Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Minhâc (Müslim şerhi)

Section V09/P057–V09/P061

1308 قوله ( ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى ) هكذا صح هذا من رواية بن عمر رضي الله عنه وقد سبق في باب صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جابر الطويل أنه صلى الله عليه وسلم أفاض إلى البيت يوم النحر فصلى بمكة الظهر وذكرنا هناك الجمع بين الروايات والله أعلم وفي هذا الحديث إثبات طواف الافاضة وأنه يستحب فعله يوم النحر وأول النهار وقد أجمع العلماء على أن هذا الطواف وهو طواف الافاضة ركن من أركان الحج لا يصح الحج الا به واتفقوا على أنه يستحب فعله يوم النحر بعد الرمى والنحر والحلق فإن اخره عنه وفعله في أيام التشريق أجزأه ولا دم عليه بالاجماع فان أخره إلى ما بعد أيام التشريق وأتى به بعدها أجزأه ولا شيء عليه عندنا وبه قال جمهور العلماء وقال مالك وأبو حنيفة إذا تطاول لزمه معه دم والله أعلم 1 ( باب استحباب نزول المحصب يوم النفر( وصلاة الظهر وما بعدها به ) ) ذكر مسلم في هذا الباب الأحاديث في نزول النبي صلى الله عليه وسلم بالأبطح يوم النفر وهو المحصب وأن أبا بكر وعمر وبن عمر والخلفاء رضي الله عنهم كانوا يفعلونه وأن عائشة وبن عباس كانا لا ينزلان به ويقولان هو منزل اتفاقي لا مقصود فحصل خلاف بين الصحابة رضي الله عنهم ومذهب الشافعي ومالك والجمهور واستحبابه اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين وغيرهم وأجمعوا على أن من تركه لا شيء عليه ويستحب أن يصلى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء ويبيت به بعض الليل أو كله اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم والمحصب بفتح الحاء والصاد المهملتين والحصبة بفتح الحاء وإسكان الصاد والأبطح والبطحاء وخيف بنى كنانة اسم لشيء واحد وأصل الخيف كلما انحدر عن الجبل وارتفع عن الميل قوله ( يوم الترويه ) هو الثامن من ذي الحجة وسبق بيانه مرات 1311 قوله ( أسمح لخروجه ) أي أسهل لخروجه راجعا إلى المدينة 1313 قوله ( حدثنا قتيبه وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب جميعا عن بن عيينة قال زهير حدثنا سفيان بن عيينه عن صالح بن كيسان عن سليمان بن يسار ثم قال قال أبو بكر في رواية صالح قال سمعت سليمان بن يسار ) كذا هو في معظم النسخ ومعناه أن الرواية الأولى وهي رواية قتيبة وزهير قالا فيها عن بن عيينه عن صالح عن سليمان وأما رواية أبي بكر ففيها عن بن عيينة عن صالح قال سمعت سليمان وهذه الرواية أكمل من رواية عن لان السماع يحتج به بالاجماع وفي العنعنة خلاف ضعيف وإن كان قائلها غير مدلس وقد سبقت المسألة ووقع في بعض النسخ قال أبو بكر في رواية صالح وفي بعضها قال أبو بكر في رواية عن صالح قال سمعت سليمان والصواب الرواية الأولى وكذا نقلها القاضي عن رواية الجمهور وقال هي الصواب قوله ( وكان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم ) هو بفتح الثاء والقاف وهو متاع المسافر وما يحمله على دوابه ومنه قوله تعالى وتحمل أثقالكم 1314 قوله صلى الله عليه وسلم ( ننزل إن شاء الله غدا بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر ) اما الخيف فسبق بيانه وضبطه وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم إن شاء الله امتثالا لقوله تعالى ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ومعنى تقاسموا على الكفر تحالفوا وتعاهدوا عليه وهو تحالفهم على إخراج النبي صلى الله عليه وسلم وبنى هاشم وبنى المطلب من مكة إلى هذا الشعب وهو خيف بني كنانة وكتبوا بينهم الصحيفة المشهورة وكتبوا فيها أنواعا من الباطل وقطيعة الرحم والكفر فأرسل الله تعالى عليها الأرضة فأكلت كل ما فيها من كفر وقطيعة رحم وباطل وتركت ما فيها من ذكر الله تعالى فأخبر جبريل النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فأخبر به النبي صلى الله عليه وسلم عمه أبا طالب فجاء اليهم أبو طالب فأخبرهم عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فوجدوه كما أخبر والقصة مشهورة قال بعض العلماء وكان نزوله صلى الله عليه وسلم هنا شكرا لله تعالى على الظهور بعد الاختفاء وعلى اظهار دين الله تعالى والله أعلم

Section V09/P061–V09/P063

1 ( باب وجوب المبيت بمنى ليالي أيام التشريق ( والترخيص في تركه لأهل السقاية )) 1315 قوله ( وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا بن نمير وأبو أسامة قالا حدثنا عبد الله عن نافع ) هكذا هو في معظم النسخ ببلادنا أو كلها ووقع في بعض نسخ المغاربة وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا زهير وأبو أسامة فجعل زهير أبدل بن نمير قال أبو علي الغساني والقاضي وقع في رواية بن ماهان عن بن سفيان عن مسلم قال ووقع في رواية أبي أحمد الجلودي عن بن سفيان عن زهير قالا وهذا وهم والصواب بن نمير قالا وكذا أخرجه أبو بكر بن أبي شيبه في مسنده هذا كلامهما وإنما ذكر خلف الواسطى في كتابه الأطراف حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا بن نمير وأبو أسامة ولم يذكر زهيرا قوله ( استأذن العباس رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له ) هذا يدل المسئلتين احداهما أن المبيت بمنى ليالي أيام التشريق مأمور به وهذا متفق عليه لكن اختلفوا هل هو واجب أم سنة وللشافعي فيه قولان أصحهما واجب وبه قال مالك وأحمد والثاني سنة وبه قال بن عباس والحسن وأبو حنيفة فمن أوجبه أوجب الدم في تركه وإن قلنا سنة لم يجب الدم بتركه لكن يستحب وفي قدر الواجب من هذا المبيت قولان للشافعي أصحهما الواجب معظم الليل والثاني ساعة المسألة الثانية يجوز لأهل السقاية أن يتركوا هذا المبيت ويذهبوا إلى مكة ليستقوا بالليل الماء من زمزم ويجعلوه في الحياض مسبلا للشاربين وغيرهم ولا يختص ذلك عند الشافعي بآل العباس رضي الله عنه بل كل من تولى السقاية كان له هذا وكذا لو أحدثت سقاية اخرى كان للقائم بشأنها ترك المبيت هذا هو الصحيح وقال بعض أصحابنا تختص الرخصة بسقاية العباس وقال بعضهم تختص بآل عباس وقال بعضهم تختص ببني هاشم من آل العباس وغيرهم فهذه أربعة أوجه لأصحابنا أصحهما الأول والله أعلم وأعلم أن سقاية العباس حق لآل العباس كانت للعباس في الجاهلية وأقرها النبي صلى الله عليه وسلم له فهي لآل العباس أبدا 1 ( باب فضل القيام بالسقاية والثناء على أهلها ( واستحباب الشرب منها )) 1316 قوله ( قدم النبي صلى الله عليه وسلم على راحلته وخلفه أسامة فاستسقى فأتيناه بإناء من نبيذ فشرب وسقى فضله أسامة وقال أحسنتم وأجملتم كذا فاصنعوا ) هذا الحديث فيه دليل للمسائل التي ترجمت عليها وقد اتفق أصحابنا على أنه يستحب أن يشرب الحاج وغيره من نبيذ سقاية العباس لهذا الحديث وهذا النبيذ ماء محلى بزبيب أو غيره بحيث يطيب طعمه ولا يكون مسكرا فأما اذا طال زمنه وصار مسكرا فهو حرام وقوله صلى الله عليه وسلم ( أحسنتم وأجملتم ) معناه فعلتم الحسن الجميل فيؤخذ منه استحباب الثناء على أصحاب السقاية وكل صانع جميل والله أعلم 1 ( باب الصدقة بلحوم الهدايا وجلودها وجلالها ( ولا يعطى الجزار منها شيئا وجواز الاستنابة في القيام عليها ) )

Section V09/P063–V09/P065

1317 قوله ( عن علي رضي الله عنه قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنه وأن أتصدق بلحومها وجلودها وأجلتها وأن لا أعطى الجزار منها شيئا وقال نحن نعطيه من عندنا قال أهل اللغة سميت البدنه لعظمها ويطلق على الذكر والأنثى ويطلق على الابل والبقر والغنم هذا قول أكثر أهل اللغة ولكن معظم استعمالها في الأحاديث وكتب الفقه في الابل خاصة وفي هذا الحديث فوائد كثيرة منها استحباب سوق الهدى وجواز النيابة في نحره والقيام عليه وتفرقته وأنه يتصدق بلحومها وجلودها وجلالها وأنها تجلل واستحبوا أن يكون جلا حسنا وأن لا يعطى الجزار منها لأن عطيته عوض عن عمله فيكون في معنى بيع جزء منها وذلك لا يجوز وفيه جواز الاستئجار على النحر ونحوه ومذهبنا أنه لا يجوز بيع جلد الهدى ولا الأضحية ولا شيء من أجزائهما لأنها لاينتفع بها في البيت ولا بغيره سواء كانا تطوعا أو واجبتين لكن ان كانا تطوعا فله الانتفاع بالجلد وغيره باللبس وغيره ولا يجوز اعطاء الجزار منها شيئا بسبب جزارته هذا مذهبنا وبه قال عطاء والنخعي ومالك وأحمد واسحق وحكى بن المنذر عن بن عمر وأحمد واسحق أنه لا بأس ببيع جلد هديه ويتصدق بثمنه قال ورخص في بيعه أبو ثور وقال النخعي والأوزاعي لا بأس أن يشتري به الغربال والمنخل والفأس والميزان ونحوها وقال الحسن البصري يجوز أن يعطى الجزار جلدها وهذا منابذ للسنة والله أعلم قال القاضي التجليل سنة وهو عند العلماء مختص بالإبل وهو مما اشتهر من عمل السلف قال وممن رآه مالك والشافعي وأبو ثور واسحاق قالوا ويكون بعد الاشعار لئلا يتلطخ بالدم قالوا ويستحب أن تكون قيمتها ونفاستها بحسب حال المهدى وكان بعض السلف يجلل بالوشى وبعضهم بالحبرة وبعضهم بالقباطي والملاحف والأزر قال مالك وتشق على الأسنمة أن كانت قليلة الثمن لئلا تسقط قال مالك وما علمت من ترك ذلك الا بن عمر استبقاء للثياب لأنه كان يجلل الجلال المرتفعة من الانماط والبرود والحبر قال وكان لا يجلل حتى يغدو من منى إلى عرفات قال وروى عنه أنه كان يجلل من ذي الحليفة وكان يعقد أطراف الجلال على أذنابها فإذا مشى ليلة نزعها فإذا كان يوم عرفة جللها فإذا كان عند النحر نزعها لئلا يصيبها الدم قال مالك أما الجل فينزع في الليل لئلا يخرقها الشوك قال واستحب أن كانت الجلال مرتفعة أن يترك شقها وأن لا يجللها حتى يغدو إلى عرفات فإن كانت بثمن يسير فمن حين يحرم يشق ويجلل قال القاضي وفي شق الجلال على الأسنمة فائدة أخرى وهي اظهار الاشعار لئلا يستتر تحتها وفي هذا الحديث الصدقة بالجلال وهكذا قاله العلماء وكان بن عمر أولا يكسوها الكعبة فلما كسيت الكعبة تصدق بها والله أعلم 1 ( باب جواز الاشتراك في الهدى وأجزاء البدنة والبقرة ( كل واحدة منهما عن سبعة ))

Section V09/P065–V09/P069

1318 قوله ( عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة ) وفي الرواية الأخرى خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلين بالحج فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الابل والبقر كل سبعة منا في بدنه وفي الرواية الاخرى اشتركنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحج والعمرة كل سبعة في بدنة في هذه الاحاديث دلالة لجواز الاشتراك في الهدى وفي المسألة خلاف بين العلماء فمذهب الشافعي جواز الاشتراك في الهدى سواء كان تطوعا أو واجبا وسواء كانوا كلهم متقربين أو بعضهم يريد القربة وبعضهم يريد اللحم ودليله هذه الأحاديث وبهذا قال أحمد وجمهور العلماء وقال داود وبعض المالكية يجوز الاشتراك في هدى التطوع دون الواجب وقال مالك لا يجوز مطلقا وقال أبو حنيفة يجوز ان كانوا كلهم متقربين والا فلا وأجمعوا على أن الشاة لا يجوز الاشتراك فيها وفي هذه الاحاديث أن البدنة تجزى عن سبعة والبقرة عن سبعة وتقوم كل واحدة مقام سبع شياه حتى لو كان على المحرم سبعة دماء بغير جزاء الصيد وذبح عنها بدنة أو بقرة أجزأه عن الجميع قوله ( فقال رجل لجابر أيشترك في البدنة ما يشترك في الجزور قال ما هي الا من البدن ) قال العلماء الجزور بفتح الجيم وهي البعير قال القاضي وفرق هنا بين البدنة والجزور لأن البدنة والهدى ما ابتدي اهداؤه عند الاحرام والجزور ما اشترى بعد ذلك لينحر مكانها فتوهم السائل أن هذا أحق في الاشتراك فقال في جوابه الجزور لما اشتريت للنسك صار حكمها كالبدن وقوله ( ما يشترك في الجزور ) هكذا في النسخ ما يشترك وهو صحيح ويكون ما بمعنى من وقد جاز ذلك في القرآن وغيره ويجوز أن تكون مصدرية أي اشتراكا كالاشتراك في الجزور قوله ( فأمرنا اذا حللنا أن نهدى ويجتمع النفر منا في الهدية وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم ) في هذا فوائد منها وجوب الهدى على المتمتع وجواز الاشتراك في البدنة الواجبة لان دم التمتع واجب وهذا الحديث صريح في الاشتراك في الواجب خلاف ما قاله مالك كما قدمناه عنه قريبا وفيه دليل لجواز ذبح هدى التمتع بعد التحلل من العمرة وقبل الاحرام بالحج وفي المسألة خلاف وتفصيل فمذهبنا أن دم التمتع انما يجب اذا فرغ من العمرة ثم أحرم بالحج فباحرام الحج يجب الدم وفي وقت جوازه ثلاثة أوجه الصحيح الذي عليه الجمهور أنه يجوز بعد فراغ العمرة وقبل الاحرام بالحج والثاني لا يجوز حتى يحرم بالحج والثالث يجوز بعد الاحرام بالعمرة والله أعلم قوله ( عن جابر بن عبد الله قال كنا نتمتع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة فنذبح البقرة عن سبعة ) هذا فيه دليل للمذهب الصحيح عند الاصوليين أن لفظ كان لا يقتضي التكرار لأن احرامهم بالتمتع بالعمرة إلى الحج مع النبي صلى الله عليه وسلم انما وجد مرة واحدة وهي حجة الوداع والله سبحانه وتعالى أعلم 1 ( باب استحباب نحر الابل قياما معقولة ) 1320 قوله ( ابعثها قياما مقيدة سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم ) أي المقيدة المعقولة فيستحب نحر الابل وهي قائمة معقولة اليد اليسرى صح في سنن أبي داود عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى قائمة على ما بقى من قوائمها اسناده على شرط مسلم أما البقر والغنم فيستحب أن تذبح مضجعة على جنبها الايسر وتترك رجلها اليمنى وتشد قوائمها الثلاث وهذا الذي ذكرنا من استحباب نحرها قياما معقولة هو مذهب الشافعي ومالك وأحمد والجمهور وقال أبو حنيفة والثورى يستوى نحرها قائمة وباركة في الفضيلة وحكى القاضي عن طاوس أن نحرها باركة أفضل وهذا مخالف للسنة والله أعلم

Section V09/P069–V09/P072

1 ( باب استحباب بعث الهدى إلى الحرم لمن لا يريد الذهاب بنفسه ( واستحباب تقليده وفتل القلائد وأن باعثه لا يصير محرما ) ( ولا يحرم عليه شيء بسبب ذلك )) 1321 قولها ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهدى من المدينة فأفتل قلائد هديه ثم لا يجتنب شيئا مما يجتنب المحرم ) فيه دليل على استحباب الهدى إلى الحرم وأن من لم يذهب إليه يستحب له بعثه مع غيره واستحباب تقليده وإشعاره كما جاء في الرواية الأخرى بعد هذه وقد سبق ذكر الخلاف بين العلماء في الاشعار ومذهبنا ومذهب الجمهور استحباب الاشعار والتقليد في الابل والبقر وأما الغنم فيستحب فيها التقليد وحده وفيه استحباب فتل القلائد وفيه أن من بعث هديه لا يصير محرما ولا يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم وهذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة الا حكاية رويت عن بن عباس وبن عمر وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وحكاها الخطابي عن أهل الرأي أيضا أنه اذا فعله لزمه اجتناب ما يجتنبه المحرم ولا يصير محرما من غير نية الاحرام والصحيح ما قاله الجمهور لهذه الأحاديث الصحيحة قولها ( فتلت قلائد بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي ثم أشعرها وقلدها ثم بعث بها إلى البيت وأقام بالمدينة فما حرم عليه شيء كان له حلالا ) فيه دليل على استحباب الجمع بين الاشعار والتقليد في البدن وكذلك البقر وفيه أنه اذا أرسل هدية أشعره وقلده من بلده ولو أخذه معه أخر التقليد والاشعار إلى حين يحرم من الميقات أو من غيره قولها ( أنا فتلت تلك القلائد من عهن ) هو الصوف وقيل الصوف المصبوغ ألوانا قولها ( أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة إلى البيت غنما فقلدها ) فيه دلالة لمذهبنا ومذهب الكثيرين أنه يستحب تقليد الغنم وقال مالك وأبو حنيفة لا يستحب بل خصا التقليد بالابل والبقر وهذا الحديث صريح في الدلالة عليهما قوله ( حدثنا محمد بن جحاده ) هو بجيم مضمومة ثم حاء مهملة مخففة قوله ( عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها أخبرته ان بن زياد كتب إلى عائشة أن عبد الله بن عباس قال من أهدى هديا حرم عليه ما يحرم على الحاج ) هكذا وقع في جميع نسخ صحيح مسلم أن بن زياد قال أبو على الغساني والمازري والقاضي وجميع المتكلمين على صحيح مسلم هذا غلط وصوابه أن زياد بن أبي سفيان وهو المعروف بزياد بن أبيه وهكذا وقع على الصواب في صحيح البخاري والموطأ وسنن أبي داود وغيرها من الكتب المعتمدة ولأن بن زياد لم يدرك عائشة والله أعلم 1 ( باب جواز ركوب البدنة المهداة لمن احتاج اليها )

Section V09/P072–V09/P074

قوله ( ان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة فقال اركبها قال يا رسول الله انها بدنة قال اركبها ويلك في الثانية أو في الثالثة ) وفي الرواية الأخرى ويلك اركبها ويلك اركبها وفي رواية جابر اركبها بالمعروف اذا ألجئت اليها حتى تجد ظهرا هذا دليل على ركوب البدنة المهداة وفيه مذاهب مذهب الشافعي أنه يركبها اذا احتاج ولا يركبها من غير حاجة وانما يركبها بالمعروف من غير اضرار وبهذا قال بن المنذر وجماعة وهو رواية عن مالك وقال عروة بن الزبير ومالك في الرواية الأخرى وأحمد واسحاق له ركوبها من غير حاجة بحيث لا يضرها وبه قال أهل الظاهر وقال أبو حنيفة لا يركبها إلا أن لا يجد منه بدا وحكى القاضي عن بعض العلماء أنه أوجب ركوبها المطلق لأمر ولمخالفة ما كانت الجاهلية عليه من اكرام البحيرة والسائبة والوصيلة والحامى واهمالها بلا ركوب دليل الجمهور أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى ولم يركب هديه ولم يأمر الناس بركوب الهدايا ودليلنا على عروة وموافقيه رواية جابر المذكورة والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( ويلك اركبها ) فهذه الكلمة أصلها لمن وقع في هلكة فقيل لأنه كان محتاجا قد وقع في تعب وجهد وقيل هي كلمة تجرى على اللسان وتستعمل من غير قصد إلى ما وضعت له أولا بل تدعم بها العرب كلامها كقولهم لا أم له لا أب له تربت يداه قاتله الله ما أشجعه وعقرى حلقى وما أشبه ذلك وقد سبقت هذه اللفظة مستوفاة في كتاب الطهارة في تربت يداك قوله ( حدثنا هشيم قال أخبرنا حميد عن ثابت عن أنس قال وأظنني قد سمعته من أنس ) القائل وأظنني قد سمعته من أنس هو حميد ووقع في أكثر النسخ وأظننى بنونين وفي بعضها وأظنى بنون واحدة وهي لغة قوله ( قال انها بدنه أو هدية فقال وان ) هكذا هو في جميع النسخ وإن فقط أي وإن كانت بدنة والله أعلم 1 ( باب ما يفعل بالهدى اذا عطب في الطريق )

Section V09/P074–V09/P077

1325 قوله ( عن أبي التياح الضبعى ) التياح بمثناة فوق ثم مثناة تحت وبحاء مهملة والضبعى بضاد معجمة مضمومة وباء موحدة مفتوحة اسمه يزيد بن حميد البصرى منسوب إلى بني ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أقصى بن رعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان قال السمعاني نزل أكثر هذه القبيلة البصرة وكانت بها محلة تنسب اليهم قوله ( وانطلق ببدنة يسوقها فأزحفت عليه ) هو بفتح الهمزة وإسكان الزاي وفتح الحاء المهملة هذا رواية المحدثين لا خلاف بينهم فيه قال الخطابي كذا يقوله المحدثون قال وصوابه والأجود فأزحفت بضم الهمزة يقال زحف البعير اذا قام وأزحفه وقال الهروى وغيره يقال أزحف البعير وأزحفه السير بالألف فيهما وكذا قال الجوهري وغيره يقال زحف البعير وأزحف لغتان وأزحفه السير وأزحف الرجل وقف بعيره فحصل أن انكار الخطابى ليس بمقبول بل الجميع جائز ومعنى أزحف وقف من الكلال والاعياء قوله ( فعي بشأنها أن هي أبدعت كيف يأتي بها ) أما قوله فعيى فذكر صاحب المشارق والمطالع أنه روى على ثلاثة أوجه أحدها وهي رواية الجمهور فعي بياءين من الاعياء وهو العجز ومعناه عجز عن معرفة حكمها لو عطبت عليه في الطريق كيف يعمل بها والوجه الثاني فعي بياء واحدة مشددة وهي لغة بمعنى الأولى والوجه الثالث فعنى بضم العين وكسر النون من العناية بالشيء والاهتمام به وأما قوله أبدعت فبضم الهمزة وكسر الدال وفتح العين واسكان التاء ومعناه كلت وأعيت ووقفت قال أبو عبيد قال بعض الاعراب لا يكون الابداع الا بظلع وأما قوله ( كيف يأتى لها ) ففي بعض الأصول لها وفي بعضها بها وكلاهما صحيح قوله ( لئن قدمت البلد لأستحفين عن ذلك ) وقع في معظم النسخ قدمت البلد وفي بعضها قدمت الليلة وكلاهما صحيح وفي بعض النسخ عن ذلك وفي بعضها عن ذاك بغير لام وقوله لاستحفين بالحاء المهملة وبالفاء ومعناه لأسألن سؤالا بليغا عن ذلك يقال أحفى في المسألة اذا ألح فيها وأكثر منها قوله ( فأضحيت ) هو بالضاد المعجمة وبعد الحاء ياء مثناة تحت قال صاحب المطالع معناه صرت في وقت الضحى قوله أن بن عباس حين سألوه ( قال على الخبير سقطت ) فيه دليل لجواز ذكر الانسان بعض ممادحته للحاجة وإنما ذكر بن عباس ذلك ترغيبا للسامع في الاعتناء بخبره وحثا له على الاستماع له وأنه علم محقق قوله ( يا رسول الله كيف أصنع بما أبدع على منها قال انحرها ثم اصبغ نعليها في دمها ثم اجعله على صفحتها ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك ) فيه فوائد منها أنه اذا عطب الهدى وجب ذبحه وتخليته للمساكين ويحرم الأكل منها عليه وعلى رفقته الذين معه في الركب سواء كان الرفيق مخالطا له أو في جملة الناس من غير مخالطة والسبب في نهيهم قطع الذريعة لئلا يتوصل بعض الناس إلى نحره أو تعييبه قبل أوانه واختلف العلماء في الأكل من الهدى اذا عطب فنحره فقال الشافعي ان كان هدى تطوع كان له أن يفعل فيه ما شاء من بيع وذبح وأكل واطعام وغير ذلك وله تركه ولا شيء عليه في كل ذلك لأنه ملكه وإن كان هديا منذورا لزمه ذبحه فإن تركه حتى هلك لزمه ضمانه كما لو فرط في حفظ الوديعة حتى تلفت فإذا ذبحه غمس نعله التي قلده اياها في دمه وضرب بها صفحة سنامه وتركه موضعه ليعلم من مر به أنه هدى فيأكله ولا يجوز للمهدى ولا لسائق هذا الهدى وقائده الأكل منه ولا يجوز للأغنياء الأكل منه مطلقا لأن الهدى مستحق للمساكين فلا يجوز لغيرهم ويجوز للفقراء من غير أهل هذه الرفقة ولا يجوز لفقراء الرفقة وفي المراد بالرفقة وجهان لأصحابنا أحدهما أنهم الذين يخالطون المهدى في الأكل وغيره دون باقي القافلة والثاني وهو الأصح وهو الذي يقتضيه ظاهر الحديث وظاهر نص الشافعي وكلام جمهور أصحابنا أن المراد بالرفقة جميع القافلة لأن السبب الذي منعت به الرفقة هو خوف تعطيبهم إياه وهذا موجود في جميع القافلة فإن قيل إذا لم تجوزوا لأهل القافلة أكله وترك في البرية كان طعمة للسباع وهذا إضاعة مال قلنا ليس فيه إضاعة بل العادة الغالبة أن سكان البوادي وغيرهم يتبعون منازل الحج لالتقاط ساقطة ونحوه وقد تأتى قافلة في اثر قافلة والله أعلم والرفقة بضم الراء وكسرها لغتان مشهورتان قوله في حديث بن عباس رضي الله عنه ( بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بست عشرة بدنه ) وفي الرواية الأخرى بثمان عشرة بدنة يجوز أنهما قضيتان ويجوز أن تكون قضية واحدة والمراد ثمان عشرة وليس في قوله ست عشرة نفى الزيادة لأنه مفهوم عدد ولا عمل عليه والله أعلم

Section V09/P077–V09/P081

1 ( باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض ) 1327 قوله صلى الله عليه وسلم ( لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت ) فيه دلالة لمن قال بوجوب طواف الوداع وأنه إذا تركه لزمه دم وهو الصحيح في مذهبنا وبه قال أكثر العلماء منهم الحسن البصري والحكم وحماد والثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور وقال مالك وداود وبن المنذر هو سنة لا شيء في تركه وعن مجاهد روايتان كالمذهبين 1328 قوله ( أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض ) هذا دليل لوجوب طواف الوداع على غير الحائض وسقوطه عنها ولا يلزمها دم بتركه هذا مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد والعلماء كافة إلا ما حكاه بن المنذر عن عمر وبن عمر وزيد بن ثابت رضي الله عنهم أنهم أمروها بالمقام لطواف الوداع دليل الجمهور هذا الحديث وحديث صفية المذكور بعده قوله ( فقال بن عباس اما لا فسل فلانة الأنصارية ) هو بكسر الهمزة وفتح اللام وبالإمالة الخفيفة هذا هو الصواب المشهور وقال القاضي ضبطه الطبري والأصيلى أمالي بكسر اللام قال والمعروف في كلام العرب فتحها إلا أن تكون على لغة من يميل قال المازري قال بن الأنباري قولهم افعل هذا أما لا فمعناه أفعله إن كنت لا تفعل غيره فدخلت ما زائدة لأن كما قال الله تعالى فإما ترين من البشر أحدا فاكتفوا بلا عن الفعل كما تقول العرب إن زارك فزره وإلا فلا هذا ما ذكره القاضي وقال بن الأثير في نهاية الغريب اصل هذه الكلمة ان وما فادغمت النون في الميم وما زائدة في اللفظ لا حكم لها وقد أمالت العرب لا امالة خفيفة قال والعوام يشبعون امالتها فتصير ألفها ياء وهو خطأ ومعناه إن لم تفعل هذا فليكن هذا والله أعلم 1211 قولها ( صفية بنت حيي ) بضم الحاء وكسرها الضم أشهر وفي حديثها دليل لسقوط طواف الوداع عن الحائض وإن طواف الافاضة ركن لا بد منه وأنه لا يسقط عن الحائض ولا غيرها وأن الحائض تقيم له حتى تطهر فان ذهبت إلى وطنها قبل طواف الافاضة بقيت محرمة وقد سبق حديث صفية هذا وبيان إحرامه وضبطه ومعناه وفقهه في أوائل كتاب الحج في باب بيان وجوه الاحرام بالحج قوله ( حدثني الحكم بن موسى حدثنا يحيى بن حمزة عن الأوزاعي لعله قال عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة عن عائشة ) هكذا وقع في معظم النسخ وكذا نقله القاضي عن معظم النسخ قال وسقط عند الطبري قوله لعله قال عن يحيى بن أبي كثير قال وسقط لعله قال فقط لابن الحذاء قال القاضي وأظن أن الاسم كله سقط من كتب بعضهم أوشك فيه فألحقه على المحفوظ الصواب ونبه على الحاقه بقوله لعله قوله ( قالوا يا رسول الله انها قد زارت يوم النحر ) فيه دليل لمذهب الشافعي وأبي حنيفة وأهل العراق أنه لا يكره أن يقال لطواف الافاضة طواف الزيارة وقال مالك يكره وليس للكراهة حجة تعتمد قولها ( تنفر ) بكسر الفاء وضمها الكسر أفصح وبه جاء القرآن والله أعلم 1 ( باب استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره ( والصلاة فيها والدعاء في نواحيها كلها ))

Section V09/P081–V09/P087

1329 ذكر مسلم رحمة الله في الباب بأسانيده عن بلال رضي الله عنه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة وصلى فيها بين العمودين ) وبإسناده عن أسامة رضي الله عنه ( أنه صلى الله عليه وسلم دعا في نواحيها ولم يضل ) وأجمع أهل الحديث على الأخذ برواية بلال لأنه مثبت فمعه زيادة علم فواجب ترجيحه والمراد الصلاة المعهودة ذات الركوع والسجود ولهذا قال بن عمر ونسيت أن أسأله كم صلى وأما نفى أسامة فسببه أنهم لما دخلوا الكعبة أغلقوا الباب واشتغلوا بالدعاء فرأى أسامة النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ثم اشتغل أسامة بالدعاء في ناحية من نواحى البيت والنبي صلى الله عليه وسلم في ناحية أخرى وبلال قريب منه ثم صلى النبي صلى الله عليه وسلم فرآه بلال لقربه ولم يره أسامة لبعده واشتغاله وكانت صلاة خفيفة فلم يرها أسامة لاغلاق الباب مع بعده واشتغاله بالدعاء وجاز له نفيها عملا بظنه وأما بلال فحققها فأخبر بها والله أعلم واختلف العلماء في الصلاة في الكعبة اذا صلى متوجها إلى جدار منها أو إلى الباب وهو مردود فقال الشافعي والثوري وأبو حنيفة وأحمد والجمهور تصح فيها صلاة النفل وصلاة الفرض وقال مالك تصح فيها صلاة النفل المطلق ولا يصح الفرض ولا الوتر ولا ركعتا الفجر ولا ركعتا الطواف وقال محمد بن جرير وأصبغ المالكي وبعض أهل الظاهر لا تصح فيها صلاة أبدا لا فريضة ولا نافلة وحكاه القاضي عن بن عباس أيضا ودليل الجمهور حديث بلال وإذا صحت النافلة صحت الفريضة لأنهما في الموضع سواء في الاستقبال في حال النزول وإنما يختلفان في الاستقبال في حال السير في السفر والله أعلم قوله ( وعثمان بن طلحة الحجبي ) هو بفتح الحاء والجيم منسوب إلى حجابة الكعبة وهي ولايتها وفتحها واغلاقها وخدمتها ويقال له ولأقاربه الحجبيون وهو عثمان بن طلحة بن أبي طلحة واسم أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصى القرشي العبدرى أسلم مع خالد بن الوليد وعمرو بن العاص في هدنة الحديبية وشهد فتح مكة ودفع النبي صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة إليه وأبي شيبة بن عثمان بن أبي طلحة وقال خذوها يا بنى طلحة خالدة تالدة لا ينزعها منكم الا ظالم ثم نزل المدينة فأقام بها إلى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ثم تحول إلى مكة فأقام بها حتى توفي سنة اثنتين وأربعين وقيل أنه استشهد يوم اجنادين بفتح الدال وكسرها وهي موضع بقرب بيت المقدس كانت غزوته في أوائل خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وثبت في الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم كل مأثرة كانت في الجاهلية فهي تحت قدمى الاسقاية الحاج وسدانة البيت قال القاضي عياض قال العلماء لا يجوز لأحد أن ينزعها منهم قال وهي ولاية لهم عليها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبقى دائمة لهم ولذرياتهم أبدا ولا ينازعون فيها ولا يشاركون ما داموا موجودين صالحين لذلك والله أعلم قوله ( دخل الكعبة فأغلقها عليه انما أغلقها عليه صلى الله عليه وسلم ليكون أسكن لقلبه وأجمع لخشوعه ولئلا يجتمع الناس ويدخلوا ويزدحموا فينالهم ضرر ويتهوش عليه الحال بسبب لغطهم والله أعلم قوله ( جعل عمودين عن يساره وعمودا عن يمينه ) هكذا هو هنا وفي رواية للبخارى عمودين عن يمينه وعمودا عن يساره وهكذا هو في الموطأ وفي سنن أبي داود وكله من رواية مالك وفي رواية للبخاري عمودا عن يمينه وعمودا عن يساره قوله ( قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فنزل بفناء الكعبة ) هذا دليل على أن هذا المذكور في أحاديث الباب من دخوله صلى الله عليه وسلم الكعبة وصلاته فيها كان يوم الفتح وهذا لا خلاف فيه ولم يكن يوم حجة الوداع وفناء الكعبة بكسر الفاء وبالمد جانبها وحريمها والله أعلم قوله ( فجاء بالمفتح ) هو بكسر الميم وفي الرواية الأخرى المفتاح وهما لغتان قوله ( فلبثوا فيه مليا ) أي طويلا قوله ( ونسيت أن أساله كم صلى ) هكذا ثبت في الصحيحين من رواية بن عمر وجاء في سنن أبي داود بإسناد فيه ضعف عن عبد الرحمن بن صفوان قال قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه كيف صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل الكعبة قال صلى ركعتين قوله ( فأجافوا عليهم الباب ) أي أغلقوه قوله ( وحدثني حميد بن مسعده حدثنا خالد يعنى بن الحرث حدثنا عبد الله بن عون عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه انتهى إلى الكعبة وقد دخلها النبي صلى الله عليه وسلم وبلال وأسامة وأجاف عليهم عثمان بن طلحة الباب قال ومكثوا فيه مليا ثم فتح الباب فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فرقيت الدرجة فدخلت البيت فقلت أين صلى النبي صلى الله عليه وسلم قالوا ها هنا ونسيت أن أسألهم كم صلى ) هكذا وقعت هذه الرواية هنا وظاهرة أن بن عمر سأل بلالا وأسامة وعثمان جميعهم قال القاضي عياض ولكن أهل الحديث وهنوا هذه الرواية فقال الدار قطني وهم بن عون هنا وخالفه غيره فأسندوه عن بلال وحده قال القاضي وهذا هو الذي ذكره مسلم في باقي الطرق فسألت بلالا فقال الا أنه وقع في رواية حرملة عن بن وهب فأخبرني بلال وعثمان بن طلحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في جوف الكعبة هكذا هو عند عامة شيوخنا وفي بعض النسخ وعثمان بن أبي طلحة قال وهذا يعضد رواية بن عون والمشهور انفراد بلال برواية ذلك والله أعلم 1330 قوله ( فلما خرج ركع في قبل البيت ركعتين وقال هذه القبلة ) قوله قبل البيت هو بضم القاف والباء ويجوز اسكان الباء كما في نظائره قيل معناه ما استقبلك منها وقيل مقابلها وفي رواية في الصحيح فصلى ركعتين في وجه الكعبة وهذا هو المراد بقبلها ومعناه عند بابها وأما قوله ركع في قبل البيت فمعناه صلى وقوله ركعتين دليل لمذهب الشافعي والجمهور أن تطوع النهار يستحب أن يكون مثنى وقال أبو حنيفة أربعا وسبقت المسألة في كتاب الصلاة وأما قوله صلى الله عليه وسلم هذه القبلة فقال الخطابي معناه أن أمر القبلة قد استقر على استقبال هذا البيت فلا ينسخ بعد اليوم فصلوا إليه أبدا قال ويحتمل أنه علمهم سنة موقف الامام وأنه يقف في وجهها دون أركانها وجوانبها وإن كانت الصلاة في جميع جهاتها مجزئة هذا كلام الخطابي ويحتمل معنى ثالثا وهو أن معناه هذه الكعبة هي المسجد الحرام الذي أمرتم باستقباله لا كل الحرام ولا مكة ولا كل المسجد الذي حول الكعبة بل هي الكعبة نفسها فقط والله أعلم 1332 قوله ( أدخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت في عمرته قال لا ) هذا مما اتفقوا عليه قال العلماء والمراد به عمرة القضاء التي كانت سنة سبع من الهجرة قبل فتح مكة قال العلماء وسبب عدم دخوله صلى الله عليه وسلم ما كان في البيت من الأصنام والصور ولم يكن المشركون يتركونه لتغييرها فلما فتح الله تعالى عليه مكة دخل البيت وصلى فيه وأزال الصور قبل دخوله والله أعلم

Section V09/P087

1 ( باب نقض الكعبة وبنائها )

Section V09/P087–V09/P096

قوله صلى الله عليه وسلم ( لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة ولجعلتها على أساس إبراهيم فإن قريشا حين بنت البيت استقصرت ولجعلت لها خلفا ) وفي الرواية الأخرى اقتصروا عن قواعد إبراهيم وفي الاخرى فإن قريشا اقتصرتها وفي الاخرى استقصروا من بنيان البيت وفي الاخرى قصروا في البناء وفي الأخرى قصرت بهم النفقة قال العلماء هذه الروايات كلها بمعنى واحد ومعنى استقصرت قصرت عن تمام بنائها واقتصرت على هذا القدر لقصور النفقة بهم عن تمامها وفي هذا الحديث دليل لقواعد من الأحكام منها اذا تعارضت المصالح أو تعارضت مصلحة ومفسدة وتعذر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة بدئ بالأهم لان النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن نقض الكعبة وردها إلى ما كانت عليه من قواعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم مصلحة ولكن تعارضه مفسده أعظم منه وهي خوف فتنة بعض من أسلم قريبا وذلك لما كانوا يعتقدونه من فضل الكعبة فيرون تغييرها عظيما فتركها صلى الله عليه وسلم ومنها فكر ولي الأمر في مصالح رعيته واجتنابه ما يخاف منه تولد ضرر عليهم في دين أو دنيا الا الأمور الشرعية كأخذ الزكاة وإقامة الحدود ونحو ذلك ومنها تألف قلوب الرعية وحسن حياطتهم وأن لا ينفروا ولا يتعرض لما يخاف تنفيرهم بسببه ما لم يكن فيه ترك أمر شرعي كما سبق قال العلماء بنى البيت خمس مرات بنته الملائكة ثم إبراهيم صلى الله عليه وسلم ثم قريش في الجاهلية وحضر النبي صلى الله عليه وسلم هذا البناء وله خمس وثلاثون سنة وقيل خمس وعشرون وفيه سقط على الأرض حين وقع ازاره ثم بناه بن الزبير ثم الحجاج بن يوسف واستمر إلى الآن على بناء الحجاج وقيل بنى مرتين آخريين أو ثلاثا وقد أوضحته في كتاب ايضاح المناسك الكبير قال العلماء ولا يغير عن هذا البناء وقد ذكروا أن هارون الرشيد سأل مالك بن أنس عن هدمها وردها إلى بناء بن الزبير للاحاديث المذكورة في الباب فقال مالك ناشدتك الله يا أمير المؤمنين ألا تجعل هذا البيت لعبة للملوك لا يشاء أحد الا نقضه وبناه فتذهب هيبته من صدور الناس وبالله التوفيق قوله صلى الله عليه وسلم ( ولجعلت لها خلفا ) هو بفتح الخاء المعجمة وإسكان اللام وبالفاء هذا هو الصحيح المشهور والمراد به باب من خلفها وقد جاء مفسرا في الرواية الأخرى ولجعلت لها بابا شرقيا وبابا غربيا وفي صحيح البخاري قال هشام خلفا يعني بابا وفي الرواية الأخرى لمسلم بابين أحدهما يدخل منه والآخر يخرج منه وفي رواية البخاري ولجعلت لها خلفين قال القاضي وقد ذكر الحربي هذا الحديث هكذا وضبطه خلفين بكسر الخاء وقال الخالفة عمود في مؤخر البيت وقال الهروى خلفين بفتح الخاء قال القاضي وكذا ضبطناه على شيخنا أبي الحسين قال وذكر الهروى عن بن الأعرابي أن الخلف الظهر وهذا يفسر أن المراد الباب كما فسرته الأحاديث الباقية والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( لولا حدثان قومك ) هو بكسر الحاء واسكان الدال أي قرب عهدهم بالكفر والله أعلم قوله ( فقال عبد الله بن عمر لئن كانت عائشة سمعت هذا ) قال القاضي ليس هذا اللفظ من بن عمر على سبيل التضعيف لروايتها والتشكيك في صدقها وحفظها فقد كانت من الحفظ والضبط بحيث لا يستراب في حديثها ولا فيا تنقله ولكن كثيرا ما يقع في كلام العرب صورة التشكيك والتقرير والمراد به اليقين كقوله تعالى وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين وقوله تعالى قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت الآية قوله صلى الله عليه وسلم ( لولا أن قومك حديثوا عهد بجاهلية أو قال بكفر لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله ) فيه دليل لتقديم أهم المصالح عند تعذر جميعها كما سبق إيضاحه في أول الحديث وفيه دليل لجواز انفاق كنز الكعبة ونذورها الفاضلة عن مصالحها في سبيل الله لكن جاء في رماية لأنفقت كنز الكعبة في بنائها وبناؤها من سبيل الله فلعله المراد بقوله في الرواية الأولى في سبيل الله والله أعلم ومذهبنا أن الفاضل من وقف مسجد أو غيره لا يصرف في مصالح مسجد آخر ولا غيره بل يحفظ دائما للمكان الموقوف عليه الذي فضل منه فربما احتاج إليه والله اعلم قوله ص ( ولأدخلت فيها من الحجر ) وفي رواية وزدت فيها ستة أذرع من الحجر فإن قريشا اقتصرتها حين بنت الكعبة وفي رواية خمس أذرع وفي رواية قريبا من سبع أذرع وفي رواية قالت عائشة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجدار أمن البيت هو قال نعم وفي رواية لولا أن قومك حديث عهدهم في الجاهلية فأخاف أن تنكره قلوبهم لنظرت أن أدخل الجدار في البيت قال اصحابنا ست أذرع من الحجر مما يلي البيت محسوبة من البيت بلا خلاف وفي الزائد خلاف فإن طاف في الحجر وبينه وبين البيت أكثر من ستة أذرع ففيه وجهان لأصحابنا أحدهما يجوز لظواهر هذه الأحاديث وهذا هو الذي رجحه جماعات من أصحابنا الخراسانيين والثاني لا يصح طوافه في شيء من الحجر ولا على جداره ولا يصح حتى يطوف خارجا من جميع الحجر وهذا هو الصحيح وهو الذي نص عليه الشافعي وقطع به جماهير أصحابنا العراقيين ورجحه جمهور الأصحاب وبه قال جميع علماء المسلمين سوى أبي حنيفة فإنه قال ان طاف في الحجر وبقي في مكة أعاده وإن رجع من مكة بلا اعادة أراق دما وأجزأه طوافه واحتج الجمهور بأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف من وراء الحجر وقال لتأخذوا مناسككم ثم أطبق المسلمون عليه من زمنه صلى الله عليه وسلم إلى الآن وسواء كان كله من البيت أم بعضه فالطواف يكون من ورائه كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم ووقع في رواية ستة أذرع بالهاء وفي رواية خمس وفي رواية قريبا من سبع بحذف الهاء وكلاهما صحيح ففي الذارع لغتان مشهورتان التأنيث والتذكير والتأنيث أفصح قوله ( لما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية حين غزاه أهل الشام تركه بن الزبير حتى قدم الناس الموسم يريد أن يجرئهم أو يحربهم على أهل الشام ) أما الحرف الأول فهو يجرثهم بالجيم والراء بعدها همزة من الجراءة أي يشجعهم على قتالهم بإظهار قبح فعالهم هذا هو المشهور في ضبطه قال القاضي ورواه العذرى يجربهم بالجيم والباء الموحدة ومعناه يختبرهم وينظر ما عندهم في ذلك من حمية وغضب لله تعالى ولبيته وأما الثاني وهو قوله أو يحربهم فهو بالحاء المهملة والراء والباء الموحدة وأوله مفتوح ومعناه يغيظهم بما يرونه قد فعل بالبيت من قولهم حربت الأسد إذا أغضبته قال القاضي وقد يكون معناه يحملهم على الحرب ويحرضهم عليها ويؤكد عزائمهم لذلك قال ورواه آخرون يحزبهم بالحاء والزاي يشد قوتهم ويميلهم إليه ويجعلهم حزبا له وناصرين له على مخالفيه وحزب الرجل من مال إليه وتحازب القوم تمالوا قوله ( يا أيها الناس أشيروا على في الكعبة ) فيه دليل لاستحباب مشاورة الامام أهل الفضل والمعرفة في الأمور المهمة قوله ( قال بن عباس فإني قد فرق لي فيه رأي ) هو بضم الفاء وكسر الراء أي كشف وبين قال الله تعالى وقرآنا فرقناه أي فصلناه وبيناه هذا هو الصواب في ضبطه هذه اللفظه ومعناها وهكذا ضبطه القاضي والمحققون وقد جعله الحميدى صاحب الجمع بين الصحيحين في كتابه غريب الصحيحين فرق بفتح الفاء بمعنى خاف وأنكروه عليه وغلطوا الحميدى في ضبطه وتفسيره قوله ( فقال بن الزبير لو كان أحدكم احترق بيته ما رضى حتى يجده ) هكذا هو في أكثر النسخ يجده بضم الياء وبدال واحدة وفي كثير منها يجدد بدالين وهما بمعنى قوله ( تتابعوا فنقضوه ) هكذا ضبطناه تتابعوا بياء موحدة قبل العين وهكذا هو في جميع نسخ بلادنا وكذا ذكره القاضي عن رواية الأكثرين وعن أبي بحر تتابعوا وهو بمعناه الا أن أكثر ما يستعمل بالمثناة في الشر خاصة وليس هذا موضعه قوله ( فجعل بن الزبير أعمدة فستر عليها الستور حتى ارتفع بناؤه ) المقصود بهذه الأعمدة والستور أن يستقبلها المصلون في تلك الأيام ويعرفوا موضع الكعبة ولم تزل تلك الستور حتى ارتفع البناء وصار مشاهدا للناس فأزالها لحصول المقصود بالبناء المرتفع من الكعبة واستدل القاضي عياض بهذا لمذهب مالك في أن المقصود بالاستقبال البناء لا البقعة قال وقد كان بن عباس أشار على بن الزبير بنحو هذا وقال له إن كنت هادمها فلا تدل الناس بلا قبلة فقال له جابر صلوا إلى موضعها فهي القبلة ومذهب الشافعي وغيره جواز الصلاة إلى أرض الكعبة ويجزيه ذلك بلا خلاف عند سواء كان بقى منها شاخص أم لا والله أعلم قوله ( إنا لسنا من تلطيخ بن الزبير في شيء ) يريد بذلك سبه وعيب فعله يقال لطخته أي رميته بأمر قبيح قوله ( وفد الحرث بن عبد الله على عبد الملك بن مروان في خلافته ) هكذا هو في جميع النسخ الحرث بن عبد الله وليس في شيء منها خلاف ونسخ بلادنا هي رواية عبد الغفار بن الفارسي وادعى القاضي عياض أنه وقع هكذا لجميع الرواة سوى الفارسي فإن في روايته الحرث بن عبد الأعلى قال وهو خطأ بل الصواب الحرث بن عبد الله وهذا الذي نقله عن رواية الفارسي غير مقبول بل الصواب أنها كرواية غيره الحرث بن عبد الله ولعله وقع للقاضي نسخة عن الفارسي فيها هذه اللفظة مصحفة على الفارسي لا من الفارسى والله أعلم قوله ( ما أظن أبا خبيب ) هو بضم الخاء المعجمة وسبق بيانه مرات قوله صلى الله عليه وسلم ( لولا حداثة عهدهم ) هو بفتح الحاء أي قربه قوله صلى الله عليه وسلم ( فإن بدا لقومك ) هو بغير همزة يقال بداله في الأمر بداء بالمد أي حدث له فيه رأي لم يكن وهو ذو بدوات أي يتغير رأيه والبداء محال على الله تعالى بخلاف النسخ قوله ( فهلمى لأريك ) هذا جار على إحدى اللغتين في هلم قال الجوهري تقول هلم يا رجل بفتح الميم بمعنى تعال قال الخليلي أصله لم من قولهم لم الله شعثه أي جمعه كأنه أراد لم نفسك الينا أي اقرب وها للتنبيه وحذفت ألفها لكثرة الاستعمال وجعلا إسما واحدا يستوى فيه الواحد والاثنان والجمع المؤنث فيقال في الجماعة هلم هذه لغة أهل الحجاز قال الله تعالى والقائلين لاخوانهم هلم الينا وأهل نجد يصرفونها فيقولون للأثنين هلما وللجمع هلموا وللمرأة هلمى وللنساء هلمن والأول أفصح هذا كلام الجوهرى قوله صلى الله عليه وسلم ( حتى إذا كان أن يدخل ) هكذا هو في النسخ كلها كاد أن يدخل وفيه حجة لجواز دخول أن بعد كاد وقد كثر ذلك وهي لغة فصيحة ولكن الأشهر عدمه قوله ( فنكت ساعة بعصاه ) أي بحث بطرفها في الأرض وهذه عادة من تفكر في أمر مهم قوله ( فقال الحرث بن عبد الله بن أبي ربيعة لا تقل هذا يا أمير المؤمنين فأنا سمعت أم المؤمنين تحدث ) هذا فيه الانتصار للمظلوم ورد الغيبة وتصديق الصادق إذا كذبه إنسان والحرث هذا تابعى وهو الحرث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة قولها ( سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجدر ) وفي آخر الحديث ( لنظرت أن أدخل الجدر في البيت ) هو بفتح الجيم وإسكان الدال المهملة وهو الحجر وسبق بيان حكمه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث سعيد بن منصور ( ولولا أن قومك حديث عهدهم في الجاهلية ) هكذا هو في جميع النسخ في الجاهلية وهو بمعنى بالجاهلية كما في سائر الروايات والله أعلم

Section V09/P096–V09/P099

1 ( باب الحج عن العاجز لزمانة وهرم ونحوهما أو للموت ) 1334 قوله ( كان الفضل بن عباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه فجعل الفضل ينظر اليها وتنظر إليه فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر فقالت يا رسول الله ان فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه قال نعم وذلك في حجة الوداع ) وفي الرواية الأخرى فحجي عنه هذا الحديث فيه فوائد منها جواز الارداف على الدابة اذا كانت مطيقة وجواز سماع صوت الأجنبية عند الحاجة في الاستفتاء والمعاملة وغير ذلك ومنها تحريم النظر إلى الأجنبية ومنها إزالة المنكر باليد لمن أمكنه ومنها جواز النيابة في الحج عن العاجز المأيوس منه بهرم أو زمانة أو موت ومنها جواز حج المرأة عن الرجل ومنها بر الوالدين بالقيام بمصالحهما من قضاء دين وخدمة ونفقة وحج عنهما وغير ذلك ومنها وجوب الحج على من هو عاجز بنفسه مستطيع بغيره كولده وهذا مذهبنا لأنها قالت أدركته فريضة الحج شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة ومنها جواز قول حجة الوداع وأنه لا يكره ذلك وسبق بيان هذا مرات ومنها جواز حج المرأة بلا محرم اذا أمنت على نفسها وهو مذهبنا ومذهب الجمهور جواز الحج عن العاجز بموت أو عضب وهو الزمانة والهرم ونحوهما وقال مالك والليث والحسن بن صالح لا يحج أحد عن أحد الا عن ميت لم يحج حجة الاسلام قال القاضي وحكى عن النخعي وبعض السلف لا يصح الحج عن ميت ولا غيره وهي رواية عن مالك وإن أوصى به وقال الشافعي والجمهور يجوز الحج عن الميت عن فرضه ونذره سواء أوصى به أم لا ويجزى عنه ومذهب الشافعي وغيره أن ذلك واجب في تركته وعندنا يجوز للعاجز الاستنابة في حج التطوع على أصح القولين واتفق العلماء على جواز حج المرأة عن الرجل الا الحسن بن صالح فمنعه وكذا يمنعه من منع أصل الاستنابة مطلقا والله أعلم 1 ( باب صحة حج الصبي وأجر من حج به ) 1336 قوله ( لقى ركبا بالروحاء فقال من القوم فقالوا المسلمون فقالوا من أنت قال رسول الله ) صلى الله عليه وسلم الركب أصحاب الابل خاصة وأصله أن يستعمل في عشرة فما دونها وسبق في مسلم في الأذان أن الروحاء مكان على ستة وثلاثين ميلا من المدينة قال القاضي عياض يحتمل أن هذا اللقاء كان ليلا فلم يعرفوه صلى الله عليه وسلم ويحتمل كونه نهارا لكنهم لم يروه صلى الله عليه وسلم قبل ذلك لعدم هجرتهم فأسلموا في بلدانهم ولم يهاجروا قبل ذلك قوله ( فرفعت امرأة صبيا لها فقالت ألهذا حج قال نعم ولك أجر ) فيه حجة للشافعي ومالك وأحمد وجماهير العلماء أن حج الصبي منعقد صحيح يثاب عليه وإن كان لا يجزيه عن حجة الاسلام بل يقع تطوعا وهذا الحديث صريح فيه وقال أبو حنيفة لا يصح حجة قال أصحابه وإنما فعلوه تمرينا له ليعتاده فيفعله إذا بلغ وهذا الحديث يرد عليهم قال القاضي لا خلاف بين العلماء في جواز الحج بالصبيان وإنما منعه طائفة من أهل البدع ولا يلتفت إلى قولهم بل هو مردود بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإجماع الأمة وإنما خلاف أبي حنيفة في أنه هل ينعقد حجه وتجرى عليه أحكام الحج وتجب فيه الفدية ودم الجبران وسائر أحكام البالغ فأبو حنيفة يمنع ذلك كله ويقول إنما يجب ذلك تمرينا على التعليم والجمهور يقولون تجرى عليه أحكام الحج في ذلك ويقولون حجة منعقد يقع نفلا لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل له حجا قال القاضي وأجمعوا على أنه لا يجزئه اذا بلغ عن فريضة الاسلام الا فرقة شذت فقالت يجزئه ولم تلتفت العلماء إلى قولها قوله صلى الله عليه وسلم ( ولك أجر ) معناه بسبب حملها وتجنيبها إياه ما يجتنبه المحرم وفعل ما يفعله المحرم والله أعلم وأما الولى الذي يحرم عن الصبي فالصحيح عند أصحابنا أنه الذي يلي ماله وهو أبوه أو جده أو الوصى أو القيم من جهة القاضي أو القاضي أو الامام وأما الأم فلا يصح احرامها عنه إلا أن تكون وصية أو قيمة من جهة القاضي وقيل انه يصح إحرامها وإحرام العصبة وان لم يكن لهم ولاية المال هذا كله اذا كان صغيرا لا يميز فإن كان مميزا أذن له الولى فأحرم فلو أحرم بغير إذن الولى أو أحرم الولى عنه لم ينعقد على الأصح وصفة إحرام الولى عن غير المميز أن يقول بقلبه جعلته محرما والله أعلم

Section V09/P099

1 ( باب فرض الحج مرة في العمر )

Section V09/P099–V09/P101

1337 قوله صلى الله عليه وسلم ( أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا فقال رجل أكل عام يا رسول الله فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه ) هذا الرجل السائل هو الاقرع بن حابس كذا جاء مبينا في غير هذه الرواية واختلف الأصوليون في أن الأمر هل يقتضي التكرار والصحيح عند أصحابنا لا يقتضيه والثاني يقتضيه والثالث يتوقف فيما زاد على مرة على البيان فلا يحكم باقتضائه ولا يمنعه وهذا الحديث قد يستدل به من يقول بالتوقف لأنه سأل فقال أكل عام ولو كان مطلقه يقتضى التكرار أو عدمه لم يسأل ولقال له النبي صلى الله عليه وسلم لا حاجة إلى السؤال بل مطلقة محمول على كذا وقد يجيب الآخرون عنه بأنه سأل استظهارا واحتياطا وقوله ذروني ما تركتكم ظاهر في أنه لا يقتضى التكرار قال الماوردي ويحتمل أنه انما احتمل التكرار عنده من وجه آخر لأن الحج في اللغة قصد فيه تكرر فاحتمل عنده التكرار من جهة الاشتقاق لا من مطلق الأمر قال وقد تعلق بما ذكرناه عن اهل اللغة ها هنا من قال بإيجاب العمرة وقال لما كان قوله تعالى ولله على الناس حج البيت يقتضى تكرار قصد البيت بحكم اللغة والاشتقاق وقد أجمعوا على أن الحج لا يجب الا مرة كانت العودة الأخرى إلى البيت تقتضى كونها عمرة لأنه لا يجب قصده لغير حج وعمرة بأصل الشرع وأما قوله صلى الله عليه وسلم لو قلت نعم لوجبت ففيه دليل للمذهب الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم كان له أن يجتهد في الأحكام ولا يشترط في حكمه أن يكون بوحى وقيل يشترط وهذا القائل يجيب عن هذا الحديث بأنه لعله أوحى إليه ذلك والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( ذروني ما تركتكم ) دليل على أن الأصل عدم الوجوب وأنه لا حكم قبل ورود الشرع وهذا هو الصحيح عند محققى الأصوليين لقوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا قوله صلى الله عليه وسلم ( فإذا أمرتكم بشيء فاتوا منه ما استطعتم ) هذا من قواعد الاسلام المهمة ومن جوامع الكلم التي اعطيها صلى الله عليه وسلم ويدخل فيها ما لا يحصى من الاحكام كالصلاة بأنواعها فإذا عجز عن بعض أركانها أو بعض شروطها أتى بالباقي وإذا عجز عن بعض أعضاء الوضوء أو الغسل غسل الممكن وإذا وجد بعض ما يكفيه من الماء لطهارته أو لغسل النجاسة فعل الممكن وإذا وجبت إزالة منكرات أو فطرة جماعة من تلزمه نفقتهم أو نحو ذلك وأمكنه البعض فعل الممكن وإذا وجد ما يستر بعض عورته أو حفظ بعض الفاتحة أتى بالممكن وأشباه هذا غير منحصرة وهي مشهورة في كتب الفقه والمقصود التنبيه على أصل ذلك وهذا الحديث موافق لقول الله تعالى فاتقوا الله ما استطعتم وأما قوله تعالى اتقوا الله حق تقاته ففيها مذهبان أحدهما أنها منسوخة بقوله تعالى فاتقوا الله ما استطعتم والثاني وهو الصحيح أو الصواب وبه جزم المحققون أنها ليست منسوخة بل قوله تعالى فاتقوا الله ما استطعتم مفسرة لها ومبينة للمراد بها قالوا وحق تقاته هو امتثال أمره واجتناب نهيه ولم يأمر سبحانه وتعالى الا بالمستطاع قال الله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وقال تعالى وما جعل عليكم في الدين من حرج والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( واذا نهيتكم عن شيء فدعوه ) فهو على إطلاقه فإن وجد عذر يبيحه كأكل الميتة عند الضرورة أو شرب الخمر عند الاكراه أو التلفظ بكلمة الكفر اذا أكره ونحو ذلك فهذا ليس منهيا عنه في هذا الحال والله أعلم وأجمعت الامة على أن الحج لا يجب في العمر الا مرة واحدة بأصل الشرع وقد تجب زيادة بالنذر وكذا اذا أراد دخول الحرم لحاجة لا تكرر كزيارة وتجارة على مذهب من أوجب الاحرام لذلك بحج أو عمرة وقد سبقت المسألة في أول كتاب الحج والله أعلم

Section V09/P101

1 ( باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره )

Section V09/P101–V09/P109

1338 قوله صلى الله عليه وسلم ( لا تسافر المرأة ثلاثا الا ومعها ذو محرم ) وفي رواية فوق ثلاث وفي رواية ثلاثة وفي رواية لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة ثلاث ليال الا ومعها ذو محرم وفي رواية لا تسافر المرأة يومين من الدهر الا ومعها ذو محرم منها أو زوجها وفي رواية نهى أن تسافر المرأة مسيرة يومين وفي رواية لا يحل لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة الا ومعها ذو حرمة منها وفي رواية لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم الا مع ذي محرم وفي رواية مسيرة يوم وليلة وفي رواية لا تسافر امرأة الا مع ذي محرم هذه روايات مسلم وفي رواية لأبي داود ولا تسافر بريدا والبريد مسيرة نصف يوم قال العلماء اختلاف هذه الالفاظ لاختلاف السائلين واختلاف المواطن وليس في النهي عن الثلاثة تصريح بإباحة اليوم والليلة أو البريد قال البيهقي كأنه صلى الله عليه وسلم سئل عن المرأة تسافر ثلاثا بغير محرم فقال لا وسئل عن سفرها يومين بغير محرم فقال لا وسئل عن سفرها يوما فقال لا وكذلك البريد فأدى كل منهم ما سمعه وما جاء منها مختلفا عن رواية واحد فسمعه في مواطن فروى تارة هذا وتارة هذا وكله صحيح وليس في هذا كله تحديد لأقل ما يقع عليه اسم السفر ولم يرد صلى الله عليه وسلم تحديد أقل ما يسمى سفرا فالحاصل أن كل ما يسمى سفرا تنهى عنه المرأة بغير زوج أو محرم سواء كان ثلاثة أيام أو يومين أو يوما أو بريدا أو غير ذلك لرواية بن عباس المطلقة وهي آخر روايات مسلم السابقة لا تسافر امرأة الا مع ذي محرم وهذا يتناول جميع ما يسمى سفرا والله أعلم وأجمعت الأمة على أن المرأة يلزمها حجة الاسلام اذا استطاعت لعموم قوله تعالى ولله على الناس حج البيت وقوله صلى الله عليه وسلم بنى الاسلام على خمس الحديث واستطاعتها كاستطاعة الرجل لكن اختلفوا في اشتراط المحرم لها فأبو حنيفة يشترطه لوجوب الحج عليها الا أن يكون بينها وبين مكة دون ثلاث مراحل ووافقه جماعة من اصحاب الحديث وأصحاب الرأي وحكى ذلك أيضا عن الحسن البصرى والنخعى وقال عطاء وسعيد بن جبير وبن سيرين ومالك والأوزاعي والشافعي في المشهور عنه لا يشترط المحرم بل يشترط الأمن على نفسها قال أصحابنا يحصل الأمن بزوج أو محرم أو نسوة ثقات ولا يلزمها الحج عندنا الا بأحد هذه الأشياء فلو وجدت امرأة واحدة ثقة لم يلزمها لكن يجوز لها الحج معها هذا هو الصحيح وقال بعض أصحابنا يلزمها بوجود نسوة أو أمرأة واحدة وقد يكثر الأمن ولا تحتاج إلى أحد بل تسير وحدها في جملة القافلة وتكون آمنة والمشهور من نصوص الشافعي وجماهير أصحابه هو الأول واختلف أصحابنا في خروجها لحج التطوع وسفر الزيارة والتجارة ونحو ذلك من الأسفار التي ليست واجبة فقال بعضهم يجوز لها الخروج فيها مع نسوة ثقات كحجة الاسلام وقال الجمهور لا يجوز الا مع زوج أو محرم وهذا هو الصحيح للأحاديث الصحيحة وقد قال القاضي واتفق العلماء على أنه ليس لها أن تخرج في غير الحج والعمرة الا مع ذي محرم الا الهجرة من دار الحرب فاتفقوا على أن عليها أن تهاجر منها إلى دار الاسلام وإن لم يكن معها محرم والفرق بينهما أن اقامتها في دار الكفر حرام اذا لم تستطع إظهار الدين وتخشى على دينها ونفسها وليس كذلك التأخر عن الحج فإنهم اختلفوا في الحج هل هو على الفور أم على التراخي قال القاضي عياض قال الباجى هذا عندي في الشابه وأما الكبيرة غير المشتهاة فتسافر كيف شاءت في كل الأسفار بلا زوج ولا محرم وهذا الذي قاله الباجي لا يوافق عليه لأن المرأة مظنة الطمع فيها ومظنة الشهوة ولو كانت كبيرة وقد قالوا لكل ساقطة لاقطة ويجتمع في الأسفار من سفهاء الناس وسقطهم من لا يرتفع عن الفاحشة بالعجوز وغيرها لغلبة شهوته وقلة دينه ومروءته وخيانته ونحو ذلك والله أعلم واستدل أصحاب أبي حنيفة برواية ثلاثة أيام لمذهبهم أن قصر الصلاة في السفر لا يجوز الا في سفر يبلغ ثلاثة أيام وهذا استدلال فاسد وقد جاءت الأحاديث بروايات مختلفة كما سبق وبينا مقصودها وأن السفر يطلق على يوم وعلى بريد وعلى دون ذلك وقد أوضحت الجواب عن شبهتهم إيضاحا بليغا في باب صلاة المسافر من شرح المهذب والله أعلم 827 قوله صلى الله عليه وسلم ( الا ومعها ذو محرم ) فيه دلالة لمذهب الشافعي والجمهور أن جميع المحارم سواء في ذلك فيجوز لها المسافرة مع محرمها بالنسب كابنها وأخيها وبن أخيها وبن أختها وخالها وعمها ومع محرمها بالرضاع كأخيها من الرضاع وبن أخيها وبن أختها منه ونحوهم ومع محرمها من المصاهرة كأبي زوجها وبن زوجها ولا كراهة في شيء من ذلك وكذا يجوز لكل هؤلاء الخلوة بها والنظر اليها من غير حاجة ولكن لا يحل النظر بشهوة لأحد منهم هذا مذهب الشافعي والجمهور ووافق مالك على ذلك كله الا بن زوجها فكره سفرها معه لفساد الناس بعد العصر الأول ولأن كثيرا من الناس لا ينفرون من زوجة الأب نفرتهم من محارم النسب قال والمرأة فتنة الا فيما جبل الله تعالى النفوس عليه من النفرة عن محارم النسب وعموم هذا الحديث يرد على مالك والله أعلم وأعلم أن حقيقة المحرم من النساء التي يجوز النظر اليها والخلوة بها والمسافرة بها كل من حرم نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها فقولنا على التأبيد احتراز من أخت المرأة وعمتها وخالتها ونحوهن وقولنا بسبب مباح احتراز من أم الموطوءة بشبهة وبنتها فإنهما تحرمان على التأبيد وليستا محرمين لأن وطء الشبهة لا يوصف بالاباحة لأنه ليس بفعل مكلف وقولنا لحرمتها احتراز من الملاعنة فإنها محرمة على التأبيد بسبب مباح وليست محرما لأن تحريمها ليس لحرمتها بل عقوبة وتغليظا والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( لاتشدوا الرحال الا إلى ثلاثة مساجد مسجدى هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى ) فيه بيان عظيم فضيلة هذه المساجد الثلاثة ومزيتها على غيرها لكونها مساجد الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ولفضل الصلاة فيها ولو نذر الذهاب إلى المسجد الحرام لزمه قصده لحج أو عمرة ولو نذره إلى المسجدين الآخرين فقولان للشافعي أصحهما عند أصحابه يستحب قصدهما ولا يجب والثاني يجب وبه قال كثيرون من العلماء وأما باقى المساجد سوى الثلاثة فلا يجب قصدها بالنذر ولا ينعقد نذر قصدها هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة الا محمد بن مسلمة المالكي فقال اذا نذر قصد مسجد قباء لزمه قصده لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتيه كل سبت راكبا وماشيا وقال الليث بن سعد يلزمه قصد ذلك المسجد أي مسجد كان وعلى مذهب الجماهير لا ينعقد نذره ولا يلزمه شيء وقال أحمد يلزمه كفارة يمين واختلف العلماء في شد الرحال وأعمال المطى إلى غير المساجد الثلاثة كالذهاب إلى قبور الصالحين وإلى المواضع الفاضلة ونحو ذلك فقال الشيخ أبو محمد الجوينى من أصحابنا هو حرام وهو الذي أشار القاضي عياض إلى اختياره والصحيح عند أصحابنا وهو الذي اختاره امام الحرمين والمحققون أنه لا يحرم ولا يكره قالوا والمراد أن الفضيلة التامة انما هي في شد الرحال إلى هذه الثلاثة خاصة والله أعلم قوله ( فأعجبنني وآنقننى ) قال القاضي معنى آنقننى أعجبننى وإنما كرر المعنى لاختلاف اللفظ والعرب تفعل ذلك كثيرا للبيان والتوكيد قال الله تعالى أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة والصلاة من الله الرحمة وقال تعالى فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا والطيب هو الحلال ومنه قول الحطيئة الا حبذا هند وأرض بها هند وهند أتى من دونها النأي والبعد ( والنأي هو البعد قوله ( حدثنا يحيى بن يحيى قال قرأت على مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبرى عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة الا مع ذي محرم منها هكذا ) وقع ) هذا الحديث في نسخ بلادنا عن سعيد عن أبيه قال القاضي عياض وكذا وقع في النسخ عن الجلودى وأبي العلاء والكسائي وكذا رواه مسلم في الاسناد السابق قبل هذا عن قتيبة عن الليث عن سعيد عن أبيه وكذا رواه البخاري ومسلم من رواية بن أبي ذئب عن سعيد عن أبيه قال واستدرك الدارقطنى عليهما اخراجهما هذا عن بن أبي ذئب وعلى مسلم اخراجه اياه عن الليث عن سعيد عن أبيه وقال الصواب عن سعيد عن أبي هريرة من غير ذكر أبيه واحتج بأن مالكا ويحيى بن أبي كثير وسهيلا قالوا عن سعيد المقبرى عن أبي هريرة ولم يذكروا عن أبيه قال والصحيح عن مسلم في حديثه هذا عن يحيى بن يحيى عن مالك عن سعيد عن أبي هريرة من غير ذكر أبيه وكذا ذكره أبو مسعود الدمشقي وكذا رواه معظم رواة الموطأ عن مالك قال الدارقطنى ورواه الزهراني والقروى عن مالك فقالا عن سعيد عن أبيه هذا كلام القاضي قلت وذكر خلف الواسطى في الأطراف أن مسلما رواه عن يحيى بن يحيي عن مالك عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة وكذا رواه أبو داود في كتاب الحج من سننه والترمذي في النكاح عن الحسن بن على عن بشر بن عمر عن مالك عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة قال الترمذي حديث حسن صحيح ورواه أبو داود في الحج أيضا عن القعنبى والعلاء عن مالك عن يوسف بن موسى عن جرير كلاهما عن سهيل عن سعيد عن أبي هريرة فحصل اختلاف ظاهر بين الحفاظ في ذكر أبيه فلعله سمعه من أبيه عن أبي هريرة ثم سمعه من أبي هريرة نفسه فرواه تارة كذا وتارة كذا وسماعه من أبي هريرة صحيح معروف والله أعلم 1341 قوله صلى الله عليه وسلم ( لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم ) هذا استثناء منقطع لأنه متى كان معها محرم لم تبق خلوة فتقدير الحديث لا يقعدن رجل مع امرأة إلا ومعها محرم وقوله صلى الله عليه وسلم ( ومعها ذو محرم ) يحتمل أن يريد محرما لها ويحتمل أن يريد محرما لها أوله وهذا الاحتمال الثاني هو الجارى على قواعد الفقهاء فإنه لا فرق بين أن يكون معها محرم لها كأبنها وأخيها وأمها وأختها أو يكون محرما له كأخته وبنته وعمته وخالته فيجوز القعود معها في هذه الأحوال ثم إن الحديث مخصوص ايضا بالزوج فإنه لو كان معها زوجها كان كالمحرم وأولى بالجواز وأما اذا خلا الأجنبي بالأجنبية من غير ثالث معهما فهو حرام بإتفاق العلماء وكذا لو كان معهما من لا يستحى منه لصغره كابن سنتين وثلاث ونحو ذلك فإن وجوده كالعدم وكذا لو اجتمع رجال بامرأة أجنبية فهو حرام بخلاف ما لو اجتمع رجل بنسوة أجانب فإن الصحيح جوازه وقد أوضحت المسألة في شرح المهذب في باب صفة الأئمة في أوائل كتاب الحج والمختار أن الخلوة بالأمرد الأجنبي الحسن كالمرأة فتحرم الخلوة به حيث حرمت بالمرأة إلا اذا كان في جمع من الرجال المصونين قال أصحابنا ولا فرق في تحريم الخلوة حيث حرمناها بين الخلوة في صلاة أو غيرها ويستثنى من هذا كله مواضع الضرورة بأن يجد امرأة أجنبية منقطعة في الطريق أو نحو ذلك فيباح له استصحابها بل يلزمه ذلك إذا خاف عليها لو تركها وهذا لا اختلاف فيه ويدل عليه حديث عائشة في قصة الافك والله أعلم قوله ( فقال رجل يا رسول الله ان امرأتي خرجت حاجة وإنى اكتتبت في غزوة كذا وكذا قال انطلق فحج مع امرأتك ) فيه تقديم الأهم من الأمور المتعارضة لأنه لما تعارض سفره في الغزو وفي الحج معها رجح الحج معها لأن الغزو يقوم غيره في مقامه عنه بخلاف الحج معها قوله ( وحدثنا بن أبي عمر حدثنا هشام يعنى بن سليمان المخزومي عن بن جريج بهذا الاسناد نحوه ولم يذكر ولا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم ) هذا آخر الفوات الذي لم يسمعه أبو إسحاق إبراهيم بن سفيان من مسلم وقد سبق بيان أوله عند أحاديث رحم الله المحلقين والمقصرين ومن هنا قال أبو إسحاق حدثنا مسلم بن الحجاج قال وحدثنى هارون بن عبد الله قال حدثنا حجاج بن محمد قال قال بن جريج أخبرني أبو الزبير الحديث وهو أول الباب الذي ذكره متصلا بهذا والله أعلم

Section V09/P109–V09/P113

1 ( باب استحباب الذكر إذا ركب دابته متوجها لسفر حج ( أو غيره وبيان الأفضل من ذلك الذكر )) 1342 قوله ( كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر كبر ثلاثا ثم قال سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين إلى آخره ) معنى مقرنين مطيقين أي ما كنا نطيق قهره واستعماله لولا تسخير الله تعالى إياه لنا وفي هذا الحديث استحباب هذا الذكر عند ابتداء الأسفار كلها وقد جاءت فيه أذكار كثيرة جمعتها في كتاب الأذكار قوله صلى الله عليه وسلم ( اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل ) الوعثاء بفتح الواو وإسكان العين المهملة وبالثاء المثلثة وبالمد وهي المشقة والشدة والكآبة بفتح الكاف وبالمد وهي تغير النفس من حزن ونحوه والمنقلب بفتح اللام المرجع 1343 قوله ( والحور بعد الكون ) هكذا هو في معظم النسخ من صحيح مسلم بعد الكون بالنون بل لا يكاد يوجد في نسخ بلادنا إلا بالنون وكذا ضبطه الحفاظ المتقنون في صحيح مسلم قال القاضي وهكذا رواه الفارسى وغيره من رواة صحيح مسلم قال ورواه العذرى بعد الكور بالراء قال والمعروف في رواية عاصم الذي رواه مسلم عنه بالنون قال القاضي قال إبراهيم الحربى يقال ان عاصما وهم فيه وأن صوابه الكور بالراء قلت وليس كما قال الحربي بل كلاهما روايتان وممن ذكر الروايتين جميعا الترمذي في جامعه وخلائق من المحدثين وذكرهما أبو عبيد وخلائق من أهل اللغة وغريب الحديث قال الترمذي بعد أن رواه بالنون ويروى بالراء أيضا ثم قال وكلاهما له وجه قال ويقال هو الرجوع من الايمان إلى الكفر أو من الطاعة إلى المعصية ومعناه الرجوع من شيء إلى شيء من الشر هذا كلام الترمذى وكذا قال غيره من العلماء معناه بالراء والنون جميعا الرجوع من الاستقامة أو الزيادة إلى النقص قالوا ورواية الراء مأخوذة من تكوين العمامة وهو لفها وجمعها ورواية النون مأخوذة من الكون مصدر كان يكون كونا إذا وجد واستقر قال المازرى في رواية الراء قيل أيضا أن معناه أعوذ بك من الرجوع عن الجماعة بعد أن كنا فيها يقال كار عمامته إذا لفها وحارها إذا نقضها وقيل نعوذ بك من أن تفسد أمورنا بعد صلاحها كفساد العمامة بعد استقامتها على الرأس وعلى رواية النون قال أبو عبيد سئل عاصم عن معناه فقال ألم تسمع قولهم حار بعد ما كان أي أنه كان على حالة جميلة فرجع عنها والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( ودعوة المظلوم ) أي أعوذ بك من الظلم فإنه يترتب عليه دعاء المظلوم ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب ففيه التحذير من الظلم ومن التعرض لأسبابه 1 ( باب ما يقال اذا رجع من سفر الحج وغيره ) 1344 قوله ( قفل من الجيوش ) أي رجع من الغزو وقوله ( اذا أوفى على ثنية أو فدفد كبر ) معنى أو في ارتفع وعلا الفدفد بفائين مفتوحتين بينهما دال مهملة ساكنة وهو الموضع الذي فيه غلظ وارتفاع وقيل هو الفلاة التي لا شيء فيها وقيل غليظ الأرض ذات الحصى وقيل الجلد من الأرض في ارتفاع وجمعه فدافد قوله صلى الله عليه وسلم ( آيبون ) أي راجعون قوله صلى الله عليه وسلم ( صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ) أي صدق وعده في إظهار الدين وكون العاقبة للمتقين وغير ذلك من وعده سبحانه إن الله لا يخلف الميعاد وهزم الأحزاب وحده أي من غير قتال من الآدميين والمراد الأحزاب الذين اجتمعوا يوم الخندق وتحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل الله عليهم ريحا وجنودا لم تروها وبهذا يرتبط قوله صلى الله عليه وسلم صدق الله تكذيبا لقول المنافقين والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا هذا هو المشهور أن المراد أحزاب يوم الخندق قال القاضي وقيل يحتمل أن المراد أحزاب الكفر في جميع الأيام والمواطن والله أعلم

Section V09/P113–V09/P116

1 ( باب استحباب النزول بطحاء ذي الحليفة والصلاة بها ( اذا صدر من الحج والعمرة وغيرهما فمر بها )) 1257 قوله صلى الله عليه وسلم ( أناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة فصلى وكان بن عمر يفعل ذلك ) وفي الرواية الأخرى ان النبي صلى الله عليه وسلم أتى في معرسة بذي الحليفة فقيل له إنك ببطحاء مباركة قال القاضي المعرس موضع النزول قال أبو زيد عرس القوم في المنزل اذا نزلوا به أي وقت كان من ليل أو نهار وقال الخليل والأصمعي التعريس النزول في آخر الليل قال القاضي والنزول بالبطحاء بذي الحليفة في رجوع الحاج ليس من مناسك الحج وإنما فعله من فعله من أهل المدينة تبركا بآثار النبي صلى الله عليه وسلم ولأنها بطحاء مباركة قال واستحب مالك النزول والصلاة فيه وأن لا يجاوز حتى يصلى فيه وإن كان في غير وقت صلاة مكث حتى يدخل وقت الصلاة فيصلى قال وقيل إنما نزل به صلى الله عليه وسلم في رجوعه حتى يصبح لئلا يفجأ الناس أهاليهم ليلا كما نهى عنه صريحا في الأحاديث المشهورة والله أعلم 1 ( باب لا يحج البيت مشرك ولا يطوف بالبيت عريان( وبيان يوم الحج الأكبر ) ) 1347 قوله ( عن أبي هريرة رضي الله عنه قال بعثني أبو بكر الصديق رضي الله عنه في الحجة التي أمره عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حجة الوداع في رهط يؤذن في الناس يوم النحر لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ) قال بن شهاب وكان حميد بن عبد الرحمن يقول يوم النحر يوم الحج الأكبر من أجل حديث أبي هريرة رضي الله عنه معنى قول حميد بن عبد الرحمن إن الله تعالى قال وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر ففعل أبو بكر وعلي وأبو هريرة وغيرهم من الصحابة هذا الأذان يوم النحر بإذن النبي صلى الله عليه وسلم في أصل الأذان والظاهر أنه عين لهم يوم النحر فتعين أنه يوم الحج الأكبر ولأن معظم المناسك فيه وقد اختلف العلماء في المراد بيوم الحج الأكبر فقيل يوم عرفه وقال مالك والشافعي والجمهور هو يوم النحر ونقل القاضي عياض عن الشافعي أنه يوم عرفة وهذا خلاف المعروف من مذهب الشافعي قال العلماء وقيل الحج الأكبر للاحتراز من الحج الأصغر وهو العمرة واحتج من قال هو يوم عرفة بالحديث المشهور الحج عرفة والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( لا يحج بعد العام مشرك ) موافق لقول الله تعالى إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا والمراد بالمسجد الحرام ها هنا الحرم كله فلا يمكن مشرك من دخول الحرم بحال حتى لو جاء في رسالة أو أمر مهم لا يمكن من الدخول بل يخرج إليه من يقضى الأمر المتعلق به ولو دخل خفية ومرض ومات نبش وأخرج من الحرم قوله صلى الله عليه وسلم ( ولا يطوف بالبيت عريان ) هذا إبطال لما كانت الجاهلية عليه من الطواف بالبيت عراة واستدل به أصحابنا وغيرهم على أن الطواف يشترط له ستر العورة والله أعلم 1 ( باب فضل يوم عرفة )

Section V09/P116–V09/P119

1348 قوله صلى الله عليه وسلم ( ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة وأنه ليدنو ثم يباهى بهم الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء ) هذا الحديث ظاهر الدلالة في فضل يوم عرفة وهو كذلك ولو قال رجل امرأتى طالق في أفضل الأيام فلأصحابنا وجهان أحدهما تطلق يوم الجمعة لقوله صلى الله عليه وسلم خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة كما سبق في صحيح مسلم وأصحهما يوم عرفة للحديث المذكور في هذا الباب ويتأول حديث يوم الجمعة على أنه أفضل أيام الأسبوع قال القاضي عياض قال المازرى معنى يدنو في هذا الحديث أي تدنو رحمته وكرامته لادنو مسافة ومماسة قال القاضي يتأول فيه ما سبق في حديث النزول إلى السماء الدنيا كما جاء في الحديث الآخر من غيظ الشيطان يوم عرفة لما يرى من تنزل الرحمة قال القاضي وقد يريد دنو الملائكة إلى الأرض أو إلى السماء بما ينزل معهم من الرحمة ومباهاة الملائكة بهم عن أمره سبحانه وتعالى قال وقد وقع الحديث في صحيح مسلم مختصرا وذكره عبد الرزاق في مسنده من رواية بن عمر قال إن الله ينزل إلى السماء الدنيا فيباهى بهم الملائكة يقول هؤلاء عبادي جاؤني شعثا غبرا يرجون رحمتى ويخافون عذابي ولم يروني فكيف لو رأوني وذكر باقي الحديث 1 ( باب فضل الحج والعمرة ) 1349 قوله صلى الله عليه وسلم ( العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما ) هذا ظاهر في فضيلة العمرة وأنها مكفرة للخطايا الواقعة بين العمرتين وسبق في كتاب الطهارة بيان هذه الخطايا وبيان الجمع بين هذا الحديث وأحاديث تكفير الوضوء للخطايا وتكفير الصلوات وصوم عرفة وعاشوراء واحتج بعضهم في نصرة مذهب الشافعي والجمهور في استحباب تكرار العمرة في السنة الواحدة مرارا وقال مالك وأكثر أصحابه يكره أن يعتمر في السنة أكثر من عمرة قال القاضي وقال آخرون لا يعتمر في شهر أكثر من عمرة واعلم أن جميع السنة وقت للعمرة فتصح في كل وقت منها إلا في حق من هو متلبس بالحج فلا يصح اعتماره حتى يفرغ من الحج ولا تكره عندنا لغير الحاج في يوم عرفة والأضحى والتشريق وسائر السنة وبهذا قال مالك وأحمد وجماهير العلماء وقال أبو حنيفة تكره في خمسة أيام يوم عرفة والنحر وأيام التشريق وقال أبو يوسف تكره في أربعة أيام وهي عرفة والتشريق واختلف العلماء في وجوب العمرة فمذهب الشافعي والجمهور أنها واجبة وممن قال به عمر وبن عمر وبن عباس وطاوس وعطاء وبن المسيب وسعيد بن جبير والحسن البصرى ومسروق وبن سيرين والشعبي وأبو بردة بن أبي موسى وعبد الله بن شداد والثورى وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وداود وقال مالك وأبو حنيفة وأبو ثور هي سنة وليست واجبة وحكى أيضا عن النخعى قوله صلى الله عليه وسلم ( والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) الأصح الأشهر أن المبرور هو الذي لا يخالطه إثم مأخوذ من البر وهو الطاعة وقيل هو المقبول ومن علامة القبول أن يرجع خيرا مما كان ولا يعاود المعاصى وقيل هو الذي لا رياء فيه وقيل الذى لا يعقبه معصية وهما داخلان فيما قبلهما ومعنى ليس له جزاء الا الجنة أنه لا يقتصر لصاحبه من الجزاء على تكفير بعض ذنوبه بل لا بد أن يدخل الجنة والله أعلم 1350 قوله صلى الله عليه وسلم ( من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه ) قال القاضي هذا من قوله تعالى فلا رفث ولا فسوق والرفث اسم للفحش من القول وقيل هو الجماع وهذا قول الجمهور في الآية قال الله تعالى أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم يقال رفث ورفث بفتح الفاء وكسرها يرفث ويرفث وبرفث بضم الفاء وكسرها وفتحها ويقال أيضا أرفث بالألف وقيل الرفث التصريح بذكر الجماع قال الأزهرى هي كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة وكان بن عباس يخصصه بما خوطب به النساء قال ومعنى كيوم ولدته أمه أي بغير ذنب وأما الفسوق فالمعصية والله أعلم

Section V09/P119–V09/P122

1 ( باب نزول الحاج بمكة وتوريث دورها ) 1351 قوله ( يا رسول الله أتنزل في دارك بمكة قال وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور ) وكان عقيل ورث أبا طالب هو وطالب ولم يرثه جعفر ولا علي شيئا لأنهما كانا مسلمين وكان عقيل وطالب كافرين قال القاضي عياض لعله أضاف الدار إليه صلى الله عليه وسلم لسكناه إياها مع أن أصلها كان لأبي طالب لأنه الذي كفله ولأنه أكبر ولد عبد المطلب فاحتوى على أملاك عبد المطلب وحازها وحده لسنة على عادة الجاهلية قال ويحتمل أن يكون عقيل باع جميعها وأخرجها عن أملاكهم كما فعل أبو سفيان وغيره بدور من هاجر من المؤمنين قال الداودي فباع عقيل جميع ما كان للنبي صلى الله عليه وسلم ولمن هاجر من بني عبد المطلب وقوله صلى الله عليه وسلم وهل ترك لنا عقيل من دار فيه دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه أن مكة فتحت صلحا وأن دورها مملوكة لاهلها لها حكم سائر البلدان في ذلك فتورث عنهم ويجوز لهم بيعها ورهنها وإجارتها وهبتها والوصية بها وسائر التصرفات وقال مالك وأبو حنيفة والأوزاعى وآخرون فتحت عنوة ولا يجوز شيء من هذه التصرفات وفيه أن المسلم لا يرث الكافر وهذا مذهب العلماء كافة الا ما روى عن إسحاق بن راهوية وبعض السلف أن المسلم يرث الكافر وأجمعوا أن الكافر لا يرث المسلم وستأتى المسألة في موضعها مبسوطة ان شاء الله تعالى والله أعلم 1 ( باب جواز الاقامة بمكة للمهاجر منها بعد فراغ الحج ( والعمرة ثلاثة أيام بلا زيادة )) 1352 قوله صلى الله عليه وسلم ( يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا ) وفي الرواية الأخرى مكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا وفي رواية للمهاجر اقامة ثلاث بعد الصدر بمكة كأنه يقول لا يزيد عليها معنى الحديث أن الذين هاجروا من مكة قبل الفتح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم عليهم استيطان مكة والاقامة بها ثم أبيح لهم اذا وصلوها بحج أو عمرة أو غيرهما أن يقيموا بعد فراغهم ثلاثة أيام ولا يزيدوا على الثلاثة واستدل أصحابنا وغيرهم بهذا الحديث على أن إقامة ثلاثة ليس لها حكم الاقامة بل صاحبها في حكم المسافر قالوا فاذا نوى المسافر الاقامة في بلد ثلاثة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج جاز له الترخص برخص السفر من القصر والفطر وغيرهما من رخصة ولا يصير له حكم المقيم والمراد بقوله صلى الله عليه وسلم ( يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثة ) أي بعد رجوعه من منى كما قال في الرواية الاخرى ( بعد الصدر ) أي الصدر من منى وهذا كله قبل طواف الوداع وفي هذا دلالة لأصح الوجهين عند أصحابنا أن طواف الوداع ليس من مناسك الحج بل هو عبادة مستقلة أمر بها من أراد الخروج من مكة لا أنه نسك من مناسك الحج ولهذا لا يؤمر به المكى ومن يقيم بها وموضع الدلالة قوله صلى الله عليه وسلم بعد قضاء نسكه والمراد قبل طواف الوداع كما ذكرنا فإن طواف الوداع لا إقامة بعده ومتى أقام بعده خرج عن كونه طواف الوداع فسماه قبله قاضيا لمناسكه والله أعلم قال القاضي عياض رحمه الله في هذا الحديث حجة لمن منع المهاجر قبل الفتح من المقام بمكة بعد الفتح قال وهو قول الجمهور وأجاز لهم جماعة بعد الفتح مع الاتفاق على وجوب الهجرة عليهم قبل الفتح ووجوب سكنى المدينة لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم ومواساتهم له بأنفسهم وأما غير المهاجر ومن آمن بعد ذلك فيجوز له سكنى أي بلد أراد سواء مكة وغيرها بالاتفاق هذا كلام القاضي قوله صلى الله عليه وسلم ( مكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا ) هكذا هو في أكثر النسخ ثلاثا وفي بعضها ثلاث ووجه المنصوب أن يقدر فيه محذوف أي مكثه المباح أن يمكث ثلاثا والله أعلم 1 ( باب تحريم مكة وتحريم صيدها وخلاها وشجرها ( ولقطتها الا لمنشد على الدوام ))

Questions