İbn Hişâm — es-Sîretü'n-Nebeviyye
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: من رجل يخرج بنا على القوم من كثب: أي من قرب، من طريق لا يمر بنا عليهم؟ فقال أبو خيثمة أخو بني حارثة بن الحارث: أنا يا رسول الله، فنفذ به في حرة بني حارثة، وبين أموالهم، حتى سلك في مال لمربع بن قيظي، وكان رجلا منافقا ضرير البصر، فلما سمع حس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين، قام يحثي في وجوههم التراب، ويقول: إن كنت رسول الله فإني لا أحل لك أن تدخل حائطي. وقد ذكر لي أنه أخذ حفنة من تراب في يده، ثم قال: والله لو أعلم أني لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك. فابتدره القوم ليقتلوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقتلوه، فهذا الأعمى أعمى القلب، أعمى البصر. وقد بدر إليه سعد بن زيد، أخو بني عبد الأشهل، قبل نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، فضربه بالقوس في رأسه، فشجه. (نزول الرسول بالشعب وتعبيته للقتال) : قال: ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل الشعب من أحد، في عدوة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد، وقال: لا يقاتلن أحد منكم حتى نأمره بالقتال. وقد سرحت قريش الظهر والكراع في زروع كانت بالصمغة ، من قناة للمسلمين: فقال رجل من الأنصار حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القتال: أترعى زروع بني قيلة ولما نضارب! وتعبى رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال، وهو في سبع مائة رجل، وأمر على الرماة عبد الله بن جبير، أخا بني عمرو بن عوف وهو معلم يومئذ بثياب بيض، والرماة خمسون رجلا، فقال: انضح الخيل عنا بالنبل، لا يأتونا من خلفنا، إن كانت لنا أو علينا، فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك. وظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين ، ودفع اللواء إلى مصعب ابن عمير، أخي بني عبد الدار. (من أجازهم الرسول وهم في الخامسة عشرة) : قال ابن هشام: وأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ سمرة بن جندب الفزاري، ورافع بن خديج، أخا بني حارثة، وهما ابنا خمس عشرة سنة، وكان قد ردهما، فقيل له: يا رسول الله إن رافعا رام، فأجازه، فلما أجاز رافعا، قيل له: يا رسول الله، فإن سمرة يصرع رافعا، فأجازه. ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، أحد بني مالك بن النجار، والبراء بن عازب، أحد بني حارثة، وعمرو بن حزم، أحد بني مالك بن النجار، وأسيد بن ظهير، أحد بني حارثة، ثم أجازهم يوم الخندق، وهم أبناء خمس عشرة سنة. قال ابن إسحاق: وتعبأت قريش، وهم ثلاثة آلاف رجل، ومعهم مائتا فرس قد جنبوها ، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد، وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل. (أمر أبي دجانة) : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فقام إليه رجال، فأمسكه عنهم، حتى قام إليه أبو دجانة سماك بن خرشة، أخو بني ساعدة، فقال: وما حقه يا رسول الله؟ قال: أن تشرب به العدو حتى ينحني، قال: أنا آخذه يا رسول الله بحقه، فأعطاه إياه. وكان أبو دجانة رجلا شجاعا يختال عند الحرب، إذا كانت، وكان إذا أعلم بعصابة له حمراء، فاعتصب بها على لناس أنه سيقاتل، فلما أخذ السيف من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرج عصابته تلك، فعصب بها رأسه، وجعل يتبختر بين الصفين. قال ابن إسحاق: فحدثني جعفر بن عبد الله بن أسلم، مولى عمر بن الخطاب، عن رجل من الأنصار من بني سلمة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين رأى أبا دجانة يتبختر: إنها لمشية يبغضها انه، إلا في مثل هذا الموطن. (أمر أبي عامر الفاسق) :
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن أبا عامر، عبد عمرو ابن صيفي بن مالك بن النعمان، أحد بني ضبيعة، وقد كان خرج حين خرج إلى مكة مباعدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، معه خمسون غلاما من الأوس، وبعض الناس كان يقول: كانوا خمسة عشر رجلا، وكان يعد قريشا أن لو قد لقي قومه لم يختلف عليه منهم رجلان، فلما التقى الناس كان أول من لقيهم أبو عامر في الأحابيش وعبدان أهل مكة، فنادى: يا معشر الأوس، أنا أبو عامر، قالوا: فلا أنعم الله بك عينا يا فاسق- وكان أبو عامر يسمى في الجاهلية: الراهب، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم: الفاسق- فلما سمع ردهم عليه قال: لقد أصاب قومي بعدي شر، ثم قاتلهم قتالا شديدا، ثم راضخهم بالحجارة. (أسلوب أبي سفيان في تحريض قريش) : قال ابن إسحاق: وقد قال أبو سفيان لأصحاب اللواء من بني عبد الدار يحرضهم بذلك على القتال: يا بني عبد الدار، إنكم قد وليتم لواءنا يوم بدر، فأصابنا ما قد رأيتم، وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم إذا زالت زالوا، فإما أن تكفونا لواءنا، وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه، فهموا به وتواعدوه، وقالوا: نحن نسلم إليك لواءنا، ستعلم غدا إذا التقينا كيف نصنع! وذلك أراد أبو سفيان. (تحريض هند والنسوة معها) : فلما التقى الناس، ودنا بعضهم من بعض، قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها، وأخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال، ويحرضنهم، فقالت هند فيما تقول: ويها بني عبد الدار ... ويها حماة الأدبار ضربا بكل بتار وتقول: إن تقبلوا نعانق ... ونفرش النمارق أو تدبروا نفارق ... فراق غير وامق (شعار المسلمين) : وكان شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد: أمت، أمت، فيما قال ابن هشام. (تمام قصة أبي دجانة) : قال ابن إسحاق: فاقتتل الناس حتى حميت الحرب، وقاتل أبو دجانة حتى أمعن في الناس. قال ابن هشام: حدثني غير واحد، من أهل العلم، أن الزبير بن العوام قال: وجدت في نفسي حين سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف فمنعنيه وأعطاه أبا دجانة، وقلت: أنا ابن صفية عمته، ومن قريش، وقد قمت إليه فسألته إياه قبله، فأعطاه إياه وتركني، والله لأنظرن ما يصنع، فاتبعته، فأخرج عصابة له حمراء، فعصب بها رأسه، فقالت الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت، وهكذا كانت تقول له إذا تعصب بها. فخرج وهو يقول: أنا الذي عاهدني خليلي ... ونحن بالسفح لدى النخيل ألا أقوم الدهر في الكيول ... أضرب بسيف الله والرسول قال ابن هشام: ويروى في الكبول . قال ابن إسحاق: فجعل لا يلقى أحدا إلا قتله. وكان في المشركين رجل لا يدع لنا جريحا إلا ذفف عليه، فجعل كل واحد منهما يدنو من صاحبه. فدعوت الله أن يجمع بينهما، فالتقيا، فاختلفا ضربتين، فضرب المشرك أبا دجانة، فاتقاه بدرقته، فعضت بسيفه، وضربه أبو دجانة فقتله ثم رأيته قد حمل السيف على مفرق رأس هند بنت عتبة، ثم عدل السيف عنها. قال الزبير فقلت: الله ورسوله أعلم. قال ابن إسحاق: وقال أبو دجانة سماك بن خرشة: رأيت إنسانا يخمش الناس خمشا شديدا، فصمدت له، فلما حملت عليه السيف ولول فإذا امرأة، فأكرمت سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أضرب به امرأة. (مقتل حمزة) : وقاتل حمزة بن عبد المطلب حتى قتل أرطاة بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، وكان أحد النفر الذين يحملون اللواء ثم مر به سباع ابن عبد العزى الغبشاني، وكان يكنى بأبي نيار، فقال له حمزة: هلم إلي يا بن مقطعة البظور- وكانت أمه أم أنمار مولاة شريق بن عمرو بن وهب الثقفي. (قال ابن هشام: شريق بن الأخنس بن شريق) . وكانت ختانة بمكة- فلما التقيا ضربه حمزة فقتله. قال وحشي، غلام جبير بن مطعم: والله إني لأنظر إلى حمزة يهد
الناس بسيفه ما يليق به شيئا، مثل الجمل الأورق إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزى، فقال له حمزة: هلم إلي يا بن مقطعة البظور، فضربه ضربة، فكأن ما أخطأ رأسه ، وهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه، فوقعت في ثنته حتى خرجت من بين رجليه، فأقبل نحوي، فغلب فوقع، وأمهلته حتى إذا مات جئت فأخذت حربتي، ثم تنحيت إلى العسكر، ولم تكن لي بشيء حاجة غيره. (وحشي يحدث الضمري وابن الخيار عن قتله حمزة) : قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن الفضل بن عباس بن ربيعة بن الحارث عن سليمان بن يسار عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري قال: خرجت أنا وعبيد الله بن عدي بن الخيار، أخو بني نوفل بن عبد مناف، في زمان معاوية بن أبي سفيان، فأدربنا مع الناس ، فلما قفلنا مررنا بحمص- وكان وحشي، مولى جبير بن مطعم، قد سكنها، وأقام بها- فلما قدمناها، قال لي عبيد الله بن عدي: هل لك في أن نأتي وحشيا فنسأله عن قتل حمزة كيف قتله؟ قال: قلت له: إن شئت. فخرجنا نسأل عنه بحمص، فقال لنا رجل، ونحن نسأل عنه: إنكما ستجدانه بفناء داره، وهو رجل قد غلبت عليه الخمر، فإن تجداه صاحيا تجدا رجلا عربيا، وتجدا عنده بعض ما تريدان، وتصيبا عنده ما شئتما من حديث تسألانه عنه، وإن تجداه وبه بعض ما يكون به، فانصرفا عنه ودعاه، قال: فخرجنا نمشي حتى جئناه، فإذا هو بفناء داره على طنفسة له [1] ، فإذا شيخ كبير مثل البغاث. - قال ابن هشام: البغاث: ضرب من الطير إلى السواد- فإذا هو صاح لا بأس به. قال: فلما انتهينا إليه سلمنا عليه، فرفع رأسه إلى عبيد الله بن عدي، فقال: ابن لعدي بن الخيار أنت؟ قال: نعم، قال: أما والله ما رأيتك منذ ناولتك أمك السعدية التي أرضعتك بذي طوى ، فإني ناولتكها وهي على بعيرها، فأخذتك بعرضيك ، فلمعت لي قدماك حين رفعتك إليها، فو الله ما هو إلا أن وقفت علي فعرفتهما. قال: فجلسنا إليه، فقلنا له: جئناك لتحدثنا عن قتلك حمزة، كيف قتلت؟ فقال: أما إني سأحدثكما كما حدثت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سألني عن ذلك، كنت غلاما لجبير بن مطعم، وكان عمه طعيمة بن عدي قد أصيب يوم بدر، فلما سارت قريش إلى أحد، قال لي جبير: إن قتلت حمزة عم محمد بعمي فأنت عتيق قال: فخرجت مع الناس، وكنت رجلا حبشيا أقذف بالحربة قذف الحبشة، قلما أخطئ بها شيئا، فلما التقى الناس خرجت انظر حمزة وأ تبصره، حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأورق ، يهد الناس بسيفه هدا، ما يقوم له شيء، فو الله إني لأتهيأ له، أريده وأستتر منه بشجرة أو حجر ليدنو مني إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزى، فلما رآه حمزة قال له: هلم إلي يا بن مقطعة البظور. قال: فضربه ضربة كأن ما أخطأ رأسه. قال: وهززت حربتي، حتى إذا رضيت منها، دفعتها عليه، فوقعت في ثنته، حتى خرجت من بين رجليه، وذهب لينوء نحوي، فغلب، وتركته وإياها حتى مات، ثم أتيته فأخذت حربتي، ثم رجعت إلى العسكر، فقعدت فيه، ولم يكن لي بغيره حاجة، وإنما قتلته لأعتق. فلما قدمت مكة أعتقت، ثم أقمت حتى إذا افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة هربت إلى الطائف، فمكثت بها، فلما خرج وفد الطائف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلموا تعيت علي المذاهب، فقلت: ألحق بالشأم، أو اليمن، أو ببعض البلاد، فو الله إني لفي ذلك من همي، إذ قال لي رجل: ويحك! إنه والله ما يقتل أحدا من الناس دخل في دينه، وتشهد شهادته . (وحشي بين يدي الرسول يسلم) : فلما قال لي ذلك، خرجت حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فلم يرعه إلا بي قائما على رأسه أتشهد بشهادة الحق، فلما رآني قال:
أوحشي؟ قلت: نعم يا رسول الله. قال: اقعد فحدثني كيف قتلت حمزة، قال: فحدثته كما حدثتكما، فلما فرغت من حديثي قال: ويحك! غيب عني وجهك، فلا أرينك. قال: فكنت أتنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان لئلا يراني، حتى قبضه الله صلى الله عليه وسلم. (قتل وحشي لمسيلمة) : فلما خرج المسلمون إلى مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة خرجت معهم، وأخذت حربتي التي قتلت بها حمزة، فلما التقى الناس رأيت مسيلمة الكذاب قائما في يده السيف، وما أعرفه، فتهيأت له، وتهيأ له رجل من الأنصار من الناحية الأخرى، كلانا يريده، فهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه، فوقعت فيه، وشد عليه الأنصاري فضربه بالسيف، فربك أعلم أينا قتله، فإن كنت قتلته، فقد قتلت خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قتلت شر الناس. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن الفضل، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وكان قد شهد اليمامة، قال: سمعت يومئذ صارخا يقول: قتله العبد الأسود. (خلع وحشي من الديوان) : قال ابن هشام: فبلغني أن وحشيا لم يزل يحد في الخمر حتى خلع من الديوان، فكان عمر بن الخطاب يقول: قد علمت أن الله تعالى لم يكن ليدع قاتل حمزة. (مقتل مصعب بن عمير) : قال ابن إسحاق: وقاتل مصعب بن عمير دون رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل، وكان الذي قتله ابن قمئة الليثي، وهو يظن أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجع إلى قريش فقال: قتلت محمدا. فلما قتل مصعب بن عمير أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء علي بن أبي طالب، وقاتل علي بن أبي طالب ورجال من المسلمين. قال ابن هشام: وحدثني مسلمة بن علقمة المازني، قال: لما اشتد القتال يوم أحد، جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت راية الأنصار، وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي بن أبي طالب رضوان الله عليه: أن قدم الراية. فتقدم علي، فقال: أنا أبو الفصم ، ويقال: أبو القصم، فيما قال ابن هشام- فناداه أبو سعد بن أبي طلحة، وهو صاحب لواء المشركين: أن هل لك يا أبا القصم في البراز من حاجة؟ قال: نعم. فبرزا بين الصفين، فاختلفا ضربتين فضربه علي فصرعه، ثم انصرف عنه ولم يجهز عليه، فقال له أصحابه: أفلا أجهزت عليه؟ فقال: إنه استقبلني بعورته، فعطفتني عنه الرحم ، وعرفت أن الله عز وجل قد قتله. ويقال: إن أبا سعد بن أبي طلحة خرج بين الصفين، فنادى: [أنا قاصم] من يبارز برازا، فلم يخرج إليه أحد. فقال: يا أصحاب محمد، زعمتم أن قتلاكم في الجنة، وأن قتلانا في النار، كذبتم واللات! لو تعلمون ذلك حقا لخرج إلي بعضكم، فخرج إليه علي بن أبي طالب، فاختلفا ضربتين، فضربه علي فقتله. قال ابن إسحاق: قتل أبا سعد بن أبي طلحة سعد بن أبي وقاص . (شأن عاصم بن ثابت) : وقاتل عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، فقتل مسافع بن طلحة وأخاه الجلاس ابن طلحة، كلاهما يشعره سهما، فيأتي أمه سلافة، فيضع رأسه في حجرها فتقول: يا بني، من أصابك؟ فيقول: سمعت رجلا حين رماني وهو يقول: خذها وأنا ابن أبي الأقلح. فنذرت إن أمكنها الله من رأس عاصم أن تشرب فيه الخمر، وكان عاصم قد عاهد الله أن لا يمس مشركا أبدا، ولا يمسه مشرك. وقال عثمان بن أبي طلحة يومئذ، وهو يحمل لواء المشركين: إن على أهل اللواء حقا ... أن يخضبوا الصعدة أو تندقا فقتله حمزة بن عبد المطلب. (حنظلة غسيل الملائكة) : والتقى حنظلة بن أبي عامر الغسيل وأبو سفيان، فلما استعلاه حنظلة بن أبي عامر رآه شداد بن الأسود ، وهو ابن شعوب، قد علا أبا سفيان. فضربه شداد فقتله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن صاحبكم، يعني حنظلة لتغسله الملائكة. فسألوا أهله ما شأنه؟ فسئلت صاحبته عنه. فقالت: خرج وهو جنب حين سمع الهاتفة .
- قال ابن هشام: ويقال: الهائعة. وجاء في الحديث: خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه، كلما سمع هيعة طار إليها. قال الطرماح بن حكم الطائي، والطرماح: الطويل من الرجال-: أنا ابن حماة المجد من آل مالك ... إذا جعلت خور الرجال تهيع (والهيعة: الصيحة التي فيها الفزع) قال ابن إسحاق: فقال رسول الله صلى الله عليه. سلم: لذلك غسلته الملائكة. (شعر الأسود في قتلهما حنظلة وأبا سفيان) : (قال ابن إسحاق) : وقال شداد بن الأسود في قتله حنظلة: لأحمين صاحبي ونفسي ... بطعنة مثل شعاع الشمس وقال أبو سفيان بن حرب، وهو يذكر صبره في ذلك اليوم، ومعاونة ابن شعوب إياه على حنظلة: ولو شئت نجتني كميت طمرة ... ولم أحمل النعماء لابن شعوب وما زال مهري مزجر الكلب منهم ... لدن غدوة حتى دنت لغروب أقاتلهم وأدعي يا لغالب ... وأدفعهم عني بركن صليب فبكي ولا ترعى مقالة عاذل ... ولا تسأمي من عبرة ونحيب أباك وإخوانا له قد تتابعوا ... وحق لهم من عبرة بنصيب وسلى الذي قد كان في النفس أنني ... قتلت من النجار كل نجيب ومن هاشم قرما كريما ومصعبا ... وكان لدى الهيجاء غير هيوب ولو أنني لم أشف نفسي منهم ... لكانت شجا في القلب ذات ندوب فآبوا وقد أودى الجلابيب منهم ... بهم خدب من معطب وكئيب أصابهم من لم يكن لدمائهم ... كفاء ولا في خطة بضريب (شعر حسان في الرد على أبي سفيان) : فأجابه حسان بن ثابت، فيما ذكر ابن هشام، فقال: ذكرت القروم الصيد من آل هاشم ... ولست لزور قلته بمصيب أتعجب أن أقصدت حمزة منهم ... نجيبا وقد سميته بنجيب ألم يقتلوا عمرا وعتبة وابنه ... وشيبة والحجاج وابن حبيب غداة دعا العاصي عليا فراعه ... بضربة عضب بله بخضيب قال ابن إسحاق: وقال ابن شعوب يذكر يده عند أبي سفيان فيما دفع عنه، فقال: ولولا دفاعي يا بن حرب ومشهدي ... لألفيت يوم النعف غير مجيب ولولا مكري المهر بالنعف قرقرت ... ضباع عليه أو ضراء كليب قال ابن هشام: قوله «عليه أو ضراء» عن غير ابن إسحاق. (شعر الحارث في الرد على أبي سفيان أيضا) : قال ابن إسحاق: وقال الحارث بن هشام يجيب أبا سفيان: جزيتهم يوما ببدر كمثله ... على سابح ذي ميعة وشبيب لدى صحن بدر أو أقمت نوائحا ... عليك ولم تحفل مصاب حبيب وإنك لو عاينت ما كان منهم ... لأبت بقلب ما بقيت نخيب قال ابن هشام: وإنما أجاب الحارث بن هشام أبا سفيان لأنه ظن أنه عرض به في قوله: وما زال مهري مزجر الكلب منهم لفرار الحارث يوم بدر. (حديث الزبير عن سبب الهزيمة) : قال ابن إسحاق: ثم أنزل الله نصره على المسلمين وصدقهم وعده، فحسوهم بالسيوف حتى كشفوهم عن العسكر، وكانت الهزيمة لا شك فيها. قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير، أنه قال: والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هوارب، ما دون أخذهن قليل ولا كثير إذ مالت الرماة إلى العسكر، حين كشفنا القوم عنه وخلوا ظهورنا للخيل، فأتينا من خلفنا، وصرخ صارخ: ألا إن محمدا قد قتل، فانكفأنا وانكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه أحد من القوم. قال ابن هشام: الصارخ: أزب العقبة، يعني الشيطان. (شجاعة صؤاب وشعر حسان في ذلك) : قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم: أن اللواء لم يزل صريعا حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية، فرفعته لقريش، فلا ثوابه . وكان اللواء مع صؤاب، غلام لبني أبي طلحة، حبشي وكان آخر من أخذه منهم، فقاتل به حتى قطعت يداه، ثم برك عليه، فأخذ اللواء بصدره وعنقه حتى قتل عليه، وهو يقول: اللهم هل أعزرت- يقول: أعذرت- فقال حسان بن ثابت في ذلك:
فخرتم باللواء وشر فخر ... لواء حين رد إلى صؤاب جعلتم فخركم فيه بعبد ... وألأم من يطا عفر التراب ظننتم، والسفيه له ظنون ... وما إن ذاك من أمر الصواب بأن جلادنا يوم التقينا ... بمكة بيعكم حمر العياب أقر العين أن عصبت يداه ... وما إن تعصبان على خضاب قال ابن هشام: آخرها بيتا يروى لأبي خراش الهذلي، وأنشدنيه له خلف الأحمر: أقر العين أن عصبت يداها ... وما إن تعصبان على خضاب في أبيات له، يعني امرأته، في غير حديث أحد. وتروى الأبيات أيضا لمعقل ابن خويلد الهذلي. (شعر حسان في عمرة الحارثية) : قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت في شأن عمرة بنت علقمة الحارثية ورفعها اللواء: إذا عضل سيقت إلينا كأنها ... جداية شرك معلمات الحواجب أقمنا لهم طعنا مبيرا منكلا ... وحزناهم بالضرب من كل جانب فلولا لواء الحارثية أصبحوا ... يباعون في الأسواق بيع الجلائب قال ابن هشام: وهذه الأبيات في أبيات له. (ما لقيه الرسول يوم أحد) : قال ابن إسحاق: وانكشف المسلمون، فأصاب فيهم العدو، وكان يوم بلاء وتمحيص، أكرم الله فيه من أكرم من المسلمين بالشهادة، حتى خلص العدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فدث بالحجارة حتى وقع لشقه ، فأصيبت رباعيته، وشج في وجهه، وكلمت شفته، وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص. قال ابن إسحاق: فحدثني حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: كسرت رباعية النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وشج في وجهه، فجعل الدم يسيل على وجهه، وجعل يمسح الدم وهو يقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم! فأنزل الله عز وجل في ذلك: «ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون 3: 128» . قال ابن هشام: وذكر ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري: أن عتبة بن أبي وقاص رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ، فكسر رباعيته اليمنى السفلى، وجرح شفته السفلى، وأن عبد الله ابن شهاب الزهري شجه في جبهته، وأن ابن قمئة جرح وجنته فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته، ووقع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرة من الحفر التي عمل أبو عامر ليقع فيها المسلمون، وهم لا يعلمون، فأخذ علي بن أبي طالب بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائما، ومص مالك بن سنان، أبو أبي سعيد الخدري، الدم: عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ازدرده ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من مس دمي دمه لم تصبه النار. قال ابن هشام : وذكر عبد العزيز بن محمد الدراوردي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله. وذكر، يعني عبد العزيز الدراوردي، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن عيسى بن طلحة، عن عائشة، عن أبي بكر الصديق: أن أبا عبيدة بن الجراح نزع إحدى الحلقتين من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسقطت ثنيته، ثم نزع الأخرى، فسقطت ثنيته الأخرى، فكان ساقط الثنيتين. (شعر حسان في عتبة وما أصاب به الرسول) : قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت لعتبة بن أبي وقاص: إذا الله جازى معشرا بفعالهم ... وضرهم الرحمن رب المشارق فأخزاك ربي يا عتيب بن مالك ... ولقاك قبل الموت إحدى الصواعق بسطت يمينا للنبي تعمدا ... فأدميت فاه، قطعت بالبوارق فهلا ذكرت الله والمنزل الذي ... تصير إليه عند إحدى البوائق قال ابن هشام: تركنا منها بيتين أقذع فيهما. (ابن السكن وبلاؤه يوم أحد) : قال ابن إسحاق: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين غشيه القوم:
من رجل يشري لنا نفسه؟ كما حدثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد ابن معاذ، عن محمود بن عمرو، قال: فقام زياد بن السكن في نفر خمسة من الأنصار- وبعض الناس يقول: إنما هو عمارة بن يزيد بن السكن- فقاتلوا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، رجلا ثم رجلا، يقتلون دونه، حتى كان آخرهم زياد أو عمارة، فقاتل حتى أثبتته الجراحة، ثم فاءت فئة من المسلمين، فأجهضوهم عنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أدنوه مني، فأدنوه منه، فوسده قدمه، فمات وخده على قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم. (حديث أم سعد عن نصيبها في الجهاد يوم أحد) : قال ابن هشام: وقاتلت أم عمارة، نسيبة بنت كعب المازنية يوم أحد. فذكر سعيد بن أبي زيد الأنصاري: أن أم سعد بنت سعد بن الربيع كانت تقول: دخلت على أم عمارة، فقلت لها: يا خالة، أخبريني خبرك، فقالت: خرجت أول النهار وأنا أنظر ما يصنع الناس، ومعي سقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في أصحابه، والدولة والريح للمسلمين. فلما انهزم المسلمون، انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقمت أباشر القتال، وأذب عنه بالسيف، وأرمي عن القوس، حتى خلصت الجراح إلي. قالت: فرأيت على عاتقها جرحا أجوف له غور، فقلت: من أصابك بهذا؟ قالت: ابن قمئة، أقمأه الله! لما ولى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل يقول: دلوني على محمد، فلا نجوت إن نجا، فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير، وأناس ممن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضربني هذه الضربة ولكن فلقد ضربته على ذلك ضربات، ولكن عدو الله كان عليه درعان. (أبو دجانة وابن أبي وقاص يدفعان عن الرسول) : قال ابن إسحاق: وترس دون رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو دجانة بنفسه، يقع النبل في ظهره، وهو منحن عليه، حتى كثر فيه النبل. ورمى سعد بن أبي وقاص دون رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال سعد: فلقد رأيته يناولني النبل وهو يقول: ارم، فداك أبي وأمي، حتى إنه ليناولني السهم ما له نصل، فيقول: ارم به. (بلاء قتادة وحديث عينه) : قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: رمى عن قوسه حتى اندقت سيتها ، فأخذها قتادة بن النعمان، فكانت عنده، وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان، حتى وقعت على وجنته. قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ردها بيده، فكانت أحسن عينيه وأحدهما. (شأن أنس بن النضر) : قال ابن إسحاق: وحدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أخو بني عدى بن لنجار، قال: انتهى أنس بن النضر، عم أنس بن مالك، إلى عمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله، في رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا بأيديهم، فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فماذا تصنعون بالحياة بعده؟ (قوموا) فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استقبل القوم، فقاتل حتى قتل، وبه سمي أنس بن مالك. قال ابن إسحاق: فحدثني حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: لقد وجدنا بأنس بن النضر يومئذ سبعين ضربة، فما عرفه إلا أخته، عرفته ببناته. (ما أصاب ابن عوف من الجراحات) : قال ابن هشام: حدثني بعض أهل العلم: أن عبد الرحمن بن عوف أصيب فوه يومئذ فهتم ، وجرح عشرين جراحة أو أكثر، أصابه بعضها في رجله فعرج. (أول من عرف الرسول بعد الهزيمة) :
قال ابن إسحاق: وكان أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهزيمة، وقول الناس: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ذكر لي ابن شهاب الزهري كعب بن مالك، قال: عرفت عينيه تزهران من تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين، أبشروا، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن أنصت. قال ابن إسحاق: فلما عرف المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم نهضوا به، ونهض معهم نحو الشعب، معه أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، رضوان الله عليهم، والحارث بن الصمة، ورهط من المسلمين. (مقتل أبي بن خلف) : (قال) : فلما أسند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب أدركه أبي ابن خلف وهو يقول: أي محمد، لا نجوت إن نجوت، فقال القوم: يا رسول الله، أيعطف عليه رجل منا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوه، فلما دنا، تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة، يقول بعض القوم، فيما ذكر لي: فلما أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم منه انتفض بها انتفاضة، تطايرنا عنه تطاير الشعراء عن ظهر البعير إذا انتفض بها- قال ابن هشام: الشعراء: ذباب له لدغ- ثم استقبله فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مرارا. قال ابن هشام: تدأدأ، يقول: تقلب عن فرسه فجعل يتدحرج. قال ابن إسحاق: وكان أبي بن خلف، كما حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فيقول: يا محمد إن عندي العوذ، فرسا أعلفه كل يوم فرقا من ذرة، أقتلك عليه، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أنا أقتلك إن شاء الله. فلما رجع إلى قريش وقد خدشه في عنقه خدشا غير كبير، فاحتقن الدم، قال: قتلني والله محمد! قالوا له: ذهب والله فؤادك! والله إن بك من بأس، قال: إنه قد كان قال لي بمكة: أنا أقتلك، فو الله لو بصق علي لقتلني. فمات عدو الله بسرف وهم قافلون به إلى مكة. (شعر حسان في مقتل أبي بن خلف) : قال ابن إسحاق: فقال حسان بن ثابت في ذلك: لقد ورث الضلالة عن أبيه ... أبي يوم بارزه الرسول أتيت إليه تحمل رم عظم ... وتوعده وأنت به جهول وقد قتلت بنو النجار منكم ... أمية إذ يغوث: يا عقيل وتب ابنا ربيعة إذ أطاعا ... أبا جهل، لأمهما الهبول وأفلت حارث لما شغلنا ... بأسر القوم، أسرته فليل قال ابن هشام: أسرته: قبيلته. وقال حسان بن ثابت أيضا في ذلك: ألا من مبلغ عني أبيا ... لقد ألقيت في سحق السعير تمنى بالضلالة من بعيد ... وتقسم أن قدرت مع النذور تمنيك الأماني من بعيد ... وقول الكفر يرجع في غرور فقد لاقتك طعنة ذي حفاظ ... كريم البيت ليس بذي فجور له فضل على الأحياء طرا ... إذا نابت ملمات الأمور (انتهاء الرسول إلى الشعب) : (قال) : فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فم الشعب خرج علي ابن أبي طالب، حتى ملأ درقته ماء من المهراس ، فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشرب منه، فوجد له ريحا، فعافه ، فلم يشرب منه، وغسل عن وجهه الدم، وصب على رأسه وهو يقول: اشتد غضب الله على من دمى وجه نبيه (حرص ابن أبي وقاص على قتل عتبة) : قال ابن إسحاق: فحدثني صالح بن كيسان عمن حدثه عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يقول: والله ما حرصت على قتل رجل قط كحرصي على قتل عتبة ابن أبي وقاص، وإن كان ما علمت لسيئ الخلق مبغضا في قومه، ولقد كفاني منه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: اشتد غضب الله على من دمى وجه رسوله. (صعود قريش الجبل وقتال عمر لهم) :
قال ابن إسحاق: فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشعب، معه أولئك النفر من أصحابه، إذ علت عالية من قريش الجبل. قال ابن هشام: كان على تلك الخيل خالد بن الوليد. قال ابن إسحاق: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إنه لا ينبغي لهم أن يعلونا! فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل. (ضعف الرسول عن النهوض ومعاونة طلحة له) : قال ابن إسحاق: ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صخرة من الجبل ليعلوها، وقد كان بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وظاهر بين درعين، فلما ذهب لينهض صلى الله عليه وسلم لم يستطع، فجلس تحته طلحة بن عبيد الله، فنهض به، حتى استوى عليها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ يقول: أوجب طلحة حين صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع. قال ابن هشام: وبلغني عن عكرمة عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبلغ الدرجة المبنية في الشعب. (صلاة الرسول قاعدا) : قال ابن هشام: وذكر عمره ولى غفرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم أحد قاعدا من الجراح التي أصابته، وصلى المسلمون خلفه قعودا. (مقتل اليمان وابن وقش) : قال ابن إسحاق: وقد كان الناس انهزموا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى بعضهم إلى المنقى، دون الأعوص . قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد، رفع حسيل بن جابر، وهو اليمان أبو حذيفة بن اليمان، وثابت بن وقش في الآطام مع النساء والصبيان، فقال أحدهما لصاحبه، وهما شيخان كبيران: ما أبا لك، ما تنتظر؟ فو الله لا بقي لواحد منا من عمره إلا ظمء حمار، إنما نحن هامة اليوم أو غد، أفلا نأخذ أسيافنا، ثم نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، لعل الله يرزقنا شهادة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأخذا أسيافهما ثم خرجا، حتى دخلا في الناس، ولم يعلم بهما، فأما ثابت بن وقش فقتله المشركون، وأما حسيل بن جابر، فاختلفت عليه أسياف المسلمين، فقتلوه ولا يعرفونه ، فقال حذيفة: أبي ، فقالوا: والله إن عرفناه، وصدقوا. قال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يديه، فتصدق حذيفة بديته على المسلمين، فزاده ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا. (مقتل حاطب ومقالة أبيه) : قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن رجلا منهم كان يدعى حاطب بن أمية بن رافع، وكان له ابن يقال له يزيد بن حاطب، أصابته جراحة يوم أحد، فأتي به إلى دار قومه وهو بالموت، فاجتمع إليه أهل الدار، فجعل المسلمون يقولون له من الرجال والنساء: أبشر يا بن حاطب بالجنة، قال: وكان حاطب شيخا قد عسا في الجاهلية، فنجم يومئذ نفاقه، فقال: بأي شيء تبشرونه؟ بجنة من حرمل ! غررتم والله هذا الغلام من نفسه. (مقتل قزمان منافقا كما حدث الرسول بذلك) : قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، قال: كان فينا رجل أتى لا يدرى ممن هو، يقال له: قزمان، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، إذا ذكر له: إنه لمن أهل النار، قال: فلما كان يوم أحد قاتل قتالا شديدا، فقتل وحده ثمانية أو سبعة من المشركين، وكان ذا بأس، فأثبتته الجراحة، فاحتمل إلى دار بني ظفر، قال: فجعل رجال من المسلمين يقولون له: والله لقد أبليت اليوم يا قزمان، فأبشر، قال: بماذا أبشر؟ فو الله إن قاتلت إلا عن أحساب قومي، ولولا ذلك ما قاتلت. قال: فلما اشتدت عليه جراحته أخذ سهما من كنانته، فقتل به نفسه.
(قتل مخيريق) : قال ابن إسحاق: وكان ممن قتل يوم أحد مخيريق، وكان أحد بني ثعلبة بن الفطيون، قال: لما كان يوم أحد، قال: يا معشر يهود، والله لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لحق، قالوا: إن اليوم يوم السبت، قال: لا سبت لكم. فأخذ سيفه وعدته، وقال: إن أصبت فمالي لمحمد يصنع فيه ما شاء، ثم غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقاتل معه حتى قتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم- فيما بلغنا- مخيريق خير يهود. (أمر الحارث بن سويد) : قال ابن إسحاق: وكان الحارث بن سويد بن صامت منافقا، فخرج يوم أحد مع المسلمين، فلما التقى الناس، عدا على المجذر بن ذياد البلوي، وقيس بن زيد، أحد بني ضبيعة، فقتلهما، ثم لحق بمكة بقريش، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم- فيما يذكرون- قد أمر عمر بن الخطاب بقتله إن هو ظفر به، ففاته، فكان بمكة، ثم بعث إلى أخيه الجلاس بن سويد يطلب التوبة، ليرجع إلى قومه. فأنزل الله تعالى فيه، فيما بلغني، عن ابن عباس: «كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم، وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات، والله لا يهدي القوم الظالمين 3: 86» إلى آخر القصة. (تحقيق ابن هشام فيمن قتل المجذر) : قال ابن هشام: حدثني من أثق به من أهل العلم: أن الحارث بن سويد قتل المجذر بن ذياد، ولم يقتل قيس بن زيد، والدليل على ذلك: أن ابن إسحاق لم يذكره في قتلى أحد، وإنما قتل المجذر، لأن المجذر بن ذياد كان قتل أباه سويدا في بعض الحروب التي كانت بين الأوس والخزرج، وقد ذكرنا ذلك فيما مضى من هذا الكتاب. فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، في نفر من أصحابه، إذ خرج الحارث بن سويد من بعض حوائط المدينة، وعليه ثوبان مضرجان ، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان، فضرب عنقه، ويقال: بعض الأنصار. قال ابن إسحاق: قتل سويد بن الصامت معاذ بن عفراء غيلة، في غير حرب رماه بسهم فقتله قبل يوم بعاث. (أمر أصيرم) : قال ابن إسحاق: وحدثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ عن أبي سفيان، مولى ابن أبي أحمد، عن أبي هريرة قال: كان يقول: حدثوني عن رجل دخل الجنة لم يصل قط، فإذا لم يعرفه الناس سألوه: من هو؟ فيقول: أصيرم، بني عبد الأشهل، عمرو بن ثابت بن وقش. قال الحصين: فقلت لمحمود بن أسد: كيف كان شأن الأصيرم؟ قال: كان يأبى الإسلام على قومه. فلما كان يوم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد، بدا له في الإسلام فأسلم، ثم أخذ سيفه، فعدا حتى دخل في عرض الناس، فقاتل حتى أثبتته الجراحة. قال: فبينا رجال من بني عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة إذا هم به، فقالوا: والله إن هذا للأصيرم، ما جاء به؟ لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الحديث، فسألوه ما جاء به، فقالوا: ما جاء بك يا عمرو؟ أحدب على قومك أم رغبة في الإسلام؟ قال: بل رغبة في الإسلام، آمنت بالله وبرسوله وأسلمت، ثم أخذت سيفي، فغدوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قاتلت حتى أصابني ما أصابني، ثم لم يلبث أن مات في أيديهم. فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إنه لمن أهل الجنة. (مقتل عمرو بن الجموح) :
قال ابن إسحاق: وحدثني أبي إسحاق بن يسار، عن أشياخ من بني سلمة: أن عمرو بن الجموح كان رجلا أعرج شديد العرج، وكان له بنون أربعة مثل الأسد، يشهدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد، فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه، وقالوا له: إن الله عز وجل: قد عذرك، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن بني يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه، والخروج معك فيه، فو الله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك، وقال لبنيه: ما عليكم أن لا تمنعوه، لعل الله أن يرزقه الشهادة فخرج معه فقتل يوم أحد [1] . (هند وتمثيلها بحمزة) : قال ابن إسحاق: ووقعت هند بنت عتبة، كما حدثني صالح بن كيسان، والنسوة اللاتي معها، يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يجد عن [2] الآذان والأنف، حتى اتخذت هند من آذان الرجال وآنفهم خدما وقلائد، وأعطت خدمها وقلائدها وقرطتها وحشيا، غلام جبير بن مطعم، وبقرت عن كبد حمزة، فلاكتها ، فلم تستطع أن تسيغها ، فلفظتها ، ثم علت على صخرة مشرفة، فصرخت بأعلى صوتها فقالت: نحن جزيناكم بيوم بدر ... والحرب بعد الحرب ذات سعر ما كان عن عتبة لي من صبر ... ولا أخي وعمه وبكري شفيت نفسي وقضيت نذري ... شفيت وحشي غليل صدري فشكر وحشي علي عمري ... حتى ترم أعظمي في قبري (شعر هند بنت أثاثة في الرد على هند بنت عتبة) : فأجابتها هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب، فقالت: خزيت في بدر وبعد بدر ... يا بت وقاع عظيم الكفر صبحك الله غداة الفجر ... ملهاشميين الطوال الزهر بكل قطاع حسام يفري ... حمزة ليثي وعلي صقري إذ رام شيب وأبوك غدري ... فخضبا منه ضواحي النحر ونذرك السوء فشر نذر قال ابن هشام: تركنا منها ثلاثة أبيات أقذعت فيها. (شعر لهند بنت عتبة أيضا) : قال ابن إسحاق: وقالت هند بنت عتبة أيضا: شفيت من حمزة نفسي بأحد ... حتى بقرت بطنه عن الكبد أذهب عني ذاك ما كنت أجد ... من لذعة الحزن الشديد المعتمد والحرب تعلوكم بشؤبوب برد ... تقدم إقداما عليكم كالأسد (تحريض عمر لحسان على هجو هند بنت عتبة) : قال ابن إسحاق: فحدثني صالح بن كيسان أنه حدث: أن عمر بن الخطاب قال لحسان بن ثابت: يا بن الفريعة- قال ابن هشام: الفريعة بنت خالد بن خنيس، ويقال: خنيس: ابن حارثة بن لوذان بن عبد ود بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج- لو سمعت ما تقول هند، ورأيت أشرها قائمة على صخرة ترتجز بنا، وتذكر ما صنعت بحمزة؟ قال له حسان: والله إني لأنظر إلى الحربة تهوي وأنا على رأس فارع- يعني أطمه- فقلت: والله إن هذه لسلاح ما هي بسلاح العرب، وكأنها إنما تهوى إلى جمزة ولا أدري، لكن أسمعني بعض قولها أكفكموها، قال: فأنشده عمر بن الخطاب بعض ما قالت، فقال حسان بن ثابت: أشرت لكاع وكان عادتها ... لؤما إذا أشرت مع الكفر قال ابن هشام: وهذا البيت في أبيات له تركناها، وأبياتا أيضا له على الدال. وأبياتا أخر على الذال، لأنه أقذع فيها. (استنكار الحليس على أبي سفيان تمثيله بحمزة) : قال ابن إسحاق: وقد كان الحليس بن زبان، أخو بنو الحارث بن عبد مناة، وهو يومئذ سيد الأبيش، قد مر بأبي سفيان، وهو يضرب في شدق حمزة بن عبد المطلب بزج الرمح ويقول: ذق عقق، فقال الحليس: يا بني كنانة، هذا سيد قريش يصنع بابن عمه ما ترون لحما ؟ فقال: ويحك! اكتمها عني، فإنها كانت زلة. (شماتة أبي سفيان بالمسلمين بعد أحد وحديثه مع عمر) :
ثم إن أبا سفيان بن حرب، حين أراد الانصراف، أشرف على الجبل، ثم صرخ بأعلى صوته فقال: أنعمت فعال ، وإن الحرب سجال يوم بيوم، أعل هبل [6] ، أي أظهر دينك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قم يا عمر فأجبه، فقل: الله أعلى وأجل، لا سواء ، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار. فلما أجاب عمر أبا سفيان، قال له أبو سفيان: هلم إلي يا عمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: ائته فانظر ما شأنه، فجاءه، فقال له أبو سفيان: أنشدك الله يا عمر، أقتلنا محمدا؟ قال عمر: اللهم لا، وإنه ليسمع كلامك الآن، قال: أنت أصدق عندي من ابن قمئة وأبر، لقول ابن قمئة لهم: إني قد قتلت محمدا. قال ابن هشام: واسم ابن قمئة عبد الله. (توعد أبي سفيان المسلمين) : قال ابن إسحاق: ثم نادى أبو سفيان: إنه قد كان في قتلاكم مثل، والله ما رضيت، وما سخطت، وما نهيت، وما أمرت. ولما انصرف أبو سفيان ومن معه، نادى: إن موعدكم بدر للعام القابل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من أصحابه: قل: نعم، هو بيننا وبينكم موعد. (خروج علي في آثار المشركين) : ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، فقال: اخرج في آثار القوم، فانظر ماذا يصنعون وما يريدون فإن كانوا قد جنبوا الخيل ، وامتطوا الإبل، فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل، فإنهم يريدون المدينة، والذي نفسي بيده، لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها، ثم لأناجزنهم قال علي: فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون، فجنبوا الخيل، وامتطوا الإبل، ووجهوا إلى مكة. (مر القتلى بأحد) : وفرغ الناس لقتلاهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني، أخو بني النجار: من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع؟ أفي الأحياء هو أم في الأموات؟ فقال رجل من الأنصار : أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل سعد، فنظر فوجده جريحا في القتلى وبه رمق. قال: فقلت له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أنظر، أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟ قال: أنا في الأموات، فأبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عني السلام، وقل له: إن سعد بن الربيع يقول لك: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته، وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم: إن سعد ابن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم صلى الله عليه وسلم ومنكم عين تطرف . قال: ثم لم أبرح حتى مات، قال: فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته خبره. قال ابن هشام: وحدثني أبو بكر الزبيري: أن رجلا دخل على أبي بكر الصديق، وبنت لسعد بن الربيع جارية صغيرة على صدره يرشفها ويقبلها، فقال له الرجل: من هذه؟ قال: هذه بنت رجل خير مني، سعد ابن الربيع، كان من النقباء يوم العقبة، وشهد بدرا، واستشهد يوم أحد (حزن الرسول على حمزة وتوعده المشركين بالمثلة) : قال ابن إسحاق: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما بلغني، يلتمس حمزة بن عبد المطلب، فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده، ومثل به، فجدع أنفه وأذناه. فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين رأى ما رأى: لولا أن تحزن صفية، ويكون سنة من بعدي لتركته، حتى يكون في بطون السباع، وحواصل الطير، ولئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثلن بثلاثين رجلا منهم. فلما رأى المسلمون حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيظه على من فعل بعمه ما فعل، قالوا: والله لئن أظفرنا الله بهم يوما من الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب. قال ابن هشام: ولما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمزة قال:
لن أصاب بمثلك أبدا! ما وقفت موقفا قط أغيظ إلي من هذا! ثم قال: جاءني جبريل فأخبرني أن حمزة بن عبد المطلب مكتوب في أهل السموات السبع: حمزة ابن عبد المطلب، أسد الله، وأسد رسوله. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمزة وأبو سلمة بن عبد الأسد، إخوة من الرضاعة، أرضعتهم مولاة لأبي لهب [1] . (ما نزل في النهي عن المثلة) : قال ابن إسحاق: وحدثني بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي، عن محمد بن كعب القرظي، وحدثني من لا أتهم، عن ابن عباس: أن الله عز وجل أنزل في ذلك، من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقول أصحابه: «وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين. واصبر وما صبرك إلا بالله، ولا تحزن عليهم، ولا تك في ضيق مما يمكرون» ، فعفا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصبر ونهى عن المثلة. قال ابن إسحاق: وحدثني حميد الطويل، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، قال: ما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقام قط ففارقه، حتى يأمرنا بالصدقة، وينهانا عن المثلة . (صلاة الرسول على حمزة والقتلى) : قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن مقسم، مولى عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس، قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمزة فسجي ببردة ثم صلى عليه، فكبر سبع تكبيرات، ثم أتي بالقتلى فيوضعون إلى حمزة، فصلى عليهم وعليه معهم، حتى صلى عليه ثنتين وسبعين صلاة . (صفية وحزنها على حمزة) : قال ابن إسحاق: وقد أقبلت فيما بلغني، صفية بنت عبد المطلب لتنظر إليه، وكان أخاها لأبيها وأمها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنها الزبير بن العوام: القها فأرجعها، لا ترى ما بأخيها، فقال لها: يا أمه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن ترجعي، قالت: ولم؟ وقد بلغني أن قد مثل بأخي، وذلك في الله، فما أرضانا بما كان من ذلك! لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله. فلما جاء الزبير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، قال: خل سبيلها، فأتته، فنظرت إليه، فصلت عليه، واسترجعت ، واستغفرت له، ثم أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفن. (دفن عبد الله بن جحش مع حمزة) : قال: فزعم لي آل عبد الله بن جحش- وكان لأميمة بنت عبد المطلب، حمزة خاله، وقد كان مثل به كما مثل بحمزة، إلا أنه لم يبقر عن كبده- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفنه مع حمزة في قبره، ولم أسمع ذلك إلا عن أهله (دفن الشهداء) : قال ابن إسحاق: وكان قد احتمل ناس من المسلمين قتلاهم إلى المدينة، فدفنوهم بها، ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقال: ادفنوهم حيث صرعوا. قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن مسلم الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير العذري، حليف بني زهرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أشرف على القتلى يوم أحد، قال: أنا شهيد على هؤلاء، إنه ما من جريح يجرح في الله، إلا والله يبعثه يوم القيامة يدمى جرحه، اللون لون دم والريح ريح مسك، انظروا أكثر هؤلاء جمعا للقرآن، فاجعلوه أمام أصحابه في القبر- وكانوا يدفنون الاثنين والثلاثة في القبر الواحد. قال: وحدثني عمي موسى بن يسار، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: ما من جريح يجرح في الله إلا والله يبعثه يوم القيامة وجرحه يدمى، اللون لون دم، والريح ريح مسك. قال ابن إسحاق: وحدثني أبي إسحاق بن يسار، عن أشياخ من بني سلمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال يومئذ، حين أمر بدفن القتلى: انظروا إلى عمرو بن الجموح، وعبد الله بن عمرو بن حرام، فإنهما كانا متصافيين في الدنيا، فاجعلوهما في قبر واحد. (حزن حمنة على حمزة) :
قال ابن إسحاق: ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا إلى المدينة، فلقيته حمتة بنت جحش، كما ذكر لي، فلما لقيت الناس نعي إليها أخوها عبد الله بن جحش، فاسترجعت واستغفرت له، ثم نعي لها خالها حمزة بن عبد المطلب فاسترجعت واستغفرت له، ثم نعي لها زوجها مصعب بن عمير، فصاحت وولولت! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن زوج المرأة منها لبمكان! لما رأى من تثبتها عند أخيها وخالها، وصياحها على زوجها. (بكاء نساء الأنصار على حمزة) : قال ابن إسحاق: ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدار من دور الأنصار من بني عبد الأشهل وظفر، فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم، فذرفت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبكى، ثم قال: لكن حمزة لا بواكي له! فلما رجع سعد بن معاذ وأسيد بن حضير إلى دار بني عبد الأشهل أمرا نساءهم أن يتحزمن، ثم يذهبن فيبكين على عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: حدثني حكيم بن حكيم عن عباد بن حنيف، عن بعض رجال بني عبد الأشهل، قال: لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بكاءهن على حمزة خرج عليهن وهن على باب مسجده يبكين عليه، فقال: ارجعن يرحمكن الله، فقد آسيتن بأنفسكن. قال ابن هشام: ونهي يومئذ عن النوح. قال ابن هشام: وحدثني أبو عبيدة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمع بكاءهن، قال: رحم الله الأنصار! فإن المواساة منهم ما عتمت لقديمة، مروهن فلينصرفن. (شأن المرأة الدينارية) : قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الواحد بن أبي عون، عن إسماعيل بن محمد، عن سعد بن أبي وقاص، قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة من بني دينار، وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد، فلما نعوا لها، قالت: فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: خيرا يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين، قالت: أرونيه حتى أنظر إليه؟ قال: فأشير لها إليه، حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل! تريد صغيرة قال ابن هشام: الجلل: يكون من القليل، ومن الكثير، وهو ها هنا من القليل. قال امرؤ القيس في الجلل القليل: لقتل بني أسد ربهم ... ألا كل شيء سواه جلل قال ابن هشام : وأما قول الشاعر، وهو الحارث بن وعلة الجرمي: ولئن عفوت لأعفون جللا ... ولئن سطوت لأوهنن عظمي (فهو من الكثير) . (غسل السيوف) : قال ابن إسحاق: فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله ناول سيفه ابنته فاطمة، فقال: اغسلي عن هذا دمه يا بنية، فو الله لقد صدقني اليوم، وناولها علي بن أبي طالب سيفه، فقال: وهذا أيضا، فاغسلي عنه دمه، فو الله لقد صدقني اليوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لئن كنت صدقت القتال لقد صدق معك سهل بن حنيف وأبو دجانة. قال ابن هشام: وكان يقال لسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذو الفقار . قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم، أن ابن أبي نجيح قال: نادى مناد يوم أحد: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي بن أبي طالب: لا يصيب المشركون منا مثلها حتى يفتح الله علينا. قال ابن إسحاق : وكان يوم أحد يوم السبت للنصف من شوال. (خروج الرسول في أثر العدو ليرهبه) :
قال: فلما كان الغد (من) يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال، أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب العدو، فأذن مؤذنه أن لا يخرجن معنا أحد إلا أحد حضر يومنا بالأمس. فكلمه جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، فقال: يا رسول الله، إن أبي كان خلفني على أخوات لي سبع، وقال: يا بني، إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن، ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي، فتخلف على أخواتك، فتخلفت عليهن. فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج معه. وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرهبا للعدو، وليبلغهم أنه خرج في طلبهم، ليظنوا به قوة، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم. (مثل من استماتة المسلمين في نصرة الرسول) : قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان: أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، من بني عبد الأشهل، كان شهد أحدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: شهدت أحدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنا وأخ لي، فرجعنا جريحين، فلما أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدو، قلت لأخي أو قال لي: أتفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والله ما لنا من دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنت أيسر جرحا، فكان إذا غلب حملته عقبة ، ومشى عقبة، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون. (استعمال ابن أم مكتوم على المدينة) : قال ابن إسحاق: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إلى حمراء الأسد، وهي من المدينة على ثمانية أميال، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، فيما قال ابن هشام: قال ابن إسحاق: فأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة. (شأن معبد الخزاعي) : قال: وقد مر به كما حدثني عبد الله بن أبي بكر، معبد بن أبي معبد الخزاعي، وكانت خزاعة، مسلمهم ومشركهم عيبة نصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بتهامة، صفقتهم معه، لا يخفون عنه شيئا كان بها، ومعبد يومئذ مشرك، فقال: يا محمد، أما والله لقد عز علينا ما أصابك، ولوددنا أن الله عافاك فيهم، ثم خرج ورسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الأسد، حتى لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء، وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقالوا: أصبنا حد أصحابه وأشرافهم وقادتهم، ثم نرجع قبل أن نستأصلهم! لنكرن على بقيتهم، فلنفرغن منهم. فلما رأى أبو سفيان معبدا، قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم، وندموا على ما صنعوا ، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط، قال: ويحك! ما تقول؟ قال: والله ما أرى أن ترتحل حتى أرى نواصي الخيل، قال: فو الله لقد أجمعنا الكرة عليهم، لنستأصل بقيتهم: قال: فإني أنهاك عن ذلك، قال: والله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيهم أبياتا من شعر، قال: وما قلت؟ قال: قلت: كادت تهد من الأصوات راحلتي ... إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل تردى بأسد كرام لا تنابلة ... عند اللقاء ولا ميل معازيل فظلت عدوا أظن الأرض مائلة ... لما سموا برئيس غير مخذول فقلت: ويل ابن حرب من لقائكم ... إذا تغطمطت البطحاء بالجيل إني نذير لأهل البسل ضاحية ... لكل ذي إربة منهم ومعقول من جيش أحمد لا وخش تنابلة ... وليس يوصف ما أنذرت بالقيل فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه. (رسالة أبي سفيان إلى الرسول على لسان ركب) :
ومر به ركب من عبد القيس، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة؟ قال: ولم؟ قالوا: نريد الميرة، قال: فهل أنتم مبلغون عني محمدا رسالة أرسلكم بها إليه، وأحمل لكم هذه غدا زبيبا بعكاظ إذا وافيتموها؟ قالوا نعم، قال: فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم، فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل، (كف صفوان لأبي سفيان عن معاودة الكرة) : قال ابن هشام: حدثنا أبو عبيدة: أن أبا سفيان بن حرب لما انصرف يوم أحد، أراد الرجوع إلى المدينة، ليستأصل بقية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم صفوان بن أمية بن خلف: لا تفعلوا، فإن القوم قد حربوا ، وقد خشينا أن يكون لهم قتال غير الذي كان، فارجعوا، فرجعوا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم، وهو بحمراء الأسد، حين بلغه أنهم هموا بالرجعة: والذي نفسي بيده، لقد سومت لهم حجارة، لو صبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب . (مقتل أبي عزة ومعاوية بن المغيرة) : قال أبو عبيدة : وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في جهة ذلك، قبل رجوعه إلى المدينة، معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، وهو جد عبد الملك بن مروان، أبو أمه عائشة بنت معاوية، وأبا عزة الجمحي، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسره ببدر، ثم من عليه، فقال: يا رسول الله، أقلني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لا تمسح عارضيك بمكة بعدها وتقول: خدعت محمدا مرتين، اضرب عنقه يا زبير. فضرب عنقه. قال ابن هشام: وبلغني عن سعيد بن المسيب أنه قال: قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، اضرب عنقه يا عاصم ابن ثابت، فضرب عنقه. (مقتل معاوية بن المغيرة) : قال ابن هشام: ويقال: إن زيد بن حارثة وعمار بن ياسر قتلا معاوية ابن المغيرة بعد حمراء الأسد، كان لجأ إلى عثمان بن عفان فاستأمن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمنه، على أنه إن وجد بعد ثلاث قتل، فأقام بعد ثلاث وتوارى فبعثهما النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: إنكما ستجدانه بموضع كذا وكذا، فوجداه فقتلاه. (شأن عبد الله بن أبي بعد ذلك) : قال ابن إسحاق: فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان عبد الله بن أبي ابن سلول، كما حدثني ابن شهاب الزهري، له مقام يقومه كل جمعة لا ينكر، شرفا له في نفسه وفي قومه، وكان فيهم شريفا، إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وهو يخطب الناس، قام فقال: أيها الناس، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهركم، أكرمكم الله وأعزكم به، فانصروه وعزروه، واسمعوا له وأطيعوا، ثم يجلس حتى إذا صنع يوم أحد ما صنع، ورجع بالناس، قام يفعل ذلك كما كان يفعله، فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه، وقالوا: اجلس، أي عدو الله، لست لذلك بأهل، وقد صنعت ما صنعت، فخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول: والله لكأنما قلت بجرا أن قمت أشدد أمره. فلقيه رجل من الأنصار بباب المسجد، فقال: مالك؟ ويلك! قال: قمت أشدد أمره، فوثب علي رجال من أصحابه يجذبونني ويعنفونني، لكأنما قلت بجرا أن قمت أشدد أمره، قال: ويلك! ارجع يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: والله ما أبتغي أن يستغفر لي. (كان يوم أحد يوم محنة) : قال ابن إسحاق: كان يوم أحد يوم بلاء ومصيبة وتمحيص، اختبر الله به المؤمنين، ومحن به المنافقين، ممن كان يظهر الإيمان بلسانه، وهو مستخف بالكفر في قلبه، ويوما أكرم الله فيه من أراد كرامته بالشهادة من أهل ولايته. ذكر ما أنزل الله في أحد من القرآن
بسم الله الرحمن الرحيم قال: حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام، قال: حدثنا زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق المطلبي، قال: فكان مما أنزل الله تبارك وتعالى في يوم أحد من القرآن ستون آية من آل عمران، فيها صفة ما كان في يومهم ذلك، ومعاتبة من عاتب منهم، يقول الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: «وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال، والله سميع عليم» 3: 121. قال ابن هشام: تبوئ المؤمنين: تتخذ لهم مقاعد ومنازل. قال الكميت ابن زيد: ليتني كنت قبله ... قد تبوأت مضجعا وهذا البيت في أبيات له. أي سميع بما تقولون، عليم بما تخفون. «إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا 3: 122» : أن تتخاذلا، والطائفتان: بنو سلمة بن جشم بن الخزرج، وبنو حارثة بن النبيت من الأوس، وهما الجناحان يقول الله تعالى: «والله وليهما 3: 122» : أي المدافع عنهما ما همتا به من فشلهما، وذلك أنه إنما كان ذلك منهما عن ضعف ووهن أصابهما غير شك في دينهما، فتولى دفع ذلك عنهما برحمته وعائدته، حتى سلمتا من وهونهما وضعفهما، ولحقتا بنبيهما صلى الله عليه وسلم. قال ابن هشام: حدثني رجل من الأسد من أهل العلم، قال: قالت الطائفتان: ما نحب أنا لم نهم بما هممنا به، لتولى الله إيانا في ذلك. قال ابن إسحاق: يقول الله تعالى: «وعلى الله فليتوكل المؤمنون 3: 122» : أي من كان به ضعف من المؤمنين فليتوكل علي، وليستعن بي، أعنه على أمره، وأدافع عنه، حتى أبلغ به، وأدفع عنه، وأقويه على نيته. «ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة، فاتقوا الله لعلكم تشكرون» 3: 123: أي فاتقوني، فإنه شكر نعمتي. «ولقد نصركم الله ببدر» 3: 123 وأنتم أقل عددا وأضعف قوة «إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين. بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين» 3: 124- 125: أي إن تصبروا لعدوي، وتطيعوا أمري، ويأتوكم من وجههم هذا، أمدكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين. (تفسير ابن هشام لبعض الغريب) : </ > قال ابن هشام: مسومين: معلمين. بلغنا عن الحسن بن أبي الحسن البصري أنه قال: أعلموا على أذناب خيلهم ونواصيها بصوف أبيض. فأما ابن إسحاق فقال: كانت سيماهم يوم بدر عمائم بيضا. وقد ذكرت ذلك في حديث بدر. والسيما: العلامة. وفي كتاب الله عز وجل: «سيماهم في وجوههم من أثر السجود» 48: 29: أي علامتهم. و «حجارة من سجيل منضود. مسومة» 11: 82- 83 يقول: معلمة. بلغنا عن الحسن بن أبي الحسن البصري أنه قال: عليها علامة، أنها ليست من حجارة الدنيا، وأنها من حجارة العذاب. قال رؤبة بن العجاج: فالآن تبلى بي الجياد السهم ... ولا تجاريني إذا ما سوموا وشخصت أبصارهم وأجذموا (أجذموا «بالذال المعجمة» : أي أسرعوا، وأجدموا «بالدال المهملة» : أقطعوا) . وهذه الأبيات في أرجوزة له. والمسومة (أيضا) : المرعية. وفي كتاب الله تعالى: «والخيل المسومة» 3: 14 و «شجر فيه تسيمون» 16: 10. تقول العرب: سوم خيله وإبله، وأسامها: إذا رعاها. قال الكميت من زيد: راعيا كان مسجحا ففقدناه ... وفقد المسيم هلك السوام قال ابن هشام: مسجحا: سلس السياسة محسن (إلى الغنم) . وهذا البيت في قصيدة له. «وما جعله الله إلا بشرى لكم، ولتطمئن قلوبكم به، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم» 3: 126: أي ما سميت لكم من سميت من جنود ملائكتي إلا بشرى لكم، ولتطمئن قلوبكم به، لما أعرف من ضعفكم، وما النصر إلا من عندي، لسلطاني وقدرتي، وذلك أن العز والحكم إلي، لا إلى أحد من خلقي. ثم قال: «ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين» 3: 127: أي ليقطع طرفا من المشركين بقتل ينتقم به منهم، أو يردهم خائبين: أي ويرجع من بقي منهم فلا خائبين، لم ينالوا شيئا مما كانوا يأملون. (تفسير ابن هشام لبعض الغريب) :
قال ابن هشام: يكبتهم: يغمهم أشد الغم، ويمنعهم ما أرادوا. قال ذو الرمة: ما أنس من شجن لا أنس موقفنا ... في حيرة بين مسرور ومكبوت ويكبتهم (أيضا) : يصرعهم لوجوههم. قال ابن إسحاق: ثم قال لمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس لك من الأمر شيء، أو يتوب عليهم، أو يعذبهم فإنهم ظالمون 3: 128» : أي ليس لك من الحكم شيء في عبادي، إلا ما أمرتك به فيهم، أو أتوب عليهم برحمتي، فإن شئت فعلت، أو أعذبهم بذنوبهم فبحقي «فإنهم ظالمون» 3: 128: أي قد استوجبوا ذلك بمعصيتهم إياي «والله غفور رحيم» 3: 129: أي يغفر الذنب ويرحم العباد، على ما فيهم . (النهي عن الربا) : ثم قال: «يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا أضعافا مضاعفة» 3: 130، أي لا تأكلوا في الإسلام، إذ هداكم الله به ما كنتم تأكلون إذ أنتم على غيره، مما لا يحل لكم في دينكم «واتقوا الله لعلكم تفلحون» 3: 130: أي فأطيعوا الله لعلكم تنجون مما حذركم الله من عذابه، وتدركون ما رغبكم الله فيه من ثوابه، «واتقوا النار التي أعدت للكافرين» 3: 131: أي التي جعلت دارا لمن كفر بي. (الحض على الطاعة) : ثم قال: «وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون» 3: 132 معاتبة للذين عصوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمرهم بما أمرهم به في ذلك اليوم وفي غيره. ثم قال: «وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين» 3: 133: أي دارا لمن أطاعني وأطاع رسولي. «الذين ينفقون في السراء والضراء، والكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس، والله يحب المحسنين» 3: 134: أي وذلك هو الإحسان، وأنا أحب من عمل به، «والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم، ومن يغفر الذنوب إلا الله، ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون» 3: 135: أي إن أتوا فاحشة، أو ظلموا أنفسهم بمعصية ذكروا نهي الله عنها، وما حرم عليهم، فاستغفروه لها، وعرفوا أنه لا يغفر الذنوب إلا هو. «ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون» 3: 135: أي لم يقيموا على معصيتي كفعل من أشرك بي فيما غلوا به في كفرهم، وهم يعلمون ما حرمت عليهم من عبادة غيري. «أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، ونعم أجر العاملين» 3: 136: أي ثواب المطيعين. (ذكر ما أصابهم وتعزيتهم عنه) : ثم استقبل ذكر المصيبة التي نزلت بهم، والبلاء الذي أصابهم، والتمحيص لما كان فيهم، واتخاذه الشهداء منهم، فقال: تعزية لهم، وتعريفا لهم فيما صنعوا، وفيما هو صانع بهم. «قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين» 3: 137: أي قد مضت مني وقائع نقمة في أهل التكذيب لرسلي والشرك بي: عاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين، فرأوا مثلات قد مضت مني فيهم، ولمن هو على مثل ما هم عليه من ذلك مني، فإني أمليت لهم: أي لئلا يظنوا أن نقمتي انقطعت عن عدوكم وعدوي، للدولة التي أدلتهم بها عليكم، ليبتليكم بذلك، ليعلمكم ما عندكم.
ثم قال تعالى: «هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين» 3: 138: أي هذا تفسير للناس إن قبلوا الهدى «وهدى وموعظة» 3: 138: أي نور وأدب «للمتقين» 3: 138 أي لمن أطاعني وعرف أمري. «ولا تهنوا ولا تحزنوا» 3: 139: أي لا تضعفوا ولا تبتئسوا على ما أصابكم، «وأنتم الأعلون» 3: 139: أي لكم تكون العاقبة والظهور «إن كنتم مؤمنين» 3: 139: أي إن كنتم صدقتم نبي بما بما جاءكم به عني. «إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله» 3: 140: أي جراح مثلها، «وتلك الأيام نداولها بين الناس» 3: 140: أي نصرفها بين الناس للبلاء والتمحيص «وليعلم الله الذين آمنوا، ويتخذ منكم شهداء، والله لا يحب الظالمين» 3: 140: أي ليميز بين المؤمنين والمنافقين، وليكرم من أكرم من أهل الإيمان بالشهادة «والله لا يحب الظالمين» 3: 140: أي المنافقين الذين يظهرون بألسنتهم الطاعة وقلوبهم مصرة على المعصية «وليمحص الله الذين آمنوا» 3: 141: أي يختبر الذين آمنوا حتى يخلصهم بالبلاء الذي نزل بهم، وكيف صبرهم ويقينهم «ويمحق الكافرين» 3: 141: أي يبطل من المنافقين قولهم بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، حتى يظهر منهم كفرهم الذي يستترون به. (دعوة الجنة للمجاهدين) : ثم قال تعالى: «أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين» 3: 142: أي حسبتم أن تدخلوا الجنة، فتصيبوا من ثوابي الكرامة، ولم أختبركم بالشدة، وأبتليكم بالمكاره، حتى أعلم صدق ذلك منكم بالإيمان بي، والصبر على ما أصابكم في، ولقد كنتم تمنون الشهادة على الذي أنتم عليه من الحق قبل أن تلقوا عدوكم، يعني الذين استنهضوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خروجه بهم إلى عدوهم، لما فاتهم من حضورا اليوم الذي كان قبله ببدر، ورغبة في الشهادة التي فاتتهم بها، فقال: «ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه» 3: 143 يقول: «فقد رأيتموه وأنتم تنظرون» 3: 143: أي الموت بالسيوف في أيدي الرجال قد خلي بينكم وبينهم وأنتم تنظرون إليهم، ثم صدهم عنكم. «وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا، وسيجزي الله الشاكرين» 3: 144: أي لقول الناس: قتل محمد صلى الله عليه وسلم، وانهزامهم عند ذلك، وانصرافهم عن عدوهم «أفإن مات أو قتل» 3: 144 رجعتم عن دينكم كفارا كما كنتم، وتركتم جهاد عدوكم، وكتاب الله. وما خلف نبيه صلى الله عليه وسلم من دينه معكم وعندكم، وقد بين لكم فيما جاءكم به عني أنه ميت ومفارقكم، «ومن ينقلب على عقبيه» 3: 144: أي يرجع عن دينه «فلن يضر الله شيئا» 3: 144: أي ليس ينقص ذلك عز الله تعالى ولا ملكه ولا سلطانه ولا قدرته، «وسيجزي الله الشاكرين» 3: 144: أي من أطاعه وعمل بأمره . (ذكره أن الموت بإذن الله) : ثم قال: «وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا» 3: 145: أي أن لمحمد صلى الله عليه وسلم أجلا هو بالغه، فإذا أذن الله عز وجل في ذلك كان. «ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها، وسنجزي الشاكرين» 3: 145: أي من كان منكم يريد الدنيا، ليست له رغبة في الآخرة، نؤته منها ما قسم له من رزق، ولا يعدوه فيها، وليس له في الآخرة من حظ «ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها» 3: 145 ما وعد به، مع ما يجزى عليه من رزقه في دنياه، وذلك جزاء الشاكرين، أي المتقين. (ذكر شجاعة المجاهدين من قبل مع الأنبياء) : ثم قال: «وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا وما استكانوا، والله يحب الصابرين» 3: 146:
أي وكأين من نبي أصابه القتل، ومعه ربيون كثير: أي جماعة، فما وهنوا لفقد نبيهم، وما ضعفوا عن عدوهم، وما استكانوا لما أصابهم في الجهاد عن الله تعالى وعن دينهم، وذلك الصبر، والله يحب الصابرين «وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين» 3: 147. (تفسير ابن هشام لبعض الغريب) : قال ابن هشام: واحد الربيين: ربي، وقولهم: الرباب، لولد عبد مناة بن أد بن طابخة بن إلياس، ولضبة، لأنهم تجمعوا وتحالفوا، من هذا، يريدون الجماعات. وواحدة الرباب: ربة (وربابة) وهي جماعات قداح أو عصي ونحوها، فشبهوها بها. قال أبو ذؤيب الهذلي : وكأنهن ربابة وكأنه ... يسر يفيص على القداح ويصدع وهذا البيت في أبيات له. وقال أمية بن أبي الصلت: حول شياطينهم أبابيل رب ... يون شدوا سنورا مدسورا وهذا البيت في قصيدة له: قال ابن هشام: والربابة (أيضا) : الخرقة التي تلف فيها القداح. قال ابن هشام: والسنور: الدروع. والدسر، هي المسامير التي في الحلق، يقول الله عز وجل «وحملناه على ذات ألواح ودسر» 54: 13. قال الشاعر، وهو أبو الأخزر الحماني، من تميم: دسرا بأطراف القنا المقوم قال ابن إسحاق: أي فقولوا مثل ما قالوا، واعلموا أنما ذلك بذنوب منكم، واستغفروه كما استغفروه، وامضوا على دينكم كما مضوا على دينهم، ولا ترتدوا على أعقابكم راجعين، واسألوه كما سألوه أن يثبت أقدامكم، واستنصروه كما استنصروه على القوم الكافرين، فكل هذا من قولهم قد كان، وقد قتل نبيهم، فلم يفعلوا كما فعلتم، فآتاهم الله ثواب الدنيا بالظهور على عدوهم، وحسن ثواب الآخرة وما وعد الله فيها، والله يحب المحسنين. (تحذيره إياهم من إطاعة الكفار) : «يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين» 3: 149: أي عن عدوكم، فتذهب دنياكم وآخرتكم «بل الله مولاكم وهو خير الناصرين» 3: 150، فإن كان ما تقولون بألسنتكم صدقا في قلوبكم فاعتصموا به، ولا تستنصروا بغيره، ولا ترجعوا على أعقابكم مرتدين عن دينه. «سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب» 3: 151: أي الذي به كنت أنصركم عليهم بما أشركوا بي ما لم أجعل لهم من حجة، أي فلا تظنوا أن لهم عاقبة نصر ولا ظهور عليكم ما اعتصمتم بي، واتبعتم أمري، للمصيبة التي أصابتكم منهم بذنوب قدمتموها لأنفسكم، خالفتم بها أمري للمعصية، وعصيتم بها النبي صلى الله عليه وسلم. «ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه، حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر، وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون، منكم من يريد الدنيا، ومنكم من يريد الآخرة ، ثم صرفكم عنهم ليبتليكم، ولقد عفا عنكم، والله ذو فضل على المؤمنين 3: 152» أي وقد وفيت لكم بما وعدتكم من النصر على عدوكم، إذ تحسونهم بالسيوف، أي القتل، بإذني وتسليطي أيديكم عليهم، وكفى أيديهم عنكم. قال ابن هشام: الحس: الاستئصال: يقال: حسست الشيء: أي استأصلته بالسيف وغيره. قال جرير: تحسهم السيوف كما تسامى ... حريق النار في الأجم الحصيد وهذا البيت في قصيدة له. وقال رؤبة بن العجاج: إذا شكونا سنة حسوسا ... تأكل بعد الأخضر اليبيسا وهذان البيتان في أرجوزة له.