Nevevî — el-Minhâc (Müslim şerhi)
1 ( باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر ( وصوم يوم عرفة وعاشوراء والاثنين والخميس ))
1161 فيه حديث عائشة ( أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر ولم يكن يبالى من أى أيام الشهر يصوم ) وحديث عمران بن حصين ( أن النبى صلى الله عليه وسلم قال له أو قال لرجل وهو يسمع يا فلان أصمت من سرة هذا الشهر قال لا قال فاذا أفطرت فصم يومين ) هكذا هو في جميع النسخ من سرة هذا الشهر بالهاء بعد الراء وذكر مسلم بعده حديث أبى قتادة ثم حديث عمران ايضا في سرر شعبان وهذا تصريح من مسلم بأن رواية عمران الاولى بالهاء والثانية بالراء ولهذا فرق بينهما وأدخل الاولى مع حديث عائشة كالتفسير له فكأنه يقول يستحب أن تكون الايام الثلاثة من سرة الشهر وهى وسطه وهذا متفق على استحبابه وهو استحباب كون الثلاثة هي أيام البيض وهى الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر وقد جاء فيها حديث في كتاب الترمذى وغيره وقيل هي الثانى عشر والثالث عشر والرابع عشر قال العلماء ولعل النبى صلى الله عليه وسلم لم يواظب على ثلاثة معينة لئلا يظن تعينها ونبه بسرة الشهر وبحديث الترمذى في أيام البيض على فضيلتها 1162 قوله ( عن عبد الله بن معبد الزمانى ) هو بزاى مكسورة ثم ميم مشددة قوله ( عن عبد الله بن معبد الزمانى عن ابى قتادة رجل أتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال كيف تصوم ) هكذا هو في معظم النسخ عن أبى قتادة رجل أتى وعلى هذا يقرأ رجل بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أى الشان والأمر رجل أتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال وقد أصلح في بعض النسخ أن رجلا أتى وكان موجب هذا الاصلاح جهالة انتظام الأول وهو منتظم كما ذكرته فلا يجوز تغييره والله أعلم قوله ( رجل أتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال كيف تصوم فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ( قال العلماء سبب غضبه صلى الله عليه وسلم أنه كره مسألته لأنه يحتاج إلى أن يجيبه ويخشى من جوابه مفسدة وهى أنه ربما اعتقد السائل وجوبه أو استقله أو اقتصر عليه وكان يقتضى حاله أكثر منه وانما اقتصر عليه النبى صلى الله عليه وسلم لشغله بمصالح المسلمين وحقوقهم وحقوق أزواجه وأضيافه والوافدين إليه لئلا يقتدى به كل أحد فيؤدى إلى الضرر في حق بعضهم وكان حق السائل أن يقول كم أصوم أو كيف أصوم فيخص السؤال بنفسه ليجيبه بما تقتضيه حاله كما أجاب غيره بمقتضى أحوالهم والله أعلم قوله ( كيف من يصوم يوما ويفطر يومين قال وددت انى طوقت ذاك ) قال القاضي قيل معناه وددت أن أمتى تطوقه لأنه صلى الله عليه وسلم كان يطيقه وأكثر منه وكان يواصل ويقول انى لست كاحدكم انى أبيت عند ربى يطعمنى ويسقينى قلت ويؤيد هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم في الرواية الثانية ليت ان الله قوانا لذلك أو يقال انما قاله لحقوق نسائه وغيرهن من المسلمين المتعلقين به والقاصدين إليه قوله صلى الله عليه وسلم ( صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة ) التى قبله والسنة التى بعده ) معناه يكفر ذنوب صائمه في السنتين قالوا والمراد بها الصغائر وسبق بيان مثل هذا في تكفير الخطايا بالوضوء وذكرنا هناك أنه ان لم تكن صغائر يرجى التخفيف من الكبائر فان لم يكن رفعت درجات قوله صلى الله عليه وسلم في صيام الدهر ( لا صام ولا أفطر ) قد سبق بيانه قوله في هذا الحديث من رواية شعبة ( قال وسئل عن صوم يوم الاثنين والخميس فسكتنا عن ذكر الخميس لما نراه وهما ) ضبطوا نراه بفتح النون وضمها وهما صحيحان قال القاضي عياض رحمه الله انما تركه وسكت عنه لقوله فيه ولدت وفيه بعثت أو أنزل على وهذا انما هو في يوم الاثنين كما جاء في الروايات الباقيات يوم الاثنين دون ذكر الخميس فلما كان في رواية شعبة ذكر الخميس تركه مسلم لأنه رآه وهما قال القاضي ويحتمل صحة رواية شعبة ويرجع الوصف بالولادة والانزال إلى الاثنين دون الخميس وهذا الذى قاله القاضي متعين والله أعلم قال القاضي واختلفوا في تعيين هذه الأيام الثلاثة المستحبة من كل شهر ففسره جماعة من الصحابة والتابعين بأيام البيض وهى الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر منهم عمر بن الخطاب وبن مسعود وأبو ذر وبه قال أصحاب الشافعى واختار النخعى وآخرون آخر الشهر واختار آخرون ثلاثة من أوله منهم الحسن واختارت عائشة وآخرون صيام السبت والأحد والاثنين من شهر ثم الثلاثاء والأربعاء والخميس من الشهر الذى بعده واختار آخرون الاثنين والخميس وفي حديث رفعه بن عمر أول اثنين في الشهر وخميسان بعده وعن أم سلمة أول خميس والاثنين بعده ثم الاثنين وقيل أول يوم من الشهر والعاشر والعشرين وقيل انه صيام مالك بن أنس وروى عنه كراهة صوم أيام البيض وقال بن شعبان المالكى أول يوم من الشهر والحادى عشر والحادى وعشرون والله أعلم
1 ( باب صوم شهر شعبان) 1161 فيه ( عمران بن الحصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له أو لآخر أصمت من سرر شعبان قال لا قال فاذا أفطرت فصم يومين ) وفي رواية فاذا أفطرت من رمضان فصم يومين مكانه ضبطوا سرر بفتح السين وكسرها وحكى القاضي ضمها قال وهو جمع سرة ويقال أيضا سرار وسرار بفتح السين وكسرها وكله من الاستسرار قال الاوزاعى وأبو عبيد وجمهور العلماء من أهل اللغة والحديث والغريب المراد بالسرر آخر الشهر سميت بذلك لاستسرار القمر فيها قال القاضي قال أبو عبيد وأهل اللغة السرر آخر الشهر قال وأنكر بعضهم هذا وقال المراد وسط الشهر قال وسرار كل شئ وسطه قال هذا القائل لم يأت في صيام آخر الشهر ندب فلا يحمل الحديث عليه بخلاف وسطه فانها أيام البيض وروى أبو داود عن الأوزاعى سرره أوله ونقل الخطابى عن الأوزاعى سرره آخره قال البيهقى في السنن الكبير بعد أن روى الروايتين عن الأوزاعى الصحيح آخره ولم يعرف الأزهري أن سرره أوله قال الهروي والذي يعرفه الناس أن سرره آخره ويعضد من فسره بوسطه الرواية السابقة في الباب قبله سرة هذا الشهر وسرارة الوادى وسطه وخياره ) وقال بن السكيت سرار الأرض أكرمها ووسطها وسرار كل شئ وسطه وافضله فقد يكون سرار الشهر من هذا قال القاضي والأشهر أن المراد آخر الشهر كما قاله أبو عبيد والأكثرون وعلى هذا يقال هذا الحديث مخالف للاحاديث الصحيحة في النهى عن تقديم رمضان بصوم يوم ويومين ويجاب عنه بما أجاب المازرى وغيره وهو أن هذا الرجل كان معتاد الصيام آخر الشهر أو نذره فتركه بخوفه من الدخول في النهى عن تقدم رمضان فبين له النبى صلى الله عليه وسلم ان الصوم المعتاد لا يدخل في النهى وانما ننهى عن غير المعتاد والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم في رواية محمد بن مثنى ( اذا أفطرت رمضان ) هكذا هو في جميع النسخ وهو صحيح أى أفطرت من رمضان كما في الرواية التى قبلها وحذف لفظة من في هذه الرواية وهى مراده كقوله تعالى واختار موسى قومه أى من قومه والله أعلم 1 ( باب فضل صوم المحرم) 1163 قوله ( عن حميد بن عبد الرحمن الحميرى عن أبى هريرة ) اعلم أن أبا هريرة يروى عنه اثنان كل واحد منهما حميد بن عبد الرحمن أحدهما هذا الحميرى والثانى حميد بن عبد الرحمن بن عوف ) الزهري قال الحميدى في الجمع بين الصحيحين كل ما في البخارى ومسلم حميد بن عبد الرحمن عن أبى هريرة فهو الزهري الا في هذا الحديث خاصة حديث أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل فان راوية حميد بن عبد الرحمن الحميرى عن ابى هريرة وهذا الحديث لم يذكره البخارى في صحيحه ولا ذكر للحميرى في البخارى أصلا ولا في مسلم الا في هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم ( أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم ) تصريح بأنه أفضل الشهور للصوم وقد سبق الجواب عن اكثار النبى صلى الله عليه وسلم من صوم شعبان دون المحرم وذكرنا فيه جوابين أحدهما لعله انما علم فضله في آخر حياته والثانى لعله كان يعرض فيه أعذار من سفر أو مرض أو غيرهما قوله صلى الله عليه وسلم ( وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل ) فيه دليل لما اتفق العلماء عليه أن تطوع الليل أفضل من تطوع النهار وفيه حجة لابى إسحاق المروزى من أصحابنا ومن وافقه أن صلاة الليل أفضل من السنن الراتبة وقال أكثر أصحابنا الرواتب أفضل لانها تشبه الفرائض والاول أقوى وأوفق للحديث والله أعلم 1 ( باب استحباب صوم ستة أيام من شوال اتباعا لرمضان)
1164 قوله صلى الله عليه وسلم ( من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر ) فيه دلالة صريحة لمذهب الشافعى وأحمد وداود وموافقيهم في استحباب صوم هذه الستة وقال مالك وأبو حنيفة يكره ذلك قال مالك في الموطأ ما رأيت أحدا من اهل العلم يصومها قالوا فيكره لئلا يظن وجوبه ودليل الشافعى وموافقيه هذا الحديث الصحيح الصريح واذا ثبتت السنة لا تترك لترك بعض الناس أو أكثرهم أو كلهم لها وقولهم قد يظن وجوبها ينتقض بصوم عرفة وعاشوراء وغيرهما من الصوم المندوب قال أصحابنا والأفضل أن تصام الستة متوالية عقب يوم الفطر فان فرقها أو أخرها عن أوائل شوال إلى اواخره حصلت فضيلة المتابعة لأنه يصدق أنه أتبعه ستا من شوال قال العلماء وانما كان ذلك كصيام الدهر لان الحسنة بعشر امثالها فرمضان بعشرة أشهر والستة بشهرين وقد جاء هذا في حديث مرفوع في كتاب النسائي وقوله صلى الله عليه وسلم ( ستا من شوال ) صحيح ولو قال ستة بالهاء جاز أيضا قال أهل اللغة يقال صمنا خمسا وستا ) وخمسة وستة وانما يلتزمون الهاء في المذكر اذا ذكروه بلفظه صريحا فيقولون صمنا ستة أيام ولا يجوز ست أيام فاذا حذفوا الايام جاز الوجهان ومما جاء حذف الهاء فيه من المذكر اذا لم يذكر بلفظه قوله تعالى يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا أى عشرة أيام وقد بسطت ايضاح هذه المسألة في تهذيب الاسماء واللغات وفي شرح المهذب والله أعلم 1 ( باب فضل ليلة القدر والحث على طلبها وبيان محلها وارجاء اوقات طلبها)
قال العلماء وسميت ليلة القدر لما يكتب فيها للملائكة من الأقدار والأرزاق والآجال التى تكون في تلك السنة كقوله تعالى فيها يفرق كل أمر حكيم وقوله تعالى تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر ومعناه يظهر للملائكة ما سيكون فيها ويأمرهم بفعل ما هو من وظيفتهم وكل ذلك مما سبق علم الله تعالى به وتقديره له وقيل سميت ليلة القدر لعظم قدرها وشرفها وأجمع من يعتد به على وجودها ودوامها إلى آخر الدهر للاحاديث الصحيحة المشهورة قال القاضي واختلفوا في محلها فقال جماعة هي منتقلة تكون في سنة في ليلة وفي سنة أخرى في ليلة أخرى وهكذا وبهذا يجمع بين الأحاديث ويقال كل حديث جاء بأحد أوقاتها ولا تعارض فيها قال ونحو هذا قول مالك والثورى وأحمد واسحاق وأبى ثور وغيرهم قالوا وانما تنتقل في العشر الأواخر من رمضان وقيل بل في كله وقيل انها معينة فلا تنتقل أبدا بل هي ليلة معينة في جميع السنين لا تفارقها وعلى هذا قيل في السنة كلها وهو قول بن مسعود وأبى حنيفة وصاحبيه وقيل بل في شهر رمضان كله وهو قول بن عمر وجماعة من الصحابة وقيل بل في العشر الوسط والأواخر وقيل في العشر الأواخر وقيل تختص بأوتار العشر وقيل بأشفاعها كما في حديث أبى سعيد وقيل بل في ثلاث وعشرين أو سبع وعشرين وهو قول بن عباس وقيل تطلب في ليلة سبع عشرة ) أو احدى وعشرين أو ثلاث وعشرين وحكى عن على وبن مسعود وقيل ليلة ثلاث وعشرين وهو قول كثيرين من الصحابة وغيرهم وقيل ليلة أربع وعشرين وهو محكى عن بلال وبن عباس والحسن وقتادة وقيل ليلة سبع وعشرين وهو قول جماعة من الصحابة وقيل سبع عشرة وهو محكى عن زيد بن أرقم وبن مسعود أيضا وقيل تسع عشرة وحكى عن بن مسعود ايضا وحكى عن على أيضا وقيل آخر ليلة من الشهر قال القاضي وشذ قوم فقالوا رفعت لقوله صلى الله عليه وسلم حين تلاحا الرجلان فرفعت وهذا غلط من هؤلاء الشاذين لأن آخر الحديث يرد عليهم فانه صلى الله عليه وسلم قال فرفعت وعسى أن يكون خيرا لكم فالتمسوها في السبع والتسع هكذا هو في اول صحيح البخارى وفيه تصريح بأن المراد برفعها رفع بيان علم عينها ولو كان المراد رفع وجودها لم يأمر بالتماسها 1165 قوله صلى الله عليه وسلم ( أرى رؤياكم قد تواطت ) أى توافقت وهكذا هو في النسخ بطاء ثم تاء وهو مهموز وكان ينبغى أن يكتب بألف بين الطاء والتاء صورة للهمزة ولا بد من قراءته مهموزا قال الله تعالى ليواطئوا عدة ما حرم الله قوله صلى الله عليه وسلم ( تحروا ليلة القدر ) أى احرصوا على طلبها واجتهدوا فيه قوله صلى الله عليه وسلم ( فالتمسوها في العشر الغوابر ) يعنى البواقى وهى الأواخر قوله صلى الله عليه وسلم ( فلا يغلبن على السبع البواقى ) وفي بعض النسخ عن السبع بدل على وكلاهما صحيح قوله صلى الله عليه وسلم ( تحينوا ليلة القدر ) أى اطلبوا حينها وهو زمانها 1166 قوله صلى الله عليه وسلم ( أيقظنى بعض أهلى فنسيتها وقال حرملة فنسيتها ) الاول بضم النون وتشديد السين والثانى بفتح النون وتخفيف السين 1167 قوله صلى الله عليه وسلم ( فمن كان اعتكف معى فليبت في معتكفه ) هكذا هو في أكثر النسخ فليبت من المبيت وفي بعضها فليثبت من الثبوت وفي بعضها فليلبث من اللبث وكله صحيح وقوله في الرواية الثانية غير أنه قال فليثبت هو في اكثر النسخ بالثاء المثلثة من الثبوت وفي بعضها فليبت من المبيت ومعتكفه بفتح الكاف وهو موضع الاعتكاف قوله ( فوكف المسجد ) أى قطر ماء المطر من سقفه قوله ( فنظرت إليه وقد انصرف من صلاة الصبح ووجهه مبتل طينا وماء ) قال البخارى وكان الحميدى يحتج بهذا الحديث على أن السنة للمصلى أن لا يمسح جبهته في الصلاة وكذا قال العلماء يستحب أن لا يمسحها في الصلاة وهذا محمول على أنه كان شيئا يسيرا لا يمنع مباشرة بشرة الجبهة للأرض فانه لو كان كثيرا بحيث يمنع ذلك لم يصح سجوده بعده عند الشافعى وموافقيه في منع السجود على حائل متصل به قوله في الرواية الثانية ( وجبينه ممتلئا طينا وماء ) لا يخالف ما تأولناه لأن الجبين غير الجبهة فالجبين في جانب الجبهة وللانسان جبينان يكتنفان الجبهة ولا يلزم من امتلاء الجبين امتلاء الجبهة والله أعلم وقوله ( ممتلئا ) كذا هو في معظم النسخ ممتلئا بالنصب وفي بعضها ممتلئ ويقدر للمنصوب فعل محذوف أي وجبينه رأيته ممتلئا قوله في حديث محمد بن عبد الأعلى ( ثم اعتكفت العشر الأوسط ) هكذا هو في جميع النسخ والمشهور في الاستعمال تأنيث العشر كما قال في أكثر الأحاديث العشر الأواخر وتذكيره أيضا لغة صحيحة باعتبار الأيام أو باعتبار الوقت والزمان ويكفى في صحتها ثبوت استعمالها في هذا الحديث من النبى صلى الله عليه وسلم قوله ( قبة تركية ) أى قبة صغيرة من لبود قوله ( وروثة أنفه ) هي بالثاء المثلثة وهى طرفه ويقال لها أيضا ارنبة الأنف كما جاء فى الرواية الأخرى قوله ( وما نرى في السماء قزعة ) أى قطعة سحاب قوله ( أمر بالبناء فقوض ) هو بقاف مضمومة وواو مكسورة مشددة وضاد معجمة ومعناه أزيل يقال قاض البناء وانقاض أى انهدم وقوضته أنا قوله صلى الله عليه وسلم ( رجلان يحتقان ) هو بالقاف ومعناه يطلب كل واحد منهما حقه ويدعى أنه المحق وفيه أن المخاصمة والمنازعة مذمومة وأنها سبب للعقوبة المعنوية قوله ( فاذا مضت واحدة وعشرون فالتى تليها ثنتين وعشرين فهي التاسعة ) هكذا هو في أكثر النسخ ثنتين وعشرين بالياء وفي بعضها اثنتان وعشرون بالالف والواو والأول أصوب وهو منصوب بفعل محذوف تقديره أعنى ثنتين وعشرين قوله ( وكان عبد الله بن أنيس يقول ثلاث وعشرين ) هكذا هو في معظم النسخ وفي بعضها ثلاث وعشرون وهذا ظاهر والأول جار على لغة شاذة أنه يجوز حذف المضاف ويبقى المضاف إليه مجرورا أى ليلة ثلاث وعشرين 762 قوله ( أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها ) هكذا هو في جميع النسخ أنها تطلع من غير ذكر الشمس وحذفت للعلم بها فعاد الضمير إلى معلوم كقوله تعالى توارت بالحجاب ونظائره والشعاع بضم الشين قال أهل اللغة هو ما يرى من ضوئها عند بروزها مثل الحبال والقضبان مقبلة اليك اذا نظرت اليها قال صاحب المحكم بعد أن ذكر هذا المشهور وقيل هو الذى تراه ممتدا بعد الطلوع قال وقيل هو انتشار ضوئها وجمعه أشعة وشعع بضم الشين والعين وأشعت الشمس نشرت شعاعها قال القاضي عياض قيل معنى لا شعاع لها أنها علامة جعلها الله تعالى لها قال وقيل بل لكثرة اختلاف الملائكة في ليلتها ونزولها إلى الأرض وصعودها بما تنزل به سترت بأجنحتها وأجسامها اللطيفة ضوء الشمس وشعاعها والله أعلم 1170 قوله ( تذاكرنا ليلة القدر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أيكم يذكر حين طلع القمر وهو مثل شق جفنة ) بكسر الشين وهو النصف والجفنة بفتح الجيم معروفة قال القاضي فيه اشارة إلى أنها انما تكون في أواخر الشهر لأن القمر لا يكون كذلك عند طلوعه الا في أواخر الشهر والله أعلم واعلم أن ليلة القدر موجودة كما سبق بيانه في اول الباب فانها ترى ويتحققها من شاء الله تعالى من بنى آدم كل سنة في رمضان كما تظاهرت عليه هذه الأحاديث السابقة في الباب واخبار الصالحين بها ورؤيتهم لها أكثر من أن تحصر وأما قول القاضي عياض عن المهلب بن أبى صفرة لا يمكن رؤيتها حقيقة فغلط فاحش نبهت عليه لئلا يغتر به والله أعلم
1 ( كتاب الاعتكاف)
هو في اللغة الحبس والمكث واللزوم وفي الشرع المكث في المسجد من شخص مخصوص بصفة مخصوصة ويسمى الاعتكاف جوارا ومنه الأحاديث الصحيحة منها حديث عائشة في أوائل الاعتكاف من صحيح البخارى قالت كان النبى صلى الله عليه وسلم يصغى إلى رأسة وهو مجاور في المسجد فأرجله وأنا ) حائض وذكر مسلم الأحاديث في اعتكاف النبى صلى الله عليه وسلم العشر الأواخر من رمضان والعشر الأول من شوال ففيها استحباب الاعتكاف وتأكد استحبابه في العشر الأواخر من رمضان وقد أجمع المسلمون على استحبابه وانه ليس بواجب وعلى أنه متأكد في العشر الآواخر من رمضان ومذهب الشافعى واصحابه وموافقيهم أن الصوم ليس بشرط لصحة الاعتكاف بل يصح اعتكاف الفطر ويصح اعتكاف ساعة واحدة ولحظة واحدة وضابطه عند أصحابنا مكث يزيد على طمأنينة الركوع أدنى زيادة هذا هو الصحيح وفيه خلاف شاذ في المذهب ولنا وجه أنه يصح اعتكاف المار في المسجد من غير لبث والمشهور الأول فينبغى لكل جالس في المسجد لانتظار صلاة أو لشغل آخر من آخرة أو دنيا أن ينوى الاعتكاف فيحسب له ويثاب عليه مالم يخرج من المسجد فاذا خرج ثم دخل جدد نية أخرى وليس للاعتكاف ذكر مخصوص ولا فعل آخر سوى اللبث في المسجد بنية الاعتكاف ولو تكلم بكلام دنيا أو عمل صنعة من خياطة أو غيرها لم يبطل اعتكافه وقال مالك وأبو حنيفة والأكثرون يشترط في الاعتكاف الصوم فلا يصح اعتكاف مفطر وحتجوا بهذه الأحاديث واحتج الشافعى باعتكافه صلى الله عليه وسلم في العشر الأول من شوال رواه البخارى ومسلم وبحديث عمر رضى الله عنه قال يارسول الله انى نذرت أن أعتكف ليلة في الجاهلية فقال أوف بنذرك ورواه البخارى ومسلم والليل ليس محلا للصوم فدل على أنه ليس بشرط لصحة الاعتكاف وفي هذه الأحاديث أن الاعتكاف لا يصح الا في المسجد لأن النبى صلى الله عليه وسلم وأزواجه وأصحابه انما اعتكفوا في المسجد مع المشقة في ملازمته فلو جاز في البيت لفعلوه ولو مرة لاسيما النساء لأن حاجتهن إليه في البيوت أكثر وهذا الذى ذكرناه من اختصاصه بالمسجد وأنه لا يصح في غيره هو مذهب مالك والشافعى وأحمد وداود والجمهور سواء الرجل والمرأة وقال أبو حنيفة يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها وهو الموضع المهيأ من بيتها لصلاتها قال ولا يجوز للرجل في مسجد بيته وكمذهب أبى حنيفة قول قديم للشافعى ضعيف عند أصحابه وجوزه بعض أصحاب مالك وبعض أصحاب الشافعي للمرأة والرجل في مسجد بيتهما ثم اختلف الجمهور المشترطون المسجد العام فقال الشافعى ومالك وجمهورهم يصح الاعتكاف في كل مسجد وقال أحمد يختص بمسجد تقام الجماعة الراتبة فيه وقال أبو حنيفة يختص بمسجد تصلى فيه الصلوات كلها وقال الزهري وآخرون يختص بالجامع الذى تقام فيه الجمعة ونقلوا عن حذيفة بن اليمان الصحابى اختصاصه بالمساجد الثلاثة المسجد الحرام ومسجد المدينة والاقصى وأجمعوا على أنه لاحد لأكثر الاعتكاف والله أعلم قوله ( اذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه ) احتج به من يقول يبدأ بالاعتكاف من أول النهار وبه قال الاوزاعى والثورى والليث في أحد قوليه وقال مالك وابو حنيفة والشافعى وأحمد يدخل فيه قبل غروب الشمس اذا أراد اعتكاف شهر أو اعتكاف عشر وأولوا الحديث على أنه دخل المعتكف وانقطع فيه وتخلى بنفسه بعد صلاته الصبح لا أن ذلك وقت ابتداء الاعتكاف بل كان من قبل المغرب معتكفا لابثا في جملة المسجد فلما صلى الصبح انفرد قوله ( وأنه أمر بخبائه فضرب ) قالوا فيه دليل على جواز اتخاذ المعتكف لنفسه موضعا من المسجد ينفرد فيه مدة اعتكافه مالم يضيق على الناس واذا اتخذه يكون في آخر المسجد ورحابه لئلا يضيق على غيره وليكون أخلى له وأكمل في انفراده قوله ( نظر فاذا الأخبية فقال آلبر يردن فأمر بخبائه فقوض ) قوض بالقاف المضمومة والضاد المعجمة أى أزيل وقوله آلبر أى الطاعة قال القاضي قال صلى الله عليه وسلم هذا الكلام انكار لفعلهن وقد كان صلى الله عليه وسلم أذن لبعضهن في ذلك كما رواه البخارى قال وسبب انكاره أنه خاف أن يكن غير مخلصات في الاعتكاف بل أردن القرب منه لغيرتهن عليه أو لغيرته عليهن فكره ملازمتهن المسجد مع أنه يجمع الناس ويحضره الاعراب والمنافقون وهن محتاجات إلى الخروج والدخول لما يعرض لهن فيبتذلن بذلك أو لأنه صلى الله عليه وسلم رآهن عنده في المسجد وهو في المسجد فصار كأنه في منزله بحضوره مع أزواجه وذهب المهم من مقصود الاعتكاف وهو التخلى عن الازواج ومتعلقات الدنيا وشبه ذلك أو لانهن ضيقن المسجد بأبنيتهن وفي هذا الحديث دليل لصحة اعتكاف النساء لأنه صلى الله عليه وسلم كان أذن لهن وانما منعهن بعد ذلك لعارض وفيه أن للرجل منع زوجته من الاعتكاف بغير اذنه وبه قال العلماء كافة فلو أذن لها فهل له منعها بعد ذلك فيه خلاف للعلماء فعند الشافعى وأحمد وداود له منع زوجته ومملوكه واخراجهما من اعتكاف التطوع ومنعهما مالك وجوز أبو حنيفة اخراج المملوك دون الزوجة
1 ( باب الاجتهاد في العشر الأواخر من شهر رمضان) 1174 قولها ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وجد وشد المئزر 1175 وفي رواية كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر مالم يجتهد في غيره ) اختلف العلماء ) في معنى شد المئزر فقيل هو الاجتهاد في العبادات زيادة على عادته صلى الله عليه وسلم في غيره ومعناه التشمير في العبادات يقال شددت لهذا الأمر مئزرى أى تشمرت له وتفرغت وقيل هو كناية عن اعتزال النساء للاشتغال بالعبادات وقولها أحيا الليل أى استغرقه بالسهر في الصلاة وغيرها وقولها وأيقظ أهله أى أيقظهم للصلاة في الليل وجد في العبادة زيادة على العادة ففى هذا الحديث أنه يستحب أن يزاد من العبادات في العشر الأواخر من رمضان واستحباب احياء لياليه بالعبادات وأما قول أصحابنا يكره قيام الليل كله فمعناه الدوام عليه ولم يقولوا بكراهة ليلة وليلتين والعشر ولهذا اتفقوا على استحباب احياء ليلتى العيدين وغير ذلك والمئزر بكسر الميم مهموز وهو الازار والله أعلم 1 ( باب صوم عشر ذى الحجة) 1176 فيه قول عائشة ( ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائما في العشر قط ) وفي رواية لم يصم العشر قال العلماء هذا الحديث مما يوهم كراهة صوم العشر والمراد بالعشر هنا الأيام التسعة من أول ذى الحجة قالوا وهذا مما يتأول فليس في صوم هذه التسعة كراهة بل هي مستحبة استحبابا شديدا لاسيما التاسع منها وهو يوم عرفة وقد سبقت الأحاديث في فضله وثبت في صحيح البخارى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما من أيام العمل الصالح فيها أفضل منه في هذه يعنى العشر الأوائل من ذى الحجة فيتأول قولها لم يصم العشر أنه لم يصمه ) لعارض مرض أو سفر أو غيرهما أو أنها لم تره صائما فيه ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر ويدل على هذا التأويل حديث هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبى صلى الله عليه وسلم قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذى الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر الاثنين من الشهر والخميس ورواه أبو داود وهذا لفظه وأحمد والنسائى وفي روايتهما وخميسين والله أعلم قوله في الاسناد الأخير ( وحدثنى أبو بكر بن نافع العبدى حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن الأعمش ) وهو سفيان الثورى وفي بعضها شعبة بدل سفيان وكذا نقله القاضي عياض عن رواية الفارسى ونقل الأول عن جمهور الرواة لصحيح مسلم والله أعلم 1 ( كتاب الحج) الحج بفتح الحاء هو المصدر وبالفتح والكسر جميعا هو الاسم منه وأصله القصد ويطلق على العمل أيضا وعلى الاتيان مرة بعد أخرى وأصل العمرة الزيارة واعلم أن الحج فرض عين على كل مكلف حر مسلم مستطيع واختلف العلماء في وجوب العمرة فقيل واجبة وقيل مستحبة وللشافعى قولان أصحهما وجوبها وأجمعوا على أنه لا يجب الحج ولا العمرة في عمر الانسان الا مرة واحدة الا أن ينذر فيجب الوفاء بالنذر بشرطه والا اذا دخل مكة أو حرمها لحاجة لا تتكرر من تجارة أو زيارة ونحوهما ففي وجوب الاحرام بحج أو عمرة خلاف العلماء وهما قولان للشافعى أصحهما استحبابه والثانى وجوبه بشرط أن لا يدخل لقتال ولا خائفا من ظهوره وبروزه واختلفوا في وجوب الحج هل هو على الفور أو التراخى فقال الشافعى وأبو يوسف ) وطائفة هو على التراخى الا أن ينتهى إلى حال يظن فواته لو أخره عنها وقال أبو حنيفة ومالك وآخرون هو على الفور والله أعلم 1 ( باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة لبسه ومالا يباح ( وبيان تحريم الطيب عليه ))
1177 قوله صلى الله عليه وسلم وقد سئل ما يلبس المحرم ( لا تلبسوا القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف الا أحد لايجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسه الزعفران ولاالورس ) قال العلماء هذا من بديع الكلام وجزله فانه صلى الله عليه وسلم سئل عما يلبسه المحرم فقال لا يلبس كذا وكذا فحصل في الجواب أنه لا يلبس المذكورات ويلبس ما سوى ذلك وكان التصريح بما لا يلبس أولى لأنه منحصر واما الملبوس الجائز للمحرم فغير منحصر فضبط الجميع بقوله صلى الله عليه وسلم لا يلبس كذا وكذا يعنى ويلبس ما سواه وأجمع العلماء على أنه لا يجوز للمحرم لبس شئ من هذه المذكورات وأنه نبه بالقميص والسراويل على جميع ما في معناهما وهو ما كان محيطا أو مخيطا معمولا على ) قدر البدن أو قدر عضو منه كالجوشن والتبان والقفاز وغيرها ونبه صلى الله عليه وسلم بالعمائم والبرانس على كل ساتر للرأس مخيطا كان أو غيره حتى العصابة فانها حرام فان احتاج اليها لشجة أو صداع أو غيرهما شدها ولزمته الفدية ونبه صلى الله عليه وسلم بالخفاف على كل ساتر للرجل من مداس وجمجم وجورب وغيرها وهذا كله حكم الرجال وأما المرأة فيباح لها ستر جميع بدنها بكل ساتر من مخيط وغيره الا ستر وجهها فانه حرام بكل ساتر وفي ستر يديها بالقفازين خلاف للعلماء وهما قولان للشافعى أصحهما تحريمه ونبه صلى الله عليه وسلم بالورس والزعفران على مافي معناهما وهو الطيب فيحرم على الرجل والمرأة جميعا في الاحرام جميع أنواع الطيب والمراد ما يقصد به الطيب وأما الفواكه كالأترج والتفاح وأزهار البرارى كالشيح والقيصوم ونحوهما فليس بحرام لأنه لا يقصد للطيب قال العلماء والحكمة في تحريم اللباس المذكور على المحرم ولباسه الازار والرداء أن يبعد عن الترفه ويتصف بصفة الخاشع الذليل وليتذكر أنه محرم في كل وقت فيكون أقرب إلى كثرة أذكاره وأبلغ في مراقبته وصيانته لعبادته وامتناعه من ارتكاب المحظورات وليتذكر به الموت ولباس الأكفان ويتذكر البعث يوم القيامة والناس حفاة عراة مهطعين إلى الداعى والحكمة في تحريم الطيب والنساء أن يبعد عن الترفه وزينة الدنيا وملاذها ويجتمع همه لمقاصد الآخرة وقوله صلى الله عليه وسلم الا أحد لا يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين وذكر مسلم بعد هذا من رواية بن عباس وجابر من لم يجد نعلين فليلبس خفين ولم يذكر قطعهما واختلف العلماء في هذين الحديثين فقال أحمد يجوز لبس الخفين بحالهما ولا يجب قطعهما لحديث بن عباس وجابر وكان أصحابه يزعمون نسخ حديث بن عمر المصرح بقطعهما وزعموا أن قطعهما اضاعة مال وقال مالك وابو حنيفة والشافعى وجماهير العلماء لا يجوز لبسهما الا بعد قطعهما أسفل من الكعبين لحديث بن عمر قالوا وحديث بن عباس وجابر مطلقان فيجب حملهما على المقطوعين لحديث بن عمر فان المطلق يحمل على المقيد والزيادة من الثقة مقبولة وقولهم أنه اضاعة مال ليس بصحيح لأن الاضاعة انما تكون فيما نهى عنه وأما ما ورد الشرع به فليس باضاعة بل حق يجب الاذعان له والله أعلم ثم اختلف العلماء في لابس الخفين لعدم النعلين هل عليه فدية أم لا فقال مالك والشافعي ومن وافقهما لاشيء عليه لأنه لو وجبت فدية لبينها صلى الله عليه وسلم وقال أبو حنيفة وأصحابه عليه الفدية كما اذا احتاج إلى حلق الرأس يحلقه ويفدى والله أعلم 1177 قوله صلى الله عليه وسلم ( ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسه الزعفران ولا الورس ) أجمعت الأمة على تحريم لباسهما لكونهما طيبا وألحقوا بهما جميع أنواع ما يقصد به الطيب وسبب تحريم الطيب أنه داعية إلى الجماع ولأنه ينافى تذلل الحاج فان الحاج أشعث أغبر وسواء في تحريم الطيب الرجل والمرأة وكذا جميع محرمات الاحرام سوى اللباس كما سبق بيانه ومحرمات الاحرام سبعة اللباس بتفصيله السابق والطيب وازالة الشعر والظفر ودهن الرأس واللحية وعقد النكاح والجماع وسائر الاستمتاع حتى الاستمناء والسابع اتلاف الصيد والله أعلم واذا تطيب أو لبس ما نهى عنه لزمته الفدية ان كان عامدا بالاجماع وان كان ناسيا فلا فدية عند الثورى والشافعي وأحمد واسحاق وأوجبها أبو حنيفة ومالك ولا يحرم المعصفر عند مالك والشافعي وحرمه الثوري وأبو حنيفة وجعلاه طيبا وأوجبا فيه الفدية ويكره للمحرم لبس الثوب المصبوغ بغير طيب ولا يحرم والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( السراويل لمن لم يجد الازار والخفان لمن لم يجد النعلين ) يعنى المحرم هذا صريح في الدلالة للشافعى والجمهور في جواز لبس السراويل للمحرم اذا لم يجد ازارا ومنعه مالك لكونه لم يذكر وفي حديث بن عمر السابق والصواب اباحته بحديث بن عباس هذا مع حديث جابر بعده أما حديث بن عمر فلا حجة فيه لأنه ذكر فيه حالة وجود الازار وذكر في حديث بن عباس وجابر حالة العدم فلا منافاة والله أعلم قوله ( وهو بالجعرانة ) فيها لغتان مشهورتان احداهما اسكان العين وتخفيف الراء والثانية كسر العين وتشديد الراء والأولى أفصح وبهما قال الشافعي وأكثر أهل اللغة وهكذا اللغتان في تخفيف الحديبية وتشديدها والأفصح التخفيف وبه قال الشافعي وموافقوه 1180 قوله ( عليه جبة وعليها خلوق ) هو بفتح الخاء وهو نوع من الطيب يعمل فيه زعفران قوله ( له غطيط ) هو كصوت النائم الذي يردده مع نفسه قوله ( كغطيط البكر ) هو بفتح الباء وهو الفتى من الابل قوله ( فلما سرى عنه ) هو بضم السين وكسر الراء المشددة أي أزيل ما به وكشف عنه والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم للسائل عن العمرة ( اغسل عنك أثر الصفرة ) فيه تحريم الطيب على المحرم ابتداء ودواما لأنه اذا حرم دواما فالابتداء أولى بالتحريم وفيه أن العمرة يحرم فيها من الطيب واللباس وغيرهما من المحرمات السبعة السابقة ما يحرم في الحج وفيه أن من أصابه طيب ناسيا أو جاهلا ثم علم وجبت عليه المبادرة إلى ازالته وفيه أن من أصابه في احرامه طيب ناسيا أو جاهلا لا كفارة عليه وهذا مذهب الشافعي وبه قال عطاء والثورى واسحاق وداود وقال مالك وأبو حنيفة والمزنى وأحمد في أصح الروايتين عنه عليه الفدية لكن الصحيح من مذهب مالك أنه انما تجب الفدية على المتطيب ناسيا أو جاهلا اذا طال لبثه عليه والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( واخلع عنك جبتك ) دليل لمالك وأبي حنيفة والشافعي والجمهور أن المحرم اذا صار عليه مخيط ينزعه ولا يلزمه شقه وقال الشعبي والنخعى لا يجوز نزعه لئلا يصير مغطيا راسه بل يلزمه شقه وهذا مذهب ضعيف قوله صلى الله عليه وسلم ( واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك ) معناه من اجتناب المحرمات ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم أراد مع ذلك الطواف والسعى والحلق بصفاتها وهيئاتها واظهار التلبية وغير ذلك مما يشترك فيه الحج والعمرة ويخص من عمومه ما لا يدخل في العمرة من أفعال الحج كالوقوف والرمى والمبيت بمنى ومزدلفة وغير ذلك وهذا الحديث ظاهر في أن هذا السائل كان عالما بصفة الحج دون العمرة فلهذا قال له صلى الله عليه وسلم واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك وفي هذا الحديث دليل للقاعدة المشهورة أن القاضي والمفتى اذا لم يعلم حكم المسألة أمسك عن جوابها حتى يعلمه أو يظنه بشرطه وفيه أن من الأحكام التي ليست في القرآن ما هو بوحى لا يتلى وقد يستدل به من يقول من أهل الأصول أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن له الاجتهاد وانما كان يحكم بوحى ولا دلاله فيه لأنه يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم لم يظهر له بالاجتهاد حكم ذلك أو أن الوحى بدره قبل تمام الاجتهاد والله أعلم قوله ( وكان يعلى يقول وددت أنى أرى النبي صلى الله عليه وسلم وقد نزل عليه الوحى فقال أيسرك أن تنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ) هكذا هو في جميع النسخ فقال أيسرك ولم يبين القائل من هو ولا سبق له ذكر وهذا القائل هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما بينه في الرواية التي بعد هذه قوله ( وعليه مقطعات ) هي بفتح الطاء المشددة وهي الثياب المخيطة وأوضحه بقوله يعنى جبة قوله ( متضمخ ) هو بالضاد والخاء المعجمتين أي متلوث به مكثر منه قوله ( محمر الوجه يغط ) هو بكسر الغين وسبب ذلك شدة الوحى وهو له قال الله تعالى إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا قوله صلى الله عليه وسلم ( أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات ) انما أمر بالثلاث مبالغة في ازالة لونه وريحه والواجب الازالة فان حصلت بمرة كفت ولم تجب الزيادة ولعل الطيب الذي كان على هذا الرجل كثير ويؤيده قوله متضمخ قال القاضي ويحتمل أنه قال له ثلاث مرات اغسله فكرر القول ثلاثا والصواب ما سبق والله أعلم قوله ( عقبة بن مكرم ) هو بفتح الراء قوله في بعض هذه الرواية ( صفوان بن يعلى بن أمية ) وفي بعضها بن منية وهما صحيحان فأمية أبو يعلى ومنية أم يعلى وقيل جدته والمشهور الأول فنسب تارة إلى أبيه وتارة إلى أمه وهي منية بضم الميم بعدها نون ساكنة قوله ( حدثنا رباح ) هو بالباء الموحدة قوله ( فسكت عنه فلم يرجع إليه ) أي لم يرد جوابه قوله ( خمره عمر بالثوب ) أي غطاه وأما ادخال يعلى رأسه ورؤيته النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحال واذن عمر له في ذلك فكله محمول على أنهم علموا من النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يكره الاطلاع عليه في ذلك الوقت وتلك الحال لأن فيه تقوية الايمان بمشاهدة حالة الوحى الكريم والله أعلم
1 ( باب مواقيت الحج )
ذكر مسلم في الباب ثلاثة أحاديث حديث بن عباس أكملها لأنه صرح فيه بنقله المواقيت الأربعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلهذا ذكره مسلم في أول الباب ثم حديث بن عمر لأنه لم يحفظ ميقات أهل اليمن بل بلغه بلاغا ثم حديث جابر لان أبا الزبير قال أحسب جابرا رفعه وهذا لا يقتضي ثبوته مرفوعا فوقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة بضم الحاء المهملة وبالفاء وهى أبعد المواقيت من مكة بينهما نحو عشر مراحل أو تسع وهى قريبة من المدينة على نحو ستة أميال منها ولأهل الشام الجحفة وهى ميقات لهم ولأهل مصر وهى بجيم مضمومة ثم حاء مهملة ساكنة قيل سميت بذلك لأن السيل أجحفها في وقت ويقال لها مهيعة بفتح الميم واسكان الهاء وفتح المثناة تحت كما ذكره في بعض روايات مسلم وحكى القاضي عياض عن بعضهم كسر الهاء والصحيح المشهور اسكانها وهى على نحو ثلاث مراحل من مكة على طريق المدينة ولاهل اليمن يلملم بفتح المثناة تحت واللامين ويقال أيضا ألملم بهمزة بدل الياء لغتان مشهورتان وهو جبل من جبال تهامة على مرحلتين من مكة ولأهل نجد قرن المنازل بفتح القاف واسكان الراء بلا خلاف بين أهل العلم من أهل الحديث واللغة والتاريخ والاسماء وغيرهم وغلط الجوهري في صحاحه فيه غلطين فاحشين فقال بفتح الراء وزعم أن أويسا القرني رضى الله عنه منسوب إليه والصواب اسكان الراء وأن أويسا منسوب إلى قبيلة معروفة يقال لهم بنو قرن وهى بطن من مراد القبيلة المعروفة ينسب اليها المرادي وقرن المنازل على نحو مرحلتين من مكة قالوا وهو أقرب المواقيت إلى مكة وأما ذات عرق بكسر العين فهي ميقات أهل العراق واختلف العلماء هل صارت ميقاتهم بتوقيت النبي صلى الله عليه وسلم أم باجتهاد عمر بن الخطاب وفي المسألة وجهان لأصحاب الشافعى أصحهما وهو نص الشافعى رضي الله عنه في الأم بتوقيت عمر رضي الله عنه وذلك صريح في صحيح البخاري ودليل من قال بتوقيت النبى صلى الله عليه وسلم حديث جابر لكنه غير ثابت لعدم جزمه برفعه وأما قول الدارقطني أنه حديث ضعيف لأن العراق لم تكن فتحت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فكلامه في تضعيفه صحيح ودليله ما ذكرته وأما استدلاله لضعفه بعدم فتح العراق ففاسد لانه لا يمتنع أن يخبر به النبي صلى الله عليه وسلم به لعلمه بأنه سيفتح ويكون ذلك من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم والاخبار بالمغيبات المستقبلات كما أنه صلى الله عليه وسلم وقت لأهل الشام الجحفة في جميع الأحاديث الصحيحة ومعلوم أن الشام لم يكن فتح حينئذ وقد ثبتت الاحاديث الصحيحة عنه صلى الله عليه وسلم أنه أخبر بفتح الشام واليمن والعراق وأنهم يأتون اليهم يبسون والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون وأنه صلى الله عليه وسلم أخبر بانه زويت له مشارق الأرض ومغاربها وقال سيبلغ ملك أمتي مازوى لي منها وأنهم سيفتحون مصر وهي أرض يذكر فيها القيراط وأن عيسى عليه السلام ينزل على المنارة البيضاء شرقي دمشق وكل هذه الاحاديث في الصحيح وفي الصحيح من هذا القبيل ما يطول ذكره والله أعلم وأجمع العلماء على أن هذه المواقيت مشروعة ثم قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد والجمهور هي واجبة لو تركها وأحرم بعد مجاوزتها أثم ولزمه دم وصح حجه وقال عطاء والنخعي لا شيء عليه وقال سعيد بن جبير لا يصح حجه وفائدة المواقيت أن من أراد حجا أو عمرة حرم عليه مجاوزتها بغير احرام ولزمه الدم كما ذكرنا قال أصحابنا فان عاد إلى الميقات قبل التلبس بنسك سقط عنه الدم وفي المراد بهذا النسك خلاف منتشر وأما من لا يريد حجا ولاعمرة فلا يلزمه الاحرام لدخول مكة على الصحيح من مذهبنا سواء دخل لحاجة تتكرر كحطاب وحشاش وصياد ونحوهم أولا تتكرر كتجارة وزيارة ونحوهما وللشافعي قول ضعيف أنه يجب الاحرام بحج أو عمرة ان دخل مكة أو غيرها من الحرم لما يتكرر بشرط سبق بيانه في أول كتاب الحج وأما من مر بالميقات غير مريد دخول الحرم بل لحاجة دونه ثم بدا له أن يحرم فيحرم من موضعه الذى بدا له فيه فان جاوزه بلا احرام ثم أحرم أثم ولزمه الدم وان أحرم من الموضع الذى بدا له أجزأه ولا دم عليه ولا يكلف الرجوع إلى الميقات هذا مذهبنا ومذهب الجمهور وقال أحمد وإسحاق يلزمه الرجوع إلى الميقات 1181 قوله ( وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لاهل المدينة ذا الحليفة ولاهل الشام الجحفة ولاهل نجد قرن ) هكذا وقع في أكثر النسخ قرن من غير الف بعد النون وفي بعضها قرنا بالالف وهو الاجود لانه موضع واسم لجبل فوجب صرفه والذى وقع بغير ألف يقرأ منونا وانما حذفوا الالف كما جرت عادة بعض المحدثين يكتبون يقول سمعت أنس بغير ألف ويقرأ بالتنوين ويحتمل على بعد أن يقرأ قرن منصوبا بغير تنوين ويكون أراد به البقعة فيترك صرفه قوله صلى الله عليه وسلم ( فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ) قال القاضي كذا جاءت الرواية في الصحيحين وغيرهما عند أكثر الرواة قال ووقع عند بعض رواة البخاري ومسلم فهن لهم وكذا رواه أبو داود وغيره وكذا ذكره مسلم من رواية بن أبي شيبة وهو الوجه لانه ضمير أهل هذه المواضع قال ووجه الرواية المشهورة أن الضمير في لهن عائد على المواضع والأقطار المذكورة وهي المدينة والشام واليمن ونجد أي هذه المواقيت لهذه الاقطار والمراد لاهلها فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه وقوله صلى الله عليه وسلم ولمن أتى عليهن من غير أهلهن معناه أن الشامي مثلا اذا مر بميقات المدينة في ذهابه لزمه أن يحرم من ميقات المدينة ولا يجوز له تأخيره إلى ميقات الشام الذى هو الجحفة وكذا الباقي من المواقيت وهذا لاخلاف فيه قوله صلى الله عليه وسلم فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة فيه دلالة للمذهب الصحيح فيمن مر بالميقات لا يريد حجا ولا عمرة انه لا يلزمه الاحرام لدخول مكة وقد سبقت المسألة واضحة قال بعض العلماء وفيه دلالة على أن الحج على التراخي لا على الفور وقد سبقت المسألة واضحة في أول كتاب الحج قوله صلى الله عليه وسلم ( فمن كان دونهن فمن أهله ) هذا صريح في أن من كان مسكنه بين مكة والميقات فميقاته مسكنه إلى الميقات ولا يجوز له مجاوزة مسكنه بغير احرام هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة الا مجاهدا فقال ميقاته مكة بنفسها قوله صلى الله عليه وسلم ( فمن كان دونهن فمن أهله وكذا فكذلك حتى أهل مكة يهلون منها ) هكذا هو في جميع النسخ وهو صحيح ومعناه وهكذا فهكذا من جاوز مسكنه الميقات حتى أهل مكة يهلون منها وأجمع العلماء على هذا كله فمن كان في مكة من أهلها أو واردا اليها وأراد الاحرام بالحج فميقاته نفس مكة ولا يجوز له ترك مكة والاحرام بالحج من خارجها سواء الحرم والحل هذا هو الصحيح عند أصحابنا وقال بعض أصحابنا يجوز له أن يحرم به من الحرم كما يجوز من مكة لأن حكم الحرم حكم مكة والصحيح الأول لهذا الحديث قال أصحابنا ويجوز ان يحرم من جميع نواحى مكة بحيث لا يخرج عن نفس المدينة وسورها وفي الافضل قولان أصحهما من باب داره والثانى من المسجد الحرام تحت الميزاب والله أعلم وهذا كله في احرام المكي بالحج والحديث انما هو في احرامه بالحج وأما ميقات المكي للعمرة فأدنى الحل لحديث عائشة الآتي أن النبى صلى الله عليه وسلم امرها في العمرة ان تخرج إلى التنعيم وتحرم بالعمرة منه والتنعيم في طرف الحل والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( مهل أهل المدينة ) هو بضم الميم وفتح الهاء وتشديد اللام أي موضع اهلالهم قوله ( قال عبد الله بن عمر وزعموا ) اي قالوا وقد سبق في أول الكتاب أن الزعم قد يكون بمعنى القول المحقق 1183 قوله ( أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن المهل فقال سمعته ثم انتهى فقال أراه يعني النبى صلى الله عليه وسلم ) معنى هذا الكلام أن أبا الزبير قال سمعت جابرا ثم أنتهى أى وقف عن رفع الحديث إلى النبى صلى الله عليه وسلم وقال أراه بضم الهمزة أي أظنه رفع الحديث فقال أراه يعني النبى صلى الله عليه وسلم كما قال فى الرواية الأخرى أحسبه رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقوله أحسبه رفع لا يحتج بهذا الحديث مرفوعا لكونه لم يجزم برفعه قوله فى حديث جابر ( ومهل أهل العراق من ذات عرف ) هذا صريح في كونه ميقات أهل العراق لكن ليس رفع الحديث ثابتا كما سبق وقد سبق الاجماع على أن ذات عرق ميقات أهل العراق ومن فى معناهم قال الشافعي ولو أهلوا من العقيق كان أفضل والعقيق أبعد من ذات عرق بقليل فاستحبه الشافعي لأثر فيه ولأنه قيل أن ذات عرق كانت أولا في موضعه ثم حولت وقربت إلى مكة والله أعلم وأعلم أن للحج ميقات مكان وهو ما سبق في هذه الاحاديث وميقات زمان وهو شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة ولا يجوز الا حرام بالحج فى غير هذا الزمان هذا مذهب الشافعي ولو أحرم بالحج في غير هذا الزمان لم ينعقد حجا وانعقد عمرة وأما العمرة فيجوز الاحرام بها وفعلها في جميع السنة ولا يكره في شيء منها لكن شرطها أن لا يكون في الحج ولا مقيما على شيء من افعاله ولا يكره تكرار العمرة فى السنة بل يستحب عندنا وعند الجمهور وكره تكرارها في السنة بن سيرين ومالك ويجوز الاحرام بالحج مما فوق الميقات أبعد من مكة سواء دويرة أهله وغيرها وأيهما أفضل فيه قولان للشافعي أصحهما من الميقات أفضل للاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم والله أعلم
1 ( باب التلبية وصفتها ووقتها )
قال القاضي قال المازري التلبية مثناة للتكثير والمبالغة ومعناه اجابة بعد اجابة ولزوما لطاعتك فتثنى للتوكيد لا تثنية حقيقية بمنزلة قوله تعالى بل يداه مبسوطتان أى نعمتاه على تأويل اليد بالنعمة هنا ونعم الله تعالى لا تحصى وقال يونس بن حبيب البصري لبيك اسم مفرد لا مثنى قال وألفه انما انقلبت ياء لا تصالها بالضمير كلدى وعلى مذهب سيبويه أنه مثنى بدليل قلبها ياء مع المظهر واكثر الناس على ما قاله سيبويه قال بن الانباري ثنوا لبيك كما ثنوا حنانيك أى تحننا بعد تحنن وأصل لبيك لببتك فاستثقلوا الجمع بين ثلاث باءات فأبدلوا من الثالثة ياء كما قالوا من الظن تظنيت والأصل تظننت واختلفوا في معنى لبيك واشتقاقها فقيل معناها اتجاهى وقصدي اليك مأخوذ من قولهم داري تلب دارك أي تواجهها وقيل معناها محبتى قولهم لك مأخوذ من قولهم امرأة لبة اذا كانت محبة لولدها عاطفة عليه وقيل معناها اخلاص لك مأخوذ من قولهم حب لباب اذا كان خالصا محضا ومن ذلك لب الطعام ولبابه وقيل معناها أنا مقيم على طاعتك واجابتك مأخوذ من قولهم لب الرجل بالمكان وألب اذا أقام فيه قال بن الأنباري وبهذا قال الخليل قال القاضي قيل هذه الاجابة لقوله تعالى لابراهيم صلى الله عليه وسلم وأذن في الناس بالحج وقال إبراهيم الحربي في معنى لبيك أي قربا منك وطاعة والالباب القرب وقال أبو نصر معناه أنا ملب بين يديك أي خاضع هذا آخر كلام القاضي 1184 قوله ( لبيك ان الحمد والنعمة ) يروى بكسر الهمزة من أن وفتحها وجهان مشهوران لأهل الحديث وأهل اللغة قال الجمهور الكسر أجود قال الخطابى الفتح رواية العامة وقال ثعلب الاختيار الكسر وهو الأجود في المعنى من الفتح لأن من كسر جعل معناه ان الحمد والنعمة لك على كل حال ومن فتح قال معناه لبيك لهذا السبب قوله ( والنعمة لك ) المشهور فيه نصب النعمة قال القاضي ويجوز رفعها على الابتداء ويكون الخبر محذوفا قال بن الانباري وان شئت جعلت خبر ان محذوفا تقديره ان الحمد لك والنعمة مستقرة لك وقوله ( وسعديك ) قال القاضي أعرابها وتثنيتها كما سبق في لبيك ومعناه مساعدة لطاعتك بعد مساعدة قوله ( والخير بيديك ) أي الخير كله بيد الله تعالى ومن فضله قوله ( والرغباء إليك والعمل ) قال القاضي قال المازري يروى بفتح الراء والمد وبضم الراء مع القصر ونظيره العلا والعلياء والنعمى والنعماء قال القاضي وحكى أبو علي فيه أيضا الفتح مع القصر الرغبى مثل سكرى ومعناه هنا الطلب والمسألة إلى من بيده الخير وهو المقصود بالعمل المستحق للعبادة قوله ( عن بن عمر تلقفت التلبية ) هو بقاف ثم فاء أي أخذتها بسرعة قال القاضي وروى تلقنت بالنون قال والأول رواية الجمهور قال وروي تلقيت بالياء ومعانيها متقاربة قوله ( أهل فقال لبيك اللهم لبيك ) قال العلماء الاهلال رفع الصوت بالتلبية عند الدخول في الاحرام وأصل الاهلال فى اللغة رفع الصوت ومنه استهل المولود أي صاح ومنه قوله تعالى وما أهل به لغير الله أي رفع الصوت عند ذبحه بغير ذكر الله تعالى وسمي الهلال هلالا لرفعهم الصوت عند رؤيته قوله ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل ملبدا ) فيه استحباب تلبيد الرأس قبل الاحرام وقد نص عليه الشافعي وأصحابنا وهو موافق للحديث الآخر فى الذي خر عن بعيره فإنه يبعث يوم القيامة ملبدا قال العلماء التلبيد ضفر الرأس بالصمغ أو الخطمي وشبههما مما يضم الشعر ويلزق بعضه ببعض ويمنعه التمعط والقمل فيستحب لكونه أرفق به 1185 قوله ( كان المشركون يقولون لبيك لا شريك لك قال فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلكم قد قد إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت ) فقوله صلى الله عليه وسلم قدقد قال القاضي روى باسكان الدال وكسرها مع التنوين ومعناه كفا كم هذا الكلام فاقتصروا عليه ولا تزيدوا وهنا انتهى كلام النبي صلى الله عليه وسلم ثم عاد الراوي إلى حكاية كلام المشركين فقال الاشريكا هو لك إلى آخره معناه أنهم كانوا يقولون هذه الجملة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول اقتصروا على قولكم لبيك لا شريك لك والله أعلم وأما حكم التلبية فأجمع المسلمون على أنها مشروعة ثم اختلفوا في إيجابها فقال الشافعى وآخرون هي سنة ليست بشرط لصحة الحج ولا بواجبة فلو تركها صح حجة ولا دم عليه لكن فاتته الفضيلة وقال بعض أصحابنا هي واجبة تجبر بالدم ويصح الحج بدونها وقال بعض أصحابنا هي شرط لصحة الاحرام قال ولا يصح الاحرام ولا الحج الا بها والصحيح من مذهبنا ما قدمناه عن الشافعي وقال مالك ليست بواجبة ولكن لو تركها لزمه دم وصحه حجه قال الشافعي ومالك ينعقد الحج بالنية بالقلب من غير لفظ كما ينعقد الصوم بالنية فقط وقال أبو حنيفة لا ينعقد الا بانضمام التلبية أو سوق الهدي إلى النية قال أبو حنيفة ويجزي عن التلبية ما فى معناها من التسبيح والتهليل وسائر الأذكار كما قال هو أن التسبيح وغيره يجزئ في الاحرام بالصلاة عن التكبير والله أعلم قال أصحابنا ويستحب رفع الصوت بالتلبية بحيث لا يشق عليه والمرأة ليس لها الرفع لأنه يخاف الفتنة بصوتها ويستحب الاكثار منها لا سيما عند تغاير الأحوال كإقبال الليل والنهار والصعود والهبوط واجتماع الرفاق والقيام والقعود والركوب والنزول وأدبار الصلوات وفي المساجد كلها والأصح أنه لا يلبي في الطواف والسعي لأن لهما أذكارا مخصوصة ويستحب أن يكرر التلبية كل مرة ثلاث مرات فأكثر ويواليها ولا يقطعها بكلام فإن سلم عليه رد السلام باللفظ ويكره السلام عليه في هذه الحال واذا لبى صلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأل الله تعالى ما شاء لنفسه ولمن أحبه وللمسلمين وافضله سؤال الرضوان والجنة والاستعاذة من النار واذا رأى شيئا يعجبه قال لبيك ان العيش عيش الآخرة ولا تزال التلبية مستحبة للحاج حتى يشرع في رمي جمرة العقبة يوم النحر أو يطوف طواف الافاضة ان قدمه عليها أو الحلق عند من يقول الحلق نسك وهو الصحيح وتستحب للعمرة حتى يشرع في الطواف وتستحب التلبية للمحرم مطلقا سواء الرجل والمرأة والمحدث والجنب والحائض لقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي
1 ( باب أمر أهل المدينة بالاحرام من عند مسجد ذي الحليفة ) 1186 قوله عن بن عمر ( قال بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم الا من عند المسجد يعنى ذا الحليفة ) وفي الرواية الأخرى ( ما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم الا من عند الشجرة حين قام به بعيره ) قال العلماء هذه البيداء هي الشرف الذي قدام ذي الحليفة إلى جهة مكة وهي بقرب ذي الحليفة وسميت بيداء لأنه ليس فيها بناء ولا أثر وكل مفازة تسمى بيداء وأما هنا فالمراد بالبيداء ما ذكرناه وقوله تكذبون فيها أي تقولون انه صلى الله عليه وسلم أحرم منها ولم يحرم منها وانما أحرم قبلها من عند مسجد ذي الحليفة ومن عند الشجرة التي كانت هناك وكانت عند المسجد وسماهم بن عمر كاذبين لأنهم أخبروا بالشيء على خلاف ما هو وقد سبق في أول هذا الشرح في مقدمة صحيح مسلم أن الكذب عند أهل السنة هو الاخبار عن الشيء بخلاف ما هو سواء تعمده أم غلط فيه أو سها وقالت المعتزلة يشترط فيه العمدية وعندنا أن العمدية شرط لكونه اثما لا لكونه يسمى كذبا فقول بن عمر جار على قاعدتنا وفيه أنه لا بأس باطلاق هذه اللفظة وفيه دلالة على أن ميقات أهل المدينة من عند مسجد ذي الحليفة ولا يجوز لهم تأخير الاحرام إلى البيداء وبهذا قال جميع العلماء وفيه أن الاحرام من الميقات أفضل من دويرة أهله لأنه صلى الله عليه وسلم ترك الاحرام من مسجده مع كمال شرفه فان قيل انما أحرم من الميقات لبيان الجواز قلنا هذا غلط لوجهين أحدهما أن البيان قد حصل بالأحاديث الصحيحة في بيان المواقيت والثاني أن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم انما يحمل على بيان الجواز في شيء يتكرر فعله كثيرا فيفعله مرة أو مرات على الوجه الجائز لبيان الجواز ويواظب غالبا على فعله على أكمل وجوهه وذلك كالوضوء مرة ومرتين وثلاثا كله ثابت والكثير أنه صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا وأما الاحرام بالحج فلم يتكرر وانما جرى منه صلى الله عليه وسلم مرة واحدة فلا يفعله الا على أكمل وجوهه والله أعلم قوله ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يركع بذي الحليفة ركعتين ثم اذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل ) فيه استحباب صلاة الركعتين عند ارادة الاحرام ويصليهما قبل الاحرام ويكونان نافلة هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة الا ما حكاه القاضي وغيره عن الحسن البصري أنه استحب كونهما بعد صلاة فرض قال لأنه روي أن هاتين الركعتين كانتا صلاة الصبح والصواب ما قاله الجمهور وهو ظاهر الحديث قال أصحابنا وغيرهم من العلماء وهذه الصلاة سنة لو تركها فاتته الفضيلة ولا اثم عليه ولا دم قال أصحابنا فان كان احرامه في وقت من الأوقات المنهي فيها عن الصلاة لم يصلهما هذا هو المشهور وفيه وجه لبعض أصحابنا أنه يصليهما فيه لأن سببهما ارادة الاحرام وقد وجد ذلك وأما وقت الاحرام فسنذكره في الباب بعده ان شاء الله تعالى 1 ( باب بيان أن الأفضل أن يحرم حين تنبعث به راحلته ( متوجها إلى مكة لا عقب الركعتين ))
1187 قوله في هذا الباب عن بن عمر قال ( فإني لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل حتى تنبعث به راحلته ) وقال في الحديث السابق ثم اذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل وفي الحديث الذي قبله كان اذا استوت به راحلته قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل وفي رواية حين قام به بعيره وفي رواية يهل حين تستوي به راحلته قائمة هذه الروايات كلها متفقة في المعنى وابنعاثها هو استواؤها قائمة وفيها دليل لمالك والشافعي والجمهور أن الأفضل أن يحرم اذا انبعثت به راحلته وقال أبو حنيفة يحرم عقب الصلاة وهو جالس قبل ركوب دابته وقبل قيامه وهو قول ضعيف للشافعي وفيه حديث من رواية بن عباس لكنه ضعيف وفيه أن التلبية لا تقدم على الاحرام قوله عن عبيد بن جريج أنه قال لابن عمر ( رأيتك تصنع أربعا لم أر أحدا من أصحابك يصنعها ) إلى آخره قال المازري يحتمل أن مراده لا يصنعها غيرك مجتمعة وان كان يصنع بعضها قوله ( رأيتك لا تمس من الأركان الا اليمانيين ) ثم ذكر بن عمر في جوابه أنه لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم يمس الا اليمانيين هما بتخفيف الياء هذه اللغة الفصيحة المشهورة وحكى سيبويه وغيره من الأئمة تشديدها في لغة قليلة والصحيح التخفيف قالوا لأن نسبه إلى اليمن فحقه أن يقال اليمني وهو جائز فلما قالوا اليماني أبدلوا من احدى ياءي النسب ألفا فلو قالوا اليماني بالتشديد لزم منه الجمع بين البدل والمبدل والذين شددوها قالوا هذه الألف زائدة وقد تزاد في النسب كما قالوا في النسب إلى صنعا صنعاني فزادوا النون الثانية والى الري رازي فزادوا الزاي والى الرقبة رقباني فزادوا النون والمراد بالركنين اليمانيين الركن اليماني والركن الذي فيه الحجر الأسود ويقال له العراقى لكونه إلى جهة العراق وقيل للذي قبله اليماني لأنه إلى جهة اليمن ويقال لهما اليمانيان تغليبا لأحد الاسمين كما قالوا الأبوان للاب والأم والقمران للشمس والقمر والعمران لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ونظائره مشهورة فتارة يغلبون بالفضيلة كالأبوين وتارة بالخفة كالعمرين وتارة بغير ذلك وقد بسطته في تهذيب الأسماء واللغات قال العلماء ويقال للركنين الآخرين اللذين يليان الحجر بكسر الحاء الشاميان لكونهما بجهة الشام قالوا فاليمانيان باقيان على قواعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم بخلاف الشاميين فلهذا لم يستلما واستلم اليمانيان لبقائهما على قواعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم ثم ان العراقي من اليمانيين اختص بفضيلة أخرى وهي الحجر الأسود فاختص لذلك مع الاستلام بتقبيله ووضع الجبهة عليه بخلاف اليماني والله أعلم قال القاضي وقد اتفق أئمة الأمصار والفقهاء اليوم على أن الركنين الشاميين لا يستلمان وانما كان الخلاف في ذلك العصر الأول من بعض الصحابة وبعض التابعين ثم ذهب وقوله ( ورأيتك تلبس النعال السبتية ) وقال بن عمر في جوابه ( وأما النعال السبتية فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس النعال التي ليس فيها شعر ويتوضأ فيها وأنا أحب أن ألبسها ) فقوله ألبس وتلبس كله بفتح الباء وأما السبتية فبكسر السين واسكان الباء الموحدة وقد اشار بن عمر إلى تفسيرها بقوله التي ليس فيها شعر وهكذا قال جماهير أهل اللغة وأهل الغريب وأهل الحديث انها التي لا شعر فيها قالوا وهي مشتقة من السبت بفتح السين وهو الحلق والازالة ومنه قولهم سبت رأسه أي حلقه قال الهروي وقيل سميت بذلك لأنها انسبتت بالدباغ أي لانت يقال رطبة منسبتة أي لينة قال أبو عمرو الشيباني السبت كل جلد مدبوغ وقال أبو زيد السبت جلود البقر مدبوغة كانت أو غير مدبوغة وقيل هو نوع من الدباغ يقلع الشعر وقال بن وهب النعال السبتية كانت سودا لا شعر فيها قال القاضي وهذا ظاهر كلام بن عمر في قوله النعال التي ليس فيها شعر قال وهذا لا يخالف ما سبق فقد تكون سودا مدبوغة بالقرظ لا شعر فيها لأن بعض المدبوغات يبقى شعرها وبعضها لا يبقى قال وكانت عادة العرب لباس النعال بشعرها غير مدبوغة وكانت المدبوغة تعمل بالطائف وغيره وانما كان يلبسها أهل الرفاهية كما قال شاعرهم تحذى نعال السبت ليس بتوءم ( قال القاضي والسين في جميع هذا مكسورة قال والأصح عندى أن يكون اشتقاقها واضافتها إلى السبت الذي هو الجلد المدبوغ أو إلى الدباغة لأن السين مكسورة في نسبتها ولو كانت من السبت الذي هو الحلق كما قاله الأزهرى وغيره لكانت النسبة سبتية بفتح السين ولم يروها أحد في هذا الحديث ولا في غيره ولا في الشعر فيما علمت الا بالكسر هذا كلام القاضي وقوله ( ويتوضأ فيها ) معناه يتوضأ ويلبسها ورجلاه رطبتان قوله ( ورأيتك تصبغ بالصفرة وقال بن عمر في جوابه وأما الصفرة فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ بها فأنا أحب أن أصبغ بها ) فقوله يصبغ وأصبغ بضم الباء وفتحها لغتان مشهورتان حكاهما الجوهري وغيره قال الامام المازرى قيل المراد في هذا الحديث صبغ الشعر وقيل صبغ الثوب ) قال والأشبه أن يكون صبغ الثياب لأنه أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم صبغ ولم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه صبغ شعره قال القاضي عياض هذا أظهر الوجهين والا فقد جاءت آثار عن بن عمر بين فيها تصفير بن عمر لحيته واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصفر لحيته بالورس والزعفران رواه أبو داود وذكر أيضا في حديث آخر احتجاجه بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبغ بها ثيابه حتى عمامته قوله ( ورأيتك اذا كنت بمكة أهل الناس اذا رأوا الهلال ولم تهل أنت حتى يكون يوم التروية ) وقال بن عمر في جوابه ( وأما الاهلال فإنى لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل حتى تنبعث به راحلته ) أما يوم التروية فبالتاء المثناة فوق وهو الثامن من ذي الحجة سمي بذلك لأن الناس كانوا يتروون فيه من الماء أي يحملونه معهم من مكة إلى عرفات ليستعملوه في الشرب وغيره وأما فقه المسألة فقال المازري أجابه بن عمر بضرب من القياس حيث لم يتمكن من الاستدلال بنفس فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسألة بعينها فاستدل بما في معناه ووجه قياسه أن النبي صلى الله عليه وسلم انما أحرم عند الشروع في أفعال الحج والذهاب إليه فأخر بن عمر الاحرام إلى حال شروعه في الحج وتوجهه إليه وهو يوم التروية فانهم حينئذ يخرجون من مكة إلى منى ووافق بن عمر على هذا الشافعي وأصحابه وبعض أصحاب مالك وغيرهم وقال آخرون الأفضل أن يحرم من أول ذي الحجة ونقله القاضي عن أكثر الصحابة والعلماء والخلاف في الاستحباب وكل منهما جائز بالاجماع والله أعلم قوله ( بن قسيط ) هو يزيد بن عبد الله بن قسيط بقاف مضمومة وسين مهملة مفتوحة واسكان الياء قوله ( وضع رجله في الغرز ) هو بفتح الغين المعجمة ثم راء ساكنة ثم زاي وهو ركاب كور البعير اذا كان من جلد أو خشب وقيل هو الكور مطلقا كالركاب للسرج 1189 قوله ( بات رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة مبدأه وصلى في مسجدها ) قال القاضي هو بفتح الميم وضمها والباء ساكنة فيهما أي ابتداء حجة ومبدأه منصوب على الظرف أي في ابتدائه وهذا المبيت ليس من أعمال الحج ولا من سننه قال القاضي لكن من فعله تأسيا بالنبي صلى الله عليه وسلم فحسن والله أعلم
1 ( باب استحباب الطيب قبل الاحرام في البدن واستحبابه بالمسك ( وأنه لا بأس ببقاء وبيصه وهو بريقه ولمعانه )) قولها ( طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرمه حين أحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت ) ضبطوا لحرمه بضم الحاء وكسرها وقد سبق بيانه في شرح مقدمة مسلم والضم أكثر ولم يذكر الهروي وآخرون غيره وأنكر ثابت الضم على المحدثين وقال الصواب الكسر والمراد بحرمه الاحرام بالحج وفيه دلالة على استحباب الطيب عند ارادة الاحرام وأنه لا بأس باستدامته بعد الاحرام وانما يحرم ابتداؤه في الاحرام وهذا مذهبنا وبه قال خلائق من الصحابة والتابعين وجماهير المحدثين والفقهاء منهم سعد بن أبي وقاص وبن عباس وبن الزبير ومعاوية وعائشة وأم حبيبة وأبو حنيفة والثوري وأبو يوسف وأحمد وداود وغيرهم وقال آخرون بمنعه منهم الزهري ومالك ومحمد بن الحسن وحكي أيضا عن جماعة من الصحابة والتابعين قال القاضي وتأول هؤلاء حديث عائشة هذا على أنه تطيب ثم اغتسل بعده فذهب الطيب قبل الاحرام ويؤيد هذا قولها في الرواية الأخرى طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند احرامه ثم طاف على نسائه ثم أصبح محرما فظاهره أنه انما تطيب لمباشرة نسائه ثم زال بالغسل بعده لا سيما وقد نقل أنه كان يتطهر من كل واحدة قبل الأخرى ولا يبقى مع ذلك ويكون قولها ثم أصبح ينضخ طيبا أي قبل غسله وقد سبق في رواية لمسلم أن ذلك الطيب كان ذرة وهي مما يذهبه الغسل قال وقولها كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم المراد به أثره لا جرمه هذا كلام القاضي ولا يوافق عليه بل الصواب ما قاله الجمهور أن الطيب مستحب للاحرام لقولها طيبته لحرمه وهذا ظاهر في أن الطيب للاحرام لا للنساء ويعضده قولها كأنى أنظر إلى وبيص الطيب والتأويل الذي قاله القاضي غير مقبول لمخالفته الظاهر بلا دليل يحملنا عليه وأما قولها ولحله قبل أن يطوف فالمراد به طواف الافاضة ففيه دلالة لإستباحة الطيب بعد رمي جمرة العقبة والحلق وقبل الطواف وهذا مذهب الشافعي والعلماء كافة الا مالكا كرهه قبل طواف الافاضة وهو محجوج بهذا الحديث وقولها لحله دليل على أنه حصل له تحلل وفي الحج تحللان يحصلان بثلاثة أشياء رمي جمرة العقبة والحلق وطواف الافاضة مع سعيه أن لم يكن سعى عقب طواف القدوم فاذا فعل الثلاثة حصل التحللان واذا فعل اثنين منهما حصل التحلل الأول أي اثنين كانا ويحل بالتحلل الأول جميع المحرمات الا الاستمتاع بالنساء فانه لا يحل الا بالثاني وقيل يباح منهن غير الجماع بالتحلل الأول وهو قول بعض أصحابنا وللشافعي قول أنه لا يحل بالأول الا اللبس والحلق وقلم الأظفار والصواب ما سبق والله أعلم وقولها في الرواية الأخرى ( ولحله حين حل قبل أن يطوف بالبيت ) فيه تصريح بان التحلل الأول يحصل بعد رمي جمرة العقبة والحلق قبل الطواف وهذا متفق عليه قولها ( بذريرة ) هي بفتح الذال المعجمة وهي قناب قصب طيب يجاء به من الهند 1190 قولها ( وبيص الطيب في مفرقه ) الوبيص البريق واللمعان والمفرق بفتح الميم وكسر الراء 1192 قوله ( عن بن عمر ما أحب أن أصبح محرما أنضخ طيبا وقولها ( ينضخ طيبا ) كله بالخاء المعجمة أي يفور منه الطيب ومنه قوله تعالى عينان نضاختان هذا هو المشهور أنه بالخاء المعجمة ولم يذكر القاضي غيره وضبطه بعضهم بالحاء المهملة وهما متقاربان في المعنى قال القاضي قيل النضخ بالمعجمة أقل من النضح بالمهملة وقيل عكسه وهو اشهر وأكثر قولها ( ثم يطوف على نسائه ) قد يقال قد قال الفقهاء أقل القسم ليلة لكل أمرأة فكيف طاف على الجميع في ليلة واحدة وجوابه من وجهين أحدهما أن هذا كان برضاهن ولا خلاف في جوازه برضاهن كيف كان والثاني أن القسم في حق النبي صلى الله عليه وسلم هل كان واجبا في الدوام فيه خلاف لأصحابنا قال أبو سعيد الاصطخري لم يكن واجبا وانما كان يقسم بالسوية ويقرع بينهن تكرما وتبرعا لا وجوبا وقال الأكثرون كان واجبا فعلى قول الاصطخري لا اشكال والله أعلم
1 ( باب تحريم الصيد المأكول البري ( أو ما أصله ذلك على المحرم بحج أو عمرة أو بهما ))
1193 قوله ( عن الصعب بن جثامة ) هو بجيم مفتوحة ثم ثاء مثلثة مشددة قوله ( وهو بالأبوا أو بودان ) أما الابواء فبفتح الهمزة واسكان الموحدة وبالمد وودان بفتح الواو وتشديد الدال المهملة وهما مكانان بين مكة والمدينة قوله صلى الله عليه وسلم ( انا لم نرده عليك الا أنا حرم ) هو بفتح الهمزة من أنا حرم وحرم بضم الحاء والراء أى محرمون قال القاضي عياض رحمه الله تعالى رواية المحدثين في هذا الحديث لم نرده بفتح الدال قال وأنكره محققو شيوخنا من أهل العربية وقالوا هذا غلط من الرواة وصوابه ضم الدال قال ووجدته بخط بعض الاشياخ بضم الدال وهو الصواب عندهم على مذهب سيبويه في مثل هذا من المضاعف اذا دخلت عليه الهاء أن يضم ما قبلها في الامر ونحوه من المجزوم مراعاة للواو التي توجبها ضمة الهاء بعدها لخفاء الهاء فكان ما قبلها ولى الواو ولا يكون ما قبل الواو الا مضموما هذا في المذكر وأما المؤنث مثل ردها وجبها فمفتوح الدال ونظائرها مراعاة للالف هذا آخر كلام القاضي فأما ردها ونظائرها من المؤنث ففتحة الهاء لازمة بالاتفاق وأما رده ونحوه للمذكر ففيه ثلاثة أوجه أفصحها وجوب الضم كما ذكره القاضي والثاني الكسر وهو ضعيف والثالث الفتح وهو أضعف منه وممن ذكره ثعلب في الفصيح لكن غلطوه لكونه أوهم فصاحته ولم ينبه على ضعفه قوله ( عن الصعب بن جثامة الليثي أنه أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا ) وفي رواية حمار وحش وفي رواية من لحم حمار وحش وفي رواية عجز حمار وحش يقطر دما وفي رواية شق حمار وحش وفي رواية عضوا من لحم صيد هذه روايات مسلم وترجم له البخاري باب اذا أهدي للمحرم حمارا وحشيا حيا لم يقبل ثم رواه باسناده وقال في روايته حمارا وحشيا وحكي هذا التأويل أيضا عن مالك وغيره وهو تأويل باطل وهذه الطرق التي ذكرها مسلم صريحة في أنه مذبوح وأنه انما أهدي بعض لحم صيد لا كله واتفق العلماء على تحريم الاصطياد على المحرم وقال الشافعي وآخرون يحرم عليه تملك الصيد بالبيع والهبة ونحوهما وفي ملكه اياه بالارث خلاف وأما لحم الصيد فان صاده أو صيد له فهو حرام سواء صيد له باذنه أم بغير اذنه فان صاده حلال لنفسه ولم يقصد المحرم ثم أهدى من لحمه للمحرم أو باعه لم يحرم عليه هذا مذهبنا وبه قال مالك وأحمد وداود وقال أبو حنيفة لا يحرم عليه ما صيد له بغير اعانة منه وقالت طائفة لا يحل له لحم الصيد أصلا سواء صاده أو صاده غيره له أو لم يقصده فيحرم مطلقا حكاه القاضي عياض عن علي وبن عمر وبن عباس رضي الله عنهم لقوله تعالى وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما قالوا المراد بالصيد المصيد ولظاهر حديث الصعب بن جثامة فان النبي صلى الله عليه وسلم رده وعلل رده أنه محرم ولم يقل لانك صدته لنا واحتج الشافعي وموافقوه بحديث أبي قتادة المذكور في صحيح مسلم بعد هذا فان النبي صلى الله عليه وسلم قال في الصيد الذي صاده أبو قتادة وهو حلال قال للمحرمين هو حلال فكلوا وفي الرواية الاخرى قال فهل معكم منه شيء قالوا معنا رجله فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلها وفي سنن أبي داود والترمذي والنسائي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم هكذا الرواية يصاد بالالف وهي جائزة على لغة ومنه قول الشاعر ألم يأتيك والانباء تنمى ( قال أصحابنا يجب الجمع بين هذه الاحاديث وحديث جابر هذا صريح في الفرق وهو ظاهر في الدلالة للشافعي وموافقيه ورد لما قاله أهل المذهبين الآخرين ويحمل حديث أبي قتادة على أنه لم يقصدهم باصطياده وحديث الصعب أنه قصدهم باصطياده وتحمل الآية الكريمة على الاصطياد وعلى لحم ما صيد للمحرم للاحاديث المذكورة المبينة للمراد من الآية وأما قولهم في حديث الصعب أنه صلى الله عليه وسلم علل بأنه محرم فلا يمنع كونه صيد له لانه انما يحرم الصيد على الانسان اذا صيد له بشرط أنه محرم فبين الشرط الذي يحرم به قوله صلى الله ) عليه وسلم ( انا لم نرده عليك الا أنا حرم ) فيه جواز قبول الهدية للنبي صلى الله عليه وسلم بخلاف الصدقة وفيه أنه يستحب لمن امتنع من قبول هدية ونحوها لعذر أن يعتذر بذلك إلى المهدي تطييبا لقلبه 1196 قوله ( سمعت أبا قتادة يقول خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اذا كنا بالقاحة فمنا المحرم ومنا غير المحرم ) إلى آخره القاحة بالقاف وبالحاء المهملة المخففة هذا هو الصواب المعروف في جميع الكتب والذي قاله العلماء من كل طائفة قال القاضي كذا قيدها الناس كلهم قال ورواه بعضهم عن البخاري بالفاء وهو وهم والصواب القاف وهو واد على نحو ميل من السقيا وعلى ثلاث مراحل من المدينة ( والسقيا ) بضم السين المهملة واسكان القاف وبعدها ياء مثناة من تحت وهي مقصورة وهي قرية جامعة بين مكة والمدينة من أعمال الفرع بضم الفاء واسكان الراء وبالعين المهملة والأبواء وودان قريتان من أعمال الفرع أيضا ( وتعهن ) المذكورة في هذا الحديث هي عين ماء هناك على ثلاثة أميال من السقيا وهي بتاء مثناة فوق مكسورة ومفتوحة ثم عين مهملة ساكنة ثم هاء مكسورة ثم نون قال القاضي عياض هي بكسر التاء وفتحها قال وروايتنا عن الأكثرين بالكسر قال وكذا قيدها البكري في معجمه قال القاضي وبلغني عن أبي ذر الهروي أنه قال سمعت العرب تقولها بضم التاء وفتح العين وكسر الهاء وهذا ضعيف وأما ( غيقة ) فهي بغين معجمة مفتوحة ثم ياء مثناة من تحت ساكنة ثم قاف مفتوحة وهي موضع من بلاد بني غفار بين مكة والمدينة قال القاضي وقيل هي بئر ماء لبني ثعلبة قوله ( فمنا المحرم ومنا غير المحرم ) قد يقال كيف كان أبو قتادة وغيره منهم غير محرمين وقد جاوزوا ميقات المدينة وقد تقرر أن من أراد حجا أو عمرة لا يجوز له مجاوزة الميقات غير محرم قال القاضي في جواب هذا قيل أن المواقيت لم تكن وقتت بعد وقيل لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا قتادة ورفقته لكشف عدو لهم بجهة الساحل كما ذكره مسلم في الرواية الأخرى وقيل أنه لم يكن خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة بل بعثه أهل المدينة بعد ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليعلمه أن بعض العرب يقصدون الاغارة على المدينة وقيل أنه خرج معهم ولكنه لم ينو حجا ولا عمرة قال القاضي وهذا بعيد والله أعلم قوله ( فسقط مني سوطي فقلت لأصحابي وكانوا محرمين ناولوني السوط فقالوا والله لا نعنيك عليه بشيء ) وقال في الرواية الأخرى ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هل أشار إليه انسان منكم أو أمره بشيء قالوا لا قال فكلوه ) هذا ظاهر في الدلالة على تحريم الاشارة والاعانة من المحرم في قتل الصيد وكذلك الدلالة عليه وكل سبب وفيه دليل للجمهور على أبي حنيفة في قوله لا تحل الاعانة من المحرم الا اذا لم يمكن اصطياده بدونها قوله ( فقال بعضهم كلوه وقال بعضهم لا تأكلوه ) ثم قال فقال النبي صلى الله عليه وسلم هو حلال فكلوه فيه دليل على جواز الاجتهاد في مسائل الفروع والاختلاف فيها والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( هو حلال فكلوه ) صريح في أن الحلال اذا صاد صيدا ولم يكن من المحرم اعانة ولا اشارة ولا دلالة عليه حل للمحرم أكله وقد سبق أن هذا مذهب الشافعي والأكثرين قوله ( اذ بصرت بأصحابي يتراءون شيئا ) وفي الرواية الأخرى ( يضحك بعضهم الي اذ نظرت فاذا أنا بحمار وحش ) هكذا وقع في جميع نسخ بلادنا يضحك الي بتشديد الياء قال القاضي هذا خطأ وتصحيف ووقع في رواية بعض الرواة عن مسلم والصواب يضحك الي بعض فأسقط لفظه بعض والصواب اثباتها كما هو مشهور في باقي الروايات لأنهم لو ضحكوا إليه لكانت اشارة منهم وقد قالوا انهم لم يشيروا إليه قلت لا يمكن رد هذه الرواية فقد صحت هي والرواية الأخرى وليس في واحدة منهما دلالة ولا اشارة إلى الصيد فان مجرد الضحك ليس فيه اشارة قال العلماء وانما ضحكوا تعجبا من عروض الصيد ولا قدرة لهم عليه لمنعهم منه والله أعلم قوله ( فاذا حمار وحش ) وكذا ذكر في أكثر الروايات حمار وحش وفي رواية أبي كامل الجحدري اذ رأوا حمر وحش فحمل عليها أبو قتادة فعقر منها أتانا فأكلوا من لحمها فهذه الرواية تبين ان الحمار في أكثر الروايات المراد به أنثى وهى الأتان وسميت حمارا مجازا قوله صلى الله عليه وسلم ( هل معكم من لحمه شيء ) وفي الرواية الأخرى هل معكم منه شيء قالوا معنا رجله فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلها انما أخذها وأكلها تطييبا لقلوبهم في اباحته ومبالغة في ازالة الشك والشبهة عنهم بحصول الاختلاف بينهم فيه قبل ذلك قوله ( فقال انما هي طعمة ) هي الطاء أي طعام قوله ( أرفع فرسي شأوا وأسير شأوا ) هو بالشين المعجمة مهموز والشأو الطلق والغاية ومعناه أركضه شديدا وقتا وأسوقه بسهولة وقتا قوله ( فقلت أين لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركته بتعهن وهو قائل السقيا ) أما غيقة والسقيا وتعهن فسبق ضبطهن وبيانهن وقوله قائل روي بوجهين أصحهما وأشهرهما قائل بهمزة بين الألف واللام من القيلولة ومعناه تركته بتعهن وفي عزمه أن يقيل بالسقيا ومعنى قائل سيقيل ولم يذكر القاضي في شرح مسلم وصاحب المطالع والجمهور غير هذا بمعناه والوجه الثاني أنه قابل بالباء الموحدة وهو ضعيف وغريب وكأنه تصحيف وأن صح فمعناه تعهن موضع مقابل للسقيا قوله ( قلت يا رسول الله ان أصحابك يقرؤون عليك السلام ورحمة الله ) فيه استحباب ارسال السلام إلى الغائب سواء كان أفضل من المرسل أم لا لأنه اذا أرسله إلى من هو أفضل فمن دونه أولى قال أصحابنا ويجب على الرسول تبليغه ويجب على المرسل إليه رد الجواب حين يبلغه على الفور قوله ( يا رسول الله اني اصدت ومعي منه فاضلة ) هكذا هو في بعض النسخ وهو بفتح الصاد المخففة والضمير في منه يعود على الصيد المحذوف الذي دل عليه أصدت ويقال بتشديد الصاد وفي بعض النسخ صدت وفي بعضها اصطدت وكله صحيح قوله صلى الله عليه وسلم ( أشرتم أو أعنتم أو أصدتم ) روي بتشديد الصاد وتخفيفها وروي صدتم قال القاضي رويناه بالتخفيف في أصدتم ومعناه أمرتم بالصيد أو جعلتم من يصيده وقيل معناه أثرتم الصيد من موضعه يقال أصدت الصيد مخفف أي أثرته قال وهو أولى من رواية من رواه صدتم أو اصدتم بالتشديد لأنه صلى الله عليه وسلم قد علم أنهم لم يصيدوا وانما سألوه عما صاد غيرهم والله أعلم 1197 قوله ( فلما استيقظ طلحة وفق من أكله ) معناه صوبه والله أعلم
1 ( باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم )
قوله صلى الله عليه وسلم ( خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحديا ) وفي رواية الحدأة وفي رواية العقرب بدل الحية وفي الرواية الأولى أربع بحذف الحية والعقرب فالمنصوص عليه الست واتفق جماهير العلماء على جواز قتلهن في الحل والحرم والاحرام واتفقوا على أنه يجوز للمحرم أن يقتل ما في معناهن ثم اختلفوا في المعنى فيهن وما يكون في معناهن فقال الشافعي المعنى في جواز قتلهن كونهن مما لا يؤكل وكل مالا يؤكل ولا هو متولد من مأكول وغيره فقتله جائز للمحرم ولا فدية عليه وقال مالك المعنى فيهن كونهن مؤذيات فكل مؤذ يجوز للمحرم قتله ومالا فلا واختلف العلماء في المراد بالكلب العقور فقيل هو الكلب المعروف وقيل كل ما يفترس لأن كل مفترس من السباع يسمى كلبا عقورا في اللغة وأما تسمية هذه المذكورات فواسق فصحيحة جارية على وفق اللغة وأصل الفسق في كلام العرب الخروج وسمي الرجل الفاسق لخروجه عن أمر الله تعالى وطاعته فسميت هذه فواسق لخروجها بالإيذاء والافساد عن طريق معظم الدواب وقيل لخروجها عن حكم الحيوان في تحريم قتله في الحرم والاحرام وقيل فيها لأقوال أخر ضعيفة لا نعتنيها وأما الغراب الابقع فهو الذي في ظهره وبطنه بياض وحكى الساجي عن النخعي أنه لا يجوز للمحرم قتل الفارة وحكى غيره عن علي ومجاهد أنه لا يقتل الغراب ولكن يرمى وليس بصحيح عن علي واتفق العلماء على جواز قتل الكلب العقور للمحرم والحلال في الحل والحرم واختلفوا في المراد به فقيل هذا الكلب المعروف خاصة حكاه القاضي عن الأوزاعي وأبي حنيفة والحسن بن صالح وألحقوا به الذئب وحمل زفر معنى الكلب على الذئب وحده وقال جمهور العلماء ليس المراد بالكلب العقور تخصيص هذا الكلب المعروف بل المراد هو كل عاد مفترس غالبا كالسبع والنمر والذئب والفهد ونحوها وهذا قول زيد بن أسلم وسفيان الثورى وبن عيينة والشافعي وأحمد وغيرهم وحكاه القاضي عياض عنهم وعن جمهور العلماء ومعنى العقور والعاقر الجارح وأما الحدأة فمعروفة وهي بكسر الحاء مهموزة وجمعها حدأ بكسر الحاء مقصور مهموز كعنبة وعنب وفي الرواية الأخرى الحديا بضم الحاء وفتح الدال وتشديد الياء مقصور قال القاضي قال ثابت الوجه فيه الهمز على معنى التذكير والا فحقيقته حدية وكذا قيده الأصيلي في صحيح البخاري في موضع أو الحدية على التسهيل والادغام وقوله في الحية ( تقتل بصغر لها ) هو بضم الصاد أي بمذلة واهانة قوله صلى الله عليه وسلم ( خمس فواسق ) هو بتنوين خمس وقوله بقتل خمس فواسق بإضافة خمس لا بتنوينه 1199 قوله صلى الله عليه وسلم في رواية زهير ( خمس لا جناح على من قتلهن في الحرم والاحرام ) اختلفوا في ضبط الحرم هنا فضبطه جماعة من المحققين بفتح الحاء والراء أي الحرم المشهور وهو حرم مكة والثاني بضم الحاء والراء ولم يذكر القاضي عياض في المشارق غيره قال وهو جمع حرام كما قال الله تعالى وأنتم حرم قال والمراد به المواضع المحرمة والفتح أظهر والله أعلم وفي هذه الاحاديث دلالة للشافعي وموافقيه في أنه يجوز أن يقتل في الحرم كل من يجب عليه قتل بقصاص أو رجم بالزنى أو قتل في المحاربة وغير ذلك وأنه يجوز أقامة كل الحدود فيه سواء كان موجب القتل والحد جرى في الحرم أو خارجه ثم لجأ صاحبه إلى الحرم وهذا مذهب مالك والشافعي وآخرين وقال أبو حنيفة وطائفة ما ارتكبه من ذلك في الحرم يقام عليه فيه وما فعله خارجه ثم لجأ إليه ان كان اتلاف نفس لم يقم عليه في الحرم بل يضيق عليه ولا يكلم ولا يجالس ولا يبايع حتى يضطر إلى الخروج منه فيقام عليه خارجه وما كان دون النفس يقام فيه قال القاضي وروي عن بن عباس وعطاء والشعبي والحكم نحوه لكنهم لم يفرقوا بين النفس ودونها وحجتهم ظاهر قول الله تعالى ومن دخله كان آمنا وحجتنا عليهم هذه الاحاديث لمشاركة فاعل الجناية لهذه الدواب في اسم الفسق بل فسقه أفحش لكونه مكلفا ولان التضييق الذي ذكروه لا يبقى لصاحبه أمان فقد خالفوا ظاهر ما فسروا به الآية قال القاضي ومعنى الآية عندنا وعند أكثر المفسرين أنه اخبار عما كان قبل الإسلام وعطفه على ما قبله من الآيات وقيل آمن من النار وقالت طائفة يخرج ويقام عليه الحد وهو قول بن الزبير والحسن ومجاهد وحماد والله أعلم