبه الذي ينفرد به فلم يكن لشريكه مشاركته فيما قبض من ثمنه كنا لو باع كل واحد منهما نصيبه في صفقة ويخالف الميراث لأن سبب استحقاق الورقة لا يتبعض فلم يكن للورثة تبعيضه وها هنا يتبعض لأنه إذا كان البائع اثنين كان بمنزلة عقدين ولأن الوارث نائب عن الموروث فكان ما يقبضه للموروث يشترك فيه جميع الورثة بخلاف مسألتنا فإن ما يقبضه لنفسه فإن قلنا له مشاركته فيما قبض فعليه اليمين أنه لم يستوف حقه من المشتري ويأخذ من القابض نصف ما قبضه ويطالب المشتري ببقية حقه إذا حلف له أيضا أنه ما قبض منه شيئا وليس للمقبوض منه أن يرجع على المشتري بعوض ما أخذ منه لأنه مقر أن المشتري قد برئت ذمته من حق شريكه وإنما أخذ منه ظلما فلا يرجع بما ظلمه هذا على غيره وإن خاصم المشتري شريك البائع فادعى عليه أنه قبض الثمن منه فكانت له بينة حكم بها وتقبل شهادة البائع له إذا كان عدلا لأنه لا يجر إلى نفسه نفعا ولا يدفع عنها ضررا لأنه إذا ثبت أن شريكه قبض الثمن لم يملك مطالبته بشيء لأنه ليس بوكيل له في القبض فلا يقع قبضه له هكذا ذكره بعض أصحابنا وعندي لا تقبل شهادته له لأنه يدفع عن نفسه ضرر مشاركة شريكه له فيما يقبضه من المشتري وإذا لم تكن بينة فحلف أخذ من المشتري نصف الثمن وإن نكل أخذ المشتري منه نصفه فصل وإذا كان العبد بين اثنين فغضب رجل نصيب أحدهما بأن يستولي على العبد ويمنع أحدهما الانتفاع دون الآخر ثم إن مالك نصفه والغاصب باعا العبد صفقة واحدة صح في نصيب المالك وبطل في نصيب الغاصب وإن وكل الشريك الغاصب أو وكل الغاصب الشريك في البيع فباع العبد كلهن صفقة واحدة بطل في نصيب الغاصب في الصحيح وهل يصح في نصيب الشريك على روايتين بناء على تفريق الصفقة لأن الصفقة ها هنا وقعت واحدة وقد بطل البيع في بعضها في سائرها بخلاف ما إذا باع المالك والغاصب فإنهما عقدان لأن عقد الواحد مع الاثنين عقدان ولو أن الغاصب ذكر للمشرتي أنه وكل في نصفه لصح الآذن لكونه كالعقد المنفرد فصل وإذا كان لرجلين دين لسبب واحد إما عقد أو ميراث أو استهلاك أو غيره فقبض أحدهما منه شيئا فللآخر مشاركته فيه وهذا ظاهر المذهب
وقد روي عن أحمد ما يدل على أن لأحدهما أن يأخذ حقه دون صاحبه ولا يشاركه الآخر فيما أخذه وهو قول أبي العالية وأبي قلابة وابن سيرين وأبي عبيد قيل لأحمد بعت أنا وصاحبي متاعا بيني وبينه فأعطاني حقي وقال هذا حقك خاصة وأنا أعطي شريكك بعد قال لا يجوز قيل له فإن أخره أو أبرأه من حقه دون صاحبه قال يجوز قيل فقد قال أبو عبيد له أن يأخذ دون صاحبه لا إذا كان له أن يؤخر ويبرئه دون صاحبه ففكر فيها ثم قال هذا يشبه الميراث إذا أخذ منه بعض الورثة دون بعض وقد قال ابن سيرين وأبو قلابة وأبو العالية من أخذ شيئا فهو من نصيبه قال فرأيته قد احتج له وأجازه قال أبو بكر العمل عندي على ما رواه حرب وحنبل أنه لا يجوز وهو الصحيح وقد صرح به أحمد في أول هذه الرواية ولم يصرح بالرجوع عما قاله وذلك لأنه لا يجوز أن يكون نصيب القابض ما أخذه لما في ذلك من قسمة الدين في الذمة من غير رضى الشريك فيكون المأخوذ والباقي جميعا مشتركا ولغير القابض الرجوع على القابض بنصفه سواء كان باقيا في يده أو أخرجه عنها برهن أو قضاء دين أو غيره وله أن يرجع على الغريم لأن الحق يثبت في ذمته لهما على وجه سواء فليس له تسليم حق أحدهما إلى الآخر فإن أخذ من الغريم لم يرجع على الشريك بشيء لأن حقه يثبت في أحد المحلين فإذا اختار أحدهما سقط حقه من الآخر وليس للقابض منعه من الرجوع على الغريم بأن يقول أنا أعطيك نصف ما قبضت بل الخيرة إليه من أيهما شاء قبض فإن قبض من شريكه شيئا رجع الشريك على الغريم بمثله وإن هلك المقبوض في يد القابض تعين حقه فيه ولم يضمنه للشريك لأنه قدر حقه فيما تعدى بالقبض وإنما كان لشريكه مشاركته لثبوته في الأصل مشتركا وإن أبرأ أحد الشريكين من حقه برىء منه لأنه بمنزلة تلفه ولا يرجع عليه غريمه بشيء وإن أبرأ أحدهما من عشر الدين ثم قبضا من الدين شيئا اقتسماه على قدر حقهما في الباقي للمبرىء أربعة أتساعه ولشريكه خمسة أتساعه وإن قبضا نصف الدين ثم أبرأ أحدهما من عشر الدين كله نفذت براءته في خمس الباقي وما بقي بينهما على ثمانية وللمبرىء ثلاثة أثمانه وللآخر خمسة أثمانه فما قبضاه بعد ذلك اقتسماه على هذا وإن اشترى احدهما بنصيبه من الدين ثوبا فللآخر إبطال الشراء فإن بذلك له المشتري نصف الثوب ولا يبطل البيع لم يلزمه ذلك وإن أجاز البيع ليملك نصف الثوب انبنى على بيع الفضولي هل يقف على الإجارة أو لا وإن أخر أحدهما حقه من الدين جاز فإنه لو أسقط حقه جاز فتأخيره أولى فإن قبض الشريك بعد ذلك شيئا لم يكن لشريكه الرجوع عليه بشيء ذكره القاضي والأولى أن له الرجوع لأن الدين الحال لا يتأجل بالتأجيل فوجود التأجيل كعدمه فأما إن قلنا بالرواية الأخرى وأن ما قبضه أحدهما له دون صاحبه فوجهها أن ما في الذمة لا ينتقل إلى العين إلا بتسليمه إلى غريمه أو وكيله وما قبضه أحدهما فليس لشريكه فيه قبض ولا لوكيله فلا يثبت له فيه حق وكان لقابضه ثبوت يده عليه بحق فأشبه تعيينه بالإبراء ولأنه لو كان لغير القابض حق في المقبوض لم يسقط بتلفه كسائر الحقوق ولأن هذا القبض لا يخلو إما أن يكون بحق أو بغير حق فإن كان بحق لم يشاركه غيره كما لو كان الدين بسببين وإن كان بغير حق لم يكن له مطالبته لأن حقه في الذمة لا في العين فأشبه ما لو أخذ غاصب منه مالا فعلى هذا ما قبضه القابض يختص به دون شريكه وليس لشريكه الرجوع عليه وإن اشترى بنصيبه ثوبا صح ولم يكن لشريكه إبطال الشراء وإن قبض أكثر من حقه بغير إذن شريكه لم يبرأ الغريم مما زاد على حقه
فصل واختلفت الرواية عن أحمد في قسمة الدين في الذمم فنقل حنبل منع ذلك وهو الصحيح لأن الذمم لا تتكافأ ولا تتعادل والقسمة تقتضي التعديل وأما القسمة من غير تعديل فهي بيع ولا يجوز بيع الدين بالدين فعلى هذا لو تقاسما ثم نوى بعض المال من رجع من نوى ماله على من لم ينو وبهذا قال ابن سيرين والنخعي ونقل حرب جواز ذلك لأن الاختلاف لا يمنع القسمة كما لو اختلفت الأعيان وبه قال الحسن وإسحاق فعلى هذا لا يرجع من نوى ماله على من لم ينو إذا أبرأ كل واحد صاحبه وهذا إذا كان في ذمم فأما في ذمة واحدة فلا تمكن القسمة لأن معنى القسمة إفراز الحق ولا يتصور ذلك في ذمة واحدة والله أعلم فصول في العبد المأذون له يجوز أن يأذن السيد لعبده في التجارة بغير خلاف نعلمه لأن الحجر عليه إنما كان الحق سيده فجاز له التصرف بإذنه وينفك عنه الحجر في قدر ما أذن له فيه لأن تصرفه إنما جاز بإزن سيده فزال الحجر في قدر ما أذن فيه كالوكيل فإن دفع إليه ما لا يتجر به كان له أن يبيع ويشتري ويتجر فيه وإن أذن له أن يشتري في ذمته جاز وإن عين له نوعا من المال يتجر فيه جاز ولم يكن له التجارة في غيره ويهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يجوز أن يتجر في غيره وينفك عنه الحجر مطلقا لأن إذنه إطلاق من الحجر وفك له والإطلاق لا يتبعض كبلوغ الصبي ولنا إنه متصرف بالإذن من جهة الآدمي فوجب أن يختص ما أذن له فيه كالوكيل والمضارب وما قاله ينقض بما إذا أذن له في شراء ثوب ليلبسه أو طعام ليأكله ويخالف البلوغ فإنه يزول به المعنى الموجب للحجر فإن البلوغ مظنة كمال العقل الذي يتمكن به من التصرف على وجه المصلحة وها هنا الرق سبب الحجر وهو موجود فنظير البلوغ في الصبي العتق للعبد وإنما يتصرف العبد بالإذن ألا ترى أن الصبي يستفيد بالبلوغ قبول النكاح بخلاف العبد فصل وإذا أذن له في التجارة لم يجز له أن يؤجر نفسه ولا يتوكل لإنسان وبه قال الشافعي وأباحهما أبو حنيفة لأنه يتصرف لنفسه فملك ذلك كالمكاتب ولنا أنه عقد على نفسه فلا يملكه بالإذن في التجارة وكبيع نفسه وتزوجه وقولهم أنه يتصرف لنفسه ممنوع بل يتصرف لسيده وبهذا فارق المكاتب بتصرف لنفسه ولهذا كان له أن يبيع من سيده فصل وإذا رأى السيد عبده يتجر فلم ينهه لم يصر مأذونا له وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يصير مأذونا له لأنه سكت عن حقه فكان مسقطا له كالشفيع إذا سكت عن طلب الشفعة ولنا إنه تصرف يفتقر إلى الإذن فلم يقم السكوت مقام الإذن كما لو باع الراهن الرهن والمرتهن ساكت أو باعه المرتهن والراهن ساكت وكمتصرفات الأجانب ويخالف الشفعة فإنها تسقط بمضي الزمان إذا علم لأنها على الوفر فصل ولا يبطل الإذن بالإباق وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة يبطل لأنه يزيل به ولاية السيد عنه في التجارة بدليل أنه لا يجوز بينعه ولا هبته ولا رهنه فأشبه ما لو باعه ولنا إن الإباق لا يمنع ابتداء الإذن له في التجارة فلم يمنع استدامته كما لو غصبه غاصب أو حبس بدين عليه أو على غيره وما ذكروه غير صحيح فإن سبب الولاية باق وهو الرق ويجوز بيعه وإجارته ممن يقدر عليه ويبطل بالمغصوب فصل ولا يجوز للمأذون التبرع بهبة الدراهم ولا كسوة الثياب وتجوز هبته المأكول وإعارة دابته واتخاذ الدعوة ما لم يكن إسرافا وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي لا يجوز شيء من ذلك بغير إذن سيده لأن تربح بمال مولاه فلم يجز كهبة دراهمه
ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجيب دعوة المملوك وروى أبو سعيد مولى أبي أسيد أنه تزوج فحضر دعوته أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم عبدالله بن مسعود وحذيفة وأبو ذر فأمهم وهو يومئذ عبد رواه صالح في مسائله بإسناده ولأن العادة جارية بهذا بين التجار فجاز كما جاز للمرأة الصدقة بكسرة الخبز من بيت زوجها كتاب الوكالة وهي جائزة بالكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها التوبة 60 فجوز العمل عليها وذلك بحكم النيابة عن المستحقين وأيضا قوله تعالى فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه الكهف 19 وهذه وكالة وأما السنة فروى أبو داود والأثرم وابن ماجة عن الزبير بن الخريت عن أبي لبيد لمازة بن زبار عن عروة بن الجعد قال عرض للنبي صلى الله عليه وسلم جلب فأعطاني دينارا فقال يا عروة ائت الجلب فاشتر لنا شاة قال فأتيت الجلب فساومت صاحبه فاشتريت شاتين بدينار فجئت أسوقهما أو أقودهما فلقيني رجل بالطريق فساومني فبعت من شاة بدينار فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم بالدينار وبالشاة فقلت يا رسول لله هذا ديناركم وهذه شاتكم قال وصنعت كيف قال فحدثته الحديث قال اللهم بارك له في صفقة يمينه هذا لفظ رواية الأثرم وروى أبو داود بإسناده عن جابر بن عبدالله قال أردت الخروج إلى خيبر فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له إني أردت الخروج آلى خيبر فقال ائت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقا فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوتهوروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه وكل عمرو بن أمية الضمري في قبول نكاح أم حبيبة وأبا رافع في قبول نكاح ميمونة وأجمعت الأمة على جواز الوكالة في الجملة ولأن الحاجة داعية إلى ذلك فإنه لا يمكن كل واحد فعل ما يحتاج إليه فدعت الحاجة إليها فصل وكل من صح تصرفه في شيء بنفسه وكان مما تدخله النيابة صح أن يوكل فيه رجلا أو امرأة حرا أو عبدا مسلما كان أو كافرا وأما من يتصرف بالإذن كالعبد المأذون له والوكيل والمضارب فلا يدخلون في هذا لكن يصح من العبد التوكيل فيما يملكه دون سيده كالطلاق والخلع وكذلك الحكم في المحجور عليه لسفه لا يوكل إلا فيما له فعله من الطلاق والخلع وطلب القصاص ونحوه وكل ما يصح أن يستوفيه بنفسه وتدخله النيابة صح أن يتوكل لغيره فيه إلا الفاسق فإنه يصح أن يقبل النكاح لنفسه وذكر القاضي أنه لا يصح أن يقبله لغيره وكلام أبي الخطاب يقتضي جواز ذلك وهو القياس ولأصحاب الشافعي في ذلك وجهان كهذين فإما توكيله في الإيجاب فلا يجوز إلا على الرواية التي تثبت الولاية له وذكر أصحاب الشافعي في ذلك وجهين أحدهما يجوز توكيله لأنه ليس بولي ووجه الوجه الآخر أنه موجب للنكاح أشبه الولي ولأنه لا يجوز إن يتولى ذلك بنفسه فلم يجز أن يتوكل فيه كالمرأة ويصح توكيل المرأة في طلاق نفسها وطلاق غيرها ويصح توكيل العبد في قبول النكاح لأنه ممن يجوز إن يقبله لنفسه وإنما يقف ذلك على إذن سيده ليرضى بتعلق الحقوق به ومن لا يملك التصرف في شيء بنفسه لا يصح أن يتوكل فيه كالمرأة في عقد النكاح وقبوله والكافر في تزويح مسلمة والطفل والمجنون في الحقوق كلها فصل وللمكاتب أن يوكل فيما يتصرف فيه بنفسه وله أن يتوكل بجعل لأنه من اكتساب المال ولا يمنع المكاتب من الاكتساب وليس له أن يتوكل لغيره بغير جعل إلا بإذن سيده لأن منافعه كأعيان ماله وليس له بذل عين ماله بغير عوض وللعبد أن يتوكل بإذن سيده وليس له التوكيل بغير إذن سيده وإن كان مأذونا له في التجارة لأن الإذن في التجارة لا يتناول التوكيل وتصح وكالة الصبي المراهق إذا أذن له الولي لأنه ممن يصح تصرفه
مسألة قال ( ويجوز التوكيل في الشراء والبع ومطالبة الحقوق والعتق والطلاق حاضرا كان الموكل أو غائبا ) لا نعلم خلافا التوكيل في البيع والشراء وقد ذكرنا الدليل عليه من الآية والخبر ولأن الحاجة داعية إلى التوكيل فيه لأنه قد يكون ممن لا يحسن البيع والشراء أو لا يمكنه الخروج إلى السوق وقد يكون له مال ولا يحسن التجارة فيه وقد يحسن ولا يتفرغ وقد لا تليق به التجارة لكونه امرأة أو ممن يتعير ويحيط ذلك من منزلته وأباحها الشرع دفعا للحاجة وتحصيلا لمصلحة الأدمي المخلوق لعبادة الله سبحانه ويجوز التوكيل في الحوالة والرهن والضمان والكفالة والشركة والوديعة والضماربة والجعالة والمساقاة والإجارة والقرض والصلح والوصية والهبة والوقف والصدقة والفسخ والإراء لأنها في معنى البيع في الحاجة إلى التوكيل فيها فيثبت فيها حكمه ولا نعلم في شيء من ذلك اختلافا ويجوز التوكيل في عقد النكاح في الإيجاب والقبول لأن النبي صلى الله عليه وسلم وكل عمرو بن أمية وأبا رافع في قبول النكاح له ولأن الحاجة تدعو إليه فإنه ربما احتاج إلى التزوج من مكان بعيد لا يمكنه السفر إليه فإن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج أم حبيبة وهي يومئذ بأرض الحبشة ويجوز التوكيل في الطلاق والخلع والرجعة والعتاق لأن الحاجة تدعو إليه كدعائها إلى التوكيل في البيع والنكاح ويجوز التوكيل في تحصيل المباحات كإحياء الموات وإسقاء الماء والاصطياد والاحتشاش لأنها تملك مال بسبب لا يتعين عليه فجاز التوكيل فيه كالابتياع والاتهاب ويجوز التوكيل في إثبات القصاص وحد القذف واستيفائهما في حضرة الموكل وغيبته لأنهما من حقوق الآدميين وتدعو الحاجة إلى التوكيل فيهما لأن من له حق قد لا يحسن الاستيفاء أو لا يحب أن يتولاه فصل ويجوز التوكيل في مطالبة الحقوق وإثباتها والمحاكمة فيها حاضرا كان الموكل أو غائبا صحيحا أو مريضا وبه قال مالك وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد والشافعي وقال أبو حنيفة للخصم أن يمنع من محاكمة الوكيل إذا كان الموكل حاضرا لأن حضوره مجلس الحكم ومخاصمته حق لخصمه عليه فلم يكن له نقله إلى غيره بغير رضاء خصمه كالدين عليه ولنا إنه حق تجوز النيابة فيه فكان لصاحبه الاستنابة بغير رضاء خصمه كحال غيبته ومرضه وكدفع المال الذي عليه ولأنه إجماع الصحابة رضي الله عنهم فإن عليا رضي الله عنه وكل عقيلا عند أبي بكر رضي الله عنه وقال ما قضى له فلي وما قضى عليه فعلي ووكل عبدالله بن جعفر عند عثمان وقال إن للخصومة قحما وإن الشيطان ليحضرها وإني لأكره أن أحضرها قال أبو زياد القحم المهالك وهذه قصص انتشرت لأنها في مظنة الشهرة فلم ينقل إنكارها ولأن الحاجة تدعو ذلك فإنه قد يكون له حق أو يدعى عليه ولا يحسن الخصومة أو لا يحب أن يتولاها بنفسه ويجوز التوكيل في الإقرار ولأصحاب الشافعي وجهان أحدهما لا يجوز التوكيل فيه لأنه إخبار فلم يجز التوكيل فيه كالشهادة ولنا إنه إثبات حق الذمة بالقول فجاز التوكيل فيه كالبيع وفارق الشهادة فإنها لا تثبت الحق وإنما هو إخبار بثبوته على غيره فصل ولا يصح التوكيل في الشهادة لأنها تتعلق بعين الشهادة لكونها خبرا عما رآه أو سمعه ولا يتحقق هذا المعنى في نائبهه فإن استناب فيها كان النائب شاهدا على شهادته لكونه يؤدي ما سمعه من شاهد الأصل وليس وكيلا ولا يصح في الأيمان والنذور لأنها تتعلق بعين الحالف والناذر فأشبهت العبادات البدنية والحدود ولا يصح في الإيلاء والقسامة واللعان لأنها أيمان ولا في القسم بين الزوجات لأنه يتعلق ببدن الزوج لأمر لا يوجد من غيره ولا في الرضاع لأنه يختص بالمرضعة والمرتضع لأمر يختص بإثبات لحم المرتضع وإنشاز عظمه بلبن المرضعة ولا في الظهار لأنه قول منكر وزور فلا يجوز فعله ولا الاستنابة فيه ولا يصح في الغصب لأنه محرم ولا في الجنايات لذلك ولا في كل محرم لأنه لا يجوز له فعله فلم يجز لنائبه فصل فأما حقوق الله تعالى فما كان منها حدا كحد الزنا والسرقة جاز التوكيل في استيفائه
لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال اغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها فغدا عليها أنيس فاعترفت فأمر بها فرجمت متفق عليه وأمر النبي صلى الله عليه وسلم برجم ما عز فرجموه ووكل عثمان عليا في إقامة حد الشرب على الوليد بن عقبة ووكل على الحسن في ذلك فأبى الحسن فوكل عبدالله بن جعفر فأقامه وعلي يعد رواه مسلم ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك لأن الإمام لا يمكنه تولي ذلك بنفسه ويجوز التوكيل في إثباتها وقال أبو الخطاب لا يجوز في إثباتهها وهو قول الشافعي لأنها تسقط بالشبهات وقد أمرنا بدرئها بها والتوكيل يوصل إلى الإيجاب ولنا حديث أنيس فإن النبي صلى الله عليه وسلم وكله في إثباته واستيفائه جميعا فإنه قال فإن اعترفت فارجمها وهذا يدل على أنه لم يكن ثبت وقد وكله في إثباته واستيفائه جميعا ولأن الحاكم إذا استناب دخل في ذلك الحدود فإذا دخلت في التوكيل بطريق العموم وجب أن تدخل بالتخصيص بها أولى والوكيل يقوم مقام الموكل في درئها بالشبهات وأما العبادات فما كان منها له تعلق بالمال كالزكاة والصدقات والمنذورات والكفارات جاز التوكيل في قبضها وتفريقها ويجوز للمخرج التوكيل في إخراجها ودفعها إلى مستحقها ويجوز أن يقول لغيره أخرج زكاة مالي من مالك لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عماله لقبض الصدقات وتفريقها وقال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن أعلمهم أن عليهم صفقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوك بذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب متفق عليه ويجوز التوكيل في الحج إذا أيس المحجوج عنه من الحج بنفسه وكذلك العمرة ويجوز إن يستناب من يحج عنه بعد الموت وأما العبادات البدنية المحضة كالصلاة والصيام والطهارة من الحدث فلا يجوز التوكيل فيها لأنها تتعلق ببدن من هي عليه فلا يقوم غيره مقامه فيها إلا أن الصيام المنذور يفعل عن الميت وليس ذلك بتوكيل لأنه لم يوكل في ذلك ولا وكل فيه غيره ولا يجوز في الصلاة إلا في ركعتي الطواف تبعا للحج وفي فعل الصلاة المنذورة وفي الاعتكاف المنذور عن الميت روايتان ولا تجوز الاستنابة في الطهارة إلا في صب الماء وإيصال الماء للأعضاء وفي تطهير النجاسة عن البدن والثواب وغيرهما فصل كل ما جاز التوكيل فيه جاز استيفاؤه في حضرة الموكل وغيبته ونص عليه أحمد وهذا مذهب مالك وقال بعض أصحابنا لا يجوز استيفاء القصاص وحد القذف في غيبة الموكل أومأ إليه أحمد وهو قول أبي حنيفة وبعض الشافعية لأنه يحتمل أن يعفو الموكل في حالة غيبته فيسقط وهذا الاحتمال شبهة تمنع الاستيفاء ولأن العفو مندوب إليه فإذا حضر احتمل أن يرحمه فيعفو والأول ظاهر المذهب لأن ما جاز استيفاؤه في حضرة الموكل جاز في غيبته كالحدود وسائر الحقوق واحتمال العفو بعيد والظاهر إنه لو عفا لبعث وإعلم وكيله بعفوه والأثل عدمه فلا يؤثر ألا ترى أن قضاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يحكمون في البلاد ويقيمون الحدود التي تدرأ بالشبهات مع احتمال النسخ وكذلك لا يحتاط في استيفاء الحدود بإحضار الشهود مع احتمال رجوعهم عن الشهادة أو تغير اجتهاد الحاكم فصل ولا تصح الوكالة إلا بالإيجاب والقبول لأنه عقد تعلق به حق كل واحد منهما فافتقر إلى الإيجاب والقبول كالبيع ويجوز الإيجاب بكل لفظ دل على الإذن نحو أن يأمره بفعل شيء أو يقول أذنت لك في فعله فإن النبي صلى الله عليه وسلم وكل عروة بن الجعد في شراء شاة بلفظ الشراء وقال الله تعالى مخبرا عن أهل الكهف أنهم قالوا فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه الكهف 19 ولأننه لفظ دال على الإذن فجرى مجرى قوله وكلتك ويجوز القبول بقوله قبلت ولك لفظ دل عليه ويجوز بكل فعل دل على القبول نحو أن يفعل ما أمره بفعله لأن الذين ولكهم النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقل سوى امتثال أمره
ولأنه إذن في التصرف فجاز القبول فيه بالفعل كأكل الطعام ويجوز القبول على الفور والتراخي نحو أن يبلغه أن رجلا وكله في بيع شيء منذ سنة فيبيعه أو يقول قبلت أو يأمره بفعل شيء فليفعله بعد مدة طويلة لأن قبول وكلاء النبي صلى الله عليه وسلم لوكالته كان بفعلهم وكان متراخيا عن توكيله إياهم ولأنه إذن في التصرف والإذن قائم ما لم يرجع عنه فأشبه الإباحة وهذا كله مذهب الشافعي فصل ويجوز تعليقها على شرط نحو قوله إذا قدم الحاج فبع هذا الطعام وإذا جاء الشتاء فاشتر لنا فحما وإذا جاء الاضحى فاشتر لنا أضحية وإذا طلب منك أهلي شيئا فادفعه إليهم وإذا دخل رمضان فقد وكلتك في هذا أو فأنت وكيلي وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي يصح لكن إن تصرف صح تصرفه لوجود الإذن وإن كان وكيلا بجعل فسد المسمى وله أجر المثل لأنه عقد يملك به التصرف في الحياة فأشبه البيع ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم قال أميركم زيد فإن قتل فجعفر فإن قتل فعبدالله بن رواحة وهذا في معناه ولأنه عقد اعتبر في حق الوكيل حكمه وهو إباحة التصرف وصحته فكان صحيحا كما لو قال أنت وكيلي في بيع عبدي إذا قدم الحاج ولأنه لو قال وكلتك في شراء كذا في وقت كذا صح بلا خلاف ومحل النزاع في معناه ولأنه إذن في التصرف أشبه الوصية والتأمير ولأنه عقد يصح بغير جعل ولا يختص فاعله بكونه من أهل القربة فصح بالجعل كالتوكيل الناجز فصل ويجوز التوكيل بجعل وغير جعل فإن النبي صلى الله عليه وسلم وكل أنيسا في إقامة الحد وعروة في شراء شاة وعمرا وأبا رافع في قبول النكاح بغير جعل وكان يبعث عماله لقبض الصدقات ويجعل لهم عمالة ولهذا قال له أبناء عمه لو بعثنا على هذه الصدقات فنؤدي إليك ما يؤدي الناس ونصيب ما يصيبه الناس يعنيان العمالة فإن كانت بجعل استحق الوكيل الجعل بتسليم ما وكل فيه إلى الموكل إن كان مما يمكن تسليمه كثوب ينسجه أو يقصره أو يخيطه فمتى سلمه إلى الموكل إن كان مما يمكن تسلميه كثوب ينسجه أو يقصره أو يخيطه فمتى سلمه إلى الموكل معمولا فله الأجر وإن كان الخياط في دار الموكل فكلما عمل شيئا وقع مقبوضا فيستحق الوكيل الجعل إذا فرغ الخياط من الخياطة وإن وكل في بيع أو شراء أو حج استحق الأجر إذا عمله وإن لم يقبض الثمن في البيع وإن قال إذا بعت الثوب وقبضت ثمنه وسلمته إلي فلك الأجر لم يستحق منها شيئا حتى يسلمه إليه فإن فاته التسليم لم يستحق شيئا لفوات الشرط فصل ولا تصح الوكالة إلا في تصرف معلوم فإن قال وكلتك في كل شيء أو في كل قليل وكثير أو في كل تصرف يجوز لي أو في كل ما لي التصرف فيه لم يصح ويهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال ابن أبي ليلى يصح ويملك به كل ما تناوله لفظه لأنه لفظ عام فصح فيما يتناوله كما لو قال بع مالي مله ولنا إن في هذا غررا عظيما وخطرا كبيرا لأنه تدخل فيه هبة ماله وطلاق نسائه وإعتاق رقيقه وتزوج نساء كثيرة ويلزمه المهور الكثيرة والأثمان العظيمة فيعظم الضرر وإن قال اشتر لي ما شئت لم يصح لأنه قد يشتري ما لايقدر على ثمنه وقد روي عن أحمد ما يدل على صحته لقوله في رجلين قال كل واحد منهما لصاحبه ما اشتريت من شيء فهو بيننا إنه جائز وأعجبه ولأن الشريك والمضارب وكيلان في شراء ما شاء فعلى هذا ليس له أن يشتري إلا بثمن شرائه وإن قال بع مالي كله واقبض ديوني كلها صح لأنه قد يعرف ماله وديونه وإن قال بع ما شئت من مالي واقبض ما شئت من ديوني جاز لأنه إذا جاز التوكيل في الجميع ففي بعضه أولى وإن قال اقبض ديني كله وما يتجدد في المستقبل صح وقال أصحاب الشافعي إذا قال بع ما شئت من مالي لم يجز
وإن قال من عبيدي جاز لأنه محصور بالجنس ولنا إن ما جاز التوكيل في جميعه جاز في بعضه كعبده وإن قال اشتر لي عبدا تركيا أو ثوبا هروبا صح وإن قال اشتر لي عبدا أو قال ثوبا ولم يذكر جنسه صح أيضا وقال أبو الخطاب لا يصح وهو مذهب الشافعي لأنه مجهول ولنا إنه توكيل في شراء عبد فلم يشترط ذكر نوعه كالقراض ولا يشترط ذكر قدر الثمن ذكره القاضي وقال أبو الخطاب لا يصح حتى يذكر قدر الثمن وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي لأن العبيد تتفاوت من الجنس الواحد وإنما تتميز بالثمن ولنا إنه إذا ذكر نوعا فقد أذن في أغلاه ثمنا فيقل الغرر ولأن تقدير يضر فإنه قد لا يجد بقدر الثمن ومن اعتبر ذكر الثمن جوز أن يذكر له أكثر الثمن وأقله فصل وإذا وكل وكيلين في تصرف وجعل لكل واحد الانفراد بالتصرف فله ذلك لأنه مأذون له فيه فإن لم يجعل له ذلك فليس لأحدهما الانفراد به لأنه لم يأذن له في ذلك وإنما يجوز له ما أذن فيه موكله وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي وإن وكلهما في حفظ ماله حفظاه معا في حرز لهما لأن قوله افعلا كذا يقتضي اجتماعهما على فعله وهو مما يمكن فتعلق بهما وفارق هذا قوله بعتكما حيث كان منقسما بينهما لأنه لا يمكن كون الملك لهما على الاجتماع فانقسم بينهما فإن غاب أحد الوكيلين لم يكن للآخر أن يتصرف ولا للحاكم ضمن أمين إليه ليتصرفا لأن الموكل رشيد جائز التصرف لا ولاية للحاكم عليه فلا يضم الحاكم وكيلا له بغير أمره وفارق ما لو مات أحد الوصيين حيث يضيف الحاكم إلى الوصي أميا لينصرف لكون الحاكم له النظر في حق الميت واليتيم ولهذا لو لم يوص إلى أحد أقام الحاكم أمينا في النظر لليتيم وإن حضر الحاكم أحد الوكيلين والآخر غائب وادعى الوكالة لهما وأقام بينة سمعها الحاكم وحكم بثبوت الوكالة لهما ولم يملك الحاضر التصرف وحده فإذا حضر الآخر تصرفا معا ولا يحتاج إلى إعادة البينة لأن الحاكم سمعها لهما مرة فإن قيل هذا حكم للغائب قلنا يجوز تبعا لحق الحاضر كما يجوز أن يحكم بالوقف الذي يثبت لمن لم يخلق لأجل من يستحقه في الحال كذا هاهنا وإن جحد الغائب الوكالة أو عزل نفسه لم يكن للآخر أن يتصرف وبما ذكرناه قال أبو حنيفة والشافعي ولا نعلم فيه خلافا وجميع التصرفات في هذا سواء وقال أبو حنيفة إذا وكلهما في خصومة فلكل واحد منهما الانفراد بها ولنا إنه لم يرض بتصرف أحدهما أشبه البيع والشراء مسألة قال ( وليس للوكيل أن يوكل فيما وكل فيه إلا أن يجعل ذلك إليه ) لا يخلو التوكيل من ثلاثة أحوال أحدها أن ينهى الموكل وكيله عن التوكيل فلا يجوز له ذلك بغير خلاف لأن ما نهاه عنه غير داخل في إذنه فلم يجز كما لو لم يوكله الثاني أذن له في التوكيل فيجوز له ذلك لأنه عقد أذن له فيه فكان له فعله كالتصرف المأذون فيه ولا نعلم في هذه خلافا وإن قال له وكلتك فاصنع ما شئت فله أن يوكل وقال أصحاب الشافعي ليس له التوكيل في أحد الوجهين لأن التوكيل يقتضي تصرفا يتولاه بنفسه وقوله اصنع ما شئت يرجع إلى ما يقتضيه التوكيل من تصرفه بنفسه ولنا إن لفظه عام فيما شاء فيدخل في عمومه كالتوكيل الثالث أطلق الوكالة فلا يخلو من أقسام ثلاثة أحدها أن يكون العمل مما يرتفع الوكيل عن مثله كالأعمال الدنية في حق أشراف الناس المرتفعين عن فعلها في العادة أو يعجز عن عمله لكونه لا يحسنه أو غير ذلك فإنه يجوز له التوكيل فيه لأنه إذا كان مما لايعلمه الوكيل عادة انصرف الإذن إلى ما جرت به العادة من الاستنابة فيه القسم الثاني أن يكون مما يعمله بنفسه إلا أنه يعجز عن عمله كله لكثرته وانتشاره
فيجوز له التوكيل في عمله أيضا لأن الوكالة اقتضت جواز التوكيل فجاز التوكيل في فعل جميعه كما لو إذن التوكيل بلفظه وقال القاضي عندي أنه إنما له التوكيل فيما زاد على ما يتمكن من عمله بنفسه لأن التوكيل إنما جاز للحاجة فاختص ما دعت إليه الحاجة بخلاف وجود إذنه فإنه مطلق ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين القسم الثالث ما عدا هذين القسمين وهو ما يمكنه عمله بنفسه ولا يترفع عنه فهل يجوز له التوكيل فيه على روايتين أحداهما لا يجوز نقلها ابن منصور وهو مذهب إبي حنيفة وأبي يوسف والشافعي لأنه لم يأذن له في التوكيل ولا تضمنه إذنه فلم يجز كما لو نهاه ولأنه استئمان فيما يمكنه النهوض فيه فلم يكن له أن يوليه لمن لم يأمنه عليه كالوديعة والأخرى يجوز نقلها حنبل وبه قال ابن أبي ليلى إذا مرض أو غاب لأن الوكيل له أن يتصرف بنفسه فملكه نيابة كالمالك والأول أولى ولا يشبه الوكيل المالك فإن المالك يتصرف بنفسه في ملكه كيف شاء بخلاف الوكيل فصل وكل وكيل جاز له التوكيل فليس له أن يوكل إلا أمينا لأنه نظر للموكل في توكيل من ليس بأمين فيقيد جواز التوكيل بما فيه الحظ والنظر كما أن الإذن في البيع يتقيد بالبيع بثمن المثل إلا أن يعين له الموكل من يوكله فيجوز توكيله وإن لم يكن أمينا لأنه قطع نظره بتعيينه وإن وكل أمينا وصار خائنا فعليه عزله لأن تركه يتصرف مع الخيانة تضييع وتفريط والوكالة تقتضي استئمان أمين وهذا ليس بأمين فوجب عزله فصل والحكم في الوصي يوكل فيما أوصي يه إليه وفي الحاكم يولي القضاء في ناحية يستنيب غيره حكم الوكيل فيما ذكرنا من التفصيل إلا أن المنصوص عن أحمد في رواية مهنا جواز ذلك وهو قول الشافعي في الوصي لأن الوصي يتصرف بولاية بدليل أنه يتصرف فيما لم ينص له على التصرف فيه والوكيل لا يتصرف إلا فيما نص له عليه والجمع بينهما أولى لأنه متصرف في مال غيره بالإذن فأشبه الوكيل وإنما يتصرف فيما اقتضته الوصية كالوكيل إنما يتصرف فيما اقتضته الوكالة فصل فأما الولي في النكاح فله التوكيل في تزويج موليته بغير إذنها أبا كان أو غيره وقال القاضي فيمن ولايته غير ولاية الإجبا هو كالوكيل يخرج على الروايتين المنصوص عليهما في الوكيل ولأصحاب الشافعي فيه وجهان أحدهما لا يملك التوكيل إلا بإذنها لأنه لا يملك التزويج إلا بإذنها أشبه الوكيل ولنا إن ولايته من غير جهتها فلم يعتبر إذنها في توكيله فيها كالأب بخلاف الوكيل ولأنه يتصرف بحكم الولاية الشرعية أشبه الحاكم ولأن الحاكم يملك تفويض عقود الأنكحة إلى غيره بغير إذن النساء فكذلك الولي وما ذكروه يبطل بالحاكم والذي يعتبر إذنها فيه هو غير ما يوكل فيه بدليل أن الوكيل لا يستغني عن إذنها له في التزويج أيضا فهو كالموكل في ذلك فصل إذا أذن الموكل في التوكيل فوكل كان الوكيل الثاني وكيلا للموكل لأنه لا ينعزل بموت الوكيل الأول ولا عزله ولا يملك الأول عزل الثاني لأنه ليس بوكيله وإن أذن له أن يوكل لنفسه جاز وكان وكيلا للموكل ينعزل بموته وعزله إياه وإن مات الموكل أو عزل الأول انعزلا جميعا لأنهما فرعان له لكن أحدهما فرع للآخر فذهب حكمهما بذهاب أصلهما وإن وكل من غير أن يؤذن له في التوكيل نطقا بل وجد عرفا أو على الرواية التى أجزنا له التوكيل من غير إذن فالثاني وكيل الوكيل الأول حكمه حكم ما لو أذن له أن يوكل لنفسه فصل إذا وكل رجلا في الخصومة لم يقبل إقراره على موكله بقبض الحق ولا غيره وبه قال مالك والشافعي وابن أبي ليلى وقال أبو حنيفة ومحمد يقبل إقراره في مجلس الحكم فيما عدا الحدود والقصاص وقال أبو يوسف يقبل إقراره في مجلس الحكم وغيره لأن الإقرار أحد جوابي الدعوى فصح من الوكيل كالإنكار ولنا إن الإقرار معنى يقطع الخصومة وينافيها فلا يمكله الوكيل فيها كالإبراء وفارق الإنكار فإنه لا يقطع الخصومة ويملكه في الحدود والقصاص
وفي غير مجلس الحاكم ولأن الوكيل لا يملك الإنكار على وجه يمنع الموكل من الإقرار فلو ملك الإقرار لا متنع على الموكل الأنكار فاقترقا ولا يملك المصالحة عن الحق ولا الإبراء منه بغير خلاف نعلمه لأن الإذن في الخصومة لا يقتضي شيئا من ذلك وإن أذن له في تثبيت حق لم يملك قبضه وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة يملك قبضه لأن المقصود من الثتبيت قبضه وتحصيله ولنا إن القبض لا يتناوله الإذن نطقا ولا عرفا إذ ليس كل من يرضاه لتثبيت الحق يرضاه لقبضه وإن وكله في قبض حق فجحد من عليه الحق كان وكيلا في تثبيته عليه في أحد الوجهين وبه قال أبو حنيفة والآخر ليس له ذلك وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي لأنهما معنيان مختلفان فالوكيل في أحدهما لايكون وكيلا في الآخر كما لا يكون وكيلا في القبض بالتوكيل في الخصومة ووجه الأول أنه لا يتوصل إلى القبض إلا بالتثبيت فكان إذنا فيه عرفا ولأن القبض لا يتم إلا به فملكه كما لو وكل في شراء شيء ملك وزن ثمنه أو في بيع شيء ملك تسليمه ويحتمل أنه إن كان الموكل عالما بجحد من عليه الحق أو مطله كان توكيلا في تثبيته والخصومة فيه لعلمه بوقوف القبض عليه وإن لم يعلم ذلك لم يكن توكيلا فيه لعدم علمه بتوقف القبض عليه ولا فرق بين كون الحق عينا أو دينا وقال بعض أصحاب أبي حنيفة إن وكله في قبض عين لم يملك تثبيتها لأنه وكيل في نقلها أشبه الوكيل في نقل الزوجة ولنا إنه وكيل في قبض حق فأشبه الوكيل في قبض الدين وما ذكروه يبطل بالتوكيل في قبض الدين فإنه وكيل في قبضه ونقله إليه فصل وإن وكله في بيع شيء ملك تسليمه لأن إطلاق التوكيل في البيع يقتضي التسليم لكونه من تمامه ولم يملك الإبراء من ثمنه وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يملكه ولنا إن الإبراء ليس من البيع ولا من تتمته فلا يكون التوكيل في البيع توكيلا فيه كالإبراء من غير ثمنه وأما قبض الثمن فقال القاضي وأبو الخطاب لا يمكن وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي لأنه قد يوكل في البيع من لا يأمنه على قبض الثمن فعلى هذا إن تعذر قبض الثمن من المشتري لم يلزم الوكيل شيء ويحتمل أن يملك قبض الثمن لأنه من موجب البيع فملكه الوكيل في كتسليم المبيع فعلى هذا ليس له تسليم المبيع إلا بقبض الثمن أو حضوره وإن سلمه قبل قبض ثمنه ضمنه والأولى أن ينظر فيه فإن دلت قرينة الحال على قبض الثمن مثل توكيله في بيع ثوب في سوق غائب عن الموكل أو موشع يضيع الثمن بترك قبض الوكيل له كان إذنا في قبضه ومتى ترك قبضه كان ضامنا له لأن ظاهر حال الموكل أنه إنما أمره بالبيع لتحصيل ثمنه فلا يرضى بتضييعه ولهذا يعد من فعل ذلك مضيعا مفرطا وإن لم تدل القرينة على ذلك لم يكن له قبضه فصل وإن وكله في بيع شيء أو طلب الشفعة أو قسم شيء ففيه وجهان أحدهما يملك تثبيته وهو قول أبي حنيفة في القسمة وطلب الشفعة لأنه لا يتوصل إلى ما وكله فيه إلا بالتثبيت والثاني لا يملكه وهو قول بعض أصحاب الشافعي لأنه يمكن أحدهما دون الآخر فلم يتضمن الإذن في أحدهما الإذن في الآخر فصل وإن وكله في شراء شيء ملك تسليم ثمنه لأنه من تتمته وحقوقه فهو كتسلسم المبيع في البيع والحكم في قبض المبيع كالحكم في قبض الثمن في المبيع على ما مضى من القول فيه فإن اشترى عبدا ونقد ثمنه فخرج العبد مستحقا فهل يملك أن يخاصم البائع في الثمن على وجهين فإن اشترى شيئا وقبضه وأخر تسليم الثمن لغير عذر فهلك في يده فهو ضامن له وإن كان له عذر مثل أن ذهب لينقذع فهلك أو نحو ذلك فلا ضمان عليه نص عليه أحمد لأنه مفرط في إمساكه كما في الصورة الأولى دون الثانية فلذلك لزمه الضمان
بخلاف ما إذا لم يفرط فصل وإذا وكله في قبض دين من رجل فمات نظرت في لفظه فإن قال اقبض حقي من فلان لم يكن له قبضه من وارثه لأنه لم يؤمر بذلك وإن قال اقبض حقي الذي قبل فلان أو على فلان فله مطالبة وارثه والقبض لأن قبضه من الوارث قبض للحق الذي على موروثه فإن قيل فلو قال اقبض حقي من زيد فوكل زيد إنسانا في الدفع إليه كان له القبض منه والوارث نائب الموروث فهو كوكيله قلنا إن الوكيل إذا دفع عنه بإذنه جرى مجرى تسليمه لأنه أقامه مقام نفسه وليس كذلك ها هنا فإن الحق انتقل إلى الورقة فاستحقت المطالبة عليهم لا بطريق النيابة عن الموروث وهذا لو حلف لا يفعل شيئا حنث بفعل وكيله له ولا يحنث بفعل وارثه مسألة قال ( وإذا باع الوكيل ثم ادعى تلف الثمن من غير تعد فلا ضمان عليه فإن اتهم حلف ) إذا اختلف الوكيل والموكل لم يخل من ست أحوال أحدها أن يختلفا في التلف فيقول الوكيل تلف مالك في يدي أو الثمن الذي قبضته ثمن متاعك تلف في يدي فيكذبه الموكل فالقول قول الوكيل مع يمينه لأنه أمين وهذا مما يتعذر إقامة البينة عليه فلا يكلف ذلك كالمودع وكذلك كل من كان في يده شيء لغيره على سبيل الأمانة كالأب والوصي وأمين الحاكم والمودع والشريك والمضارب والمرتهن والمستأجر والأجير المشترك وإنما كان كذلك لأنه لو كلف ذلك مع تعذره عليه لا متنع الناس من الدخول في الأمانات مع الحاجة إليها فيلحقهم الضرر قال القاضي إلا أن يدعي التلف بأمر ظاهر كالحريق والنهب وشبههما فعليه إقامة البينة على وجود هذا الأمر في تلك الناحية ثم يكون القول قوله في تلفها بذلك وهذا قول الشافعي لأن وجود الأمر الظاهر مما لا يخفى فلا تتعذر إقامة البينة عليه الحال الثانية أن يختلفا في تعدي الوكيل أو تفريطه في الحفط ومخالفته أمر موكله مثل أن يدعي عليه أنك حملت على الدابة فوق طاقتها أو حملت عليها شيئا لنفسك أو فرطت في حفظها أو لبست الثوب أو أمرتك برد المال فلم تفعل ونحو ذلك فالقول قول الوكيل أيضا مع يمينه لما ذكرنا في الذي قبله ولأنه منكر لما يدعى عليه والقول قول المنكر ومتى ثبت التلف في يده من غير تعديه إما لقبول قوله وإما بإقرار موكله أو بينة فلا ضمان عليه وسواء تلف المتاع الذي أمر ببيعه أو باعه وقبضه ثمنه فتلف الثمن وسواء كان بجعل أو بغير جعل لأنه نائب المالك في اليد والتصرف فكان الهلاك في يده كالهلاك في يد المالك وجرى مجرى المودع والمضارب وشبههما وإن تعدى أو فرط ضمن وكذلك سائر الأمناء ولو باع الوكيل سلعة وقبض ثمنها فتلف من غير تعد واستحق المبيع رجع المشتري بالثمن على الموكل دون الوكيل لأن المبيع له فالرجوع بالعهدة عليه كما لو باع بنفسه الحال الثالثة أن يختلفا في التصرف فيقول الوكيل بعت الثوب وقبضت الثمن فتلف فيقول الموكل لم تبع ولم تقبض أو يقول بعت ولم تقبض شيئا فالقول قول الوكيل ذكره ابن حامد وهو قول أصحاب الرأي لأنه يملك البيع والقبض فيقبل قوله فيهما كما يقبل قول ولي المرأة المجبرة على النكاح في تزويجها ويحتمل أن لا يقبل قوله وهو أحد القولين لأصحاب الشافعي لأنه يقر بحق لغيره على موكله فلم يقبل كما لو أقر بدين عليه وإن وكل في شراء عبد فاشتراه واختلفا في قدر ما اشتراه به فقال اشتريته بألف وقال بل اشتريته بخمسمائة فالقول قول الوكيل لما ذكرناه وقال القاضي القول قول الموكل إلا إن يكون عين له الشراء بما ادعاه فقال اشتر لي عبدا بألف فادعى الوكيل أنه اشتراه بذلك فالقول قول الوكيل إذا وإلا فالقول قول الموكل لأن من كان القول قوله في أصل شيء كان القول قوله في صفته وللشافعي قولان كهذين الوجهين وقال أبو حنيفة إن كان الشراء في الذمة فالقول قول الموكل لأن غارم مطالب بالثمن
وإن اشترى بعين المال فالقول قول الوكيل لكونه الغارم فإنه يطالبه برد ما زاد على الخمسمائة ولنا إنهما اختلفا في تصرف الوكيل فكان القول قوله كما لو اختلفا في البيع ولأنه أمين في الشراء فكان القول قوله في قدر ثمن المشتري كالمضارب وكما لو قال له اشترى بألف عند القاضي الحال الرابعة أن يختلفا في الرد فيدعيه الوكيل فينكره الموكل فإن كان بغير جعل فالقول قول الوكيل لأنه قبض المال لنفع مالكه فكان القول قوله كالمودع وإن كان بجعل ففهي وجهان أحدهما أن القول قوله لأنه وكيل فكان القول قوله كالأول والثاني لا يقبل قوله لأنه قبض المال لنفع نفسه فلم يقبل قوله في الرد كالمستعير وساء اختلفا في رد العين أو رد ثمنها وجملة الأمناء على ضربين أحدهما من قبض المال لنفع مالكه لا غير كالمودع والوكيل بغير جعل فيقبل قولهم في الرد لأنه لو لم يقبل قولهم لامتنع الناس من قبول هذه الأمانات فيلحق الناس الضرر الثاني من ينتفع بقبض الأمانة كالوكيل بجعل والمضارب والأجير المشترك والمستأجر والمرتهن ففيهم وجهان ذكرهما أبو الخطاب وقال القاضي لا يقبل قول المرتهن والمستأجر والمضارب في الرد لأن أحمد نص عليه في المضارب في رواية ابن منصور ولأن من قبض المال لنفع نفسه لا يقبل قوله في الرد ولو أنكر الوكيل قبض المال ثم ثبت ذلك ببينة أو اعترف فادعى الرد أو التلف لم يقبل قوله لأن خيانته قد ثبتت بجحده فإن أقام بينة بما ادعاه من الرد أو التلف فهل تقبل بينته على وجهين أحدهما لا تقبل لأنه كذبها بجحده فإن قوله ما قبضت يتضمن أنه لم يرد شيئا والثاني تقبل لأنه يدعي الرد والتلف قبل وجود خيانته وإن كان جحوده أنك لا تستحق علي شيئا أو مالك عندي شيء سمع قوله مع يمينه لأن جوابه لا يكذب ذلك فإنه إذا كان قد تلف أو رد فليس له عنده شيء فلا تنافي بين القولين إلا أن يدعي أنه رده أو تلف بعد قوله ما لك عندي شيء فلا يسمع قوله أيضا لثبوت كذبه وخيانته الحال الخامسة إذا اختلفا في أصل الوكالة فقال وكلتني فأنكر الموكل فالقول قول الموكل لأن الأصل عدم الوكالة فلم يثبت أنه أمينه ليقبل قوله عليه ولو قال وكلتك ودفعت إليك مالا فأنكر الوكيل فلك كله أو اعترف بالتوكيل وأنكر دفع المال إليه فالقول قوله لذلك ولو قال رجل لآخر وكلتني أن أتزوج لك فلانة بصداق كذا ففعلت وادعت المرأة ذلك فأنكر الموكل فالقول قوله نص عليه أحمد فقال إن أقام البينة وإلا لم يلزم الآخر عقد النكاح قال أحمد ولا يستحلف قال القاضي لأن الوكيل يدعي حقا لغيره فأما إن ادعته المرأة فينبغي أن يستحلف لأنها تدعي الصداق في ذمته فإذا حلف لم يلزمه الصداق ولم يلزم الوكيل منه شيء لأن دعوى المرأة على الموكل وحقوق العقد لا تتعلق بالوكيل ونقل إسحاق بن إبراهيم عن أحمد أن الوكيل يلزمه نصف الصداق لأن الوكيل في الشراء ضامن للثمن وللبائع مطالبته به كذا ها هنا والأول أولى لما ذكرناه ويفارق الشراء لأن الثمن مقصود البائع والعادة تعجليه وأخذه من المتولي للشراء والنكاح بخالفه في هذا كله ولكن إن كان الوكيل ضمن المهر فلها الرجوع عليه بنصفه لأنه ضمنه عن الموكل وهو مقر بأنه في ذمته وبهذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف الشافعي وقال محمد بن الحسن يلزم الوكيل جميع الصداق لأن التفرقة لم تقع بإنكاره فيكون ثابتا في الباطن فيجب جميع الصداق ولنا إنه يملك الطلاق فإذا أنكر فقد أقر بتحريمها عليه فصار بمنزلة إيقاعه لما تحرم به قال أحمد ولا تتزوج المرأة حتى يطلق لعاه يكون كاذبا في إنكاره وظاهر هذا تحريم نكاحها قبل طلاقها لأنها معترفة بأنها زوجة له فيؤخذ بإقرارها
وإنكاره ليس بطلاق وهل يلزم الموكل طلاقها يحتمل أن لا يلزمه لأنه لم يثبت في حقه نكاح ولو ثبت لم يكلف الطلاق ويحتمل أن يكلفه لإزالة الاحتمال وإزالة الضرر عنها بما لا ضرر عليه فيه فأشبه النكاح الفاسد ولو ادعى أن فلانا الغائب وكله تزويج امرأة فتزوجها له ثم مات الغائب لم ترثه المرأة إلا أن يصدقه الورثة أو يثبت ببينة وإن أقر الموكل بالتوكيل في التزويج وأنكر أن يكون الوكيل تزوج له فها هنا الاختلاف في تصرف الوكيل والقول قول الوكيل في فيثبت التزويج ها هنا وقال القاضي لا يثبت وهو قول أبي حنيفة لأنه لا تتعذر إقامة البينة عليه لكونه لا ينعقد إلا بها وذكر أن أحمد نص عليه وأشار إلى نصه فيما إذا أنكر الموكل الوكالة من أصلها ولنا إنهما اختلفا في فعل الوكيل ما أمر به فكان القول قوله كما لو ولكه في بيع ثوب فادعى أنه باعه أو في شراء عبد بألف فادعى أنه اشتراه به وما ذكره القاضي من نص أحمد فيما إذا أنكر الموكل الوكالة فليس بنص ها هنا لاختلاف أحكام الصورتين وتباينهما فلا يكون النص في إحداهما نصا في الأخرى وما ذكره من المعنى لا أصل له فلا يعول عليه ولو غاب رجل فجاء آخر إلى امرأته فذكر أن زوجها طلقها وأبانها ووكله في تجديد نكاحها بألف فأذنت في نكاحها فعقد عليها وضمن الوكيل الألف ثم جاء زوجها فأنكل هذا كله فالقول قوله والنكاح الأول بحاله وقياس ما ذكرناه أن المرأة إن صدقت الوكيل لزمه الألف إلا أن بينهما زوجها قبل دخول الثاني بها وحكي ذلك عن مالك وزفر وحكي عن أبي حنيفة والشافعي أنه لا يلزم الضامن شيء لأنه فرع عن المضمون عنه ولم يلزم المضمون عنه شيء فكذلك فرعه ولنا إن الوكيل مقر بأن الحق في ذمة المضمون عنه وأنه ضامن عنه فلزمه ما أقر به كما لو ادعى على رجل أنه ضمن له ألفا على أجنبي فأقر الضامن بالضمان وصحته وثبوت الحق في ذمة المضمون عنه وكما لو ادعى شفعة على إنسان في شقص اشتراه فأقر البائع بالبيع فأنكره المشتري فإن الشفيه يستحق الشفعة في أصح الوجهين وإن لم تدع المرأة صحة ما ذكره الوكيل فلا شيء عليه ويحتمل أن من أسقط عنه الضمان أسقطه في هذه الصورة ومن أوجبه في الصورة الأخرى فلا يكون فيها اختلاف والله أعلم الحال السادس أن يختلفا في صفة الوكالة فيقول وكلتك في بيع هذا العبد قال بل وكلتني في بيع هذه الجارية أو قال وكلتك في البيع بألفين قال بل بألف أو قال وكلتك في بيعه نقدا قال بل نسيئة أو قال وكلتك في شراء عبد قال بل في شراء أمة أو قال وكلتك في الشراء بخمسة قال بل بعشرة فقال القاضي القول قول الموكل وهو مذهب الشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر وقال أبو الخطاب إذا قال أذنت لك في البيع نقدا وفي الشراء بخمسة قال بل أذنت لي في البيع نسيئة وفي الشراء بعشرة فالقول قول الوكيل نص عليه أحمد في المضاربة لأنه أمين في التصرف فكان القول قوله في صفته كالخياط إذا قال أذنت لي في تفصيله قباء قال بل قميصا وحكي عن مالك إن أدركت السلعة فالقول قول الموكل وإن فاتت فالقول قول الوكيل لأنها إذا فاتت لزم الوكيل الضمان والأصل عدمه بخلاف ما إذا كانت موجودة والقول الأول أصح لوجهين أحدهما أنهما اختلفا في التوكيل الذي يدعيه الوكيل والأصل عدمه فكان القول قول من ينفيه كما لو لم يقر الموكل بتوكيله في غيره والثاني أنهما اختلفا في صفة قول الموكل فكان القول قوله في صفة كلامه كما لو اختلف الزوجان في صفة الطلاق فعلى هذا إذا قال اشتريت لك هذه الجارية بإذنك قال ما أذنت لك إلا في شراء غيرها أو قال اشتريتها لك بألفين فقال ما أذنت لك في شرائها إلا بألف فالقول قول الموكل وعليه اليمين فإذا حلف برىء من الشراء
ثم لا يخلو إما أن يكون الشراء بعين المال أو في الذمة فإن كان بعين المال فالبيع باطل وترد الجارية على البائع إن اعترف بذلك وإن كذبه في أن الشراء لغيره أو بمال غيره بغير إذنه فالقول قول البائع لأن الظاهر أن ما في يد الإنسان له فإن ادعى الوكيل علمه بذلك حلفه أنه لا يعلم أنه اشتراه بمال موكله لأنه يحلف على نفي فعل غيره فكانت يمينه على نفي العلم فإذا حلف أمضى البيع وعلى الوكيل غرامة الثمن لموكله ودفع الثمن إلى البائع وتبقى الجارية في يده ولا تحل له لأنه لا يخلو من أن يكون صادقا فتكون للموكل أو كاذبا فتكون للبائع فإذا أراد استحلالها اشتراها ممن هي له في الباطن فإن امتنع من بيعه إياها رفع الأمر إلى الحاكم ليرفق به ليبيعه إياخا ليثبت الملك له ظاهرا وباطنا ويصير ما ثبت له في ذمته ضمنا قصاصا بالذي أخذ منه الآخر ظلما فإن امتنع الآخر من البيع لم يجبر عليه لأنه عقد مراضاة وإن قال إن كانت الجارية لي فقد بعتكها أو قال الموكل إن كنت أذنت لك في شرائها بألفين فقد بعتكها ففيه وجهان أحدهما لا يصح وهو قول القاضي وبعض الشافعية لأنه بيع معلق على شرط والثاني يصح لأن هذا أمر واقع يعلمان وجوده فلا يضر جعله شرطا كما لو قال إن كانت هذه الجارية جاريتي فقد بعتكها وكذا كل شرط علما وجوده فإنه لا يوجب وقوع البيع ولا شكا فيه فأما إن كان الوكيل اشترى في الذمة ثم نقد الثمن صح الشراء ولزم الوكيل في الظاهر فأما في الباطن فإن كان الوكيل كاذبا في دعواه فالجارية له لأنه اشتراها في ذمته بغير أمر غيره وإن كان صادقا فالجارية لموكله فإذا أراد إحلالها له توصل إلى شارئها منه كما ذكرنا وكل موضع كانت للموكل في الباطن فامتنع من بيعها للوكيل فقد حصلت في يد الوكيل وهي للموكل وفي ذمته للوكيل ثمنها فأقرب الوجوه أن يأذن للحاكم في بيعها وتوفية حقه من ثمنها فإن كانت للوكيل فقد أذن في بيعها وإن كانت للموكل فقد باعها الحاكم في إيفاء دين امتنع المدين من وفائه وقد قيل غير ما ذكرنا وهذا أقرب إن شاء الله تعالى وإن اشتراها الوكيل من الحاكم بما له على الموكل جاز لأنه قائم مقام الموكل في هذا فأشبه ما لو اشترى منه فصل ولو ولكه في بيع عبد فباعه نسيئة فقال الموكل ما أذنت في بيعه إلا نقدا وصدقه الوكيل والمشتري فسد البيع وله مطالبة من شاء منهما بالعبد إن كان باقيا أو بقيمته إن كان تالفا فإن أخذ القيمة من الوكيل رجع على المشتري بها لأن التلف في يده فاستقر الضمان عليه وإن أخذها من المشتري لم يرجع على أحد وإن كذباه وادعيا أنه أذن في البيع نسيئة فعلى قول القاضي يحلف الموكل ويرجع في العين إن كانت قائمة وإن كانت تالفة رجع بقيمتها على من شاء منهما فإن رجع على المشرتي رجع على الوكيل بالثمن الذي أخذه منه لا غير لأنه لم يسلم له المبيع وإن ضمن الوكيل لم يرجع على المشتري في الحال لأنه يقر بصحة البيع وتأجيل الثمن وأن البائع ظلمه بالرجوع عليه وأنه إنما يستحق المطالبة بالثمن بعد الأجل فإذا حل الأجل رجع الوكيل على المشتري بأقل الأمرين من القيمة أو الثمن المسمى لأن القيمة إن كانت أقل فما غرم أكثر منها فلا يجع بأكثر مما غرم وإن كان الثمن أقل فالوكيل معترف للمشتري أنه لا يستحق عليه أكثر منه وأن الموكل ظلمه بأخذ الزائد على الثمن فلا يرجع على المشتري بما ظلمه به الموكل وإن كذبه أحدهما دون الآخر فله الرجوع على المصدق بغير بيمين ويحلف على المكذب ويرجع على حسب ما ذكرنا هذا إن اعترف المشتري بأن الوكيل وكيل في البيع وإن أنكر ذلك وقال إنما بعتني ملكك فالقول قوله مع يمينه أنه لا يعلم كونه وكيلا ولا يرجع عليه بشيء
فصل وإذا قبض الوكيل ثمن المبيع فهو أمانة في يده لا يلزمه تسليمه قبل طلبه ولا يضمنه بتأخيره لأنه رضي بكونه في يده ولم يرجع عن ذلك فإن طلبه فأخر رده مع إمكانه فتلف ضمنه وإن وعده برده ثم ادعى أنني كنت رددته قبل طلبه أو أنه كان تلف لم يقبل قوله لأنه مكذب لنفسه بوعده برده فإن صدقه الموكل برىء وإن كذبه فالقول قول الموكل فإن أقام الوكيل بينة بذلك فهل يقبل على وجهين أحدهما يقبل لأنه لو صدقه الموكل برىء فكذلك إذا قامت له بينة ولأن البينة إحدى الحجتين فبرىء بها كالإقرار والثاني لا يقبل لأنه كذبه بوعده بالدفع أما إذا صدقه فقد أقر ببراءته فلم يبق له منازع وإن لم يعده برده لكن منعه أو مطله برده مع إمكانه ثم ادعى التلف أو الرد لم يقبل قوله لأنه ضامن بالمنع خارج عن حال الأمانة وإن أقام بما ادعاه من الرد أو التلف بينة سمعت لأنه لم يكذبها فصل قال أحمد في رواية أبي الحارث رجل له على آخر دارهم فبعث إليه رسولا يقبضها فبعث إليه مع الرسول دينارا فضاع مع الرسول فهو من مال الباعث لأنه لم يأمره بمصارفته إنما كان من ضمان الباعث لأنه دفع إلى الرسول غير ما أمره به المرسل فإن المرسل إنما أمره بقبض ما له في ذمته وهي الدراهم ولم يدفعها وإنما دفع دينارا عوضا عن عشرة دراهم وهذا صرف يفتقر إلى رضى صاحب الدين وإذنه ولم يأذن فصال الرسول وكيلا للباعث في تأديته إلى صاحب الدين ومصارفته به فإذا تلف في يد وكيله كان من ضمانه اللهم إلا إن يخبر الرسول الغريم أن رب الدين أذن له في قبض الدينار عن الدارهم فيكون حينئذ من ضمان الرسول لأنه غره وأخذ الدينار على أنه وكيل للمرسل وإن قبض منه الدراهم التي أمر بقبضها فضاعت من الرسول فهي من ضمان صاحب الدين لأنها تلفت من يد وكيله وقال أحمد في رواية مهنا في رجل له عند آخر دنانير وثياب فبعث أليه رسولا وقال خذ دينارا وثوبا فأخذ دينارين وثوبين فضاعت فالضمان على الباعث يعني الذي أعطاه الدينارين والثوبين ويرجع به على الرسول يعني عليه ضمان الدينار والثوب الزائدين إنما جعل عليه الضمان لأنه دفعهما إلى من لم يؤمر بدفعهما إليه ورجع بهما على الرسول لأنه غره وحصل التلف في يده فاستقر عليه الضمان وللموكل تضمين الوكيل لأنه تعدى بقبض ما لم يؤمر بقبضه فإذا ضمنه لم يرجع على أحد لأن التلف حصل في يده فاستقر الضمان عليه وقال أحمد في رجل وكل وكيلا في اقتضاء دينه وغاب فأخذ الوكيل به رهنا فتلف الرهن في يد الوكيل فقال أساء الوكيل في أخذ الرهن ولا ضمان عليه إنما لم يضمنه لأنه رهن فاسد والقبض في العقد الفاسد كالقبض في الصحيح فما كان القبض في صحيحه مضمونا كان مضمونا في فاسده وما كان غير مضمون في صحيحه كان غير مضمون في فاسده ونقل البغوي عن أحمد في رجل أعطى آخر دراهم يشتري له بها شاة فخلطها مع دراهمه فضاعا فلا شيء عليه وإن ضاع أحدهما أيهما ضاع غرمه قال القاضي هذا محمول على أنه خلطها بما تميز منها ويحتمل أنه إن أذن له في خلطها بما لا تتميز منه بغير إذنه ضمنها كالوديعة وإنما لزمه الضمان إذا ضاع أحدهما لأنه لا يعلم أن الضائع دراهم الموكل والأصل بقاؤها ومعنى الضمان ها هنا أنه يحسب الضائع من دراهم نفسه فأما على المحمل الآخر وهو إذا خلطها بما تتميز منه فأذا ضاعت دراهم الموكل وحدها فلا ضمان عليه لأنها ضاعت من غير تعد منه مسألة قال ( ولو أمره أن يدفع إلى رجل مالا فادعى أنه دفعه إليه لم يقبل قوله على الآمر إلا ببينة ) وجملته أن الرجل إذا وكل وكيلا في قضاء دينه ودفع إليه مالا ليدفعه إليه فادعى الوكيل قضاء الدين ودفع المال إلى الغريم لم يقبل قوله على الغريم إلا ببينة لأنه ليس بأمينه
فلم يقبل قوله عليه في الدفع إليه كما لو ادعى الموكل ذلك فإذا حلف الغريم فله مطالبة الموكل لأن ذمته لا تبرأ بدفع المال إلى وكيله فإذا دفعه فهل للموكل الرجوع على وكيله ينظر فإن ادعى أنه قضى الدين بغير بينة فللموكل قال القاضي سواء صدقه أنه قضى الحق أو كذبه وهذا قول الشافعي لأنه أذن له في قضاء يبرئه ولم يوجد وعن أحمد رواية أخرى لا يرجع عليه بشيء إلا أن يكون أمره بالإشهاد فلم يفعل فعلى هذه الرواية إن صدقه الوكيل في الدفع لم يرجع عليه بشيء وإن كذبه فالقول قول الوكيل مع يمينه وهذا قول أبي حنيفة ووجه لأصحاب الشافعي لأنه ادعى فعل ما أمر به موكله فكان القول قوله كما لو أمره ببيع ثوبه فادعى أنه باعه ووجه الأول أنه مفرط بترك الإشهاد فضمن كما لو فرط في البيع بدون ثمن المثل فإن قيل فلم يأمره بالإشهاد قلنا إطلاق الأمر بالقضاء يقتضي ذلك لأنه لا يثبت إلا به فيصير كأمره بالبيع والشراء يقتضي ذلك العرف لا العموم كذا ها هنا وقياس القول الآخر يمكن القول بموجبه وأن قوله مقبول في القضاء لكن لزمه الضمان لتفريطه لا لرد قوله وعلى هذا لو كان القضاء بحضرة الموكل لم يضمن الوكيل شيئا لأن تركه الإشهاد والاحتياط رضى منه بما فعل وكيله وكذلك لو أذن له في القضاء بغير إشهاد فلا ضمان على الوكيل لأن صريح قوله يقدم على ما تقتضيه دلالة الحال وكذلك إن أشهد على القضاء عدولا فماتوا أو غابوا فلا ضمان عليه لعدم تفريطه وإن أشهد من يختلف في ثبوت الحق بشهادته كشاهد واحد أو رجلا وامرأتين فهي يبرأ من الضمان يخرج على روايتني وإن اختلف الوكيل والموكل فقال قضيت الدين بحضرتك قال بل في غيبتي أو قال أذنت لي في قضائه بغير بينة فأنكر الإذن أو قال أشهدت على القضاء شهودا فماتوا فأنكر الموكل فالقول قول الموكل لأن الأصل معه فصل وإن وكله في إيداع ماله فأودعه ولم يشهد فقال أصحابنا لا يضمن إذا أنكر المودع وكلام الخرقي بعمومه يقتضي أن لا يقبل قوله على الآمر وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي لأن الوديعة لا تثبت ألا بالبينة فهي كالدين وقال أصحابنا لا يصح القياس على الدين لأن قول المودع يقبل في الرد والهلاك فلا فائدة في الاستيثاق بخلاف الدين فإن قال الوكيل دفعت المال إلى المودع فقال لم تدفعه فالقول قول الوكيل لأنهما اختلفا في تصرفه وفيما وكل فيه فكان القول قوله فيه فصل وإذا كان على رجل دين وعنده وديعة فجاءه إنسان فادعى أنه وكيل صاحب الدين والوديعة في قبضهما وأقام بذلك بينة وجب الدفع إليه وإن لم يقم بينة لم يلزمه دفعها إليه سواء صدقه في أنه وكيله أو كذبه وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة أن صدقه لزمه وفاء الدين وفي دفع العين إليه روايتان أشهرهما لا يجب تسليمها واحتج بأنه أقر له بحق الاستيفاء فلزمه إيفاؤه كما لو أقر له أنه وارثه ولنا إنه تسليم لا يرئه فلا يجب كما لو كان الحق عينا وكما لو أقر بأن هذا وصي الصغير وفارق الإرار بكونه وارثه لأنه يتضمن براءته فإنه أقر بأنه لا حق لسواه فأما إن أنكر وكالته لم يستحلف وقالأبو حنيفة يستحلف ومبنى الخلاف على الخلاف في وجوب الدفع مع التصديق فمن أوجب عليه الدفع مع التصديق ألزمه اليمين عند التكذيب كسائر الحقوق ومن لم يوجب عليه الدفع مع التصديق قال لا يلزمه اليمين عند التكذيب لعدم فائدتها فإن دفع إليه مع التصديق أو مع عدمه فحضر الموكل وصدق الوكيل برىء الدافع وإن كذبه فالقول قوله مع يمينه فإذا حلف وكان الحق عينا قائمة في الوكيل فله أخذها وله مطالبة من شاء بردها لأن الدافع دفعها إلى غير مستحقها والوكيل عين ماله في يده فإن طالب الدافع فللدافع مطالبة الوكيل بها وأخذها من يده ليسلمها إلى صاحبها وإن تلفت العين أو تعذر ردها فلصاحبها الرجوع ببدلها على من شاء منهما
لأن الدافع ضمنها بالدفع والمدفوع إليه قبض ما لا يستحق قبضه وأيهما ضمن لم يرجع على الآخر لأن كل واحد منهما يدعي أن ما يأخذه المالك ظلم ويقر بأنه لم يوجد من صاحبه تعد فلا يرجع على صاحبه بطلم غيره إلا أن يكون الدافع دفعها إلى الوكيل من غير تصديقه فيما ادعاه من الوكالة فإن ضمن رجع على الوكيل لكونه لم يقر بوكالته ولا ثبتت ببينة وإن ضمن الوكيل لم يرجع عليه وإن صدقع لكن الوكيل تعدى فيها أو فرض استقر الضمان عليه فإن ضمن لم يرجع على أحد وإن ضمن الدافع رجع عليه لأنه وإن كان يقرأن أنه قبضه قبضا صحيحا لكن لزمه الضمان بتفريطه وتعديه فالدافع يقول ظلمني المالك بالرجوع علي وله على الوكيل حق يعترف به الوكيل فيأخذه يستوفي حقه منه فأما إن كان المدفوع دينا لم يرجع إلا على الدافع وحده لأن حقه في ذمة الدافع لم يبرأ منه بتسليمه إلى غير وكيل صاحب الحق والذي أخذه الوكيل عين مال الدافع في زعم صاحب الحق والوكيل والدافع يزعمان أنه صار ملكا لصاحب الحق وأنه ظالم للدافع بالأخذ منه فيرجع الدافع فيما أخذ منه الوكيل ويكون قصاصا مما أخذه منه صاحب الحق وإن كان قد تلف في يد الوكيل لم يرجع عليه بشيء لأنه مقر بأنه أمين لا ضمان عليه إلا أن يتلف بتعديه وتفريطه ويرجع عليه فصل فإن جاء رجل فقال أنا وارث صاحب الحق فإن أنكره لزمته اليمين أنه لا يعلم صحة ما قال لأن اليمين ها هنا على نفي فعل الغير فكانت على نفي العلم لأنه لو صدقه لزمه الدفع إليه فلما لزمه الدفع مع الإقرار لزمته مع الإنكار وإن صدقه في أنه وارث صاحب الحق لا وارث له سواءه لزمه الدفع إليه بغير خلاف نعلمه لأنه مقر له بالحق وأنه يبرأ بهذا الذفع فلزمه كما لو جاء صاحب الحق فأما إن جاء رجل فقال قد أحالني عليك صاحب الحق فصدقه ففهي وجهان أحدهما لا يلزمه الدفع إليه لأن الدفع إليه غير مبرىء ولاحتمال أن يجيء المحيل فينكر الحوالة أو يضمنه فأشبه المدعي للوكالة والثاني يلزمه الدفع إليه لأنه معترف بأن الحق له لا لغيره فأشبه الوارث فإن قلنا يلزمه الدفع مع الإقرارا لزمته اليمين مع الإنكار وإن قلنا لا يلزمه الدفع مع الإقرار لم تلزمه اليمن مع الإنكار لعدم الفائدة فيها ومثل هذا مذهب الشافعي فصل ومن طلب منه حق فامتنع من دفعه حتى يشهد القابض على نفسه بالقبض نظرت فإن كان الحق عليه بغير بينة لم يلزمه القاضي بالإشهاد لأنه لا ضرر عليه في ذلك فإنه متى ادعى الحق على الدافع بعد ذلك قال لا يستحق علي شيء والقول قوله مع يمينه وإن كان الحق ثبت ببينة وكان من عليه الحق يقبل قوله في الرد كالمودع والوكيل بغير جعل فكذلك لأنه متى ادعى عليه حق أو قامت به بينة فاقول قوله في الرد وإن كان ممن لا يقبل قوله في الرد أو يختلف في قبول قوله كالغاصب والمستعير والمرتهن لم يلزمه تسليم ما قبله ألا بالأشهاد لئلا ينكر القابض القبض ولا يقبل قول الدافع في الرد وإن قال لا يستحق على شيئا قامت عليه البينة أو إذا أشهد على نفسه باقبض لم يلزمه تسليم الوثيقة بالحق إلى من عليه الحق لأن بينة القبض تسقط البينة الأولى والكتاب ملكه فلا يلزمه تسليمه إلى غيره مسألة قال ( وشراء الوكيل من نفسه غير جائز وكذلك الوصي ) وجملة ذلك أن من وكل في بيع شيء لم يجز له أن يشتريه من نفسه في إحدى الروايتين نقلها مهنا وهو مذهب الشافعي وأصحاب الرأي وكذلك الوصي لا يجوز أن يشتري من مال اليتيم شيئا لنفسه في أحدى الروايتين وهو مذهب الشافعي وحكي عن مالك والأوزاعي جواز ذلك فيهما والرواية الثانية عن أحمد يجوز لهما أن يشتريا بشرطين أحدهما أن يزيدا على مبلغ ثمنه في النداء والثاني أن يتولى النداء غيره