İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
وهو قول عطاء والشعبي وابن أبي ليلى والشافعي وروى ابن المنذر بإسناده عن عبد الله بن أبي بكر عن أنس قال كان عمومتي يأمرونني أن أؤذن لهم وأنا غلام ولم أحتلم وأنس بن مالك شاهد لم ينكر ذلك وهذا مما يظهر ولا يخفى ولم ينكر فيكون إجماعا ولأه ذكر تصح صلاته فاعتد بأذانه كالعدل البالغ ولا خلاف في الاعتداد بأذان من هو مستور الحال وإنما الخلاف فيمن هو ظاهر الفسق ويستحب أن يكون المؤذن عدلا أمينا بالغا لأنه مؤتمن يرجع إليه في الصلاة والصيام فلا يؤمن أن يغرهم بأذانه إذ لم يكن كذلك ولأنه يؤذن على موضع عال فلا يؤمن منه النظر إلى العورات وفي الأذان الملحن وجهان أحدهما يصح لأن المقصود يحصل منه كغير الملحن والآخر لا يصح لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عباس قال كان للنبي صلى الله عليه وسلم مؤذن يطرب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الأذان سهل سمح فإن كان أذانك سهلا سمحا وإلا فلا تأذن فصل ويستحب أن يكون المؤذن بصيرا لأن الأعمى لا يعرف الوقت فربما غلط فإن أذن الأعمى صح أذانه فإن ابن أم مكتوم كان يؤذن للنبي صلى الله عليه وسلم قال ابن عمرو كان رجلا أعمى لا ينادي حتى يقال له أصبحت أصحبت رواه البخاري ويستحب أن يكون معه بصير يعرفه الوت أو يؤذن بعد مؤذن بصير كما كان ابن أم مكتوم يؤذن بعد أذان بلال ويستحب أن يكون عالما بالأوقات ليتحراها فيؤدن في أولها وإذا لم يكن عالما فربما غلط وأخطأ فإن أذن الجاهل صح أذانه فإنه إذا صح أذان الأعمى فالجاهل أولى ويستحب أن يكون صيتا يسمع الناس واختار النبي صلى الله عليه وسلم أبا محذورة للأذان لكونه صيتا وفي حديث عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ألقه على بلال فإنه أندى صوتا منك ويستحب أن يكون حسن الصوت لأنه أرق لسامعه فصل ولا يجوز أخذ الأجرة على الأذان في ظاهر المذهب وكرهه القاسم بن عبد الرحمن والأوزاعي وأصحاب الرأي وابن المنذر لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعثمان بن أبي العاص واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن ولأنه قربة لفاعله لا يصح إلا من مسلم فلم يستأجره عليه كالإمامة وحكي عنأحمد رواية أخرى أنه يجوز أخذ الأجرة عليه ورخص فيه مالك وبعض الشافعية لأنه عمل معلوم يجوز أخذ الرزق عليه فجاز أخذ الأجرة عليه كسائر الأعمال ولا نعلم فيه خلافا في جواز أخذ الرزق عليه وهذا قول الأوزاعي والشافعي لأن بالمسلمين حاجة إليه وقد لا يوجد متطوع به وإذا لم يدفع الرزق فيه يعطل ويرزقه الإمام من الفيء لأنه المعد للمصالح فهو كأرزاق القضاة والغزاة وإن وجد متطوع به لم يرزق غيره لعدم الحاجة إليه فصل وينبغي أن يتولى الإقامة من تولى الأذان وبهذا قال الشافعي وقالأبو حنيفة ومالك لا فرق بينه وبين غيره لما روى أبو داود في حديث عبد الله بن زيد أنه رأى الأذان في المنام فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال ألقه على بلال فألقاه عليه فأذن بلال فقال عبد الله أنا رأيته وأنا كنت أريده قال أقم أنت ولأنه يحصل المقصود منه فأشبه ما لو تولاهما معا ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث زياد بن الحارث الصدائي إن أخا صداء أذن ومن أذن فهو مقيم ولأنهما فعلان من الذكر يتقدمان الصلاة فيسن أن يتولاهما واحد كالخطبتين وما ذكروه يدل على الجواز وهذا على الاستحباب فإن سبق المؤذن بالأذان فأراد المؤذن أن يقيم فقال أحمد لو أعاد الأذان كما صنع أبو محذورة كما روى عبد العزيز بن رفيع قال رأيت رجلا أذن قبل أبي محذورة قال فجاء أبو محذورة فأذن ثم أقام أخرجه الأثرم فإن أقام من غير إعادة فلا بأس وبذلك قال مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي لما ذكروه من حديث عبد الله بن زيد
فصل ويستحب أن يقيم في موضع أذانه قالأحمد أحب إلي أن يقيم في مكانه ولم يبلغني فيه شيء إلا حديث بلال لا تسبقني بآمين يعني لو كان يقيم في موضع صلاته لما خاف أن يسبقه بالتأمين لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما يكبر بعد فراغه من الإقامة ولأن الإقامة شرعت للإعلام فشرعت في موضعه ليكون أبلغ في الإعلام وقد دل على هذا حديث عبد الله بن عمر قال كنا إذا سمعنا الإقامة توضأنا ثم خرجنا إلى الصلاة إلا أن يؤذن في المنارة أو مكان بعيد من المسجد فيقيم في غير موضعه لئلا يفوته بعض الصلاة فصل ولا يقيم حتى يأذن له الإمام فإن بلالا كان يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم وفي حديث زياد بن الحارث الصدائي أنه قال فجعلت أقول للنبي صلى الله عليه وسلم أقيم أقيم وروى أبو حفص بإسناده عن علي قال المؤذن أملك بالأذان والإمام أملك بالإقامة مسألة قال ( ومن صلى بلا أذان ولا إقامة كرهنا له ذلك ولا يعيد ) يكره ترك الأذان للصلوات الخمس لأن النبي صلى الله عليه وسلم كانت صلواته بأذان وإقامة والأئمة بعده وأمر به قال مالك بن الحويرث أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أنا ورجل نودعه فقال إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكما وليؤمكما أكبركما متفق عليه وظاهر كلام الخرقي أن الأذان سنة مؤكدة وليس بواجب لأنه جعل تركه مكروها وهذا قول أبي حنيفة والشافعي لأنه دعاء إلى الصلاة فأشبه قوله الصلاة جامعة قال أبو بكر بن عبد العزيز هو من فروض الكفايات وهذا قول أكثر أصحابنا وقول بعض أصحاب مالك وقال عطاء ومجاهد والأوزاعي هو فرض لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به مالكا وصاحبه وداوم عليه هو وخلفاؤه وأصحابه والأمر يقتضي الوجوب ومداومته على فعله دليل على وجوبه ولأنه من شعائر الإسلام الظاهرة فكان فرضا كالجهاد فعلى قول أصحابنا إذا قام به من تحصل به الكفاية سقط عن الباقين لأن بلالا كان يؤذن للنبي صلى الله عليه وسلم فيكتفي به وإن صلى بغير أذان ولا إقامة فالصلاة صحيحة على القولين لما روي عن علقمة والأسود أنهما قالا دخلنا على عبد الله فصلى بلا أذان ولا إقامة رواه الأثرم ولا أعلم أحدا خالف في ذلك إلا عطار قال ومن نسي الإقامة يعيد والأوزاعي قال مرة يعيد ما دام في الوقت فإن مضى الوقت فلا إعادة وهذا شذوذ والصحيح قول الجمهور لما ذكرنا ولأن الإقامة أحد الأذانين فلم تفسد الصلاة بتركها كالآخر فصل ومن أوجب الأذان من أصحابنا فإنما أوجبه على أهل المصر كذلك قال القاضي لا يجب على أهل غير المصر من المسافرين وقال مالك إنما يجب النداء في مساجد الجماعة التي يجمع فيها للصلاة وذلك لأن الأذان إنما شرع في وصل للإعلام بالوقت ليجتمع الناس إلى الصلاة ويدركوا الجماعة ويكفي المصر أذان واحد إذا كان بحيث يسمعهم وقال ابن عقيل يكفي أذان واحد في المحلة ويجتزىء بقيتهم بالإقامة وقال أحمد في الذي يصلي في بيته يجزئه أذان المصر وهو قول الأسود وأبي مجلز ومجاهد والشعبي والنخعي وعكرمة وأصحاب الرأي وقال ميمون بن مهران والأوزاعي ومالك تكفيه الإقامة وقال الحسن وابن سيرين إن شاء أقام ووجه ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للذي علمه الصلاة إذا أردت الصلاة فأحسن الوضوء ثم اسقبل القبلة فكبر ولم يأمره بالأذان وفي لفظ رواه النسائي فأقم ثم كبر وحديث ابن مسعود والأفضل لكل مصل أن يؤذن ويقيم إلا أنه إن كان يصلي قضاء أو في غير وقت الأذان لم يجهر به وإن كان في الوقت في بادية أو نحوها استحب له الجهر بالأذان لقول أبي سعيد إذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة
قال أبو سعيد سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أنس أن رسول الله كان يغير إذا طلع الفجر وكان إذا سمع أذانا أمسك وإلا أغار فسمع رجلا يقول الله أكبر الله أكبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم على الفطرة فقال أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجت من النار فنظروا فإذا صاحب معز أخرجه مسلم فصل ومن فاتته صلوات استحب له أن يؤذن للأولى ثم يقيم لكل صلاة إقامة وإن لم يؤذن فلا بأس قال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل يقضي صلاة كيف يصنع في الأذان فذكر حديث هشيم عن أبي الزبير عن نافع بن جبير عن أبي عبيدة بن عبد الله عن أبيهأن المشركين شغلوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله قال فأمر بلالا فأذن وأقام وصلى الظهر ثم أمره فأقام فصلى العصر ثم أمره فأقام فصلى المغرب ثم أمره فأقام فصلى العشاء قال أبو عبد الله وهشام الدستوائي لم يقل كما قال هشيم جعلها إقامة إقامة قلت فكأنك تختار حديث هشيم قال نعم هو زيادة أي شيء يضرب وهذا في الجماعة فإن كان يقضي وحده كان استحباب ذلك أدنى في حقه لأن الأذان والإقامة للإعلام ولا حاجة إلى الإعلام ها هنا وقد روي عن أحمد في رجل فاتته صلوات فقضاها ليؤذن ويقيم مرة واحدة يصليها كلها سهل في ذلك ورآه حسنا وقال الشافعي نحو ذلك وله قولان آخران أحدهما أنه يقيم ولا يؤذن وهذا قول مالك لما روى أبو سعيد قال حبسنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب يهوي من الليل قال دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأمره فأقام الظهر فصلاها ثم أمره فأقام العصر فصلاها لأن الأذان للإعلام بالوقت وقد فات والقول الثاني إن رجي اجتماع الناس أذن وإلا فلا لأن الأذان مشروع للإعلام فلا يشرع إلا مع الحاجة وقال أبو حنيفة يؤذن لكل صلاة ويقيم لأن ما سن للصلاة في أدائها سن في قضائها كسائر المسنونات ولنا حديث ابن مسعود رواه الأثرم والنسائي وغيرهما وهو متضمن للزيادة والزيادة من الثقة مقبولة وعن أبي قتادة أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فناموا حتى طلعت الشمس فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا بلال قم فأذن الناس بالصلاة متفق عليه ورواه عمران بن حصين أيضا قال فأمر بلالا فأذن فصلينا ركعتين ثم أمره فأقام فصلينا متفق عليه ولنا على أبي حنيفة حديث ابن مسعود وأبي سعيد ولأن الثانية من الفوائت صلاة وقد أذن لما قبلها فأشبهت الثانية من المجموعتين وقياسهم منتقض بهذا فصل فإن جمع بين الصلاتين في وقت أولاهما استحب أن يؤذن للأولى ويقيم ثم يقيم للثانية وإن جمع بينهما في وقت الثانية فهما كالفائتتين لا يتأكد الأذان لهما لأن الأولى منهما تصلي في غير وقتها والثانية مسبوقة بصلاة قبلها وإن جمع بينهما بإقامة واحدة فلا بأس وقال أبو حنيفة في المجموعتين لا يقيم للثانية لأن ابن عمر روى أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب والعشاء بمزدلفة بإقامة واحدة صحيح وقال مالك يؤذن للأولى والثانية ويقيم لأن الثانية منهما صلاة يشرع لها الأذان وهي مفعولة في وقتها فيؤذن لها كالأولى ولنا على الجمع في وقت الأولى ما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر بعرفة وبين المغرب والعشاء بمزلفة بأذان وإقامتين رواه مسلم ولأن الأولى منهما في وقتها فيشرع لها الأذان ما لو لم يجمعهما وأما إذا كان الجمع في وقت الثانية فقد روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين المغرب والعشاء بجمع كل واحدة منهما بإقامة رواه البخاري وإن جمع بينهما بإقامة فلا بأس لحديث آخر ولأن الأولى مفعولة في غير وقتها فأشبهت الفائتة
والثانية منهما مسبوقة بصلاة فلا يشرع لها الأذان كالثانية من الفوائت وما ذهب إليه مالك يخالف الخبر الصحيح وقد رواه في موطئه وذهب إلى ما سواه اه فصل ويشرع الأذان في السفر للراعي وأشباهه في قول أكثر أهل العلم وكان ابن عمر يقيم لكل صلاة إقامة إلا الصبح فإنه يؤذن لها ويقيم وكان يقول إنما الأذان على الأمير والإقامة على الذي يجمع الناس وعنه أنه كان لا يقيم في أرض تقام فيها الصلاة وعن علي أنه قال إن شاء أذن وأقام وإن شاء أقام وبه قال عروة والثوري وقال الحسن وابن سيرين تجزئة الإقامة وقال إبراهيم في المسافرين إذا كانوا رفاقا أذنوا وأقاموا وإذا كان وحده أقام للصلاة ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤذن له في الحضر والسفر وقد ذكرنا ذلك في حديث أبي قتادة وعمران وزياد بن الحارث وأمر به مالك بن الحويرث وصاحبه وما نقل عن السلف في هذا فالظاهر أنهم أرادوا الواحد وحده وقد بينه إبراهيم النخعي في كلامه والأذان مع ذلك أفضل لما ذكرنا من حديث أبي سعيد وحديث أنس وروى عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يعجب ربك من راعي غنم في رأس الشظية للجبل يؤذن للصلاة ويصلي فيقول الله عز وجل انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة يخاف مني قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة رواه النسائي وقال سلمان الفارسيي إذا كان الرجل بأرض قي فأقام الصلاة صلى خلفه ملكان فإن أذن وأقام صلى خلفه من الملائكة ما لا يرى قطراه يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده ويؤمنون على دعائه وكذلك قال سعيد بن المسيب إلا أنه قال صلى خلفه من الملائكة أمثال الجبال فصل ومن دخل مسجدا قد صلى فيه فإن شاء أذن وأقام نص عليه أحمد لما روى الأثرم وسعيد بن منصور عن أنس أنه دخل مسجدا قد صلوا فيه فأمر رجلا فأذن وأقام فصلى بهم في جماعة وإن شاء صلى من غير أذان ولا إقامة فإن عروة قال إذا انتهيت إلى مسجد قد صلى فيه ناس أذنوا وأقاموا فإن آذانهم وإقامتهم تجزىء عمن جاء بعدهم وهذا قول الحسن والشعبي والنخعي إلا أن الحسن قال كان أحب إليهم أن يقيم وإذا أذن فالمستحب أن يخفي ذلك ولا يجهر به ليغر الناس بالأذان في غير محله فصل وليس على النساء أذان ولا إقامة وكذلك قال ابن عمر وأنس وسعيد بن المسيب والحسن وابن سيرين والنخعي والثوري ومالك وأبو ثور وأصحاب الرأي ولا أعلم فيه خلافا وهل يسن لهن ذلك فقد روي عن أحمد قال إن فعلن فلا بأس وإن لم يفعلن فجائز وقال القاضي هل يستحب لها الإقامة على روايتين وعن جابر أنها تقيم وبه قال عطاء ومجاهد والأوزاعي وقال الشافعي إن أذن وأقمن فلا بأس وعن عائشة أنها كانت تؤذن وتقيم وبه قال إسحاق وقد روي عن أم ورقة أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لها أن يؤذن لها ويقام وتؤم نساء أهل دارها وقيل إن هذا الحديث يرويه الوليد بن جميع وهو ضعيف وروي النجاد بإسناده عن أسماء بنت يزيد قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ليس على النساء أذان ولا إقامة ولأن الأذان في الأصل للإعلام ولا يشرع لها ذلك والأذان يشرع له رفع الصوت ولا يشرع لها رفع الصوت ومن لا يشرع في حقه الأذان لا يشرع في حقه الإقامة كغير المصلي وكمن أدرك بعض الجماعة مسألة قال ( ويجعل أصابعه مضمومة على أذنيه ) المشهور عن أحمد أنه يجعل إصبعيه في أذنيه وعليه العمل عند أهل العلم يستحيون أن يجعل المؤذن إصبعيه في أذنيه قال الترمذي لما روى أبو حنيفة أن بلالا أذن ووضع إصبعيه في أذنيه متفق عليه
وعن سعد مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بلالا أن يجعل إصبعيه في أذنيه قال إنه أرفع لصوتك وروى أبو طالب عن أحمد أنه قال أحب إلي أن يجعل يديه على أذنيه على حديث أبي محذورة وضم أصابعه الأربع ووضعها على أذنيه وحكى أبو حفص عن ابن بطة قال سألت أبا القاسم الخرقي عن صفة ذلك فأرانيه بيديه جميعا فضم أصابعه على راحتيه ووضعهما على أذنيه واحتج لذلك القاضي بما روى أبو حفص بإسناده عن ابن عمر أنه كان إذا بعث مؤذنا يقول له ضمم أصابعك مع كفيك واجعلها مضمومة على أذنيك وبما روى الإمام أحمد عن أبي محذورة أنه كان يضم أصابعه الأول أصح لصحة الحديث وشهرته وعمل أهل العلم به وأيهما فعل حسن وإن ترك الكل فلا بأس فصل ويستحب رفع الصوت بالأذان ليكون أبلغ في إعلامه وأعظم لثوابه كما ذكر في خبر أبي سعيد ولا يجهد نفسه في رفع صوته زيادة على طاقته لئلا يضر بنفسه وينقطع صوته فإن أذن لعامة الناس جهر بجميع الأذان ولا يجهر ببعض ويخافت ببعض لئلا يفوت مقصود الأذان وهو الإعلام وإن أذن لنفسه أو لجماعة خاصة حاضرين جاز أن يخافت ويجهر وأن يخافت ببعض ويجهر ببعض إلا أن يكون في وقت الأذان فلا يجهر بشيء منه لئلا يغر الناس بأذانه فصل وينبغي أن يؤذن قائما قال ابن المنذر أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن السنة أن يؤذن قائما وفي حديث أبي قتادة الذي رويناه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال قم فأذن وكان مؤذنو رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذنون قياما وإن كان له عذر فلا بأس أن يؤذن قاعدا قال الحسن العبدي رأيت أبا زيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت رجله أصيبت في سبيل الله يؤذن قاعدا رواه الأثرم فإن أذن قاعدا لغير عذر فقد كرهه أهل العلم ويصح فإنه ليس بآكد من الخطبة وتصح من القاعد قال الأثرم وسمعت أبا عبد الله يسأل عن الأذان على الراحلة فسهل فيه وقال أمر الأذان عندي سهل وروي عن ابن عمر أنه كان يؤذن على الراحلة ثم ينزل فيقيم وإذا أبيح التنفل على الراحلة فالأذان أولى فصل ويستحب أن يؤذن على شيء مرتفع ليكون أبلغ لتأدية صوته وقد روى أبو داود عن عروة بن الزبير عن امرأة من بني النجار قالت كان بيتي من أطول بيت حول المسجد وكان بلال يؤذن عليه الفجر فيأتي بسحر فيجلس على البيت ينظر إلى الفجر فإذا رآه تمطى ثم قال اللهم إني أستعينك وأستعديك على قريش أن يقيموا دينك قالت ثم يؤذن وفي حديث بدء الأذان فقال رجل من الأنصار يا رسول الله رأيت رجلا كأن عليه ثوبين أخضرين قام على المسجد فأذن ثم قعد قعدة ثم قام فقال مثلها إلا أنه يقول قد قامت الصلاة فصل ولا يستحب أن يتكلم في أثناء الأذان وكرهه طائفة من أهل العلم قال الأوزاعي لم نعلم أحدا يقتدى به فعل ذلك ورخص فيه الحسن وعطاء وقتادة وسليمان بن صرد فإن تكلم بكلام يسير جاز وإن طال الكلام بطل لأنه يقطع الموالاة المشروطة في الأذان فلا يعلم أنه أذان وكذلك لو سكت سكوتا طويلا أو نام نوما طويلا أو أغمي عليه أو أصابه جنون يقطع الموالاة بطل أذانه وإن كان الكلام يسيرا محرما كالسب ونحوه فقال بعض أصحابنا فيه وجهان أحدهما لا يقطعه لأنه لا يخل بالمقصود فأشبه المباح والثاني يقطعه لأنه محرم فيه وأما الإقامة فلا ينبغي أن يتكلم فيها لأنها يستحب حدرها وأن لا يفرق بينهما قال أبو داود قلت لأحمد الرجل يتكلم في أذانه فقال نعم فقلت له يتكلم في الإقامة فقال لا
فصل وليس للرجل أن يبني على أذان غيره لأنه عبادة بدنية فلا يصح من شخصين كالصلاة والردة تبطل الأذان إن وجدت في أثنائه وإن وجدت بعده فقالالقاضي قياس قوله في الطهارة أنها تبطل أيضا والصحيح أنها لا تبطل لأنها وجدت بعد فراغه وانقضاء حكمه بحيث لا يبطله شيء من مبطلاته فأشبه سائر العبادات إذا وجدت بعد فراغه منها بخلاف الطهارة فإنها تبطل بمبطلاتها فالأذان أشبه بالصلاة في هذا الحكم منه بالطهارة والله تعالى أعلم فصل ولا يصح الأذان إلا مرتبا لأن المقصود منه يختل بعدم الترتيب وهو الإعلام فإنه إذا لم يكن مرتبا لم يعلم أنه أذان ولأنه شرع في الأصل مرتبا وعلمه النبي صلى الله عليه وسلم أبا محذورة مرتبا مسألة قال ( ويدير وجهه على يمينه إذا قال حي على الصلاة وعلى يساره إذا قال حي على الفلاح ولا يزيل قدميه ) المستحب أن يؤذن مستقبل القبلة لا نعلم فيه خلافا فإن مؤذني النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يؤذنون مستقبلي القبلة ويستحب أن يدير وجهه على يمينه إذا قال حي على الصلاة وعلى يساره إذا قال حي على الفلاح ولا يزيل قدميه عن القبلة في التفاته لما روى أبو جحيفة قال رأيت بلالا يؤذن وأتتبع فاه ها هنا وها هنا وإصبعاه في أذنيه متفق عليه وفي لفظ قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في قبة حمراء من أدم فخرج بلال فأذن فلما بلغ حي على الصلاة حي على الفلاح التفت يمينا وشمالا ولم يستدر رواه أبو داود وظاهر كلام الخرقي أنه لا يستدير سواء كان على الأرض أو فوق المنارة وهو قول الشافعي وذكر أصحابنا عن أحمد فيمن أذن في المنارة روايتين إحداهما لا يدور للخبر ولأنه يستدبر القبلة فكره كما لو كان على وجه الأرض والثانية يدور في مجالها لأنه لا يحصل الإعلام بدونه وتحصيل المقصود بالإخلال بأدب أولى من العكس ولو أخل باستقبال القبلة أو مشى في أذانه لم يبطل فإن الخطبة آكد من الأذان ولا تبطل بهذا وسئل أحمد عن الرجل يؤذن وهو يمشي فقال نعم أمر الأذان عندي سهل وسئل عن المؤذن يمشي وهو يقيم قال يعجبني أن يفرغ ثم يمشي وقال في رواية حرب وفي المسافر أحب إلي أن يؤذن وجهه إلى القبلة وأرجو أن يجزىء مسألة قال ( ويستحب لمن سمع المؤذن أن يقول كما يقول ) لا أعلم خلافا بين أهل العلم في استحباب ذلك والأصل فيه ما روى أبو سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن متفق عليه ورواه جماعة عن النبي صلى الله عليه وسلم منهم أبو هريرة وعمرو بن العاص وابنه وأم حبيبة وقال غير الخرقي من أصحابنا يستحب أن يقول عند الحيعلة لا حول ولا قوة إلا بالله نص عليه أحمد لما روى الأثرم بإسناده عن أبي رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا سمع الأذان قال مثل ما يقول المؤذن فإذا بلغ حي على الصلاة قال لا حول ولا قوة إلا بالله وروى حفص بن عاصم عن عمر بن الخطاب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم الله أكبر الله أكبر ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله قال أشهد أن لا إله إلا الله ثم قال أشهد أن محمدا رسول الله قال أشهد أن محمدا رسول الله ثم قال حي على الصلاة قال لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال حي على الفلاح قال لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال الله أكبر الله أكبر قال الله أكبر الله أكبر ثم قال لا إله إلا الله قال لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة رواه مسلم وأبو داود قال أبو بكر الأثرم هذا من الأحاديث الجياد يعني هذا الحديث وهذا أخص من حديث أبي سعيد فيقدم عليه أو يجمع بينما
فصل ويستحب أن يقول في الإقامة مثل ما يقول ويقول عند كلمة الإقامة أقامها الله وأدامها لما روى أبو داود بإسناده عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن بلالا أخذ في الإقامة فلما أن قال قد قامت الصلاة قال النبي صلى الله عليه وسلم أقامها الله وأدامها وقال في سائر الإقامة كنحو حديث عمر في الأذان فصل وروى سعد بن أبي وقاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من قال حين يسمع النداء وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا رسول الله رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا غفر له ذنبه رواه مسلم وعنجابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة رواه البخاري وعن أم سلمة قالت علمني النبي صلى الله عليه وسلم أن أقول عند أذان المغرب اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعائك فاغفر لي رواه أبو داود وروى أنس قال قال رسول اا صلى الله عليه وسلم لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة رواه أبو داود وروى أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة رواه أبو داود أيضا فصل وإذا سمع الأذان وهو في قراءة قطعها ليقول مثل ما يقول لأنه يفوت والقراءة لا تفوت وإن سمعه في الصلاة لم يقل مثل قوله لئلا يشتغل عن الصلاة بما ليس منها وقد روي أن في الصلاة لشغلا وإن قاله ما عدا الحيعلة لم تبطل الصلاة لأنه ذكر وإن قال الدعاء إلى الصلاة فيها بطلت لأنه خطاب آدمي فصل روي عن أحمد أنه كان إذا أذن فقال كلمة من الأذان قال مثلها سرا فظاهر هذا أنه رأى ذلك مستحبا ليكون ما يظهره أذانا ودعاء إلى الصلاة وما يسره ذكرا لله تعالى فيكون بمنزلة من سمع الأذان فصل قال الأثرم وسمعت أبا عبد الله يسأل عن الرجل يقوم حين يسمع المؤذن مبادرا يركع فقال يستحب أن يكون ركوعه بعدما يفرغ المؤذن أو يقرب من الفراغ لأنه يقال إن الشيطان ينفر حين يسمع الأذان فلا ينبغي أن يبادر بالقيام وإن دخل المسجد فسمع المؤذن استحب له انتظاره ليفرغ ويقول مثل ما يقول جمعا بين الفضيلتين وإن لم يقل كقوله وافتح الصلاة فلا بأس نص عليه أحمد فصل ولا يستحب الزيادة على مؤذنين لأن الذي حفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان له مؤذنان بلال وابن أم مكتوم إلا أن تدعو الحاجة إلى الزيادة عليهما فيجوز فقد روي عن عثمان رضي الله عنه أنه كان له أربعة مؤذنين وإن دعت الحاجة إلى أكثر منه كان مشروعا وإذا كان أكثر من واحد وكان الواحد يسمع الناس فالمستحب أن يؤذن واحد بعد واحد لأن مؤذني النبي صلى الله عليه وسلم كان أحدهما يؤذن بعد الآخر وإن كان الإعلام لا يحصل بواحد أذنوا على حسب ما يحتاج إليه إما أن يؤذن كل واحد في منارة أو ناحية أو دفعة واحدة في موضع واحد قال أحمد إن أذن عدة في منارة فلا بأس وإن خافوا من تأذين واحد بعد الآخر فوات أول الوقت أذنوا جميعا واحدة فصل ولا يؤذن قبل المؤذن الراتب إلا أن يتخلف ويخاف فوات وقت التأذين فيؤذن غيره كما روي عن زياد بن الحارث الصدائي أنه أذن للنبي صلى الله عليه وسلم حين غاب بلال وقد ذكرنا حديثه وأذن رجل حين غاب أبو محذورة قبله فأما مع حضوره فلا يسبق بالأذان فإن مؤذني النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن غيرهم يسبقهم بالأذان فصل وإذا تشاح نفسان في اوذان قدم أحدهما في الخصال المعتبرة في التأذين فيقدم من كان أعلى صوتا لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن زيد ألقه على بلال
فإنه أندى صوتا منك وقدم أبا محذورة لصوته وكذلك يقدم من كان أبلغ في معرفة الوقت وأشد محافظة عليه ومن يرتضيه الجيران لأنهم أعلم بمن يبلغهم صوته ومن هو أعف عن النظر فإن تساويا من جميع الجهات أقرع بينهما لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا متفق عليه ولما تشاح الناس في الأذان يوم القادسية أقرع بينهم سعد فصل فأما محاريب الكفار فلا يجوز أن يستدل بها لأن قولهم لا يستدل فإن من قال أشهد أن محمدا رسول الله ونصب لام رسول أخرجه عن كونه خبرا ولا يمد لفظه أكبر لأنه يجعل فيها ألفا فيصير جميع كبر وهو الطبل ولا تسقط الهاء من اسم الله تعالى واسم الصلاة ولا الحاء من الفلاح لما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يؤذن لكم من يدغم الهاء قلنا وكيف يقول أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أخرجه الدارقطني في الأفراد فأما إن كان ألثغ لثغة لا تتفاحش جاز أذانه فقد روي أن بلالا كان يقول أسهد يجعل الشين سينا وإن سلم من ذلك كان أكمل وأحسن فصل وإذا أذن في الوقت كره له أنا يخرج من المسجد إلا أن يكون لحاجة ثم يعود لأنه ربم احتيج إلى إقامة الصلاة فلا يوجد وإن أذن قبل الوقت للفجر فلا بأس بذهابه لأنه لا يحتاج إلى حضوره قال أحمد في الرجل يؤذن في الليل وهو على غير وضوء فيدخل المنزل ويدع المسجد أرجو أن يكون موسعا عليه ولكن إذا أذن وهو متوضىء في وقت الصلاة فلا أرى له أن يخرج من المسجد حتى يصلي إلا أن تكون له الحاجة فصل فإن أذن المؤذن في بيته وكان قريبا من المسجد فلا بأس وإن كان بعيدا فلا لأن القريب أذانه من عند المسجد فيأتيه السامعون للأذان والبعيد ربما سمعه من لا يعرف المسجد فيغتربه ويقصده فيضيع عن المسجد وقد روي في الذي يؤذن في بيته وبينه وبين المسجد طريق يسمع الناس أرجو أن لا يكون به بأس وقال في رواية إبراهيم الحربي فيمن يؤذن في بيته على سطح معاذ الله ما سمعنا أن أحدا يفعل هذا فالأول المراد به القريب ولهذا كان بلال يؤذن على سطح امرأة من قريش لما كان قريبا من المسجد عاليا والثاني محمول على البعيد لما ذكرناه فصل إذا أذن المؤذن وأقام لم يستحب لسائر الناس أن يؤذن كل إنسان منهم في نفسه ويقيم بعد فراغ المؤذن ولكن يقول مثل ما يقول المؤذن لأن السنة إنما وردت بهذا والله أعلم باب استقبال القبلة استقبال القبلة شرط في صحة الصلاة إلا في الحالتين اللتين ذكرهما الخرقي رحمه الله والأصل في ذلك قول الله تعالى وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره البقرة 144 يعني نحوه كما أنشدوا ألا من مبلغ عنا رسولا وما تغني الرسالة شطر عمرو أي نحو عمرو وتقول العرب هؤلاء القوم يشاطروننا إذا كانت بيوتهم تقابل بيوتهم وقال علي رضي الله عنه شطره قبله وروي عن البراء قال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا ثم إنه وجه إلى الكعبة فمر رجل وكان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم على قوم من الأنصار فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وجه إلى الكعبة فانحرفوا إلى الكعبة أخرجه النسائي مسألة قال أبو القاسم ( إذا اشتد الخوف وهو مطلوب ابتدأ الصلاة إلى القبلة وصلى إلى غيرها راجلا وراكبا يومىء إيماء على قدر الطاقة ويجعل سجوده أخفض من ركوعه )
وجملة ذلك أنه إذا اشتد الخوف بحيث لا يتمكن من الصلاة إلى القبلة أو احتاج إلى المشي أو عجز عن بعض أركان الصلاة إما لهرب مباح من عدو أو سيل أو سبع أو حريق أو نحو ذلك مما لا يمكنه التخلص منه إلا بالهرب أو المسابقة أو التحام الحرب والحاجة إلى الكر والفر والطعن والضرب والمطاردة فله أن يصلي على حسب حاله راجلا وراكبا إلى القبلة إن أمكن أو إلى غيرها إن لم يمكن وإذا عجز عن الركوع والسجود أومأ بهما وينحني إلى السجود أكثر من الركوع على قدر طاقته وإن عجز عن الإيماء سقط وإن عجز عن القيام أو القعود أو غيرهما سقط وإن احتاج إلى الطعن والضرب والكر والفر فعل ذلك ولا يؤخر الصلاة عن وقتها لقول الله تعالى فإن خفتم فرجالا أو ركبانا البقرة 239 وروى مالك عن نافع عن ابن عمر قال فإن كان خوفا هو أشد من ذلك صلوا رجالا قياما على أقدامهم أو ركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها قال نافع لا أرى ابن عمر حدثه إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا أمكن افتتاح الصلاة إلى القبلة فهل يجب ذلك قال أبو بكر فيه روايتان إحداهما لا يجب لأنه جزء من أجزاء الصلاة فلم يجب الاستقبال فيه كبقية أجزائها قال وبه أقول والثانية يجب لما روى أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا كان في السفر فأراد أن يصلي على راحلته استقبل القبلة ثم كبر ثم صلى حيث توجهت به رواه الدارقطني ولأنه أمكنه ابتداء الصلاة مستقبلا فلم يجز بدونه كما لو أمكنه ذلك في ركعة كاملة وتمام شرح هذه الصلاة نذكره في باب صلاة الخوف إن شاء الله مسألة قال ( وسواء كان مطلوبا أو طالبا يخشى فوات العدو وعن أبي عبد الله رحمه الله رواية أخرى أنه إن كان طالبا فلا يجزئه أن يصلي إلا صلاة آمن ) اختلفت الرواية عن أبي عبد الله رحمه الله في طالب العلدو الذي يخاف فواته فروي أنه يصلي على حسب حاله كالمطلوب سواء روي ذلك عن شرحبيل بن حسنة وهو قول الأوزاعي وعن أحمد أنه لا يصلي إلا صلاة آمن وهو قول أكثر أهل العلم لأن الله تعالى قال فإن خفتم فرجالا أو ركبانا البقرة 239 فشرط الخوف وهذا غير خائف ولأنه آمن فلزمته صلاة الأمن كما لو لم يخش فوتهم وهذا الخلاف فيمن يأمن رجوعهم عليه إن تشاغل بالصلاة ويأمن على أصحابه فأما الخائف من ذلك فحكمه حكم المطلوب ولنا ما روي أبو داود في سننه بإسناده عن عبد الله بن أنيس قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خالد بن سفيان الهذلي وكان نحو عرفة أو عرفات قال اذهب فاقتله فرأيته وحضرت صلاة العصر فقلت إني لا أخاف أن يكون بيني وبينه ما يؤخر الصلاة فانطلقت أمشي وأنا أصلي أومىء إيماء نحوه فلما دنوت منه قال لي من أنت قلت رجل من العرب بلغني أنك تجمع لهذا الرجل فجئتك لذلك قال إني لعلى ذلك فمشيت معه ساعة حتى أمكنني علوته بسيفي حتى برد وظاهر حاله أنه أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم أو كان قد علم جواز ذلك من قبله فإنه لا يظن به أنه يفعل مثل ذلك مخطئا وهو رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لا يخبره به ولا يسأله عن حكمه وروي الأوزاعي عن سابق البريدي عن كتاب الحسن أن الطالب ينزل فيصلي بالأرض فقال الأوزاعي وجدنا الأمر على غير ذلك قالشرحبيل بن حسنة لا تصلوا الصبح إلا على ظهر فنزل الأشتر فصلى على الأرض فمر به شرحبيل فقال مخالف خالف الله به قال فخرج الأشتر في الفتنة وكان الأوزاعي يأخذ بهذا في طلب العدو ولأنها إحدى حالتي الحرب أشبه حالة الهرب والآية لا دلالة فيها على محل النزاع لأن مدلولها إباحة القصر وقد أبيح القصر حالة الأمن بغير خلاف وهو أيضا غير محل النزاع
ثم وإن دلت على محل النزاع فقد أبيحت صلاة الخوف من غير خوف فتنة الكفار للخوف من سبع أو سيل أو حريق لوجود معنى المتطوق فيها وهذا في معناه لأن فوات الكفار ضرر عظيم فأبيحت صلاة الخوف عند فوته كالحالة الأخرى مسألة قال ( وله أن يتطوع في السفر على الراحلة على ما وصفناه من صلاة الخوف ) لا نعلم خلافا بين أهل العلم في إباحة التطوع على الراحلة في السفر الطويل قال الترمذي هذا عند عامة أهل العلم وقال ابن عبد البر أجمعوا على أنه جائز لكل من سافر سفرا يقصر فيه الصلاة أن يتطوع على دابته حيثما توجهت يومىء بالركوع والسجود يجعل السجود أخفض من الركوع وأما السفر القصير وهو ما الله ? < البقرة 115 > ? قال ابن عمر نزلت هذه الآية في التطوع خاصة حيث توجه بك بعيرك وهذا مطلق يتناول بإطلاقه محل النزاع وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر على بعيره وفي رواية كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه يومىء برأسه وكان ابن عمر يفعله متفق عليهما وللبخاري إلا الفرائض ولمسلم وأبي داود غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة ولم يفرق بين قصير السفر وطويله ولأن إباحة الصلاة على الراحلة تخفيف في التطوع كيلا يؤدي إلى قطعها وتقليلها وهذا يستوي فيه الطويل والقصير والقصر والفطر يراعى فيه المشقة وإنما توجد غالبا في الطويل قال القاضي الأحكام التي يستوي فيها الطويل من السفر والقصير ثلاثة التيمم وأكل الميتة في المخمصة والتطوع على الراحلة وبقية الرخص تختص الطويل الفطر والجمع والمسح ثلاثا فصل وحكم الصلاة على الراحلة حكم الصلاة في الخوف في أنه يومىء بالركوع والسجود ويجعل السجود أخفض من الركوع قال جابر بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة فجئت وهو يصلي على راحلته نحو المشرق والسجود أخفض من الركوع رواه أبو داود ويجوز أن يصلي على البعير والحمار وغيرهما قال ابن عمر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على حمار وهو متوجه إلى خيبر رواه أبو داود والنسائي لكن إن صلى على حيوان نجس فلا بد أن يكون بينهما سترة طاهرة فصل فإن كان على الراحلة مكان واسع كالمنفرد في العمارية يدور فيها كيف شاء ويتمكن من الصلاة إلى القبلة والركوع والسجود فعليه استقبال القبلة في صلاته ويسجد على ما هو عليه إن أمكنه ذلك لأنه كراكب السفينة وإن قدر على الاستقبال دون الركوع والسجود استقبل القبلة وأومأ بهما نص عليه وقالأبو الحسن الآمدي يحتمل أن لا يلزمه شيء من ذلك كغيره لأن الرخصة العامة تعم ما وجدت فيه المشقة وغيره كالقصر والجمع وإن عجز عن ذلك يسقط بغير خلاف وإن كان يعجز عن استقبال القبلة في شيء من الصلاة وإن أمكنه افتتاحها إلى القبلة كراكب راحلة منفردة تطيعه فهل يلزمه افتتاحها إلى القبلة يخرج فيه روايتان إحداهما يلزمه لما روى أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة فكبر ثم صلى حيث كان وجهة ركابه رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود ولأنه أمكنه استقبال القبلة في ابتداء الصلاة فلزمه ذلك كالصلاة كلها والثانية لا يلزمه لأنه جزء من أجزاء الصلاة أشبه سائر أجزائها ولأن ذلك لا يخلو من مشقة فسقط وخبر النبي صلى الله عليه وسلم يحمل على الفضيلة والندب فصل وقبلة هذا المصلي حيث كانت وجته فإن عدل عنها نظرت فإن كان عدوله إلى جهة الكعبة جاز لأنها الأصل وإنما جاز تركها للعذر فإذا عدل إليها أتى بالأصل كما لو ركع فسجد في مكان الإيماء وإن عدل إلى غيرهما عمدا فسدت صلاته لأنه ترك الاستقبال عمدا ولا فرق بين جميع التطوعات في هذا فيستوي فيه النوافل المطلقة والسنن الرواتب والمعينة والوتر وسجود التلاوة وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يوتر على بعيره و كان يسبح على بعيره إلا الفرائض متفق عليهما
فصل فأما المشي في السفر فظاهر كلام الخرقي أنه لا تباح له الصلاة في حال مشيه لقوله ولا يصلى في غير هاتين الحالتين فرضا ولا نافلة إلا متوجها إلى الكعبة وهو إحدى الروايتين عن أحمد فإنه قال ما أعلم أحدا قال في الماشي يصلي إلا عطاء ولا يعجبني أن يصلي الماشي وهذا مذهب أبي حنيفة والرواية الثانية له أن يصلي ماشيا نقلها مثنى بن جامع وذكرها القاضي وغيره وعليه أن يستقبل القبلة لافتتاح الصلاة ثم ينحرف إلى جهة سيره ويقرأ وهو ماش ويركع ثم يسجد على الأرض وهذا مذهب عطاء والشافعي وقال الآمدي يومىء بالركوع والسجود كالراكب لأنها حالة أبيح فيها ترك الاستقبال فلم يجب عليه الركوع والسجود كالراكب وعلى قول القاضي الركوع والسجود ممكن من غير انقطاعه عن جهة سيره فلزمه كالوقف واحتجوا بأن الصلاة أبيحت للراكب لئلا ينقطع عن القافلة في السفر وهذا المعنى موجود في الماشي ولأنه إحدى حالتي سير المسافر فأبيحت الصلاة فيها كالأخرى ولنا إنه لم ينقل ولا هو في معنى المنقول لأنه يحتاج إلى عمل كثير ومشي متتابع يقطع الصلاة ويقتضي بطلانها وهذا غير موجود في الراكب فلم يصح إلحاقه به ولأن قوله تعالى وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره البقرة 144 عام ترك في موضع الإجماع بشروط موجودة ها هنا فيبقى وجوب الاستقبال فيما عداه على مقتضى العموم فصل وإذا دخل المصلي بلدا ناويا للإقامة فيه لم يصل بعد دخوله إلا صلاة المقيم وإن دخله مجتازا به غير ناو للإقامة فيه ولا نازل به أو نازلا به ثم يرتحل من غير نية إقامة مدة يلزمه بها إتمام الصلاة استدام الصلاة ما دام سائرا فإذا نزل فيه صلى إلى القبلة وبنى على ما مضى من صلاته كقولنا في الخائف إذا أمن في أثناء صلاته ولو ابتدأها وهو نازل إلى القبلة ثم أراد الركوب أتم صلاته ثم ركب وقيل يركب في الصلاة ويتمها إلى جهة سيره كالآمن إذا خاف في أثناء صلاته والفرق بينهما أن حالة الخوف حالة ضرورة أبيح فيها ما يحتاج إليه من العمل وهذه رخصة ورد الشرع بها من غير ضرورة إليها فلا يباح فيها غير ما نقل فيها ولم يرد بإباحة الركوب اللذي يحتاج فيه إلى عمل وتوجه إلى غير جهة القبلة ولا جهة سيره فيبقى على الأصل والله أعلم مسألة قال ( ولا يصلى في غير هاتين الحالتين فرضا ولا نافلة إلا متوجها إلى الكعبة فإن كان يعانيها فبالصواب وإن كان غائبا عنها فبالاجتهاد بالصواب إلى جهتها ) قد ذكرنا أن استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة ولا فرق بين الفريضة والنافلة لأنه شرط للصلاة فاستوى فيه الفرض والنفل كالطهارة والستارة ولأن قوله تعالى وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره البقرة 144 عام فيهما جميعا ثم إن كان معاينا للكعبة ففرضه الصلاة إلى عينها لا نعلم فيها خلافا قال ابن عقيل إن خرج بعضه عن مسامتة الكعبة لم تصح صلاته وقال بعض أصحابنا الناس في استقبالها على أربعة أضرب منهم من يلزمه اليقين وهو من كان معاينا للكعبة أو كان بمكة من أهلها أو ناشئا بها من وراء حائل محدث كالحيطان ففرضه التوجه إلى عين الكعبة يقينا وهكذا إن كان بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم لأنه متيقن صحة قبلته فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقر على الخطأ وقد روى أسامة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين قبل القبلة وقال هذه القبلة الثاني من فرضه الخبر وهو من كان بمكة غائبا عن الكعبة من غير أهلها ووجد مخبرا يخبره عن يقين أو مشاهدة مثل أن يكون من وراء حائل وعلى الحائل من يخبره أو كان غريبا نزل بمكة فأخبره أهل الدار وكذلك لو كان في مصر أو قرية ففرضه التوجه إلى محاربيهم وقبلتهم المنصوبة لأن هذه القبل ينصبها أهل الخبرة والمعرفة فجرى ذلك مجرى الخبر فأغنى عن الاجتهاد وإن أخبره مخبر من أهل المعرفة بالقبلة
إما من أهل البلد أو من غيره صار إلى خبره وليس له الاجتهاد كما يقبل الحاكم النص من الثقة ولا يجتهد الثالث من فرضه الاجتهاد وهو من عدم هاتين الحالتين وهو عالم بالأدلة الرابع من فرضه التقليد وهو الأعمى ومن لا اجتهاد له وعدم الحالتين ففرضه تقليد المجتهدين والواجب على هذين وسائر من بعد من مكة طلب جهة الكعبة دون إصابة العين قال أحمد ما بين المشرق والمغرب قبلة فإن انحرف عن القبلة قليلا لم يعد ولكن يتحرى الوسط وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي في أحد قوليه كقولنا والآخر الفرض إصابة العين لقول لله تعالى وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره البقرة 144 ولأنه يجب عليه التوجه إلى الكعبة فلزمه التوجه إلى عينها كالمعاين ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم ما بين المشرق والمغرب قبلة رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وظاهره أن جميع ما بينهما قبلة ولأنه لو كان الفرض إصابة العين لما صحت صلاة أهل الصف الطويل على خط مستو ولا صلاة اثنين متباعدين يستقبلان قبلة واحدة فإنه لا يجوز أن يتوجه إلى الكعبة مع طول الصف إلا بقدرها فإن قيل مع العبد يتسع المحاذي قلنا إنما يتسع مع تقوس الصف أما مع استوائه فلا وشطر البيت نحوه وقبله فصل فأما محاريب الكفار فلا يجوز أن يستدل بها لأن قولهم لا يستدل به فمحاربيهم أولى إلا أن يعلم قبلتهم كالنصارى يعلم أن قبلتهم المشرق فإذا رأى محاربيهم في كنائسهم علم أنها مستقبلة المشرق وإن وجد محرابا لا يعلم هل هو للمسلمين أو لغيرهم اجتهد ولم يلتفت إليه لأن الاستدلال إنما يجوز بمحاريب المسلمين ولا يعلم وجود ذلك ولو رأى على المحراب آثار الإسلام لم يصل إليه لاحتمال أن يكون الباني له مشركا مستهزئا يغربه المسلمين إلا أن يكون ذلك مما لا يتطرق إليه الاحتمال ويحصل له العلم أنه من محاريب المسلمين فيستقبله فصل ولو صلى على جبل عال يخرج عن مسامتة الكعبة صحت صلاته وكذلك لو صلى في مكان ينزل عن مسامتها لأن الواجب استقبالها وما يسامتها من فوقها وتحتها بدليل ما لو زالت الكعبة والعياذ بالله صحت الصلاة إلى موضع جدارها فصل والمجتهد في القبلة هو العالم بأدلتها وإن كان جاهلا بأحكام الشرع فإن كل منم علم أدلة شيء كان من المجتهدين في وإن جعل غيره ولأنه يتمكن من استقبالها بدليله فكان مجتهدا فيها كالفقيه ولو جهل الفقيه أدلتها أو كان أعمى فهو مقلد وإن علم غيرها وأوثق أدلتها النجوم قال الله تعالى وبالنجم هم يهتدون النحل 16 وقال تعالى وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر الأنعام 97 وآكدها القطب الشمالي وهو نجم خفي حوله أنجم دائرة كفراشة الرحى في أحد طرفيها الفرقدان وفي الآخر الجدي وبين ذلك أنجم صغار منقوشة كنقوش الفراشة ثلاثة من فوق وثلاثة من أسفل تدور هذه الفراشة حول القطب ودوران فراشة الرحى حول سفودها في كل يوم وليلة دورة في الليل نصفها وفي النهار نصفها فيكون الجدي عند طلوع الشمس في مكان الفرقدين عند غروبها ويمكن الاستدلال بها على الساعات الليل وأوقاته والأزمنة لمن عرفها وعلم كيفية دورانها وحولها بنات نعش مما يلي الفرقدين تدور حولها والقطب لا يبرح مكانه في جميع الأزمان ولا يتغير كما لا يتغير سفود الرحى بدورانها وقيل إنه يتغير تغيرا يسيرا لا يتبين ولا يؤثر وهو مجم خفي يراه حديد النظر إذا لم يكن القمر طالعا فإذا قوي نور القمر خفي فإذا استدبرته في الأرض الشامية كنت مستقبلا الكعبة وقيل إنه ينحرف في دمشق وما قاربها إلى أن المشرق قليلا وكلما قرب إلى المغرب كان انحرافه أكثر وإن كان بحران وما يقاربها اعتدل وجعل القطب خلف ظهره معتدلا من غير انحراف
وقيل أعدل القبل قبلة حران وإن كان بالعراق جعل القطب حذو ظهر أذنه اليمنى على علوها فيكون مستقبلا باب الكعبة إلى المقام ومتى استدبرته الفرقدين أو الجدي في حال علو أحدهما ونزول الآخر على الاعتدال كان ذلك كاستدبار القطب وإن استدبره في غير هذه الحال كان مستقبلا للجهة فإذا استدبر الشرقي منها كان منحرفا إلى الغرب قليلا وإذا استدبر الغربي كان منحرفا إلى الشرق وإن استدبر بنات نعش كان مستقبلا للجهة أيضا إلا أن انحرافه أكثر فصل ومنازل الشمس والقمر وهي ثمانية وعشرون منزلا وهي السرطان والبطين والثريا والدبران والهقعة والهنعة والذراع والنثرة والطرف والجبهة والزبرة والصرفة والعواء والسماك والغفر والزبانا والاكليل والقلب والشولة والنعايم والبلدة وسعد الذابح وسعد بلع وسعد السعود وسعد الأخبية والفرع المقدم والفرع المؤخر وبطن الحوت منها أربعة عشر شامية تطلع من وسط المشرق أو مائلة عنه إلى الشمال قليلا أولها السرطان وآخرها السماك ومنها أربعة عشر يمانية تطلع من المشرق أو ما يليه إلى التيامن أولها الغفر وآخرها بطن الحوت ولكل نجم من الشامية رقيب من اليمانية إذا طلع أحدهما غاب رقيبه وينزل القمر كل ليلة بمنزلة منها قريبا منه ثم ينتقل في الليلة الثانية إلى المنزل الذي يليه قال الله تعالى والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم يس 39 والشمس تنزل بكل منزل منها ثلاثة عشر يوما فيكون عودها إلى المنزل الذي نزلت به عند تمام حول كامل من أحوال السنة الشمسية وهذه المنازل يكون منها فيما بين غروب الشمس وطلوعها أربعة عشر منزلا ومن طلوعها إلى غروبها مثل ذلك ووقت الفجر منها منزلان ووقت المغرب منزل وهو نصف سدس سواد الليل وسواد الليل اثنا عشر منزلا وكلها تطلع من المشرق وتغرب في المغرب إلا أن أوائل الشامية وأواخر اليمانية تطلع من وسط المشرق بحيث إذا طلع جعل الطالع منها محاذيا لكتفه الأيسر كان مستقبلا للكعبة وكذلك آخر الشامية وأول اليمانية يكون مقاربا لذلك والمتوسط من الشامية وهو الذراع وما يليه من جانبيه يميل مطلعه إلى ناحية الشمال والمتوسط من اليمانية نحو العقرب والنعايم والبلدة والسعود تميل مطالعها إلى اليمين فاليماني منها يجعله من أمام كتفه اليسرى والشامي يجعله خلف كتفه الأيمن قريبا منها والغارب منها يجعله عند كتفه الأيمن كذلك وإن عرف المتوسط منها بأن يرى بينه وبين أفق السماء سبعة من ها هنا وسبعة من ها هنا استقبله ولكل نجم من هذه المنازل نجوم تقاربه وتسير بسيره من عن يمينه وشماله يكثر عددها حكمها حكمه ويستدل بها عليه وعلى ما تدل عليه كالنسرين والشعريين والنظم المقارن للهقعة والسماك الرامح والفكة وغيرها وكلها تطلع من المشرق وتغرب في المغرب وسهيل نجم كبير مضيء يطلع من نحو مهب الجنوب ثم يسير حتى يصير في قبلة المصلي ثم يتجاوزها ثم يغرب قريبا من مهب الدبور والناقة أنجم على صورة الناقة تطلع في المجرة من مهب الصبا ثم تغيب في مهب الشمال فصل والشمس تطلع من المشرق وتغرب من المغرب وتختلف مطالعها ومغاربها على حسب اختلاف منازلها وتكون في الشتاء في حال توسطها في قبلة المصلي وفي الصيف محاذية لقبلته فصل والقمر يبدو أول ليلة من الشهر هلالا في المغرب عن يمين المصلي ثم يتأخر كل ليلة نحو المشرق منزلا حتى يكون ليلة السابع وقت المغرب في قبلة المصلي أو مائلا عنها قليلا ثم يطلع ليلة الرابع عشر من المشرق قبل غروب الشمس بدرا تاما وليلة إحدى وعشرين يكون في قبلة المصلي أو قريبا منها وقت الفجر وليلة ثمان وعشرين يبدو عند الفجر كالهلال من المشرق وتختلف مطالعه باختلاف منازله
فصل والرياح كثيرة يستدل منها بأربع تهب من زوايا السماء الجنوب تهب من الزاوية التي بين القبلة والمشرق مستقبلة بطن كتف المصلي الأيسر مما يلي وجهه إلى يمينه والشمال مقابلتها تهب من الزاوية التي بين المغرب والشمال مارة إلى مهب الجنوب والدبور تهب من الزاوية التي بين المغرب واليمن مستقبلة شطر وجه المصلي الأيمن مارة إلى الزاوية المقابلة لها والصبا مقابلتها تهب من ظهر المصلي وربما هبت الرياح بين الحيطان والجبال فتدور فلا اعتبار بها وبين كل ريحين ريح تسمى النكباء لتنكبها طريق الرياح المعروفة وتعرف الرياح بصفاتها وخصائصها فهذا أصح ما يستدل به على القبلة وذكر أصحابنا الاستدلال بالمياه وقالوا الأنهار الكبار تجري عن يمنة المصلي إلى يسرته على انحراف قليل وذلك مثل دجلة والفرات والنهروان ولا اعتبار بالأنهار المحدثة لأنها تحدث بحسب الحاجات إلى الجهات المختلفة ولا بالسواقي والأنهار الصغار لأنها لا ضابط لها ولا بنهرين يجريان من يسرة المصلي إلى يمينه أحدهما العاصي بالشام والثاني سيحون بالمشرق وهذا الذي ذكروه لا ينضبط بضابط فإن كثيرا من أهار الشام تجري على غير السمت الذي ذكروه فالأردن يجري نحو القبلة وكثير منها يجري نحو البحر حيث كان منها حتى يصب فيه وإن اختصت الدلالة بما ذكروه فليس شيء منها في الشام سوى العاصي والفرات حد الشام من ناحية المشرق فمن علم هذه الأدلة فهو مجتهد وقد يستدل أهل كل بلدة بأدلة تختص ببلدتهم من جبالها وأنهارها وغير ذلك مثل من يعلم أن جبلا بعينه يكون في قبلتهم أو على أيمانهم وغير ذلك من الجهات وكذلك إن علم مجرى نهر بعينه فمن كان من أهل الاجتهاد إذا خفيت عليه القبلة في السفر ولم يجد مخبرا ففرضه الصلاة إلى جهة يؤديه اجتهاده إليها فإن خفيت عليه الأدلة لغيم أو ظلمة تحرى فصلى والصلاة صحيحة لما نذكره من الأحاديث ولأنه بذل وسعه في معرفة الحق مع علمه بأدلته فأشبه الحاكم والعالم إذا خفيت عليه النصوص فصل إذا صلى بالاجتهاد إلى جهة ثم أراد صلاة أخرى لزمه إعادة الاجتهاد كالحاكم إذا اجتهد في حادثة ثم حدث مثلها لزمه إعادة الاجتهاد وهذا مذهب الشافعي فإن تغير اجتهاده عمل بالثاني ولم يعد ما صلى بالأول كما لو تغير اجتهاد الحاكم عمل بالثاني في الحادثة الثانية ولم ينقض حكمه الأول وهذا لا نعلم فيه خلافا فإن تغير اجتهاده في الصلاة استدار إلى الجهة الثانية وبنى على ما مضى من صلاته نص عليه أحمد في رواية الجماعة وقال ابن أبي موسى والآمدي لا ينتقل ويمضي على اجتهاده الأول لئلا ينقض الاجتهاد بالاجتهاد ولنا إنه مجتهد أداه اجتهاده إلى جهة فلم يجز له الصلاة إلى غيرها كما لو أراد صلاة أخرى ولأنه أداه اجتهاده إلى غير هذه الجهة فلم يجز له الصلاة إليها كسائر محال الوفاق وليس هذا نقصا للاجتهاد وإنما يعمل به في المستقبل كما في الصلاة الأخرى وإنما يكون نقضا للاجتهاد أن لو ألزمناه إعادة ما مضى من صلاته ولم نعتد له به فإن لم يبق اجتهاده وظنه إلى الجهة الأولى ولم يؤده اجتهاده إلى الجهة الأخرى فإنه يبني على ما مضى ممن صلاته لأنه لم يظهر له جهة أخرى يتوجه إليها فإن بان له يقين الخطأ في الصلاة بمشاهدة أو خبر عن يقين استدار إلى جهة الصواب وبنى وكأهل قباء لما أخبروا بتحويل القبلة استداروا إليها وبنوا وإن شك في اجتهاده لم يزل عن جهته لأن الاجتهاد ظاهر فلا يزول عنه بالشك وإن بان له الخطأ ولم يعرف جهة القبلة كرجل كان يصلي إلى جهة فرأى بعض منازل القمر في قبلته ولم يدر أهو في المشرق أو المغرب واحتاج إلى الاجتهاد بطلت صلاته لأنه لا يمكنه استدامتها إلى غير القبلة وليست له جهة يتوجه إليها فبطلت لتعذر إتمامها مسألة قال ( وإذا اختلف اجتهاد رجلين لم يتبع أحدهما صاحبه ) وجملته أن المجتهدين إذا اختلفا
ففرض كل واد منهما الصلاة إلى الجهة التي يؤديه اجتهاده إليها أنها القبلة لا يسعه تركها ولا تقليد صاحبه سواء كان أعلم منه أو لم يكن كالعالمين يختلفان في الحادثة ولو أن أحدهما اجتهد فأراد الآخر تقليده من غير اجتهاد لم يجز له ذلك ولا يسعه الصلاة حتى يجتهد سواء اتسع الوقت أو كان ضيقا يخشى خروج وقت الصلاة كالحاكم لا يسوغ له الحكم في حادثة بتقليد غيره وقال القاضي ظاهر كلام أحمد في المجتهد الذي يضيق الوقت عن اجتهاده أن له تقليد غيره وأشار إلى قولأحمد فيمن هو في مدينة فتحرى فصلى لغير القبلة في بيت بعيد لأن عليه أن يسأل قال فقد جعل فرض المحبوس السؤال وهذا غير صحيح وكلام أحمد إنما دل على أنه ليس لمن في المصر الاجتهاد لأنه يمكنه التوصل إلى القبلة بطريق الخبر والاستدلال بالمحاريب بخلاف المسافر وليس فيه دليل على أنه يجوز له تقليد المجتهدين في محل الاجتهاد عند ضيق الوقت ألا ترى أن أبا عبد الله لم يفرق بين ضيق الوقت وسعته مع اتفاقنا على أنه لا يجوز له التقليد مع سعة الوقت ولأن الاجتهاد في حقه شرط لصحة الصلاة فلم يسقط بضيق الوقت مع إمكانه كسائر الشروط فصل وإذا اختلف اجتهاد رجلين فصلى كل واحد منهما إلى جهة فليس لأحدهما الائتمام بصاحبه وهذا مذهب الشافعي لأن كل واحد يعتقد خطأ صاحبه فلم يجز أن يأتم به كما لو خرجت من أحدهما ريح واعتقد كل واحد منهما أنها من صاحبه فإن لكل واحد منهما أن يصلي وليس له أن يأتم بصاحبه وقياس المذهب جواز ذلك وهو مذهب أبي ثور لأن كل واحد منهما يعتقد صحة صلاة الآخر فإن فرضه التوجه إلى ما توجه إليه فلم يمنع اقتداءه به اختلاف جهته كالمصلين حول الكعبة مستديرين حولها وكالمصلين حال شدة الخوف وقد نص أحمد على صحة الصلاة خلف المصلي في جلود الثعالب إذا كان يتأول قوله صلى الله عليه وسلم أيما إهاب دبغ فقد طهر مع كون أحمد لا يرى طهرتها وفارق ما إذا اعتقد كل واحد منهما حدث صاحبه لأنه يعتقد بطلان صلاته بحيث لو بان يقينا حدث نفسه لزمته إعادة الصلاة وها هنا صلاته صحيحة ظاهرا وباطنا بحيث لو بان له يقين الخطأ لم يلزمه الإعادة فافترقا فأما إن كان أحدهما يميل يمينا ويميل الآخر شمالا مع اتفاقهما في الجهة فلا يختلف المذهب في أن لأحدهما الائتمام بصاحبه لأن الواجب استقبال الجهة وقد اتفقا فيها مسألة قال ( ويتبع الأعمى أوثقهما في نفسه ) يعني إذا اختلف مجتهدان في القبلة ومعهما أعمى قلد أوثقهما في نفسه وهو أعلمهما عنده وأصدقهما قولا وأشدهما تحريا لأن الصواب إليه أقرب وكذلك الحكم في البصير الذي لا يعلم الأدلة ولا يقدر على تعلمها قبل خروج الوقت فرضه أيضا التقليد ويقلد أوثقهما في نفسه فإن قلد المفضول فظاهر قول الخرقي أنه لا تصح صلاته لأنه ترك ما يغلب على ظنه أن الصواب فيه فلم يسغ له ذلك كالمجتهد إذا ترك جهة اجتهاده والأولى صحتها وهو مذهب الشافعي لأنه أخذ بدليل له الأخذ به لو انفرد فكذلك إذا كان معه غيره كما لو استويا ولا عبرة بظنه فإنه لو غلب على ظنه أن المفضول لم يمنع ذلك من تقليد الأفضل فأما إن استويا عنده فله تقليد من شاء منهما كالعامي مع العلماء في بقية الأحكام فصل والمقلد من لا يمكنه الصلاة باجتهاد نفسه إما لعدم بصره وإما لعدم بصيرته وهو العامي الذي لا يمكنه التعلم والصلاة باجتهاده قبل خروج وقت الصلاة فأما من يمكنه فإنه يلزمه التعلم فإن صلى قبل ذلك لم تصح صلاته لأنه در على الصلاة باجتهاده فلم يصح بالتقليد كالمجتهد ولا يلزم على هذا العامي حيث لا يلزمه تعلم الفقه لوجهين أحدهما أن الفقه ليس بشرط في صحة الصلاة والثاني أن مدته تطول فهو كالذي لا يقدر على تعلم الأدلة في مسألتنا
وإن أخر هذا التعلم والصلاة إلى حال يضيق وقتها عن التعلم والاجتهاد أو عن أحدهما صحت صلاته بالتقليد كالذي يقدر على تعلم الفاتحة فيضيق الوقت عن تعلمها فصل فإن كان المجتهد به رمد أو عارض يمنعه رؤية الأدلة فهو كالأعمى في جواز التقليد لأنه عاجز عن الاجتهاد وكذلك لو كان محبوسا في مكان لا يرى فيه الأدلة ولا يجد مخبرا إلا مجتهدا آخر في مكان يرى العلامات فيه فله تقليده لأنه كالأعمى فصل وإذا شرع في الصلاة بتقليد مجتهده فقال له قائل قد أخطأت القبلة وإنما القبلة هكذا وكان يخبر عن يقين مثل من يقول قد رأيت الشمس أو الكواكب وتيقنت أنك مخطىء فإنه يرجع إلى قوله ويستدير إلى الجهة التي أخبره أنها جهة الكعبة لأنه لو أخبر بذلك المجتهد الذي قلده الأعمى لزمه قبول خبره فالأعمى أولى وإن أخبره عن اجتهاده أو لم يبين له عن أي شيء أخبره ولم يكن في نفسه أوثق في الأول مضى على ما هو عليه لأنه شرع في الصلاة بدليل يقينا فلا يزول عنه بالشك وإن كان الثاني أوثق في نفسه من الأول وقلنا لا يتعين علي تقليد الأفضل فكذلك وإن قلنا عليه تقليده خاصة رجع إلى قوله كالبصير إذا تغير اجتهاده في أثناء صلاته فصل ولو شرع مجتهد في الصلاة باجتهاده فعمي فيها بنى على ما مضى من صلاته لأنه إنما يمكنه البناء على اجتهاده غيره فاجتهاده أولى فإن استدار عن تلك الجهة بطلت صلاته وإن أخبره مخبر بخطته عن يقين رجع إليه وإن أخبره عن اجتهاد لم يرجع إليه لما ذكرنا وإن شرع فيها وهو أعمى فأبصر في أثنائها فشاهد ما يستدل به على صواب نفسه مثل أن يرى الشمس في قبلته في صلاة الظهر ونحو ذلك مضى عليه لأن الاجتهادين قد اتفقا وإن بان له خطؤه استدار إلى الجهة التي أداه إليها وبنى على ما مضى من صلاته فإن لم يبين له صوابه ولا خطؤه بطلت صلاته واجتهد لأن فرضه الاجتهاد فلم يجز له أداء فرضه بالتقليد كما لو كان بصيرا في ابتدائها وإن كان مقلدا مضى في صلاته لأنه ليس في وسعه إلا الدليل الذي بدأ به فيها مسألة قال ( وإذا صلى بالاجتهاد إلى جهة ثم علم أنه قد أخطأ القبلة لم يكن عليه إعادة ) وجملته أن المجتهد إذا صلى بالاجتهاد إلى جهة ثم بان له أنه صلى إلى غير جهة الكعبة يقينا لم يلزمه الإعادة وكذلك المقلد الذي صلى بتقليده وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه وقال في الآخر يلزمه الإعادة لأنه بان له الخطأ في شرط من شروط الصلاة فلزمته الإعادة كما لو بان له أنه صلى قبل الوقت أو بغير طهارة أو ستارة ولنا ما روى عامر بن ربيعة عن أبيه قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة فصلى كل رجل حياله فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزل فأينما تولوا فثم وجه الله البقرة 115 رواه ابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن إلا أنه من حديث أشعث السمان وفيه ضعف وعن عطاء عن جابر قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير فأصابنا غيم فتحيرنا فاختلفنا في القبلة فصلى كل رجل منا على حدة وجعل أحدنا يخط بين يديه لنعلم أمكنتنا فذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يأمرنا بالإعادة وقال قد أجزأتكم صلاتكم رواه الدارقطني وقال رواه محمد بن سالم عن عطاء ويروى أيضا عن محمد بن عبد الله العمري عن عطاء وكلاهما ضعيف وقال العقيلي لا يروى متن هذا الحديث من وجه يثبت وروى مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي نحو بيت المقدس فنزلت قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام البقرة 144 فمر رجل ببني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر وقد صلوا ركعة
فنادى ألا إن القبلة قد حولت فمالوا كلهم نحو القبلة ومثل هذا لا يخفى على النبي صلى الله عليه وسلم ولا يترك إنكاره إلا وهو جائز وقد كان ما مضى من صلاتهم بعد تحويل القبلة إلى الكعبة وهو صحيح ولأنه أتى بما أمر فخرج عن العهد كالمصيب ولأنه صلى إلى غير الكعبة للعذر فلم تجب عليه الإعادة كالخائف يصلي إلى غيرها ولأنه شرط عجز عنه فأشبه سائر الشروط وأما المصلي قبل الوقت فإنه لم يؤمر بالصلاة وإنما أمر بعد دخول الوقت ولم يأت بما أمر بخلاف مسألتنا فإنه مأمور بالصلاة بغير شك ولم يؤمر إلا بهذه الصلاة وسائر الشروط إذا عجز عنها سقطت كذا ها هنا وأما إذا ظن وجودها فأخطأ فليست في محل الاجتهاد فنظيره إذا اجتهد في مسألتنا في الحضر فأخطأ فصل لا فرق بين أن تكون الأدلة ظاهرة مكشوفة واشتبهت عليه أو مستورة بغيم أو شيء يسترها عنه بدليل الأحاديث التي رويناها فإن الأدلة استترت عنهم بالغيم فلم يعيدوا ولأنه أتى بما أمر به في الحالين وعجز عن استقبال القبلة في الموضعين فاستويا في عدم الإعادة فصل وإن بان له يقين الخطأ وهو في الصلاة استدار إلى جهة الكعبة وبنى على ما مضى من الصلاة لأن ما مضى منها كان صحيحا فجاز البناء عليه كما لو لم يبن له الخطأ وإن كانوا جماعة قد أداهم اجتهادهم إلى جهة فقدموا أحدهم ثم بان لهم الخطأ في حال واحدة استداروا إلى الجهة التي بان لهم الصواب فيها كبني سلمة لما بان لهم تحول الكعبرة وإن بان للإمام وحده أو للمأمومين دونه أو لبعضهم استدار من بان له الصواب وحده وينوي بعضهم مفارقة بعض إلا على الوجه الذي قلنا إن لبعضهم أن يقتدي بمن خالفه في الاجتهاد وإن كان فيهم مقلد تبع من قلده وانحرف بانحرافه وإن قلد الجميع لم ينحرف إلا بانحراف الجميع لأنه شرع بدليل يقين فلا ينحرف بالشك إلا من يلزمه تقليد أوثقهم فإنه ينحرف بانحرافه مسألة قال ( وإذا صلى البصير في حضر وأخطأ أو الأعمى بلا دليل أعادا ) أما البصير إذا صلى إلى غير الكعبة في الحضر ثم بان له الخطأ فعليه الإعادة سواء إذا صلى بدليل أو غيره لأن الحضر ليس بمحل الاجتهاد لأن من فيه يقدر على المحاريب والقبل المنصوبة ويجد من يخبره عن يقين غالبا فلا يكون له الاجتهاد كالقادر على النص في سائر الأحكام فإن صلى من غير دليل فأخطأ لزمته الإعادة لتفريطه وإن أخبره مخبر فأخطأه فقد غره وتبين أن خبره ليس بدليل فإن كان محبوسا لا يجد من يخبره فقال أبو الحسن التميمي هو كالمسافر يتحرى في محبسه ويصلي من غير إعادة لأنه عاجز عن الاستدلال بالخبر والمحاريب فهو كالمسافر وأما الأعمى فإن كان في حضر فهو كالبصير لأنه يقدر على الاستدلال بالخبر والمحاريب فإن الأعمى إذا لمس المحراب وعلم أنه محراب وأنه متوجه إليه فهو كالبصير وكذلك إذا علم أن باب المسجد إلى الشمال أو غيرها من الجهات جاز له الاستدلال به ومتى أخطأ فعليه الإعادة وحكم المقلد حكم الأعمى في هذا وإن كان االأعمى أو المقلد مسافرا ولم يجد من يخبره ولا مجتهدا يقلده فظاهر كلام الخرقي أنه يعيد سواء أصاب أو أخطأ لأنه صلى من غير دليل فلزمته الإعادة وإن أصاب كان كالمجتهد إذا صلى من غير اجتهاد وقال أبو بكر يصلي على حسب حاله وفي الإعادة روايتان سواء أصاب أو أخطأ إحداهما يعيد لما ذكرنا والثانية لا إعادة عليه لأنه أتى بما أمر فأشبه المجتهد ولأنه عاجز عن غير ما أتى به فسقط عنه كسائر العاجزين عن الاستقبال ولأنه عادم للدليل فأشبه المجتهد في الغيم والحبس وقالابن حامد إن أخطأ أعاد وإن أصاب فعلى وجهين وحكم المقلد لعدم بصيرته كعادم بصره
فأما إن وجد من يقلده أو من يخبره فلم يستخبره ولم يقلد أو خالف المخبر والمجتهد فصلى فصلاته باطلة بكل حال وكذلك المجتهد إذا صلى من غير اجتهاد فأصاب أو أداه اجتهاده إلى جهة فصلى إلى غيرها فإن صلاته باطلة بكل حال سواء أخطأ أو أصاب لأنه لم يأت بما أمر به فأشبه من ترك التوجه إلى الكعبة مع علمه بها مسألة قال ( ولا يتبع دلالة مشرك بحال وذلك لأن الكافر لا يقبل خبره ولا روايته ولا شهادته لأنه ليس بموضع أمانة ) ولذلك قال عمر رضي الله عنه لا تأمنوهم بعد إذ خونهم الله تعالى ولا يقبل خبر الفاسق لقلة دينه وتطرق النهمة إليه ولأنه أيضا لا تقبل روايته ولا شهادته ولا يقبل خبر الصبي لذلك ولأنه لا يلحقه مأثم بكذبه فتحرزه من الكذب غير موثوق به وقال الصبي لذلك ولأنه لا يلحقه مأثم بكذبه فتحرزه من الكذب غير موثوق به وقال التميمي يقبل خبر الصبي المميز وإذا لم يعرف حال المخبر فإن شك في إسلامه وكفره لم يقبل خبره كما لو وجد محاريب لا يعلم هل هي للمسلمين أو أهل الذمة وإن لم يعلم عدالته وفسقه قبل خبره لأن حال المسلم يبنى على العدالة ما لم يظهر خلافها ويقبل خبر سائر الناس من المسلمين البالغين العقلاء سواء كانوا رجالا أو نساء ولأنه خبر من أخبار الدين فأشبه الرواية ويقبل من الواحد كذلك والله أعلم أدب المشي إلى الصلاة يستحب للرجل إذا أقبل إلى الصلاة أن يقبل بخوف ووجل وخشوع وخضوع وعليه السكينة والوقار وإن سمع الإقامة لم يسع إليها لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا سمعتم الإقامة فامشوا وعليكم السكينة والوقار فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا وعن أبي قتادة قال بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ سمع جلبة رجال فلما صلى قال ما شأنكم قالوا استعجلنا إلى الصلاة قال فلا تفعلوا إذا أتيتم الصلاة فعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا متفق عليهما وفي رواية فأقضوا قال الإمام أحمد ولا بأس إذا طمع أن يدرك التكبيرة الأولى أن يسرع شيئا ما لم يكن عجلة تقبح جاء الحديث عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يعجلون شيئا إذا خافوا فوات التكبيرة الأولى ويستحب أن يقارب بين خطوة لتكثر حسناته فإن كل خطوة يكتب له بها حسنة وقد روى عبد بن حميد في مسنده بإسناده عن زيد بن ثابت قال أقيمت الصلاة فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وأنا معه فقارب في الخطأ ثم قال أتدري لم فعلت هذا لتكثر خطانا في طلب الصلاة ويكره أن يشبك بين أصابعه لما روي عن كعب بن عجرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج عامدا إلى المسجد فلا يشبكن يديه فإنه في صلاة رواه أبو داود فصل ويستحب أن يقول ما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى االصلاة وهو يقول اللهم اجعل في قلبي نورا وفي لساني نورا واجعل في سمعي نورا واجعل في بصري نورا واجعل من خلفي نورا ومن أمامي نورا واجعل من فوقي نورا ومن تحتي نورا وأعطني نورا أخرجه مسلم وروى الإمام أحمد في المسند وابن ماجة في السنن بإسنادهما عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من خرج من بيته إلى الصلاة فقال اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وأسألك بحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة وخرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك فأسألك أن تنقذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت أقبل الله عليه بوجهه واستغفر له سبعون ألف ملك ويقول بسم الله الذي خلقني فهو يهدين إلى قوله إلا من أتى الله بقلب سليم
فصل فإذا دخل المسجد قدم رجله اليمنى وقال ما رواه مسلم عن أبي حميد أو أبي أسيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل أحدكم المسجد فليقل اللهم افتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج فليقل اللهم إني أسألك من فضلك وعن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم وقال رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج صلى على محمد وقال رب اغفر لي وافتح لي أبواب فضلك رواه الترمذي ولا يجلس أحدكم حتى يركع ركعتين لما روى أبو قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين متفق عليه ثم يجلس مستقبل القبلة ويشتغل بذكر الله تعالى أو قراءة القرآن أو يسكت ولا يخوض في حديث الدنيا ولا يشبك أصابعه لما روى أبو سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا كان أحدكم في المسجد فلا يشبكن فإن التشبيك من الشيطان وإن أحدكم لا يزال في صلاة ما كان في المسجد حتى يخرج منه رواه أحمد في المسند فصل وإذا أقيمت الصلاة لم يشتغل عنها بنافلة سواء خشي فوات الركعة الأولى أو لم يخش وبهذا قال أبو هريرة وابن عمر وعروة وابن سيرين وسعيد بن جبير والشافعي وإسحاق وأبو ثور وروي عن ابن مسعود أنه دخل والإمام في صلاة الصبح فركع ركعتي الفجر وهذا مذهب الحسن ومكحول ومجاهد وحماد بن أبي سليمان وقال مالك إن لم يخف فوات الركعة ركعهما خارج المسجد وقال الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وأبو حنيفة يركعهما إلا أن يخاف فوات الركعة الأخيرة ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة رواه مسلم ولأن ما يفوته مع الإمام أفضل مما يأتي به فلم يشتغل به كما لو خاف فوات الركعة قال ابن عبد البر في هذه المسألة الحجة عند التنازع السنة فمن أدلى بها فقد فلج ومن استعملها فقد نجا قال وقد روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج حين أقيمت الصلاة فرأى ناسا يصلون فقال أصلاتان معا وروى نحو ذلك أنس وعبد الله بن سرجس وابن بحينة وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواهن كلهن ابن عبد البر في كتاب التمهيد قال وكل هذا إنكار منه لهذا الفعل فأما إن أقيمت الصلاة وهو في النافلة ولم يخش فوات الجماعة أتمها ولم يقطعها لقول الله تعالى ولا تبطلوا أعمالكم محمد 22 وإن خشي فوات الجماعة فعلى روايتين إحداهما يتمها لذلك والثانية يقطعها لأن ما يدركه من الجماعة أعظم أجرا وأكثر ثوابا مما يفوته بقطع النافلة لأن صلاة الجماعة تزيد على صلاة الرجل وحده سبعا وعشرين درجة فصل قيل لأحمد قيل التكبير يقول شيئا قال لا يعني ليس قبلة دعاء مسنون إذ لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه ولأن الدعاء يكون بعد العبادة لقول الله تعالى فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب الشرح 7 باب صفة الصلاة روى محمد بن عمرو بن عطاء قال سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو قتادة فقال أبو حميد أنا أعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا فأعرض قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثم يكبر حتى يقر كل عظم في موضعه معتدلا ثم يقرأ ثم يكبر فيرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه ثم يعتدل فلا يصوب رأسه ولا يقنعه ثم يرفع رأسه ويقول سمع الله لمن حمده ثم يرفع يديه حتى يحاذي منكبيه معتدلا ثم يقول الله أكبر
ثم يهوي إلى الأرض فيجافي يديه عن جنبيه ثم يرفع ررأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها ويفتح أصابع رجليه إذا سجد ويسجد ثم يقول الله أكبر ويرفع ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها حتى يرجع كل عظم إلى موضعه ثم يصنع في الأخرى مثل ذلك ثم إذا قام من الركعة كبر فرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما كبر عند افتتاح الصلاة ثم يفعل ذلك في بقية صلاته حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخر رجله اليسرى وقعد متوركا على شقه الأيسر قالوا صدقت هكذا كان يصلي صلى الله عليه وسلم رواه مالك في الموطأ وبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح وفي لفظ رواه البخاري قال فإذا ركع أمكن يديه من ركعتيه ثم هصر ظهره فإذا رفع رأسه استوى قائما حتى يعود كل فقار مكانه وإذا سجد سجد غير مفترش ولا قابضهما واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة فإذا جلس في الركعتين جلس على اليسرى ونصب الأخرى فإذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخر رجله اليسرى وجلس متوركا على شقه الأيسر وقعد على مقعده فصل ويستحب أن يقوم إلى الصلاة عند قول المؤذن قد قامت الصلاة وبهذا قال مالك قال ابن المنذر على هذا أهل الحرمين وقالالشافعي يقوم إذا فرغ المؤذن من الإقامة وكان عمر بن عبد العزيز ومحمد بن كعب وسالم وأبو قلابة والزهري وعطاء يقومون في أول بدوة من الإقامة وقال أبو حنيفة يقوم إذا قال حي على الصلاة فإذا قال قد قامت الصلاة كبر وكان أصحاب عبد الله يكبرون إذا قال المؤذن قد قامت الصلاة وبه قال سويد بن غفلة والنخعي واحتجوا بقول بلال لا تسبقني بآمين فدل على أنه يكبر قبل فراغه ولا يستحب عندنا أن يكبر إلا بعد فراغه من الإقامة وهو قول الحسن ويحيى بن وثاب وإسحاق وأبو يوسف والشافعي وعليه جل الأئمة في الأمصار وإنما قلنا إنه يقوم عند قوله قد قامت الصلاة لأن هذا خبر بمعى الأمر ومقصوده الإعلام ليقوموا فيستحب المبادرة إلى القيام امتثالا للأمر وتحصيلا للمقصود ولا يكبر حتى يفرغ المؤذن لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يكبر بعد فراغه دل على ذلك ما روي عنه أنه كان يعدل الصفوف بعد إقامة الصلاة ويقول في الإقامة مثل قول المؤذن فروى أنس قال أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه فقال أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري رواه البخاري وعنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة قال هكذا وهكذا عن يمينه وشماله استووا وتعادلوا وفيما رواه أبو داود عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بلالا أخذ في الإقامة فلما أن قال قد قامت الصلاة قال النبي صلى الله عليه وسلم أقامها الله وأدامها وقال في سائر الإقامة كنحو حديث عمر في الأذان فأما حديثهم فإن بلالا كان يقيم في موضع أذانه وإلا فليس بين لفظ الإقامة والفراغ منها ما يفوت بلالا آمين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ثبت هذا فإنما يقوم المأمومون إذا كان الإمام في المسجد أو قريبا منه وإن لم يكن في مقامه قال أحمد في رواية الأثرم اذهب إلى حديث أبي هريرة خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أقمنا الصفوف إسناد جيد الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة وقال في رواية أبو داود سمعت أحمد يقول ينبغي أن تقام الصفوف قبل أن يدخل الإمام فلا يحتاج أن يقف وعن أبي هريرة قال كانت الصلاة تقام لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيأخذ الناس مصافهم قبل أن يقوم النبي صلى الله عليه وسلم مقامه رواه مسلم فإن أقيمت والإمام في غير المسجد ولم يعلموا قربه لم يقوموا لما روى أبو قتادة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني متفق عليه وللبخاري قد خرجت وخرج علي رضي الله عنه والناس ينتظرونه قياما للصلاة فقال مالي أراكم صامدين