Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Minhâc (Müslim şerhi)

Section V08/P233–V08/P236

1 ( باب بيان عدد عمر النبى صلى الله عليه وسلم وزمانهن ) 1253 قوله ( اعتمر النبى صلى الله عليه وسلم أربع عمر كلهن في ذى القعدة الا التي مع حجته عمرة من الحديبية أو زمن الحديبية في ذى القعدة وعمرة من العام المقبل في ذى القعدة وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذى القعدة وعمرة مع حجته وفي الرواية الأخرى حج حجة واحدة واعتمر أربع عمر هذه رواية أنس وفي رواية بن عمر أربع عمر احداهن في رجب وأنكرت ذلك عائشة وقالت لم يعتمر النبى صلى الله عليه وسلم قط في رجب فالحاصل من رواية أنس وبن عمر اتفاقهما على أربع عمر وكانت احداهن في ذى القعدة عام الحديبية سنة ست من الهجرة وصدوا فيها فتحللوا وحسبت لهم عمرة والثانية في ذى القعدة وهي سنة سبع وهي عمرة القضاء والثالثة في ذى القعدة سنة ثمان وهي عام الفتح والرابعة مع حجته وكان احرامها في ذى القعدة واعمالها في ذى الحجة وأما قول بن عمر أن احداهن في رجب فقد أنكرته عائشة وسكت بن عمر حين أنكرته قال العلماء هذا يدل على أنه اشتبه عليه أو نسى أو شك ولهذا سكت عن الإنكار على عائشة ومراجعتها بالكلام فهذا الذى ذكرته هو الصواب الذى يتعين المصير إليه وأما القاضي عياض فقال ذكر أنس أن العمرة الرابعة كانت مع حجته فيدل على أنه كان قارنا قال وقد رده كثير من الصحابة قال وقد قلنا ان الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم كان مفردا وهذا يرد قول أنس وردت عائشة قول بن عمر قال فحصل أن الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مفردا وهذا يرد قول انس وردت عائشة قول بن عمر قال فحصل أن الصحيح ثلاث عمر قال ولا يعلم للنبى صلى الله عليه وسلم اعتمار الا ما ذكرناه قال واعتمد مالك في الموطأ على أنهن ثلاث عمر هذا آخر كلام القاضي وهو قول ضعيف بل باطل والصواب أنه صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر كما صرح به بن عمر وأنس وجزما الرواية به فلا يجوز رد روايتهما بغير جازم وأما قوله ان النبى صلى الله عليه وسلم كان في حجة الوداع مفردا لا قارنا فليس كما قال بل الصواب أن النبى صلى الله عليه وسلم كان مفردا في أول احرامه ثم أحرم بالعمرة فصار قارنا ولا بد من هذا التأويل والله أعلم قال العلماء وانما اعتمر النبى صلى الله عليه وسلم هذه العمرة في ذى القعدة لفضيلة هذا الشهر ولمخالفة الجاهلية في ذلك فانهم كانوا يرونه من أفجر الفجور كما سبق ففعله صلى الله عليه وسلم مرات في هذه الأشهر ليكون أبلغ في بيان جوازه فيها وأبلغ في ابطال ما كانت الجاهلية عليه والله أعلم وأما قوله ( ان النبي صلى الله عليه وسلم حج حجة واحدة ) فمعناه بعد الهجرة لم يحج الا حجة واحدة وهي حجة الوداع سنة عشر من الهجرة وقوله قال أبو إسحاق وبمكة اخرى يعنى قبل الهجرة وقد روى في غير مسلم قبل الهجرة حجتان 1254 قوله ( عن زيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا تسع عشرة غزوة ) معناه أنه غزا تسع عشرة وأنا معه أو أعلم له تسع عشرة غزوة وكانت غزواته صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين وقيل سبعا وعشرين وقيل غير ذلك وهو مشهور في كتب المغازى وغيرها قوله ( عن عائشة قالت لعمرى ما اعتمر في رجب ) هذا دليل على جواز قول الانسان لعمرى وكرهه مالك لأنه من تعظيم غير الله تعالى ومضاهاته بالحلف بغيره قوله ( انهم سألوا بن عمر عن صلاة الذين كانوا يصلون الضحى في المسجد فقال بدعة ) هذا قد حمله القاضي وغيره على أن مراده أن اظهارها في المسجد والاجتماع لها هو البدعة لا أن أصل صلاة الضحى بدعة وقد سبقت المسألة في كتاب الصلاة والله أعلم

Section V08/P236–V09/P004

1 ( باب فضل العمرة في رمضان 1256 ) قولها ( لم يكن لنا الا ناضحان ) أي بعيران نستقي بهما قولها ( ننضح عليه ) بكسر الضاد قوله صلى الله عليه وسلم ( فإن عمرة فيه ) أي في رمضان ( تعدل حجة ) وفي الرواية الأخرى تقضى حجة أي تقوم مقامها في الثواب لا أنها تعدلها في كل شيء فإنه لو كان عليه حجة فاعتمر في رمضان لا تجزئه عن الحجة قوله ( ناضحان كانا لأبي فلان زوجها حج هو وابنه على أحدهما وكان الآخر يسقى غلامنا ) هكذا هو في نسخ بلادنا وكذا نقله القاضي عياض عن رواية عبد الغافر الفارسي وغيره قال وفي رواية بن ماهان يسقى عليه غلامنا قال القاضي عياض وأرى هذا كله تغييرا وصوابه نسقى عليه نخلا لنا فتصحف منه غلامنا وكذا جاء في البخاري على الصواب ويدل على صحته قوله في الرواية الأولى ننضح عليه وهو بمعنى نسقى عليه هذا كلام القاضي والمختار أن الرواية صحيحة وتكون الزيادة التي ذكرها القاضي محذوفة مقدرة وهذا كثير في الكلام والله أعلم 1 ( باب استحباب دخول مكة من الثنية العليا ( والخروج منها من الثنية السفلى ودخول بلدة من طريق غير التي خرج منها )) قوله 1257 ( عن بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج من طريق الشجرة ويدخل من طريق المعرس وإذا دخل مكة دخل من الثنية العليا ويخرج من الثنية السفلى ) قيل انما فعل النبي صلى الله عليه وسلم هذه المخالفة في طريقه داخلا وخارجا تفاؤلا بتغير الحال إلى أكمل منه كما فعل في العيد وليشهد له الطريقان وليتبرك به أهلهما ومذهبنا أنه يستحب دخول مكة من الثنية العليا والخروج منها من السفلى لهذا الحديث ولا فرق بين أن تكون هذه الثنية على طريقة كالمدني والشامي أو لا تكون كاليمني فيستحب لليمني وغيره أن يستدير ويدخل مكة من الثنية العليا وقال بعض أصحابنا انما فعلها النبي صلى الله عليه وسلم لأنها كانت على طريقه ولا يستحب لمن ليست على طريقه كاليمني وهذا ضعيف والصواب الأول وهكذا يستحب له أن يخرج من بلده من طريق ويرجع من أخرى لهذا الحديث وقوله المعرس هو بضم الميم وفتح العين المهملة والراء المشددة وهو موضع معروف بقرب المدينة على ستة أميال منها قوله ( العليا التي بالبطحاء ) هي بالمد ويقال لها البطحاء والأبطح وهي بجنب المحصب وهذه الثنية ينحدر منها إلى مقابر مكة 1258 قوله ( في حديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عام الفتح من كداء من أعلى مكة ) هكذا ضبطناه بفتح الكاف وبالمد وهكذا هو في نسخ بلادنا وهذا نقله القاضي عياض عن رواية الجمهور قال وضبطه السمرقندي بفتح الكاف والقصر قوله ( قال هشام يعنى بن عروة فكان أبي يدخل منهما كليهما وكان أبي أكثر ما يدخل من كداء ) اختلفوا في ضبط كداء هذه قال جمهور العلماء بهذا الفن كداء بفتح الكاف وبالمد هي الثنية التي بأعلى مكة وكدا بضم الكاف وبالقصر هي التي بأسفل مكة وكان عروة يدخل من كليهما وأكثر دخوله من كداء بفتح الكاف فهذا أشهر وقيل بالضم ولم يذكر القاضي عياض غيره وأما كدى بضم الكاف وتشديد الياء فهو في طريق الخارج إلى اليمن وليس من هذين الطريقين في شيء هذا قول الجمهور والله أعلم 1 ( باب استحباب المبيت بذى طوى عند ارادة دخول مكة ( والاغتسال لدخولها ودخولها نهارا ))

Section V09/P004–V09/P005

1259 قوله ( عن بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم بات بذى طوى حتى أصبح ثم دخل مكة وكان بن عمر يفعل ذلك ) وفي رواية حتى صلى الصبح وفي رواية عن نافع عن بن عمر كان لا يقدم مكة إلا بات بذى طوى حتى يصبح ويغتسل ثم يدخل مكة نهارا ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله في هذه الروايات فعوائد منها الاغتسال لدخول مكة وأنه يكون بذى طوى لمن كانت في طريقه ويكون بقدر بعدها لمن لم تكن في طريقه قال أصحابنا وهذا الغسل سنة فإن عجز عنه تيمم ومنها المبيت بذى طوى وهو مستحب لمن هو على طريقه وهو موضع معروف بقرب مكة يقال بفتح الطاء وضمها وكسرها والفتح أفصح وأشهر ويصرف ولا يصرف ومنها استحباب دخول مكة نهارا وهذا هو الصحيح الذي عليه الأكثرون من أصحابنا وغيرهم أن دخولها نهارا أفضل من الليل وقال بعض أصحابنا وجماعة من السلف الليل والنهار في ذلك سواء ولا فضيلة لأحدهما على الآخر وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم دخلها محرما بعمرة الجعرانة ليلا ومن قال بالأول حمله على بيان الجواز والله أعلم 1260 قوله ( استقبل فرضتي الجبل ) هو بفاء مضمومة ثم راء ساكنة ثم ضاد معجمة مفتوحة وهما تثنية فرضة وهي الثنية المرتفعة من الجبل قوله ( عشرة أذرع ) كذا في بعض النسخ وفي بعضها عشر بحذف الهاء وهما لغتان في الذراع التذكير والتأنيث وهو الأفصح الأشهر والله أعلم 1 ( باب استحباب الرمل في الطواف والعمرة ( وفي الطواف الأول في الحج ))

Section V09/P005–V09/P012

1261 قوله ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثا ومشى أربعا ) قوله ( خب ) هو الرمل بفتح الراء والميم فالرمل والخبب بمعنى واحد وهو اسراع المشى مع تقارب الخطا ولا يثب وثبا والرمل مستحب في الطوفات الثلاث الأول من السبع ولا يسن ذلك الا في طواف العمرة وفي طواف واحد في الحج واختلفوا في ذلك الطواف وهما قولان للشافعي أصحهما أنه انما يشرع في طواف يعقبه سعى ويتصور ذلك في طواف القدوم ويتصور في طواف الافاضة ولا يتصور في طواف الوداع لأن شرط طواف الوداع أن يكون قد طاف للإفاضة فعلى هذا القول اذا طاف للقدوم وفي نيته أنه يسعى بعده استحب الرمل فيه وإن لم يكن هذا في نيته لم يرمل فيه بل يرمل في طواف الإفاضة والقول الثاني أنه يرمل في طواف القدوم سواء أراد السعى بعده أم لا والله أعلم قال أصحابنا فلو أخل بالرمل في الثلاث الأول من السبع لم يأت به في الأربع الأواخر لأن السنة في الأربع الأخيرة المشى على العادة فلا يغيره ولو لم يمكنه الرمل للزحمة أشار في هيئة مشيه إلى صفة الرمل ولو لم يمكنه الرمل بقرب الكعبة للزحمة وأمكنه اذا تباعد عنها فالأولى أن يتباعد ويرمل لأن فضيلة الرمل هيئة للعبادة في نفسها والقرب من الكعبة هيئة في موضع العبادة لا في نفسها فكان تقديم ما تعلق بنفسها أولى والله أعلم واتفق العلماء على أن الرمل لا يشرع للنساء كما لا يشرع لهن شدة السعى بين الصفا والمروة ولو ترك الرجل الرمل حيث شرع له فهو تارك سنة ولا شيء عليه هذا مذهبنا واختلف أصحاب مالك فقال بعضهم عليه دم وقال بعضهم لادم كمذهبنا قوله ( وكان يسعى ببطن المسيل اذا طاف بين الصفا والمروة ) هذا مجمع على استحبابه وهو أنه اذا سعى بين الصفا والمروة استحب أن يكون سعيه شديدا في بطن المسيل وهو قدر معروف وهو من قبل وصوله إلى الميل الأخضر المعلق بفناء المسجد إلى أن يحاذى الميلين الأخضرين المتقابلين اللذين بفناء المسجد ودار العباس والله أعلم قوله ( ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اذا طاف في الحج والعمرة أول ما يقدم فإنه يسعى ثلاثة أطواف بالبيت ثم يمشى أربعا ثم يصلى سجدتين ثم يطوف بين الصفا والمروة ) أما قوله أول ما يقدم فتصريح بأن الرمل أول ما يشرع في طواف العمرة أو في طواف القدوم في الحج وأما قوله يسعى ثلاثة أطواف فمراده يرمل وسماه سعيا مجازا لكونه يشارك السعى في أصل الاسراع وإن اختلفت صفتهما وأما قوله ثلاثة وأربعة فمجمع عليه وهو أن الرمل لا يكون الا في الثلاثة الأول من السبع وأما قوله ثم يصلى سجدتين فالمراد ركعتين وهما سنة على المشهور من مذهبنا وفي قول واجبتان وسماهما سجدتين مجازا كما سبق تقريره في كتاب الصلاة وأما قوله ثم يطوف بين الصفا والمروة ففيه دليل على وجوب الترتيب بين الطواف والسعى وأنه يشترط تقدم الطواف على السعى فلو قدم السعى لم يصح السعى وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور وفيه خلاف ضعيف لبعض السلف والله أعلم قوله ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يقدم مكة اذا استلم الركن الأسود أول ما يطوف ) إلى آخره فيه استحباب استلام الحجر الأسود في ابتداء الطواف وهو سنة من سنن الطواف بلا خلاف وقد استدل به القاضي أبو الطيب من أصحابنا في قوله أنه يستحب أن يستلم الحجر الأسود وأن يستلم معه الركن الذي هو فيه فيجمع في استلامه بين الحجر والركن جميعا واقتصر جمهور أصحابنا على أنه يستلم الحجر وأما الاستلام فهو المسح باليد عليه وهو مأخوذ من السلام بكسر السين وهي الحجارة وقيل من السلام بفتح السين الذي هو التحية 1262 قوله ( رمل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحجر إلى الحجر ثلاثا ومشى أربعا ) فيه بيان أن الرمل يشرع في جميع المطاف من الحجر إلى الحجر وأما حديث بن عباس المذكور بعد هذا بقليل قال وأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا ثلاثة أشواط ويمشوا ما بين الركنين فمنسوخ بالحديث الأول لأن حديث بن عباس كان في عمرة القضاء سنة سبع قبل فتح مكة وكان في المسلمين ضعف في أبدانهم وإنما رملوا اظهارا للقوة واحتاجوا إلى ذلك في غير ما بين الركنين اليمانيين لأن المشركين كانوا جلوسا في الحجر وكانوا لا يرونهم بين هذين الركنين ويرونهم فيما سوى ذلك فلما حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع سنة عشر رمل من الحجر إلى الحجر فوجب الأخذ بهذا المتأخر قوله ( حدثنا سليم بن الأخضر ) هو بضم السين وأخضر بالخاء والضاد المعجمتين قوله في رواية أبي الطاهر بإسناده عن جابر ( رمل الثلاثة أطواف ) هكذا هو في معظم النسخ المعتمدة وفي نادر منها الثلاثة الأطواف وفي أندر منه ثلاثة أطواف فأما ثلاثة أطواف فلا شك في جوازه وفصاحته وأما الثلاثة الأطواف بالألف واللام فيهما ففيه خلاف مشهور بين النحويين منعه البصريون وجوزه الكوفيون وأما الثلاثة أطواف بتعريف الأول وتنكير الثاني كما وقع في معظم النسخ فمنعه جمهور النحويين وهذا الحديث يدل لمن جوزه وقد سبق مثله في رواية سهل بن سعد في صفة منبر النبي صلى الله عليه وسلم قال فعمل هذه الثلاث درجات وقد رواه مسلم هكذا في كتاب الصلاة وقد سبق التنبيه عليه 1264 قوله ( قلت لابن عباس أرأيت هذا الرمل بالبيت ثلاثة أطواف ومشى أربعة أطواف أسنة هو فإن قومك يزعمون أنه سنة فقال صدقوا وكذبوا ) إلى آخره يعني صدقوا في أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله وكذبوا في قولهم انه سنة مقصودة متأكدة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعله سنة مطلوبة دائما على تكرر السنين وإنما أمر به تلك السنة لاظهار القوة عند الكفار وقد زال ذلك المعنى هذا معنى كلام بن عباس وهذا الذي قاله من كون الرمل ليس سنة مقصودة هو مذهبه وخالفه جميع العلماء من الصحابة والتابعين وأتباعهم ومن بعدهم فقالوا هو سنة في الطوفات الثلاث من السبع فإن تركه فقد ترك سنة وفاتته فضيلة ويصح طوافه ولادم عليه وقال عبد الله بن الزبير يسن في الطوفات السبع وقال الحسن البصري والثوري وعبد الملك بن الماجشون المالكي اذا ترك الرمل لزمه دم وكان مالك يقول به ثم رجع عنه دليل الجمهور أن النبي صلى الله عليه وسلم رمل في حجة الوداع في الطوفات الثلاث الأول ومشى في الأربع ثم قال صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لتأخذوا مناسككم عني والله أعلم قوله ( قلت له أخبرني عن الطواف بين الصفا والمروة راكبا أسنة هو فإن قومك يزعمون أنه سنة قال صدقوا وكذبوا ) إلى آخره يعني صدقوا في أنه طاف راكبا وكذبوا في أن الركوب أفضل بل المشي أفضل وإنما ركب النبي صلى الله عليه وسلم للعذر الذي ذكره وهذا الذي قاله بن عباس مجمع عليه أجمعوا على أن الركوب في السعى بين الصفا والمروة جائز وأن المشي أفضل منه الا لعذر والله أعلم قوله ( لايستطيعون أن يطوفوا بالبيت من الهزل ) هكذا هو في معظم النسخ الهزل بضم الهاء واسكان الزاي وهكذا حكاه القاضي في المشارق وصاحب المطالع عن رواية بعضهم قالا وهو وهم والصواب الهزال بضم الهاء وزيادة الألف قلت وللأول وجه وهو أن يكون بفتح الهاء لأن الهزل بالفتح مصدر هزلته هزلا كضربته ضربا وتقديره لا يستطيعون يطوفون لأن الله تعالى هزلهم والله أعلم قوله ( حتى خرج العواتق من البيوت ) هو جمع عاتق وهي البكر البالغة أو المقاربة للبلوغ وقيل التي تتزوج سميت بذلك لأنها عتقت من استخدام أبويها وابتذالها في الخروج والتصرف التي تفعله الطفلة الصغيرة وقد سبق بيان هذا في صلاة العيد 1265 قوله ( أنهم كانوا لا يدعون عنه ولا يكرهون ) أما يدعون فبضم الياء وفتح الدال وضم العين المشددة أي يدفعون ومنه قوله تعالى يوم يدعون إلى نار جهنم دعا وقوله تعالى فذلك الذي يدع اليتيم وأما قوله يكرهون ففي بعض الأصول من صحيح مسلم يكرهون كما ذكرناه من الاكراه وفي بعضها يكهرون بتقديم الهاء من الكهر وهو الانتهار قال القاضي هذا أصوب وقال وهو رواية الفارسي والأول رواية بن ماهان والعذرى قوله ( وهنتهم حمى يثرب ) هو بتخفيف الهاء أي أضعفتهم قال الفراء وغيره يقال وهنته الحمى وغيرها وأوهنته لغتان وأما يثرب فهو الاسم الذي كان للمدينة في الجاهلية وسميت في الاسلام المدينة فطيبة فطابة قال الله تعالى ما كان لاهل المدينة ومن أهل المدينة يقولون لئن رجعنا إلى المدينة وسيأتي بسط ذلك في آخر كتاب الحج حيث ذكر مسلم أحاديث المدينة وتسميتها ان شاء الله تعالى 1266 قوله ( وأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا ثلاثة أشواط ) هذا تصريح بجواز تسمية الرمل شوطا وقد نقل أصحابنا أن مجاهدا والشافعي كرها تسميته شوطا أو دورا بل يسمى طوفة وهذا الحديث ظاهر في أنه لا كراهة في تسميته شوطا فالصحيح أنه لا كراهة فيه قوله ( ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الاشواط كلها الا الابقاء عليهم ) الابقاء بكسر الهمزة وبالباء والموحدة والمد أي الرفق بهم

Section V09/P012–V09/P015

1 ( باب استحباب استلام الركنين اليمانيين ( في الطواف دون الركنين الآخرين )) 1267 قوله ( لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح من البيت الا الركنين اليمانيين ) وفي الرواية الاخرى لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلم من أركان البيت الا الركن الأسود والذي يليه من نحو دور الجمحيين وفي الرواية الأخرى لا يستلم الا الحجر والركن اليماني هذه الروايات متفقة فالركنان اليمانيان هما الركن الأسود والركن اليماني وإنما قيل لهما اليمانيان للتغليب كما قيل في الأب والأم الأبوان وفي الشمس والقمر القمران وفي أبي بكر وعمر رضي الله عنهما العمران وفي الماء والتمر الأسودان ونظائره مشهورة واليمانيان بتخفيف الياء هذه اللغة الفصيحة المشهورة وحكى سيبويه والجوهرى وغيرهما فيها لغة أخرى بالتشديد فمن خفف قال هذه نسبة إلى اليمن فالألف عوض من احدى ياءى النسب فتبقى الياء الأخرى مخففة ولو شددناها لكان جمعا بين العوض والمعوض وذلك ممتنع ومن شدد قال الالف فى اليمانى زائدة وأصله اليمنى فتبقى الياء مشددة وتكون الالف زائدة كما زيدت النون في صنعانى ورقبانى ونظائر ذلك والله أعلم وأما قوله ( يمسح ) فمراده يستلم وسبق بيان الاستلام وأعلم أن للبيت أربعة أركان الركن الأسود والركن اليمانى ويقال لهما اليمانيان كما سبق وأما الركنان الآخران فيقال لهما الشاميان فالركن الأسود فيه فضيلتان احداهما كونه على قواعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم والثانية كونه فيه الحجر الأسود وأما اليماني ففيه فضيلة واحدة وهى كونه على قواعد إبراهيم وأما الركنان الآخران فليس فيهما شيء من هاتين الفضيلتين فلهذا خص الحجر الأسود بشيئين الاستلام والتقبيل للفضيلتين وأما اليمانى فيستلمه ولا يقبله لأن فيه فضيلة واحدة وأما الركنان الآخران فلا يقبلان ولا يستلمان والله أعلم وقد أجمعت الأمة على استحباب استلام الركنين اليمانيين واتفق الجماهير على أنه لا يمسح الركنين الآخرين واستحبه بعض السلف وممن كان يقول باستلامهما الحسن والحسين ابنا علي وبن الزبير وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وعروة بن الزبير وأبو الشعثاء جابر بن زيد رضي الله عنهم قال القاضي أبو الطيب أجمعت أئمة الأمصار والفقهاء على أنهما لا يستلمان قال وإنما كان فيه خلاف لبعض الصحابة والتابعين وانقرض الخلاف وأجمعوا على أنهما لا يستلمان والله أعلم قوله ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يستلم الا الحجر الأسود والركن اليماني ) يحتج به الجمهور في أنه يقتصر بالاستلام في الحجر الأسود عليه دون الركن الذي هو فيه وقد سبق قريبا فيه خلاف القاضي أبي الطيب 1268 قوله ( رأيت بن عمر يستلم الحجر بيده ثم قبل يده وقال ما تركته منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله ) فيه استحباب تقبيل اليد بعد استلام الحجر الأسود اذا عجز عن تقبيل الحجر وهذا الحديث محمول على من عجز عن تقبيل الحجر وإلا فالقادر يقبل الحجر ولا يقتصر في اليد على الاستلام بها وهذا الذي ذكرناه من استحباب تقبيل اليد بعد الاستلام للعاجز هو مذهبنا ومذهب الجمهور وقال القاسم بن محمد التابعي المشهور لا يستحب التقبيل وبه قال مالك في أحد قوليه والله أعلم 1 ( باب استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف )

Section V09/P015–V09/P017

1270 قوله ( قبل عمر بن الخطاب الحجر ثم قال أم والله لقد علمت أنك حجر ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك ) وفي الرواية الأخرى وإني لأعلم أنك حجر وأنك لا تضر ولا تنفع هذا الحديث فيه فوائد منها استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف بعد استلامه وكذا يستحب السجود على الحجر أيضا بأن يضع جبهته عليه فيستحب أن يستلمه ثم يقبله ثم يضع جبهته عليه هذا مذهبنا ومذهب الجمهور وحكاه أبن المنذر عن عمر بن الخطاب وبن عباس وطاوس والشافعي وأحمد قال وبه أقول قال وقد روينا فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم وانفرد مالك عن العلماء فقال السجود عليه بدعه واعترف القاضي عياض المالكي بشذوذ مالك في هذه المسألة عن العلماء وأما الركن اليماني فيستلمه ولا يقبله بل يقبل اليد بعد استلامه هذا مذهبنا وبه قال جابر بن عبد الله وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وقال أبو حنيفة لا يستلمه وقال مالك وأحمد يستلمه ولا يقبل اليد بعده وعن مالك رواية أنه يقبله وعن أحمد رواية أنه يقبله والله أعلم وأما قول عمر رضي الله عنه لقد علمت أنك حجر وأنى لأعلم أنك حجر وأنت لا تضر ولا تنفع فأراد به بيان الحث على الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في تقبيله ونبه على أنه أولا الاقتداء به لما فعله وإنما قال وأنك لا تضر ولا تنفع لئلا يغتر بعض قربى العهد بالاسلام الذين كانوا ألفوا عبادة الأحجار وتعظيما ورجاء نفعها وخوف الضر بالتقصير في تعظيمها وكان العهد قريبا بذلك فخاف عمر رضي الله عنه أن يراه بعضهم يقبله ويعتنى به فيشتبه عليه فبين أنه لا يضر ولا ينفع بذاته وإن كان امتثال ما شرع فيه ينفع بالجزاء والثواب فمعناه أنه لا قدرة له على نفع ولا ضر وأنه حجر مخلوق كباقي المخلوقات التي لا تضر ولا تنفع وأشاع عمر هذا في الموسم ليشهد في البلدان ويحفظه عنه أهل الموسم المختلفوا الأوطان والله أعلم قوله ( رأيت الأصلع ) وفي رواية الأصيلع يعني عمر رضي الله عنه فيه أنه لا بأس بذكر الانسان بلقبه ووصفه الذي يكرهه وإن كان قد يكره غيره مثله 1271 قوله ( رأيت عمر رضي الله عنه قبل الحجر والتزمه وقال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بك حفيا ) يعني معتنيا وجمعه أحفياء قوله والتزمه فيه اشارة إلى ما قدمنا من استحباب السجود عليه والله أعلم 1 ( باب جواز الطواف على بعير وغيره واستلام ) ( الحجر بمحجن ونحوه للراكب ))

Section V09/P017–V09/P019

1272 قوله ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن ) المحجن بكسر الميم وإسكان الحاء وفتح الجيم وهو عصا معقفة يتناول بها الراكب ما سقط له ويحرك بطرفها بعيره للمشي وفي هذا الحديث جواز الطواف راكبا واستحباب استلام الحجر وأنه اذا عجز عن استلامه بيده استلمه بعود وفيه جواز قول حجة الوداع وقد قدمنا أن بعض العلماء كره أن يقال لها حجة الوداع وهو غلط والصواب جواز قول حجة الوداع والله أعلم واستدل به أصحاب مالك وأحمد على طهارة بول ما يؤكل لحمه وروثه لأنه لا يؤمن ذلك من البعير فلو كان نجسا لما عرض المسجد له ومذهبنا ومذهب أبي حنيفة وآخرين نجاسة ذلك وهذا الحديث لا دلالة فيه لأنه ليس من ضرورته أن يبول أو يروث في حال الطواف وإنما هو محتمل وعلى تقدير حصوله ينظف المسجد منه كما أنه صلى الله عليه وسلم أقر ادخال الصبيان الأطفال المسجد مع أنه لا يؤمن بولهم بل قد وجد ذلك ولأنه لو كان ذلك محققا لنزه المسجد منه سواء كان نجسا أو طاهرا لأنه مستقذر 1273 قوله في طوافه صلى الله عليه وسلم ) راكبا ( لأن يراه الناس ويشرف وليسألوه ) هذا بيان لعلة ركوبة صلى الله عليه وسلم وقيل أيضا لبيان الجواز وجاء في سنن أبي داود أنه كان صلى الله عليه وسلم في طوافه هذا مريضا وإلى هذا المعنى أشار البخاري وترجم عليه باب المريض يطوف راكبا فيحتمل أنه صلى الله عليه وسلم طاف راكبا لهذا كله قوله ( فإن الناس غشوه ) هو بتخفيف الشين أي ازدحموا عليه قولها ( كراهية أن يضرب عنه الناس ) هكذا هو في معظم النسخ يضرب بالباء وفي بعضها يصرف بالصاد المهملة والفاء وكلاهما صحيح قوله ( حدثني الحكم بن موسى القنطرى ) هو بفتح القاف قال السمعاني هو من قنطرة بردان وهي محلة من بغداد قوله ( وحدثنا معروف بن خربوذ ) هو بخاء معجمة مفتوحة ومضمومة الفتح أشهر وممن حكاهما القاضي عياض في المشارق والقائل بالضم هو أبو الوليد الباجي وقال الجمهور بالفتح وبعد الخاء راء مفتوحة مشددة ثم باء موحدة مضمومة ثم واو ثم ذال معجمة 1275 قوله ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحجن معه ويقبل المحجن ) فيه دليل على استحباب استلام الحجر الأسود وأنه اذا عجز عن استلامه بيده بأن كان راكبا أو غيره استلمه بعصا ونحوها ثم قبل ما استلم به وهذا مذهبنا 1276 قوله صلى الله عليه وسلم ( طوفى من وراء الناس وأنت راكبة قالت فطفت ورسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ يصلى إلى جنب البيت وهو يقرأ ب والطور وكتاب مسطور انما أمرها صلى الله عليه وسلم بالطواف من وراء الناس لشيئين أحدهما أن سنة النساء التباعد عن الرجال في الطواف والثاني أن قربها يخاف منه تأذى الناس بدابتها وكذا اذا طاف الرجل راكبا وإنما طافت في حال صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ليكون أستر لها وكانت هذه الصلاة صلاة الصبح والله أعلم 1 ( باب بيان أن السعى بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج الا به )

Section V09/P019–V09/P023

مذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أن السعى بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج لا يصح الا به ولا يجبر بدم ولا غيره وممن قال بهذا مالك والشافعي وأحمد واسحاق وأبو ثور وقال بعض السلف هو تطوع وقال أبو حنيفة هو واجب فإن تركه عصى وجبره بالدم وصح حجه دليل الجمهور أن النبي صلى الله عليه وسلم سعى وقال خذوا عني مناسككم والمشروع سعى واحد والأفضل أن يكون بعد طواف القدوم ويجوز تأخيره إلى ما بعد طواف الافاضة 1277 قوله ( عن عروة أنه قال ما معناه ان السعي ليس بواجب لأن الله تعالى قال فلا جناح عليه أن يطوف بهما وأن عائشة أنكرت عليه وقالت لا يتم الحج الا به ولو كان كما تقول يا عروة لكانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ) قال العلماء هذا من دقيق علمها وفهمها الثاقب وكبير معرفتها بدقائق الألفاظ لأن الآية الكريمة انما دل لفظها على رفع الجناح عمن يطوف بهما وليس فيه دلالة على عدم وجوب السعى ولا على وجوبه فأخبرته عائشة رضي الله عنها أن الآية ليست فيها دلالة للوجوب ولا لعدمه وبينت السبب في نزولها والحكمة في نظمها وأنها نزلت في الانصار حين تحرجوا من السعى بين الصفا والمروة في الاسلام وأنها لو كانت كما يقول عروة لكانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما وقد يكون الفعل واجبا ويعتقد انسان انه يمنع ايقاعه على صفة مخصوصة وذلك كمن عليه صلاة الظهر وظن أنه لا يجوز فعلها عند غروب الشمس فسأل عن ذلك فيقال في جوابه لا جناح عليك أن صليتها في هذا الوقت فيكون جوابا صحيحا ولا يقتضى نفي وجوب صلاة الظهر قولها ( وهل تدري فيما كان ذلك انما كان ذلك لأن الأنصار كانوا يهلون في الجاهلية لصنمين على شط البحر يقال لهما اساف ونائلة ) قال القاضي عياض هكذا وقع في هذه الرواية قال وهو غلط والصواب ما جاء في الروايات الأخر في الباب يهلون لمناة وفي الرواية الأخرى لمناة الطاغية التي بالمشلل قال وهذا هو المعروف ومناة صنم كان نصبه عمرو بن لحى في جهة البحر بالمشلل مما يلي قديدا وكذا جاء مفسرا في هذا الحديث في الموطأ وكانت الأزد وغسان تهل له بالحج وقال بن الكلبي مناة صخرة لهذيل بقديد وأما اساف ونائلة فلم يكونا قط في ناحية البحر وإنما كانا فيما يقال رجلا وامرأة فالرجل اسمه اساف بن بقاء ويقال بن عمرو والمرأة اسمها نائلة بنت ذئب ويقال بنت سهل قيل كانا من جرهم فزنيا داخل الكعبة فمسخهما الله حجرين فنصبا عند الكعبة وقيل على الصفا والمروة ليعتبر الناس بهما ويتعظوا ثم حولهما قصى بن كلاب فجعل أحدهما ملاصق الكعبة والآخر بزمزم وقيل جعلهما بزمزم ونحر عندهما وأمر بعبادتهما فلما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة كسرهما هذا آخر كلام القاضي عياض قوله في حديث عمر والناقد وبن أبي عمر ( بئس ما قلت يا بن أختي ) هكذا هو في أكثر النسخ بالتاء وفي بعضها أخي بحذف التاء وكلاهما صحيح والأول أصح وأشهر وهو المعروف في غير هذه الرواية قوله ( فأعجبه وقال ان هذا العلم ) هكذا هو في جميع نسخ بلادنا قال القاضي وروى أن هذا لعلم بالتنوين وكلاهما صحيح ومعنى الأول ان هذا هو العلم المتقن ومعناه استحسان قول عائشة رضي الله عنها وبلاغتها في تفسير الآية الكريمة قوله ( فأراها قد نزلت في هؤلاء ) ضبطوه بضم الهمزة من أراها وفتحها والضم أحسن وأشهر قولها ( قد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما ) يعنى شرعه وجعله ركنا والله أعلم 1 ( باب بيان أن السعى لا يكرر )

Section V09/P023–V09/P024

1279 قوله ( لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة الا طوافا واحدا ) طوافه الأول فيه دليل على أن السعي في الحج أو العمرة لا يكرر بل يقتصر منه على مرة واحدة ويكره تكراره لأنه بدعة وفيه دليل لما قدمناه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنا وأن القارن يكفيه طواف واحد وسعى واحد وقد سبق خلاف أبي حنيفة وغيره في المسألة والله أعلم 1 ( باب استحباب ادامة الحاج التلبية حتى يشرع في رمى جمرة العقبة يوم النحر )

Section V09/P024–V09/P028

1280 قوله في حديث أسامة ( ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفات ) هذا دليل على استحباب الركوب في الدفع من عرفات وعلى جواز الارداف على الدابة اذا كانت مطيقة وعلى جواز الارتداف مع اهل الفضل ولا يكون ذلك خلاف الادب قوله ( فصببت عليه الوضوء فتوضأ وضوءا خفيفا ) فقوله فصببت عليه الوضوء الوضوء هنا بفتح الواو وهو الماء الذي يتوضأ به وسبق فيه لغة أنه يقال بالضم وليست بشيء وقوله ( فتوضأ وضوءا خفيفا ) يعني توضأ وضوء الصلاة وخففه بأن توضأ مرة مرة أو خفف استعمال الماء بالنسبة إلى غالب عادته صلى الله عليه وسلم وهذا معنى قوله في الرواية الأخرى فلم يسبغ الوضوء أي لم يفعله على العادة وفيه دليل على جواز الاستعانة في الوضوء قال أصحابنا الاستعانة فيه ثلاثة أقسام أحدها أن يستعين في احضار الماء من البئر والبيت ونحوهما وتقديمه إليه وهذا جائز ولا يقال أنه خلاف الأولى والثاني أن يستعين بمن يغسل الاعضاء فهذا مكروه كراهة تنزيه الا أن يكون معذورا بمرض أو غيره والثالث أن يستعين بمن يصب عليه فإن كان لعذر فلا بأس وإلا فهو خلاف الأولى وهل يسمى مكروها فيه وجهان لاصحابنا أصحهما ليس بمكروه لأنه لم يثبت فيه نهى وأما استعانة النبي صلى الله عليه وسلم بأسامة والمغيرة بن شعبة في غزوة تبوك وبالربيع بنت معوذ فلبيان الجواز ويكون أفضل في حقه حينئذ لأنه مأمور بالبيان والله أعلم قوله ( قلت الصلاة يا رسول الله فقال الصلاة أمامك ) معناه أن أسامة ذكره بصلاة المغرب وظن أن النبي صلى الله عليه وسلم نسيها حيث أخرها عن العادة المعروفة في غير هذه الليلة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة أمامك أي ان الصلاة في هذه الليلة مشروعه فيما بين يديك أي في المزدلفة ففيه استحباب تذكير التابع المتبوع بما تركه خلاف العادة ليفعله أو يعتذر عنه أو يبين له وجه صوابه وإن مخالفته للعادة سببها كذا وكذا وأما قوله صلى الله عليه وسلم الصلاة أمامك ففيه أن السنة في هذا الموضع في هذه الليلة تأخير المغرب إلى العشاء والجمع بينهما في المزدلفة وهو كذلك بإجماع المسلمين وليس هو بواجب بل سنة فلو صلاهما في طريقه أو صلى كل واحدة في وقتها جاز وقال بعض أصحاب مالك ان صلى المغرب في وقتها لزمه اعادتها وهذا شاذ ضعيف 1281 قوله ( لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة ) دليل على أنه يستديم التلبية حتى يشرع في رمى جمرة العقبة غداة يوم النحر وهذا مذهب الشافعي وسفيان الثوري وأبي حنيفة وأبي ثور وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار ومن بعدهم وقال الحسن البصري يلبي حتى يصلي الصبح يوم عرفة ثم يقطع وحكى عن علي وبن عمر وعائشة ومالك وجمهور فقهاء المدينة أنه يلبي حتى تزول الشمس يوم عرفة ولا يلبي بعد الشروع في الوقوف وقال أحمد وإسحاق وبعض السلف يلبي حتى يفرغ من رمي جمرة العقبة ودليل الشافعي والجمهور هذا الحديث الصحيح مع الأحاديث بعده ولا حجة للآخرين في مخالفتها فيتعين اتباع السنة 1282 وأما قوله في الرواية الأخرى ( لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة ) فقد يحتج به أحمد وإسحاق لمذهبهما ويجيب الجمهور عنه بأن المراد حتى شرع في الرمي ليجمع بين الروايتين قوله ( غداة جمع ) هي بفتح الجيم وإسكان الميم وهي المزدلفة وسبق بيانها قوله صلى الله عليه وسلم ( عليكم بالسكينة ) هذا إرشاد إلى الأدب والسنة في السير تلك الليلة ويلحق بها سائر مواضع الزحام قوله ( وهو كاف ناقته ) أي يمنعها الاسراع قوله ( دخل محسرا وهو من منى ) الخ أما محسر فسبق ضبطه وبيانه في حديث جابر في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( بحصى الخذف ) قال العلماء هو نحو حبة الباقلا قال أصحابنا ولو رمى بأكبر منها أو أصغر جاز وكان مكروها وأما قوله ( يشير بيده كما يخذف الانسان ) فالمراد به الايضاح وزيادة البيان لحصى الخذف وليس المراد أن الرمي يكون على هيئة الخذف وإن كان بعض أصحابنا قد قال باستحباب ذلك لكنه غلط والصواب أنه لا يستحب كون الرمي على هيئة الخذف فقد ثبت حديث عبد الله بن المغفل عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن الخذف وإنما معنى هذه الاشارة ما قدمناه والله أعلم 1283 قوله ( قال عبد الله ونحن بجمع سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة يقول في هذا المقام لبيك اللهم لبيك ) فيه دليل على استحباب إدامة التلبية بعد الوقوف بعرفات وهو مذهب الجمهور كما سبق وفيه دليل على جواز قول سورة البقرة وسورة النساء وشبه ذلك وكره ذلك بعض الأوائل وقال إنما يقال السورة التي تذكر فيها البقرة والسورة التي تذكر فيها النساء وشبه ذلك والصواب جواز قول سورة البقرة وسورة النساء وسورة المائدة وغيرها وبهذا قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم وتظاهرت به الأحاديث الصحيحة من كلام النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم كحديث من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه والله أعلم وأما قول عبد الله بن مسعود سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة فإنما خص البقرة لأن معظم أحكام المناسك فيها فكأنه قال هذا مقام من أنزلت عليه المناسك وأخذ عنه الشرع وبين الأحكام فاعتمدوه وأراد بذلك الرد على من يقول بقطع التلبية من الوقوف بعرفات وهذا معنى قوله في الرواية الثانية أن عبد الله لبى حين أفاض من جمع فقيل أعرابي هذا فقال بن مسعود ما قال إنكارا على المعترض وردا عليه والله أعلم

Section V09/P028–V09/P029

1 ( باب التلبية والتكبير في الذهاب من منى إلى عرفات في يوم عرفة ) 1284 قوله ( غدونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من منى إلى عرفات منا الملبي ومنا المكبر ) وفي 1285 الرواية ( الأخرى يهلل المهلل فلا ينكر عليه ويكبر المكبر فلا ينكر عليه ) فيه دليل على استحبابهما في الذهاب من منى إلى عرفات يوم عرفة والتلبية أفضل وفيه رد على من قال بقطع التلبية بعد صبح يوم عرفة والله أعلم 1 ( باب الافاضة من عرفات إلى المزدلفة ( واستحباب صلاتي المغرب والعشاء جمعا بالمزدلفة في هذه الليلة ))

Section V09/P029–V09/P035

فيه حديث أسامة وسبق بيان شرحه في الباب الذي قبل هذا وفيه الجمع بين المغرب والعشاء في وقت العشاء في هذه الليلة في المزدلفة وهذا مجمع عليه لكن اختلفوا في حكمه فمذهبنا أنه على الاستحباب فلو صلاهما في وقت المغرب أو في الطريق أو كل واحدة في وقتها جاز وفاتته الفضيلة وقد سبق بيان المسألة في الباب المذكور 1280 قوله ( أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل انسان بعيره في منزله ثم أقيمت العشاء فصلاها ولم يصل بينهما شيئا ) وفي الرواية الأخرى في آخر الباب أنه صلاهما بإقامة واحدة وقد سبق في حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين وهذه الرواية مقدمة على الروايتين الأوليين لأن مع جابر زيادة علم وزيادة الثقة مقبولة ولأن جابرا اعتنى الحديث ونقل حجة النبي صلى الله عليه وسلم مستقصاة فهو أولى بالاعتماد وهذا هو الصحيح من مذهبنا انه يستحب الأذان للأولى منهما ويقيم لكل واحدة اقامة فيصليهما بأذان وإقامتين ويتأول حديث اقامة واحدة أن كل صلاة لها اقامة ولا بد من هذا ليجمع بينه وبين الرواية الأولى وبينه ايضا وبين رواية جابر وقد سبق إيضاح المسألة في حديث جابر والله أعلم قوله ( فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل انسان بعيره في منزله ثم أقيمت العشاء فصلاها ولم يصل بينهما شيئا ) فيه دليل على استحباب المبادرة بصلاتي المغرب والعشاء أول قدومه المزدلفة ويجوز تأخيرهما إلى قبيل طلوع الفجر وفيه أنه لا يضر الفصل بين الصلاتين المجموعتين اذا كان الجمع في وقت الثانية لقوله ثم أناخ كل انسان بعيره في منزله وأما اذا جمع بينهما في وقت الأولى فلا يجوز الفصل بينهما فإن فصل بطل الجمع ولم تصح الصلاة الثانية الا في وقتها الأصلي وأما قوله ( ولم يصل بينهما شيئا ) ففيه أنه لا يصلى بين المجموعتين شيئا ومذهبنا استحباب السنن الراتبة لكن يفعلها بعدهما لا بينهما ويفعل سنة الظهر التي قبلها قبل الصلاتين والله أعلم ( قوله ( نزل فبال ) ولم يقل أسامة أراق الماء فيه أداء الرواية بحروفها وفيه استعمال صرائح الألفاظ التي قد تستبشع ولا يكنى عنها اذا دعت الحاجة إلى التصريح بأن خيف لبس المعنى أو اشتباه الألفاظ أو غير ذلك قوله ( وما قال اهراق الماء ) هو بفتح الهاء قوله ( حتى أقام العشاء الآخرة ) فيه دليل لصحة اطلاق العشاء الآخرة وأما انكار الاصمعي وغيره ذلك وقولهم انه من لحن العوام ومحال كلامهم وأن صوابه العشاء فقط ولا يجوز وصفها بالآخرة فغلط منهم بل الصواب جوازه وهذا الحديث صريح فيه وقد تظاهرت به أحاديث كثيرة وقد سبق بيانه واضحا في مواضع كثيرة من كتاب الصلاة قوله ( لما أتى النقب ) هو بفتح النون واسكان القاف وهو الطريق في الجبل وقيل الفرجة بين جبلين قوله ( عن الزهري عن عطاء مولى سباع عن أسامة بن زيد ) هكذا وقع في معظم النسخ عطاء مولى سباع وفي بعض النسخ مولى أم سباع وكلاهما خلاف المعروف فيه وإنما المشهور عطاء مولى بنى سباع هكذا ذكره البخاري في تاريخه وبن أبي حاتم في كتابه الجرح والتعديل وخلف الواسطى في الأطراف والحميدي في الجمع بين الصحيحين والسمعاني في الأنساب وغيرهم وهو عطاء بن يعقوب وقيل عطاء بن نافع وممن ذكر الوجهين في اسم أبيه البخاري وخلف والحميدي واقتصر بن أبي حاتم والسمعاني وغيرهما على أنه عطاء بن يعقوب قالوا كلهم وهو عطاء الكيخاراني بفتح الكاف واسكان المثناة من تحت وبالخاء المعجمة ويقال فيه أيضا الكوخاراني واتفقوا على أنها نسبة إلى موضع باليمن هكذا قاله الجمهور قال أبو سعد السمعاني هي قرية باليمن يقال لها كيخران قال يحيى بن معين عطاء هذا ثقة والله أعلم 1286 قوله ( فما زال يسير على هيئته ) هو بهاء مفتوحة وبعد الياء همزة هكذا هو في معظم النسخ وفي بعضها هينته بكسر الهاء وبالنون وكلاهما صحيح المعنى قوله ( كان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص ) وفي الرواية الأخرى قال هشام والنص فوق العنق أما العنق فبفتح العين والنون والنص بفتح النون وتشديد الصاد المهملة وهما نوعا من اسراع السير وفي العنق نوع من الرفق والفجوة بفتح الفاء المكان المتسع ورواه بعض الرواة في الموطأ فرجة بضم الفاء وفتحها وهي بمعنى الفجوة وفيه من الفقه استحباب الرفق في السير في حال الزحام فإذا وجد فرجة استحب الاسراع ليبادر إلى المناسك وليتسع له الوقت ليمكنه الرفق في حال الزحمة والله أعلم 1288 قوله ( جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء بجمع ليس بينهما سجدة ) يعني بالسجدة صلاة النافلة أي لم يصل بينهما نافلة وقد جاءت السجدة بمعنى النافلة وبمعنى الصلاة قوله ( وصلى المغرب ثلاث ركعات وصلى العشاء ركعتين ) فيه دليل على أن المغرب لا يقصر بل يصلي ثلاثا أبدا وكذلك أجمع عليه المسلمون وفيه أن القصر في العشاء وغيرها من الرباعيات أفضل والله أعلم قوله ( حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا عبد الله بن نمير قال حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن أبي إسحاق قال قال سعيد بن جبير أفضنا مع بن عمر إلى آخره ) هذا من الأحاديث التي استدركها الدار قطني فقال هذا عندي وهم من إسماعيل وقد خالفه جماعة منهم شعبة والثوري واسرائيل وغيرهم فرووه عن أبي إسحاق عن عبد الله بن مالك عن بن عمر قال واسماعيل وإن كان ثقة فهؤلاء أقوم بحديث أبي إسحاق منه هذا كلامه وجوابه ما سبق بيانه مرات في نظائره أنه يجوز أن أبا إسحاق سمعه بالطريقين فرواه بالوجهين وكيف كان فالمتن صحيح لا مقدح فيه والله أعلم

Section V09/P035–V09/P037

1 ( باب استحباب زيادة التغليس بصلاة الصبح يوم النحر ( بالمزدلفة والمبالغة فيه بعد تحقيق طلوع الفجر )) 1289 قوله عن عبد الله بن مسعود ( ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الا لميقاتها الا صلاتين صلاة المغرب والعشاء بجمع وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها ) معناه أنه صلى المغرب في وقت العشاء بجمع التي هي المزدلفة وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها المعتاد ولكن بعد تحقق طلوع الفجر فقوله قبل وقتها المراد قبل وقتها المعتاد لا قبل طلوع الفجر لأن ذلك ليس بجائز بإجماع المسلمين فيتعين تأويله على ما ذكرته وقد ثبت في صحيح البخاري في هذا الحديث في بعض رواياته ان بن مسعود صلى الفجر حين طلع الفجر بالمزدلفة ثم قال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الفجر هذه الساعة وفي رواية فلما طلع الفجر قال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي هذه الساعة الا هذه الصلاة في هذا المكان من هذا اليوم والله أعلم وفي هذه الروايات كلها حجة لأبي حنيفة في استحباب الصلاة في آخر الوقت في غير هذا اليوم ومذهبنا ومذهب الجمهور استحباب الصلاة في أول الوقت في كل الأيام ولكن في هذا اليوم أشد استحبابا وقد سبق في كتاب الصلاة ايضاح المسألة بدلائلها وتسن زيادة التبكير في هذا اليوم وأجاب أصحابنا عن هذه الروايات بأن معناها أنه صلى الله عليه وسلم كان في غير هذا اليوم يتأخر عن أول طلوع الفجر لحظة إلى أن يأتيه بلال وفي هذا اليوم لم يتأخر لكثرة المناسك فيه فيحتاج إلى المبالغة في التبكير ليتسع الوقت لفعل المناسك والله أعلم وقد يحتج أصحاب أبي حنيفة بهذا الحديث على منع الجمع بين الصلاتين في السفر لأن بن مسعود من ملازمي النبي صلى الله عليه وسلم وقد أخبر أنه ما رآه يجمع الا في هذه المسألة ومذهبنا ومذهب الجمهور جواز الجمع في جميع الاسفار المباحة التي يجوز فيها القصر وقد سبقت المسألة في كتاب الصلاة بأدلتها والجواب عن هذا الحديث أنه مفهوم وهم لا يقولون به ونحن نقول بالمفهوم ولكن اذا عارضه منطوق قدمناه على المفهوم وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بجواز الجمع ثم هو متروك الظاهر بالإجماع في صلاتي الظهر والعصر بعرفات والله أعلم 1 ( باب استحباب تقديم دفع الضعفة من النساء وغيرهن من مزدلفة ( إلى منى في أواخر الليل قبل زحمة الناس واستحباب المكث ) ( لغيرهم حتى يصلوا الصبح بمزدلفة ))

Section V09/P037–V09/P041

1290 قوله ( وكانت امرأة ثبطة ) هي بفتح الثاء المثلثة وكسر الباء الموحدة وإسكانها وفسره في الكتاب بأنها الثقيلة أي ثقيلة الحركة بطيئة من التثبيط وهو التعويق قوله ( قبل حطمة الناس ) بفتح الحاء أي زحمتهم قوله ( ان سودة استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تفيض من جمع بليل فأذن لها ) فيه دليل لجواز الدفع من مزدلفة قبل الفجر قال الشافعي وأصحابه يجوز قبل نصف الليل ويجوز رمي جمرة العقبة بعد نصف الليل واستدلوا بهذا الحديث واختلف العلماء في مبيت الحاج بالمزدلفة ليلة النحر والصحيح من مذهب الشافعي أنه واجب من تركه لزمه دم وصح حجه وبه قال فقهاء الكوفة وأصحاب الحديث وقالت طائفة هو سنة ان تركه فاتته الفضيلة ولا اثم عليه ولا دم ولا غيره وهو قول للشافعي وبه قال جماعة وقالت طائفة لا يصح حجه وهو محكى عن النخعي وغيره وبه قال امامان كبيران من اصحابنا وهما أبو عبد الرحمن بن بنت الشافعي وأبو بكر بن خزيمة وحكى عن عطاء والأوزاعي أن المبيت بالمزدلفة في هذه الليلة ليس بركن ولا واجب ولا سنة ولا فضيلة فيه بل هو منزل كسائر المنازل ان شاء تركه وإن شاء لم يتركه ولا فضيلة فيه وهذا قول باطل واختلفوا في قدر المبيت الواجب فالصحيح عند الشافعي أنه ساعة في النصف الثاني من الليل وفي قول له ساعة من النصف الثاني أو ما بعده إلى طلوع الشمس وفي قول ثالث له أنه معظم الليل وعن مالك ثلاث روايات أحداها كل الليل والثاني معظمه والثالث أقل زمان 1291 قوله ( يا هنتاه ) أي يا هذه هو بفتح الهاء وبعدها نون ساكنه ومفتوحة وإسكانها أشهر ثم تاء مثناة من فوق قال بن الأثير وتسكن الهاء التي في آخرها وتضم وفي التثنية ياهنتان وفي الجمع باهنات وهنوات وفي المذكر هن وهنان وهنون قوله ( لقد غلسنا قالت كلا ) أي لقد تقدمنا على الوقت المشروع قالت لا قولها ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن للظعن ) هو بضم الظاء والعين وبإسكان العين ايضا وهن النساء الواحدة ظعينة كسفينة وسفن وأصل الظعينة الهودج الذي تكون فيه المرأة على البعير فسميت المرأة به مجازا واشتهر هذا المجاز حتى غلب وخفيت الحقيقة وظعينة الرجل امرأته 1293 قوله ( بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في الثقل ) هو بفتح الثاء والقاف وهو المتاع ونحوه 1295 قوله ( ان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان يقدم ضعفة أهله فيقفون بالمزدلفة عند المشعر الحرام بليل فيذكرون الله ما بدالهم ثم يدفعون ) قد سبق بيان المشعر الحرام وذكر الخلاف فيه وأن مذهب الفقهاء أنه اسم لقزح خاصة وهو جبل بالمزدلفة ومذهب المفسرين ومذهب أهل السير أنه جميع المزدلفة وقد جاء في الأحاديث ما يدل لكلا المذهبين وهذا الحديث دليل لمذهب الفقهاء وقد سبق أن المشهور فتح الميم من المشعر الحرام وقيل بكسرها وفيه استحباب الوقوف عند المشعر الحرام بالدعاء والذكر وقوله ما بدا لهم هو بلا همز أي ما أرادوا 1 ( باب رمي جمرة العقبة من بطن الوادي ( وتكون مكة عن يساره ويكبره مع كل حصاة )

Section V09/P041–V09/P043

1296 قوله ( رمى عبد الله بن مسعود جمرة العقبة من بطن الوادي بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة قال فقيل له ان ناسا يرمونها من فوقها فقال عبد الله بن مسعود هذا والذي لا إله غيره مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة ) فيه فوائد منها اثبات رمي جمرة العقبة يوم النحر وهو مجمع عليه وهو واجب وهو أحد أسباب التحلل وهي ثلاثة رمى جمرة العقبة يوم النحر فطواف الافاضة مع سعيه ان لم يكن سعى والثالث الحلق عند من يقول انه نسك وهو الصحيح فلو ترك رمى جمرة العقبة حتى فاتت أيام التشريق فحجة صحيح وعليه دم هذا قول الشافعي والجمهور وقال بعض أصحاب مالك الرمى ركن لا يصح الحج الا به وحكى بن جرير عن بعض الناس أن رمى الجمار إنما شرع حفظا للتكبير ولو تركه وكبر أجزأه ونحوه عن عائشة رضي الله عنها والصحيح المشهور ما قدمناه ومنها كون الرمي سبع حصيات وهو مجمع عليه ومنها استحباب التكبير مع كل حصاة وهو مذهبنا ومذهب مالك والعلماء كافة قال القاضي وأجمعوا على أنه لو ترك التكبير لا شيء عليه ومنها استحباب كون الرمى من بطن الوادي فيستحب أن يقف تحتها في بطن الوادي فيجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه ويستقبل العقبة والجمرة ويرميها بالحصيات السبع وهذا هو الصحيح في مذهبنا وبه قال جمهور العلماء وقال بعض أصحابنا يستحب أن يقف مستقبل الجمرة مستدبرا مكة وقال بعض أصحابنا يستحب أن يقف مستقبل الكعبة وتكون الجمرة عن يمينه والصحيح الأول وأجمعوا على أنه من حيث رماها جاز سواء استقبلها أو جعلها عن يمينه أو عن يساره أو رماها من فوقها أو أسفلها أو وقف في ) وسطها ورماها وأما رمى باقي الجمرات في أيام التشريق فيستحب من فوقها وأما قوله هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة فسبق شرحه قريبا والله أعلم قوله ( عن الأعمش سمعت الحجاج بن يوسف يقول وهو يخطب على المنبر ألفوا القرآن كما ألفه جبريل السورة التي يذكر فيها البقرة والسورة التي يذكر فيها النساء والسورة التي يذكر فيها آل عمران فلقيت إبراهيم فأخبرته بقوله فسبه ) قال القاضي عياض ان كان الحجاج أراد بقوله كما ألفه جبريل تأليف الآى في كل سورة ونظمها على ما هي عليه الآن في المصحف فهو اجماع المسلمين وأجمعوا أن ذلك تأليف النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان يريد تأليف السورة بعضها في أثر بعض فهو قول بعض الفقهاء والقراء وخالفهم المحققون وقالوا بل هو اجتهاد من الائمة وليس بتوقيف قال القاضي وتقديمه هنا النساء على آل عمران دليل على أنه لم يرد الا نظم الآى لأن الحجاج انما كان يتبع مصحف عثمان رضي الله عنه ولا يخالفه والظاهر أنه أراد ترتيب الآى لا ترتيب السور قوله ( وجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ) هذا دليل للمذهب الصحيح الذي قدمناه في الموقف المستحب للرمى قوله ( حدثنا أبو المحياة ) هو بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد الياء المثناة تحت والله أعلم 1 ( باب استحباب رمى جمرة العقبة يوم النحر راكبا ( وبيان قوله صلى الله عليه وسلم لتأخذوا مناسككم ))

Section V09/P043–V09/P046

1297 قوله ( أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمى على راحلته يوم النحر ويقول لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه ) فيه دلالة لما قاله الشافعي وموافقوه أنه يستحب لمن وصل منى راكبا أن يرمي جمرة العقبة يوم النحر راكبا ولو رماها ماشيا جاز وأما من وصلها ماشيا فيرميها ماشيا وهذا في يوم النحر وأما اليومان الأولان من أيام التشريق فالسنة أن يرمي فيهما جميع الجمرات ماشيا وفي اليوم الثالث يرمي راكبا وينفر هذا كله مذهب مالك والشافعي وغيرهما وقال أحمد واسحاق يستحب يوم النحر أن يرمي ماشيا قال بن المنذر وكان بن عمر وبن الزبير وسالم يرمون مشاة قال وأجمعوا على أن الرمي يجزيه على أي حال رماه اذا وقع في المرمى وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( لتأخذوا مناسككم ( فهذه اللام لام الأمر ومعناه خذوا مناسككم وهكذا وقع في رواية غير مسلم وتقديره هذه الأمور التي أتيت بها في حجتي من الأقوال والأفعال والهيئات هي أمور الحج وصفته وهي مناسككم فخذوها عني واقبلوها وحفظوها واعملوا بها وعلموها الناس وهذا الحديث أصل عظيم في مناسك الحج وهو نحو قوله صلى الله عليه وسلم في الصلاة صلوا كما رأيتموني أصلي وقوله صلى الله عليه وسلم ( لعلي لا أحج بعد حجتي هذه ) فيه اشارة إلى توديعهم واعلامهم بقرب وفاته صلى الله عليه وسلم وحثهم على الاعتناء بالأخذ عنه وانتهاز الفرصة من ملازمته وتعلم أمور الدين وبهذا سميت حجة الوداع والله أعلم 1298 قولها ( حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف وهو على راحلته ومعه بلال وأسامه أحدهما يقود به راحلته والآخر يرفع ثوبه على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشمس ) فيه جواز تسميتها حجة الوداع وقد سبق أن من الناس من أنكر ذلك وكرهه وهو غلط وسبق بيان ابطاله وفيه الرمى راكبا كما سبق وفيه جواز تظليل المحرم على رأسه بثوب وغيره وهو مذهبنا ومذهب جماهير العلماء سواء كان راكبا أو نازلا وقال مالك وأحمد لا يجوز وإن فعل لزمته الفدية وعن أحمد رواية أنه لافدية وأجمعوا على أنه لو قعد تحت خيمة أو سقف جاز ووافقونا على أنه اذا كان الزمان يسيرا في المحمل لافدية وكذا لو استظل بيده وقد يحتجون بحديث عبد الله بن عباس بن أبي ربيعة قال صحبت عمر بن الخطاب رضي الله عنه فما رأيته مضربا فسطاطا حتى رجع رواه الشافعي والبيهقي بإسناد حسن وعن بن عمر رضي الله عنه أنه أبصر رجلا على بعيره وهو محرم قد استظل بينه وبين الشمس فقال اضح لمن أحرمت له رواه البيهقي بإسناد صحيح وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من محرم يضحى للشمس حتى تغرب الا غربت بذنوبه حتى يعود كما ولدته أمه رواه البيهقي وضعفه واحتج الجمهور بحديث أم الحصين وهذا المذكور في مسلم ولأنه لا يسمى لبسا وأما حديث جابر فضعيف كما ذكرنا مع أنه ليس فيه نهي وكذا فعل عمر وقول بن عمر ليس فيه نهي ولو كان فحديث أم الحصين مقدم عليه والله أعلم قولها ( سمعته يقول أن أمر عليكم عبد مجدع حسبتها قالت أسود يقودكم بكتاب الله فاسمعوا وأطيعوا ) المجدع بفتح الجيم والدال المهملة المشددة والجدع القطع من أصل العضو ومقصودة التنبيه على نهاية خسته فإن العبد خسيس في العادة ثم سواده نقص آخر وجدعه نقص آخر وفي الحديث الآخر كأن رأسه زبيبة ومن هذه الصفات مجموعة فيه فهو في نهاية الخسة والعادة أن يكون ممتهنا في أرذل الأعمال فأمر صلى الله عليه وسلم بطاعة ولي الأمر ولو كان بهذه الخساسة ما دام يقودنا بكتاب الله تعالى قال العلماء معناه ما داموا متمسكين بالاسلام والدعاء إلى كتاب الله تعالى على أي حال كانوا في أنفسهم وأديانهم وأخلاقهم ولا يشق عليهم العصا بل اذا ظهرت منهم المنكرات وعظوا وذكروا فإن قيل كيف يؤمر بالسمع والطاعة للعبد مع أن شرط الخليفة كونه قرشيا فالجواب من وجهين أحدهما أن المراد بعض الولاة الذين يوليهم الخليفة ونوابه لا أن الخليفة يكون عبدا والثاني ان المراد لو قهر عبد مسلم واستولى بالقهر نفذت أحكامه ووجبت طاعته ولم يجز شق العصا عليه والله أعلم

Section V09/P046–V09/P048

1 ( باب استحباب كون حصى الجمار بقدر حصى الخذف ) 1299 قوله ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة بمثل حصى الخذف ) فيه دليل على استحباب كون الحصى في هذا القدر وهو كقدر حبة الباقلا ولو رمى بأكبر أو أصغر جاز مع الكراهة وقد سبقت المسألة مستوفاة قريبا في باب استحباب ادامة التلبية إلى رمى الجمرة 1 ( باب بيان وقت استحباب الرمى )) قوله ( رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمرة يوم النحر ضحى وأما بعد فإذا زالت الشمس ) المراد بيوم النحر جمرة العقبة فإنه لا يشرع فيه غيرها بالاجماع وأما أيام التشريق الثلاثة فيرمى كل يوم منها بعد الزوال وهذا المذكور في جمرة يوم النحر سنة باتفاقهم وعندنا يجوز تقديمه من نصف ليلة النحر وأما أيام التشريق فمذهبنا ومذهب مالك وأحمد وجماهير العلماء أنه لا يجوز الرمى في الأيام الثلاثة الا بعد الزوال لهذا الحديث الصحيح وقال طاوس وعطاء يجزئه في الأيام الثلاثة قبل الزوال وقال أبو حنيفة واسحاق بن راهويه يجوز في اليوم الثالث قبل الزوال دليلنا أنه صلى الله عليه وسلم رمى كما ذكرنا وقال صلى الله عليه وسلم لتأخذوا مناسككم واعلم أن رمى جمار أيام التشريق يشترط فيه الترتيب وهو أن يبدأ بالجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف ثم الوسطى ثم جمرة العقبة ويستحب أن يقف عقب رمى الأولى عندها مستقبل القبلة زمانا طويلا يدعو ويذكر الله ويقف كذلك عند الثانية ولا يقف عند الثالثة ثبت معنى ذلك في صحيح البخاري من رواية بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ويستحب هذا في كل يوم من الأيام الثلاثة والله أعلم ويستحب رفع اليدين في هذا الدعاء عندنا وبه قال جمهور العلماء وثبت في صحيح البخاري من رواية بن عمر في حديثه الذي قدمناه واختلف قول مالك في ذلك وأجمعوا على أنه لو ترك هذا الوقوف للدعاء فلا شيء عليه الا ما حكى عن الثوري أنه قال يطعم شيئا أو يهريق دما 1 ( باب بيان أن حصى الجمار سبع ) 1300 قوله صلى الله عليه وسلم ( الاستجمار تو ورمى الجمار تو والسعى بين الصفا والمروة تو والطواف تو وإذا استجمر أحدكم فليستجمر بتو ) التو بفتح التاء المثناة فوق وتشديد الواو وهو الوتر والمراد بالاستجمار الاستنجاء قال القاضي وقوله في آخر الحديث وإذا استجمر أحدكم فليستجمر بتو ليس للتكرار بل المراد بالأول الفعل وبالثاني عدد الاحجار والمراد بالتو في الجمار سبع سبع وفي الطواف سبع وفي السعي سبع وفي الاستنجاء ثلاث فإن لم يحصل الانقاء بثلاث وجبت الزيادة حتى ينقى فإن حصل الانقاء بوتر فلا زيادة وان حصل بشفع استحب زياده مسحه للايتار وفيه وجه أنه واجب قاله بعض أصحابنا وقال به جماعة من العلماء والمشهور الاستحباب والله أعلم 1 ( باب تفضيل الحلق على التقصير وجواز التقصير )

Section V09/P048–V09/P051

1301 قوله ( حلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلق طائفة من أصحابه وقصر بعضهم ) وذكر الأحاديث في دعائه صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاث مرات وللمقصرين مرة بعد ذلك هذا كله تصريح بجواز الاقتصار على أحد الأمرين ان شاء اقتصر على الحلق وإن شاء على التقصير وتصريح بتفضيل الحلق وقد أجمع العلماء على ان الحلق أفضل من التقصير وعلى ان التقصير يجزى الا ما حكاه بن المنذر عن الحسن البصري أنه كان يقول يلزمه الحلق في أول حجة ولا يجزئه التقصير وهذا ان صح عنه مردود بالنصوص وإجماع من قبله ومذهبنا المشهور ان الحلق أو التقصير نسك من مناسك الحج والعمرة وركن من أركانهما لا يحصل واحد منهما الا به وبهذا قال العلماء كافة وللشافعي قول شاذ ضعيف أنه استباحة محظور كالطيب واللباس وليس بنسك والصواب الأول وأقل ما يجزى من الحلق والتقصير عند الشافعي ثلاث شعرات وعند أبي حنيفة ربع الرأس وعند أبي يوسف نصف الرأس وعند مالك وأحمد أكثر الرأس وعن مالك رواية أنه كل الرأس وأجمعوا أن الأفضل حلق جميعه أو تقصير جميعه ويستحب أن لا ينقص في التقصير عن قدر الأنملة من أطراف الشعر فإن قصر دونها جاز لحصول اسم التقصير والمشروع في حق النساء التقصير ويكره لهن الحلق فلو حلقن حصل النسك ويقوم مقام الحلق والتقصير النتف والاحراق والقص وغير ذلك من أنواع ازالة الشعر واعلم أن قوله حلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وطائفة من أصحابه وقصر بعضهم ودعاؤه صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثا ثم للمقصرين مرة كل هذا كان فى حجة الوداع هذا هو الصحيح المشهور وحكى القاضي عياض عن بعضهم أن هذا كان يوم الحديبية حين أمرهم بالحلق فما فعله أحد لطمعهم بدخول مكة فى ذلك الوقت وذكر عن بن عباس رضى الله عنهما قال حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم ارحم المحلقين ثلاثا قيل يا رسول الله ما بال المحلقين ظاهرت لهم بالترحم قال لأنهم لم يشكوا قال بن عبدالبر وكونه فى الحديبية هو المحفوظ قال القاضي قد ذكر مسلم فى الباب خلاف ما قالوه وإن كانت أحاديثه جاءت مجملة غير مفسرة موطن ذلك لأنه ذكر من رواية بن أبى شيبة ووكيع فى حديث يحيى بن الحصين عن جدته أنها سمعت النبى صلى الله عليه وسلم دعا فى حجة الوداع للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة واحدة إلا أن وكيعا لم يذكر حجة الوداع وقد ذكر مسلم قبل هذا فى رمى جمرة العقبة يوم النحر حديث يحيى بن الحصين عن جدته هذه أم الحصين قالت حججت مع النبى صلى الله عليه وسلم حجة الوداع وقد جاء الأمر في حديثها مفسرا أنه في حجة الوداع فلا يبعد أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله فى الموضعين ووجه فضيلة الحلق على التقصير أنه أبلغ فى العبادة وأدل على صدق النية فى التذلل لله تعالى ولأن المقصر مبق على نفسه الشعر الذى هو زينة والحاج مأمور بترك الزينة بل هو أشعث أغبر والله أعلم واتفق العلماء على أن الأفضل فى الحلق والتقصير أن يكون بعد رمى جمرة العقبة وبعد ذبح الهدى ان كان معه وقبل طواف الافاضة وسواء كان قارنا أو مفردا وقال بن الجهم المالكى لا يحلق القارن حتى يطوف ويسعى وهذا باطل مردود بالنصوص واجماع من قبله وقد ثبتت الأحاديث بأن النبى صلى الله عليه وسلم حلق قبل طواف الافاضة وقد قدمنا أنه صلى الله عليه وسلم كان قارنا فى آخر أمره ولو لبد المحرم رأسه فالصحيح المشهور من مذهبنا أنه يستحب له حلقه فى وقت الحلق ولا يلزمه ذلك وقال جمهور العلماء يلزمه حلقه ( فصل )

Section V09/P051–V09/P053

قدمنا فى الفصول السابقة فى مقدمة هذا الشرح ان إبراهيم بن سفيان صاحب مسلم فاته من سماع هذا الكتاب من مسلم ثلاثة مواضع أولها فى كتاب الحج وهذا موضعه وقد سبق التنبيه على أوله وآخره هناك وأن إبراهيم يقول من هنا عن مسلم ولا يقول أخبرنا كما يقول فى باقى الكتاب وأول هذا قول الجلودى حدثنا إبراهيم عن مسلم حدثنا بن نمير حدثنا أبى حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رحم الله المحلقين قالوا والمقصرين يا رسول الله إلى آخره 1 ( باب بيان أن السنة يوم النحر أن يرمى ثم ينحر ثم يحلق ( والابتداء فى الحلق بالجانب الأيمن من رأس المحلوق )) 1305 قوله ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى منى فأتى الجمرة فرماها ثم أتى منزله بمنى ونحر ثم قال للحلقا خذ وأشار إلى جانبه الايمن ثم الأيسر ثم جعل يعطيه الناس ) هذا الحديث فيه فوائد ) كثيرة منها بيان السنة في أعمال الحج يوم النحر بعد الدفع من مزدلفة وهي أربعة أعمال رمى جمرة العقبة ثم نحر الهدى أو ذبحه ثم الحلق أو التقصير ثم دخوله إلى مكة فيطوف طواف الافاضة ويسعى بعده ان لم يكن سعى بعد طواف القدوم فإن كان سعى بعده كرهت اعادته والسنة في هذه الآعمال الأربعة أن تكون مرتبة كما ذكرنا لهذا الحديث الصحيح فإن خالف ترتيبها فقد مؤخرا أو أخر مقدما جاز للاحاديث الصحيحة التي ذكرها مسلم بعد هذا افعل ولا خرج ومنها أنه يستحب اذا قدم منى أن لا يعرج على شيء قبل الرمى بل يأتي الجمرة راكبا كما هو فيرميها ثم يذهب فينزل حيث شاء من منى ومنها استحباب نحر الهدى وأنه يكون بمنى ويجوز حيث شاء من بقاع الحرم ومنها أن الحلق نسك وأنه أفضل من التقصير وأنه يستحب فيه البداءة بالجانب الأيمن من رأس المحلوق وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور وقال أبوحنيفة يبدأ بجانبه الأيسر ومنها طهارة شعر الآدمى وهو الصحيح من مذهبنا وبه قال جماهير العلماء ومنها التبرك بشعر صلى الله عليه وسلم وجواز اقتنائه للتبرك ومنها مواساة الامام والكبيربين أصحابه وأتباعه فيما يفرقه عليهم من عطاء وهدية ونحوها والله أعلم واختلفوا في اسم هذا الرجل الذي حلق رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فالصحيح المشهور أنه معمر بن عبد الله العدوى وفي صحيح البخاري قال زعموا أنه معمر بن عبد الله وقيل اسمه خراش بن أمية بن ربيعة الكلبي بضم الكاف منسوب إلى كليب بن حبشية والله أعلم 1 ( باب جواز تقديم الذبح على الرمى والحلق على الذبح وعلى الرمى( وتقديم الطواف عليها كلها ) )

Section V09/P053–V09/P057

1306 قوله ( يا رسول الله لم أشعر فحلقت قبل ان أنحر فقال اذبح ولا حرج ثم جاءه رجل آخر فقال يا رسول الله لم أشعر فنحرت قبل أن أرمى فقال ارم ولا حرج فما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء قدم ولا أخر الا قال افعل ولا حرج ) وفي رواية فما سمعته سئل يؤمئذ عن أمر مما ينسى المرء ويجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعض وأشباهها الا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم افعلوا ذلك ولا حرج وفي رواية حلقت قبل أن أرمى قال ارم ولا حرج وفي رواية قيل له في الذبح والحلق والرمى والتقديم والتأخير فقال لا حرج قد سبق في الباب قبله أن أفعال يوم النحر أربعة رمى جمرة العقبة ثم الذبح ثم الحلق ثم طواف الافاضة وأن السنة ترتيبها هكذا فلو خالف وقدم بعضها على بعض جاز ولا فدية عليه لهذه الأحاديث وبهذا قال جماعة من السلف وهو مذهبنا وللشافعي قول ضعيف أنه اذا قدم الحلق على الرمى والطواف لزمه الدم بناء على قوله الضعيف أن الحلق ليس بنسك وبهذا القول هنا قال أبو حنيفة ومالك وعن سعيد بن جبير والحسن البصري والنخعى وقتادة ورواية شاذة عن بن عباس أنه من قدم بعضها على بعض لزمه دم وهم محجوجون بهذه الاحاديث فإن تأولوها على أن المراد نفى الاثم وادعوا أن تأخير بيان الدم يجوز قلنا ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم لا حرج أنه لا شيء عليك مطلقا وقد صرح في بعضها بتقديم الحلق على الرمى كما قدمناه وأجمعوا على أنه لو نحر قبل الرمى لا شيء عليه واتفقوا على أنه لا فرق بين العامد والساهي في ذلك في وجوب الفدية وعدمها وإنما يختلفان في الاثم عند من يمنع التقديم والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم اذبح ولا حرج ارم ولا حرج معناه افعل ما بقى عليك وقد أجزأك ما فعلته ولا حرج عليك في التقديم والتأخير قوله ( وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته فطفق ناس يسألونه ) هذا دليل لجواز القعود على الراحلة للحاجة قوله ( فما سئل الله صلى الله عليه وسلم عن شيء قدم أو أخر ) يعنى من هذه الأمور الأربعة قوله ( أن النبي صلى الله عليه وسلم بينا هو يخطب يوم النحر فقام إليه رجل ) وفي رواية وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه فجاء رجل وفي رواية وقف على راحلته فطفق ناس يسألونه وفي رواية وهو واقف عند الجمرة قال القاضي عياض قال بعضهم الجمع بين هذه الروايات أنه موقف واحد ومعنى خطب علمهم قال القاضي ويحتمل أن ذلك في موضعين أحدهما وقف على راحلته عند الجمرة ولم يقل في هذا خطب وإنما فيه أنه وقف وسئل والثاني بعد صلاة الظهر يوم النحر وقف للخطبة فخطب وهي احدى خطب الحج المشروعة يعلمهم فيما ما بين أيديهم من المناسك هذا كلام القاضي وهذا الاحتمال الثاني هو الصواب وخطب الحج المشروعة عندنا اربع أولها بمكة عند الكعبة في اليوم السابع من ذي الحجة والثانية بنمرة يوم عرفة والثالثة بمنى يوم النحر والرابعة بمنى في الثاني من أيام التشريق وكلها خطبة فردة وبعد صلاة الظهر الا التي بنمرة فإنها خطبتان وقبل صلاة الظهر وبعد الزوال وقد ذكرت أدلتها كلها من الأحاديث الصحيحة في شرح المهذب والله أعلم 1 ( باب استحباب طواف الافاضة يوم النحر )

Questions