Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Minhâc (Müslim şerhi)

Section V08/P117

1 ( باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى ( وجوب الفدية لحلقه وبيان قدرها ))

Section V08/P117–V08/P121

1201 قوله صلى الله عليه وسلم أتؤذيك هوام رأسك قال نعم قال فاحلق وصم ثلاث أيام أو أطعم ستة مساكين أو أنسك نسيكة وفي رواية فأمرني بفدية من صيام أو صدقة أو نسك ما تيسر وفي رواية صم ثلاثة أيام أو تصدق بفرق بين ستة أو انسك ما تيسر وفي رواية وأطعم فرقا بين ستة مساكين والفرق ثلاثة آصع أوصم ثلاثة أيام أو انسك نسيكة وفي رواية أو اذبح شاة وفي رواية أو اطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين وفي رواية قال صوم ثلاثة أيام أو اطعام ستة مساكين نصف صاع طعاما لكل مسكين وفي رواية ( قال هل عندك نسك قال ما أقدر عليه فأمره أن يصوم ثلاثة أيام أو يطعم ستة مساكين لكل مسكينين صاع ) هذه روايات الباب وكلها متفقة في المعنى ومقصودها أن من احتاج إلى حلق الرأس لضرر من قمل أو مرض أو نحوهما فله حلقه في الاحرام وعليه الفدية قال الله تعالى فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك وبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الصيام ثلاثة أيام والصدقة ثلاثة آصع لستة مساكين لكل مسكين نصف صاع والنسك شاة وهي شاة تجزيء في الأضحية ثم أن الآية الكريمة والأحاديث متفقة على أنه مخير بين هذه الأنواع الثلاثة وهكذا الحكم عند العلماء أنه مخير بين الثلاثة وأما قوله في رواية هل عندك نسك قال ما أقدر عليه فأمره أن يصوم ثلاثة أيام فليس المراد به أن الصوم لا يجزئ الا لعادم الهدي بل هو محمول على أنه سأل عن النسك فان وجده أخبره بانه مخير بينه وبين الصيام والاطعام وان عدمه فهو مخير بين الصيام والاطعام واتفق جماهير العلماء على القول بظاهر هذا الحديث الا ما حكي عن أبي حنيفة والثوري أن نصف الصاع لكل مسكين انما هو في الحنطة فأما التمر والشعير وغيرهما فيجب صاع لكل مسكين وهذا خلاف نصفه صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ثلاثة آصع من تمر وعن أحمد بن حنبل رواية أنه لكل مسكين مد من حنطة أو نصف صاع من غيره وعن الحسن البصري وبعض السلف أنه يجب اطعام عشرة مساكين أو صوم عشرة ايام وهذا ضعيف منابذ للسنة مردود قوله صلى الله عليه وسلم ( أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين ) معناه مقسومة على ستة مساكين والآصع جمع صاع وفي الصاع لغتان التذكير والتأنيث وهو مكيال يسع خمسة ارطال وثلثا بالبغدادي هذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وجماهير العلماء وقال أبو حنيفة يسع ثمانية أرطال وأجمعوا على أن الصاع أربعة أمدادا وهذا الذي قدمناه من أن الآصع جمع صاع صحيح وقد ثبت استعمال الآصع في هذا الحديث الصحيح من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك هو مشهور في كلام الصحابة والعلماء بعدهم وفي كتب اللغة وكتب النحو والتصريف ولا خلاف في جوازه وصحته وأما ما ذكره بن مكى في كتابه تثقيف اللسان أن قولهم في جمع الصاع آصع لحن من خطأ العوام وأن صوابه أصوع فغلط منه وذهول وعجب قوله هذا مع اشتهار اللفظة في كتب الحديث واللغة والعربية وأجمعوا على صحتها وهو من باب المقلوب قالوا فيجوز في جمع صاع آصع وفي دار آدر وهو باب معروف في كتب العربية لأن فاء الكلمة في آصع صاد وعينها واو فقلبت الواو همزة ونقلت إلى موضع الفاء ثم قلبت الهمزة ألفا حين اجتمعت هي وهمزة الجمع فصار آصعا ووزنه عندهم أعقل وكذلك القول في آدر ونحوه قوله صلى الله عليه وسلم ( هوام رأسك ) أي القمل قوله صلى الله عليه وسلم ( انسك نسيكة ) وفي رواية ما تيسر وفي رواية شاة الجميع بمعنى واحد وهو شاة وشرطها أن تجزيء في الأضحية ويقال للشاة وغيرها مما يجزئ في الأضحية نسيكة ويقال نسك ينسك وينسك بضم السين وكسرها في المضارع والضم أشهر قوله ( كعب بن عجرة ) بضم العين واسكان الجيم قوله ( ورأسه يتهافت قملا ) أي يتساقط ويتناثر قوله صلى الله عليه وسلم ( تصدق بفرق ) هو بفتح الراء واسكانها لغتان وفسره في الرواية الثانية بثلاثة آصع وهكذا هو وقد سبق بيانه واضحا في كتاب الطهارة قوله ( فقمل رأسه ) هو بفتح القاف وكسر الميم أي كثر قمله

Section V08/P121–V08/P124

1 ( باب جواز الحجامة للمحرم ) 1203 قوله ( أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم بطريق مكة وهو محرم وسط رأسه ) وسط الرأس بفتح السين قال أهل اللغة كل ما كان يبين بعضه من بعض كوسط الصف والقلادة والسبحة وحلقة الناس ونحو ذلك فهو وسط بالاسكان وما كان مصمتا لا يبين بعضه من بعض كالدار والساحة والرأس والراحة فهو وسط بفتح السين قال الأزهرى والجوهري وغيرهما وقد أجازوا في المفتوح الاسكان ولم يجيزوا في الساكن الفتح وفي هذا الحديث دليل لجواز الحجامة للمحرم وقد أجمع العلماء على جوازها له في الرأس وغيره اذا كان له عذر في ذلك وان قطع الشعر حينئذ لكن عليه الفدية لقطع الشعر فان لم يقطع فلا فدية عليه ودليل المسألة قوله تعالى فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية الآية وهذا الحديث محمول على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له عذر في الحجامة في وسط الرأس لأن لا ينفك عن قطع شعر أما اذا أراد المحرم الحجامة لغير حاجة فان تضمنت قلع شعر فهي حرام لتحريم قطع الشعر وان لم تتضمن ذلك بأن كانت في موضع لا شعر فيه فهي جائزة عندنا وعند الجمهور ولا فدية فيها وعن بن عمر ومالك كراهتها وعن الحسن البصري فيها الفدية دليلنا أن اخراج الدم لس حراما في الاحرام وفي هذا الحديث بيان قاعدة من مسائل الإحرام وهي أن الحلق واللباس وقتل الصيد ونحو ذلك من المحرمات يباح للحاجة وعليه الفدية كمن احتاج إلى حلق أو لباس لمرض أو حر أو برد أو قتل صيد للحاجة وغير ذلك والله أعلم 1 ( باب جواز مداواة المحرم عينيه ) 1204 قوله ( عن نبيه بن وهب ) هو بنون مضمومة ثم باء مفتوحة موحدة ثم مثناة تحت ساكنة قوله ( مع أبان بن عثمان ) قد سبق في أول الكتاب أن في أبان وجهين الصرف وعدمه والصحيح الأشهر الصرف فمن صرفه قال وزنه فعال ومن منعه قال هو أفعل قوله ( حتى اذا كنا بملل ) هو بفتح الميم بلامين وهو موضع على ثمانية وعشرين ميلا من المدينة وقيل اثنان وعشرون حكاهما القاضي عياض في المشارق قوله ( أضمدهما بالصبر ) هو بكسر الميم وقوله بعده ضمدهما بالصبر هو بتخفيف الميم وتشديدها يقال ضمد وضمد بالتخفيف والتشديد وقوله اضمدها بالصبر جاء على لغة التخفيف معناه اللطخ وأما الصبر فبكسر الباء ويجوز اسكانها واتفق العلماء على جواز تضميد العين وغيرها بالصبر ونحوه مما ليس بطيب ولا فدية في ذلك فان احتاج إلى ما فيه طيب جاز له فعله وعليه الفدية واتفق العلماء على أن للمحرم أن يكتحل بكحل لا طيب فيه اذا احتاج إليه ولا فدية عليه فيه وأما الاكتحال للزينة فمكروه عند الشافعي وآخرين ومنعه جماعه منهم أحمد واسحاق وفي مذهب مالك قولان كالمذهبين وفي ايجاب الفدية عندهم بذلك خلاف والله أعلم 1 ( باب جواز غسل المحرم بدنه ورأسه )

Section V08/P124–V08/P125

ذكر في الباب حديث بن حنين أن بن عباس والمسور اختلفا فقال بن عباس للمحرم غسل رأسه وخالفه المسور وأن بن عباس أرسله إلى أبي أيوب يسأله عن ذلك فوجده يغتسل بين القرنين وهو يستتر بثوب قال فسلمت عليه فقال من هذا فقلت أنا عبد الله بن حنين أرسلني إليك عبد الله بن عباس أسألك كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل رأسه وهو محرم فوضع أبو أيوب يده على الثوب فطأطاه حتى بدا لي رأسه ثم قال لانسان يصب عليه اصبب فصب على رأسه ثم حرك رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر ثم قال هكذا رأيته صلى الله عليه وسلم يفعل 1205 قوله ( بين القرنين ) هو بفتح القاف تثنية قرن وهما الخشبتان القائمتان على رأس البئر وشبههما من البناء وتمد بينهما خشبة يجر عليها الحبل المستقى به وتعلق عليها البكرة وفي هذا الحديث فوائد منها جواز اغتسال المحرم وغسله رأسه وامرار اليد على شعره بحيث لا ينتف شعرا ومنها قبول خبر الواحد وأن قبوله كان مشهورا عند الصحابة رضي الله عنهم ومنها الرجوع إلى النص عند الاختلاف وترك الاجتهاد والقياس عند وجود النص ومنها السلام على المتطهر في وضوء وغسل بخلاف الجالس على الحدث ومنها جواز الاستعانة في الطهارة ولكن الأولى تركها الا لحاجة واتفق العلماء على جواز غسل المحرم رأسه وجسده من الجنابة بل هو واجب عليه وأما غسله تبردا فمذهبنا ومذهب الجمهور جوازه بلا كراهة ويجوز عندنا غسل رأسه بالسدر والخطمي بحيث لا ينتف شعرا فلا فدية عليه ما لم ينتف شعرا وقال أبو حنيفة ومالك هو حرام موجب للفدية 1 ( باب ما يفعل بالمحرم اذا مات )

Section V08/P125–V08/P130

1206 فيه حديث بن عباس رضي الله عنه ( أن رجلا خر من بعيره وهو واقف مع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة فوقص فمات فقال اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تخمروا رأسه فان الله يبعثه يوم القيامة ملبيا ) وفي رواية وقع من راحلته فأوقصته أو قال فأقعصته وفي رواية فوقصته وفي رواية وكفنوه في ثوبين ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه فانه يبعث يوم القيامة يلبي وفي رواية ولا تخمروا وجهه ولا رأسه وفي رواية فانه يبعث يوم القيامة ملبدا في هذه الروايات دلالة بينه لمذهب الشافعي وأحمد واسحاق وموافقيهم في أن المحرم اذا مات لا يجوز أن يلبس المخيط ولا تخمر رأسه ولا يمس طيبا وقال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة وغيرهم يفعل به ما يفعل بالحي وهذا الحديث راد لقولهم وقوله صلى الله عليه وسلم ( واغسلوه بماء وسدر ) دليل على استحباب السدر في غسل الميت وأن المحرم في ذلك كغيره وهذا مذهبنا وبه قال طاوس وعطاء ومجاهد وبن المنذر وآخرون ومنعه مالك وأبو حنيفة وآخرون وقوله صلى الله عليه وسلم ( ولا تخمروا وجهه ولا رأسه ) أما تخمير الرأس في حق المحرم الحي فمجمع على تحريمه وأما وجهه فقال مالك وأبو حنيفة هو كرأسه وقال الشافعي والجمهور لا احرام في وجهه بل له تغطيته وانما يجب كشف الوجه في حق المرأة هذا حكم المحرم الحي وأما الميت فمذهب الشافعي وموافقيه أنه يحرم تغطية رأسه كما سبق ولا يحرم تغطية وجهه بل يبقى كما كان في الحياة ويتأول هذا الحديث على أن النهي عن تغطية وجهه ليس لكونه وجها إنما هو صيانة للرأس فانهم لو غطوا وجهه لم يؤمن أن يغطوا رأسه ولا بد من تأويله لأن مالكا وأبا حنيفة وموافقيهما يقولون لا يمنع من ستر رأس الميت ووجهه والشافعي وموافقوه يقولون يباح ستر الوجه فتعين تأويل الحديث وقوله صلى الله عليه وسلم ( وكفنوه في ثوبيه ) وفي رواية ثوبين قال القاضي أكثر الروايات ثوبيه وفيه فوائد منها الدلالة لمذهب الشافعي وموافقيه في أن حكم الاحرام باق فيه ومنها أن التكفين في الثياب الملبوسة جائز وهو مجمع عليه ومنها جواز التكفين في ثوبين والأفضل ثلاثة ومنها أن الكفن مقدم على الدين وغيره لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسال هل عليه دين مستغرق أم لا ومنها أن التكفين واجب وهو اجماع في حق المسلم وكذلك غسله والصلاة عليه ودفنه وقوله خر من بعيره أي سقط وقوله وقص أي انكسر عنقه وقصته وأوقصته بمعناه قوله ( فأقعصته ) أي قتلته في الحال ومنه قعاص الغنم وهو موتها بداء يأخذها تموت فجأة قوله صلى الله عليه وسلم ( فانه يبعث يوم القيامة ملبيا وملبدا ويلبي ) معناه على هيأته التي مات عليها ومعه علامة لحجه وهي دلالة الفضيلة كما يجيء الشهيد يوم القيامة وأوداجه تشخب دما وفيه دليل على استحباب دوام التلبية في الاحرام وعلى استحباب التلبيد وسبق بيان هذا قوله صلى الله عليه وسلم ( ولا تحنطوه ) هو بالحاء المهملة أي لا تمسوه حنوطا والحنوط بفتح الحاء ويقال له الحناط بكسر الحاء وهو اخلاط من طيب تجمع للميت خاصة لا تستعمل في غيره قوله في رواية على بن خشرم ( أقبل رجل حراما ) هكذا هو في معظم النسخ وفي بعضها حرام وهذا هو الوجه وللأول وجه ويكون حالا وقد جاءت الحال من النكرة على قلة قوله ( حدثنا محمد بن الصباح حدثنا هشيم حدثنا أبو بشر حدثنا سعيد بن جبير ) أبو بشر هذا هو الغبري واسمه الوليد بن مسلم بن شهاب البصري وهو تابعي روى عن جندب بن عبد الله الصحابي رضي الله عنه وانفرد مسلم بالرواية عن أبي بشر هذا واتفقوا على توثيقه قوله ( حدثنا عبد بن حميد قال حدثنا عبيد الله بن موسى حدثنا اسرائيل عن منصور عن سعيد بن جبير عن بن عباس ) قال القاضي هذا الحديث ما استدركه الدارقطني على مسلم وقال انما سمعه منصور من الحكم وكذا أخرجه البخاري عن منصور عن الحكم عن سعيد وهو الصواب وقيل عن منصور عن سلمه ولايصح والله أعلم

Section V08/P130–V08/P133

1 ( باب جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض ونحوه ) 1207 فيه حديث ضباعة بنت الزبير رضي الله عنها ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني ففيه دلالة لمن قال يجوز أن يشترط الحاج والمعتمر في احرامه أنه ان مرض تحلل وهو قول عمر بن الخطاب وعلي وبن مسعود وآخرين من الصحابة رضي الله عنهم وجماعة من التابعين وأحمد واسحق وأبي ثور وهو الصحيح من مذهب الشافعي وحجتهم هذا الحديث الصحيح الصريح وقال أبو حنيفة ومالك وبعض التابعين لا يصح الاشتراط وحملوا الحديث على انها قضية عين وأنه مخصوص بضباعة وأشار القاضي عياض إلى تضعيف الحديث فانه قال قال الأصيلي لا يثبت في الاشتراط اسناد صحيح قال النسائي لا أعلم أحدا اسنده عن الزهري غير معمر وهذا الذي عرض به القاضي وقال الأصيلي من تضعيف الحديث غلط فاحش جدا نبهت عليه لئلا يغتر به لأن هذا الحديث مشهور في صحيح البخاري ومسلم وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وسائر كتب الحديث المعتمدة من طرق متعددة بأسانيد كثيرة عن جماعة من الصحابة وفيما ذكره مسلم من تنويع طرقه أبلغ كفاية وفي هذا الحديث دليل على أن المرض لا يبيح التحلل اذا لم يكن اشتراط في حال الاحرام والله أعلم وأما ضباعة فبضاد معجمة مضمومة ثم موحدة مخففة وهي ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب كما ذكره مسلم في الكتاب وهي بنت عم النبي صلى الله عليه وسلم وأما قول صاحب الوسيط هي ضباعة الأسلمية فغلط فاحش والصواب الهاشمية 1208 قوله ( فأدركت ) معناه أدركت الحج ولم تتحلل حتى فرغت منه 1 ( باب احرام النفساء واستحباب اغتسالها للاحرام وكذا الحائض ) 1209 فيه حديث عائشة رضي الله عنها قالت ( نفست أسماء بنت عميس بمحمد بن أبي بكر بالشجرة فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه يأمرها أن تغتسل ) قولها نفست أي ولدت وهي بكسر الفاء لاغير وفي النون لغتان المشهورة ضمها والثانية فتحها سمي نفاسا لخروج النفس وهو المولود والدم أيضا قال القاضي وتجري اللغتان في الحيض ايضا يقال نفست أي حاضت بفتح النون وضمها قال ذكرهما صاحب الافعال قال وأنكر جماعة الضم في الحيض وفيه صحة احرام النفساء والحائض واستحباب اغتسالهما للاحرام وهو مجمع على الأمر به لكن مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة والجمهور أنه مستحب وقال الحسن وأهل الظاهر هو واجب والحائض والنفساء يصح منهما جميع أفعال الحج الا الطواف وركعتيه لقوله صلى الله عليه وسلم اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي وفيه أن ركعتي الاحرام سنة ليستا بشرط لصحة الحج لأن اسماء لم تصلهما وقوله ( نفست بالشجرة ) وفي رواية بذي الحليفة وفي رواية بالبيداء هذه المواضع الثلاثة متقاربة فالشجرة بذي الحليفة وأما البيداء فهي بطرف ذي الحليفة قال القاضي يحمل انها نزلت بطرف البيداء لتبعد عن الناس وكان منزل النبي صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة حقيقة وهناك بات وأحرم فسمي منزل الناس كلهم باسم منزل امامهم 1 ( باب بيان وجوه الاحرام وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع ( والقران وجواز ادخال الحج على العمرة ومتى يحل للقارن من نسكه ))

Section V08/P133–V08/P169

قولهم حجة الوداع سميت بذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم ودع الناس فيها ولم يحج بعد الهجرة غيرها وكانت سنة عشر من الهجرة اعلم أن أحاديث الباب متظاهرة على جواز افراد الحج عن العمرة وجواز التمتع والقران وقد أجمع العلماء على جواز الأنواع الثلاثة وأما النهي الوارد عن عمر وعثمان رضي الله عنهما فسنوضح معناه في موضعه بعد هذا ان شاء الله تعالى والافراد أن يحرم بالحج في أشهره ويفرغ منه ثم يعتمر والتمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منه ثم يحج من عامه والقران أن يحرم بهما جميعا وكذا لو أحرم بالعمرة وأحرم بالحج قبل طوافها صح وصار قارنا فلو أحرم بالحج ثم أحرم بالعمرة فقولان للشافعي أصحهما لا يصح احرامه بالعمرة والثاني يصح ويصير قارنا بشرط ان يكون قبل الشروع في اسباب التحلل من الحج وقيل قبل الوقوف بعرفات وقيل قبل فعل فرض وقيل قبل طواف القدوم أو غيره واختلف العلماء في هذه الأنواع الثلاثة أيها أفضل فقال الشافعي ومالك وكثيرون أفضلها الافراد ثم التمتع ثم القران وقال أحمد وآخرون أفضلها التمتع وقال أبو حنيفة وآخرون أفضلها القران وهذان المذهبان قولان آخران للشافعي والصحيح تفضيل الافراد ثم التمتع ثم القران واما حجة النبي صلى الله عليه وسلم فاختلفوا فيها هل كان مفردا أم متمتعا أم قارنا وهي ثلاثة أقوال للعلماء بحسب مذاهبهم السابقة وكل طائفة رجحت نوعا وادعت أن حجة النبي صلى الله عليه وسلم كانت كذلك والصحيح أنه صلى الله عليه وسلم كان أولا مفردا ثم أحرم بالعمرة بعد ذلك وأدخلها على الحج فصار قارنا وقد اختلفت روايات أصحابه رضي الله عنهم في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع هل كان قارنا أم مفردا أم متمتعا وقد ذكر البخاري ومسلم رواياتهم كذلك وطريق الجمع بينها ما ذكرت أنه صلى الله عليه وسلم كان أولا مفردا ثم صار قارنا فمن روى الافراد هو الأصل ومن روى القران اعتمد آخر الأمر ومن روى التمتع أراد التمتع اللغوي وهو الانتفاع والارتفاق وقد ارتفق بالقران كارتفاق المتمتع وزيادة في الاقتصار على فعل واحد وبهذا الجمع تنتظم الأحاديث كلها وقد جمع بينها أبو محمد بن حزم الظاهري في كتاب صنفه في حجة الوداع خاصة وادعى أنه صلى الله عليه وسلم كان قارنا وتأول باقي الأحاديث والصحيح ما سبق وقد أوضحت ذلك في شرح المهذب بأدلته وجميع طرق الحديث وكلام العلماء المتعلق بها واحتج الشافعي وأصحابه في ترجيح الافراد بأنه صح ذلك من رواية جابر وبن عمر وبن عباس وعائشة وهؤلاء لهم مزية في حجة الوداع على غيرهم فأما جابر فهو أحسن الصحابة سياقة لرواية حديث حجة الوداع فانه ذكرها من حين خروج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى آخرها فهو أضبط لها من غيره وأما بن عمر فصح عنه أنه كان آخذا بخطام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وأنكر على من رجح قول أنس على قوله وقال كان أنس يدخل على النساء وهن مكشفات الرءوس وانى كنت تحت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم يمسنى لعابها اسمعه يلبي بالحج وأما عائشة فقربها من رسول الله صلى الله عليه وسلم معروف وكذلك اطلاعها على باطن أمره وظاهره وفعله في خلوته وعلانيته مع كثرة فقهها وعظم فطنتها وأما بن عباس فمحله من العلم والفقه في الدين والفهم الثاقب معروف مع كثرة بحثه وتحفظه أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم التي لم يحفظها غيره وأخذه اياها من كبار الصحابة ومن دلائل ترجيح الافراد أن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم أفردوا الحج وواظبوا على افراده كذلك فعل أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم واختلف فعل علي رضي الله عنه ولو لم يكن الافراد أفضل وعلموا أن النبي صلى الله عليه وسلم حج مفردا لم يواظبوا عليه مع أنهم الأئمة الأعلام وقادة الاسلام ويقتدى بهم في عصرهم وبعدهم فكيف يليق بهم المواظبة على خلاف فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما الخلاف عن علي رضي الله عنه وغيره فانما فعلوه لبيان الجواز وقد ثبت في الصحيح ما يوضح ذلك ومنها أن الافراد لا يجب فيه دم بالاجماع وذلك لكماله ويجب الدم في التمتع والقران وهو دم جبران لفوات الميقات وغيره فكان مالا يحتاج إلى جبر أفضل ومنها أن الأمة أجمعت على جواز الافراد من غير كراهة وكره عمر وعثمان وغيرهما التمتع وبعضهم التمتع والقران فكان الافراد أفضل والله أعلم فإن قيل كيف وقع الاختلاف بين الصحابة رضي الله عنهم في صفة حجته صلى الله عليه وسلم وهي حجة واحدة وكل واحد منهم يخبر عن مشاهدة في قضية واحدة قال القاضي عياض قد أكثر الناس الكلام على هذه الأحاديث فمن مجيد منصف ومن مقصر متكلف ومن مطيل مكثر ومن مقتصر مختصر قال وأوسعهم في ذلك نفسا أبو جعفر الطحاوى الحنفي فانه تكلم في ذلك في زيادة على ألف ورقة وتكلم معه في ذلك أبو جعفر الطبري ثم أبو عبد الله بن أبي صفرة ثم المهلب والقاضي أبو عبد الله بن المرابط والقاضي أبو الحسن بن القصار البغدادي والحافظ أبو عمرو بن عبدالبر وغيرهم قال القاضي عياض وأولى ما يقال في هذا على ما فحصناه من كلامهم واخترناه من اختياراتهم مما هو أجمع للروايات واشبه بمساق الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أباح للناس فعل هذه الأنواع الثلاثة ليدل على جواز جميعها ولو أمر بواحد لكان غيره يظن انه لا يجزئ فاضيف الجميع إليه وأخبر كل واحد بما أمره به واباحه له ونسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أما لأمره به واما لتأويله عليه وأما احرامه صلى الله عليه وسلم بنفسه فأخذ بالأفضل فاحرم مفردا للحج وبه تظاهرت الروايات الصحيحة وأما الروايات بأنه كان متمتعا فمعناها أمر به وأما الروايات بانه كان قارنا فاخبار عن حالته الثانية لا عن ابتداء احرامه بل أخبار عن حاله حين أمر أصحابه بالتحلل من حجهم وقلبه إلى عمرة لمخالفة الجاهلية الا من كان معه هدي وكان هو صلى الله عليه وسلم ومن معه هدى في آخر احرامهم قارنين بمعنى أنهم أدخلوا العمرة على الحج وفعل ذلك مواساة لأصحابه وتأنيسا لهم في فعلها في أشهر الحج لكونها كانت منكرة عندهم في أشهر الحج ولم يمكنه التحلل معهم بسبب الهدي واعتذر إليهم بذلك في ترك مواساتهم فصار صلى الله عليه وسلم قارنا في آخر أمره وقد اتفق جمهور العلماء على جواز ادخال الحج على العمرة وشذ بعض الناس فمنعه وقال لا يدخل إحرام على إحرام كما لا تدخل صلاة على صلاة واختلفوا في ادخال العمرة على الحج فجوزه أصحاب الرأي وهو قول الشافعي لهذه الأحاديث ومنعه آخرون وجعلوا هذا خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم لضرورة الاعتمار حينئذ في أشهر الحج قال وكذلك يتأول قول من قال كان متمتعا أي تمتع بفعل العمرة في أشهر الحج وفعلها مع الحج لأن لفظ التمتع يطلق على معان فانتظمت الأحاديث واتفقت قال ولا يبعد رد ما ورد عن الصحابة من فعل مثل ذلك إلى مثل هذا مع الروايات الصحيحة أنهم أحرموا بالحج مفردا فيكون الافراد اخبارا عن فعلهم أولا والقران اخبارا عن احرام الذين معهم هدي بالعمرة ثانيا والتمتع لفسخهم الحج إلى العمرة ثم اهلالهم بالحج بعد التحلل منها كما فعل كل من لم يكن معه هدي قال القاضي وقد قال بعض علمائنا أنه أحرم صلى الله عليه وسلم إحراما مطلقا منتظرا ما يؤمر به من افراد أو تمتع أو قران ثم أمر بالحج ثم أمر بالعمرة معه في وادي العقيق بقوله صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة قال القاضي والذي سبق ابين وأحسن في التأويل هذا آخر كلام القاضي عياض ثم قال القاضي في موضع آخر بعده لا يصح قول من قال أحرم النبي صلى الله عليه وسلم احراما مطلقا مبهما لأن رواية جابر وغيره من الصحابة في الأحاديث الصحيحة مصرحة بخلافه قال الخطابى قد أنعم الشافعي ببيان هذا في كتابه اختلاف الحديث وجود الكلام قال الخطابي وفي اقتصاص كل ما قاله تطويل ولكن الوجيه والمختصر من جوامع ما قال ان معلوما في لغة العرب جواز اضافة الفعل إلى الأمر كجواز اضافته إلى الفاعل كقولك بنى فلان دارا اذا أمر ببنائها وضرب الأمير فلانا اذا أمر بضربه ورجم النبي صلى الله عليه وسلم ماعزا وقطع سارق رداء صفوان وانما أمر بذلك ومثله كثير في الكلام وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم المفرد والمتمتع والقارن كل منهم يأخذ عنه أمر نسكه ويصدر عن تعليمه فجاز أن تضاف كلها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على معنى أنه أمر بها وأذن فيها قال ويحتمل أن بعضهم سمعه يقول لبيك بحجة فحكى عنه أنه أفرد وخفى عليه قوله وعمرة فلم يحك الا ما سمع وسمع أنس وغيره الزيادة وهي لبيك بحجة وعمرة ولا ينكر قبول الزيادة وانما يحصل التناقض لو كان الزائد نافيا لقول صاحبه فاما اذا كان مثبتا له وزائدا عليه فليس فيه تناقض قال ويحتمل أن الراوي سمعه يقول لغيره على وجه التعليم فيقول له لبيك بحجة وعمرة على سبيل التلقين فهذه الروايات المختلفة ظاهرا ليس فيها تناقض والجمع بينها سهل كما ذكرنا والله اعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( من كان معه هدي ) يقال هدي باسكان الدال وتخفيف الياء وهدي بكسر الدال وتشديد الياء لغتان مشهورتان الأولى افصح وأشهر وهو اسم لما يهدى إلى الحرم من الأنعام وسوق الهدي سنة لمن أراد أن يحرم بحج أو عمرة قوله ( عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فاهللنا بعمرة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان معه هدي فليهلل بالحج مع العمرة ) وفي الرواية الأخرى قالت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج قالت ولم أهل الا بعمرة قال القاضي عياض اختلفت الروايات عن عائشة فيما أحرمت به اختلافا كثيرا فذكر مسلم من ذلك ما قدمناه وفي رواية لمسلم أيضا عنها خرجنا لا نرى الا الحج وفي رواية القاسم عنها خرجنا مهلين بالحج وفي رواية لا نذكر الا الحج وكل هذه الروايات صريحة في أنها أحرمت بالحج وفي رواية الأسود عنها نلبي لا نذكر حجا ولا عمرة قال القاضي واختلف العلماء في الكلام على حديث عائشة فقال مالك ليس العمل على حديث عروة عن عائشة عندنا قديما ولا حديثا وقال بعضهم يترجح أنها كانت محرمة بحج لأنها رواية عمرة والأسود والقاسم وغلطوا عروة في العمرة وممن ذهب إلى هذا القاضي إسماعيل ورجحوا رواية غير عروة على روايته لأن عروة قال في رواية حماد بن زيد عن هاشم عنه حدثني غير واحد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها دعي عمرتك فقد بان أنه لم يسمع الحديث منها قال القاضي رحمه الله وليس هذا بواضح لأنه يحتمل أنها ممن حدثه ذلك قالوا أيضا ولأن رواية عمرة والقاسم نسقت عمل عائشة في الحج من أوله إلى آخره ولهذا قال القاسم عن رواية عمرة أنبأتك بالحديث على وجهه قالوا ولأن رواية عروة أنما أخبر عن احرام عائشة والجمع بين الروايات ممكن فأحرمت أولا بالحج كما صح عنها في رواية الأكثرين وكما هو الأصح من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأكثر أصحابه ثم أحرمت بالعمرة حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة وهكذا فسره القاسم في حديثه فأخبر عروة عنها باعتمارها في آخر الأمر ولم يذكر أول أمرها قال القاضي وقد تعارض هذا بما صح عنها في اخبارها عن فعل الصحابة واختلافهم في الاحرام وأنها أحرمت هي بعمرة فالحاصل أنها أحرمت بحج ثم فسخته إلى عمرة حين أمر الناس بالفسخ فلما حاضت وتعذر عليها اتمام العمرة والتحلل منها وادراك الاحرام بالحج أمرها النبي صلى الله عليه وسلم بالاحرام بالحج فأحرمت فصارت مدخلة للحج على العمرة وقارنة وقوله صلى الله عليه وسلم ارفضي عمرتك ليس معناه ابطالها بالكلية والخروج منها فان العمرة والحج لا يصح الخروج منهما بعد الاحرام بنية الخروج وانما يخرج منها بالتحلل بعد فراغها بل معناه ارفضي العمل فيها واتمام افعالها التي هي الطواف والسعي وتقصير شعر الرأس فأمرها صلى الله عليه وسلم بالاعراض عن أفعال العمرة وان تحرم بالحج فتصير قارنة وتقف بعرفات وتفعل المناسك كلها الا الطواف فتؤخره حتى تطهر وكذلك فعلت قال العلماء ومما يؤيد هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم في رواية عبد بن حميد وامسكي عن العمرة ومما يصرح بهذا التأويل رواية مسلم بعد هذا في آخر روايات عائشة عن محمد بن حاتم عن بهز عن وهيب عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها أهلت بعمرة فقدمت ولم تطف بالبيت حتى حاضت فنسكت المناسك كلها وقد أهلت بالحج فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم يوم النفر يسعك طوافك لحجك وعمرتك فأبت فبعث بها مع عبد الرحمن إلى التنعيم فاعتمرت بعد الحج هذا لفظه فقوله صلى الله عليه وسلم يسعك طوافك لحجك وعمرتك تصريح بأن عمرتها باقية صحيحة مجزئة وانها لم تلغها وتخرج منها فيتعين تأويل ارفضي عمرتك ودعي عمرتك على ما ذكرناه من رفض العمل فيها واتمام أفعالها والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم في الرواية الأخرى لما مضت مع أخيها عبد الرحمن ليعمرها من التنعيم ( هذه مكان عمرتك ) فمعناه أنها أرادت أن يكون لها عمرة منفردة عن الحج كما حصل لسائر أمهات المؤمنين وغيرهن من الصحابة الذين فسخوا الحج إلى العمرة وأتموا العمرة وتحللوا منها قبل يوم التروية ثم أحرموا بالحج من مكة يوم التروية فحصل لهم عمرة منفردة وحجة منفردة وأما عائشة فانما حصل لها عمرة مندرجة في حجة بالقران فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم يوم النفر يسعك طوافك لحجك وعمرتك أي وقد تما وحسبا لك جميعا فأبت وأرادت عمرة منفردة كما حصل لباقي الناس فلما اعتمرت عمرة منفردة قال لها النبي صلى الله عليه وسلم هذه مكان عمرتك أي التي كنت تريدين حصولها منفردة غير مندرجة فمنعك الحيض من ذلك وهكذا يقال في قولها يرجع الناس بحج وعمرة وارجع بحج أي يرجعون بحج منفرد وعمرة منفردة وأرجع انا وليس لي عمرة منفردة وانما حرصت على ذلك لتكثر أفعالها وفي هذا تصريح بالرد على من يقول القران أفضل والله أعلم 1211 وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( انقضى رأسك وامتشطي ) فلا يلزم منه ابطال العمرة لأن نقض الرأس والامتشاط جائزان عندنا في الاحرام بحيث لا ينتف شعرا ولكن يكره الامتشاط الا لعذر وتأول العلماء فعل عائشة هذا على أنها كانت معذورة بأن كان في رأسها أذى فأباح لها الامتشاط كما أباح لكعب بن عجرة الحلق للأذى وقيل ليس المراد بالامتشاط هنا حقيقة الامتشاط بالمشط بل تسريح الشعر بالأصابع للغسل لاحرامها بالحج لاسيما أن كانت لبدت رأسها كما هو السنة وكما فعله النبي صلى الله عليه وسلم فلا يصح غسلها الا بايصال الماء إلى جميع شعرها ويلزم من هذا نقضه والله أعلم قولها ( وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة فانما طافوا طوافا واحدا ) هذا دليل على أن القارن يكفيه طواف واحد عن طواف الركن وأنه يقتصر على أفعال الحج وتندرج أفعال العمرة كلها في أفعال الحج وبهذا قال الشافعي وهو محكي عن بن عمر وجابر وعائشة ومالك وأحمد واسحاق وداود وقال أبو حنيفة يلزمه طوافان وسعيان وهو محكي عن علي بن أبي طالب وبن مسعود والشعبي والنخعي والله أعلم قولهن ( عن عائشة رضي الله عنها قالت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان معه هدي فليهلل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا ) قال القاضي عياض رحمه الله الذي تدل عليه نصوص الاحاديث في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما من رواية عائشة وجابر وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم انما قال لهم هذا القول بعد احرامهم بالحج في منتهى سفرهم ودنوهم من مكة بسرف كما جاء في رواية عائشة أو بعد طوافه بالبيت وسعيه كما جاء في رواية جابر ويحتمل تكرارا الأمر بذلك في الموضعين وأن العزيمة كانت آخرا حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة قولها ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج حتى قدمنا مكة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحرم بعمرة ولم يهد فليتحلل ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل حتى ينحر هديه ومن أهل بحج فليتم حجه ) هذا الحديث ظاهر في الدلالة لمذهب أبي حنيفة وأحمد وموافقهما في أن المعتمر المتمتع اذا كان معه هدي لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر ومذهب مالك والشافعي وموافقيهما أنه اذا طاف وسعى وحلق حل من عمرته وحل له كل شيء في الحال سواء كان ساق هديا أم لا واحتجوا بالقياس على من لم يسق الهدي وبأنه تحلل من نسكه فوجب أن يحل له كل شيء كما لو تحلل المحرم بالحج وأجابوا عن هذه الرواية بأنها مختصرة من الروايات التي ذكرها مسلم بعدها والتي ذكرها قبلها عن عائشة قالت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان معه هدي فليهلل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا فهذه الرواية مفسرة للمحذوف من الرواية التي احتج بها أبو حنيفة وتقديرها ومن أحرم بعمرة واهدى فليهلل بالحج ولا يحل حتى ينحر هديه ولا بد من هذا التأويل لأن القضية واحدة والراوي واحد فيتعين الجمع بين الروايتين على ما ذكرناه والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( وأمسكى عن العمرة ) فيه دلالة ظاهرة على أنها لم تخرج منها وانما أمسكت عن أعمالها واحرمت بالحج فادرجت أعمالها بالحج كما سبق بيانه وهو مؤيد للتأويل الذي قدمناه في قوله صلى الله عليه وسلم ارفضي عمرتك ودعي عمرتك ان المراد رفض اتمام أعمالها لا ابطال أصل العمرة قولها ( فأردفني ) فيه دليل على جواز الارداف اذا كانت الدابة مطيقة وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بذلك وفيه جواز ارداف الرجل المرأة من محارمه والخلوة بها وهذا مجمع عليه قوله صلى الله عليه وسلم ( من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل ومن أراد أن يهل بحج فليهل ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل ) فيه دليل لجواز الأنواع الثلاثة وقد أجمع المسلمون على ذلك وانما اختلفوا في أفضلها كما سبق قولها ( فلما كانت ليلة الحصبة ) هي بفتح الحاء واسكان الصاد المهملتين وهي التي بعد أيام التشريق وسميت بذلك لأنهم نفروا من منى فنزلوا في المحصب وباتوا به قولها ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع موافين لهلال ذي الحجة ) أي مقارنين لاستهلاله وكان خروجهم قبله لخمس في ذي القعدة كما صرحت به في رواية عمرة التي ذكرها مسلم بعد هذا من حديث عبد الله بن سلمه عن سليمان بن بلال عن يحيى عن عمرة قوله صلى الله عليه وسلم ( من أراد منكم أن يهل بعمرة فليهل فلولا أني أهديت لأهللت بعمرة ) هذا مما يحتج به من يقول بتفضيل التمتع ومثله قوله صلى الله عليه وسلم لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ووجه الدلالة منهما أنه صلى الله عليه وسلم لا يتمنى الا الأفضل وأجاب القائلون بتفضيل الأفراد بأنه صلى الله عليه وسلم انما قال هذا من أجل فسخ الحج إلى العمرة الذي هو خاص لهم في تلك السنة خاصة لمخالفة الجاهلية ولم يرد بذلك التمتع الذي فيه الخلاف وقال هذا تطييبا لقلوب أصحابه وكانت نفوسهم لا تسمح بفسخ الحج إلى العمرة كما صرح به في الأحاديث التي بعد هذا فقال لهم صلى الله عليه وسلم هذا الكلام ومعناه ما يمنعني من موافقتكم فيما أمرتكم به الا سوقي الهدي ولولاه لوافقتكم ولو استقبلت هذا الرأي وهو الإحرام بالعمرة في اشهر الحج من أول أمرى لم أسق الهدى وفي هذه الرواية تصريح بأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن متمتعا قولها ( فقضى الله حجنا وعمرتنا ولم يكن في ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم ) هذا محمول على أخبارها عن نفسها أي لم يكن علي في ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم ثم أنه مشكل من حيث أنها كانت قارنة والقارن يلزمه الدم وكذلك المتمتع ويمكن أن يتأول هذا على أن المراد لم يجب علي دم ارتكاب شيء من محظورات الاحرام كالطيب وستر الوجه وقتل الصيد وازالة شعر وظفر وغير ذلك أي لم أرتكب محظورا فيجب بسببه هدي أو صدقه أو صوم هذا هو المختار في تأويله وقال القاضي عياض فيه دليل على أنها كانت في حج مفرد لا تمتع ولا قران لأن العلماء مجمعون على وجوب الدم فيهما الا داود الظاهري فقال لا دم على القارن هذا كلام القاضي وهذا اللفظ وهو قوله ولم يكن في ذلك هدى ولا صدقة ولا صوم ظاهرة في الرواية الأولى أنه من كلام عائشة ولكن صرح في الرواية التي بعدها بأنه من كلام هشام بن عروة فيحمل الأول عليه ويكون الأول في معنى المدرج قولها ( خرجنا موافين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لهلال ذي الحجة لا نرى الا الحج معناه لا نعتقد أنا نحرم الا بالحج لأنا كنا نظن امتناع العمرة في أشهر الحج قولها ( حتى اذا كنا بسرف ) هو بفتح السين المهملة وكسر الراء وهو ما بين مكة والمدينة بقرب مكة على أميال منها قيل ستة وقيل سبعة وقيل تسعة وقيل عشرة وقيل اثنا عشر ميلا قوله صلى الله عليه وسلم ( أنفست ) معناه أحضت وهو بفتح النون وضمها لغتان مشهورتان الفتح أفصح والفاء مكسورة فيهما وأما النفاس الذي هو الولادة فيقال فيه نفست بالضم لا غير قوله صلى الله عليه وسلم في الحيض ( هذا شيء كتبه الله على بنات آدم ) هذا تسلية لها وتخفيف لهما ومعناه أنك لست مختصة به بل كل بنات آدم يكون منهن هذا كما يكون منهن ومن الرجال البول والغائط وغيرهما واستدل البخاري في صحيحه في كتاب الحيض بعموم هذا الحديث على أن الحيض كان في جميع بنات آدم وأنكر به على من قال أن الحيض أول ما أرسل ووقع في بني إسرائيل قوله صلى الله عليه وسلم ( فاقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي ) معنى اقضي إفعلي كما قال في الرواية الأخرى فاصنعي وفي هذا دليل على أن الحائض والنفساء والمحدث والجنب يصح منهم جميع أفعال الحج وأقواله وهيأته الا الطواف وركعتيه فيصح الوقوف بعرفات وغيره كما ذكرنا وكذلك الاغسال المشروعة في الحج تشرع للحائض وغيرها ممن ذكرنا وفيه دليل على أن الطواف لا يصح من الحائض وهذا مجمع عليه لكن اختلفوا في علته على حسب اختلافهم في اشتراط الطهارة للطواف فقال مالك والشافعي وأحمد هي شرط وقال أبو حنيفة ليست بشرط وبه قال داود فمن شرط الطهارة قال العلة في بطلان طواف الحائض عدم الطهارة ومن لم يشترطها قال العلة فيه كونها ممنوعة من اللبث في المسجد قولها ( وضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه بالبقر ) هذا محمول على أنه صلى الله عليه وسلم استأذنهن في ذلك فان تضحية الانسان عن غيره لا تجوز الا بإذنه واستدل به مالك في أن التضحية بالبقر أفضل من بدنة ولا دلالة فيه لأنه ليس فيه ذكر تفضيل البقر ولا عموم لفظ انما هي قضية عين محتملة لأمور فلا حجة فيها لما قاله وذهب الشافعي والأكثرون إلى أن التضحية بالبدنة أفضل من البقرة لقوله صلى الله عليه وسلم من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة إلى آخره قولها ( فطمثت ) هو بفتح الطاء وكسر الميم أي حضت يقال حاضت المرأة وتحيضت وطمثت وعركت بفتح الراء ونفست وضحكت وأعصرت وأكبرت كله بمعنى واحد والاسم منه الحيض والطمس والعراك والضحك والاكبار والاعصار وهي حائض وحائضة في لغة غريبة حكاها الفراء وطامث وعارك ومكبر ومعصر وفي هذه الأحاديث جواز حج الرجل بامرأته وهو مشروع بالاجماع وأجمعوا على أن الحج يجب على المرأة اذا استطاعته واختلف السلف هل المحرم لها من شروط الاستطاعة وأجمعوا على أن لزوجها أن يمنعها من حج التطوع وأما حج الفرض فقال جمهور العلماء ليس له منعها منه وللشافعي فيه قولان أحدهما لا يمنعها منه كما قال الجمهور وأصحهما له منعها لأن حقه على الفور والحج على التراخي قال أصحابنا ويستحب له أن يحج بزوجته للأحاديث الصحيحة فيه قولها ( ثم أهلوا حين راحوا ) يعني الذين تحللوا بعمرة وأهلوا بالحج حين راحوا إلى منى وذلك يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجة وفيه دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه أن الأفضل فيمن هو بمكة أن يحرم بالحج يوم التروية ولا يقدمه عليه وقد سبقت المسألة قولها ( أنعس ) هو بضم العين قولها ( فاهللت منها بعمرة جزاء لعمرة الناس ) أي تقوم مقام عمرة الناس وتكفيني عنها قولها ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلين بالحج في اشهر الحج وفي حرم الحج وليالي الحج ) قولها حرم الحج هو بضم الحاء والراء كذا ضبطناه وكذا نقله القاضي عياض في المشارق عن جمهور الرواة قال وضبطه الأصيلي بفتح الراء قال فعلى الضم كأنها تريد الأوقات والمواضع والأشياء والحالات أما بالفتح فجمع حرمة أي ممنوعات الشرع ومحرماته وكذلك قيل للمرأة المحرمة بنسب حرمة وجمعها حرم وأما قولها في اشهر الحج فاختلف العلماء في المراد بأشهر الحج في قول الله تعالى الحج أشهر معلومات فقال الشافعي وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم هي شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة تمتد إلى الفجر ليلة النحر وروي هذا عن مالك أيضا والمشهور عنه شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله وهو مروي أيضا عن بن عباس وبن عمر والمشهور عنهما ما قدمناه عن الجمهور قولها ( فخرج إلى أصحابه فقال من لم يكن معه منكم هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل ومن كان معه هدي فلا فمنهم الآخذ بها والتارك لها ممن لم يكن معه هدي ) وفي الحديث الآخر بعد هذا أنه صلى الله عليه وسلم قال أو ما شعرت أني أمرت الناس بأمر فاذا هم يترددون وفي حديث جابر فأمرنا أن نحل يعني بعمرة وقال في آخره قال فحلوا قال فحللنا وسمعنا وأطعنا وفي الرواية الأخرى أحلوا من احرامكم فطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة وقصروا وأقيموا حلالا حتى اذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا الذي قدمتم بها متعة قالوا كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج قال افعلوا ما آمركم به هذه الروايات صحيحة في أنه صلى الله عليه وسلم أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة أمر عزيمة وتحتم بخلاف الرواية الأولى وهي قوله صلى الله عليه وسلم من لم يكن معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل قال العلماء خيرهم أولا بين الفسخ وعدمه ملاطفة لهم وإيناسا بالعمرة في أشهر الحج لأنهم كانوا يرونها من أفجر الفجور ثم حتم عليهم بعد ذلك الفسخ وأمرهم به أمر عزيمة وألزمهم اياه وكره ترددهم في قبول ذلك ثم قبلوه وفعلوه الا من كان معه هدي والله أعلم قولها ( سمعت كلامك مع أصحابك فسمعت بالعمرة ) كذا هو في النسخ فسمعت بالعمرة قال القاضي كذا رواه جمهور رواة مسلم ورواه بعضهم فمنعت العمرة وهو الصواب قولها ( قال ومالك قلت لا أصلي ) فيه استحباب الكناية عن الحيض ونحوه مما يستحى منه ويستشنع لفظه الا اذا كانت حاجة كازالة وهم ونحو ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ( اخرج بأختك من الحرم فلتهل بعمرة ) فيه دليل لما قاله العلماء أن من كان بمكة وأراد العمرة فميقاته لها أدنى الحل ولا يجوز أن يحرم بها من الحرم فان خالف وأحرم بها من الحرم وخرج إلى الحل قبل الطواف أجزأه ولا دم عليه وان لم يخرج وطاف وسعى وحلق ففيه قولان أحدهما لا تصح عمرته حتى يخرج إلى الحل ثم يطوف ويسعى ويحلق والثاني وهو الأصح يصح وعليه دم لتركه الميقات قال العلماء وانما وجب الخروج إلى الحل ليجمع في نسكه بين الحل والحرم كما أن الحاج يجمع بينهما فانه يقف بعرفات وهي في الحل ثم يدخل مكة للطواف وغيره هذا تفصيل مذهب الشافعي وهكذا قال جمهور العلماء أنه يجب الخروج لاحرام العمرة إلى أدنى الحل وأنه لو أحرم بها في الحرم ولم يخرج لزمه دم وقال عطاء لاشيء عليه وقال مالك لا يجزئه حتى يخرج إلى الحل قال القاضي عياض وقال مالك لا بد من احرامه من التنعيم خاصة قالوا وهو ميقات المعتمرين من مكة وهذا شاذ مردود والذي عليه الجماهير ان جميع جهات الحل سواء ولا تختص بالتنعيم والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( ولكنها على قدر نصبك أو قال نفقتك ) هذا ظاهر في أن الثواب والفضل في العبادة يكثر بكثرة النصب والنفقة والمراد النصب الذي لا يذمه الشرع وكذا النفقة قولها ( قالت صفية ما أرانى إلا حابستكم قال عقرى حلقى أو ما كنت طفت يوم النحر قالت بلى قال لا بأس انفرى ) معناه أن صفية أم المؤمنين رضي الله عنها حاضت قبل طواف الوداع فلما أراد النبي صلى الله عليه وسلم الرجوع إلى المدينة قالت ما أظننى الا حابستكم لانتظار طهرى وطوافى للوداع فانى لم أطف للوداع وقد حضت ولا يمكننى الطواف الآن وظنت أن طواف الوداع لا يسقط عن الحائض فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما كنت طفت طواف الافاضة يوم النحر قالت بلى قال يكفيك ذلك لأنه هو الطواف الذي هو ركن ولا بد لكل أحد منه وأما طواف الوداع فلا يجب على الحائض وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( عقرى حلقى ) فهكذا يرويه المحدثون بالألف التي هي ألف التأنيث ويكتبونه بالياء ولا ينونونه وهكذا نقله جماعة لا يحصون من أئمة اللغة وغيرهم عن رواية المحدثين وهو صحيح فصيح قال الأزهرى في تهذيب اللغة قال أبو عبيد معنى عقرى عقرها الله تعالى وحلقى حلقها الله قال يعنى عقر الله جسدها وأصابها بوجع في حلقها قال أبو عبيد أصحاب الحديث يروونه عقرى حلقى وانما هو عقرا حلقا قال وهذا على مذهب العرب في الدعاء على الشيء من غير ارادة وقوعه قال شمر قلت لأبي عبيد لم لا تجيز عقرى فقال لأن فعلى تجيء نعتا ولم تجئ في الدعاء فقلت روى بن شميل عن العرب مطبرى وعقرى أخف منها فلم ينكره هذا آخر ما ذكره الأزهرى وقال صاحب المحكم يقال للمرأة عقرى حلقى معناه عقرها الله وحلقها أي حلق شعرها أو أصابها بوجع في حلقها قال فعقرى ها هنا مصدر كدعوى وقيل معناه تعقر قومها وتحلقهم بشؤمها وقيل العقرى الحائض وقيل عقرى حلقى أي عقرها الله وحلقها هذا آخر كلام صاحب المحكم وقيل معناه جعلها الله عاقرا لا تلد وحلقى مشؤمة على أهلها وعلى كل قول فهي كلمة كان أصلها ما ذكرناه ثم اتسعت العرب فيها فصارت تطلقها ولا تريد حقيقة ما وضعت له أولا ونظيره تربت يداه وقاتله الله ما أشجعه وما أشعره والله أعلم وفي هذا الحديث دليل على أن طواف الوداع لا يجب على الحائض ولا يلزمها الصبر إلى طهرها لتأتى به ولا دم عليها في تركه وهذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة الا ما حكاه القاضي عن بعض السلف وهو شاذ مردود وقولها ( فدخل على وهو غضبان فقلت من أغضبك يا رسول الله أدخله الله النار قال أو ما شعرت أنى أمرت الناس بأمر فاذا هم يترددون ) أما غضبه صلى الله عليه وسلم فلانتهاك حرمة الشرع وترددهم في قبول حكمه وقد قال الله تعالى فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما فغضب صلى الله عليه وسلم لما ذكرناه من انتهاك حرمة الشرع والحزن عليهم في نقص ايمانهم بتوقفهم وفيه دلالة لاستحباب الغضب عند انتهاك حرمة الدين وفيه جواز الدعاء على المخالف لحكم الشرع والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( أوما شعرت أني أمرت الناس بأمر فاذا هم يترددون قال الحكم كأنهم يترددون أحسب ) قال القاضي كذا وقع هذا اللفظ وهو صحيح وان كان فيه اشكال قال وزاد اشكاله تغيير فيه وهو قوله قال الحكم كأنهم يترددون وكذا رواه بن أبي شيبة عن الحكم ومعناه أن الحكم شك في لفظ النبي صلى الله عليه وسلم هذا مع ضبطه لمعناه فشك هل قال يترددون أو نحوه من الكلام ولهذا قال بعده أحسب أي أظن أن هذا لفظه ويؤيده قول مسلم بعده في حديث غندر ولم يذكر الشك من الحكم في قوله يترددون والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( ولو أنى استقبلت من أمرى ما استدبرت ما سقت الهدى ) هذا دليل على جواز قول لو في التأسف على فوات أمور الدين ومصالح الشرع وأما الحديث الصحيح في أن لو تفتح عمل الشيطان فمحمول على التأسف على حظوظ الدنيا ونحوها وقد كثرت الأحاديث الصحيحة في استعمال لو في غير حظوظ الدنيا ونحوها فيجمع بين الأحاديث بما ذكرناه والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( يجزى عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك ) فيه دلالة ظاهرة على أنها كانت قارنة ولم ترفض العمرة رفض ابطال بل تركت الاستمرار في أعمال العمرة بانفرادها وقد سبق تقرير هذا في أول هذا الباب وسبق هناك الاستدلال أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم هنا يسعك طوافك لحجك وعمرتك قوله في حديث صفية بنت شيبة ( عن عائشة فجعلت أرفع خمارى أحسره عن عنقي فيضرب رجلى بعلة الراحلة قلت له وهل ترى من أحد قالت فأهللت بعمرة ) أما قولها أحسره فبكسر السين وضمها لغتان أي أكشفه وأزيله وأما قولها بعلة الراحلة فالمشهور في اللغة أنه بباء موحدة ثم عين مهملة مكسورتين ثم لام مشددة ثم هاء وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى وقع في بعض الروايات نعلة يعنى بالنون وفي بعضها بالباء قال وهو كلام مختل قال قال بعضهم صوابه ثغنة الراحلة أي فخذها يريد ما خشن من مواضع مباركها قال أهل اللغة كل ما ولى الأرض من كل ذي أربع اذا برك فهو ثغنة قال القاضي ومع هذا فلا يستقيم هذا الكلام ولا جوابها لأخيها بقولها وهل ترى من أحد ولأن رجل الراكب قل ما تبلغ ثغنة الراحلة قال وكل هذا وهم قال والصواب فيضرب رجلى بنعلة السيف يعنى أنها لما حسرت خمارها ضرب أخوها رجلها بنعلة السيف فقالت وهل ترى من أحد هذا كلام القاضي قلت ويحتمل أن المراد فيضرب رجلى بسبب الراحلة أي يضرب رجلى عامدا لها في صورة من يضرب الراحلة ويكون قولها بعلة معناه بسبب والمعنى أنه يضرب رجلها بسوط أو عصا أو غير ذلك حين تكشف خمارها عن عنقها غيرة عليها فتقول له هي وهل ترى من أحد أي نحن في خلاء ليس هنا أجنبي أستتر منه وهذا التأويل متعين أو كالمتعين لأنه مطابق للفظ الذي صحت به الرواية وللمعنى ولسياق الكلام فتعين اعتماده والله أعلم قولها ( وهو بالحصبة ) هو بفتح الحاء واسكان الصاد المهملتين أي بالمحصب قولها ( فلقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مصعد من مكة وأنا منهبطة عليها أو أنا مصعدة وهو منهبط منها ) وقالت في الرواية الأخرى ( فجئنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في منزله فقال هل فرغت فقلت نعم فاذن في أصحابه فخرج فمر بالبيت وطاف ) وفي الرواية الأخرى ( فأقبلنا حتى أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالحصبة ) وجه الجمع بين هذه الروايات أنه صلى الله عليه وسلم بعث عائشة مع أخيها بعد نزوله المحصب وواعدها أن تلحقه بعد اعتمارها ثم خرج هو صلى الله عليه وسلم بعد ذهابها فقصد البيت ليطوف طواف الوداع ثم رجع بعد فراغه من طواف الوداع وكل هذا في الليل وهي الليلة التي تلى ايام التشريق فلقيها صلى الله عليه وسلم وهو صادر بعد طواف الوداع وهي داخلة لطواف عمرتها ثم فرغت من عمرتها ولحقته صلى الله عليه وسلم وهو بعد في منزله بالمحصب وأما قولها فأذن في أصحابه فخرج فمر بالبيت وطاف فيتأول على أن في الكلام تقديما وتأخيرا وأن طوافه صلى الله عليه وسلم كان بعد خروجها إلى العمرة وقبل رجوعها وأنه فرغ قبل طوافها للعمرة 1213 قوله في حديث جابر ( أن عائشة عركت ) هو بفتح العين والراء ومعناه حاضت يقال عركت تعرك عروكا كقعدت تقعد قعودا قوله ( أهللنا يوم التروية ) وهو اليوم الثامن من ذي الحجة وسبق بيانه وفيه دليل لمذهب الشافعي وموافقيه أن من كان بمكة وأراد الاحرام بالحج استحب له أن يحرم يوم التروية ولا يقدمه عليه وسبقت المسألة ومذاهب العلماء فيها في أوائل كتاب الحج قوله صلى الله عليه وسلم ( هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فاغتسلى ثم أهلي بالحج ) هذا الغسل هو الغسل للاحرام وقد سبق بيانه وأنه يستحب لكل من أراد الاحرام بحج أو عمرة سواء الحائض وغيرها قوله ( حتى اذا طهرت ) بفتح الطاء وضمها والفتح أفصح قوله ( حتى اذا طهرت طافت بالكعبة وبالصفا والمروة ثم قال قد حللت من حجك وعمرتك جميعا ) هذا صريح في أن عمرتها لم تبطل ولم تخرج منها وأن قوله صلى الله عليه وسلم ارفضى عمرتك ودعى عمرتك متأول كما سبق بيانه واضحا في أوائل هذا الباب قوله ( حتى اذا طهرت طافت بالكعبة وبالصفا والمروة ثم قال قد حللت من حجك وعمرتك جميعا ) يستنبط منه ثلاث مسائل حسنة أحداها أن عائشة رضي الله عنها كانت قارنة ولم تبطل عمرتها وأن الرفض المذكور متأول كما سبق والثانية أن القارن يكفيه طواف واحد وسعى واحد وهو مذهب الشافعي والجمهور وقال أبو حنيفة وطائفة يلزمه طوافان وسعيان والثالثة أن السعى بين الصفا والمروة يشترط وقوعه بعد طواف صحيح وموضع الدلالة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها أن تصنع ما يصنع الحاج غير الطواف بالبيت ولم تسع كما لم تطف فلو لم يكن السعى متوقفا على تقدم الطواف عليه لما أخرته واعلم أن طهر عائشة هذا المذكور كان يوم السبت وهو يوم النحر في حجة الوداع وكان ابتداء حيضها هذا يوم السبت أيضا لثلاث خلون من ذي الحجة سنة عشر ذكره أبو محمد بن حزم في كتاب حجة الوداع قوله ( وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا سهلا حتى اذا هويت الشيء تابعها عليه ) معناه اذا هويت شيئا لانقص فيه في الدين مثل طلبها الاعتمار وغيره أجابها إليه وقوله سهلا اي سهل الخلق كريم الشمائل لطيفا ميسرا في الخلق كما قال الله تعالى وإنك لعلى خلق عظيم وفيه حسن معاشرة الأزواج قال الله تعالى وعاشروهن بالمعروف لا سيما فيما كان من باب الطاعة والله أعلم قوله ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلين بالحج معنا النساء والولدان ) الولدان هم الصبيان ففيه صحة حج الصبى والحج به ومذهب مالك والشافعي وأحمد والعلماء كافة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم أنه يصح حج الصبي ويثاب عليه ويترتب عليه أحكام حج البالغ الا أنه لا يجزيه عن فرض الاسلام فاذا بلغ بعد ذلك واستطاع لزمه فرض الاسلام وخالف أبو حنيفة الجمهور فقال لا يصح له احرام ولا حج ولا ثواب فيه ولا يترتب عليه شيء من أحكام الحج قال وإنما يحج به ليتمرن ويتعلم ويتجنب محظوراته للتعلم قال وكذلك لا تصح صلاته وإنما يؤمر بها لما ذكرناه وكذلك عنده سائر العبادات والصواب مذهب الجمهور لحديث بن عباس رضي الله عنه أن امرأة رفعت صبيا فقالت يا رسول الله ألهذا حج قال نعم والله أعلم قوله ( ومسسنا الطيب ) هو بكسر السين الأولى هذه اللغة المشهورة وفي لغة قليلة بفتحها حكاها أبو عبيد والجوهرى قال الجوهرى يقال مسست الشيء بكسر السين أمسه بفتح الميم مسا فهذه اللغة الفصيحة قال وحكى أبو عبيدة مسست الشيء بالفتح أمسه بضم الميم قال وربما قالوا مست الشيء يحذفون منه السين الأولى ويحولون كسرتها إلى الميم قال ومنهم من لا يحول ويترك الميم على حالها مفتوحة قوله ( وكفانا الطواف الأول بين الصفا والمروة ) يعنى القارن منا وأما المتمتع فلا بد له من السعى بين الصفا والمروة في الحج بعد رجوعه من عرفات وبعد طواف الافاضة قوله فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أن نشترك في الابل والبقر كل سبعة منا في بدنة ) البدنة تطلق على البعير والبقرة والشاة لكن غالب استعمالها في البعير والمراد بها ها هنا البعير والبقرة وهكذا قال العلماء تجزى البدنة من الابل والبقر كل واحدة منهما عن سبعة ففي هذا الحديث دلالة لاجزاء كل واحدة منهما عن سبعة أنفس وقيامها مقام سبع شياه وفيه دلالة لجواز الإشتراك في الهدى والأضحية وبه قال الشافعي وموافقوه فيجوز عند الشافعي اشتراك السبعة في بدنة سواء كانوا متفرقين أو مجتمعين وسواء كانوا مفترضين أو متطوعين وسواء كانوا متقربين كلهم أو كان بعضهم متقربا وبعضهم يريد اللحم روى هذا عن بن عمر وأنس وبه قال أحمد وقال مالك يجوز أن كانوا متطوعين ولا يجوز ان كانوا مفترضين وقال أبو حنيفة ان كانوا متقربين جاز سواء اتفقت قربتهم أو اختلفت وان كان بعضهم متقربا وبعضهم يريد اللحم لم يصح للاشتراك 1214 قوله ( أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم لما أحللنا أن نحرم اذا توجهنا إلى منى قال فأهللنا من الأبطح ) الأبطح هو بطحاء مكة وهو متصل بالمحصب وقوله اذا توجهنا إلى منى يعنى يوم التروية كما صرح به في الرواية السابقة وفيه دليل لمذهب الشافعي وموافقيه أن الأفضل للمتمتع وكل من أراد الاحرام بالحج من مكة أن لا يحرم به الا يوم التروية وقال مالك وآخرون يحرم من أول ذي الحجة وسبقت المسألة بأدلتها أما قوله فأهللنا من الابطح فقد يستدل به من يجوز للمكى والمقيم بها الاحرام بالحج من الحرم وفي المسألة وجهان لأصحابنا أصحهما لا يجوز أن يحرم بالحج الا من داخل مكة وأفضله من باب داره وقيل من المسجد الحرام والثاني يجوز من مكة ومن سائر الحرم وقد سبقت المسألة في باب المواقيت فمن قال بالثاني احتج بحديث جابر هذا لأنهم أحرموا من الابطح وهو خارج مكة لكنه من الحرم ومن قال بالأول وهو الأصح قال انما أحرموا من الأبطح لأنهم كانوا نازلين به وكل من كان دون الميقات المحدود فميقاته منزله كما سبق في باب المواقيت والله أعلم 1215 قوله ( لم يطف رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة الا طوافا واحدا وهو طوافه الأول ) يعنى النبي صلى الله عليه وسلم ( ومن كان من أصحابه قارنا فهؤلاء لم يسعوا بين الصفا والمروة الا مرة واحدة وأما من كان متمتعا فانه سعى سعيين سعيا لعمرته ثم سعيا آخر لحجة يوم النحر وفي هذا الحديث دلالة ظاهرة للشافعي وموافقيه في أن القارن ليس عليه الا طواف واحد للافاضة وسعى واحد وممن قال بهذا بن عمر وجابر بن عبد الله وعائشة وطاوس وعطاء والحسن البصرى ومجاهد ومالك وبن الماجشون وأحمد وإسحاق وداود وبن المنذر وقالت طائفة يلزمه طوافان وسعيان وممن قاله الشعبي والنخعى وجابر بن زيد وعبد الرحمن بن الأسود والثورى والحسن بن صالح وأبو حنيفة وحكى ذلك عن علي وبن مسعود قال بن المنذر لا يثبت هذا عن علي رضي الله عنه 1216 قوله ( صبح رابعة ) هو بضم الصاد وكسرها قوله ( فأمرنا أن نحل قال عطاء قال حلوا وأصيبوا النساء قال عطاء ولم يعزم عليهم ولكن أحلهن لهم ) معناه لم يعزم عليهم في وطء النساء بل أباحه ولم يوجبه وأما الاحلال فعزم فيه على من لم يكن معه هدى قوله ( فنأتى عرفة تقطر مذاكيرنا المنى ) هو اشارة إلى قرب العهد بوطء النساء قوله ) ( فقدم على من سعايته فقال بم أهللت قال بما أهل به النبي صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهد وامكث حراما قال وأهدى له علي رضي الله عنه هديا ) السعاية بكسر السين قال القاضي عياض قوله من سعايته أي من عمله في السعى في الصدقات قال وقال بعض علمائنا الذي في غير هذا الحديث أنه انما بعث عليا رضي الله عنه أميرا لا عاملا على الصدقات اذ لا يجوز استعمال بني هاشم على الصدقات لقوله صلى الله عليه وسلم للفضل بن عباس وعبد المطلب بن ربيعة حين سألاه ذلك ان الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد ولم يستعملهما قال القاضي يحتمل أن عليا رضي الله عنه ولى الصدقات وغيرها احتسابا أو أعطى عمالته عليها من غير الصدقة قال وهذا أشبه لقوله من سعايته والسعاية تختص بالصدقة هذا كلام القاضي وهذا الذي قاله حسن الا قوله ان السعاية تختص بالعمل على الصدقة فليس كذلك لأنها تستعمل في مطلق الولاية وان كان أكثر استعمالها في الولاية على الصدقة ومما يدل لما ذكرته حديث حذيفة السابق في كتاب الايمان من صحيح مسلم قال في حديث رفع الأمانة ولقد أتى على زمان وما أبالي أيكم بايعت لئن كان مسلما ليردنه على دينه ولئن كان نصرانيا أو يهوديا ليردنه على ساعيه يعنى الوالي عليه والله أعلم قوله ( فقدم علي رضي الله عنه من سعايته فقال بم أهللت قال بما أهل به النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم فاهد وامكث حراما قال وأهدى له على هديا ) ثم ذكر مسلم بعد هذا بقليل حديث أبي موسى الأشعرى رضي الله عنه قال قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منيخ بالبطحاء فقال لي حججت فقلت نعم فقال بم أهللت قال قلت لبيك باهلال كاهلال النبي صلى الله عليه وسلم قال قد أحسنت طف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل وفي الرواية الأخرى عن أبي موسى أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له بم أهللت قال أهللت باهلال النبي صلى الله عليه وسلم قال هل سقت من هدى قلت لا قال طف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل هذان الحديثان متفقان على صحة الاحرام معلقا وهو أن يحرم احراما كاحرام فلان فينعقد احرامه ويصير محرما بما أحرم به فلان واختلف آخر الحديثين في التحلل فأمر عليا بالبقاء على احرامه وأمر أبا موسى بالتحلل وانما اختلف آخرهما لأنهما أحرما كاحرام النبي صلى الله عليه وسلم وكان مع النبي صلى الله عليه وسلم الهدى فشاركه على في أن معه الهدى فلهذا أمره بالبقاء على احرامه كما بقى النبي صلى الله عليه وسلم على احرامه بسبب الهدى وكان قارنا وصار علي رضي الله عنه قارنا وأما أبو موسى فلم يكن معه هدى فصار له حكم النبي صلى الله عليه وسلم لو لم يكن معه هدى وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم أنه لولا الهدى لجعلها عمرة وتحلل فأمر أبا موسى بذلك فلذلك اختلف في أمره صلى الله عليه وسلم لهما فاعتمد ما ذكرته فهو الصواب وقد تأولهما الخطابى والقاضى عياض تأويلين غير مرضيين والله أعلم قوله ( وأهدى له على هديا ) يعنى هديا اشتراه لا أنه من السعاية على الصدقة وفي هذين الحديثين دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه أنه يصح الاحرام معلقا بأن ينوى احراما كاحرام زيد فيصير هذا المعلق كزيد فان كان زيد محرما بحج كان هذا بالحج أيضا وان كان بعمرة فبعمرة وان كان بهما فبهما وان كان زيد أحرم مطلقا صار هذا محرما احراما مطلقا فيصرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة ولا يلزمه موافقة زيد في الصرف ولهذه المسألة فروع كثيرة مشهورة في كتب الفقة وقد استقصيتها في شرح المهذب ولله الحمد قوله ( فقال سراقة بن مالك بن جعشم يا رسول الله ألعامنا هذا أم لأبد قال لأبد ) وفي الرواية الأخرى فقام سراقة بن جعشم فقال يا رسول الله ألعامنا هذا أم لأبد فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه واحدة في الأخرى وقال دخلت العمرة في الحج مرتين لا بل لأبد أبد واختلف العلماء في معناه على أقوال أصحها وبه قال جمهورهم معناه أن العمرة يجوز فعلها في أشهر الحج إلى يوم القيامة والمقصود به بيان ابطال ما كانت الجاهلية تزعمه من امتناع العمرة في اشهر الحج والثاني معناه جواز القران وتقدير الكلام دخلت أفعال العمرة في أفعال الحج إلى يوم القيامة والثالث تأويل بعض القائلين بأن العمرة ليست واجبة قالوا معناه سقوط العمرة قالوا ودخولها في الحج معناه سقوط وجوبها وهذا ضعيف أو باطل وسياق الحديث يقتضى بطلانه والرابع تأويل بعض أهل الظاهر أن معناه جواز فسخ الحج إلى العمرة وهذا ايضا ضعيف قوله ( حتى اذا كان يوم التروية وجعلنا مكة بظهر أهللنا بالحج ) فيه دليل للشافعي وموافقيه أن المتمتع وكل من كان بمكة وأراد الاحرام بالحج فالسنة له أن يحرم يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجة وقد سبقت المسألة مرات وقوله ( جعلنا مكة بظهر ) معناه أهللنا عند ارادتنا الذهاب إلى منى قوله ( حدثنى جابر بن عبد الله الأنصارى رضي الله عنه أنه حج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام ساق الهدى معه وقد أهلوا بالحج مفردا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحلوا من احرامكم فطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة وقصروا وأقيموا حلالا حتى اذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا الذي قدمتم بها متعة ) اعلم أن هذا الكلام فيه تقديم وتأخير وتقديره وقد أهلوا بالحج مفردا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اجعلوا احرامكم عمرة وتحللوا بعمل العمرة وهو معنى فسخ الحج إلى العمرة وقد اختلف العلماء في هذا الفسخ هل هو خاص للصحابة تلك السنة خاصة أم باق لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة فقال أحمد وطائفة من أهل الظاهر ليس خاصا بل هو باق إلى يوم القيامة فيجوز لكل من أحرم بحج وليس معه هدى أن يقلب احرامه عمرة ويتحلل بأعمالها وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجماهير العلماء من السلف والخلف هو مختص بهم في تلك السنة لا يجوز بعدها وانما أمروا به تلك السنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحج ومما يستدل به للجماهير حديث أبي ذر رضي الله عنه الذي ذكره مسلم بعده هذا بقليل كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة يعنى فسخ الحج إلى العمرة وفي كتاب النسائي عن الحارث بن بلال عن أبيه قال قلت يا رسول الله فسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة فقال بل لنا خاصة وأما الذي في حديث سراقة ألعامنا هذا أم لأبد فقال لأبد أبد فمعناه جواز الاعتمار في أشهر الحج كما سبق تفسيره فالحاصل من مجموع طرق الأحاديث أن العمرة في أشهر الحج جائزة إلى يوم القيامة وكذلك القران وأن فسخ الحج إلى العمرة مختص بتلك السنة والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( حتى اذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا الذي قدمتم بها متعة قالوا كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج فقال افعلوا ما آمركم به فلولا أنى سقت الهدى لفعلت مثل الذي أمرتكم به ) هذا دليل ظاهر لمذهب الشافعي ومالك وموافقيهما في ترجيح الافراد وان غالبهم كانوا محرمين بالحج ويتأول رواية من روى متمتعين أنه أراد في آخر الامر صاروا متمتعين كما سبق تقريره في أوائل هذا الباب وفيه دليل للشافعي وموافقيه في أن من كان بمكة وأراد الحج انما يحرم به من يوم التروية وقد ذكرنا المسألة مرات 1217 قوله ( كان بن عباس يأمرنا بالمتعة وكان بن الزبير ينهى عنها قال فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله فقال على يدى دار الحديث تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قام عمر قال ان الله يحل لرسوله ما شاء بما شاء وان القرآن قد نزل منازله فأتموا الحج والعمرة كما أمركم الله وأبتوا نكاح هذه النساء فلن أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل الا رجمته بالحجارة ) وفي الرواية الآخرى عن عمر رضي الله عنه فافصلوا حجكم من عمرتكم فانه أتم لحجكم وأتم لعمرتكم وذكر بعد هذا من رواية أبي موسى الأشعرى رضي الله عنه أنه كان يفتى بالمتعة ويحتج بأمر النبي صلى الله عليه وسلم له بذلك وقول عمر رضي الله عنه أن نأخذ بكتاب الله فان الله تعالى أمر بالاتمام وذكر عن عثمان أنه كان ينهى عن المتعة أو العمرة وأن عليا خالفه في ذلك وأهل بهما جميعا وذكر قول أبي ذر رضي الله عنه كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة وفي رواية رخصة وذكر قول عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم أعمر طائفة من أهله في العشر فلم تنزل آية تفسخ ذلك وفي رواية جمع بين حج وعمرة ثم لم ينزل فيها كتاب ولم ينه قال المازرى اختلف في المتعة التي نهى عنها عمر في الحج فقيل هي فسخ الحج إلى العمرة وقيل هي العمرة في أشهر الحج ثم الحج من عامه وعلى هذا انما نهى عنها ترغيبا في الافراد الذي هو أفضل لا أنه يعتقد بطلانها أو تحريمها وقال القاضي عياض ظاهر حديث جابر وعمران وأبي موسى أن المتعة التي اختلفوا فيها انما هي فسخ الحج إلى العمرة قال ولهذا كان عمر رضي الله عنه يضرب الناس عليها ولا يضربهم على مجرد التمتع في أشهر الحج وانما ضربهم على ما اعتقده هو وسائر الصحابة أن فسخ الحج إلى العمرة كان مخصوصا في تلك السنة للحكمة التي قدمنا ذكرها قال بن عبد البر لا خلاف بين العلماء أن التمتع المراد بقول الله تعالى فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي هو الاعتمار في أشهر الحج قبل الحج قال ومن التمتع أيضا القران لأنه تمتع بسقوط سفره للنسك الآخر من بلده قال ومن التمتع أيضا فسخ الحج إلى العمرة هذا كلام القاضي قلت والمختار أن عمر وعثمان وغيرهما انما نهوا عن المتعة التي هي الاعتمار في أشهر الحج ثم الحج من عامة ومرادهم نهى أولوية للترغيب في الأفراد لكونه أفضل وقد انعقد الاجماع بعد هذا على جواز الافراد والتمتع والقران من غير كراهة وانما اختلفوا في الأفضل منها وقد سبقت هذه المسألة في أوائل هذا الباب مستوفاة والله أعلم وأما قوله في متعة النكاح وهي نكاح المرأة إلى أجل فكان مباحا ثم نسخ يوم خيبر ثم أبيح يوم الفتح ثم نسخ في أيام الفتح واستمر تحريمه إلى الآن والى يوم القيامة وقد كان فيه خلاف في العصر الأول ثم ارتفع وأجمعوا على تحريمه وسيأتى بسط أحكامه في كتاب النكاح ان شاء الله تعالى

Section V08/P169

1 ( باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم )

Section V08/P169–V08/P197

فيه حديث جابر رضي الله عنه وهو حديث عظيم مشتمل على جمل من الفوائد ونفائس من مهمات القواعد وهو من افراد مسلم لم يروه البخاري في صحيحه ورواه أبو داود كرواية مسلم قال القاضي وقد تكلم الناس على ما فيه من الفقه وأكثروا وصنف فيه أبو بكر بن المنذر جزءا كبيرا وخرج فيه من الفقه مائة ونيفا وخمسين نوعا ولو تقصى لزيد على هذا القدر قريب منه وقد سبق الاحتجاج بنكت منه في أثناء شرح الاحاديث السابقة وسنذكر ما يحتاج إلى التنبيه عليه على ترتيبه ان شاء الله تعالى 1218 قوله ( عن جعفر بن محمد عن أبيه قال دخلنا على جابر بن عبد الله فسأل عن القوم حتى انتهى إلى فقلت أنا محمد بن علي بن حسين فاهوى بيده إلى رأسى فنزع زرى الاعلى ثم نزع زرى الاسفل ثم وضع كفه بين ثديي وأنا يومئذ غلام شاب فقال مرحبا بك يا بن أخي سل عما شئت فسألته وهو أعمى فحضر وقت الصلاة فقام في نساجة ملتحفا بها كلما وضعها على منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها ورداؤه إلى جنبه على المشجب فصلى بنا ) هذه القطعة فيها فوائد منها أنه يستحب لمن ورد عليه زائرون أو ضيفان ونحوهم أن يسأل عنهم لينزلهم منازلهم كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم وفيه اكرام أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فعل جابر بمحمد بن علي ومنها استحباب قوله للزائر والضيف ونحوهما مرحبا ومنها ملاطفة الزائر بما يليق به وتأنيسه وهذا سبب حل جابر زرى محمد بن علي ووضع يده بين ثدييه وقوله وأنا يومئذ غلام شاب فيه تنبيه على أن سبب فعل جابر ذلك التأنيس لكونه صغيرا وأما الرجل الكبير فلا يحسن ادخال اليد في جيبه والمسح بين ثدييه ومنها جواز امامة الاعمى البصراء ولا خلاف في جواز ذلك لكن اختلفوا في الأفضل على ثلاثة مذاهب وهي ثلاثة أوجه لأصحابنا أحدها امامة الأعمى أفضل من امامة البصير لأن الأعمى أكمل خشوعا لعدم نظره إلى الملهيات والثاني البصير افضل لأنه أكثر احترازا من النجاسات والثالث هما سواء لتعادل فضيلتهما وهذا الثالث هو الأصح عند أصحابنا وهو نص الشافعي ومنها أن صاحب البيت أحق بالامامة من غيره ومنها جواز الصلاة في ثوب واحد مع التمكن من الزيادة عليه ومنها جواز تسمية الثدى للرجل وفيه خلاف لأهل اللغة منهم من جوزه كالمرأة ومنهم من منعه وقال يختص الثدى بالمرأة ويقال في الرجل ثندؤة وقد سبق ايضاحه في أوائل كتاب الايمان في حديث الرجل الذي قتل نفسه فقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم انه من أهل النار وقوله ( قام في نساجة ) هي بكسر النون وتخفيف السين المهملة وبالجيم هذا هو المشهور في نسخ بلادنا ورواياتنا لصحيح مسلم وسنن أبي داود ووقع في بعض النسخ في ساجة بحذف النون ونقله القاضي عياض عن رواية الجمهور قال وهو الصواب قال والساجة والساج جميعا ثوب كالطيلسان وشبهه قال ورواية النون وقعت في رواية الفارسى قال ومعناه ثوب ملفق قال قال بعضهم النون خطأ وتصحيف قلت ليس كذلك بل كلاهما صحيح ويكون ثوبا ملفقا على هيئة الطيلسان قال القاضي في المشارق الساج والساجة الطيلسان وجمعه سيجان قال وقيل هي الخضر منها خاصة وقال الأزهرى هو طيلسان مقور ينسج كذلك قال وقيل هو الطيلسان الحسن قال ويقال الطيلسان بفتح اللام وكسرها وضمها وهي أقل وقوله ( ورداؤه إلى جنبه على المشجب ) هو بميم مكسورة ثم شين معجمة ساكنة ثم جيم ثم باء موحدة وهو اسم لاعواد يوضع عليها الثياب ومتاع البيت قوله ( أخبرني عن حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ) هي بكسر الحاء وفتحها والمراد حجة الوداع قوله ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث تسع سنين لم يحج ) يعنى مكث بالمدينة بعد الهجرة قوله ( ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاج ) معناه أعلمهم بذلك وأشاعه بينهم ليتاهبوا للحج معه ويتعلموا المناسك والاحكام ويشهدوا أقواله وأفعاله ويوصيهم ليبلغ الشاهد الغائب وتشيع دعوة الاسلام وتبلغ الرسالة القريب والبعيد وفيه أنه يستحب للامام ايذان الناس بالأمور المهمة ليتأهبوا لها قوله ( كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم ) قال القاضي هذا مما يدل على أنهم كلهم أحرموا بالحج لأنه صلى الله عليه وسلم أحرم بالحج وهم لا يخالفونه ولهذا قال جابر وما عمل من شيء عملنا به ومثله توقفهم عن التحلل بالعمرة ما لم يتحلل حتى أغضبوه واعتذر اليهم ومثله تعليق على وأبي موسى احرامهما على احرام النبي صلى الله عليه وسلم قوله صلى الله عليه وسلم لاسماء بنت عميس وقد ولدت ( اغتسلى واستثفري بثوب وأحرمى ) فيه استحباب غسل الاحرام للنفساء وقد سبق بيانه في باب مستقل فيه أمر الحائض والنفساء والمستحاضة بالاستثفار وهو أن تشد في وسطها شيئا وتأخذ خرقة عريضة تجعلها على محل الدم وتشد طرفيها من قدامها ومن ورائها في ذلك المشدود في وسطها وهو شبيه بثفر الدابة بفتح الفاء وفيه صحة احرام النفساء وهو مجمع عليه والله أعلم قوله ( فصلى ركعتين ) فيه استحباب ركعتى الاحرام وقد سبق الكلام فيه مبسوطا قوله ( ثم ركب القصواء ) هي بفتح القاف وبالمد قال القاضي ووقع في نسخة العذرى القصوى بضم القاف والقصر قال وهو خطأ قال القاضي قال بن قتيبة كانت للنبي صلى الله عليه وسلم نوق القصواء والجدعاء والعضباء قال أبو عبيد العضباء اسم لناقة النبي صلى الله عليه وسلم ولم تسم بذلك لشيء أصابها قال القاضي قد ذكر هنا انه ركب القصواء وفي آخر هذا الحديث خطب على القصواء وفي غير مسلم خطب على ناقته الجدعاء وفي حديث آخر على ناقة خرماء وفي آخر العضباء وفي حديث آخر كانت له ناقة لا تسبق وفي آخر تسمى مخضرمة وهذا كله يدل على أنها ناقة واحدة خلاف ما قاله بن قتيبة وان هذا كان اسمها أو وصفها لهذا الذي بها خلاف ما قال أبو عبيد لكن يأتى في كتاب النذر أن القصواء غير العضباء كما سنبينه هناك قال الحربى العضب والجدع والخرم والقصو والخضرمة في الآذان قال بن الأعرابي القصواء التي قطع طرف أذنها والجدع أكثر منه وقال الأصمعى والقصو مثله قال وكل قطع في الأذن جدع فان جاوز الربع فهي عضباء والمخضرم مقطوع الأذنين فان اصطلمتا فهي صلماء وقال أبو عبيد القصواء المقطوعة الأذن عرضا والمخضرمة المستأصلة والمقطوعة النصف فما فوقه وقال الخليل المخضرمة مقطوعة الواحدة والعضباء مشقوقة الأذن قال الحربى فالحديث يدل على أن العضباء اسم لها وان كانت عضباء الأذن فقد جعل اسمها هذا آخر كلام القاضي وقال محمد بن إبراهيم التيمي التابعى وغيره أن العضباء والقصواء والجدعاء اسم لناقة واحدة كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم والله أعلم قوله ( نظرت إلى مد بصرى ) هكذا هو في جميع النسخ مد بصرى وهو صحيح ومعناه منتهى بصرى وأنكر بعض أهل اللغة مد بصرى وقال الصواب مدى بصرى وليس هو بمنكر بل هما لغتان المد أشهر قوله ( بين يديه من راكب وماش ) فيه جواز الحج راكبا وماشيا وهو مجمع عليه وقد تظاهرت عليه دلائل الكتاب والسنة واجماع الأمة قال الله تعالى وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر واختلف العلماء في الأفضل منهما فقال مالك والشافعي وجمهور العلماء الركوب أفضل اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ولأنه أعون له على وظائف مناسكه ولانه أكثر نفقه وقال داود ماشيا أفضل لمشقته وهذا فاسد لأن المشقة ليست مطلوبة قوله ( وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله ) معناه الحث على التمسك بما أخبركم عن فعله في حجته تلك قوله ( فأهل بالتوحيد ) يعنى قوله لبيك لا شريك لك وفيه اشارة إلى مخالفة ما كانت الجاهلية تقوله في تلبيتها من لفظ الشرك وقد سبق ذكر تلبيتهم في باب التلبية قوله ( فأهل بالتوحيد لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك ان الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك وأهل الناس بهذا الذي يهلون به فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا منه ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلبيته ) قال القاضي عياض رحمه الله تعالى فيه اشارة إلى ما روى من زيادة الناس في التلبية من الثناء والذكر كما روى في ذلك عن عمر رضي الله عنه أنه كان يزيد لبيك ذا النعماء والفضل الحسن لبيك مرهوبا منك ومرغوبا اليك وعن بن عمر رضي الله عنه لبيك وسعديك والخير بيديك والرغباء اليك والعمل وعن أنس رضي الله عنه لبيك حقا تعبدا ورقا قال القاضي قال أكثر العلماء المستحب الاقتصار على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه قال مالك والشافعي والله أعلم قوله ( قال جابر لسنا ننوى الا الحج لسنا نعرف العمرة ) فيه دليل لمن قال بترجيح الافراد وقد سبقت المسألة مستقصاة في أول الباب السابق قوله ( حتى أتينا البيت ) فيه بيان أن السنة للحاج أن يدخلوا مكة قبل الوقوف بعرفات ليطوفوا للقدوم وغير ذلك قوله ( حتى اذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا ) فيه أن المحرم اذا دخل مكة قبل الوقوف بعرفات يسن له طواف القدوم وهو مجمع عليه وفيه أن الطواف سبع طوافات وفيه أن السنة أيضا الرمل في الثلاث الأول ويمشى على عادته في الأربع الأخيرة قال العلماء الرمل هو أسرع المشى مع تقارب الخطا وهو الخبب قال أصحابنا ولا يستحب الرمل الا في طواف واحد في حج أو عمرة أما اذا طاف في غير حج أو عمرة فلا رمل بلا خلاف ولا يسرع أيضا في كل طواف حج وانما يسرع في واحد منها وفيه قولان مشهوران للشافعي أصحهما طواف يعقبه سعى ويتصور ذلك في طواف القدوم ويتصور في طواف الافاضة ولا يتصور في طواف الوداع والقول الثاني أنه لا يسرع الا في طواف القدوم سواء أراد السعى بعده أم لا ويسرع في طواف العمرة اذ ليس فيها الا طواف واحد والله أعلم قال أصحابنا والاضطباع سنة في الطواف وقد صح فيه الحديث في سنن أبي داود والترمذى وغيرهما وهو أن يجعل وسط ردائه تحت عاتقه الايمن ويجعل طرفيه على عاتقه الأيسر ويكون منكبه الايمن مكشوفا قالوا وانما يسن الاضطباع في طواف يسن فيه الرمل على ما سبق تفصيله والله أعلم وأما قوله استلم الركن فمعناه مسحه بيده وهو سنة في كل طواف وسيأتى شرحه واضحا حيث ذكره مسلم بعد هذا ان شاء الله تعالى قوله ( ثم نفر إلى مقام إبراهيم عليه السلام فقرأ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى فجعل المقام بينه وبين البيت ) هذا دليل لما أجمع عليه العلماء أنه ينبغى لكل طائف اذا فرغ من طوافه أن يصلى خلف المقام ركعتى الطواف واختلفوا هل هما واجبتان أم سنتان وعندنا فيه خلاف حاصله ثلاثة أقوال أصحها أنهما سنة والثاني أنهما واجبتان والثالث إن كان طوافا واجبا فواجبتان والا فسنتان وسواء قلنا واجبتان أو سنتان لو تركهما لم يبطل طوافه والسنة أن يصليهما خلف المقام فان لم يفعل ففي الحجر والا ففي المسجد والا ففي مكة وسائر الحرم ولو صلاهما في وطنه وغيره من أقاصى الأرض جاز وفاتته الفضيلة ولا تفوت هذه الصلاة ما دام حيا ولو أراد أن يطوف أطوفة استحب أن يصلى عقب كل طواف ركعتيه فلو أراد أن يطوف أطوفة بلا صلاة ثم يصلى بعد الأطوفة لكل طواف ركعتيه قال أصحابنا يجوز ذلك وهو خلاف الأولى ولا يقال مكروه وممن قال بهذا المسور بن مخرمة وعائشة وطاوس وعطاء وسعيد بن جبير وأحمد واسحاق وأبو يوسف وكرهه بن عمر والحسن البصرى والزهرى ومالك والثورى وأبو حنيفة وأبو ثور ومحمد بن الحسن وبن المنذر ونقله القاضي عن جمهور الفقهاء قوله ( فكان أبي يقول ولا أعلمه ذكره الا عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون ) معنى هذا الكلام أن جعفر بن محمد روى هذا الحديث عن أبيه عن جابر قال كان أبي يعنى محمدا يقول أنه قرأ هاتين السورتين قال جعفر ولا أعلم أبي ذكر تلك القراءة عن قراءة جابر في صلاة جابر بل عن جابر عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة هاتين الركعتين قوله ( قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون ) معناه قرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة قل يا أيها الكافرون وفي الثانية بعد الفاتحة قل هو الله أحد وأما قوله لا أعلم ذكره الا عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس هو شكا في ذلك لأن لفظة العلم تنافى الشك بل جزم برفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكره البيهقى باسناد صحيح على شرط مسلم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت فرمل من الحجر الأسود ثلاثا ثم صلى ركعتين قرأ فيهما قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد قوله ( ثم رجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا ) فيه دلالة لما قاله الشافعي وغيره من العلماء أنه يستحب للطائف طواف القدوم اذا فرغ من الطواف وصلاته خلف المقام أن يعود إلى الحجر الأسود فيستلمه ثم يخرج من باب الصفا ليسعى واتفقوا على أن هذا الاستلام ليس بواجب وانما هو سنة لو تركه لم يلزمه دم قوله ( ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ إن الصفا والمروة من شعائر الله أبدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله وكبر وقال لا إله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا اله الا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الاحزاب وحده ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات ثم نزل إلى المروة ) في هذا اللفظ أنواع من المناسك منها أن السعى يشترط فيه أن يبدأ من الصفا وبه قال الشافعي ومالك والجمهور وقد ثبت في رواية النسائي في هذا الحديث باسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ابدءوا بما بدأ الله به هكذا بصيغة الجمع ومنها أنه ينبغى أن يرقى على الصفا والمروة وفي هذا الرقى خلاف قال جمهور أصحابنا هو سنة ليس بشرط ولا واجب فلو تركه صح سعيه لكن فاتته الفضيلة وقال أبو حفص بن الوكيل من أصحابنا لا يصح سعيه حتى يصعد على شيء من الصفا والصواب الأول قال أصحابنا لكن يشترط أن لا يترك شيئا من المسافة بين الصفا والمروة فليلصق عقبيه بدرج الصفا واذا وصل المروة ألصق أصابع رجليه بدرجها وهكذا في المرات السبع يشترط في كل مرة أن يلصق عقبيه بما يبدأ منه وأصابعه بما ينتهى إليه قال أصحابنا يستحب أن يرقى على الصفا والمروة حتى يرى البيت إن أمكنه ومنها أنه يسن أن يقف على الصفا مستقبل الكعبة ويذكر الله تعالى بهذا الذكر المذكور ويدعو ويكرر الذكر والدعاء ثلاث مرات هذا هو المشهور عند أصحابنا وقال جماعة من أصحابنا يكرر الذكر ثلاثا والدعاء مرتين فقط والصواب الأول قوله صلى الله عليه وسلم ( وهزم الأحزاب وحده ) معناه هزمهم بغير قتال من الآدميين ولا بسبب من جهتهم والمراد بالأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق وكان الخندق في شوال سنة أربع من الهجرة وقيل سنة خمس قوله ( ثم نزل إلى المروة حتى انصبت قدماه في بطن الوادي حتى اذا صعدتا مشي حتى أتى المروة ) هكذا هو في النسخ وكذا نقله القاضي عياض عن جميع النسخ قال وفيه اسقاط لفظة لا بد منها وهي حتى انصبت قدماه رمل في بطن الوادي ولا بد منها وقد ثبتت هذه اللفظة في غير رواية مسلم وكذا ذكرها الحميدى في الجمع بين الصحيحين وفي الموطأ حتى اذا انصبت قدماه في بطن الوادى سعى حتى خرج منه وهو بمعنى رمل هذا كلام القاضي وقد وقع في بعض نسخ صحيح مسلم حتى اذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى كما وقع في الموطأ وغيره والله أعلم وفي هذا الحديث استحباب السعى الشديد في بطن الوادي حتى يصعد ثم يمشى باقى المسافة إلى المروة على عادة مشيه وهذا السعى مستحب في كل مرة من المرات السبع في هذا الموضع والمشى مستحب فيما قبل الوادى وبعده ولو مشى في الجميع أو سعى في الجميع أجزأه وفاتته الفضيلة هذا مذهب الشافعي وموافقيه وعن مالك فيمن ترك السعى الشديد في موضعه روايتان احداهما كما ذكر والثانية تجب عليه اعادته قوله ( ففعل على المروة مثل ما فعل على الصفا ) فيه أنه يسن عليها من الذكر والدعاء والرقى مثل ما يسن على الصفا وهذا متفق عليه قوله ( حتى اذا كان آخر طواف على المروة ) فيه دلالة لمذهب الشافعي والجمهور أن الذهاب من الصفا إلى المروة يحسب مرة والرجوع إلى الصفا ثانية والرجوع إلى المروة ثالثة وهكذا فيكون ابتداء السبع من الصفا وآخرها بالمروة وقال بن بنت الشافعي وابو بكر الصيرفي من أصحابنا يحسب الذهاب إلى المروة والرجوع إلى الصفا مرة واحدة فيقع آخر السبع في الصفا وهذا الحديث الصحيح يرد عليهما وكذلك عمل المسلمين على تعاقب الأزمان والله أعلم قوله ( فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال يا رسول الله ألعامنا هذا أم لأبد ) إلى آخره هذا الحديث سبق شرحه واضحا في آخر الباب الذي قبل هذا وجعشم بضم الجيم وبضم الشين المعجمة وفتحها ذكره الجوهري وغيره قوله ( فوجد فاطمة ممن حل ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت فأنكر ذلك عليها ) فيه انكار الرجل على زوجته ما رآه منها من نقص في دينها لأنه ظن أن ذلك لا يجوز فأنكره قوله ( فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم محرشا على فاطمة ) التحريش الاغراء والمراد هنا أن يذكر له ما يقتضى عتابها قوله ( قلت إني أهل بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ) هذا قد سبق شرحه في الباب قبله وأنه يجوز تعليق الاحرام باحرام كاحرام فلان قوله ( فحل الناس كلهم وقصروا الا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدى ) هذا أيضا تقدم شرحه في الباب السابق وفيه اطلاق اللفظ العام وإرادة الخصوص لأن عائشة لم تحل ولم تكن ممن ساق الهدى والمراد بقوله حل الناس كلهم أي معظمهم والهدى باسكان الدال وكسرها وتشديد الياء مع الكسر وتخفف مع الاسكان وأما قوله وقصروا فانما قصروا ولم يحلقوا مع أن الحلق أفضل لأنهم أرادوا أن يبقى شعر يحلق في الحج فلو حلقوا لم يبق شعر فكان التقصير هنا أحسن ليحصل في النسكين إزالة شعر والله أعلم قوله ( فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج ) يوم التروية هو الثامن من ذي الحجة سبق بيانه واشتقاقه مرات وسبق أيضا مرات أن الأفضل عند الشافعي وموافقيه أن من كان بمكة وأراد الاحرام بالحج أحرم يوم التروية عملا بهذا الحديث وسبق بيان مذاهب العلماء فيه وفي هذا بيان أن السنة أن لا يتقدم أحد إلى منى قبل يوم التروية وقد كره مالك ذلك وقال بعض السلف لا بأس به ومذهبنا أنه خلاف السنة قوله ( وركب النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ) فيه بيان سنن أحداها أن الركوب في تلك المواطن افضل من المشى كما أنه في جملة الطريق أفضل من المشى هذا هو الصحيح في الصورتين أن الركوب افضل وللشافعي قول آخر ضعيف أن المشى أفضل وقال بعض أصحابنا الأفضل في جملة الحج الركوب الا في مواطن المناسك وهي مكة ومنى ومزدلفة وعرفات والتردد بينهما والسنة الثانية أن يصلى بمنى هذه الصلوات الخمس والثالثة أن يبيت بمنى هذه الليلة وهي ليلة التاسع من ذي الحجة وهذا المبيت سنة ليس بركن ولا واجب فلو تركه فلا دم عليه بالاجماع قوله ( ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس ) فيه أن السنة أن لا يخرجوا من منى حتى تطلع الشمس وهذا متفق عليه قوله ( وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة ) فيه استحباب النزول بنمرة اذا ذهبوا من منى لأن السنة أن لا يدخلوا عرفات الا بعد زوال الشمس وبعد صلاتى الظهر والعصر جمعا فالسنة أن ينزلوا بنمرة فمن كان له قبة ضربها ويغتسلون للوقوف قبل الزوال فاذا زالت الشمس سار بهم الامام إلى مسجد إبراهيم عليه السلام وخطب بهم خطبتين خفيفتين ويخفف الثانية جدا فاذا فرغ منها صلى بهم الظهر والعصر جامعا بينهما فاذا فرغ من الصلاة سار إلى الموقف وفي هذا الحديث جواز الاستظلال للمحرم بقبة وغيرها ولا خلاف في جوازه للنازل واختلفوا في جوازه للراكب فمذهبنا جوازه وبه قال كثيرون وكرهه مالك وأحمد وستأتي المسألة مبسوطة في موضعها ان شاء الله تعالى وفيه جواز اتخاذ القباب وجوازها من شعر وقوله ( بنمرة ) هي بفتح النون وكسر الميم هذا أصلها ويجوز فيها ما يجوز في نظيرها وهو اسكان الميم مع فتح النون وكسرها وهي موضع بجنب عرفات وليست من عرفات قوله ( ولا تشك قريش الا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية ) معنى هذا أن قريشا كانت في الجاهلية تقف بالمشعر الحرام وهو جبل في المزدلفة يقال له قزح وقيل ان المشعر الحرام كل المزدلفة وهو بفتح الميم على المشهور وبه جاء القرآن وقيل بكسرها وكان سائر العرب يتجاوزون المزدلفة ويقفون بعرفات فظنت قريش أن النبي صلى الله عليه وسلم يقف في المشعر الحرام على عادتهم ولا يتجاوزه فتجاوزه النبي صلى الله عليه وسلم إلى عرفات لأن الله تعالى أمره بذلك في قوله تعالى ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس أي سائر العرب غير قريش وانما كانت قريش تقف بالمزدلفة لأنها من الحرم وكانوا يقولون نحن أهل حرم الله فلا نخرج منه قوله ( فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى اذا زاغت الشمس ) أما أجاز فمعناه جاوز المزدلفة ولم يقف بها بل توجه إلى عرفات وأما قوله حتى أتى عرفة فمجاز والمراد قارب عرفات لأنه فسره بقوله وجد القبة قد ضربت بنمرة فنزل بها وقد سبق ان نمرة ليست من عرفات وقد قدمنا أن دخول عرفات قبل صلاتى الظهر والعصر جميعا خلاف السنة قوله ( حتى اذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادى فخطب الناس ) أما القصواء فتقدم ضبطها وبيانها واضحا في أول هذا الباب وقوله فرحلت هو بتخفيف الحاء أي جعل عليها الرحل وقوله ( بطن الوادي ) هو وادي عرنة بضم العين وفتح الراء وبعدها نون وليست عرنة من أرض عرفات عند الشافعي والعلماء كافة الا مالكا فقال هي من عرفات وقوله فخطب الناس فيه استحباب الخطبة للامام بالحجيج يوم عرفة في هذا الموضع وهو سنة باتفاق جماهير العلماء وخالف فيها المالكية ومذهب الشافعي أن في الحج أربع خطب مسنونة احداها يوم السابع من ذي الحجة يخطب عند الكعبة بعد صلاة الظهر والثانية هذه التي ببطن عرنة يوم عرفات والثالثة يوم النحر والرابعة يوم النفر الأول وهو اليوم الثاني من أيام التشريق قال أصحابنا وكل هذه الخطب أفراد وبعد صلاة الظهر الا التي يوم عرفات فانها خطبتان وقبل الصلاة قال أصحابنا ويعلمهم في كل خطبة من هذه ما يحتاجون إليه إلى الخطبة الأخرى والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( ان دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا ) معناه متأكدة التحريم شديدته وفي هذا دليل لضرب الأمثال وإلحاق النظير بالنظير قياسا قوله صلى الله عليه وسلم ( ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمى موضوع ودماء الجاهلية موضوعة وان أول دم أضع دم بن ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بنى سعد فقتلته هذيل وربا الجاهلية موضوعة وأول ربا أضع ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فانه موضوع كله ) في هذه الجملة ابطال أفعال الجاهلية وبيوعها التي لم يتصل بها قبض وأنه لا قصاص في قتلها وأن الامام وغيره ممن يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر ينبغى أن يبدأ بنفسه وأهله فهو أقرب إلى قبول قوله والى طيب نفس من قرب عهده بالاسلام وأما قوله صلى الله عليه وسلم تحت قدمى فاشارة إلى ابطاله وأما قوله صلى الله عليه وسلم وأن أول دم أضع دم بن ربيعة فقال المحققون والجمهور اسم هذا الابن اياس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وقيل اسمه حارثه وقيل آدم قال الدارقطنى وهو تصحيف وقيل اسمه تمام وممن سماه آدم الزبير بن بكار قال القاضي عياض ورواه بعض رواة مسلم دم ربيعة بن الحارث قال وكذا رواه أبو داود قيل هو وهم والصواب بن ربيعة لأن ربيعة عاش بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى زمن عمر بن الخطاب وتأوله أبو عبيد فقال دم ربيعة لأنه ولى الدم فنسبه إليه قالوا وكان هذا الابن المقتول طفلا صغيرا يحبو بين البيوت فأصابه حجر في حرب كانت بين بنى سعد وبنى ليث بن بكر قاله الزبير بن بكار قوله صلى الله عليه وسلم في الربا ( أنه موضوع كله ) معناه الزائد على رأس المال كما قال الله تعالى وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم وهذا الذي ذكرته ايضاح والا فالمقصود مفهوم من نفس لفظ الحديث لأن الربا هو الزيادة فإذا وضع الربا فمعناه وضع الزيادة والمراد بالوضع الرد والابطال قوله صلى الله عليه وسلم ( فاتقوا الله في النساء فانكم أخذتموهن بأمان الله ) فيه الحث على مراعاة حق النساء والوصية بهن ومعاشرتهن بالمعروف وقد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة في الوصية بهن وبيان حقوقهن والتحذير من التقصير في ذلك وقد جمعتها أو معظمها في رياض الصالحين وقوله صلى الله عليه وسلم ( أخذتموهن بأمان الله ) هكذا هو في كثير من الأصول وفي بعضها بأمانة الله قوله صلى الله عليه وسلم ( واستحللتم فروجهن بكلمة الله ) قيل معناه قوله تعالى فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان وقيل المراد كلمة التوحيد وهي لا اله الا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم اذ لا تحل مسلمة لغير مسلم وقيل المراد باباحة الله والكلمة قوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء وهذا الثالث هو الصحيح وبالأول قال الخطابي والهروى وغيرهما وقيل المراد بالكلمة الايجاب والقبول ومعناه على هذا بالكلمة التي أمر الله تعالى بها والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فان فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ) قال المازرى قيل المراد بذلك أن لا يستخلين بالرجال ولم يرد زناها لأن ذلك يوجب جلدها ولأن ذلك حرام مع من يكرهه الزوج ومن لا يكرهه وقال القاضي عياض كانت عادة العرب حديث الرجال مع النساء ولم يكن ذلك عيبا ولا ريبة عندهم فلما نزلت آية الحجاب نهوا عن ذلك هذا كلام القاضي والمختار أن معناه أن لا يأذن لأحد تكرهونه في دخول بيوتكم والجلوس في منازلكم سواء كان المأذون له رجلا أجنبيا أو أمراة أو أحدا من محارم الزوجة فالنهى يتناول جميع ذلك وهذا حكم المسألة عند الفقهاء أنها لا يحل لها أن تأذن لرجل أو امرأة ولا محرم ولا غيره في دخول منزل الزوج الا من علمت أو ظنت أن الزوج لا يكرهه لأن الأصل تحريم دخول منزل الانسان حتى يوجد الاذن في ذلك منه أو ممن أذن له في الاذن في ذلك أو عرف رضاه باطراد العرف بذلك ونحوه ومتى حصل الشك في الرضا ولم يترجح شيء ولا وجدت قرينة لا يحل الدخول ولا الاذن والله أعلم وأما الضرب المبرح فهو الضرب الشديد الشاق ومعناه اضربوهن ضربا ليس بشديد ولا شاق والبرح المشقة والمبرح بضم الميم وفتح الموحدة وكسر الراء وفي هذا الحديث اباحة ضرب الرجل امرأته للتأديب فان ضربها الضرب المأذون فيه فماتت منه وجبت ديتها على عاقلة الضارب ووجبت الكفارة في ماله قوله صلى الله عليه وسلم ( ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ) فيه وجوب نفقة الزوجة وكسوتها وذلك ثابت بالاجماع قوله ( فقال باصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس اللهم اشهد ) هكذا ضبطناه ينكتها بعد الكاف تاء مثناة فوق قال القاضي كذا الرواية بالتاء المثناة فوق قال وهو بعيد المعنى قال قيل صوابه ينكبها بباء موحدة قال ورويناه في سنن أبي داود بالتاء المثناة من طريق بن الاعرابي وبالموحدة من طريق أبي بكر التمار ومعناه يقلبها ويرددها إلى الناس مشيرا اليهم ومنه نكب كنانته اذا قلبها هذا كلام القاضي قوله ( ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئا ) فيه أنه يشرع الجمع بين الظهر والعصر هناك في ذلك اليوم وقد أجمعت الأمة عليه واختلفوا في سببه فقيل بسبب النسك وهو مذهب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي وقال أكثر أصحاب الشافعي هو بسبب السفر فمن كان حاضرا أو مسافرا دون مرحلتين كاهل مكة لم يجز له الجمع كما لا يجوز له القصر وفيه أن الجامع بين الصلاتين يصلي الأولى أولا وأنه يؤذن للأولى وأنه يقيم لكل واحدة منهما وأنه لا يفرق بينهما وهذا كله متفق عليه عندنا قوله ( ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص ) في هذا الفصل مسائل وآداب للوقوف منها أنه اذا فرغ من الصلاتين عجل الذهاب إلى الموقف ومنها أن الوقوف راكبا أفضل وفيه خلاف بين العلماء وفي مذهبنا ثلاثة أقوال أصحها أن الوقوف راكبا أفضل والثاني غير الراكب أفضل والثالث هما سواء ومنها أنه يستحب أن يقف عند الصخرات المذكورات وهي صخرات مفترشات في أسفل جبل الرحمة وهو الجبل الذي بوسط أرض عرفات فهذا هو الموقف المستحب وأما ما اشتهر بين العوام من الاعتناء بصعود الجبل وتوهمهم أنه لا يصح الوقوف الا فيه فغلط بل الصواب جواز الوقوف في كل جزء من أرض عرفات وأن الفضيلة في موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصخرات فان عجز فليقرب منه بحسب الامكان وسيأتي في آخر الحديث بيان حدود عرفات ان شاء الله تعالى عند قوله صلى الله عليه وسلم وعرفة كلها موقف ومنها استحباب استقبال الكعبة في الوقوف ومنها أنه ينبغي أن يبقى في الوقوف حتى تغرب الشمس ويتحقق كمال غروبها ثم يفيض إلى مزدلفة فلو أفاض قبل غروب الشمس صح وقوفه وحجه ويجبر ذلك بدم وهل الدم واجب أم مستحب فيه قولان للشافعي أصحهما أنه سنة والثاني واجب وهما مبنيان على أن الجمع بين الليل والنهار واجب على من وقف بالنهار أم لا وفيه قولان أصحهما سنة والثاني واجب وأما وقت الوقوف فهو ما بين زوال الشمس يوم عرفة وطلوع الفجر الثاني يوم النحر فمن حصل بعرفات في جزء من هذا الزمان صح وقوفه ومن فاته ذلك فاته الحج هذا مذهب الشافعي وجماهير العلماء وقال مالك لا يصح الوقوف في النهار منفردا بل لا بد من الليل وحده فان اقتصر على الليل كفاه وإن اقتصر على النهار لم يصح وقوفه وقال أحمد يدخل وقت الوقوف من الفجر يوم عرفة وأجمعوا على أن أصل الوقوف ركن لا يصح الحج الا به والله أعلم وأما قوله ( وجعل حبل المشاة بين يديه ) فروى حبل بالحاء المهملة واسكان الباء وروى جبل بالجيم وفتح الباء قال القاضي عياض رحمه الله الأول أشبه بالحديث وحبل المشاة أي مجتمعهم وحبل الرمل ما طال منه وضخم وأما بالجيم فمعناه طريقهم وحيث تسلك الرجالة وأما قوله ( فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص ) هكذا هو في جميع النسخ وكذا نقله القاضي عن جميع النسخ قال قيل لعل صوابه حين غاب القرص هذا كلام القاضي ويحتمل أن الكلام على ظاهره ويكون قوله حتى غاب القرص بيانا لقوله غربت الشمس وذهبت الصفرة فان هذه تطلق مجازا على مغيب معظم القرص فأزال ذلك الاحتمال بقوله حتى غاب القرص والله أعلم قوله وأردف أسامة خلفه فيه جواز الإرداف اذا كانت الدابة مطيقة وقد تظاهرت به الأحاديث قوله ( وقد شنق للقصواء الزمام حتى أن رأسها ليصيب مورك رحله ) معنى شنق ضم وضيق وهو بتخفيف النون ومورك الرحل قال الجوهرى قال أبو عبيد المورك والموركة يعنى بفتح الميم وكسر الراء هو الموضع الذي يثنى الراكب رجله عليه قدام واسطة الرحل اذا مل من الركوب وضبطه القاضي بفتح الراء قال وهو قطعة ادم يتورك عليها الراكب تجعل في مقدم الرحل شبه المخدة الصغيرة وفي هذا استحباب الرفق في السير من الراكب بالمشاة وبأصحاب الدواب الضعيفة قوله ( ويقول بيده السكينة السكينة ) مرتين منصوبا أي الزموا السكينة وهي الرفق والطمأنينة ففيه أن السكينة في الدفع من عرفات سنة فاذا وجد فرجة يسرع كما ثبت في الحديث الآخر قوله ( كلما أتى حبلا من الحبال أرخى لها قليلا حتى تصعد حتى أتى المزدلفة ) الحبال هنا بالحاء المهملة المكسورة جمع حبل وهو التل اللطيف من الرمل الضخم وقوله ( حتى تصعد ) هو بفتح الياء المثناة فوق وضمها يقال صعد في الحبل وأصعد ومنه قوله تعالى إذ تصعدون وأما المزدلفة فمعروفة سميت بذلك من التزلف والازدلاف وهو التقرب لأن الحجاج إذا أفاضوا من عرفات ازدلفوا إليها تقربوا منها وقيل سميت بذلك لمجيء الناس إليها في زلف من الليل أي ساعات وتسمى جمعا بفتح الجيم واسكان الميم سميت بذلك لاجتماع الناس فيها واعلم ان المزدلفة كلها من الحرم قال الأزرقي في تاريخ مكة والماوردي وأصحابنا في كتب المذهب وغيرهم حد مزدلفة ما بين مازمي عرفة ووادي محسر وليس الحدان منها ويدخل في المزدلفة جميع تلك الشعاب والجبال الداخلية في الحد المذكور قوله ( حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئا ) فيه فوائد منها أن السنة للدافع من عرفات أن يؤخر المغرب إلى وقت العشاء ويكون هذا التأخير بنية الجمع ثم يجمع بينهما في المزدلفة في وقت العشاء وهذا مجمع عليه لكن مذهب أبي حنيفة وطائفة أنه يجمع بسبب النسك ويجوز لأهل مكة والمزدلفة ومنى وغيرهم والصحيح عند أصحابنا أنه جمع بسبب السفر فلا يجوز إلا لمسافر سفرا يبلغ به مسافة القصر وهو مرحلتان قاصدتان وللشافعي قول ضعيف أنه يجوز الجمع في كل سفر وان كان قصيرا وقال بعض أصحابنا هذا الجمع بسبب النسك كما قال أبو حنيفة والله أعلم قال أصحابنا ولو جمع بينهما في وقت المغرب في أرض عرفات أو في الطريق أو في موضع آخر وصلى كل واحدة في وقتها جاز جميع ذلك لكنه خلاف الأفضل هذا مذهبنا وبه قال جماعات من الصحابة والتابعين وقاله الأوزاعي وأبو يوسف وأشهب وفقهاء أصحاب الحديث وقال أبو حنيفة وغيره من الكوفيين يشترط أن يصليهما بالمزدلفة ولا يجوز قبلها وقال مالك لا يجوز أن يصليهما قبل المزدلفة الا من به أو بدابته عذرفلة أن يصليهما قبل المزدلفة بشرط كونه بعد مغيب الشفق ومنها أن يصلي الصلاتين في وقت الثانية بأذان للأولى وإقامتين لكل واحدة إقامة وهذا هو الصحيح عند أصحابنا وبه قال أحمد بن حنبل وأبو ثور وعبدالملك الماجشون المالكي والطحاوى الحنفى وقال مالك يؤذن ويقيم للأولى ويؤذن ويقيم أيضا للثانية وهو محكى عن عمر وبن مسعود رضي الله عنهما وقال أبو حنيفة وأبو يوسف أذان واحد واقامة واحدة وللشافعي وأحمد قول أنه يصلى كل واحدة باقامتها بلا أذان وهو محكى عن القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر وقال الثورى يصليهما جميعا باقامة واحدة وهو يحكي أيضا عن بن عمر والله أعلم وأما قوله ( لم يسبح بينهما ) فمعناه لم يصل بينهما نافلة والنافلة تسمى سبحة لاشتمالها على التسبيح ففيه الموالاة بين الصلاتين المجموعتين ولا خلاف في هذا لكن اختلفوا هل هو شرط للجمع أم لا والصحيح عندنا أنه ليس بشرط بل هو سنة مستحبة وقال بعض أصحابنا هو شرط أما اذا جمع بينهما في وقت الأولى فالموالاة شرط بلا خلاف قوله ( ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح باذان واقامة ) في هذا الفصل مسائل احداها أن المبيت بمزدلفة ليلة النحر بعد الدفع من عرفات نسك وهذا مجمع عليه لكن اختلف العلماء هل هو واجب أم ركن أم سنة والصحيح من قولى الشافعي أنه واجب لو تركه أثم وصح حجه ولزمه دم والثاني أنه سنة لا اثم في تركه ولا يجب فيه دم ولكن يستحب وقال جماعة من أصحابنا هو ركن لا يصح الحج الا به كالوقوف بعرفات قاله من أصحابنا بن بنت الشافعي وأبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة وقاله خمسة من ائمة التابعين وهم علقمة والأسود والشعبى والنخعى والحسن البصرى والله أعلم والسنة أن يبقى بالمزدلفة حتى يصلى بها الصبح الا الضعفة فالسنة لهم الدفع قبل الفجر كما سيأتى في موضعه ان شاء الله تعالى وفي أقل المجزى من هذا المبيت ثلاثة أقوال عندنا الصحيح ساعة في النصف الثاني من الليل والثاني ساعة في النصف الثاني أو بعد الفجر قبل طلوع الشمس والثالث معظم الليل والله أعلم المسألة الثانية السنة أن يبالغ بتقديم صلاة الصبح في هذا الموضع ويتأكد التبكير بها في هذا اليوم أكثر من تأكده في سائر السنة للاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ولأن وظائف هذا اليوم كثيرة فسن المبالغة بالتبكير بالصبح ليتسع الوقت للوظائف الثالثة يسن الآذان والاقامة لهذه الصلاة وكذلك غيرها من صلوات المسافر وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالأذان لرسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر كما في الحضر والله أعلم قوله ( ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا ودفع قبل أن تطلع الشمس ) أما القصواء فسبق في أول الباب بيانها وأما قوله ثم ركب ففيه أن السنة الركوب وأنه أفضل من المشي وقد سبق بيانه مرات وبيان الخلاف فيه وأما المشعر الحرام فبفتح الميم هذا هو الصحيح وبه جاء القرآن وتظاهرت به روايات الحديث ويقال أيضا بكسر الميم والمراد به هنا قزح بضم القاف وفتح الزاي وبحاء مهملة وهو جبل معروف في المزدلفة وهذا الحديث حجة الفقهاء في أن المشعر الحرام هو قزح وقال جماهير المفسرين وأهل السير والحديث المشعر الحرام جميع المزدلفة وأما قوله فاستقبل القبلة يعني الكعبة فدعاه إلى آخره فيه أن الوقوف على قزح من مناسك الحج وهذا لاخلاف فيه لكن اختلفوا في وقت الدفع منه فقال بن مسعود وبن عمر وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء لا يزال واقفا فيه يدعو ويذكر حتى يسفر الصبح جدا كما في هذا الحديث وقال مالك يدفع منه قبل الاسفار والله أعلم وقوله ( أسفر جدا ) الضمير في أسفر يعود إلى الفجر المذكور أولا وقوله ( جدا ) بكسر الجيم أي اسفارا بليغا قوله في صفة الفضل بن عباس ( أبيض وسيما ) أي حسنا قوله ( مرت به ظعن يجرين ) الظعن بضم الظاء والعين ويجوز أسكان العين جميع ظعينة كسفينة وسفن وأصل الظعينة البعير الذي عليه امرأة ثم تسمى به المرأة مجازا لملابستها البعير كما أن الرواية أصلها الجمل الذي يحمل الماء ثم تسمى به القربة لما ذكرناه وقوله يجرين بفتح الياء قوله ( فطفق الفضل ينظر اليهن فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على وجه الفضل ) فيه الحث على غض البصر عن الاجنبيات وغضهن عن الرجال الأجانب وهذا معنى قوله وكان أبيض وسيما حسن الشعر يعنى أنه بصفة من تفتتن النساء به لحسنه وفي رواية الترمذي وغيره في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لوى عنق الفضل فقال له العباس لويت عنق بن عمك قال رأيت شابا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما فهذا يدل على أن وضعه صلى الله عليه وسلم يده على وجه الفضل كان لدفع الفتنة عنه وعنها وفيه أن من رأى منكرا وأمكنه ازالته بيده لزمه ازالته فان قال بلسانه ولم ينكف المقول له وأمكنه بيده اثم ما دام مقتصرا على اللسان والله أعلم قوله ( حتى أتى بطن محسر فحرك قليلا ) أما محسر فبضم الميم وفتح الحاء وكسر السين المشددة المهملتين سمى بذلك لأن فيل أصحاب الفيل حصر فيه أي أعي فيه وكل منه قوله تعالى ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير وأما قوله فحرك قليلا فهي سنة من سنن السير في ذلك الموضع قال أصحابنا يسرع الماشي ويحرك الراكب دابته في وادي محسر ويكون ذلك قدر رمية حجر والله أعلم قوله ( ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها حصى الخذف رمى من بطن الوادي ) أما قوله سلك الطريق الوسطى ففيه أن سلوك هذا الطريق في الرجوع من عرفات سنة وهو غير الطريق الذي ذهب فيه إلى عرفات وهذا معنى قول أصحابنا يذهب إلى عرفات في طريق ضب ويرجع في طريق المازمين ليخالف الطريق تفاؤلا بتغير الحال كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في دخول مكة حين دخلها من الثنية العليا وخرج من الثنية السفلى وخرج إلى العيد في طريق ورجع في طريق آخر وحول رداءه في الاستسقاء وأما الجمرة الكبرى فهي جمرة العقبة وهي التي عند الشجرة وفيه أن السنة للحاج اذا دفع من مزدلفة فوصل منى أن يبدأ بجمرة العقبة ولا يفعل شيئا قبل رميها ويكون ذلك قبل نزوله وفيه أن الرمى بسبع حصيات وأن قدرهن بقدر حصى الخذف وهو نحو حبة الباقلاء وينبغي ألا يكون أكبر ولا أصغر فان كان أكبر أو أصغر أجزأه بشرط كونها حجرا ولا يجوز عند الشافعي والجمهور الرمى بالكحل والزرنيخ والذهب والفضة وغير ذلك مما لا يسمى حجرا وجوزه أبو حنيفة بكل ما كان من أجزاء الأرض وفيه أنه يسن التكبير مع كل حصاة وفيه أنه يجب التفريق بين الحصيات فيرميهن واحدة واحدة فان رمى السبعة رمية واحدة حسب ذلك كله حصاة واحدة عندنا وعند الأكثرين وموضع الدلالة لهذه المسألة يكبر مع كل حصاة فهذا تصريح بانه رمى كل حصاة وحدها مع قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآتي بعد هذا في أحاديث الرمي لتأخذوا عنى مناسككم وفيه أن السنة أن يقف للرمى في بطن الوادي بحيث تكون منى وعرفات والمزدلفة عن يمينه ومكة عن يساره وهذا هو الصحيح الذي جاءت به الأحاديث الصحيحة وقيل يقف مستقبل الكعبة وكيفما رمى أجزأه بحيث يسمى رميا بما يسمى حجرا والله أعلم وأما حكم الرمى فالمشروع منه يوم النحر رمى جمرة العقبة لا غير باجماع المسلمين وهو نسك باجماعهم ومذهبنا أنه واجب ليس بركن فان تركه حتى فاتته أيام الرمى عصى ولزمه دم وصح حجه وقال مالك يفسد حجه ويجب رميها بسبع حصيات فلو بقيت منهن واحدة لم تكفه الست وأما قوله فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها حصى الخذف فهكذا هو في النسخ وكذا نقله القاضي عياض عن معظم النسخ قال وصوابه مثل حصى الخذف قال وكذلك رواه غير مسلم وكذا رواه بعض رواة مسلم هذا كلام القاضي قلت والذي في النسخ من غير لفظة مثل هو الصواب بل لا يتجه غيره ولا يتم الكلام الا كذلك ويكون قوله حصى الخذف متعلقا بحصيات أي رماها بسبع حصيات حصى الخذف يكبر مع كل حصاة فحصى الخذف متصل بحصيات واعترض بينهما يكبر مع كل حصاة وهذا هو الصواب والله أعلم قوله ( ثم انصرف إلى النحر فنحر ثلاثا وستين بيده ثم أعطى عليا فنحر ما غبر وأشركه في هديه ) هكذا هو في النسخ ثلاثا وستين بيده وكذا نقله القاضي عن جميع الرواة سوى بن ماهان فانه رواه بدنه قال وكلامه صواب والأول أصوب قلت وكلاهما حرى فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده قال القاضي فيه دليل على أن المنحر موضع معين من منى وحيث ذبح منها أو من الحرم أجزأه وفيه استحباب تكثير الهدى وكان هدى النبي صلى الله عليه وسلم في تلك السنة مائة بدنة وفيه استحباب ذبح المهدى هديه بنفسه وجواز الاستنابة فيه وذلك جائز بالاجماع اذا كان النائب مسلما ويجوز عندنا أن يكون النائب كافرا كتابيا بشرط أن ينوى صاحب الهدى عند دفعه إليه أو عند ذبحه وقوله ما غبر أي ما بقى وفيه استحباب تعجيل ذبح الهدايا وإن كانت كثيرة في يوم النحر ولا يؤخر بعضها إلى أيام التشريق وأما قوله وأشركه في هديه فظاهره أنه شاركه في نفس الهدى قال القاضي عياض وعندي أنه لم يكن تشريكا حقيقة بل أعطاه قدرا يذبحه والظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر البدن التي جاءت معه من المدينة وكانت ثلاثا وستين كما جاء في رواية الترمذى وأعطى عليا البدن التي جاءت معه من اليمين وهي تمام المائة والله أعلم قوله ( أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها ) البضعة بفتح الباء لا غير وهي القطعة من اللحم وفيه استحباب الأكل من هدى التطوع وأضحيته قال العلماء لما كان الأكل من كل واحدة سنة وفي الأكل من كل واحدة من المائة منفردة كلفة جعلت في قدر ليكون آكلا من مرق الجميع الذي فيه جزء من كل واحدة ويأكل من اللحم المجتمع في المرق ما تيسر وأجمع العلماء على أن الأكل من هدى التطوع وأضحيته سنة ليس بواجب قوله ( ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر ) هذا الطواف هو طواف الافاضة وهو ركن من أركان الحج باجماع المسلمين وأول وقته عندنا من نصف ليلة النحر وأفضله بعد رمى جمرة العقبة وذبح الهدى والحلق ويكون ذلك ضحوة يوم النحر ويجوز في جميع يوم النحر بلا كراهة ويكره تأخيره عنه بلا عذر وتأخيره عن أيام التشريق أشد كراهة ولا يحرم تأخيره سنين متطاولة ولا آخر لوقته بل يصح ما دام الانسان حيا وشرطه أن يكون بعد الوقوف بعرفات حتى لو طاف للافاضة بعد نصف ليلة النحر قبل الوقوف ثم أسرع إلى عرفات فوقف قبل الفجر لم يصح طوافه لأنه قدمه على الوقوف واتفق العلماء على أنه لا يشرع في طواف الافاضة رمل ولا اضطباع اذا كان قد رمل واضطبع عقب طواف القدوم ولو طاف بنية الوداع أو القدوم أو التطوع وعليه طواف افاضة وقع عن طواف الإفاضة بلا خلاف عندنا نص عليه الشافعي واتفق الاصحاب عليه كما لو كان عليه حجة الاسلام فحج بنية قضاء أو نذر أو تطوع فانه يقع عن حجة الاسلام وقال أبو حنيفة وأكثر العلماء لا يجزئ طواف الافاضة بنية غيره واعلم أن طواف الافاضة له أسماء فيقال أيضا طواف الزيارة وطواف الفرض والركن وسماه بعض أصحابنا طواف الصدر وأنكره الجمهور قالوا وانما طواف الصدر طواف الوداع والله أعلم وفي هذا الحديث استحباب الركوب في الذهاب من منى إلى مكة ومن مكة إلى منى ونحو ذلك من مناسك الحج وقد ذكرنا قبل هذا مرات المسألة وبينا أن الصحيح استحباب الركوب وأن من أصحابنا من استحب المشى هناك وقوله ( فأفاض إلى البيت فصلى الظهر ) فيه محذوف تقديره فأفاض فطاف بالبيت طواف الافاضة ثم صلى الظهر فحذف ذكر الطواف لدلالة الكلام عليه وأما قوله فصلى بمكة الظهر فقد ذكر مسلم بعد هذا في أحاديث طواف الافاضة من حديث بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أفاض يوم النحر فصلى الظهر بمنى ووجه الجمع بينهما أنه صلى الله عليه وسلم طاف للافاضة قبل الزوال ثم صلى الظهر بمكة في أول وقتها ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر مرة أخرى بأصحابه حين سألوه ذلك فيكون متنفلا بالظهر الثانية التي بمنى وهذا كما ثبت في الصحيحين في صلاته صلى الله عليه وسلم ببطن نخل أحد أنواع صلاة الخوف فانه صلى الله عليه وسلم صلى بطائفة من أصحابه الصلاة بكمالها وسلم بهم ثم صلى بالطائفة الأخرى تلك الصلاة مرة أخرى فكانت له صلاتان ولهم صلاة وأما الحديث الوارد عن عائشة وغيرها أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر الزيارة يوم النحر إلى الليل فمحمول على أنه عاد للزيارة مع نسائه لا لطواف الافاضة ولا بد من هذا التأويل للجمع بين الأحاديث وقد بسطت ايضاح هذا الجواب في شرح المهذب والله أعلم قوله ( فأتى بنى عبد المطلب يسقون على زمزم فقال انزعوا بنى عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم فناولوه دلوا فشرب منه ) أما قوله صلى الله عليه وسلم انزعوا فبكسر الزاي ومعناه استقوا بالدلاء وانزعوها بالرشاء وأما قوله فأتى بنى عبد المطلب فمعناه أتاهم بعد فراغه من طواف الافاضة وقوله يسقون على زمزم معناه يغرفون بالدلاء ويصبونه في الحياض ونحوها ويسبلونه للناس وقوله صلى الله عليه وسلم لولا أن يغلبكم الناس لنزعت معكم معناه لولا خوفى أن يعتقد الناس ذلك من مناسك الحج ويزدحمون عليه بحيث يغلبونكم ويدفعونكم عن الاستقاء لاستقيت معكم لكثرة فضيلة هذا الاستقاء وفيه فضيلة العمل في هذا الاستقاء واستحباب شرب ماء زمزم وأما زمزم فهي البئر المشهورة في المسجد الحرام بينها وبين الكعبة ثمان وثلاثون ذراعا قيل سميت زمزم لكثرة مائها يقال ماء زمزوم وزمزم وزمازم اذا كان كثيرا وقيل لضم هاجر رضي الله عنها لمائها حين انفجرت وزمها اياه وقيل لزمزمة جبريل عليه السلام وكلامه عند فجره اياها وقيل انها غير مشتقة ولها أسماء أخر ذكرتها في تهذيب اللغات مع نفائس أخرى تتعلق بها منها أن عليا رضي الله عنه قال خير بئر في الأرض زمزم وشر بئر في الأرض برهوت والله أعلم قوله ( وكانت العرب يدفع بهم أبو سيارة ) هو بسين مهملة ثم ياء مثناة تحت مشددة أي كان يدفع بهم في الجاهلية قوله فلما أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم من المزدلفة بالمشعر الحرام لم تشك قريش أنه سيقتصر عليه ويكون منزله ثم فأجاز ولم يعرض له حتى أتى عرفات فنزل أما المشعر فسبق بيانه وأنه بفتح الميم على المشهور وقيل بكسرها وان قزح الجبل المعروف في المزدلفة وقيل كل المزدلفة وأوضحنا الخلاف فيه بدلائله وهذا الحديث ظاهر الدلالة في أنه ليس كل المزدلفة وقوله أجاز أي جاوز وقوله ولم يعرض هو بفتح الياء وكسر الراء ومعنى الحديث أن قريشا كانت قبل الإسلام تقف بالمزدلفة وهي من الحرم ولا يقفون بعرفات وكان سائر العرب يقفون بعرفات وكانت قريش تقول نحن أهل الحرم فلا نخرج منه فلما حج النبي صلى الله عليه وسلم ووصل المزدلفة اعتقدوا أنه يقف بالمزدلفة على عادة قريش فجاوز إلى عرفات لقول الله عز وجل ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس أي جمهور الناس فان من سوى قريش كانوا يقفون بعرفات ويفيضون منها وأما قوله ( فأجاز ولم يعرض له حتى أتى عرفات فنزل ) ففيه مجاز تقديره فأجاز متوجها إلى عرفات حتى قاربها فضربت له القبة بنمرة قريب من عرفات فنزل هناك حتى زالت الشمس ثم خطب وصلى الظهر والعصر ثم دخل أرض عرفات حتى وصل الصخرات فوقف هناك وقد سبق هذا واضحا في الرواية الاولى قوله صلى الله عليه وسلم ( نحرت ها هنا ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم ووقفت ها هنا وعرفة كلها موقف ووقفت ها هنا وجمع كلها موقف ) في هذه الالفاظ بيان رفق النبي صلى الله عليه وسلم بأمته وشفقته عليهم في تنبيههم على مصالح دينهم ودنياهم فانه صلى الله عليه وسلم ذكر لهم الأكمل والجائز فالأكمل موضع نحره ووقوفه والجائز كل جزء من أجزاء المنحر وجزء من أجزاء عرفات وخيرهن أجزاء المزدلفة وهي جمع بفتح الجيم واسكان الميم وسبق بيانها وبيان حدها وحد منى في هذا الباب وأما عرفات فحدها ما جاوز وادي عرنه إلى الجبال القابلة مما يلي بساتين بن عامر هكذا نص عليه الشافعي وجميع أصحابه ونقل الأزرقي عن بن عباس أنه قال حد عرفات من الجبل المشرف على بطن عرنة إلى جبال عرفات إلى وصيق بفتح الواو وكسر الصاد المهملة وآخره قاف إلى ملتقى وصيق وادي عرنة وقيل في حدها غير هذا مما هو متقارب له وقد بسطت القول في ايضاحه في شرح المهذب وكتاب المناسك والله أعلم قال الشافعي وأصحابنا يجوز نحر الهدى ودماء الحيوانات في جميع الحرم لكن الافضل في حق الحاج النحر بمنى وأفضل موضع منها للنحر موضع نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم وما قاربه والأفضل في حق المعتمر أن ينحر في المروة لانها موضع تحلله كما أن منى موضع تحلل الحاج قالوا ويجوز الوقوف بعرفات في أي جزء كان منها وكذا يجوز الوقوف على المشعر الحرام وفي كل جزء من أجزاء المزدلفة لهذا الحديث والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم فالمراد بالرحال المنازل قال أهل اللغة رحل الرجل منزله سواء كان من حجر أو مدر أو شعر أو وبر ومعنى الحديث منى كلها منحر يجوز النحر فيها فلا تتكلفوا النحر في موضع نحرى بل يجوز لكم النحر في منازلكم من منى قوله ( ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه ثم مشى على يمينه فرمل ثلاثا ومشى أربعا ) في هذا الحديث أن السنة للحاج أن يبدأ أول قدومه بطواف القدوم ويقدمه على كل شيء وأن يستلم الحجر الاسود في أول طوافه وأن يرمل في ثلاث طوفات من السبع ويمشى في الاربع الاخيرة وسيأتي هذا كله واضحا حيث ذكر مسلم أحاديثه والله أعلم 1219 قوله ( كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة وكانوا يسمون الحمس ) إلى آخره الحمس بضم الحاء المهملة واسكان الميم وبسين مهملة قال أبو الهيثم الحمس هم قريش ومن ولدته قريش وكنانة وجديلة قيس سموا حمسا لانهم تحمسوا في دينهم أى تشددوا وقيل سموا حمسا بالكعبة لانها حمساء حجرها أبيض يضرب إلى السواد وقد سبق قريبا شرح هذا الحديث وسبب وقوفهم بالمزدلفة قوله ( كانت العرب تطوف بالبيت عراة الا الحمس ) هذا من الفواحش التى كانوا عليها في الجاهلية وقيل نزل فيه قوله تعالى وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا ولهذا أمر النبى صلى الله عليه وسلم في الحجة التى حجها أبو بكر رضى الله عنه سنة تسع أن ينادى مناديه أن لا يطوف بالبيت عريان 1220 قوله ( عن جبير بن مطعم قال أضللت بعيرا لى فذهبت أطلبه يوم عرفة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا مع الناس بعرفة فقلت والله ان هذا لمن الحمس فما شأنه ها هنا وكانت قريش تعد من الحمس ) قال القاضي عياض كان هذا في حجه قبل الهجرة وكان جبير حينئذ كافرا وأسلم يوم الفتح وقيل يوم خيبر فتعجب من وقوف النبى صلى الله عليه وسلم بعرفات والله أعلم

Section V08/P197–V08/P201

1 ( باب جواز تعليق الاحرام ( وهو ان يحرم باحرام كاحرام فلان فيصير محرما باحرام مثل احرام فلان )) 1221 في الباب حديث أبى موسى الاشعرى رضى الله عنه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له أحججت قال فقلت نعم فقال بم أهللت قال قلت لبيك باهلال كاهلال النبى صلى الله عليه وسلم قال قد أحسنت طف بالبيت وبالصفا والمروة وأحل قال فطفت بالبيت وبالصفا والمروة ثم أتيت امرأه من بنى قيس ففلت رأسى ثم أهللت بالحج ) في هذا الحديث فوائد منها جواز تعليق الاحرام فاذا قال أحرمت باحرام كاحرام زيد صح احرامه وكان احرامه كاحرام زيد فان كان زيد محرما بحج أو بعمرة أو قارنا كان المعلق مثله وان كان زيد أحرم مطلقا كان المعلق مطلقا ولا يلزمه أن يصرف احرامه إلى ما يصرف زيد احرامه إليه فلو صرف زيد احرامه إلى حج كان للمعلق صرف احرامه إلى عمرة وكذا عكسه ومنها استحباب الثناء على من فعل فعلا جميلا لقوله صلى الله عليه وسلم أحسنت وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( طف بالبيت وبالصفا والمروة وأحل ) فمعناه أنه صار كالنبي صلى الله عليه وسلم وتكون وظيفته أن يفسخ حجه إلى عمرة فيأتي بأفعالها وهي الطواف والسعى والحلق فاذا فعل ذلك صار حلالا وتمت عمرته وانما لم يذكر الحلق هنا لأنه كان مشهورا عندهم ويحتمل أنه داخل في قوله وأحل وقوله ( ثم أتيت امرأة من بنى قيس ففلت رأسى ) هذا محمول على أن هذه المرأة كانت محرما له وقوله ( ثم أهللت بالحج ) يعنى أنه تحلل بالعمرة وأقام بمكة حلالا إلى يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجة ثم أحرم بالحج يوم التروية كما جاء مبينا في غير هذه الرواية فان قيل قد علق على بن أبى طالب وأبو موسى رضى الله عنهما احرامهما باحرام النبى صلى الله عليه وسلم فأمر عليا بالدوام على احرامه قارنا وأمر أبا موسى بفسخه إلى عمرة فالجواب أن عليا رضى الله عنه كان معه الهدى كما كان مع النبى صلى الله عليه وسلم الهدى فبقي على احرامه كما بقي النبى صلى الله عليه وسلم وكل من معه هدى وأبو موسى لم يكن معه هدى فتحلل بعمرة كمن لم يكن معه هدى ولولا الهدى مع النبي صلى الله عليه وسلم لجعلها عمرة وقد سبق ايضاح هذا الجواب في الباب الذي قبل هذا قوله ففلت رأسى هو بتخفف اللام قوله ( رويدك بعض فتياك ) معنى رويدك ارفق قليلا وأمسك عن الفتيا ويقال فتيا وفتوى لغتان مشهورتان قوله ان عمر رضى الله عنه قال ( ان نأخذ بكتاب الله فإن كتاب الله يأمر بالتمام وان نأخذ بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحل حتى بلغ الهدى محله ) قال القاضي عياض رحمه الله تعالى ظاهر كلام عمر هذا انكار فسخ الحج إلى العمرة وأن نهيه عن التمتع انما هو من باب ترك الأولى لأنه منع ذلك منع تحريم وابطال ويؤيد هذا قوله بعد هذا قد علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد فعله وأصحابه لكن كرهت أن يظلوا معرسين بهن في الاراك 1222 وقوله ( معرسين ) هو باسكان العين وتخفيف الراء والضمير في بهن يعود إلى النساء للعلم بهن وان لم يذكرن ومعناه كرهت التمتع لأنه يقتضى التحلل ووطء النساء إلى حين الخروج إلى عرفات 1 ( باب جواز التمتع )

Section V08/P201–V08/P207

1223 قوله ( كان عثمان رضى الله عنه ينهى عن المتعة وكان على يأمر بها ) المختار أن المتعة التى نهى عنها عثمان هي التمتع المعروف في الحج وكان عمر وعثمان ينهيان عنها نهى تنزيه لا تحريم وانما نهيا عنها لأن الافراد أفضل فكان عمر وعثمان يأمران بالافراد لأنه أفضل وينهيان عن التمتع نهى تنزيه لأنه مأمور بصلاح رعيته وكان يرى الأمر بالافراد من جملة صلاحهم والله أعلم قوله ( ثم قال على لقد علمت أنا قد تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أجل ولكن كنا خائفين ) فقوله أجل باسكان اللام أى نعم وقوله كنا خائفين لعله أراد بقوله خائفين يوم عمرة القضاء سنة سبع قبل فتح مكة لكن لم يكن تلك السنة حقيقة تمتع انما كان عمرة وحدها قوله ( فقال عثمان دعنا عنك فقال يعنى عليا انى لا أستطيع أن أدعك فلما أن رأى على ذلك أهل بهما ) ففيه اشاعة العلم واظهاره ومناظرة ولاة الامور وغيرهم في تحقيقه ووجوب مناصحة المسلم في ذلك وهذا معنى قول على لا أستطيع أن أدعك وأما اهلال على بهما فقد يحتج به من يرجح القران وأجاب عنه من رجح الافراد بأنه انما أهل بهما ليبين جوازهما لئلا يظن الناس أو بعضهم أنه لا يجوز القران ولا التمتع وأنه يتعين الافراد والله أعلم قوله ( عن أبي ذر قال كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة ) وفي الرواية الاخرى كانت لنا رخصة يعنى المتعة في الحج وفي الرواية الاخرى قال أبو ذر لا تصلح المتعتان الا لنا خاصة يعنى متعة النساء ومتعة الحج وفي الرواية الأخرى انما كانت لنا خاصة دونكم قال العلماء معنى هذه الروايات كلها أن فسخ الحج إلى العمرة كان للصحابة في تلك السنة وهي حجة الوداع ولا يجوز بعد ذلك وليس مراد أبى ذر ابطال التمتع مطلقا بل مراده فسخ الحج كما ذكرنا وحكمته ابطال ما كانت عليه الجاهلية من منع العمرة في أشهر الحج وقد سبق بيان هذا كله في الباب السابق والله أعلم قوله ( لا تصلح المتعتان الا لنا خاصة ) معناه انما صلحتا لنا خاصة في الوقت الذي فعلناهما فيه ثم صارتا حراما بعد ذلك إلى يوم القيامة والله أعلم 1225 قوله ( سألت سعد بن أبي وقاص عن المتعة فقال فعلناها وهذا يومئذ كافر بالعرش يعنى بيوت مكة ) وفي الرواية الأخرى يعنى معاوية وفي الرواية الأخرى المتعة في الحج أما العرش فبضم العين والراء وهي بيوت مكة كما فسره في الرواية قال أبو عبيد سميت بيوت مكة عرشا لأنها عيدان تنصب وتظلل قال ويقال لها أيضا عروش بالراء وواحدها عرش كفلس وفلوس ومن قال عرش فواحدها عريش كقليب وقلب وفي حديث آخر أن عمر رضى الله عنه كان اذا نظر إلى عروش مكة قطع التلبية وأما قوله وهذا يومئذ كافر بالعرش فالاشارة بهذا إلى معاوية بن أبي سفيان وفي المراد بالكفر هنا وجهان احدهما ما قاله المازري وغيره المراد وهو مقيم في بيوت مكة قال ثعلب يقال اكتفر الرجل اذا لزم الكفور وهي القرى وفي الأثر عن عمر رضى الله عنه أهل الكفور هم أهل القبور يعنى القرى البعيدة عن الأمصار وعن العلماء والوجه الثاني المراد الكفر بالله تعالى والمراد أنا تمتعنا ومعاوية يومئذ كافر على دين الجاهلية مقيم بمكة وهذا اختيار القاضي عياض وغيره وهو الصحيح المختار والمراد بالمتعة العمرة التي كانت سنة سبع من الهجرة وهي عمرة القضاء وكان معاوية يومئذ كافرا وانما أسلم بعد ذلك عام الفتح سنة ثمان وقيل أنه أسلم بعد عمرة القضاء سنة سبع والصحيح الاول وأما غير هذه العمرة من عمر النبى صلى الله عليه وسلم فلم يكن معاوية فيها كافرا ولا مقيما بمكة بل كان معه صلى الله عليه وسلم قال القاضي عياض وقاله بعضهم كافر بالعرش بفتح العين واسكان الراء والمراد عرش الرحمن قال القاضي هذا تصحيف وفي هذا الحديث جواز المتعة في الحج 1226 قوله ( عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعمر طائفة من أهله في العشر فلم تنزل آية تنسخ ذلك ولم ينه عنه حتى مضى لوجهه ) وفي الرواية الأخرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين حج وعمرة ثم لم ينه عنه حتى مات ولم ينزل فيه قرآن يحرمه وفي الرواية الأخرى نحوه ثم قال قال رجل برأيه ما شاء يعنى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وفي الرواية الاخرى تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينزل فيه القرآن قال رجل برأيه ما شاء وفي الرواية الأخرى تمتع وتمتعنا معه وفي الرواية الاخرى نزلت آيه المتعة في كتاب الله يعنى متعة الحج وأمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه الروايات كلها متفقة على أن مراد عمران أن التمتع بالعمرة إلى الحج جائز وكذلك القران وفيه التصريح بانكاره على عمر بن الخطاب رضي الله عنه منع التمتع وقد سبق تأويل فعل عمر أنه لم يرد ابطال التمتع بل ترجيح الافراد عليه قوله ( وقد كان يسلم على حتى اكتويت فتركت ثم تركت الكى فعاد ) فقوله يسلم على هو بفتح اللام المشددة وقوله فتركت هو بضم التاء أى انقطع السلام على ثم تركت بفتح التاء أى تركت الكى فعاد السلام على ومعنى الحديث أن عمران بن الحصين رضى الله عنه كانت به بواسير فكان يصبر على المهمات وكانت الملائكة تسلم عليه فاكتوى فانقطع سلامهم عليه ثم ترك الكي فعاد سلامهم عليه قوله ( بعث إلى عمران بن حصين في مرضه الذي توفي فيه فقال انى كنت محدثك باحاديث لعل الله أن ينفعك بها بعدي فان عشت فاكتم عنى وان مت فحدث بها ان شئت أنه قد سلم على واعلم أن نبى الله صلى الله عليه وسلم قد جمع بين حج وعمرة أما قوله فان عشت فاكتم عنى فاراد به الاخبار بالسلام عليه لانه كره أن يشاع عنه ذلك في حياته لما فيه من التعرض للفتنة بخلاف ما بعد الموت وأما قوله لعل الله أن ينفعك بها فمعناه تعمل بها وتعلمها غيرك وأما قوله أحاديث فظاهره أنها ثلاثة فصاعدا ولم يذكر منها الا حديثا واحدا وهو الجمع بين الحج والعمرة وأما اخباره بالسلام فليس حديثا فيكون باقي الاحاديث محذوفا من الرواية قوله ( حدثنا حامد بن عمر البكراوي ) هو منسوب إلى جد جد أبيه أبي بكرة الصحابي رضى الله عنه فانه حامد بن عمر بن حفص بن عمر بن عبيد الله بن أبي بكرة الثقفي رضى الله عنه

Section V08/P207

1 ( باب وجوب الدم على المتمتع وانه اذا عدمه لزمه ( صوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة اذا رجع إلى أهله ))

Section V08/P207–V08/P210

1227 قوله ( عن بن عمر رضي الله عنه قال تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى وساق معه الهدى من ذي الحليفة وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج وتمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج ) قال القاضي قوله تمتع هو محمول على التمتع اللغوي وهو القران آخرا ومعناه أنه صلى الله عليه وسلم أحرم أولا بالحج مفردا ثم أحرم بالعمرة فصار قارنا في آخر أمره والقارن هو متمتع من حيث اللغة ومن حيث المعنى لأنه ترفه باتحاد الميقات والاحرام والفعل ويتعين هذا التأويل هنا لما قدمناه في الأبواب السابقة من الجمع بين الأحاديث في ذلك وممن روى افراد النبى صلى الله عليه وسلم بن عمر الراوي هنا وقد ذكره مسلم بعد هذا وأما قوله بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج فهو محمول على التلبية في أثناء الاحرام وليس المراد أنه أحرم في أول أمره بعمرة ثم أحرم بحج لأنه يفضى إلى مخالفة الأحاديث السابقة وقد سبق بيان الجمع بين الروايات فوجب تأويل هذا على موافقتها ويؤيد هذا التأويل قوله تمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج ومعلوم أن كثيرا منهم أو أكثرهم أحرموا بالحج أولا مفردا وانما فسخوه إلى العمرة آخرا فصاروا متمتعين فقوله وتمتع الناس يعنى في آخر الأمر والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج وليهد فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة اذا رجع إلى أهله ) أما قوله صلى الله عليه وسلم فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل فمعناه يفعل الطواف والسعى والتقصير وقد صار حلالا وهذا دليل على ان التقصير أو الحلق نسك من مناسك الحج وهذا هو الصحيح في مذهبنا وبه قال جماهير العلماء وقيل انه استباحة محظور وليس بنسك وهذا ضعيف وسيأتي ايضاحه في موضعه ان شاء الله تعالى وانما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتقصير ولم يأمر بالحلق مع أن الحلق أفضل ليبقى له شعر يحلقه في الحج فان الحلق في تحلل الحج أفضل منه في تحلل العمرة وأما قوله صلى الله عليه وسلم وليحلل فمعناه وقد صار حلالا فله فعل ما كان محظورا عليه في الاحرام من الطيب واللباس والنساء والصيد وغير ذلك وأما قوله صلى الله عليه وسلم ثم ليهل بالحج فمعناه يحرم به في وقت الخروج إلى عرفات لا أنه يهل به عقب تحلل العمرة ولهذا قال ثم ليهل فأتى بثم التى هي للتراخي والمهلة وأما قوله صلى الله عليه وسلم وليهد فالمراد به هدى التمتع فهو واجب بشروط اتفق أصحابنا على أربعة منها واختلفوا في ثلاثة أحد الأربعة أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج الثاني أن يحج من عامه الثالث أن يكون أفقيا لا من حاضري المسجد وحاضروه أهل الحرم ومن كان منه على مسافة لا تقصر فيها الصلاة الرابع أن لا يعود إلى الميقات لاحرام الحج وأما الثلاثة فأحدها نية التمتع والثاني كون الحج والعمرة في سنة في شهر واحد الثالث كونهما عن شخص واحد والأصح أن هذه الثلاثة لا تشترط والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم فمن لم يجد هديا فالمراد لم يجده هناك اما لعدم الهدى واما لعدم ثمنه واما لكونه يباع باكثر من ثمن المثل واما لكونه موجودا لكنه لا يبيعه صاحبه ففي كل هذه الصور يكون عادما للهدى فينتقل إلى الصوم سواء كان واجدا لثمنه في بلده أم لا وأما قوله صلى الله عليه وسلم فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة اذا رجع فهو موافق لنص كتاب الله تعالى ويجب صوم هذه الثلاثة قبل يوم النحر ويجوز صوم يوم عرفة منها لكن الأولى أن يصوم الثلاثة قبله والأفضل أن لا يصومها حتى يحرم بالحج بعد فراغه من العمرة فان صامها بعد فراغه من العمرة وقبل الاحرام بالحج أجزأه على المذهب الصحيح عندنا وان صامها بعد الاحرام بالعمرة وقبل فراغها لم يجزه على الصحيح فان لم يصمها قبل يوم النحر وأراد صومها في أيام التشريق ففي صحته قولان مشهوران للشافعى أشهرهما في المذهب أنه لا يجوز وأصحهما من حيث الدليل جوازه هذا تفصيل مذهبنا ووافقنا أصحاب مالك في أنه لا يجوز صوم الثلاثة قبل الفراغ من العمرة وجوزه الثورى وأبو حنيفة ولو ترك صيامها حتى مضى العيد والتشريق لزمه قضاؤها عندنا وقال أبو حنيفة يفوت صومها ويلزمه الهدى اذا استطاعه والله أعلم وأما صوم السبعة فيجب اذا رجع وفي المراد بالرجوع خلاف الصحيح في مذهبنا أنه اذا رجع إلى أهله وهذا هو الصواب لهذا الحديث الصحيح الصريح والثاني اذا فرغ من الحج ورجع إلى مكة من منى وهذان القولان للشافعي ومالك وبالثاني قال أبو حنيفة ولو لم يصم الثلاثة ولا السبعة حتى عاد إلى وطنه لزمه صوم عشرة أيام وفي اشتراط التفريق بين الثلاثة والسبعة اذا أراد صومها خلاف قيل لا يجب والصحيح أنه يجب التفريق الواقع في الاداء وهو باربعة أيام ومسافة الطريق بين مكة ووطنه والله أعلم قوله ( وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة واستلم الركن أول شيء ثم حسب ثلاثة أطواف ) من السبع ومشى أربعة أطواف إلى آخر الحديث فيه اثبات طواف القدوم واستحباب الرمل فيه وأن الرمل هو الخبب وأنه يصلى ركعتى الطواف وأنهما يستحبان خلف المقام وقد سبق بيان هذا كله وسنذكره أيضا حيث ذكره مسلم بعد هذا ان شاء الله تعالى

Section V08/P210–V08/P214

1 ( باب بيان أن القارن لا يتحلل الا في وقت تحلل الحاج المفرد ) 1229 فيه قول حفصة رضى الله عنها ( يا رسول الله ما شأن الناس حلوا ولم تحلل أنت من عمرتك قال انى لبدت رأسى وقلدت هديى فلا أحل حتى أنحر ) وهذا دليل للمذهب الصحيح المختار الذي قدمناه واضحا بدلائله في الابواب السابقة مرات أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنا في حجة الوداع فقولها من عمرتك إلى العمرة المضمومة إلى الحج وفيه أن القارن لا يتحلل بالطواف والسعى ولا بد له في تحلله من الوقوف بعرفات والرمي والحلق والطواف كما في الحاج المفرد وقد تأوله من يقول بالافراد تأويلات ضعيفة منها أنها أرادت بالعمرة الحج لانهما يشتركان في كونهما قصدا وقيل المراد بها الاحرام وقيل انها ظنت أنه معتمر وقيل معنى من عمرتك أى بعمرتك بان تفسخ حجك إلى عمرة كما فعل غيرك وكل هذا ضعيف والصحيح ماسبق وقوله صلى الله عليه وسلم ( لبدت رأسى وقلدت هديى ) فيه استحباب التلبيد وتقليد الهدى وهما سنتان بالاتفاق وقد سبق بيان هذا كله 1 ( باب جواز التحلل بالاحصار وجواز القران واقتصار ( القارن على طواف واحد وسعى واحد )) 1230 قوله ( عن نافع أن عبد الله بن عمر خرج في الفتنة معتمرا وقال ان صددت عن البيت صنعنا كما صنعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج فأهل بعمرة وسار حتى اذا ظهر على البيداء التفت إلى اصحابه فقال ما أمرهما الا واحد أشهدكم أنى قد أوجبت الحج مع العمرة فخرج حتى اذا جاء البيت طاف سبعا وبين الصفا والمروة سبعا لم يزد ورأى أنه مجزئ عنه وأهدى ) في هذا الحديث جواز القران وجواز ادخال الحج على العمرة قبل الطواف وهو مذهبنا ومذهب جماهير العلماء وسبق بيان المسألة وفيه جواز التحلل بالاحصار وأما قوله ( أشهدكم ) فانما قاله ليعلمه من أراد الاقتداء به فلهذا قال أشهدكم ولم يكتف بالنية مع أنها كافية في صحة الاحرام وقوله ( ما أمرهما الا واحد ) يعنى في جواز التحلل منهما بالاحصار وفيه صحة القياس والعمل به وإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يستعملونه فلهذا قاس الحج على العمرة لأن النبى صلى الله عليه وسلم انما تحلل من الاحصار عام الحديبية من احرامه بالعمرة وحدها وفيه أن القارن يقتصر على طواف واحد وسعى واحد هو مذهبنا ومذهب الجمهور وخالف فيه أبو حنيفة وطائفة وسبقت المسألة وأما قوله ( صنعنا كما صنعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج فأهل بعمرة ) فالصواب في معناه أنه أراد ان صددت وحصرت تحللت كما تحللنا عام الحديبية مع النبى صلى الله عليه وسلم وقال القاضي يحتمل أنه أراد أهل بعمرة كما أهل النبى صلى الله عليه وسلم بعمرة في العام الذي أحصر قال ويحتمل أنه أراد الامرين قال وهو الاظهر وليس هو بظاهر كما ادعاه بل الصحيح الذي يقتضيه سياق كلامه ما قدمناه والله أعلم قوله ( حتى أهل منهما بحجة يوم النحر ) معناه حتى أهل منهما يوم النحر بعمل حجة مفردة 1 ( باب في الافراد والقران )

Section V08/P214–V08/P217

1231 قوله ( عن بن عمر رضى الله عنه قال أهللنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج مفردا ) وفي رواية ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بالحج مفردا هذا موافق للروايات السابقة عن جابر وعائشة وبن عباس وغيرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم بالحج مفردا وفيه بيان أن الرواية السابقة قريبا عن بن عمر التى أخبر فيها بالقران متأولة وسبق بيان تأوليها 1232 قوله ( عن أنس سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لبيك عمرة وحجا ) يحتج به من يقول بالقران وقد قدمنا أن الصحيح المختار في حجة النبى صلى الله عليه وسلم أنه كان في أول احرامه مفردا ثم أدخل العمرة على الحج فصار قارنا وجمعنا بين الاحاديث أحسن جمع فحديث بن عمر هنا محمول على أول احرامه صلى الله عليه وسلم وحديث أنس محمول على أواخره وأثنائه وكأنه لم يسمعه أولا ولا بد من هذا التأويل أو نحوه لتكون رواية أنس موافقة لرواية الاكثرين كما سبق والله أعلم 1 ( باب استحباب طواف القدوم للحاج والسعى بعده ) 1233 قوله ( عن وبرة ) هو بفتح الباء قوله ( كنت جالسا عند بن عمر فجاءه رجل فقال أيصلح لى أن أطوف قبل أن آتى الموقف فقال نعم فقال فان بن عباس يقول لا تطف بالبيت حتى تأتى الموقف فقال بن عمر فقد حج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت قبل أن يأتى الموقف فبقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تأخذ أو بقول بن عباس ان كنت صادقا ) هذا الذي قاله بن عمر هو اثبات طواف القدوم للحاج وهو مشروع قبل الوقوف بعرفات وبهذا الذي قاله بن عمر قال العلماء كافة سوى بن عباس وكلهم يقولون انه سنة ليس بواجب الا بعض أصحابنا ومن وافقه فيقولون واجب يجبر تركه بالدم والمشهور أنه سنة ليس بواجب ولا دم في تركه فان وقف بعرفات قبل طواف القدوم فات فان طاف بعد ذلك بنية طواف القدوم لم يقع عن طواف القدوم بل يقع عن طواف الافاضة ان لم يكن طاف للافاضة فان كان طاف للافاضة وقع الثاني تطوعا لا عن القدوم ولطواف القدوم أسماء طواف القدوم والقادم والورود والوارد والتحية وليس في العمرة طواف قدوم بل الطواف الذي يفعله فيها يقع ركنا لها حتى لو نوى به طواف القدوم وقع ركنا ولغت نيته كما لو كان عليه حجة واجبة فنوى حجة تطوع فانها تقع واجبة والله أعلم وأما قوله ان كنت صادقا فمعناه ان كنت صادقا في اسلامك واتباعك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تعدل عن فعله وطريقته إلى قول بن عباس وغيره والله أعلم قوله ( رأيناه قد فتنته الدنيا ) هكذا في كثير من الاصول فتنته الدنيا وفي كثير منها أو أكثرها أفتنته وكذا نقله القاضي عن رواية الاكثرين وهما لغتان صحيحتان فتن وأفتن والاولى أصح وأشهر وبها جاء القرآن وأنكر الاصمعى أفتن ومعنى قولهم فتنته الدنيا لانه تولى البصرة والولايات محل الخطر والفتنة وأما بن عمر فلم يتول شيئا وأما قول بن عمر وأينا لم تفتنه الدنيا فهذا من زهده وتواضعه وانصافه وفي بعض النسخ وأينا أو أيكم وفي بعضها وأينا أو قال وأيكم وكله صحيح 1 ( باب بيان أن المحرم بعمرة لا يتحلل بالطواف قبل السعى وان المحرم بحج لا يتحلل بطواف القدوم وكذلك القارن ))

Section V08/P217–V08/P224

( 1234 قوله ( سألنا بن عمر رضى الله عنه عن رجل قدم بعمرة فطاف بالبيت ولم يطف بين الصفا والمروة أيأتي امرأته فقال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت سبعا وصلى خلف المقام ركعتين وبين الصفا والمروة سبعا وقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) معناه لا يحل له ذلك لأن النبى صلى الله عليه وسلم لم يتحلل من عمرته حتى طاف وسعى فتجب متابعته والاقتداء به وهذا الحكم الذي قاله بن عمر هو مذهب العلماء كافة وهو أن المعتمر لا يتحلل الا بالطواف والسعى والحلق الا ما حكاه القاضي عياض عن بن عباس واسحاق بن راهويه أنه يتحلل بعد الطواف وان لم يسع وهذا ضعيف مخالف للسنة 1235 قوله ( فتصدانى الرجل ) أى تعرض لى هكذا هو في جميع النسخ تصداني بالنون والأشهر في اللغة تصدى لى قوله ( أول شيء بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ ثم طاف بالبيت ) فيه دليل لاثبات الوضوء للطواف لأن النبى صلى الله عليه وسلم فعله ثم قال صلى الله عليه وسلم لتأخذوا عنى مناسككم وقد أجمعت الأئمة على أنه يشرع الوضوء للطواف ولكن اختلفوا في أنه واجب وشرط لصحته أم لا فقال مالك والشافعي وأحمد والجمهور هو شرط لصحة الطواف وقال أبو حنيفة مستحب ليس بشرط واحتج الجمهور بهذا الحديث ووجه الدلالة أن هذا الحديث مع حديث خذوا عنى مناسككم يقتضيان أن الطواف واجب لأن كل ما فعله هو داخل في المناسك فقد أمرنا بأخذ المناسك وفي حديث بن عباس في الترمذي وغيره أن النبى صلى الله عليه وسلم قال الطواف بالبيت صلاة الا أن الله أباح فيه الكلام ولكن رفعه ضعيف والصحيح عند الحفاظ أنه موقوف على بن عباس وتحصل به الدلالة مع أنه موقوف لأنه قول لصحابي انتشر واذا انتشر قول الصحابي بلا مخالفة كان حجة على الصحيح قوله ( ثم لم يكن غيره ) وكذا قال فيما بعده ولم يكن غيره هكذا هو في جميع النسخ غيره بالغين المعجمة والياء قال القاضي عياض كذا هو في جميع النسخ قال وهو تصحيف وصوابه ثم لم تكن عمرة بضم العين المهملة وبالميم وكان السائل لعروة انما سأله عن نسخ الحج إلى العمرة على مذهب من رأى ذلك واحتج بأمر النبى صلى الله عليه وسلم لهم بذلك في حجة الوداع فأعلمه عروة أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك بنفسه ولا من جاء بعده هذا كلام القاضي قلت هذا الذي قاله من أن قول غيره تصحيف ليس كما قال بل هو صحيح في الرواية وصحيح في المعنى لأن قوله غيره يتناول العمرة وغيرها ويكون تقدير الكلام ثم حج أبو بكر فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم يكن غيره أى لم يغير الحج ولم ينقله وينسخه إلى غيره لا عمرة ولا قران والله اعلم قوله ( ثم حججت مع أبي الزبير بن العوام ) أى مع والده الزبير فقوله الزبير بدل من أبي قوله ( ولا أحد ممن مضى ما كانوا يبدءون شيئا حين يضعون أقدامهم أول من الطواف بالبيت ثم لا يحلون ) فيه أن المحرم بالحج اذا قدم مكة ينبغي له أن يبدأ بطواف القدوم ولا يفعل شيئا قبله ولا يصلى تحية المسجد بل أول شيء يصنعه الطواف وهذا بطواف القدوم ولا يفعل شيئا قبله ولا يصلي تحية المسجد بل أول شئ يصنعه الطواف وهذا كله متفق عليه عندنا وقوله يضعون أقدامهم يعنى يصلون مكة وقوله ثم لا يحلون فيه التصريح بأنه لا يجوز التحلل بمجرد طواف القدوم كما سبق قوله ( وقد أخبرتني أمي أنها أقبلت هي وأختها والزبير وفلان وفلان بعمرة قط فلما مسحوا الركن حلوا ) فقولها مسحوا المراد بالماسحين من سوى عائشة والا فعائشة لم تمسح الركن قبل الوقوف بعرفات في حجة الوداع بل كانت قارنة ومنعها الحيض من الطواف قبل يوم النحر وهكذا قول أسماء بعد هذا اعتمرت أنا وأختى عائشة والزبير وفلان وفلان فلما مسحنا البيت أحللنا ثم أهللنا بالحج المراد به أيضا من سوى عائشة وهكذا تأوله القاضي عياض والمراد الاخبار عن حجتهم مع النبى صلى الله عليه وسلم حجة الوداع على الصفة التى ذكرت في أول الحديث وكان المذكورون سوى عائشة محرمين بالعمرة وهي عمرة الفسخ التى فسخوا الحج اليها وانما لم تستثن عائشة لشهرة قصتها قال القاضي عياض وقيل يحتمل أن أسماء أشارت إلى عمرة عائشة التى فعلتها بعد الحج مع أخيها عبد الرحمن من التنعيم قال القاضي وأما قول من قال يحتمل أنها أرادت في غير حجة الوداع فخطأ لأن في الحديث التصريح بأن ذلك كان في حجة الوداع هذا كلام القاضي وذكر مسلم بعد هذه الرواية رواية إسحاق بن إبراهيم وفيها أن أسماء قالت خرجنا محرمين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان معه هدى فليقم على احرامه ومن لم يكن معه هدى فليحلل فلم يكن معى هدى فحللت وكان مع الزبير هدى فلم يحل فهذا تصريح بأن الزبير لم يتحلل في حجة الوداع قبل يوم النحر فيجب استثناؤه مع عائشة أو يكون احرامه بالعمرة وتحلله منها في غير حجة الوداع والله أعلم وقولها فلما مسحوا الركن حلوا هذا متأول عن ظاهره لأن الركن هو الحجر الأسود ومسحه يكون في أول الطواف ولا يحصل التحلل بمجرد مسحه باجماع المسلمين وتقديره فلما مسحوا الركن وأتموا طوافهم وسعيهم وحلقوا أو قصروا أحلوا ولا بد من تقدير هذا المحذوف وانما حذفته للعلم به وقد أجمعوا على أنه لا يتحلل قبل اتمام الطواف ومذهبنا ومذهب الجمهور أنه لا بد أيضا من السعى بعده ثم الحلق أو التقصير وشذ بعض السلف فقال السعى ليس بواجب ولا حجة لهذا القائل في هذا الحديث لان ظاهره غير مراد بالاجماع فيتعين تأويله كما ذكرنا ليكون موافقا لباقي الأحاديث والله أعلم قولها ( عن الزبير فقال قومى عنى فقالت أتخشى أن أثب عليك ) انما أمرها بالقيام مخافة من عارض قد يندر منه كلمس بشهوة أو نحوه فان اللمس بشهوة حرام في الاحرام فاحتاط لنفسه بمباعدتها من حيث انها زوجة متحللة تطمع بها النفس قوله ( استرخى عنى استرخى عنى ) هكذا هو في النسخ مرتين أى تباعدى 1237 قوله ( مرت بالحجون ) هو بفتح الحاء وضم الجيم وهو من حرم مكة وهو الجبل المشرف على مسجد الحرس بأعلى مكة على يمينك وأنت مصعد عند المحصب قولها ( خفاف الحقائب ) جمع حقيبة وهو كل ما حمل في مؤخر الرحل والقتب ومنه احتقب فلان كذا 1239 قوله عن مسلم القرى هو بقاف مضمومة ثم راء مشددة قال السمعاني هو منسوب إلى بني قرة حي من عبد القيس قال وقال بن ماكولا هذا ثم قال وقيل بل لأنه كان ينزل فنظره قرة

Section V08/P224–V08/P226

1 ( باب جواز العمرة في اشهر الحج ) 1240 قوله كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض الضمير في كانوا يعود إلى الجاهلية قوله ويجعلون المحرم صفر هكذا هو في النسخ صفر من غير الف بعد الراء وهو منصوب مصروف بلا خلاف وكان ينبغي أن يكتب بالألف وسواء كتب بالألف أم بحذفها لا بد من قراءته هنا منصوبا لانه مصروف قال العلماء المراد الإخبار عن النسيء الذي كانوا يفعلونه وكانوا يسمون المحرم صفرا ويحلونه وينسئون المحرم أى يؤخرون تحريمه إلى ما بعد صفر لئلا يتوالى عليهم ثلاثة أشهر محرمة تضيق عليهم أمورهم من الغارة وغيرها فأضلهم الله تعالى في ذلك فقال تعالى إنما النسيء زيادة في الكفر الآية قوله ( ويقولون اذا برأ الدبر ) يعنون دبر ظهور الابل بعد انصرافها من الحج فانها كانت تدبر بالسير عليها للحج قوله ( وعفا الاثر ) أى درس وامحى والمراد أثر الابل وغيرها في سيرها عفا أثرها لطول مرور الايام هذا هو المشهور وقال الخطابى المراد أثر الدبر والله أعلم وهذه الالفاظ تقرأ كلها ساكنة الآخر ويوقف عليها لان مرادهم السجع قوله ( عن أبى العالية البراء ) هو بتشديد الراء لانه كان يبرى النبل قوله ( حدثنا أبو داود المباركي ) هو سليمان بن محمد ويقال سليمان بن داود وأبو محمد المباركى بفتح الراء منسوب إلى المبارك وهي بليدة بقرب واسط بينها وبين بغداد وهي على طرف دجلة قوله ( صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح بذى طوى هو بفتح الطاء وضمها وكسرها ثلاث لغات حكاهن القاضي وغيره الأصح الأشهر الفتح ولم يذكر الاصمعى وآخرون غيره وهو مقصور منون وهو واد معروف بقرب مكة قال القاضي ووقع لبعض الرواة في البخارى بالمد وكذا ذكره ثابت وفي هذا الحديث دليل لمن قال يستحب للمحرم دخول مكة نهارا لا ليلا وهو أصح الوجهين لأصحابنا وبه قال بن عمر وعطاء والنخعي وإسحاق بن راهويه وبن المنذر والثاني دخولها ليلا ونهارا سواء لا فضيلة لأحدهما على الآخر وهو قول القاضي أبى الطيب والماوردي وبن الصباغ والعبدرى من أصحابنا وبه قال طاوس والثورى وقالت عائشة وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز يستحب دخولها ليلا وهو أفضل من النهار والله أعلم 1 ( باب اشعار الهدى وتقليده عند الاحرام )

Section V08/P226–V08/P228

1243 قوله ( صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر بذى الحليفة ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن وسلت الدم وقلدها نعلين ثم ركب راحلته فلما استوت به على البيداء أهل بالحج ) أما الاشعار فهو أن يجرحها في صفحة سنامها اليمنى بحربه أو سكين أو حديدة أو نحوها ثم يسلت الدم عنها وأصل الاشعار والشعور الاعلام والعلامة واشعار الهدى لكونه علامة له وهو مستحب ليعلم أنه هدى فان ضل رده واجده وان اختلط بغيره تميز ولأن فيه اظهار شعار وفيه تنبيه غير صاحبه على فعل مثل فعله وأما صفحة السنام فهي جانبه والصفحة مؤنثة فقوله الأيمن بلفظ التذكير يتأول على أنه وصف لمعنى الصفحة لا للفظها ويكون المراد بالصفحة الجانب فكأنه قال جانب سنامها الأيمن ففي هذا الحديث استحباب الاشعار والتقليد في الهدايا من الابل وبهذا قال جماهير العلماء من السلف والخلف وقال أبو حنيفة الاشعار بدعة لأنه مثلة وهذا يخالف الأحاديث الصحيحة المشهورة في الاشعار وأما قوله أنه مثلة فليس كذلك بل هذا كالفصد والحجامة والختان والكي والوسم وأما محل الاشعار فمذهبنا ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف أنه يستحب الاشعار في صفحة السنام اليمنى وقال مالك في اليسرى وهذا الحديث يرد عليه وأما تقليد الغنم فهو مذهبنا ومذهب العلماء كافة من السلف والخلف الا مالكا فانه لا يقول بتقليدها قال القاضي عياض ولعله لم يبلغه الحديث الثابت في ذلك قلت قد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة بالتقليد فهي حجة صريحة في الرد على من خالفها واتفقوا على أن الغنم لا تشعر لضعفها عن الجرح ولأنه يستتر بالصوف وأما البقرة فيستحب عند الشافعي وموافقيه الجمع فيها بين الاشعار والتقليد كالابل وفي هذا الحديث استحباب تقليد الابل بنعلين وهو مذهبنا ومذهب العلماء كافة فان قلدها بغير ذلك من جلود أو خيوط مفتولة ونحوها فلا بأس وأما قوله ثم ركب راحلته فهي راحلة غير التى أشعرها وفيه استحباب الركوب في الحج وأنه أفضل من المشى وقد سبق بيانه مرات وأما قوله فلما استوت به على البيداء أهل بالحج فيه استحباب الاحرام عند استواء الراحلة لا قبله ولا بعده وقد سبق بيانه واضحا وأما احرامه صلى الله عليه وسلم بالحج فهو المختار وقد سبق بيان الخلاف في ذلك واضحا والله أعلم 1 ( باب قوله لابن عباس ما هذا الفتيا التى قد تشغفت ( أو قد تشغبت بالناس ))

Section V08/P228–V08/P230

( وفي الرواية الأخرى ( ان هذا الامر قد تفشع بالناس ) أما اللفظة الأولى فبشين ثم غين معجمتين ثم فاء والثانية كذلك لكن بدل الفاء باء موحدة والثالثة بتقديم الفاء وبعدها شين ثم عين ومعنى هذه الثالثة انتشرت وفشت بين الناس وأما الأولى فمعناها علقت بالقلوب وشغفوا بها وأما الثانية فرويت أيضا بالعين المهملة وممن ذكر الروايتين فيها المعجمة والمهملة أبو عبيد والقاضي عياض ومعنى المهملة أنها فرقت مذاهب الناس وأوقعت الخلاف بينهم ومعنى المعجمة خلطت عليهم أمرهم قوله ( ما هذا الفتيا ) هكذا هو في معظم النسخ هذا الفتيا وفي بعضها هذه وهو الأجود ووجه الأول أنه أراد بالفتيا الافتاء فوصفه مذكرا ويقال فتيا وفتوى قوله ( عن بن عباس أن من طاف بالبيت فقد حل فقال سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم وان رغمتم ) وفي الرواية الأخرى حدثنا بن جريج قال أخبرنى عطاء قال كان بن عباس يقول لا يطوف بالبيت حاج ولا ) غير حاج الا حل قلت لعطاء من أين يقول ذلك قال من قول الله عز وجل ثم محلها إلى البيت العتيق قلت فان ذلك بعد المعرف فقال كان بن عباس يقول هو بعد المعرف وقبله كان يأخذ ذلك من أمر النبى صلى الله عليه وسلم حين أمرهم أن يحلوا في حجة الوداع هذا الذي ذكره بن عباس هو مذهبه وهو خلاف مذهب الجمهور من السلف والخلف فان الذي عليه العلماء كافة سوى بن عباس أن الحاج لا يتحلل بمجرد طواف القدوم بل لا يتحلل حتى يقف بعرفات ويرمى ويحلق ويطوف طواف الزيارة فحينئذ يحصل التحللان ويحصل الأول باثنين من هذه الثلاثة التى هي رمى جمرة العقبة والحلق والطواف وأما احتجاج بن عباس بالآية فلا دلالة له فيها لأن قوله تعالى محلها إلى البيت العتيق معناه لاتنحر الا في الحرم وليس فيه تعرض للتحلل من الاحرام لأنه لو كان المراد به التحلل من الاحرام لكان ينبغى أن يتحلل بمجرد وصول الهدى إلى الحرم قبل أن يطوف وأما احتجاجه بأن النبى صلى الله عليه وسلم أمرهم في حجة الوداع بأن يحلوا فلا دلالة فيه لأن النبى صلى الله عليه وسلم أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة في تلك السنة فلا يكون دليلا في تحلل من هو ملتبس باحرام الحج والله أعلم قال القاضي قال المازري وتأول بعض شيوخنا قول بن عباس في هذه المسألة على من فاته الحج أنه يتحلل بالطواف والسعى قال وهذا تأويل بعيد لأنه قال بعده وكان بن عباس يقول لا يطوف بالبيت حاج ولا غيره الا حل والله أعلم 1 ( باب جواز تقصير المعتمر من شعره وأنه لا يجب حلقه ( وأنه يستحب كون حلقه أو تقصيره عند المروة ))

Section V08/P230–V08/P233

1246 قوله ( قال بن عباس قال لى معاوية أعلمت أني قصرت عن رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المروة بمشقص فقلت لا أعلم هذه الا حجة عليك ) وفي الرواية الأخرى قصرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص وهو على المروة أو رأيته يقصر عنه بمشقص وهو على المروة في هذا الحديث جواز الاقتصار على التقصير وان كان الحلق أفضل وسواء في ذلك الحاج والمعتمر الا أنه يستحب للمتمتع أن يقصر في العمرة ويحلق في الحج ليقع الحلق في أكمل العبادتين وقد سبقت الأحاديث في هذا وفيه أنه يستحب أن يكون تقصير المعتمر أو حلقه عند المروة لأنها موضع تحلله كما يستحب للحاج أن يكون حلقه أو تقصيره في منى لأنها موضع تحلله وحيث حلقا أو قصرا من الحرم كله جاز وهذا الحديث محمول على أنه قصر عن النبى صلى الله عليه وسلم في عمرة الجعرانة لأن النبى صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كان قارنا كما سبق ايضاحه وثبت أنه صلى الله عليه وسلم حلق بمنى وفرق أبو طلحة رضى الله عنه شعره بين الناس فلا يجوز حمل تقصير معاوية على حجة الوداع ولا يصح حمله أيضا على عمرة القضاء الواقعة سنة سبع من الهجرة لأن معاوية لم يكن يومئذ مسلما انما أسلم يوم الفتح سنة ثمان هذا هو الصحيح المشهور ولا يصح قول من حمله على حجة الوداع وزعم أنه صلى الله عليه وسلم كان متمتعا لأن هذا غلط فاحش فقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة السابقة في مسلم وغيره أن النبى صلى الله عليه وسلم قيل له ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت فقال انى لبدت رأسى وقلدت هديى فلا أحل حتى أنحر الهدى وفي رواية حتى أحل من الحج والله أعلم قوله ( بمشقص ) هو بكسر الميم واسكان الشين المعجمة وفتح القاف قال أبو عبيد وغيره هو نصل السهم اذا كان طويلا ليس بعريض وقال أبو حنيفة الدينورى هو كل نصل فيه عترة وهو الناتئ وسط الحربة وقال الخليل هو سهم فيه نصل عريض يرمى به الوحش والله أعلم 1 ( باب جواز التمتع في الحج والقران ) 1247 قوله ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نصرخ بالحج صراخا فلما قدمنا مكة أمرنا أن نجعلها عمرة الا من ساق الهدى فلما كان يوم التروية ورحنا إلى منى أهللنا بالحج ) فيه استحباب رفع الصوت بالتلبية وهو متفق عليه بشرط أن يكون رفعا مقتصدا بحيث لا يؤذى نفسه والمرأه لا ترفع بل تسمع نفسها لأن صوتها محل فتنه ورفع الرجل مندوب عند العلماء كافة وقال أهل الظاهر هو واجب ويرفع الرجل صوته بها في غير المساجد وفي مسجد مكة ومنى وعرفات وأما سائر المساجد ففي رفعه فيها خلاف للعلماء وهما قولان للشافعى ومالك أصحهما استحباب الرفع كالمساجد الثلاثة والثانى لا يرفع لئلا يهوش على الناس بخلاف المساجد الثلاثة لأنها محل المناسك وفي هذا الحديث جواز العمرة في أشهر الحج وهو مجمع عليه وفيه حجة للشافعى وموافقيه أن المستحب للمتمتع أن يكون احرامه بالحج يوم التروية وهو الثامن من ذى الحجة عند ارادته التوجه إلى منى وقد سبقت المسألة مرات قوله ( ورحنا إلى منى ) معناه أردنا الرواح وقد سبق بيان الخلاف في أنه يستحب الرواح إلى منى يوم التروية من أول النهار أو بعد الزوال والله أعلم قوله ( حدثنى سليم بن حيان ) هو بفتح السين وكسر اللام 1252 قوله صلى الله عليه وسلم ( والذي نفسى بيده ليهلن بن مريم بفج الروحاء حاجا أو معتمرا أو ليثنينهما ) قوله صلى الله عليه وسلم ليثنينهما هو بفتح الياء في أوله معناه يقرن بينهما وهذا يكون بعد نزول عيسى عليه السلام من السماء في آخر الزمان وأما فج الروحاء فبفتح الفاء وتشديد الجيم قال الحافظ أبو بكر الحارثي هو بين مكة والمدينة قال وكان طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر والى مكة عام الفتح وعام حجة الوداع

Questions