İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
يعني بالخبر ما روى أبو داود بإسناده عن هشام بن عروة عن أبيه عن حجج بن حجاج الأسلمي عن أبيه قال قلت يا رسول الله ما يذهب عني مذمة الرضاع فال الغرة العبد أو الأمة قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح قال ابن الجوزي المذمة بكسر الذال من الذمام وبفتحها من الذم قال ابن عقيل إنما خص الرقبة بالمجازاة بها دون غيرها لأن فعلها في إرضاعه وحضانته سبب حياته وبقائه وحفظ رقبته فاستحب جعل الجزاء هبتها رقبة ليناسب بين النعمة والشكر ولهذا جعل الله تعالى المرضعة أما فقال تعالى وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم النساء 23 وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيعتقه وإن كانت المرضعة مملوكة استحب إعتاقها لأنه يحصل أخص الرقاب بها لها وتحصل به المجازاة التي جعلها النبي صلى الله عليه وسلم مجازاة للوالد من النسب مسألة قال ( ومن اكترى دابة إلى موضع فجاوزه فعليه الأجرة المذكورة وأجره المثل لما جاوز وإن تلفت فعليه أيضا قيمتها ) الكلام في هذه المسألة في فصلين أحدهما في الأجر الواجب وهو المسمى وأجر المثل للزائد نص عليه أحمد ولا خلاف فيه بين أصحابنا ذكر القاضي ذلك وروى الأثرم بإسناده عن أبي الزناد أنه ذكر عن فقهاء المدنية السبعة وقال ربما اختلفوا في الشيء فأخذنا بقول أكثرهم وأفضلهم رأيا فكان الذي وعيت عنهم على هذه الصفة أن من اكترى دابة إلى بلد ثم جاوز ذلك إلى بلد سواه فإن الدابة إذا سلمت في ذلك كله أدى كراءها وكراء ما بعدها وإن تلفت في تعديها ضمنها وأدى كراءها الذي تكاراها به وهذا قول الحكم وابن شبرمة والشافعي وقال الثوري وأبو حنيفة لا أجر عليه لما زاد لأن المنافع عندهما لا تضمن في الغصب وحكي عن مالك إنه إذا تجاوز بها إلى مسافة بعيدة يخير صابحها بين أجر المثل وبين المطالبة بقيمتها يوم التعدي لأنه متعد بإمساكها حابس لها عن أسواقها فكان لصابها تضمينها إياه ولنا إن العين باقية بحالها يمكن أخذها فلم تجب قيمتها كما لو كانت المسافة قريبة وما ذكره تحكم لا دليل عليه ولا نظير له فلا يجوز المصير إليه وقد مضى الكلام مع أبي حنيفة في الغصب الفصل الثاني في الضمان ظاهر كلام الخرقي وجوب قيمتها إذا تلفت به سواء تلفت في الزيادة أو بعد ردها إلى المسافة وسواء كان صاحبها مع المكتري أو لم يكن وهذا ظاهر مذهب الفقهاء السبعة إذا تلفت حال التعدي لما حكينا عنهم وقال القاضي إن كان المكتري نزل عنها وسلمها إلى صاحبها ليمسكها أو يسقيها فتلفت فلا ضمان على المكتري وإن هلكت والمكتري راكب عليها أو حمله عليها فعليه ضمانها وقال أبو الخطاب إن كانت يد صاحبها عليها احتمل أن يلزم المكتري جميع قيمتها واحتمل أن يلزمه نصف قيمتها وقال أصحاب الشافعي إن لم يكن صاحبها معها لزم المكتري قيمتها كلها وإن كان معها فتلفت في يد صاحبها لم يضمنها المكتري لأنها تلفت في يد صاحبها أشبه ما لو تلفت بعد مدة التعدي وإن تلفت تحت الراكب ففيه قولان أحدهما يلزمه نصف قيمتها لأنها تلفت بفعل مضمون وغير مضمون أشبه ما لو تلفت بجراحته وجراحة مالكها والثاني تقسط القيمة على المسافتين فما قابل مسافة الإجارة سقط ووجب الباقي ونحو هذا قول أبي حنيفة فإنه قال من اكترى جملا لحمل تسعة فحمل عشرة فتلف فعلى المكتري عشر قيمته وموضع الخلاف في لزوم كمال القيمة إذا كان صاحبها مع راكبها فلا خلاف في ضمانها بكمال قيمتها لأنها تلفت في يد عادية فوجب ضمانها كالمغصوبة وكذلك إذا تلفت تحت الراكب أو تحت حمله وصاحبها معها لأن اليد للراكب وصاحب الحمل بدليل أنهما لو تنازعا دابة أحدهما راكبها أوله عليها حمل والآخر آخذ بزمامها لكانت للراكب ولصاحب الحمل ولأن الراكب متعد بالزيادة وسكوت صاحبها لا يسقط الضمان كمن جلس إلى إنسان فحرق ثيابه وهو ساكت ولأنها إن تلفت بسبب تعبها فالضمان على المتعدي كمن ألقى حجرا في سفينة موقرة فغرقها
فأما إن تلفت في يد صاحبها بعد نزول الراكب عنها فينظر فإن كان تلفها بسبب تعبها بالحمل والسير فهو كما لو تلفت تحت الحمل والراكب وإن تلفت بسبب آخر من افتراس سبع أو سقوط في هوة ونحو ذلك فلا ضمان فيها لأنها لم تتلف في يد عادية ولا بسبب عدوان وقولهم تلفت بفعل مضمون وغير مضمون أشبه ما لو تلفت بجراحتين يبطل بما إذا قطع السارق ثم قطع آخر يده عدوانا فمات منهما وفارق ما إذا جرح نفسه وجرحه غيره لأن الفعلين عدوان فقسم الضمان عليهما فصل ولا يسقط الضمان بردها إلى المسافة وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف والشافعي وقال محمد يسقط كما لو تعدى في الوديعة ثم ردها ولنا إنها يد ضامنة فلا يزول الضمان عنها إلا بإذن جديد ولم يوجد وما ذكروه في الوديعة لا نسلمه إلا أن يردها إلى مالكها أو يجدد له إذنا مسألة قال ( وكذلك إن اكترى لحمولة شيء فزاد عليه ) وجملة ذلك أن من اكترى لحمل شيء فزاد عليه مثل أن يكتريها لحمل قفيزين فحمل ثلاثة فحكمه حكم من اكترى إلى موضع فجاوزه إلى سواه في وجوب الأجر المسمى وأجر المثل لما زاد ولزوم الضمان إن تلفت هذا قول الشافعي وحكى القاضي أن قول أبي بكر في هذه المسألة وجوب أجر المثل في الجميع وأخذه من قوله فيمن استأجر أرضا ليزرعها شعيرا فزرعها حنطة قال عليه أجر المثل للجميع لأنه عدل عن المعقود عليه إلى غيره فأشبه ما لو استأجر أرضا فزرع أخرى فجمع القاضي رحمه الله بين مسألة الخرقي ومسألة أبي بكر وقال ينقل قول كل واحد من إحدى المسألتين إلى الأخرى لتساويهما في أن الزيادة لا تتميز فيكون في المسألتين وجهان وليس الأمر كذلك فإن بين المسألتين فرقا ظاهرا فإن الذي حصل التعدي فيه في الحمل متميز عن المعقود عليه وهو القفيز الزائد بخلاف الزرع ولأنه في مسألة الحمل استوفى المنفعة المعقود عليها وزاد وفي الزرع لم يزرع ما وقع العقد عليه ولهذا علله أبو بكر بأنه عدل عن المعقود عليه ولا يصح هذا القول في مسألة الحمل فإنه قد حمل المعقود عليه وزاد عليه بل إلحاق هذه المسألة بما إذا اكترى مسافة وزاد عليها أشد وشبهها بها أشد ولأنه في مسألة الحمل متعد بالزيادة وحدها وفي مسألة الزرع متعد بالزرع كله فأشبه الغاصب فأما مسألة الزرع فيما إذا اكترى أرضا لزرع الشعير فزرع حنطة فقد نص أحمد في رواية عبدالله فقال ينظر ما يدخل على الأرض من النقصان ما بين الحنطة والشعير فيعطي رب الأرض فجعل هذه المسألة كمسألتي الخرقي في إيجاب المسمى وأجر المثل للزائد ووجهه أنه لما عين الشعير لم يتعين ولم يتعلق العقد بعينه كما سبق ذكره ولهذا قلنا له زرع مثله وما هو دونه في الضرر فإذا زرع حنطة فقد استوفى حقه وزيادة أشبه ما لو اكتراها إلى موضع فجاوزه وقال أبو بكر له أجر المثل وعلله بأنه عدل عن المعقود عليه فإن الحنطة ليست شعيرا وزيادة وإن قلنا إنه قد استوفى المعقود عليه وزيادة غير أن الزيادة ليست متميزة عن المعقود عليه بخلاف مسألتي الخرقي وقال الشافعي المكتري يخير بين أخذ الكراء وما نقصت الأرض عما ينقصها الشعير وبين أخذ كراء مثلها للجميع لأن هذه المسألة أخذت شبها من أصلين أحدهما إذا ركب دابة فجاز بها المسافة المشروطة لكونه استوفى المعقود عليه وزيادة
والثاني إذا استأجر أرضا فزرع غيرها لأنه زرع متعديا فلهذا خيره بينهما ولأنه وجد سبب يقتضي كل واحد من الحكمين وتعذر الجمع بينهما فكان له أوفرهما وفوض اختياره إلى المستحق كقتل العمد ومن نصر أبا بكر قال هذا متعد بالزرع كله فكان عليه أجر المثل كالغاصب ولهذا يملك رب الأرض منعه من زرعه ويملك أخذه بنفقته إذا زرعه ويفارق من زاد على حقه زيادة متميزة فإنه غير متعد بالجميع إنما تعدى بالزيادة وحدها ولهذا لا يملك المكري منعه من الجميع ونظير هاتين المسألتين من اكترى غرفة ليجعل فيها أقفزة حنطة فترك فيها أكثر منها ومن اكتراها ليجعل فيها قنطارا من القطن فجعل فيها قنطارا من حديد ففي الأولى له المسمى وأجر الزيادة وفي الثانية يخرج فيها من الخلاف مثل ما قلنا في مسألة الزرع وحكم المستأجر الذي يزرع أضر مما اكترى له حكم الغاصب لرب الأرض منعه في الابتداء لما يلحقه من الضرر فإن زرع قرب الأرض مخير بين ترك الزرع بالأجر وبين أخذه ودفع النفقة وإن لم يعلم حتى أخذ المستأجر زرعه فله الأجرة لا غير على ما ذكرنا في باب الغصب فصل وإن اكترى دابة إلى مسافة فسلك أشق منها فهي مثل مسألة الزرع يخرج فيها وجهان قياس المنصوص عن أحمد أن له الأجر المسمى وزيادة لكون المسافة لا تتعين على قول أصحابنا وقياس قول أبي بكر أن له أجر المثل لأن الزيادة غير متميزة ولأنه متعد بالجميع بدليل أن لرب الدابة منعه من سلوك تلك الطريق كلها بخلاف من سلك الطريق وجاوز فإنه إنما يمنعه الزيادة لا غير وإن اكترى لحمل قطن فحمل بوزنه حديدا أو لحمل حديد فحمل قطنا فالصحيح أن عليه أجر المثل ها هنا لأن ضرر أحدهما مخالف لضرر الأرض فلم يتحقق كون المحمول مشتملا على المستحق بعقد الإجارة وزيادة عليه بخلاف ما قبلها من المسائل وسائر مسائل العدوان في الإجارة يقاس على ما ذكرنا من المسائل ما كان متميزا وما لم يكن متميزا فتحلق كل مسألة بنظيرتها والله أعلم فصل إذا أكراه لحمل قفيزين فحملهما فوجدهما ثلاثة فإن كان المكتري تولى الكيل ولم يعلم المكري بذلك فحكمه حكم من اكترى لحمولة شيء فزاد عليه وإن كان المكتري تولى كيله زتعبئته ولم يعلم المكتري فهو غاصب لا أجر له حمل الزائد وإن تلفت دابته فلا ضمان لها لأنها تلفت بعدوان صاحبها وحكمه في ضمان الطعام حكم من غصب طعام غيره وإن تولى ذلك أجنبي ولم يعلم المكري والمكتري فهو متعد عليهما يلزمه لصاحب الدابة الأجر ويتعلق به الضمان ويلزمه لصاحب الطعام ضمان طعامه وسواء كاله أحدهما ووضعه الآخر على ظهر الدابة أو كان الذي كاله وعباه وضعه على ظهرها وقال أصحاب الشافعي في أحد الوجهين إذا كاله المكتري ووضعه المكري على ظهر البهيمة لا ضمان على المكتري لأن المكري مفرط في حمله ولنا إن التدليس ليس من المكتري إذ أخبره بكيلها على خلاف ما هو به فلزمه الضمان كما لو أمر أجنبيا بتحميلها فأما إن كالها المكتري ورفعها المكري على الدابة عالما بكيلها لم يضمن المكتري دابته إذا تلفت لأنه فعل ذلك من غير تدليس ولا تغرير وهل له أجر القفيز الزائد يحتمل وجهين أحدهما لا أجر له لأن المكتري لم يجعل له على ذلك أجرا والثاني له أجر الزائد لأنهما اتفقا على حمله على سبيل الإجارة فجرى مجرى المعاطاة في البيع ودخوله الحمام من غير تقدير أجره وإن كاله المكري وحمله المكتري على الدابة عالما بذلك من غير أن يأمره بحمله عليها فعليه أجر القفيز الزائد وإن أمره بحمله عليها ففي وجوب الأجر وجهان كما لو حمله المكري عليها لأنه إذا أمر به كان ذلك كفعله وإن كاله أحدهما وحمله أجنبي بأمره فهو كما لو حمله الذي كاله وإن كان بأمر الآخر فهو كما لو حمله الآخر وإن حمله بغير أمرهما فهو كما لو كاله ثم حمله مسألة قال ( ولا يجوزأن يكتري مدة غزاته )
هذا قول أكثر أهل العلم منهم الأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وقال مالك قد عرف وجه ذلك وأرجو أن يكون حقيقيا ولنا إن هذه إجازة في مدة مجهولة وعمل مجهول فلم يجز كما لو أكراها لمدة سفره في تجارته ولأن مدة الغزاة تطول وتقصر ولا حد لها تعرف به والعمل فيها يقل ويكثر ونهاية سفرهم تقرب وتبعد فلم يجز التقدير بها كغيرها من الأسفار المجهولة فإن فعل ذلك فله أجر المثل لأنه عقد على عوض لم يسلم له لفساد العقد فوجب أجر المثل كسائر الإجارات الفاسدة مسألة قال ( فإن سمى لكل يوم شيئا معلوما فجائز ) وجملته أن من اكترى فرسا مدة غزوه كل يوم بدرهم فالمنصوص عن أحمد صحته وقال الشافعي هذا فاسد لأن مدة الإجازة مجهولة ولنا إن عليا رضي الله عنه أجر نفسه كل دلو بتمرة وكذلك الأنصاري ولم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم ولأن كل يوم معلوم مدته وأجرته فصح كما لو قال أجرتكها شهرا كل يوم بدرهم أو قال استأجرتك لنقل هذه الصبرة كل قفيز بدرهم ولا بد من تعيين ما يستأجر له إما لركوب أن حمل معلوم ويستحق الأجر المسمى لكل يوم سواء كانت مقيمة أو سائرة لأن المنافع ذهبت في مدته فأشبه ما لو اكترى دارا فأغلقها ولم يسكنها وإن أجر نفسه لسقي نخل كل دلو بتمرة أو بفلس أو أجر معلوم جاز للأثر الوارد فيه ولأن كل عمل معلوم له عوض معلوم فجاز كما لو سمى دلاء معروفة ولا بد من معرفة الدلو والبئر وما يستسقى به لأن العمل يختلف به فصل ونقل أبو الحارث عن أحمد في رجل استأجر دابة في عشرة أيام بعشرة دراهم فإن حبسها أكثر من ذلك فله بكل يوم درهم فهو جائز ونقل ابن منصور عنه فيمن اكترى دابة من مكة إلى جدة بكذا فإن ذهب إلى عرفات بكذا فلا بأس ونقل عبد الله عنه لو قال أكريتكها بعشرة فما حبسها فعليه كل يوم عشرة وهذه الروايات تدل على أن مذهبه أنه متى قدر لكل عمل معلوم أجرا معلوما صح ويتأول القاضي هذا كله على أنه يصح في الأول ويفسد في الثاني لأن مدته غير معلومة فلم يصح العقد فيه كما لو قال استأجرتك لتحمل لي هذه الصبرة وهي عشرة أقفزة بدرهم وما زاد فبحساب ذلك والظاهر خلاف هذا فإن قوله فهو جائز عاد إلى جميع ما ذكر قبله وكذلك قوله لا بأس ولأن لكل عمل عوضا معلوما فصح كما لو استقى له كل دلو بتمرة وقد ثبت الأصل بالخبر الوارد فيه ومسألة الصبرة لا نص فيها عن الإمام وقياس نصوصه صحة الإجارة وإن سلم فسادها فلأن القفزان التي شرط حملها غير معلومة تعيين ولا صفة وهي مختلفة فلم يصح العقد لجالتها بخلاف الأيام فإنها معلومة فصل وإن قال إن خطت هذا الثوب اليوم فلك درهم وإن خطته غدا فلك نصف درهم فعن أحمد فيه روايتان إحداهما لا يصح وله أجر المثل نقلها أبو الحارث عن أحمد وهذا مذهب مالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبي ثور لأنه عقد واحد اختلف فيه العوض بالتقديم والتأخير فلم يصح كما لو قال بعتك نقدا بدرهم أو بدرهمين نسيئة والثانية يصح وهو قول الحارث العكلي وأبي يوسف ومحمد لأنه سمى لكل عمل عوضا معلوما فصح كما لو قال كل دلو بتمرة وقال أبو حنيفة إن خاطه اليوم فله درهم وإن خاطه غدا لا يزاد على درهم ولا ينقص عن نصف درهم لأن المؤجر قد جعل له نصف درهم فلا ينقص منه وهو قد رضي في أكثر العملين بدرهم فلا يزاد عنه وهذا لا يصح لأنه إن صح العقد فله المسمى وإن فسد فوجوده كالعدم ويجب أجر المثل كسائر العقود الفاسدة فصل وإن قال إن خطته روميا فلك درهم وإن خطته فارسيا فلك نصف درهم ففيها وجهان بناء على التي قبلها والخلاف فيها كالتي قبلها لأن أبا حنيفة وافق صاحبه في الصحة هاهنا
ولنا إنه عقد معاوضة لم يتعين فيه العوض ولا المعوض فلم يصح كما لو قال بعتك هذا بدرهم أو هذا بدرهمين وفارق هذا كل دلو بتمرة من وجهين أحدهما أن العمل الثاني ينضم إلى العمل الأول ولكل واحد منهما عوض مقدر فأشبه ما لو قال بعتك هذه الصبرة كل قفيز بدرهم وها هنا الخياطة واحدة شرط فيها عوضا إن وجدت على صفة وعوضا آخر إن وجدت على أخرى فأشبه ما لو باعه بعشرة صحاح أو إحدى عشرة مكسرة والثاني أنه وقف الإجارة على شرط بقوله إن خطته كذا فلك كذا وإن خطته كذا فلك كذا بخلاف قوله كل دلو بتمرة فصل ونقل مهنا عنأحمد فيمن استأجر من حمال إلى مصر بأربعين دينارا فإن نزل دمشق فكراؤه ثلاثون فإن نزل الرقة فكراؤه عشرون فقال إذا اكترى إلى الرقة بعشرين واكترى إلى دمشق بعشرة واكترى إلى مصر بعشرة جاز ولم يكن للحمال أن يرجع فظاهر هذا أنه لم يحكم بصحة العقد الأول لأنه في معنى بيعتين في بيعة لكونه خيره بين ثلاثة عقود ويخرج فيه أن يصح بناء على المسألتين قبل هذا ونقل البرزاطي عن أحمد في رجل استأجر رجلا يحمل له كتابا إلى الكوفة وقال إن وصلت الكتاب يوم كذا وكذا فلك عشرون وإن تأخرت بعد ذلك بيوم فلك عشرة فالإجارة فاسدة وله أجر مثله وهذا مثل الذي قبله ونقل عبد الله فيمن اكترى دابة وقال إن رددتها غدا فكراؤها عشرة وإن رددتها اليوم فكراؤها خمسة فلا بأس وهذه الرواية تدل على صحة الإجارة والظاهر عن أحمد في رواية الجماعة فيما ذكرنا فساد العقد وهو قياس بيعتين في بيعة والله أعلم فصل في مسائل الصبرة وفيها عشر مسائل إحداهما قال استأجرتك لتحمل لي هذه الصبرة إلى مصر بعشرة فالإجارة صحيحة بغير خلاف نعلمه لأن الصبرة معلومة بالمشاهدة التي يجوز بيعها بها فجاز الاستئجار عليها كما لو علم كيلها الثانية قال استأجرتك لتحملها لي كل قفيز بدرهم فيصح أيضا وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة يصح في قفيز ويبطل فيما زاد ومبنى الخلاف على الخلاف في بيعها وقد ذكرناه الثالثة قال لتحملها لي قفيزا بدرهم وما زاد فبحساب ذلك فيجوز كما لو قال كل قفيز بدرهم وكذلك كل لفظ يدل على إرادة حمل جميعها كقوله لتحمل منها قفيزا بدرهم وسائرها أو باقيها بحساب ذلك أو قال وما زاد بحساب ذلك يريد به باقيها كله إذا فهما ذلك من اللفظ لدلالته عندهماعليه أو لقرينة صرفت إليه الرابعة قال لتحمل منها قفيزا بدرهم وما زاد فبحساب ذلك يريد مهما حملت من باقيها فلا يصح ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي لأن المعقود عليه بعضها وهو مجهول ويحتمل أن يصح لأنه في معنى كل دلو بتمرة الخامسة قال لتنقل لي منها كل قفيز بدرهم فهي كالرابعة سواء السادسة قال لتحمل منها قفيزا بدرهم على أن تحمل الباقي بحساب ذلك فلا يصح لأنه في معنى بيعتين في بيعة ويحتمل أن يصح لأن معناه لتحمل لي كل قفيز بدرهم السابعة قال لتحمل لي هذه الصبرة كل قفيز بدرهم وتنقل لي صبرة أخرى في البيت بحساب ذلك فإن كانا يعلمان الصبرة التي في البيت بالمشاهدة صح فيهما لأنهما كالصبرة الواحدة وإن جهلها أحدهما صح في الأولى وبطل في الثانية لأنهما عقدان أحدهما على معلوم والثاني على مجهول فصح في المعلوم وبطل في المجهول كما لو قال بعتك عبدي هذا بعشرة وعبدي الذي في البيت بعشرة
الثامنة قال لتحمل لي هذه الصبرة والتي في البيت بعشرة فإن كانا يعلمان التي في البيت صح فيهما وإن جهلاها بطل فيهما لأنه عقد واحد بعوض واحد على معلوم ومجهول بخلاف التي قبلها فإن كانا يعلمان التي في البيت لكنها مغصوبة أو امتنع تصحيح العقد فيها لمانع اختص بها بطل العقد فيها وفي صحته وفي صحة الأخرى وجهان بناء على تفريق الصفقة إلا أنهما إن كانت قفزانهما معلومة أو قدر أحدهما معلوم من الأخرى فالأولى صحته لأن قسط الأجر فيها معلوم وإن لم يكن كذلك فالأولى بطلانه لجهالة العوض فيها التاسعة قال لي لتحمل لي هذه الصبرة وهي عشرة أقفزة بدرهم فإن زادت على ذلك فالزائد بحساب ذلك صح في العشرة لأنها معلومة ولم يصح في الزيادة لأنها مشكوك فيها ولا يجوز العقد على ما يشك فيه العاشرة قال لتحمل لي هذه الصبرة كل قفيز بدرهم فإن قدم لي طعام فحملته فبحساب ذلك صح أيضا في الصبرة وفسد في الزيادة لما ذكرناه مسألة قال ( ومن اكترىء إلى مكة فلم ير الجمال الراكبين والمحامل والأغطية والأوطئة لم يجز الكراء ) أجمع أهل العلم على إجازة الإبل إلى مكة وغيرها وقد قال الله تعالى والخيل والبغال والحمير لتركبوها النحل 8 ولم يفرق بين المملوكة والمكتراة وروي عن ابن عباس في قوله تعالى ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم البقرة 198 أن تحج وتكرى ونحوه عن ابن عمر ولأن بالناس حاجة إلى السفر وقد فرض الله تعالى عليهم الحج وأخبر أنهم يأتون رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق وليس لكل أحد بهيمة يملكها ولا يقدر على معاناتها والقيام بها والشد عليها فدعت الحاجة إلى استئجار فجاز دفعا للحاجة إذا ثبت هذا فمن شرط صحة العقد معرفة المتعاقدين ما عقدا عليه لأنه عقد معاوضة محضة فكان من شرطه المعرفة للمعقود عليه كالبيع فأما الجمال فيحتاج إلى معرفة الراكبين والآلة التي يركبون فيها من محمل أو محارة وغيرها وإن كانت مقتبا ذكره وهل يكون مغطى أو مكشوفا فإن كان مغطى احتاج إلى معرفة الغطاء ويحتاج إلى معرفة الوطاء الذي يوطأ به المحمل والمعاليق التي معه من قربه وسطيحة وسفرة ونحوها وذكر سائر ما يحمل معه وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر إلا أن الشافعي قال يجوز إطلاق غطاء المحمل لأنه لا يختلف اختلافا متباينا وحكي عنه في المعاليق قول إنه يجوز إطلاقها وتحمل على العرف وحكي عن مالك أنه يجوز إطلاق الراكبين لأن أجسام الناس متقاربة في الغالب وقالأبو حنيفة إذا قال في المحمل رجلان وما يصلحهما من الوطاء والدثر جاز استحسانا لأن ذلك يتقارب في العادة فحمل على العادة كالمعاليق وقال القاضي في غطاء المحمل كقول الشافعي ولنا إن هذا يختلف ويتباين كثيرا فاشترطت معرفته كالطعام الذي يحمل معه وقولهم إن أجسام الناس متقاربة لا يصح فإن منهم الكبير والصغير والطويل والقصير والسمين والهزيل والذكر والأنثى ويختلفون بذلك ويتباينون كثيرا ويتفاوتون أيضا في المعاليق فمنهم من يكثر الزاد والحوائج ومنهم من يقنع باليسير ولا عرف له يرجع إليه فاشترطت معرفته كالمحمل والأوطئة وكذلك غطاء المحمل من الناس من يختار الواسع الثقيل الذي يشتد على الحمل في الهواء ومنهم من يقنع بالضيق الخفيف فتجب معرفته كسائر ما ذكرنا
وأما المستأجر فيحتاج إلى معرفة الدابة التي يركب عليها لأن الغرض يختلف بذلك وتحصل بأحد أمرين إما بالرؤية فيكتفي بها لأنها أعلى طرق العلم إلا أن يكون مما يحتاج إلى معرفة صفة المسمى فيه كالرهوال وغيره فأما أن يجربه فيعلم ذلك برؤيته وإما أن يصفه وإما أن يصفه وإما بالصفة فإذا وجدت اكتفى بها لأنه يمكن ضبطه بالصفة فجاز العقد عليه كالبيع وإذا استأجر بالصفة للركوب احتاج إلى ذكر الجنس فيقول إبل أو خيل أو بغال أو حمير والنوع فيقول بختي أو عربي وفي الخيل عربي أو برذون وفي الحمير مصري أو شامي وإن كان في النوع ما يختلف كالمهملج من الخيل والقطوف احتيج إلى ذكره وذكر القاضي أنه يحتاج إلى معرفة الذكورية والأنثوية وهو مذهب الشافعي لأن الغرض يختلف بذلك فإن الأنثى أسهل والذكر أقوى ويحتمل أنه لا يحتاج إلى معرفة ذلك لأن التفاوت فيه يسير ومتى كان الكراء إلى مكة فالصحيح أنه لا يحتاج إلى ذكر الجنس ولا النوع لأن العادة أن الذي يحمل عليه في طريق مكة إنما هو الجمال العراب دون البخاتي فصل وإذا كان الكراء إلى مكة أو طريق لا يكون السير فيه إلى اختيار المتكاريين فلا وجه لذكر تقدير السير فيه لأن ذلك ليس إليهما ولا مقدور عليه لهما وإن كان في طريق السير فيه إليهما استحب ذكر قدر السير في كل يوم فإن أطلق وللطريق منازل معروفة جاز العقد عليه مطلقا لأنه معلوم بالعرف ومتى اختلفا في ذلك وفي ميقات السير ليلا أو نهارا أو في موضع المنزل إما في داخل البلد أو خارج منه حملا على العرف كما لو أطلقا الثمن في بلد فيه نقد معروف وإن لم يكن للطريق عرف وأطلقا العقد فقال القاضي لا يصح كما لو أطلقا الثمن في بلد لا عرف فيه والأولى أن هذا ليس بشرط لأنه لو كان شرطا لما صح العقد بدونه في الطريق المخوف ولأنه لم تجر العادة بتقدير السير في طريق ومتى اختلفا رجع إلى العرف في غير تلك الطريق فصل وإن اشترط حمل زاد مقدر كمائة رطل نظرنا فإن شرط أنه يبدل منها ما نقص بالأكل أو غيره فله ذلك وإن شرط أن ما نقص بالأكل لا يبدله لم يكن له إبداله فإن ذهب بغير الأكل كسرقة أو سقوط فله إبداله لأن ذلك لم يدخل في شرطه وإن أطلق العقد فله إبدال ما ذهب بسرقة أو سقوط أو أكل غير معتاد بغير خلاف وإن نقص بالأكل المعتاد فله إبداله أيضا لأنه استحق حمل مقدار معلوم فملك إبدال ما نقص منه كما لو نقص بسرقة ويحتمل أنه لا يملك إبداله لأن العرف جار بأن الزاد ينقص فلا يبدل فحمل العقد عند الإطلاق على العرف وصار كالمصرح به وقال الشافعي القياس أن له إبداله ولو قيل ليس له إبداله كان مذهبا لأن العادة أن الزاد لا يبقى جميع المسافة ولذلك يقل أجره عن أجر المتاع فصل وإذا اكترى جملا ليحج عليه فله الركوب عليه إلى مكة ومن مكة إلى عرفة والخروج عليه إلى منى لأنه من تمام الحج وقيل ليس له الركوب إلى منى لأنه بعد التحلل من الحج والأولى أن له ذلك لأنه من تمام الحج وتوابعه ولذلك وجب على من وجب عليه دون غيره فدخل في قول الله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا آل عمران 97 ومن اكترى إلى مكة فقط فليس له الركوب إلى الحج لأنها زيادة ويحتمل أن له ذلك لأن الكراء إلى مكة عبارة عن الكراء للحج لكونها لا يكترى إليها إلا للحج غالبا فكان بمنزلة المكتري للحج فصل فيما يلزم المكري والمكتري للركوب يلزم المكري كل ما جرت العادة أن يوطأ به المركوب للراكب من الحداجة للجمل والقتب والزمام الذي يقاد به البعير والبرة التي في أنف البعير إن كانت العادة جارية بينهم بها وإن كان فرسا فاللجام والسرج وإن كان بغلا أو حمارا فالبرذعة والإكاف لأن هذا هو العرف فحمل الإطلاق عليه
وعلى المكتري ما يزيد على ذلك كالمحمل والمحارة والحبل الذي يشد به بين المحملين أو المحارتين لأن ذلك من مصلحة المحمل والوطاء الذي يشد فوق الحداجة تحت الحمل وعلى المكري رفع المحمل على الجمل ورفع الأحمال وشدها وحطها لأن هذا هو العرف وبه يتمكن من الركوب ويلزمه القائد والسائق هذا إذا كان الكراء على أن يذهب مع المكتري وإن كان على أن يتسلم الراكب البهيمة يركبها لنفسه فكل ذلك عليه لأن الذي على المكري تسليم البهيمة وقد سلمها فأما الدليل فهو على المكتري لأن ذلك خارج عن البهيمة المكتراة وآلتها فلم يلزمه كالزاد وقيل إن كان اكترى منه بهيمة يعينها فأجره الدليل على المكتري لأن الذي عليه أن يسلم الظهر وقد سلمه وأن كانت على حمله إلى مكان معين في الذمة فهو على المكري لأنه من مؤنة إيصاله إليه وتحصيله فيه فصل وإذا كان الراكب ممن لا يقدر على الركوب والبعير قائم كالمرأة والشيخ والضعيف والسمين وشبههم فعلى الجمال أن يبرك الجمل لركوبه ونزوله لأنه لا يتمكن من الركوب والنزول إلا به وإن كان ممن يمكنه الركوب والنزول والبعير قائم لم يلزم الجمال أن يبرك له الجمل لأنه يمكن استيفاء المعقود عليه بدون هذه الكلفة وإن كان قويا حال العقد فضعف في أثنائه أو ضعيفا فقوي فالاعتبار بحال الركوب لأن العقد اقتضى ركوبه بحسب العادة ويلزم الجمال أن يقف البعير لينزل لصلاة الفريضة وقضاء حاجة الإنسان وطهارته ويدع البعير واقفا حتى يفعل ذلك لأنه لا يمكنه فعل شيء من هذا على ظهر البعير وما أمكنه فعله عليه من الأكل والشرب وصلاة النافلة من السنن وغيرها لم يلزمه أن يبركه له ولا يقف عليه من أجله وإن أراد المكتري إتمام الصلاة وطالبه الجمال بقصرها لم يلزمه ذلك بل تكون خفيفة في تمام ومن اكترى بعيرا لإنسان يركبه لنفسه وسلمه إليه لم يلزمه سوى ذلك لأنه وفى له بما عقد عليه فلم يلزمه شيء سواه فصل وإذا اكترى ظهرا في طريق العادة فيه النزول والمشي عند اقتراب المنزل والمكتري امرأة أو ضعيف لم يلزمه النزول لأنه اكتراه جميع الطريق ولم تجر له عادة بالمشي فلزم حمله في جميع الطريق كالمتاع وإن كان جلدا قويا ففيه وجهان أحدهما لا يلزمه النزول أيضا لأنه عقد على جميع الطريق فلا يلزمه تركه في بعضها كالضعيف والثاني يلزمه لأنه متعارف والمتعارف كالمشروط فصل وإن هرب الجمال في بعض الطريق أو قبل الدخول فيها لم يخل من حالين أحدهما أن يهرب بجماله فينظر فإن لم يجد المستأجر حاكما أو وجد حاكما لم يمكن إثبات الحال عنده أو أمكن الإثبات عنده ولا يحصل له ما يكتري به ما يستوفي حقه منه فللمستأجر فسخ الإجارة لأنه تعذر عليه قبض المعقود عليه فأشبه ما لو أفلس المشتري أو انقطع المسلم فيه عند محله فإن فسخ العقد وكان الجمال قد قبض الأجر كان دينا في ذمته وإن اختار المقام على العقد وكانت الإجارة على عمل في الذمة فله ذلك ومتى قدر على الجمال طالبه به وإن كان العقد على مدة انقضت في هربه انفسخ العقد بذلك وإن أمكنه إثبات الحال عند الحاكم وكان العقد على موصوف غير معين لم ينفسخ العقد ويرفع الأمر إلى الحاكم ويثبت عنده حاله فينظر الحاكم فإن وجد للجمال مالا اكترى به له وإن لم يجد له مالا وأمكنه أن يقترص على الجمال من بيت المال أو من غيره ما يكتري له به فعل فإن دفع الحاكم المال إلى المكتري ليكتري لنفسه به جاز في ظاهر كلام أحمد وإن اقترض عليه من المكتري ما يكري به جاز وصار دينا في ذمة الجمال وإن كان العقد على معين لم يجز إبداله ولا اكتراء غيره لأن العقد تعلق بعينه فيتخير المكتري بين الفسخ أو البقاء إلى أن يقدر عليه فيطالبه بالعمل
الحال الثاني إذا هرب الجمال فترك جماله فإن المكتري يرفع الأمر إلى الحاكم فإن وجد للجمال مالا استأجر به من يقوم مقام الجمال في الإنفاق على الجمال والشد عليها وحفظها وفعل ما يلزم الجمال فعله فإن لم يجد له غير الجمال وكان فيه فضله عن الكراء باع بقدر ذلك وإن لم يكن فيها فضل أو لم يمكن بيعه اقترض عليه الحاكم كما قلنا وإن ادان من المكتري وأنفق جاز وإن أذن للمكتري في الإنفاق من ماله بالمعروف ليكون دينا على الجمال جاز لأنه موضع حاجة وإذا رجع الجمال واختلفا فيما أنفق نظرنا فإن كان الحاكم قدر له ما ينفق قبل قوله في قدر ذلك وما زاد لا يحتسب به وإن لم يقدر له قبل قوله في قدر النفقة بالمعروف لأنه أمين وما زاد لا يرجع به لأنه متطوع به وإذا وصل المكتري رفع الأمر إلى الحاكم ففعل ما يرى الحظ فيه من بيع الجمال فيوفي عن الجمال ما لزمه من الدين للمكتري أو لغيره ويحفظ باقي الثمن له وإن رأى بيع بعضها وحفظ باقيها والإنفاق على الباقي من ثمن ما باع جاز وإن لم يجد حاكما أو عجز عن استدانة فله أن ينفق عليها ويقيم مقام الجمال فيما يلزمه فإن فعل ذلك متبرعا لم يرجع بشيء وإن نوى الرجوع وأشهد على ذلك رجع به لأنه حال ضرورة وهذا أحد الوجهين للشافعي وإن لم يشهد ونوى الرجوع ففي الرجوع وجهان أحدهما يرجع به لأن ترك الجمال مع العلم بأنها لا بد لها من نفقة إذن في الإنفاق والثاني لا يرجع به لأنه يثبت لنفسه حقا على غيره وكذلك إن لم يجد من يشهده فأنفق محتسبا بالرجوع وقياس المذهب أن له الرجوع لقولنا يرجع بما أنفق على الآبق وعلى عيال الغائب وزوجاته والدابة المرهونة ولو قدر على استئذان الحاكم فأنفق من غير استئذانه وأشهد على ذلك ففي رجوعه وجهان أيضا وحكم موت الجمال حكم هربه وقال أبو بكر مذهب أحمد أن الموت لا يفسخ الإجارة وله أن يركبها ولا يسرف في علفها ولا يقصر ويرجع بذلك في مال المتوفى فإن لم يكن في يد المستأجر ما ينفقه لم يجز أن يبيع منها شيئا لأن البيع إنما يجوز من المالك أو من نائبه أو ممن له ولاية عليه فصل قال أصحابنا يصح كراء العقبة وهو مذهب الشافعي ومعناها الركوب في بعض الطريق يركب شيئا ويمشي شيئا لأنه إذا جاز اكتراؤها في الجميع جاز اكتراؤها في البعض ولا بد من كونها معلومة إما أن يقدرها بفراسخ معلومة وإما بالزمان مثل أن يركب ليلا ويمشي نهارا ويعتبر في هذا زمان السير دون زمان النزول وإن اتفقا على أن يركب يوما ويمشي يوما جاز فإن اكترى عقبة وأطلق احتمل أن يجوز ويحمل على العرف ويحتمل أن لا يصح لأن ذلك يختلف وليس له ضابط فيكون مجهولا وإن اتفقا على أن يركب ثلاثة أيام ويمشي ثلاثة أيام أو ما زاد ونقص جاز وإن اختلفا لم يجبر الممتنع منهما لأن فيه ضررا على كل واحد منهما الماشي لدوام المشي عليه وعلى الجمل لدوام الركوب عليه ولأنه إذا ركب بعد شدة تعبه كان أثقل على البعير وإن اكترى اثنان جملا يركبانه عقبة وعقبة جاز ويكون كراؤهما طول الطريق والاستيفاء بينهما على ما يتفقان عليه وإن تشاحا قسم بينهما لكل واحد منهما فراسخ معلومة أو لأحدهما الليل وللآخر النهار وإن كان لذلك عرف رجع إليه وإن اختلفا في البادىء منهما أقرع بينهما ويحتمل أن لا يصح كراؤهما إلا أن يتفقا على ركوب معلوم لكل واحد منهما لأنه عقد على مهجول بالنسبة إلى كل واحد منهما فلم يصح كما لو اشتريا عبدين على أن لكل واحد منهما عبدا معينا منهما مسألة قال ( فإن رأى الراكبين أو وصفا له وذكر الباقي بأرطال معلومة فجائز )
وجملته أن المعرفة بالوصف تقوم مقام الرؤية في الراكبين إذا وصفهما بما يختلفان به في الطول والقصر والهزال والسمن والصحة والمرض والصغر والكبر والذكورية والأنوثية والباقي يكفي فيه ذكر الوزن وقال الشريف أبو جعفر وأبو الخطاب لا بد من معرفة الراكبين بالرؤية لأنه يختلف بثقله وخفته وسكونه وحركته ولا ينضبط بالوصف فيجب تعيينه وهذا مذهب الشافعي ولهم في المحمل وجه أنه لا تكفي فيه الصفة ويجب تعيينه ولنا إنه عقد معاوضة مضاف إلى حيوان فاكتفى فيه بالصفة كالبيع وكالمركوب في الإجارة ولأنه لو لم يكتف فيه بالصفة لما جاز للراكب أن يقيم غيره مقامه لأنه إنما يعلم كونه مثله لتساويهما في الصفات فما لاتأتي عليه الصفات لا يعلم التساوي فيه ولأن الوصف يكتفي به في البيع فاكتفى به في الإجارة كالرؤية والتفاوت بعد ذكر الصفات الظاهرة يسير تجري المسامحة فيه كالمسلم فيه فصل ويجوز اكتراء الإبل والدواب للحمولة قال الله تعالى وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس النحل 7 والحمولة بالضم الأحمال والحمولة بالفتح التي يحمل عليها قال الله تعالى ومن الأنعام حمولة وفرشا الأنعام 142 الحمولة الكبار والفرش الصغار وقيل الحمولة الإبل والفرش الغنم لأنها لا تحمل ولا يحتاج إلى معرفة الحمولة لأن الغرض حمل المتاع دون ما يحمله بخلاف الركوب فإن المركب غرضا في المركوب من سهولته وحالة سرعته وإن اتفق وجود غرض في الحمولة مثل أن يكون المحمول شيئا تضره كثرة الحركة كالفاكهة والزجاج أو كون الطريق مما يعسر على بعضها دون بعض فينبغي أن يذكر في الإجارة وأما الأحمال فلا بد من معرفتها فإن لم يعرفها لم يجز لأن ذلك يتفاوت كثيرا ويختلف الغرض به فإن شرط أن تحمل ما شاء بطل لأن ذلك لا يمكن الوفاء به ويدخل فيه ما يقتل البهيمة وإن قال احتمل عليها طاقتها لم يجز أيضا لأن ذلك لا ضابط له وتحصل المعرفة بطريقين ( المشاهدة ) لأنها من أعلى طرق العلم ( والصفة ) ويشترط في الصفة معرفة شيئين القدر والجنس لأن الجنس يختلف تعب البهيمة باختلافه مع التساوي في القدر فإن القطن يضر بها من وجه وهو أنه ينتفخ على البهيمة فيدخل فيه الريح فيثقل ومثلة من الحديد يؤذي من جهة أخرى وهو أنه يجتمع على موضع من البهيمة فربما عقرها فلا بد من بيانه وأما الظروف فإن دخلت في الوزن لم يحتج إلى ذكرها وإن لم توزن فإن كانت ظروفا معروفة لا تختلف كغرائر الصوف والشعر ونحوها جاز العقد عليها من غير تعيين لأنها قلما تتفاوت تفاوتا كثيرا فتسميتها تكفي وإن كانت تختلف فلا بد من معرفتها بالتعيين أو الصفة وذكر ابن عقيل أنه إذا قال أكريتكها لتحمل عليها ثلاثمائة رطل مما شئت جاز وملك ذلك لكن لا يحمله حملا يضر بالحيوان مثل ما لو أراد حمل حديد أو زئبق ينبغي أن يفرقه على ظهر الحيوان فلا يجتمع في موضع واحد من ظهره ولا يجعله في وعاء يتموج فيه فيكد البهيمة ويتعبها وإن اكترى ظهرا للحمل موصوفا بجنس فأراد حمله على غير ذلك الجنس وكان الطالب لذلك المستأجر لم يقبل منه لأنه لا يملك المطالبة بما لم يعقد عليه وإن طلبه المؤجر وكان يفوت به غرض للمستأجر مثل أن يكون غرضه معرفة الاستعجال في السير أو أن لا ينقطع عن القافلة فيتعين الخيل أو البغال أو يكون غرضه سكون الحمل لكون الحمولة مما يضرها الهز أو قوتها وصبرها لطول الطريق وثقل الحمولة فيعين الإبل لم يجز العدول عنه لأنه يفوت غرض المستأجر فلم يجز ذلك كما في المركوب وإن لم يفوت غرضا جاز كما يجوز لمن اكترى على حمل شيء حمل مثله أو أقل ضررا منه
فصل ويجوز كراء الدابة للعمل لأنها منفعة مباحة خلقت الدابة لها فجاز الكراء لها كالركوب وإن اكترى بقرا للحرث جاز لأن البقر خلقت للحرث ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم بينما رجل يسوق بقرة أراد أن يركبها فقالت إني لم أخلق لهذا إنما خلقت للحرث متفق عليه ويحتاج إلى شرطين معرفة الأرض وتقدير العمل فأما الأرض فلا تعرف إلا بالمشاهدة ولأنها تختلف فتكون صلبة تتعب البقر والحراث وقد يكون فيها حجارة تتعلق بالسكة وتكون رخوة سهلة يسهل حرثها ولا تأتي الصفة عليها فيحتاج إلى رؤيتها وأما تقدير العمل فيجوز بأحد شيئين إما بالمدة كيوم ويومين وإما بالأرض كهذه القطعة أو من هذا المكان إلى هذا المكان أو بالمساحة كمدي أو مديين ونحو ذلك كل ذلك جائز لأن العلم يحصل به فإن قدره بالمدة فلا بد من معرفة البقر التي يعمل عليها لأن الغرض يختلف باختلافها في القوة والضعف ويجوز أن يستأجر البقر مفردة ليتولى رب الأرض الحرث بها ويجوز أن يستأجرها مع صاحبها ليتولى الحرث بها ويجوز استئجارها بآلتها من الفدان والنير واستئجارها بدون آلتها وتكون الآلة من عند صاحب الأرض ويجوز استئجار البقر وغيرها لدراس الزرع لأنها منفعة مباحة مقصودة فأشبهت الحرث ويجوز على مدة أو زرع معين أو موصوف كما ذكرناه في الحرث ومتى كان على مدة احتيج إلى معرفة الحيوان الذي يعمل عليه ليعرف قوته أو ضعفه وإن كان على عمل غير مقدر بالمدة احتاج إلى معرفة جنس الحيوان لأن الغرض يختلف به فمنه ما ورثه طاهر ومنه ما روثه نجس ولا يحتاج إلى معرفة عين الحيوان ويجوز أن يستأجر الحيوان بآلته وبغير آلته مع صاحبه ومنفردا عنه كما ذكرنا في الحرث فصل ويجوز استئجار بهيمة لإدارة الرحى ويفتقر إلى شيئين معرفة الحجر إما بمشاهدة وإما بصفة تحصل بها معرفته لأن عمل البهيمة يختلف فيه بثقله وخفته فيحتاج صاحبها إلى معرفته وتقدير العمل إما بالزمان فيقول يوما أو يومين أو بالطعام فيقول قفيزا أو قفيزين ويذكر جنس المطحون إن كان يختلف لأن منه ما يسهل طحنه ومنه ما يصعب وكذلك إن اكتراها لإدارة دولاب فلا بد من مشاهدته ومشاهدة دولابه لاختلافها وتقدير ذلك بالزمان أو ملء هذا الحوض أو هذه البركة وكذلك إن اكتراها للاستقاء بالغرب فلا بد من معرفته لأنه يختلف بكبره وصغره ويقدر بالزمان أو بعدد الغروب أو بملء بركة أو حوض ولا يجوز تقدير ذلك بسقي أرض لأن ذلك يختلف فقد تكون الأرض عطشانة لا يرويها القليل وتكون قريبة العهد بالماء فيكفيها القليل فيكون ذلك مجهولا وإن قدره بسقي ماشية احتمل أن لا يجوز لذلك ويحتمل أن يجوز لأن شربها يتقارب في الغالب ويجوز استئجار دابة ليستقى عليها ماء ولا بد من الآلة التي يستقي بها من راوية أو قرب أو جرار ومعرفة ذلك إما بالرؤية وإما بالصفة ويقدر العمل إما بالزمان وإما بعدد المرات وإما بملء شيء معين فإن قدره بعدد المرات احتاج إلى معرفة الموضع الذي يستقي منه والذي يذهب إليه لأن ذلك يختلف بالقرب والبعد والسهولة والحزونة وإن قدره بملء شيء معين احتاج إلى معرفته ومعرفة ما يستقي منه ويجوز أن يكتري البهيمة بآلتها وبدونها مع صاحبها ووحدها وإن اكتراها لبل تراب معروف جاز لأن ذلك بالعرف وكل موضع وقع العقد على مدة فلا بد من معرفة الظهر الذي يعمل عليه لأن الغرض يختلف باختلافها في القوة والضعف وإن وقع على عمل معين لم يحتج إلى معرفتها لأنه لا يختلف ويحتمل أن يحتاج إلى ذلك في استيفاء الماء عليه لأن منه ما ورثه طاهر بغير خلاف كالخيل والبقر ومنه ما ورثه نجس ويختلف في نجاسه جسمه كالبغال والحمير فربما نجس به المستقي أو دلوه فيتنجس الماء به فيختلف الغرض بذلك فتجب معرفته
فصل وإذا اكترى حيوانا لعمل لم يخلق له مثل أن اكترى البقر للركوب والحمل عليها أو اكترى الإبل والحمر للحرث جاز لأنها منفعة مقصودة أمكن استيفاؤها من الحيوان لم يرد الشرع بتحريمها فجاز كالذي خلقت له ولأن مقتضى الملك جواز التصرف بكل ما له العين المملوكة ويمكن تحصيله منها ولا يمتنع ذلك إلا بمعارض راجح إما ورود نص بتحريمه أو قياس صحيح أو رجحان مضرته على منفعته وليس ها هنا واحد منها وكثير من الناس من الأكراد وغيرهم يحملون على البقر ويركبونها وفي بعض البلدان يحرث على الإبل والبغال والحمير فيكون معنى خلقها للحرث إن شاء الله أن معظم الانتفاع بها فيه ولا يمنع ذلك الانتفاع بها في شيء آخر كما أن الخيل خلقت للركوب والزينة ويباح أكلها واللؤلؤ خلق للحلية ويجوز استعماله في الأدوية وغيرها والله أعلم مسألة قال ( وما حدث في السلعة من يد الصانع ضمن ) وجملته أن الأجير على ضربين خاص ومشترك فالخاص هو الذي يقع العقد عليه في مدة معلومة يستحق المستأجر نفعه في جميعها كرجل استؤجر لخدمة أو عمل في بناء أو خياطة أو رعاية يوما أو شهرا سمي خاصا لاختصاص المستأجر بنفعه في تلك المدة دون سائر الناس والمشترك الذي يقع العقد معه على عمل معين كخياطة ثوب وبناء حائط وحمل شيء إلى مكان معين أو على عمل في مدة لا يستحق جميع نفعه فيها كالكحل والطيب سمي مشتركا لأنه يتقبل أعمالا لاثنين وثلاثة وأكثر في وقت واحد ويعمل لهم فيشتركون في منفعته واستحقاقها فسمي مشتركا لاشتراكهم في منفعته فالأجير المشترك هو الصانع الذي ذكره الخرفي وهو ضامن لما جنت يده فالحائك إذا أفسد حياكته ضامن لما أفسد نص أحمد على هذه المسألة في رواية ابن منصور والقصار ضامن لما يتخرق من دقة أو مده أو عصره أو بسطه والطباخ ضامن لما أفسد من طبيخه والخباز ضامن لما أفسد من خبزه والحمال يضمن ما يسقط من حمله عن رأسه أو تلف من عثرته والجمال يضمن ما تلف بقوده وسوقه وانقطاع حبلة الذي شد به حمله والملاح يضمن ما تلف من يده أو جذفه أو ما يعالج به السفينة وروي ذلك عن عمر وعلي وعبد الله بن عتبة وشريح والحسن والحكم وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحد قولي الشافعي وقال في الآخر لا يضمن ما لم يتعد قال الربيع هذا مذهب الشافعي وإن لم يبح به وروي ذلك عن عطاء وطاوس وزفر لأنها عين مقبوضة بعقد الإجارة فلم تصر مضمونة كالعين المستأجرة ولنا ما روى جعفر بن محمد عن أبيه عن علي أنه كان يضمن الصباغ والصواغ وقال لا يصلح الناس إلا ذلك وروى الشافعي في مسنده بإسناده عن علي أنه كان يضمن الأجراء ويقول لا يصلح الناس إلا هذا ولأن عمل الأجير المشترك مضمون عليه فما تولد منه يجب أن يكون مضمونا كالعدوان بقطع عضو بخلاف الأجير الخاص والدليل على أن عمله مضمون عليه أنه لا يستحق العوض إلا بالعمل وأن الثوب لو تلف في حرزه بعد عمله لم يكن له أجر فيما عمل فيه وكان ذهاب عمله من ضمانه بخلاف الخاص فإنه أمكن المستأجر من استعماله استحق العوض بمضي المدة وإن يعمل وما عمل فيه من شيء فتلف من حرزه لم يسقط أجره بتلفه فصل ذكر القاضي أن الأجير المشترك إنما يضمن إذا كان يعمل في ملك نفسه مثل الخباز يخبز في تنوره وملكه والقصار والخياط في دكانيهما قال ولو دعا الرجل خبازا فخبز له في داره أو خياطا أو قصارا ليقصر ويخيط عنده لا ضمان عليه فيما أتلف ما لم يفرط لأنه سلم نفسه إلى المستأجر فيصير كالأجير الخاص قال ولو كان صاحب المتاع مع الملاح في السفينة أو راكبا على الدابة فوق حمله فعطب الحمل لا ضمان على الملاح والمكاري
لأن يد صاحب المتاع لم تزل ولو كان رب المتاع والجمال راكبين على الحمل فتلف حمله لم يضمنه الجمال لأن رب المتاع لم يسلمه إليه ومذهب مالك والشافعي نحو هذا قال أصحاب الشافعي لو كان العمل في دكان الأجير والمستأجر حاضر أو أكتراه ليعمل له شيئا وهو معه لم يضمن لأن يده عليه فلم يضمن من غير جناية ويجب له أجر عمله لأن يده عليه فكلما عمل شيئا صار مسلما إليه فظاهر كلام الخرقي أنه لا فرق بين كونه في ملك نفسه أو ملك مستأجره أو كان صاحب العمل حاضرا عنده أو غائبا عنه أو كونه مع الملاح أو الجمال أو لا وكذلك قالابن عقيل ما تلف بجناية الملاح بجذف أو بجناية المكاري بشده المتاع ونحوه فهو مضمون عليه سواء كان صاحب المتاع معه أو لم يكن لأن وجوب الضمان عليه لجناية يده فلا فرق بين حضور المالك وغيبته كالعدوان ولأن جناية الجمال والملاح إذا كان صاحب المتاع راكبا معه يعم المتاع وصاحبه وتفريطه يعمهما فلم يسقط ذلك الضمان كما لو رمى إنسانا متترسا فكسر ترسه وقتله ولأن الطبيب والختان إذا جنت يداهما ضمنا مع حضور المطبب والمختون وقد ذكرالقاضي أنه لو كان ذلك يحمل على رأسه روب المتاع معه فعثر فسقط المتاع فتلف ضمن وإن سرق لم يضمن لأنه في العثار تلف بجنايته والسرقة ليست من جنايته ورب المال لم يحل بينه وبينه وهذا يقتضي أن تلفه بجنايته مضمون عليه سواء حضر رب المال أو غاب بل وجوب الضمان في محل النزاع أولى لأن الفعل في ذلك إلى الموضع مقصود لفاعله والسقطة من الحمال غير مقصودة له فإذا وجب الضمان ها هنا فثم أولى فصل وذكر القاضي أنه إذا كان المستأجر على حمله عبيدا صغارا أو كبارا فلا ضمان على المكاري فيما تلف من سوقه وقوده إذ لا يضمن بني آدم من جهة الإجارة لأنه عقد على منفعة والأولى وجوب الضمان لأن الضمان ها هنا من جهة الجناية فوجب أن يعم بني آدم وغيرهم كسائر الجنايات وما ذكره ينتقض بجناية الطبيب والختان والله أعلم فصل الأجير الخاص هو الذي يستأجره مدة فلا ضمان عليه ما لم يتعد قال أحمد في رواية مهنا في رجل أمر غلامه يكيل لرجل بزرا فسقط الرطل من يده فانكسر لا ضمان عليه فقيل أليس هو بمنزلة القصار قال لا القصار مشترك قيل فرجل اكترى رجلا يستقي ماءفكسر الجرة فقال لا ضمان عليه قيل له فإن اكترى رجلا يحرث له على بقرة فكسر الذي يحرث به قال فلا ضمان عليه وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابه وظاهر مذهب أحمد الشافعي وله قول آخر إن جميع الأجراء يضمنون وروى في مسنده عن علي رضي الله عنه أنه كان يضمن الأجراء ويقول لا يصلح الناس إلا هذا ولنا إن عمله غير مضمون عليه فلم يضمن ما تلف به كالقصاص وقطع يد السارق وخبر علي رضي الله عنه وكرم وجهه مرسل والصحيح فيه أنه كان يضمن الصباغ والصواغ وإن روي مطلقا حمل على هذا فإن المطلق يحمل على المقيد ولأن الأجير الخاص نائب عن المالك في صرف منافعه إلى ما أمره به فلم يضمن من غير تعد كالوكيل والمضارب فأما ما يتلف بتعديه فيجب ضمانه مثل الخباز الذي يسرف في الوقود أو يلزقه قبل وقته أو يتركه بعد وقته حتى يحترق لأنه تلف بتعديه فضمنه كغير الأجير فصل وإذا استأجر الأجير المشترك أجيرا خاصا كالخياط في دكان يستأجر أجيرا مدة يستعمله فيها فتقبل صاحب الدكان خياطة ثوب ودفعه إلى أجيره فخرقه أو أفسده لم يضمنه لأنه أجير خاص ويضمنه صاحب الدكان لأنه أجير مشترك
فصل إذا أتلف الصانع الثوب بعد عمله فصاحبه مخير بين تضمينه إياه غير معمول ولا أجر عليه وبين تضمينه إياه معمولا ويدفع إليه أجره ولو وجب عليه ضمان المتاع المحمول فصاحبه مخير بين تضمينه قيمته في الموضع الذي سلمه إليه ولا أجر له وبين تضمينه إياه في الموضع الذي أفسده ويعطيه الأجر إلى ذلك المكان وإنما كان كذلك لأنه إذا أحب تضمينه معمولا أو في المكان الذي أفسده فيه فله ذلك لأنه ملكه في ذلك الموضع على تلك الصفة فملك المطالبة بعوضه حينيئذ وإن أحب تضمينه قبل ذلك فلأن أجر العمل لا يلزمه قبل تسليمه إليه وما سلم إليه فلا يلزمه فصل فصل إذا دفع إلى حائك غزلا فقال انسجه لي عشرة أذرع في عرض ذراع فنسجه زائدا على ما قدر له في الطول والعرض فلا أجر له في الزيادة لأنه غير مأمور بها وعليه ضمان نقص الغزل المنسوج يها فأما ما عدا الزائد فينظر فيه فإن كان جاء به زائدا في الطول وحده ولم ينقص الأصل بالزيادة فله ما سمى له من الأجر كما لو استأجره على أن يضرب له مائة لبنة فضرب له مائتين فإن جاء به زائدا في العرض وحده أو فيهما ففيه وجهان أحدهما لا أجر له لأنه مخالف لأمر المستأجر فلم يستحق شيئا كما لو استأجره على بناء حائط عرض ذراع فبناه عرض ذراعين والثانيله المسمى لأنه زاد على ما أمر به فأشبه زيادة الطول ومن قال بالوجه الأول فرق بين الطول والعرض بأنه يمكن قطع الزائد في الطول ويبقى الثوب على ما أراد ولا يمكن ذلك في العرض وأما إن جاء به ناقصا في الطول والعرض أو في أحدهما ففيه أيضا وجهان لا أجر له وعليه ضمان نقص الغزل لأنه مخالف لما أمر به فأشبه ما لو استأجره على بناء حائط عرض ذراع فبناه عرض نصف ذراع والثاني له بحصته من المسمى كمن استؤجر على ضرب لبن فضرب بعضه ويحتمل أنه إن جاء به ناقصا في العرض فلا شيء له وإن كان ناقصا في الطول فله بحصته من المسمى لما ذكرنا من الفرق بين الطول والعرض وإن جاء به زائدا في أحدهما ناقصا في الآخر فلا أجر له في الزائد وهو في الناقص على ما ذكرنا من التفصيل فيه وقال محمد ابن الحسن في الموضعين يخير صاحب الثوب بين دفع الثوب إلى النساج ومطالبته بثمن غزله وبين أن يأخذه ويدفع إليه المسمى في الزائد أو بحصة المنسوج في الناقص لأن غرضه لم يسلم له لأنه ينتفع بالطويل ما لا ينتفع بالقصير وينتفع بالقصير ما لا ينتفع بالطويل فكأنه أتلف عليه غزله ولنا إنه وجد عين ماله فلم يكن له المطالبة بعوضه كما لو جاء به زائدا في الطول وحده فأما إن أثرت الزيادة أو النقص في الأصل مثل أن يأمره بنسج عشرة أذرع ليكون الثوب خفيفا فنسجه خمسة عشر فصار صفيقا أو أمره بنسجه خمسة عشر ليكون صفيقا فنسجه عشرة فصار خفيفا فلا أجر له بحال وعليه ضمان نقص الغزل لأنه لم يأت بشيء مما أمر به فصل إذا دفع إلى خياط ثوبا فقال إن كان يقطع قميصا فاقطعه فقال هو يقطع وقطعه فلم يكف فعليه ضمانه وإن قال انظر هذا يكفيني قميصا قال نعم قال اقطعه فقطعه فلم يكفه لم يضمن وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي وقال أبو ثور لا ضمان عليه في المسألتين لأنه لو كان غره في الأولى لكان قد غره في الثانية ولنا إنه إنما أذن له في الأولى بشرط كفايته فقطعه بدون شرطه وفي الثانية أذن له من غير شرط فافترقا ولم يجب عليه الضمان في الأولى لتغريره بل لعدم الإذن في قطعه لأن إذنه مقيد بشرط كفايته فلا يكون إذنا في غير ما وجد فيه الشرط بخلاف الثانية فإن أمره أن يقطع الثوب قميص رجل فقطعه قميص رجل فعليه غرم ما بين قيمته صحيحا ومقطوعا لأن هذا قطع غير مأذون فيه
فأشبه ما لو قطعه من غير إذن وقيل يغرم ما بين قميص امرأة وقميص رجل لأنه مأذون في قميص في الجملة والأول أصح لأن المأذون فيه قميص موصوف بصفة فإذا قطع قميصا غيره لم يكن فاعلا لما أذن فيه فكان متعديا بابتداء القطع ولذلك لا يستحق على القطع أجرا ولو فعل ما أمره به لاستحق أجره فصل وإن اختلفا فقال أذنت لي في قطعه قميص امرأة وقال بل أذنت لك في قطعه قميص رجل أو قال أذنت لي في قطعه قميصا بل قباء أو قال الصباغ أمرتني بصبغه أحمر قال بل أسود فالقول قول الخياط والصباغ نص عليه أحمد في رواية ابن منصور وهذا قول ابن أبي ليلى وقال مالك وأبو حنيفة وأبو ثور القول قول رب الثوب واختلف أصحاب الشافعي فمنهم من قال له قولان كالمذهبين ومنهم من قال له قول ثالث أنهما يتحالفان كالمتبايعين يختلفان في الثمن ومنهم من قال الصحيح أن القول قول رب الثوب لأنهما اختلفا في صفة إذنه والقول قوله في أصل الإذن فكذلك في صفته ولأن الأصل عدم الإذن المختلف فيه فالقول قول من ينفيه ولنا إنهما اتفقا في الإذن واختلفا في صفته فكان القول قول المأذون له كالمضارب إذا قال أذنت لي في البيع نساء ولأنهما اتفقا على ملك الخياط القطع والصباغ الصبغ والظاهر أنه فعل ما ملكه واختلفا في لزوم الغرم له والأصل عدمه فعلى هذا يحلف الخياط والصباغ بالله لقد أذنت لي في قطعه قباء وصبغه أحمر ويسقط عنه الغرم ويكون له أجر مثله لأنه ثبت وجود فعله المأذون فيه بعوض ولا يستحق المسمى لأن المسمى ثبت بقوله ودعواه فلا يحنث بيمينه ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لو يعطي الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه أخرجه مسلم فأما المسمى في العقد فإنما يعترف رب الثوب بتسميته أجرا وقطعه قميصا زصبغه أسود فأما من قال القول قول رب الثوب فإنه يحلف بالله ما أذنت في قطعه قباء ولا صبغه أحمر ويسقط عنه المسمى ولا يجب للخياط والصباغ شيء لأنهما فعلا غير ما أذن لهما فيه وذكر ابن أبي موسى عن أحمد رواية أخرى أن صاحب الثوب إذا لم يكن ممن يلبس الأقبية والسواد فالقول قوله وعلى الصانع غرم ما نقص بالقطع وضمان ما أفسد ولا أجر له لأن قرينة حال رب المال تدل على صدقه فتترجح دعواه بهما كما لو اختلفا في حائط لأحدهما عليه عقد أو أزج رجحنا دعواه بذلك وإن اختلف الزوجان في متاع البيت رجحنا دعوى كل واحد منهما فيما يصلح له ولو اختلف صانعان في الآلة التي في دكانها رجحنا قول كل واحد منهما في آله صناعته فعلى هذا يحلف رب الثوب ما أذنت لك في قطعه قباء ويكفي هذا لأنه يبتغي به الإذن فيصير قاطعا لغير ما أذن فيه فإن كان القباء مخيطا بخيوط لمالكه لم يملك الخياط فتقه وكان لمالكه أخذه مخيطا بلا عوض لأنه عمل في ملك غيره عملا مجردا عن عين مملوكة له فلم يكن له إزالته كما لو نقل ملك غيره من موضع إلى موضع لم يكن له رده إذا رضي صاحبه بتركه فيه وإن كانت الخيوط للخياط فله نزعها لأنها عين ماله ولا يلزمه أخذ قيمتها لأنها ملكه ولا يتلف بأخذها ما له حرمة فإن اتفقا على تعويضه عنها جاز لأن الحق لهما وإن قال رب الثوب أنا أشد في كل خيط خيطا حتى إذا سله عاد خيط رب الثوب في مكانه لم يلزم الخياط الإجابة إلى ذلك لأنه انتفاع بملكه وحكم الصباغ في قلع الصبغ إن أحبه وفي غير ذلك من أحكامه حكم صبغ الغاصب على ما مضى في بابه والذي يقوى عندي أن القول قول رب الثوب لما ذكرنا في دليلهم
فصل وكل من استؤجر على عمل في عين فلا يخلو إما أن يوقعه وهي في يد الأجير كالصباغ يصبغ في حانوته والخياط في دكانه فلا يبرأ من العمل حتى يسلمها إلى المستأجر ولا يستحق الأجر حتى يسلمه مفروغا منه لأن المعقود عليه في مدة فلا يبرأ منه ما لم يسلمه إلى العاقد كالمبيع من الطعام لا يبرأ منه قبل تسليمه إلى المشتري وأما إن كان يوقع العمل في ملك المستأجر مثل أن يحضره المستأجر إلى داره ليخيط فيها أو يصبغ فيها فإنه يبرأ من العمل ويستحق أجره بمجرد عمله لأنه في يد المستأجر فيصير مسلما للعمل حالا فحالا ولو استأجر رجلا يبني له حائطا في داره أو يحفره فيها بئرا لبرىء من العمل واستحق أجره بمجرد عمله ولو كانت البئر في الصحراء أو الحائط لم يبرأ بمجرد العمل ولو انهارت عقيب الحفر أو الحائط بعد بنائه وقبل تسليمه لم يبرأ من العمل نص عليه أحمد في رواية ابن منصور فإنه إذا قال استعمل ألف لبنة في كذا وكذا فعمل ثم سقط فله الكراء وأما الأجير الخاص فيستحق أجره بمضي المدة سواء تلف ما عمله أو لم يتلف نص عليه أحمد فقال إذا استأجره يوما فعمل وسقط عند الليل ما عمل فله الكراء وذلك لأنه إنما يلزمه تسليم نفسه وعمل ما يستعمل فيه وقد وجد ذلك منه بخلاف الأجير المشترك ولو استأجر أجيرا ليبني له حائطا طوله عشرة أذرع فبنى بعضه فسقط لم يستحق شيئا حتى يتممه سواء كان في ملك المستأجر أو في غيره لأن الاستحقاق مشروط بإتمامه ولم يوجد قال أحمد إذا قيل له ارفع حائطا كذا وكذا ذراعا فعليه أن يوفيه فإن سقط فعليه التمام وكذا لو استأجره ليحفر له بئرا عمقها عشرة أذرع فحفر منها خمسة وانهار فيها تراب من جوانبها لم يستحق شيئا حتى يتمم حفرها مسألة قال ( وإن تلفت من حرز فلا ضمان عليه ولا أجر له فيما عمل فيها ) اختلفت الرواية عن أحمد في الأجير المشترك إذا تلفت العين من حرزه من غير تعد منه ولا تفريط فروي عنه لا يضمن نص عليه في رواية ابن منصور وهو قول طاوس وعطاء وأبي حنيفة وزفر وقول الشافعي وروي عن أحمد إن كان هلاكه بما استطاع ضمنه وإن كان غرقا أو عدوا غالبا فلا ضمان قال أحمد رحمه الله عليه في رواية أبي طالب إذا جنت يده أو ضاع من بين متاعه ضمنه إن كان عدوا أو غرقا فلا ضمان ونحو هذا قال أبو يوسف والصحيح في المذهب الأول وهذه الرواية تحتمل أنه إنما أوجب عليه الضمان إذا تلف من بين متاعه خاصة لأنه يتهم ولهذا قال في الوديعة في راوية إنها تضمن إذا ذهبت من بين ماله فأما غير ذلك فلا ضمان عليه لأن تخصيص التضمين بما إذا تلف من بين متاعه يدل على أنه لا يضمن إذا تلف مع متاعه ولأنه إذا لم يكن منه تفريط ولا عدوان فلا يجب عليه الضمان كما لو تلفت بأمر غالب وقال مالك وابن أبي ليلى يضمن بكل حال لقول النبي صلى الله عليه وسلم على اليد ما أخذت حتى تؤديه ولأنه قبض العين لمنفعة نفسه من غير استحقاق فلزمه ضمانهما كالمستعير ولنا إنها عين مقبوضة بعقد الإجارة لم يتلفها بعقله فلم يضمنها كالعين المستأجرة ولأنه قبضها بإذن مالكها لنفع يعود إليهما فلم يضمنها كالمضارب والشريك والمستأجر وكما لو تلفت بأمر غالب ويخالف العارية فإنه ينفرد بنفعها والخبر مخصوص بما ذكرنا من الأصول فيخص محل النزاع بالقياس عليها إذا ثبت هذا فإنه لا أجر له فيما عمل فيها لأنه لم يسلم عمله إلى المستأجر فلم يستحق عوضه كالمبيع من الطعام إذا تلف في يد البائع قبل تسليمه فصل وإذا حبس الصانع الثوب بعد عمله على استيفاء الأجر فتلف ضمنه لأنه لم يرهنه عنده ولا أذن له في إمساكه فلزمه الضمان كالغاصب فصل إذا أخطأ القصار فدفع الثوب إلى غير مالكه فعليه ضمانه لأنه فوته على مالكه
قال أحمد يغرم القصار ولا يسع المدفوع إليه لبسه إذا علم أنه ليس ثوبه وعليه رده إلى القصار ويطالبه بثوبه فإن لم يعلم القابض حتى قطعه ولبسه ثم علم رده مقطوعا وضمن أرش القطع وله مطالبته بثوبه إن كان موجودا وإن هلك عند القصار فهل يضمنه فيه روايتان إحداهما يضمنه لأنه أمسكه بغير إذن صاحبه بعد طلبه فضمنه كما لو علم والثانية لا يضمنه لأنه لم يمكنه رده فأشبه ما لو عجز عن دفعه لمرض فصل والعين المستأجرة أمانة في يد المستأجر إن تلفت بغير تفريط لم يضمنها قال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن الذين يكرون المظل أو الخيمة إلى مكة فيذهب من المكتري بسرق أو بذهاب هل يضمن قال أرجو أن لا يضمن وكيف يضمن إذا ذهب لا يضمن ولا نعلم في هذا خلافا وذلك لأنه قبض العين لاستيفاء منفعة يستحقها منها فكانت أمانة كما لو قبض العبد الموصى له بخدمته سنة أو قبض الزوج امرأته الأمة ويخالف العارية فإنه لا يستحق منفعتها وإذا انقضت المدة فعليه رفع يده وليس عليه الرد أومأ إليه في رواية ابن منصور فقيل له إذا اكترى دابة أو استعار أو استودع فليس عليه أن يحمله فقال أحمد من استعار شيئا فعليه رده من حيث أخذه فأوجب الرد في العارية ولم يوجبه في الإجارة والوديعة ووجهه أنه عقد لا يقتضي الضمان فلا يقتضي رده ومؤنته كالوديعة وفارق العارية فإن ضمانها يجب فكذلك ردها وعلى هذا متى انقضت المدة كانت العين في يده أمانة كالوديعة إن تلفت من غير تفريط فلا ضمان عليه وهذا قول بعض الشافعية وقال بعضهم يضمن لأنه بعد انقضاء الإجارة غير مأذون له في إمساكها أشبه العارية المؤقتة بعد وقتها ولنا إنها أمانة أشبهت الوديعة ولأنه لو وجب ضمانها لوجب ردها وأما العارية فإنهامضمونة في كل حال بخلاف مسألتنا ولأنه يجب ردها وعلى كل حال متى طلبها صاحبها وجب تسليمها إليه فإن امتنع من ردها لغير عذر صارت مضمونة كالمغصوبة فصل فإن شرط المؤجر على المستأجر ضمان العين فالشرط فاسد لأنه ينافي مقتضى العقد وهل تفسد الإجارة به فيه وجهان بناء على الشروط الفاسدة في البيع وقال أحمد فيما إذا شرط ضمان العين الكراء والضمان مكروه وروى الأثرم بإسناده عن ابن عمر قال لا يصلح الكراء بالضمان وعن فقهاء المدينة أنهم كانوا يقولون لا نكتري بضمان إلا أنه من شرط على كري أنه لا ينزل متاعه بطن واد أو لا يسير به ليلا مع أشباه هذه الشروط فتعدى ذلك فتلف شيء مما حمل في ذلك التعدي فهو ضامن فأما غير ذلك فلا يصح شرط الضمان فيه وإن شرطه لم يصح الشرط لأن ما لا يجب ضمانة لايصيره الشرط مضمونا وما يجب ضمانه لا ينتفي ضمانه بشرط نفيه وعن أحمد أنه سئل عن ذلك فقال المسلمون على شروطهم وهذا يدل على نفي الضمان بشرطه ووجوبه بشرطه لقوله صلى الله عليه وسلم المسلمون على شروطهم فأما إن أكراه عينا وشرط عليه أن لا يسير بها في الليل أو وقت القائلة أو لا يتأخر بها عن القافلة أو لا يجعل سيره في آخرها أو لا يسلك بها الطريق الفلانية وأشباه هذا مما له فيه غرض مخالف ضمن لأنه متعد لشرط كريه فضمن ما تلف به كما لو شرط عليه أن لا يحمل عليها إلا قفيزا فحمل اثنين فصل وإن كانت الإجارة فاسدة لم يضمن العين أيضا إذا تلفت بغير تفريط ولا تعد لأنه عقد لا يقتضي الضمان صحيحه فلا يقتضيه فاسدة كالوكالة والمضاربة وحكم كل عقد فاسد في وجوب الضمان حكم صحيحه فما وجب الضمان في صحيحه وجب في فاسده وما لم يجب في صحيحه لم يجب في فاسده
فصل وللمستأجر ضرب الدابة بقدر ما جرت به العادة ويكبحها باللجام للاستصلاح ويحثها على السير ليلحق القافلة وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم نخس بعير جابر وضربه وكان أبو بكر رضي الله عنه يخرش بعيره بمحجنه وللرائض ضرب الدابة للتأديب وترتيب المشي والعدو والسير وللمعلم ضرب الصبيان للتأديب قال الأثرم سئل أحمد عن ضرب المعلم الصبيان قال على قدر ذنوبهم ويتوقى بجهده الضرب وإذا كان صغيرا لا يعقل فلا يضربه ومن ضرب من هؤلاء الضرب المأذون فيه لم يضمن ما تلف بهذا في الدابة قال مالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأبو يوسف ومحمد وقال الثوري وأبو حنيفة يضمن لأنه تلف بجنايته فضمنه كغير المستأجر وكذلك قال الشافعي في المعلم يضرب الصبي لأنه يمكنه تأديبه بغير الضرب ولنا إنه تلف من فعل مستحق فلم يضمن كما لو تلف تحت الحمل ولأن الضرب معنى تضمنه عقد الإجارة فإذا تلف منه لم يضمن كالركوب وفارق غير المستأجر لأنه متعد وقول الشافعي يمكن التأديب بغير الضرب لا يصح فإن العادة خلافه ولو أمكن التأديب بدون الضرب لما جاز الضرب إذ فيه ضرر وإيلام مستغنى عنه وإن أسرف في هذا كله أو زاد على ما يحصل الغنى به أو ضرب من لا عقل له من الصبيان فعليه الضمان لأنه متعد حصل التلف بعدوانه مسألة قال ( ولا ضمان على حجام ولا ختان ولا متطبب إذا عرف منهم حذق الصنعة ولم تجن أيديهم ) وجملته أن هؤلاء إذا فعلوا ما أمروا به لم يضمنوا بشرطين أحدهما أن يكونوا ذوي حذق في صناعتهم ولهم بها بصارة ومعرفة لأنه إذا لم يكن كذلك لم يحل له مباشرة القطع وإذا قطع مع هذا كان فعلا محرما فيضمن سرايته كالقطع ابتداء الثاني أن لا تجني أيديهم فيتجاوزوا ما ينبغي أن يقطع فإذا وجد هذان الشرطان لم يضمنوا لأنهم قطعوا قطعا مأذونا فيه فلم يضمنوا سرايته كقطع الإمام يد السارق أو فعل فعلا مباحا مأذونا في فعله أشبه ما ذكرنا فأما إن كان حاذقا وجنت يده مثل أن تجاوز قطع الختان إلى الحشفة أو إلى بعضها أو قطع في غير محل القطع أو يقطع السلعة من إنسان فيتجاوزها أو يقطع بآلة كآلة يكثر ألمها أو في وقت لا يصلح القطع فيه وأشباه هذا ضمن فيه كله لأنه إتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ فأشبه إتلاف المال ولأن هذا فعل محرم فيضمن سرايته كالقطع ابتداء وكذلك الحكم في النزاع والقاطع في القصاص وقاطع يد السارق وهذا مذهب الشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه خلافا فصل وإن ختن بغير إذن وليه أو قطع سلعة من انسان بغير إذنه أو من صبي بغير إذن وليه فسرت جنايته ضمن لأنه قطع غير مأذون فيه وإن فعل ذلك الحاكم أو من له ولاية عليه أو فعله من أذنا له لم يضمن لأنه مأذون فيه شرعا فصل ويجوز الاستئجار على الختان والمداواة وقطع السلعة لا نعلم فيه خلافا ولأنه فعل يحتاج إليه مأذون فيه شرعا فجاز الاستئجار عليه كسائر الأفعال المباحة فصل ويجوز أن يستأجر حجاما ليحجمه وأجره مباح وهذا اختيار أبي الخطاب وهذا قول ابن عباس قال أنا آكله وبه قال عكرمة والقاسم وأبو جعفر ومحمد بن علي بن الحسين وربيعة ويحيى الأنصاري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي وقال القاضي لا يباح أجر الحجام وذكر أن أحمد نص عليه في مواضع وقال أعطي شيئا من غير عقد ولا شرط فله أخذه ويصرفه في علف دوابه وطعمة عبيده ومؤنة صناعته ولا يحل له أكله وممن كره كسب الحجام عثمان وأبو هريرة والحسن والنحعي وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال كسب الحجام خبيث رواه مسلم وقال اطعمه ناضحك ورقيقك ولنا ما روى ابن عباس قال احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وأعطى الحجام أجره ولو علمه حراما لم يعطه متفق عليه
وفي لفظ لو علمه خبيثا لم يعطه ولأنها منفعة مباحة لا يختص فاعلهاأن يكون من أهل القربة فجاز الاستئجار عليها كالبناء والخياطة ولأن بالناس حاجة إليها ولا نجد كل أحد متبرعا بها فجاز الاستئجار عليها كالرضاع وقول النبي صلى الله عليه وسلم في كسب الحجام أطعمه رقيقك دليل على إباحة كسبه إذ غير جائز أن يطعم رقيقه ما يحرم أكله فإن الرقيق آدميون يحرم عليهم ما حرمه الله تعالى كما يحرم على الأحرار وتخصيص ذلك بما أعطيه من غير استئجار تحكم لا دليل عليه وتسميته كسبا خبيثا لا يلزم منه التحريم فقد سمي النبي صلى الله عليه وسلم الثوم والبصل خبيثين مع إباحتهما وإنما كره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك للحر تنزيها لدناءة هذه الصناعة وليس عن أحمد نص في تحريم كسب الحجام ولا الاستئجار عليها وإنما قال نحن نعطيه كما أعطى صلى الله عليه وسلم ونقول له كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن أكله نهاه وقال اعلفه الناضح والرقيق وهذا معنى كلامه في جميع الروايات وليس هذا صريحا في تحريمه بل فيه دليل على إباحته كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله على ما بينا وإن إعطاءه للحجام دليل على إباحته إذ لا يعطيه ما يحرم عليه وهو عليه السلام يعلم الناس وينهاهم عن المحرمات فكيف يعطيهم إياها ويمكنهم منها وأمره بإطعام الرقيق منها دليل على الإباحة فيتعين حمل نهيه عن أكلها على الكراهة دون التحريم وكذلك قول الإمام أحمد فإنه لم يخرج عن قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله وإنما قصد أتباعه صلى الله عليه وسلم وكذلك سائر من كرهه من الأئمة يتعين حمل كلامهم على هذا ولا يكون في المسألة قائل بالتحريم وإذا ثبت هذا فإنه يكره للحر أكل كسب الحجام ويكره تعلم صناعة الحجامة وإجارة نفسه لها لما فيها من الأخبار ولأن فيها دناءة فكره الدخول فيها كالكسح وعلى هذا يحمل قول الأئمة الذين ذكرنا عنهم كراهتها جمعا بين الأخبار الواردة فيها وتوفيقا بين الأدلة الدالة عليها والله أعلم فصل فأما استئجار الحجام لغير الحجامة كالفصد وحلق الشعر وتقصيره والختان وقطع شيء من الجسد للحاجة إليه فجائز لأن قول النبي صلى الله عليه وسلم كسب الحجام خبيث يعني بالحجامة كما نهى عن مهر البغي أي في البغاء وكذلك لو كسب بصناعة أخرى لم يكن خبيثا بغير خلاف وهذا النهي مخالف للقياس مختص بالمحل الذي ورد فيه ولأن هذه الأمور تدعو الحاجة إليها ولا تحريم فيها فجازت الإجارة وأخذ الأجر عليها كسائر المنافع المباحة فصل ويجوز أن يستأجر كحالا ليكحل عينه لأنه عمل جائز ويمكن تسليمه ويحتاج أن يقدر ذلك بالمدة لأن العمل غير مضبوط فيقدر به ويحتاج إلى بيان قدر ما يكحله مرة في كل يوم أو مرتين فأما إن قدرها بالبرء فقال القاضي لا يجوز لأنه غير معلوم وقال ابن أبي موسى لا بأس بمشارطة الطبيب على البرء لأن أبا سعيد حين رقى الرجل شارطه على البرء والصحيح إن شاء الله أن هذا يجوز لكن يكون جعالة لا إجارة فإن الإجارة لا بد فيها من مدة أو عمل معلوم فأما الجعالة فتجوز على عمل مجهول كرد اللقطة والآبق وحديث أبي سعيد في الرقية إنما كان جعالة فيجوز ها هنا مثله إذا ثبت هذا فإن الكحل إن كان من العليل جاز لأن آلات العمل تكون من المستأجر كاللبن في البناء والطين والآجر ونحوها وإن شارطه على الكحل جاز وقال القاضي يحتمل أن لا يجوز لأن الأعيان لا تملك بعقد الإجارة فلا يصح اشتراطه على العامل كلبن الحائط ولنا إن العادة جارية ويشق على العليل تحصيله وقد يعجز عنه بالكلية فجاز كالصبغ من الصباغ واللبن من الرضاع والحبر والأقلام من الوراق وما ذكروه ينتقض بهذه الأصول وفارق لبن الحائط لأن العادة تحصيل المستأجر له ولا يشق ذلك بخلاف مسألتنا وقال أصحاب مالك يجوز أن يستأجره ليبني له حائطا والآجر من عنده
لأنه اشترط ما تتم به الصنعة التي عقد عليها فإذا كان مباحا معروفا جاز كما لو استأجره ليصبغ ثوبا والصبغ من عنده ولنا إن عقد الإجارة عقد على المنفعة فإذا شرط فيه بيع العين صار كبيعتين في بيعة ويفارق الصبغ وما ذكرنا من الصورة التي جاز فيها ذلك من حيث إن الحاجة داعية إليه لأن تحصيل الصبغ يشق على صاحب الثوب وقد يكون الصبغ لا يحصل إلا في حيث تحتاج إلى مؤنة كثيرة لا يحتاج إليها في صبغ هذا الثوب فجاز لمسيس الحاجة إليه بخلاف مسألتنا فصل وإذا استأجره مدة فكحله فيها فلم تبرأ عينه استحق الأجر وبه قال الجماعة وحكي عن مالك أنه لا يستحق أجرا حتى تبرأ عينه ولم يحك ذلك أصحابه وهو فاسد لأن المستأجر قد وفى العمل الذي وقع العقد عليه فوجب له الأجر وإن لم يحصل الغرض كما لو استأجره لبناء حائط يوما أو لخياطة قميص فلم يتمه فيه وإن برئت عينه في أثناء المدة انفسخت الإجارة فيما بقي من المدة لأنه قد تعذر العمل فأشبه ما لو حجز عنه أمر غالب وكذلك لو مات فإن امتنع من الاكتحال مع بقاء المرض استحق الكحال الأجر بمضي المدة كما لو استأجره يوما للبناء فلم يستعمله فيه فأما إن شارطه على البرء فإنه يكون جعالة فلا يستحق شيئا حتى يوجد البرء سواء وجد قريبا أو بعيدا فإن برىء بغير كحلة أو تعذر الكحل لموته أو غير ذلك من الموانع التي من جهة المستأجر فله أجر مثله كما لو عمل العامل في الجعالة ثم فسخ العقد وإن امتنع لأمر من جهة الكحال أو غير الجاعل فلا شيء له وإن فسخ الجاعل الجعالة بعد عمل الكحال فعليه أجر عمله فإن فسخ الكحال فلا شيء له لأنها جعالة فثبت فيها ما ذكرناه فصل ويجوز أن يستأجر طبيبا ليداويه والكلام فيه كالكلام في الكحال سواء إلا أنه لا يجوز اشتراط الدواء على الطبيب لأن ذلك إنما جاز في الكحال على خلاف الأصل للحاجة إليه وجري العادة به فلم يوجد ذلك المعنى ها هنا فثبت الحكم فيه على وفق الأصل والله أعلم فصل ويجوز أن يستأجر من يقلع ضرسه لأنها منفعة مباحة مقصودة فجاز الاستئجار على فعلها كالختان فإن أخطأ فقلع غير ما أمر بقلعه ضمنه لأنه من جنايته وإن برىء الضرس قبل قلعه انفسخت الإجارة لأن قلعه لا يجوز وإن لم يبرأ لكن امتنع المستأجر من قلعه لم يجبر عليه لأن إتلاف جزء من الآدمي محرم في الأصل وإنما أبيح إذا صار بقاؤه ضررا وذلك مفوض إلى كل إنسان في نفسه إذا كان أهلا لذلك وصاحب الضرس أعلم بمضرته ومنفعته وقدر المدة فصل ومن استؤجر على عمل موصوف في الذمة كخياطة أو بناء أو قلع ضرس فبذل الأجير نفسه للعمل فلم يمكنه المستأجر لم تستقر الأجرة بذلك لأنه عقد على المنفعة من غير تقدير فلم يستقر بدلها بالبذل كالصداق لا يستقر ببذل المرأة نفسها ويفارق حبس الدابة مدة الإجارة لأن المنافع تلفت تحت يده بخلاف مسألتنا مسألة قال ( ولا ضمان على الراعي إذا لم يتعد ) لا نعلم خلافا في صحة استئجار الراعي وقد دل عليه قول الله تعالى مخبرا عن شعيب أنه قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج القصص 27 وقد علم أن موسى عليه السلام إنما آجر نفسه لرعاية الغنم إذا ثبت هذا فإنه لا ضمان على الراعي فيما تلف من الماشية ما لم يتعد ولا نعلم فيه خلافا إلا عن الشعبي فإنه روي عنه أنه ضمن الراعي